الشعب: جمع شُعبة، والشعبة الفرقة والطائفة من الشيء (^١). وشعب الإيمان خصاله المتعددة.
قال ابن قاسم - ﵀ -: "والشعبة: الطائفة من الشيء، والقطعة منه، والشعبة من شعب الإيمان، يدخل تحتها أفراد من الخصال، فهي من حيث هذا العدد، يكون تحتها أفراد من الخصال" (^٢).
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان: "والدليل علي أن الإيمان أجزاء بشعب أن النَّبِي - ﷺ - قال في خبر عبد الله بن دينار: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة ألا إله إلا الله " فذكر جزءًا من أجزاء شعبة هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال لأنَّهُ - ﷺ - لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة، واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: "أعلاها شهادة ألّا إله إلا الله " فدل هذا علي أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان ثم عطف فقال: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فذكر جزءًا من أجزاء شعبه هي نفلٌ كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك علي أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة، وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان" (^٣).
_________________
(١) لسان العرب (ش ع ب).
(٢) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ٦١.
(٣) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ١/ ٣٨٨.
[ ٢ / ٤٩١ ]
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﷺ - قال - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (^١).
* معنى البضع:
والبضع بكسر الباء وللعلماء أقوال في معناه ذكرها الحافظ ابن رجب فقال: "البضع في اللغة: من الثلاث إلى التسع، هذا هو المشهور.
ومن قال: ما بين اثنين إلى عشرٍ، فالظاهر إنما أراد ذلك، ولم يُدخلِ الاثنين والعشرَ في العدد.
- وقيل: من أربع إلى تسع.
وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر.
والظاهر: أنه هو الذي قبله باعتبارِ إخراج الثلاثِ والعشرِ منه.
وكذا قال بعضهم: ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة.
وعلى هذا؛ فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر. والله أعلم" (^٢).
* اختلاف روايات الحديث في تعداد الشعب:
قال النووي: "قَوْله - ﷺ - "الإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شعْبَة" هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ، عَنْ سُلَيْمَان بْن بلال، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة، عَنْ النَّبيّ - ﷺ -. وَفِي رِوَايَة زُهيْر، عَنْ جَرِير، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة: "بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ" كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل: "بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ" عَلَى الشَّكِّ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّل الْكِتَاب مِنْ رِوَايَة الْعَقَدِيِّ: "بضْع وَسِتُّونَ" بلا شَكٍّ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة سُهَيل: "بضْع وَسَبْعُونَ" بلا شَكٍّ،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٥).
(٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣١.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَر وَقَالَ فِيهِ: "أَرْبَعَة وَسِتُّونَ بَابًا".
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِحَة مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: الصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي سَائِر الأَحَادِيث وَلسَائِرِ الرُّوَاة "بضْع وَسِتُّونَ".
وَقَالَ الشَّيْخ أبو عَمْرو بْن الصَّلاحَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هَذَا الشَّكُّ الْوَاقِع فِي رِوَايَة سُهَيْل هُوَ مِنْ سُهَيْل، كَذَا. قَالَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيل "بضْع وَسَبْعُونَ" مِنْ غَيْر شَكٍّ.
وَأَمَّا سُلَيْمَان بْن بلال فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر شَكٍّ وَهِيَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَة أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر أنَّهَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب مُسْلِم "بضْع وَسَبْعُونَ" وَفِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب الْبُخَارِيِّ "بضْع وَسِتُّونَ". وَقَدْ نَقَلْت كُلّ وَاحِدَة عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْ الْكِتَاتيْنِ وَلَا إِشْكَال فِي أَنَّ كُل وَاحِدَة مِنْهُمَا رِوَايَة مَعْرُوفَة فِي طرق رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيح قَالَ: وَالأَشْبَه بِالإِتْقَانِ وَالاحْتِيَاط تَرْجِيح رِوَايَة الأقَلّ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَة الأكْثَر، وَإِيَّاهَا اِخْتَارَ أَبُو عَبْد الله الْحَلِيمِيُّ؛ فَإِنَ الْحُكْم لِمَنْ حَفِظَ الزِّيَادَة جَازِ بها" (^١)
وذكر النووي ﵀ أن أبا حاتم ذكر أن: "رِوَايَة مَنْ رَوَى "بضْع وَسِتُّونَ شُعْبة". أَيْضًا صَحِيحَة؛ فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَذْكُر لِلشَّيْءِ عَدَدًا وَلَا ترِيد نَفْي مَا سِوَاهُ. وَلَهُ نَظَائِر أَوْرَدَهَا فِي كِتَابه مِنْهَا فِي أَحَادِيث الإِيمَان وَالإسلَام. وَالله تَعَالى أَعْلَم " (^٢).
* الاجتهاد في حصر شعب الإيمان ومعرفتها:
اجتهد العلماء في عدها فذكرها الحليمي صاحب المنهاج سبعا وسبعين، وعدها الحافظ أبو حاتم بن حبان تسعًا وسبعين فقال: "وقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي - ﷺ - لم يتكلم قط إلا بفائدة ولا من سننه شيء لا
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٩٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٩٤.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
يعلم معناه، فجعلت أعد الطاعات من الإيمان فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول - ﷺ - من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المُعاد منها فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول - ﷺ - من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء فعلمت أن مراد النبي - ﷺ - كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن" (^١).
