قال في النهاية: "العدوى اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء، يقال أعداه الداء يعديه أعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء" (^١).
والمراد بالعدوى: انتقال الداء من شخص إلى آخر بسبب اختلاطهما. وقد أبطل الإسلام العدوى المعروفة في الجاهلية لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى.
قال الإمام البغوي ﵀: "العدوى أن يكون ببعير جرب، أو بإنسان برص، أو جذام، فتتقي مخالطته حذرًا أن يعدو ما به إليك، ويصيبك ما أصابه. فقوله: لا عدوى يريد أن شيئًا لا يعدي شيئًا بطبعه، إنما هو بتقدير الله ﷿، وسابق قضائه، بدليل قوله للأعرابي: "فمن أعدى الأول". يريد أن أو بعير جرب منها، كان جربه بقضاء الله وقدره. لا بالعدوى، فكذلك ما ظهر بسائر الإبل من بعد" (^٢).
* الدليل من السنة: عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ. فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا بَالُ إِبلِي تَكُونُ فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ: فَمَنْ أَعدَى الأَوَّلَ" (^٣).
_________________
(١) * الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٥٢، ٥٤. التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ١٩٠، ١٩٦. مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠٤ - ١٠/ ٤٠٤. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣١٠، ٣١١. شرح السنة للبغوى ١٢/ ١٦٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٦٠. تيسير العزيز الحميد ٤٣٠. فتح المجيد ص ٣٤٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٨١، ط ٢ - ٢/ ٩٧، ومن المجموع ٩/ ٥٦٣، ٥٦٢. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٤٢، ١٦٠. معارج القبول ٢/ ٣١٥، ٣١٦. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٨١.
(٢) النهاية: "ع د ا".
(٣) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٦٩.
(٤) أخرجه البخاري (٥٧١٧) (٥٧٧٠)، ومسلم (٢٢٢٠).
[ ٣ / ٩٣ ]
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا" فَقَامَ أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، النُّقْبَةُ مِنْ الْجَرَبِ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بذَنَبِهِ فِي الإبلِ الْعَظِيمَةِ فَتَجْرَبُ كُلُّهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "فَمَا أَجْرَبَ الأَوَّلَ لا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ خَلَقَ الله كُلَّ نَفْسٍ فَكَتَبَ حَيَاتَهَا وَمُصِيبَاتِهَا وَرِزْقَهَا" (^١).
قال الإمام البغوي: "والنقبة، أول الجرب حين يبدو، وجمعها نقب" (^٢).
وأخرج البخاري ﵀ عن سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد" (^٣).
* الجمع بين حديث (لا عدوى) وحديث (فر من المجذوم):
هناك أحاديث يظن أنها عارضت حديث "لا عدوى" وحديث "ثقة بالله وتوكلًا عليه" (^٤). وهي ما جاء في بعض روايات الأحاديث "وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد" (^٥) وحديث: "لا يورد ممرض على مصحّ" (^٦) وأرسل - ﷺ - إلى المجذوم: "إنا قد بايعناك، فارجع" (^٧).
قال عياض: "اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء عن جابر: أن النبي - ﷺ - أكل مع المجذوم، وقال: "ثقة بالله وتوكلًا عليه". قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤١٩٨).
(٢) شرح السنة ١٢/ ١٦٩.
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥) والترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢).
(٥) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).
(٦) أخرجه مسلم (٢٢٢١).
(٧) أخرجه مسلم (٢٢٣١).
[ ٣ / ٩٤ ]
المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز" (^١).
وقال الإمام البغوي: "قوله "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". قال الإمام: لعله على معنى قوله ﵇: "لا يوردن ممرض على مصح".
وقيل هو رخصة لمن أراد أن يجتنب عنه، كقوله ﵇ في الطاعون: "إذا وقع بأرض فلا تقدموا عليه". فمن لم يحترز عنه متوكلا، فحسن، بدليل أنه ﵇: "أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة".
