الزيارة من الزَّور والزَّور: أعلى الصدر.
وزرت فلانًا: تلقيته بزوري أي بصدري، أو قصدت زوره أي صدره، وزاره يزوره زورًا وزيارة أي عاده (^١).
والزيارة: معناها هنا قصد زيارة القبر الخروج إلى المنابر.
أحكام وفوائد:
١ - زيارة المقابر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: زيارة بدعية وشركية وشرعية، وتفصيلها كما يلي:
١ - زيارة بدعية: وهي التي يشد الرحل إليها أو يصاحبها هجر أو غير ذلك من
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٠، ٢٢٥/ ٢٣٩ - ٢٤٢. الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٠. شرح السنة للبغوي ٥/ ٤٦٢. المصنف لابن أبي شيبة ٣/ ٢٩. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٨٨. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٦٤ - ٧٦١. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٧٦/ ٩١/ ٤١٤. أحكام القرآن القرطبي ٢٠/ ١٧١. إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٢. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٣١٠، ٣/ ٦٤٣ - ٤/ ١١. أجوبة المسائل الثمان في السنة والبدعة والكفر والإيمان للعلامة محمد المعصومي ٥٥ - ٥٦ وما بعدها. أحكام الجنائز للألباني. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٣٥ ومن المجموع ٩/ ٤٢٤. معارج القبول ١١/ ٣٨٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٧. الدرر السنية ٥/ ١٥٩، ١٠/ ٢٨١، ١١/ ١١٣، نور على الدرب لابن باز ١٦٦/ ٢٩٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٤٤. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٦/ ١٥١، ١٥٧. المسائل والرسائل المرورية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٨٤. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ٢٦٤. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة العباد ص ١٩١. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٨٥، ١٥٩١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٠٦. التبرك د: ناصر الجديع ٣١٨، ٣٢٠.
(٢) مفردات القرآن (ز ور)، لسان العرب (ز ور).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
البدع كاتخاذها أعيادًا والعكوف عندها، والطواف بها وهي إما بدع كفرية مخرجة من الملة أو هي وسائل للشرك أو بدع محدثة (^١).
قال ابن القيم: "فبدَّل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء للميت بدعائه لنفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله - ﷺ - إحسانًا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر، وتذكيرا بالآخرة، سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار" (^٢).
٢ - زيارة شركية: وهي التي وقع صاحبها في نوع من أنواع الشرك بالله كدعاء غير الله أو الذبح للقبور أو النذر لهم أو الاستغاثة بهم أو الاستعانة بهم أو الاستعاذة بهم.
قال ابن القيم ﵀: "وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذة عن عباد الأصنام. قالوا الميت المعظم، الذي لروحه قربٌ ومنزلةٌ ومزيةٌ عند الله تعالى، لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علَّق الزائر روحه به، وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها. كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقي فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ١/ ٢٣٥ - ٣٠٣ - ٣٥٥ وكتاب أحكام الجنائز ٢٥٨ - ٢٦٧ ففيه مجمل لأنواع البدع.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٢.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية. فاض عليها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذي قصد رسول الله - ﷺ - إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده. وكان - ﷺ - في شق، وهؤلاء في شق.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور: هو: الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المغرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه. وصار بينه وبينه اتصال. يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاهٍ وحظوة وقُربٍ من السلطان. فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام. وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم. وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم" (^١).
٣ - زيارة شرعية: وهي التي شرعها الإسلام بالشرطين التاليين:
أ - أن لا يشد الرحال إليها.
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ الله: "لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلَّا إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأقصَى" (^٢).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٩.
(٢) أخرجه مسلم (٨٢٧) بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (١٩٩٥، ١١٩٧) بلفظ (لا تشدوا).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ب - أن لا يقول الزائر هجرًا.
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله: "إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة" (^١). وفي رواية: "فزوروها ولا تقولوا ما يسخط الرب" (^٢).
وعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجرًا" (^٣).
قال مالك: "يعني: لا تقولوا سوءًا" (^٤).
