في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه.
قال الرازي: "وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر" (^١).
والسحر مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع (^٢).
وفي الاصطلاح: قال أبو محمد المقدسي: "عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ
_________________
(١) * الاستذكار لابن عبد البر ٢٥/ ٢٣٩ .. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٤. حكم المرتد للماوردي ٨٥. أحكام القرآن القرطبي ٢/ ٤٧. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٨٢. فتح الباري ١٠/ ٢٢٢. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٩٧. تيسير العزيز الحميد ٤٣، ٣٨٥. فتح المجيد ص ٣١٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٨٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢، ٣٤١/ ٥، ط ٢ - ٢/ ٥ ومن المجموع ٩/ ٤٨٩. الدرر السنية ١٠/ ٢٠. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٦٤. مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٦٤٣. نور على الدرب ص ٢١١ معارج القبول ١/ ٤١١. شرح مسائل الجاهلية ٣٥. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ٤٥٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٧٣. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٠١. منهج الإمام مالك في العقيدة ٤٥٧. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ص ١٩١. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٢١. علم التوحيد د: الربيعة ص ١٢٢، ١٢٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٢٧٥. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٢. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١١٢. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٤٩٩.
(٢) مختار الصحاح (س ح ر).
(٣) المصباح المنير (س ح ر).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤] " (^١).
وقال بدر العيني: "السحر هو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته" (^٢). فالساحر هو الذي يأتي بأعمال شيطانية، فيها الخفاء، واللطافة، والخداع، والتمويه، والتلهية، والتعليل، والاستمالة.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣] وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقَ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ" (^٣).
والموبقات: المهلكات، سميت بذلك لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه" (^٤).
_________________
(١) الكافي لابن قدامة ٤/ ١٦٣، وانظر المغني ١٢/ ٢٩٩.
(٢) عمدة القارئ ١٧/ ٤١٨.
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) (٥٧٦٤) (٦٨٥٧).
(٤) أخرجه النسائي (٤٠٨٤).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ" (^١).
قال شيخ الإسلام: "فقد صرح رسول الله - ﷺ - بأن علم النجوم من السحر وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة" (^٢).
وقد تقدم في باب الجبت أن العيافة والطرق والطيرة منها لحديث قَبِيصَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ" (^٣).
أحكام وفوائد:
١ - حقيقة السحر:
ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة (^٤)، قال القرطبي في قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي - ﷺ -، وقول النبي - ﷺ -: "إن الله شفاني" والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق" (^٥). وذلك لأن قوما من المعتزلة زعموا أن السحر تخييل لا حقيقة له واختار ذلك أبو جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبو بكر
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٥) وابن ماجه (٣٧٢٦).
(٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٩٣.
(٣) سنن أبي داود (٣٩٠٧) وأحمد (١٦٠١٠).
(٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٤٦. وانظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٢٩٩.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة (^١).
قال النووي - ﵀ - في شرخ المهذب: قال المصنف - يعني الشيرازى صاحب الأصل -: "وللسحر حقيقة وله تأثير في إيلام الجسم وإتلافه، وقال أبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا لا حقيقة له ولا تأثير له، والمذهب الأول، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ والنفاثات السواحر، ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة من شره" (^٢).
ويقول المازري: "مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه" (^٣).
وقال الحافظ في الفتح: "هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: أنه تخييل فقط، منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض. أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول. وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلّم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا ممن يدّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه" (^٤).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.
(٢) المجموع شرح المهذب ١٩/ ٢٤٠. وانظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٢٩٩، الكافى ٤/ ١٦٤.
(٣) مسلم بشرح النووي ١٤/ ١٧٤، ١٧٦ وانظر: شرح العقيدة الطحاوية ٥٦٩، ٥٧٢، مسائل الإمام أحمد ٢/ ١٠٣.
(٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة" (^١).
فالمعتزلة حصروا السحر في نوع واحد وهو التخييلي وقد رُدَّ عليهم بأن أهل السنة يثبتون هذا النوع ولا يلزم منه إنكار النوع الحقيقي كالمعتزلة.
وقال ابن باز: "لا شك أن السحر موجود وبعضه تخييل وأنه يقع ويؤثر بإذن الله ﷿" (^٢).
