في اللغة: أغاثه إغاثة إذا أعانه ونصره (^١).
والاستغاثة شرعًا: طلب الغوث وهو إزالة الشدة (^٢)، أو: طلب العون في حالة الشدة والهلاك (^٣).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ
_________________
(١) * اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٧٧. الرد على البكري ص ٥٧. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٩١، ٢/ ١٧٦، ٢٧٠. تيسير العزيز الحميد ص ٢١٧. فتح المجيد ص ١٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٦١ ط ٢ - ١/ ٣٣٥. المجموع ٩/ ٢٥٣. معارج القبول ١/ ٣٣٥. نور على الدرب لابن باز ص ٦٥. مجموع الفتاوى ابن باز ٣/ ٥٧٥، ٥٨٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٩٦، ٢٨ - ٧/ ٢٨، ٩٦. أحكام الجنائز ص ٢٦٤. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٢٥. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٩٠. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٤٨٣، ٤٩٣، ١٠٤٧، ١٠٩٢، ١١١٥.
(٢) المصباح المنير (غ وث).
(٣) انظر مجموع الفتاوى ١/ ١٠٣، تيسير العزيز الحميد ٢١٧، الدر النضيد ص ٩، وحاشية ثلاثة الأصول ص ٤٣.
(٤) انظر: تيسر العزيز الحميد ص ٢١٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
* الدليل من السنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" (^١).
وعن عبادة بن الصامت قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنه لا يُستغاث بي، إنما يستغاث بالله ﷿" (^٢).
* أقوال العلماء:
قال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عن الحديث السابق: "إنما أراد ألا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله" (^٣).
وقال أيضًا: "لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى" (^٤).
وقال أيضًا: "ولا يلزم تخطئة أبي بكر الصِّدِّيق، فإن الصِّدِّيقَ قد يعتقد عند النبي - ﷺ - في دفع ذلك المنافق بعضَ الأمور التي يقدر عليها البشر، فَبَيَّن له النبي - ﷺ - أنه ليس عنده في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤).
(٢) مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٩، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الكبير، قال الهيثمي في المجتمع: "رجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث"، وقال أيضًا: "رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمَّ وابن لهيعة". والحديث عند الإمام أحمد في المسند (٢٣٠٨٢) بلفظ: "لا يقام لي، إنما يقام لله ﵎". قال ابن تيمية: "هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، ثم ذكر أن هذا الخبر من النوع الذي يصلح للاعتضاد. انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ١٥٣، كما أنه - أي ابن تيمية - احتج به في مواضع من فتاويه. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٠١، ١١٠، ٣٠٣، ٣٢٩.
(٣) الرد على البكري ص ٢٠٣، الفتاوى ١/ ١١٠.
(٤) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ٢٠١.
(٥) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ١٩٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والظاهر أن مراده - ﷺ - إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ لأن استغاثتهم به - ﷺ - من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه - ﷺ - لجناب التوحيد" (^١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "قوله لا يستغاث بي يحتمل أمرين:
الأول: أن النبي - ﷺ - لا يستطيع قتله لأنه كان ممنوعًا من قتله؛ لأجل أن لا يتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابه فامتنع عن قتله.
الثاني: يحتمل - إن صح الخبر - أنه قاله سدًا للذريعة وإن كان قادرًا على التخلص منه حتى لا تقع منهم هذه الكلمة في أمور لا يقدر عليها" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله (إنه لا يستغاث بي) ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.
فعلى الأولى: يكون نفي الاستغاثة هنا من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول - ﷺ - ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه" (^٣).
حكم الاستغاثة:
الاستغاثة أخص أنواع العبادة، فإخلاصها لله إيمان وتوحيد، أما الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك وكفر (^٤).
وقد تقدم في باب الاستعاذة أن جميع أنوع العبادات لا تصرف لغير الله، فمن
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٤٣.
(٢) من دروس الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٦٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٧٩.
(٤) انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ٢٤٦، ٢٦٥، القول السديد ص ٥١، ٥٢.
[ ١ / ١٠٦ ]
صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والاستغاثة من نوع الدعاء والطلب؛ لأن فيها طلب الغوث أي الدعاء المشتمل على ذلك فهي من أهم أنواع العبادات.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فالاستغاثة المنفية نوعان:
أحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء.
الثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره" (^١).
وقال الشوكاني ﵀: "ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور ولايحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح وما أظنه يوجد فيه خلاف" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "والاستغاثة الشركية التي أنكرناها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر" (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الاستغاثة أقسام:
الأول: الاستغاثة بالله ﷿ وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ (^٤) ﵀ قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي - ﷺ - إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فدخل العريش يناشد ربه ﷿ رافعًا يديه مستقبل القبلة يقول: "اللهم أنجز لي
_________________
(١) كتاب الاستغاثة في الرد على البكري ص ٣٥٩. وانظر الفتاوى ١/ ٣٢٩.
(٢) الدر النضيد ص ٩.
(٣) شرح كشف الشبهات ص ١١٩.
(٤) يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
[ ١ / ١٠٧ ]
ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". وما زال يستغيث بربه رافعًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر - ﵁ - رداءه فألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله هذه الآية (^١).
الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى﴾ [القصص: ١٥].
الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة" (^٢).
وعلى هذا فإن الاستغاثة بالمخلوق على قسمين:
الأول: الاستغاثة بالأموات والغائبين، أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله كالذي يستغيث عِنْدَ المرض أو خوف الغرق بالرسول أو البدوي فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. قال الشيخ ابن قاسم: "وقد تبين من الآيات والأحاديث أن دعاء
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى ٦/ ٦٠، ٦١.
[ ١ / ١٠٨ ]
الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواعه" (^١).
الثاني: الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، وهي جائزة. وعليه يحمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: "وإذا طلبت من أحد غوثًا وهو قادر عليه فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد" (^٢).
* أحكام وفوائد:
* وإذا علمت أن الاستغاثة بغير الله هي الشرك الأكبر تبين لك أن المستغيثين بالقبور والموتى كالمشركين لا تجوز الصلاة خلفهم؛ وقد سئل مفتي الديار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله فقال: "لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلبه المدد لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه وإذا لم تجد إمامًا مسلمًا تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك" (^٣).
وقالت اللجنة عمن يستغيث بغير الله: "هم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملة الإسلام لا تجوز موالاتهم، كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم؛ إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه وإلا وجب عليه هجرهم" (^٤).
_________________
(١) حاشية ابن قاسم ص ١٧٧.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٦١.
(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٥٨٦.
(٤) فتاوى اللجنة ١/ ٥٢.
[ ١ / ١٠٩ ]
* الفرق بين الدعاء والاستغاثة:
أن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء في حالة الشدائد، وكل ذلك يتعين إخلاصه لله وحده، فالاستغاثة من الدعاء فكل مستغيث داعٍ وليس كل داعٍ مستغيث (^١).
وتختلف الاستغاثة عن الاستعانة أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ينادي بالمدعو" (^٣).
_________________
(١) انظر حاشية كتاب التوحيد ص ١١٣.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢١٧.
(٣) الرد على البكري ١/ ٤٢٠.
[ ١ / ١١٠ ]