وقال ابن الأثير: "أي فحشا يقال أهجر في منطقِهِ يُهجَر إهجارًا إذا أفحش وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي" (^٥).
وقال المناوي: " (هجرًا) بالضم أي: قبيحًا أو فحشًا" (^٦).
وعن سبب نهيه - ﷺ - عن زيارة القبور يقول المناوي: "لحدثان عهدكم بالكفر، وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام وصرتم أهل يقين وتقوى (فزوروا القبور) أي بشرط أن لا يقترن بذلك تمسح بالقبر أو تقبيل أو سجود عليه أو نحو ذلك" (^٧).
وقال الألباني: "ولا يخفى أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه، لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك؛ ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها" (^٨).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١١٣٤٩) (٢٣٣٤٦) (٢٣٣٩١).
(٢) أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد ٣/ ٥٨ وقال: وإسناد رجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١١٦٢)، والنسائي في الكبرى ١/ ٦٥٤، ومالك في الموطأ ٢/ ٤٨٥، وهو في المستدرك ١/ ٥٣٢، ٦/ ٣٢١، وفي المجمع للهيثمي ٣/ ٥٨، ٥٩.
(٤) الموطأ ٢/ ٤٨٥.
(٥) النهاية لابن الأثير (هـ ج ر).
(٦) فيض القدير ٥/ ٧١.
(٧) فيض القدير ٥/ ٧١.
(٨) أحكام الجنائز ص ١٧٩.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقال الصنعاني ﵀ بعد أن ذكر أحاديث الإذن بزيارة القبور: "والكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها وأنها للاعتبار فإنه في لفظ حديث ابن مسعود: "فإنها عبرة وذكر للآخرة والتزهيد في الدنيا" فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعًا" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكر الآخرة، والاعتبار، والاتعاظ. وقد أشار النبي - ﷺ - إلى ذلك بقوله: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (^٢).
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسرّ بذلك، فالميت أولى. لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعاء، أو صدقة، أو أهدى قُربة. ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له. ولهذا شرع النبي للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية، فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا أن يدعوا بهم، ولا يصلّى عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول - ﷺ -، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور" (^٣).
وقسَّم ابن سعدي زيارة القبور إلى نوعين: مشروع وممنوع، فقال ﵀: "أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، يزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عموما ولأقاربه ومعارفه خصوصًا، فيكون محسنا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم،
_________________
(١) سبل السلام ٢/ ٥٧٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة". (١٥٧١) ورواه أيضا عن أبي هريرة يرفعه بلفظ:" زوروا القبور فإنها تذكر الموت" (١٥٦٩).
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٨.
[ ٢ / ٢٩١ ]
ومحسنًا إلى نفسه باتباع السنة وتذكرة الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ.
وأما الممنوع فإنه نوعان:
أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلي الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم" (^١).
٢ - حكم زيارة قبر المشرك:
يقول الشيخ ناصر الدين الألباني - ﵀ -: "ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان:
الأول: عن أبي هريرة قال: "زار النبي قبر أمه، فبكي، وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (^٢).
الثاني: عن بريدة "كنا مع النبي في سفر، - وفي رواية -: في غزوة الفتح، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب، ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول الله ما لك؟ قال: "إني سألت ربي - ﷿ - في الاستغفار لأمي. فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا"" (^٣).
وفي قوله - ﷺ -: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" قال النووي - ﵀ -: "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم
_________________
(١) القول السديد ص ٨١ - ٨٢.
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٦)، وأبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٢٠٣٦)، وابن ماجه (١٥٧٢).
(٣) أحكام الجنائز ص ١٨٨.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض - ﵀ -: سبب زيارته - ﷺ - قبرها أنه قصد قوة الموعظة الذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله - ﷺ - في آخر الحديث: فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" (^١).
وبالجملة فزيارة القبور جائزة. قال ابن تيمية: "حتى قبور الكفار" (^٢).
٣ - حكم زيارة النساء للقبور (^٣):
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "لعن رسول الله زوارات القبور" (^٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ - قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" (^٥).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور أي: من
_________________
(١) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.