وقال - ﵀ -: "السحر قسمان: قسم يكون بالعقد والنفث والأدوية الضارة وهذا موجود. وقسم يكون بالتخييل والتلبيس والتزوير كما قال الله تعالى عن سحر سحرة فرعون قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] فسماه عظيمًا لما فيه من التلبيس والتخييل والتزوير على الناس" (^٣).
٢ - الفرق بين السحر والمعجزة (^٤):
هناك عدة فروق بين السحر وبين المعجزة وهذه الفروق هي:
١ - أن المعجزة: ليست من عمل النبي وكسبه إنما هي خلق محض من الله تعالى على خلاف سنته في الكائنات. أما السحر: فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانًا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها (^٥)، واستعملها إلى مسبباتها فليس خارقا للعادة ولا مخالفا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٦.
(٢) ص ٦٨٩.
(٣) من تعليق سماحة الشيخ على كتاب التوحيد وانظر أيضا مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٨/ ١٠٤.
(٤) يأتي تعريف المعجزة في باب الكرامة.
(٥) انظر حول ذلك تفسير القرطبي ٢/ ٤٧ وكتاب السحر للدميني ٥٦.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها. فالسحر يوجد من الساحر وغيره أما المعجزة فلا يمكن أن يأتي بمثلها.
٢ - والمعجزة: تظهر على يد مدّعي النبوة لتكون آية على صدقه في رسالته التى بها هداية الناس من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأخلاقهم وأبدانهم وأموالهم. أما السحر: فهو خلق ذميم أو خرافة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس، ويضللهم ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه، والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة بخفاء، والناس عنه غافلون.
٣ - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة، وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم، عفيف عما في أيدى الناس، يدعو إلى الحق، وينافح دونه بقوة وشجاعة. أما الساحر: فسيرته ذميمة، ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل ويسعى جهده في ستره، خشية أن يفتضح أمره، وينكشف سره، فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.
٤ - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام، وتفتح البلاد ويكون العمران. أما الساحر: فهو آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب (^١).
٥ - أن المعجزة لا يمكن إبطالها أما السحر فإنه يمكن إبطاله.
٦ - أن معجزات الأنبياء ﵈ على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وأما
_________________
(١) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق عفيفي ٤٥، ٤٦، ٤٧، وانظر تحقيقًا في المعجزة وتوضيحًا تفصيليًا لها في كتاب (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) ٣/ ١٣٧٨.
[ ٢ / ٣٨١ ]
السحر والطلسمات ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها (^١).
٣ - الفرق بين الساحر والكاهن:
جاء عن الإمام أحمد أنه قال: الكاهن يدعي الغيب والساحر يعقد (^٢).
٤ - حكم عمل الساحر:
من العلماء من قال بأن السحر كفر، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ حيث برأ الله نبيه من السحر بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ﴾ فدل على أن السحر كفر، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فأثبت الكفر للشياطين وقرن ذلك بتعليمهم السحر للناس فدل على أن السحر كفر (^٣).
وقال ابن كثير: "وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف" (^٤).
وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام حيث قال: "الناقض السابع: السحر ومنه الصرف والعطف" (^٥).
قال ابن باز - ﵀ -: "إن السحر من أعظم الكبائر الموبقات، بل هو من نواقض الإسلام، كما قال الله - ﷿ - في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآيتين
_________________
(١) ينظر الفروق للقرافي ٤/ ١٦٨، ١٧٠، فتح الباري ١٠/ ٢٢٢، أحكام القرآن للجصّاص ١/ ٤٩، عالم السّحر والشعوذة للأشقر ٧٤. مستفاد من تحصين أهل الإيمان من العين والحسد والسحر والشيطان ٤١، ٤٢ وانظر: للاستزادة باب (الكرامة) باب (المعجزة).
(٢) انظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ١٠١.
(٣) انظر معارج القبول ١/ ٥١٢ - ٥١٤.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٤٨.
