أصل الغفر في اللغة: التغطية (^١).
قال في المفردات: "الغفر إلباس ما يصونه من الدنس" (^٢).
والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب (^٣).
ويطلق الغفر على الستر ومنه المغفر وهي بيضة الحديد (^٤)، والستر من الله معناه كما قال الخطابي: "أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشِهُرهُ في عيونهم" (^٥). والألف والسين والتاء للطلب.
وفي الشرع: قال الراغب: "والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفِعال، وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط بل باللسان وبالفِعال، فقد قيل: الاستغفار باللسان من دون ذلك بالفِعال (^٦) فِعلُ الكذابين" (^٧).
ومعنى الاستغفار: طلب محو الذنوب والتجاوز عنها وستر كل عيب بما يجب أن يستر به والوقاية من شره.
قال ابن الجوزي: "الاستغفار استفعال من طلب الغفران تغطية الذنب بالعفو
_________________
(١) النهاية لابن الأثير (غ ف ر).
(٢) المفردات (غ ف ر).
(٣) المفردات (غ ف ر).
(٤) المصباح المنير (غ ف ر).
(٥) شأن الدعاء ص ٥٢.
(٦) أي من دون إقلاع عن الذنب.
(٧) المفردات (غ ف ر).
[ ١ / ١١١ ]
عنه" (^١)، وسبب وضعها في هذا الكتاب لأنها من العبادات التي تصرف لله ولا تصرف لغيره.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
* الدليل من السنة: عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "وَالله إِنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة" (^٢).
وعَنه - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (^٣).
وعن أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي،
_________________
(١) نزهة الأعين والنواظر ص ٨٩.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٣٠٧).
(٣) أخرجه مسلم ٢٧٤٩.
[ ١ / ١١٢ ]
يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" (^١).
وفي صحيح البخاري عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (^٢).
* الفرق بين الاستغفار والتوبة:
الاستغفار يذكر تارة مفردًا غير مقرون بالتوبة وتارة يذكر مقرونًا بها ولها في كل حال معنى قال ابن القيم: "فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله. وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس: أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤ،. فدلالته عليه إما بالتضمن وإما باللزوم.
* وحقيقتها: وقاية شر الذنب، ومنه المغفر، لما يقي الرأس من الأذى. والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القَّبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ "المغفر" من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٥٤٠.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٣).
[ ١ / ١١٣ ]
العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.
وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان:
ذنب قد مضى: فالاستغفار منه: طلب وقاية شره.
وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله. والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله" (^١).
وقال ابن رجب ﵀: "وكثيرًا ما يقترن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٠٧).
[ ١ / ١١٤ ]