(٢) الاقتضاء ٢/ ٦٦٤ وانظر شفاء الصدور ٢٧.
(٣) التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٥. الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٢، ٨/ ٢٢٣، المصنف لابن أبي شيبة ٢/ ٤٨١. السنة للبغوي ٥/ ٤٦٤. المجموع للنووي ٥/ ٣٠٩ - ٣١١. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٨٧. أحكام القرآن للقرطبي ٢٠/ ١٧٠ - ١٧١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٦٠٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٦. فتح المجيد ٢٨٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١٦٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٣٧، ط ٢ - ١/ ٥٥٠ ومن المجموع ٩/ ٤٢٤. الدرر السنية ٥/ ١٦٢. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٥٩. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٥٣. نور علي الدرب لابن باز ٢٦٣ - ٢٦٨. جزء في زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -.
(٤) أخرجه الترمذي (١٠٥٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود (٣٢٣٦) وابن ماجه (١٥٧٤) (١٥٧٥) (١٥٧٦) والإمام أحمد (١٥٧٤٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠). وابن ماجه (١٥٧٥) وهذا حديث أخرجه أهل السنن عن ابن عباس - ﵄ - قال الترمذي حديث ابن عباس حديث حسن. ونقل ابن تيمية في الاقتضاء (١/ ٢٩٤) أن الترمذي قال: هذا حديث صحيح وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: رواه أحمد والترمذي وصححه وضعفه عبد الحق وحسنه ابن القطان). تيسير العزيز الحميد ٣٤٦ ط - المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة" (^١).
* أقوال العلماء في حكم زيارة النساء للقبور:
وفي ذلك خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أوجه حكاها النووي (^٢) وغيره ونذكرها على وجه التفصيل:
أولًا: يباح ويستدل له بحديث عائشة وفيه: قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله. قال: قولي: "السلام على أهل الديار " الحديث (^٣). وبحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (^٤). ويجاب عن هذا بأن: "نهيتكم" ضمير ذكور فلا يدخل فيه النساء على المذهب الصحيح المختار في الأصول (^٥).
قال ابن حجر: "واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة. ويؤيد الجواز حديث الباب - وهو ما رواه أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر. فقال: "اتقي الله واصبري". قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -. فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
وموضع الدلالة منه أنه - ﷺ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة.
وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروي الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر عبد الرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها" (^٦).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ٣٤٦. ط - المكتب الإسلامي.
(٢) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٤).
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٧).
(٥) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.
(٦) فتح الباري ٣/ ١٤٨.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الثاني: يكره. قال ابن عبد البر: "ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر" (^١). قال ابن حجر: "واختلف من قال بالكرهية في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه" (^٢).
والمشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أن الكراهة لا تصل إلى التحريم لحديث أم عطية "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" (^٣) والقول بكراهة التنزيه يصدق لو كانت أدلة الإباحة صحيحة غير متعقبة، لكنها مع صحتها غير صريحة في الإباحة أو الكراهة.
الثالث: تحريمها عليهن. لحديث: "لعن رسول الله - ﷺ - زوارات القبور" (^٤).
وحديث "لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور" (^٥).
قال ابن حجر: "وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو (^٦) وبحديث: "لعن الله زوارات القبور"" (^٧).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا يعارض هذا - أي حديث: "لعن الله زوارات القبور" - حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" رواه مسلم
_________________
(١) التمهيد ٣/ ٢٣٣.
(٢) فتح الباري ٣/ ١٤٨.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٧٨).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) قال - أي النبي - ﷺ -: "ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة، قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم فقال: "لعلك بلغت معهم الكدى" قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر قال: "لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك". أخرجه أبو داود (٣١٢٣) والنسائي (١٨٨١) وأحمد (٦٥٧٤) (٧٠٨٢)، والكدى: أراد بها المقابر. انظر النهاية (ك د ا).