(٥) انظر النواقض مع شرحها للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، سلسلة شرح الرسائل للشيخ صالح الفوزان ص ٢٧٦، وشرح النواقض للعواجي ص ٧٨.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
[البقرة: ١٠٢ - ١٠٣] فأخبر سبحانه في هاتين الآيتين أن الشياطين يعلِّمون الناس السحر وأنهم كفروا بذلك، وأن الملكين ما يعلمان من أحد حتى يخبراه أن ما يعلمانه كفر وأنهما فتنة وبهذا كله يعلم أن السحر كفر وضلالة وردّة عن الإسلام إذا كان من فعله يدّعي الإسلام، وفي الصحيحين عن أبى هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
فبَيَّن النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح أن الشرك والسحر من السبع الموبقات أي المهلكات. والشرك أعظمها، لأنه أعظم الذنوب، والسحر من جملته ولهذا قرنه الرسول - ﷺ - به، لأن السحرة لا يتوصلون إلى السحر إلا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بما يحبون من الدعاء، والذبح، والنذر، والاستعانة وغير ذالك.
روى النسائي - ﵀ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه"، وهذا يفسر قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قال أهل التفسير: إنهن الساحرات اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها بكلمات شركية يتقربن بها إلى الشياطين لتنفيذ مرادهن في إيذاء الناس وظلمهم" (^١).
والساحر في عمله المقتضي للكفر لا يخرج عن أمور ثلاثة:
الأول: إما أن يتضمن عمله الاعتقاد بأن الكواكب السبعة هي المتصرفة في العالم، وبالتالي فالساحر يخاطبها ويطلب منها أشياء، وذلك كفر ينافي الإيمان بالله، وأنه سبحانه المالك المتصرف المحيي المميت
_________________
(١) مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٦.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الثاني: فيه شرك بالله واعتقاد أن لتلك الأرواح القدرة على التصرف في الخلق من دون الله، فترى الساحر يتقرب إليها، ويعتقد فيها القدرة والعلم المستوجب لمخاطبتها وسؤالها والاستعانة بها.
الثالث: أن يتضمن الاستغاثة بالأرواح الأرضية [الجن] وسؤالها الحاجات والتقرب إليها بالأوراد الكفرية وبالذبح لها. وهذه الثلاث كلها يجمعها أن الساحر يتقرب إلى الشياطين إما باعتقاد أو طلب أو استعانة (^١).
* وبعض أهل العلم يفصّل في حكم الساحر:
قال الشافعي: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب وإلَّا قتل وأخذ ماله فيئا وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرا معروف ولم يضر به أحدا نهى عنه" (^٢).
فمذهب الشافعي التفصيل في ذلك: فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر وإلَّا فلا (^٣).
قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: "التحقيق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى: أن السحر نوعان كما تقدم، منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يقتل كفرًا؛ لقوله - ﷺ -: "من بدل دينه فاقتلوه"، وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته" (^٤).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "السحر في الشرع ينقسم إلى قسمين:
_________________
(١) للاستزادة انظر أضواء البيان ٤/ ٤٨٢ - ٤٩٣ كتاب الدميني في السحر ص ٢٩، ٣٠.
(٢) الأم ١/ ٢٥٦.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٧.
(٤) أضواء البيان ٤/ ٤٩٧.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الأول: عقد ورقى أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله؛ فتجده ينصرف ويميل وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف
فالسحر قسمان:
أ) شرك: وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين، يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.
ب) عدوان وفسق: وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.
وبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟ اختلف في هذا أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه يكفر. ومنهم من قال إنه لا يكفر. ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبًا ومن كان سحره لأدوية والعقاقير ونحوها فلا يكفر ولكنه يعتبر عاصيًا معتديًا" (^١).
وقد بَيَّن الشيخ سليمان بن عبد الله أنه لا خلاف بين القولين فقال - ﵀ -: "وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وفي حديث مرفوع رواه رزين:
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٦٩، وانظر القول المفيد ط ١، ٢/ ٥، ٦.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
"الساحر كافر"، وقال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علماه الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر.
وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سُمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيزًا بليغًا" (^١).
٥ - سحر التمويه والتلبيس المعتمد على خفة الأيدي والأخذ بالعيون:
قال ابن حجر (^٢): وهو ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصيته كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس" (^٣).