وقال النووي: "قَالَ الشَّيْخ: ثمَّ إِنَّ الْكَلام فِي تَعْيِين هَذه الشُّعَب يَطُول وَقَدْ صُنِّفَتْ فِي ذَلِكَ مُصَنّفات. وَمِنْ أَغْزَرهَا فَوَائِد كِتَاب (الْمِنْهَاج) لأَبي عَبْد الله الْحَلِيمِيِّ إِمَام الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى. وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ. وَحَذَا حَذْوه الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابه الْجَلِيل الْحَفِيل كِتَاب "شُعَب الإِيمَان"" (^٢).
وشعب الإيمان المتعددة بعضها دعائم وأصول يزول الإيمان بزوالها مثل إنكار الإيمان باليوم الآخر (^٣) وبعضها فروع قد لا يزول الإيمان بزوالها، وإن كان يوجب تركها نقصا في الإيمان أو فسقًا. مثل عدم إكرام الجار (^٤)، وقد يجتمع في الإنسان شعب الإيمان، وشعب نفاق، فيستحق بشعب النفاق العذاب ولا يخلد في
_________________
(١) صحيح ابن حبان ١/ ٣٨٧.
(٢) شرح النووي ١/ ١٩٤
(٣) قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
(٤) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". أخرجه البخاري (٦٤٧٥).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
النار لما في قلبه من الإيمان. والله أعلم (^١).
وقال ابن رجب بعد أن ذكر الحديث: "فأشار إلى أن خصال الإيمان، منها ما هو قول باللسان، ومنها ما هو عمل بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال" (^٢).
وقال النووي: "وَقَدْ نَبَّهَ - ﷺ - عَلَى أَنَّ أَفْضَلهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيِّن عَلَى كُلّ أَحَد، وَالَّذِي لا يَصِحّ شَيْء مِنْ الشُّعَب إِلَّا بَعْد صِحَّتِهِ. وَأَدْنَاهَا مَا يُتَوَقَّع ضَرَره بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمَاطَة الأَذَى عَنْ طَرِيقهمْ. وَبَقِيَ بَيْن هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ أَعْدَاد لَوْ تَكَلَّفَ الْمُجْتَهِد تَحْصِيلهَا بغَلَبَةِ الظَنِّ، وَشِدَّة التَّتَبُّع لأَمْكَنَهُ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ. وَفِي الْحُكْم بأَنَ ذَلِكَ مُرَاد النَّبِيّ - ﷺ - صُعُوبَة، ثُمَّ إِنَهُ لا يَلْزَم مَعْرِفَة أَعْيَانهَا، وَلا يَقْدَح جَهْل ذَلِكَ فِي الإِيمَان إِذْ أُصُول الإِيمَان وَفُرُوعه مَعْلُومَة مُحَقَّقَة، وَالإِيمَان بِأَنَّهَا هَذَا الْعَدَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة. هَذَا كَلام الْقَاضِي ﵀" (^٣).
وقال ابن رجب: "وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - ﷺ - من هذه الخصال عُسر" (^٤).
مسألة: أهل السنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواءٌ كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة، وقد أجاب الحافظ ابن رجب فقال: "يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
_________________
(١) وانظر تفصيل ذلك في باب (الإيمان) من هذا الكتاب.
(٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٩.
(٣) شرح النووي ١/ ١٩٤.
(٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٩.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
أحدها: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبي - ﷺ - كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي - ﷺ -. وفي هذا نظر.
والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصرُ في بضعٍ وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدد تعددًا كثيرًا، وربما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسَّر أو يتعذر.
والثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
والمراد: تكثيرُ التعداد من غير حصوله في هذا العدد، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه.
وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر.
والرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجةُ منها. قاله ابن حامد من أصحابنا" (^١).
مسألة أخرى: تضمن كلام العلماء أن أركان الإيمان ستة بناءً على حديث جبريل - ﵇ - فكيف يُجمع بينها وبين قول الرسول - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"؟.
قال الشيخ ابن عثيمين في الجمع بين ذلك: "أن نقول الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل ﵊ حينما سأل النبي - ﷺ -، عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره - متفق عليه -. وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون شعبة ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيمانا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال المفسرون: يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠، ٣١.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى بيت لمقدس" (^١).
ومن شعب الإيمان الحياء. كما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "الحياء شعبة من الإيمان" (^٢).
وهو غريزة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الحياء صفة انفعالية تحدث عند الخجل تحجز المرء عن فعل ما يخالف المروءة" (^٤).
وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: "الحياء شعبة من الإيمان أي - بعض منه -، وإنما جعله بعضه، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، ولأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار وانتهاء، فإذا حصل الانتهاء بالحياء، كان بعض الإيمان، والحياء من أفضل الأخلاق، وأجلها وأعظمها قدرا، بل هو خاصة الإنسانية، وفي الحديث: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (^٥).