(٧) فتح الباري ٣/ ١٤٨.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وغيره. لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه، فهو عام والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وأما الجواب عن حديث المرأة، وحديث عائشة، أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعًا، لكنها أصيبت ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقي في بيتها ولذلك خرجت وجعلت تبكي على القبر مما يدل على أن في قلبها شيئًا عظيمًا لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها - ﷺ - أن تصبر لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحًا بأنها خرجت للزيارة وإذا لم يكن صريحًا فلا يمكن أن يُعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح.
وأما حديث عائشة: فإنها قالت للرسول - ﷺ -: "ماذا أقول؟ فقال: "قولي السلام عليكم" فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحًا فلا يعارض الصريح.
وأما فعلها مع أخيها، - ﵄ - فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور لكنا ننظر بماذا ستجيبه؟
فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عامًا، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول إن عائشة - ﵂ - استدلت بلفظ العموم فهي كغيرها من العلماء لا يُعارض
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٧.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بقولها قول الرسول - ﷺ - علي أنه روي عنها أنها قالت: "لو شهدتك ما زرتك" وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له؛ لأنها لم تشهد جنازته لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء وقال إنها لا تصح عن عائشة - ﵂ - لكننا نبقي على الرواية الأولى الصحيحة إذ ليس فيها دليل على أن الرسول - ﷺ - نسخه، وإذا فهمت هي فلا يُعارض بقولها قول الرسول - ﷺ - " (^١).
والذي عليه أئمة التحقيق في هذه المسألة: تحريم زيارة النساء للقبور.
وقد ألّف الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - رسالة لطيفة سماها "جزء في زيارة النساء للقبور" وجاء فيها: "قال أبو العباس علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ما نصه: "ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي - ﷺ - زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق علي حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن".
وقال صاحب المهذب: "ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - لعن زوارات القبور".
وقال السيوطي في كتابه: زهر الرّبى على المجتبي للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: "وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن".
وقال السندي: "وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر"" (^٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٢٩، ٤٣٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٤١، ٤٤٠.
(٢) النقول السابقة مستفادة من كتاب الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - (جزء في زيارة النساء للقبور) وفيه ما يشفي رغبة السائل في هذه المسألة.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله -: "وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التميز بين نوع ونوع.
ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها" (^١).
وقال صاحب المرعاة: ""قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهي ورد خاصا بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخه الخاص بل الخاص حاكم عليه ومقيد له".
وقال الساعاتي في الفتح الرباني: "قال صاحب المدخل المالكي قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال:
وذكر هذه الأقوال ثم قال: "اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة الدين بجوازه".
وقال العلامة صديق خان القنوجي في كتابه حُسْنُ الأسوة: "الراجح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثّر الله سوادهم"" (^٢).
وقال ابن باز - ﵀ -: "ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه لعن زائرات القبور. من حديث ابن عباس ومن حديث أبي هريرة ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعًا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء للقبور محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٦.
(٢) مستفاد من جزء في زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد ص ٥١ - ٥٥.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر. فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط.
والسبب في ذلك - والله أعلم - أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب، وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتنّ بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي - ﷺ - وقبر صاحبيه - ﵄ - قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور حتى قبر النبي - ﷺ - وحتى قبر صاحبيه - ﵄ -. وهذا هو المعتمد من حيث الدليل" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والصحيح القول الأول - يعني: تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب" (^٢).
٤ - حكم زيارة المرأة لقبر النبي - ﷺ -:
قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين: "لا يشرع للمرأة زيارة قبر النبي - ﷺ -، لأنه - ﷺ - حذر من زيارة المرأة للقبور فقد لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. فعلى هذا لا تزور المرأة قبره - ﷺ -، ويكفيها إذا صلت المرأة عليه في مكانها وسلمت عليه في مكانها فإن ذلك يبلغه مهما كان مكانها" (^٣).
_________________
(١) انظر الفتاوى ص ٧٥٣ - ٧٥٤.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٢٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٤١، ٤٤٠.
(٣) فتاوى منار الإسلام ص ٣٠.
[ ٢ / ٢٩٩ ]