وجاء في فتوى إدارة البحوث أن: "السحر يطلق على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلا مع أنه لا يتحرك حتى يراه الحاضر رؤية وهمية تختلف عن حقيقته ويعتقده على خلاف واقعه وهذا النوع من السحر حرام لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول وقد يتخذ مهنة يكسب منها من يشتغل بها ويبتز أموال الناس بالباطل" (^٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: "وأما السحر الرياضي وهو ما يرجع إلى خفة
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٧.
(٢) حكاية عن الراغب انظر: الفتح ١٠/ ٢٢٢.
(٣) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣، مفردات الراغب ٢٢٦.
(٤) فتوى رقم ٨٤٥ بتاريخ ٦/ ٩/ ١٣١٤ هـ.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
اليد وسرعة الحركة، والسحر التمويهي وهو ما يكون بتمويه بعض المواد بما يظهرها على غير حقيقتها فهذان النوعان من الغش والخداع وليسا من السحر الذي هو كفر" (^١).
وقال الدميني - حفظه الله -: "أما الأخذ بالعيون وخفة الأيدي والحركات الخفية والخداع والأعمال الهندسية والكيمائية فهي لا تخلو من حرمة لما يترتب عليها من أخذ أموال الناس بالباطل والاعتقاد في فاعل ذلك أن له من القدرة والتصرف فوق ما يستحقه مما اختص به الله" (^٢).
٦ - حد الساحر:
صح عن جندب - ﵁ - أن حد الساحر ضربه بالسيف (^٣).
وكذلك عن غيره من الصحابة والتابعين (^٤).
وقال الحسن - ﵁ - يقتل السحار ولا يستتابوا (^٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر" (^٦).
وجاء في بعض الوقائع الصحيحة المأثورة ما يتضمن عدم قتل الساحر كعدم
_________________
(١) جواب في الإيمان ونواقضه ص ١٩، ٢٠.
(٢) كتاب السحر للدميني ص ٢٩، ٣٠.
(٣) الترمذي (١٤٦٠).
(٤) المصنف لابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٥، ١٣٦، مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٨٠، ١٨٤، فتح الباري ٦/ ٢٦١، مجمع الزوائد ٦/ ٢٨٠، ٢٨١.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٥.
(٦) تيسير العزيز الحميد ص ٣٩٥.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
قتل لبيد بن الأعصم وكذلك عائشة - ﵂ - باعت جارية لها سحرتها (^١)؛ ولذلك جاء الخلاف في قتل الساحر فقد قال الشافعي - ﵁ -: "إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا" (^٢).
والذي عليه الأئمة ﵏ أن الساحر يقتل وقد قدمنا شيئًا من أقوالهم.
قال مالك: "الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه" (^٣).
وأمرُ عمرَ بقتل السحرة ثابت معلوم، فعن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاثة سواحر" (^٤).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "إن أثر عمر صريح في قتل كل ساحر وساحرة وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة.
وعن أحمد يستتاب، فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيله، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٨٣، والمغني ١٢/ ٣٠٢.
(٢) كتاب الحدود ٤/ ٦٠.
(٣) الموطأ ٢/ ٨٧١.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٠٤٣).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
قلت (^١): الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقا قبلت توبته" (^٢).
وقال ابن باز - ﵀ -: "قد اختلف العلماء في حكم الساحر، هل يستتاب وتقبل توبته؟ أم يقتل بكل حال ولا يستتاب إذا ثبت عليه السحر؟ والقول الثاني: هو الصواب، لأن بقاءه مضر بالمجتمع الإسلامي والغالب عليه عدم الصدق في التوبة، ولأن في بقائه خطرا كبيرا على المسلمين.
واحتج أصحاب هذا القول على ما قالوه بأن عمر - ﵁ -: أمر بقتل السحرة ولم يستتبهم وهو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمر الرسول - ﷺ - باتباع سنتهم.
واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي - ﵀ - عن جندب بن عبد الله البجلي أو عن جندب الخير الأزدي مرفوعا وموقوفًا: "حد الساحر ضربه بالسيف". وقد ضبطه بعض الرواة بالتاء فقال: "حد الساحر ضربة بالسيف" والصحيح عند العلماء وقفه على جندب (^٣).
وصح عن حفصة أم المؤمنين - ﵂ - أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت من غير استتابة.
