[الإيمان بالرسل - النبوة]
الشهادة لغة: قال الجوهري: "الشهادة: خبرٌ قاطع.
والمشاهدة: المعاينة، وشَهدَهُ شُهودًا، أي حَضرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ، وشهد له بكذا أي أدّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهد" (^١).
وفي مقاييس اللغة لابن فارس: شهد: الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام، لا يخرُج شيءٌ من فروعه عن الذي ذكرناه. من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام. يقال: شهد يشهد شهادةً. اهـ.
قال الإمام القاضي ابن أبي العز: "وعبارات السلف في "شهد" تدور على الحكم والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:
فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته.
وثانيها: تكلُّمه بذلك، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها.
وثالثها: أن يُعلم غيره بها بما يشهد به، ويُخبره به، ويبينه له.
ورابعها: أن يُلزمه بمضمونها ويأمرَه به.
_________________
(١) * انظر مراجع النبوة، الدرر السنية ١٢/ ٥٤٠.
(٢) مختار الصحاح (ش هـ د).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به" (^١).
وفي الشرع قال القاضي عياض: "والإيمان به - ﷺ - هو تصديق نبوته ورسالة الله له وتصديقه في جميع ما جاء به، وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله - ﷺ - فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك اللسان ثم الإيمان به والتصديق له" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (^٣).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: "معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله" هو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله ﷿ إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا عبادة لله تعالى إلا عن طريق الوحي الذي جاء به محمد - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله - ﷺ - فيما أخبر، أن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٤٤، وانظر مدارج السالكين ٣/ ١٥١.
(٢) الشفاء ٢/ ٣.
(٣) ثلاثة الأصول من شرح الشيخ ابن عثيمين انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٧١.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الشهادة أيضًا أن لا تعتقد أن لرسول الله - ﷺ -، حقًّا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقًّا في العبادة، بل هو - ﷺ - عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١، ٢٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وبهذا تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله - ﷺ - ولا من دونه من المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وأن حقه - ﷺ -، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها وهي أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه" (^١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته وفي سُنَّته وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منه ولهذا نقول إن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول - ﷺ - ما ليس منها إنهم لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله" (^٢).
وشهادة أن محمدًا رسول الله كما تقتضي الإيمان به تقتضي الإيمان بجميع الرسل لما بينهما من التلازم، وكذلك الكتب التي جاءت بها الرسل (^٣).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين شرح ثلاثة الأصول ٦/ ٧١.
(٢) شرح رياض الصالحين ٢/ ٣٢٣.
(٣) انظر: التنبيهات السنية للرشيد ١١.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
* الدليل من السنة: حديث وفد عبد القيس حيث قال - ﷺ - لهم: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس " الحديث (^١).
أحكام وفوائد:
١ - أركان شهادة "أن محمدًا رسول الله":
لهذه الشهادة ركنان اثنان هما قولنا: عبده ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الآية، وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال ﷿: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما الإيمان بأنه عبد الله فلئلا يُغلا في جنابه ولا يرفع فوق مرتبة العبودية إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣) ومسلم (١٧).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
مرتبة العبادة له من دون الله فإن حقه - ﷺ - أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها. ووصف العبودية هو الذي اختاره الله لرسوله - ﷺ - في أشرف المقامات فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
وقوله (عبده) أضافه إليه إضافة تشريف وتعظيم، ومعنى العبد هنا المملوك العابد والعبودية الخاصة وصفه - ﷺ - كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، والنبي - ﷺ - أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والألوهية فهما حق لله لا يشركه فيهما أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما (^١).
ولابد من العلم بمعناها لا يكفي مجرد التلفظ قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة (^٢) يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثيرون .. " (^٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا ريب أنه لو قالها (^٤) أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب
_________________
(١) انظر التنبيهات السنية للرشيد ص ١١.
(٢) يعني كلمة (لا إله إلا الله).
(٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٢٠٢.
(٤) يعني قول الشهادة (لا إله إلا الله).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
"الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين" (^١). وقد تقدم في أول الباب معنى شهادة أن محمدًا رسول الله - ﷺ -.
٢ - ماذا تتضمن معرفة النبي - ﷺ -:
قال ابن عثيمين: "وأما معرفة النبي - ﷺ - فتتضمن خمسة أمور:
الأول: معرفته نسبًا، فهو أشرف الناس نسبا فهو هاشمي قرشي عربي فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل - ﵇ -.
الثاني: معرفة سنّه، ومكان ولادته، ومهاجره وقد بينها الشيخ - محمد بن عبد الوهاب - بقوله: "وله من العمر ثلاث وستون سنة، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة". فقد ولد بمكة وبقي فيها ثلاثا وخمسين سنة، ثم هاجر إلى المدينة فبقي فيها عشر سنين، ثم توفي فيها في ربيع الأول سنة إحدى عشرة بعد الهجرة.
الثالث: معرفة حياته النبوية وهي ثلاث وعشرون سنة فقد أوحى إليه وله أربعون سنة كما قال أحد شعرائه:
وأتت عليه أربعون فأشرقت شمس النبوة منه في رمضان
الرابع: بماذا كان نبيًا ورسولًا؟ فقد كان نبيًا حين نزل عليه قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ثم كان رسولًا حين نزل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ٨١، ٨٢.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
(٦)﴾ [المدثر: ١ - ٦] فقام - ﷺ - فأنذر وقام بأمر الله ﷿.
الخامس: بماذا أرسل ولماذا؟ فقد أرسل بتوحيد الله تعالى وشريعته المتضمنة لفعل المأمور وترك المحظور، وأرسل رحمة للعالمين لإخراجهم من ظلمة الشرك والكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان والتوحيد حتى ينالوا بذلك مغفرة الله ورضوانه وينجوا من عقابه وسخطه" (^١).
٣ - خصائص النبي - ﷺ -:
قال الشيخ صالح الفوزان: "للرسول محمد - ﷺ - خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء وخصائص اختص بها عن أمته.
أ) والخصائص التي اختص بها عن غيره من الأنبياء كثيرة منها:
١ - أنه خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقال - ﷺ -: "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي".
٢ - المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى (^٢).
٣ - عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وهذا مجمع عليه، والآيات التي أنزلها الله على محمد - ﷺ - فيها خطاب لجميع الخلق: الجن والإنس، إذ كانت رسالته عامة للثقلين
_________________
(١) شرح الأصول الثلاثة من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٢١، ١٢٢.
(٢) انظر باب الشفاعة، فقد سبق الكلام عنها.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدًا - ﷺ - إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحب الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد - ﷺ - من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃ أجمعين.
٤ - ومن خصائصه - ﷺ -: القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك.
٥ - ومن خصائصه - ﷺ -: المعراج إلى السماوت العلى إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فكان قاب قوسين أو أدنى.
ب) وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته: قال القرطبي في تفسيره: خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعانٍ لم يشاركه فيها أحد، في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة وهبة له ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه .. ثم ذكر هذه الخصائص ومنها التهجد بالليل، يقال: إن قيام الليل كان واجبًا عليه إلى أن مات لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والمنصوص أنه كان واجبًا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
[ ٢ / ٥٣٩ ]
ومنها: أنه إذا عمل عملًا أثبته. ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها: أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها أنه أُحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يُورث. ومنها: بقاء زَوْجيَّتهِ بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح، إلى غير ذلك من الخصائص النبوية" (^١).
ولمزيد من التفصيل انظر في الأبواب (متابعة الرسول - ﷺ -) (النبوة).