وقيل: إن الجذام علّة لها رائحة تسقم من أطال مجالسة صاحبها، ومؤاكلته لاشتمام تلك الرائحة، وكذلك المرأة تضاجع المجذوم في شعار واحد، فربما تجذم من الأذى الذي يصيبها، وقد يظهر ذلك في النسل، وكذلك البعير الجرب يخالط الإبل ويحاكّها، فيصل إليها بعض ما يسيل من جربه فيظهر عليها أثر، وليس هذا من باب العدوى، بل هذا من باب الطب، كما أن أكل ما يعافه الإنسان، واشتمام ما يكره ريحه، والمقام في بلد لا يوافق هواه طبعه يضره، وما يوافقه ينفعه بإذن الله. قال الإمام: ويروى أن أبا بكر كان يأكل مع الأجذم" (^٢).
وأحسن ما يقال في هذا ويوجه إليه: ما قاله البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "عندي في الحديثين مسلك يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ووقوع النفي والإثبات على وجهه، فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ١٥٨.
(٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧١ - ١٧٣.
[ ٣ / ٩٥ ]
الشرك الباطل كما يقوله المنجّمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسعودها ونحوسها كما تقدم الكلام عليهم، ولو قالوا إنها أسباب أو أجزاء أسباب إذا شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وإنها مسخرة بأمره لما خلقت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتها، وجعل لها أسبابًا أخر تعارضها وتمانعها، وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابًا له، وإنها لا تقضى مسبباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، ليس لها من ذاتها ضر ولا نفع، ولا تأثير البتة، إن هي إلا خلق مسخر مصرف مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتها أنها جزء سبب ليست سببًا تامًا، فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزء واحد من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين، وكسببية شق الأرض، وإلقاء البذر فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكوِّن الله بها النبات، وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء، والرواء، والعافية، والسقم، وغير ذلك، وأن الله سبحانه جعل من ذلك سببًا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء، ويخلق من الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه، فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه لما أنكر عليهم، وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد". وأرسل إلى ذلك المجذوم: "إنا قد بايعناك فارجع". وأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال: "كل ثقة بالله وتوكلًا عليه" ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاط علمًا بما قدمناه تبين له وجهها، وأن غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السبب يعارضه أسباب أخر تمنع اقتضاءه، فمن أقواها التوكل على الله والثقة به، فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا، فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه، والفرار والبعد منه، ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه، وأن لا يتعرض العبد لأسباب البلاء، ثم وضع يده معه في القصعة فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة
[ ٣ / ٩٦ ]
به الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليمًا منه للأمة دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها، وإعلامًا بأن الضرر والنفع بيد الله ﷿ فإن شاء أن يضر عبده ضرّه، وإن شاء أن يصرف عنه الضرّ صرفه، بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل، ليتبيّن العباد أنه وحده الضار النافع، وأن أسباب الضر والنفع بيديه، وهو الذي جعلها أسبابًا، وإن شاء خلع منها سببيتها، وإن شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها، ليعلم أنه الفاعل المختار، وانه لا يضر شيء ولا ينفع شيء إلا بإذنه، وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها وتبين مراتبها وأنها محال (^١) لمجاري مشيئة الله وحكمته وأنه سبحانه هو الذي يضر بها وينفع ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، وأنها إنما ينال ضررها من علّق قلبه بها ووقف عندها، وتطير بما يتطير به منها، فذلك الذي يصيبه مكروه الطيرة والطيرة سبب للمكروه على المتطير، فإذا توكل على الله ووثق به واستعان به لم يصده التطير عن حاجته" (^٢).
وقال الإمام ابن رجب ﵀: "فأما نهيه - ﷺ - عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يُلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي فكذلك اجتناب مقاربة المريض، كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله ﷾ هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره .. وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضائه وقدره فقويت
_________________
(١) جمع محل، وهو المكان.
(٢) مفتاح دار السعادة: ج ٢/ ٢٦٩، ٢٧٢. بتصرف.
[ ٣ / ٩٧ ]
النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كان فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود والترمذي - رحمهما الله تعالى - أن النبي - ﷺ -: أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: "كل باسم الله، ثقة بالله وتوكلا عليه". وقد أخذ به الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وروى ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃ ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد - ﵁ - من كل السم ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، فهذا كله لا يصح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكلهم عليه وثقتهم وبه" (^١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله: "لا عدوى". أي على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى وأن هذه الأمراض تُعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال: "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". وقال: "لا يورد ممرض على صحيح"، وقال في الطاعون: "من سمع به في أرض فلا يقدم عليه". وكل ذلك بتقدير الله" (^٢).