قال الإمام أحمد - ﵀ -: "ثبت ذلك - يعني قتل الساحر - من غير استتابة عن ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ -، يعني بذلك عمر، وجندبا، وحفصة" ومما ذكرنا يعلم أنه لا
_________________
(١) القائل الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٩٥.
(٣) ذكر ذلك الترمذي، انظر تعليقه على الحديث السابق رقم (١٤٦٠).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
يجوز إبقاء السحرة أو إتيانهم وأن الواجب قتل الساحر متى ثبت تعاطيه السحر بإقراره أو بالبينة الشرعية من غير استتابة" (^١).
أما شبهة عدم قتل لبيد فقد أجيب عنها بأنه ترك - ﷺ - قتله لأنه كان بينه وبين يهود عهد وأن لبيدًا لم يعمل السحر بنفسه إنما صنعه غيره له.
وقيل إن لبيد كان يهوديًا فأظهر الإسلام نفاقا ولم يقتل الرسول - ﷺ - المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا - ﷺ - يقتل أصحابه وكذلك ما وقع لجارية عائشة أجيب عنه بأنها لم تعمل السحر بنفسها وحمل الشافعي - ﵁ - فعل عائشة - ﵂ - على أن سحر المرأة لها ليس فيه كفر وإلا فلو كان فيه كفر لقتلتها كما فعل عمر وحفصة - ﵄ - (^٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: "جـ: إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قُتل لردته حدًا وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسًا معصومة قتل قصاصًا، وإن لم يأتِ في سحره بمكفر ولم يقتل نفسًا ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح أنه يقتل حدًا لردته، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؟ لكفره بسحره مطلقًا" (^٣).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "وأما قتل الساحر فإن كان سحره كفرًا قُتل قَتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته وهو الصحيح وإن كان سحره دون الكفر؛ قُتل قَتل الصائل أي قُتل لدفع أذاه وفساده في الأرض وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال" (^٤).
_________________
(١) فتاوى ابن باز ص ٦٥٧ وما بعدها.
(٢) فتاوى السبكي ٢/ ٣٢٥ وانظر كتاب الدميني ص ٤٢ وما بعدها.
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٦٩.
(٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٨٩، ٤٩٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٥. وانظر كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية ١/ ٢٨.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
٧ - حكم تعلم السحر وتعليمه:
قال ابن قدامة المقدسي - ﵀ -: "تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم" (^١).
وقال - ﵀ -: "قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته" (^٢).
وقال صاحب التيسير: "وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمهم".
وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله - ﷺ - "من تعلم شيئًا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله" وهو مرسل" (^٣).
وقال ابن كثير عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر (^٤).
والصحيح أن تعلم السحر وتعليمه والعمل به كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال ابن حجر: "فيه الإشارة إلى أن تعلم السحر كفر" (^٥).
ومن الأدلة على كفر من يتعلم السحر ولو لم يعمل به ما ورد في قصة المرأة التى جاءت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - من دومة الجندل وفيها: "أنها بعد أن بالت في التنور فرأت فارسًا مقنعًا بحديد خرج منها، قالت: ذهب في السماء وغاب حتى ما
_________________
(١) المغني ٨/ ١٥١. وانظر حاشية الروض ٧/ ٤١٣، وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع ٦/ ١٨٦.
(٢) المغني ٨/ ١٥١.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨١، ونقله في فتح المجيد ص ٢٨١.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٤٨.
(٥) فتح الباري ١٠/ ٢٢٥.
[ ٢ / ٣٩١ ]
أراه، فسألتها عنه فقالت: ذلك إيمانك خرج منك فاذهبي" (^١).
وروى الطبري عن السدي نحوه وفيه: "فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان".
وقال ابن باز - ﵀ -: "لا يجوز تعلم السحر أبدًا حتى إذا قصد به فك السحر؛ لأنَّهُ لابد وأن يترتب عليه عبادة لغير الله أو فعل محرم أو ترك واجب" (^٢).
٨ - حكم الذهاب للسحرة وسؤالهم:
بيَّنا بحمد الله في باب الكهانة حكم الذهاب إليهم وهو منطبق على الذهاب للسحرة. وقد جاء في سنن البيهقي عن ابن مسعود - ﵁ -: "من أتى ساحرًا، أو كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -".
