وهذا مما ورد النهي عن إطلاقه قال الراغب: "السَّلْمُ والسلامةُ التعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة" (^١).
والسلام اسم من أسماء الله ﷿ ثابت بالكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. وفي حديث عائشة - ﵂ - قَالت: كان النَّبِيّ - ﷺ - إِذَا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلام، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ" (^٢).
قال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: ""السلام" أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله" (^٣).
قال في التيسير: "لما كان حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. فإذا قال المسلم: السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يَسلَم من الشر كله، والله هو المطلوب منه لا المطلوب له،
_________________
(١) ** تيسير العزيز الحميد ص ٦٥٧. فتح المجيد ص ٥٣٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٨ ط ٢ - ٣/ ١٠٣ ومن المجموع ١٠/ ٩٠٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٧.
(٢) المفردات ص ٢٣٩.
(٣) أخرجه مسلم (٥٩١) (٥٩٢) وأبو داود (١٥١٢) (١٥١٣)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (١٣٣٨). وابن ماجة (٩٢٤).
(٤) انظر تفسير ابن كثير عند آية الحشر، وانظر: للاستزادة في معنى السلام شأن الدعاء للخطابي ص ٤١، وتفسير السعدي ٥/ ٣٠٠.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض استحال أن يسلم عليه ﷾ بل هو المسلم على عباده" (^١).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "والسلام له عدة معان:
١ - التحية كما قال: سلَّم على فلان؛ أي حيَّاه بالسلام.
٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: "السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته".
٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] (^٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى فُلان وَفلانٍ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ - "لا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى الله، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلام، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَات، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" (^٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٥٧.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٠٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٨٣.
(٣) أخرجه البخاري (٨٣٥) (٨٣١) (١٢٠٢) (٦٢٣٠) (٦٢٦٥) (٦٣٢٨) (٧٨١).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
* حكم قول السلام على الله:
لا يجوز لأنَّهُ يوهم نقص الله، وبأن فيه ﷾ عيبًا، فالله يُدعى ولا يُدعى له فكيف يدعى له بالسلامة وهو المُسلِّم، وقد جاء النهي عن ذلك كما تقدم.
قال ابن عثيمين ﵀: "وهذا نهي تحريم" (^١).
وقال ﵀: "قوله "لا يقال السلام علي الله" أي لا تقل السلام عليك يا رب لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يُدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله سبحانه منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه فقد خالفت الحقيقة، لأن الله يُدعى ولا يدعى له فهو غني عنا لكن يثني عليه بصفات الكمال مثل غفور سميع عليم .. " (^٢).
* فائدة في معنى السلام المطلوب عند التحية:
قال ابن القيم ﵀: "فيه قولان مشهوران:
أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم، والسلام هنا هو الله - ﷿ - ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه - ﷿ - اسم السلام دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النَّبِيّ - ﷺ -: "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فنهاهم النَّبِيّ - ﷺ -، أن
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩١٢.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٠٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٨٢، ٨٣.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
يقولوا: السلام على الله لأن السلام على المسلم عليه دعاء له وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له؛ فيستحيل أن يُسَلَّم عليه بل هو المسلِّم على عباده كما سلم عليهم في كتابه.
ومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر "أن رجلا سلم على النَّبِيّ - ﷺ - فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه وقال: "إني كرهت أن أذكر الله علي طهر".
قالوا: ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله، وإنما يكون ذكرًا إذا تضمن اسمًا من أسمائه.
ومن حججهم أيضًا أن الكفار من أهل الكتاب لا يُبدؤون بالسلام فلا يقال لهم سلام عليكم، ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم سلمك الله؛ وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة.
القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية. ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يذكر بلا ألف ولام يقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفًا كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
وبعد أن ذكر القولين رجح أن الحق في مجموع القولين فكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما. وقال: لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه
[ ٢ / ٤٠٥ ]
السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:
أحدهما ذكر الله كما في حديث ابن عمر.
والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء اللهُ وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة" (١).