وعن عمران بن حصين - ﵁ - مرفوعًا: "ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل علي محمد - ﷺ - (^٣).
وقال الإمام أحمد: "العراف طرف من السحر والساحر أخبث" (^٤).
وقال الألباني - ﵁ -: "فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر. وصدقه المستعين به ثم
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير ١/ ٤٦٠، ٤٦١.
(٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٦٥٦.
(٣) أخرجه البزار ٩/ ٥٢ رقم (٣٥٧٨) وانظر الترغيب ٤/ ٣٣ حيث جود إسناده المنذري، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ١٦٢ دون زيادة: "ومن أتى" وذكره الهيثمي مجمع الزوائد ٥/ ١٠٣، ١١٧ وقال: ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة والحديث قال عنه ابن حجر إسناده جيد ١٠/ ٢١٧ وكذلك جود إسناده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد انظر ص ٣٣٦ من فتح المجيد.
(٤) انظر المغني ٩/ ٣٧، فتح المجيد ص ٢٥٦.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
صدق هذا الحاضرون فقد شملهم جميعًا وعيد قوله - ﷺ -: "من أتى عرافًا، أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد"، وفي حديث آخر: "لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (^١).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن الذهاب إلى السحرة للعلاج فأجاب - ﵀ -: "لا يجوز لك أن تذهب إلى السحرة فإن هذا محرم، وقد روي عن النَّبِيّ - ﷺ -: "ليس منا مَنْ سحر أو سُحر له" (^٢).
٩ - إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر:
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول - ﷺ - قد سحره لبيد بن الأعصم واستمر معه ذلك حيث قالت عائشة - ﵂: "أنه لبث ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي .. " الحديث (^٣).
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ الله - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُل. فَقَالَ: مَطْبُوبٌ قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِيَ مُشْطٍ (^٤) وَمُشَاطَةٍ (^٥) وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ (^٦) قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذرْوَانَ فَأَتَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ -
_________________
(١) السلسلة الصحيحة للألباني (٦/ ٢/ ١٠٠٩ - ١٠١٠).
(٢) فتاوى منار الإسلام ١/ ٢٧.
(٣) المسند (٢٤٨٥١).
(٤) مشط: هو الآلة التي يسرح بها شعر الرأس واللحية.
(٥) قال ابن قتيبة: المشاطة: ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط وكذا من اللحية. (الفتح) ١٠/ ٢٣١.
(٦) هو الغشاء الذي يكون على الطلع ويطلق على الذكر والأنثى وقال أبو عمر الشيباني: الجف بالفاء شيء ينقر من جذوع النخل (الفتح) ١٠/ ٢٢٩.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا عَائِشَة، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفلا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ: "قَدْ عَافَانِي الله فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا" فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ يُقَالُ الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ" (^١).
وفي مسلم: أحرقته؟ قال: "لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرت بها فدفنت".
وفي لفظ البخاري: "يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي"، وفيه أيضًا: "حتى كان يرى أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن".
قال سفيان: "وذلك أشد ما يكون من السحر". وفيه: "قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، حليف اليهود، كان منافقًا" (^٢).
١٠ - توضيح معنى كلمة الطب (^٣):
الطِبُّ بكسر الطاء في اللغة، يقال على معان: أحدها: السحر وهو المراد هنا.
وتطلق أيضًا على الإصلاح والحذق، ويقال لنفس الدواء طب، ويطلق على العادة وغير ذلك (^٤).
والمقصود المعنى الأول قال ابن الأثير: "رجل مطبوب أي مسحور كنّوا بالطب عن السحر تفاؤلا بالبرء، كما كنّوا بالسليم عن اللديغ" (^٥)، قال أبو عبيد:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٦٣) (٣٢٦٨) (٥٧٦٥) (٦٠٦٣) (٦٣٩١).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٦٦). ومسلم (٢١٨٩). وابن ماجة (٣٥٤٥).
(٣) انظر للاستزادة فتح الباري ١٠/ ٢٢٨، ٢٣٣. تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٣. فتح المجيد ص ٣٤٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٧٢ ومن المجموع ٩/ ٥٥٥ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٤١.
(٤) انظر الآداب الشرعية والفروع لابن مفلح ٣/ ٨٤.
(٥) النهاية (ط ب ب).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
"تفاؤلًا بالسلامة". وكما كنّوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: "مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك".
قال ابن الأنباري: "الطب من الأضداد، ويقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، يقال له: طب" (^١). قال ابن الأثير: "ومنه الحديث "فلعل طبًا أصابه" أي سحرًا" (^٢).
وقال ابن حجر: "أخرج أبو عبيدة من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "احجتم النَّبِيّ - ﷺ - علي رأسه بقرن حين طب". قال أبو عبيد يعني سحر" (^٣).
قال الإمام البغوي: "قولها "طب": أي سحر وقيل هو من الأضداد ويقال لعلاج الداء طب، وللسحر طب وهو من أعظم الأدواء" (^٤).
١١ - فائدة:
بيَّن الواقدي السنة التي وقع فيها السحر أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلًا قال: "لما رجع رسول الله - ﷺ - من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم من سنة سبع جاء رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان حليفًا في بني زريق وكان ساحرًا فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا فلم نصنع شيئًا ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه فجعلوا له ثلاثة دنانير" (^٥).
١٢ - الرد على من أنكر إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر:
شكك أقوام في صحة الحديث المذكور بدعوى التشكيك في الثقة بما يوحى إليه وهذا باطل.
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٨. تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٣. وانظر: الأضداد لابن الأنباري.
(٢) النهاية (ط ب ب).
(٣) فتح الباري ١٠/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٤) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٦، ١٨٧.
(٥) الفتح ١٠/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فإن سحر الرسول - ﷺ - لا يحط من شأن رسالته ولا ينفي عصمته.
وفي الفتح: "قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولو يوح إليه بشيء.
وقال أيضًا: وهذا كله مردود لأن الدليل قد قام على صدق النَّبِيّ - ﷺ - فيما بلغه، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث: أنه كان - ﷺ - يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن. وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.
وقال ابن حجر: "وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة ولفظه: حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" (^١).
وقال القاضي عياض: "والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه - ﷺ -، كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُرُوُّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (^٢).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧.
(٢) الطب النبوي لابن القيم ص ١٢٤. وللاستزادة انظر: مسائل الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ١٠٤ والآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د. جمال بن أحمد ١/ ١٩٠.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وقال ابن مفلح: "أنكر بعض الناس هذا لأنَّهُ نقص وعيب، أو أنه يمنع الثقة بالشرع، وهذا باطل، فإنه من جنس الأوجاع والأمراض والسم، والدلائل القطعية ناطقة بصدقه وعصمته، والإجماع أيضًا. فأما بعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولم يفضل من أجلها، فلا مانع منه" (¬١).
١٣ - حل السحر بسحر مثله:
انظر: باب (النشرة).
١٤ - علاقة النميمة والعضه بالسحر (^٢):
العضه: هي النميمة كما فسرها الرسول - ﷺ - بقوله: "ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس" (^٣).
والنميمة: نقل الحديث على وجه الإفساد بين الناس. والقالة: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعض عن البعض (^٤).
قال الجرجاني: "النمام": هو الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم، فيكشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو الثالث، وسواء كان الكشف بالعبارة، أو بالإشارة أو بغيرهما" (^٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس".
_________________
(١) كتاب الفروع لابن مفلح ص ٨٣.
(٢) انظر حول هذا الموضوع: مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٢. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣٢٩. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٥، ٤٠٦ فتح المجيد ص ٣٢٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٩٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٠، ط ٢ - ٢/ ٥٠ ومن المجموع ٩/ ٥٢٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٠،٣٣١. معارج القبول ١/ ٤٣٠.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).
(٤) النهاية (ق ول).
(٥) التعريفات للجرجاني ص ٣٠٧.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وقال في الفروع: "ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر والحيلة أشبه السحر"، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين لكنه يقال: الساحر إنما كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة" (¬١).
١٥ - ضبط كلمة العضه:
قال النووي في شرح مسلم: "قَوْله - ﷺ -: "أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس" هَذه اللفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: (الْعِضَهُ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة. وَالثَّانِي: (الْعَضْه) بفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن الْوَجْه، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلادنَا، وَالأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه، وَالأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ، وَتَقْدِير الْحَدِيث والله أَعْلَم: أَلَا أُنَبِّئْكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ التَّحْرِيم؟ " (^٢).
قال الزمخشري: "أصلها العِضهَة فِعله من العَضْه. وهو البَهت فحُذفت لامُه كما حذفت من السَّنة والشَّفَة وتجمع على عضين" (^٣).
وأطلق على النميمة عضة لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا (^٤).
قال ابن مفلح في الفروع: "ولهذا قال ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة" (^٥).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦.
(٢) شرح مسلم للنووي ١٦/ ١٥٩.
(٣) النهاية لابن الأثير (ع ض هـ).
(٤) انظر فتح المجيد ص ٣٢٩.
(٥) الفروع لابن مفلح ٦/ ١٨٠.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وقد عدها بعض العلماء من السحر، ووجه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة فأشبه السحر.
١٦ - حكم النميمة:
قال الله تعالى: - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠، ١١]
وجاء في الحديث: "كادت النميمة أن تكون سحرا" (^١). وهي سبب لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة قال - ﷺ -: "لا يدخل الجنة قتّات" (^٢). وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قال: "مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ باثْنتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" (^٣).
فحكم النميمة التحريم إجماعًا، قال ابن حزم: "اتفقوا علي تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة". وهي من الكبائر. ولا يخفي علي العاقل اللبيب فساد النميمة وشدة ضررها فإنها تجعل الصاحب المخلص عدوا لدودًا، والقريب بعيدا، والمحب مبغضا، لا سيما إذا كانت بين العائلات والأقارب والجيران، فإن الضرر يزداد" (^٤).
وقال ابن مسعود - ﵁ -: "كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب شدة البهت وتمويه الكذب" (^٥).
_________________
(١) قال في تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦: رواه ابن لآل في (مكارم الأخلاق) بإسناد ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٥٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢١٦) (٢١٨).
(٤) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦.
(٥) المعجم الكبير ٩/ ١٥٣. وانظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٤٤.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
١٧ - علاقة البيان بالسحر (^١):
البيان لغة: البلاغة والفصاحة. قال الجرجاني: "وهو النطق الفصيح المعرب أي المُظهر عمّا في الضمير وإظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورا قبله، وقيل: هو الإحْراج عن حد الإشكال" (^٢). وفي الحديث عن ابن عمر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن من البيان لسحرا" (^٣).
والمراد هنا البيان البليغ المتمثل في الفصاحة والبلاغة الذي يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق فيستميل القلوب لما يحدثه هذا النوع من أثر في القلوب والأسماع فالمراد ذم هذا النوع من البيان.
قال في التيسير: "قال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن - ﷺ - تعالى مدح البيان قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجته فأحسن المسألة فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال" (^٤). ورجح الشيخ سليمان القول الأول ونصره.
وقال ابن عثيمين - ﵁ - "ينظر إلى أثره والمقصود منه فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم لأنَّهُ استعمال لنعمة الله في معصيته وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح (^٥)، وإذا كان البيان يستعمل
_________________
(١) انظر حول هذا الموضوع: التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٧٣ - ١٨٠. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣١٧. شرح السنة للبغوي ١٢/ ٣٦٢. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٧. فتح المجيد ص ٣٣١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٠٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤ ط ٢ - ٢/ ٥٣ ومن المجموع ٩/ ٥٢٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٢. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٤١٥.
(٢) التعريفات ٦٨.
(٣) أخرجه البخاري (٥١٤٦) (٥٧٦٧).
(٤) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٧.
(٥) وبمثله قال ابن باز - ﵀ - في شرحه لكتاب التوحيد.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهو خير من العي لكن إذا ابتلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله فهذا لا خير فيه والعي خير منه والبيان من حيث هو لا شكَّ أنه نعمة ولذا امتن الله على الإنسان فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] (^١).
وقال الخطابي: "البيان اثنان: -
أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان.
والآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن وجهته، فيلوح للناظر في معرض غيره. وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه المذموم" (^٢).