الفسق في اللغة: الخروج. قال الفيروزابادي: ""الفسق": بالكسر الترك لأمر الله تعالى والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق فسق وضرب وكرم فسقًا وفسوقًا ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ خروج عن الحق، وفسق جار وعن أمر ربه خرج، والرطبة عن قشرها خرجت كانفسقت قيل ومنه الفاسق لانسلاخه الخير" (^١).
وقال ابن الأثير: "أصل الفُسق: الخُروج عن الاسْتِقامة، الجَوْر، وبه سُمِّى العاصِي فاسِقًا، وإنَّما سُمِّيت هذه الحيواناتُ فَواسِقَ، على اسْتِعارة لخُبْثِهنّ. وقيل لخُروجِهنّ من الحُرْمة في الحِلّ والحرَم: أي لا حُرْمةَ لهنّ بحال. ومنه الحديث أنه سَمَّى الفأرةَ "فُوَيْسِقَة" تصغير فاسِقة؛ لخروحها من جُحْرها على الناس وإفسادِها" (^٢).
وقال الرازي: "الفسِّيق: دائم الفسق" (^٣).
وشرعًا: يقول ابن عطية: "الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله - ﷿ -، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان" (^٤).
وقال ابن حجر: "الفسق في الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان" (^٥).
_________________
(١) * تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦، فتح الباري ١/ ١٣٤، الدرر السنية ١/ ٤٧٠، ٧/ ٥٥٥، ٨/ ١٩٧، ١٠/ ٣٧٤، ١١/ ٤٦٩، المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ١/ ٢٦٤.
(٢) القاموس المحيط (ف س ق).
(٣) النهاية (ف س ق).
(٤) مختار الصحاح (ف س ق)
(٥) تفسير ابن عطية ١/ ١٥٥.
(٦) فتح الباري ١/ ١١٢.
[ ٣ / ١٦٥ ]
أحكام وفوائد:
١ - أقسام الفسق وأنواعه:
الفسق قسمان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة:
جاء عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنه "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (^١).
وجاء عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] قال: العاصون (^٢).
وذكر القسمين الإمام المروزي فقال: "وكذلك الفسق فاحتطنا فسقٌ ينقل عن الملة وفسقٌ لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقًا والفاسق من المسلمين فاسقًا ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار دل على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، وسمي القاذف من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فقال العلماء في تفسير الفسوق ههنا هي المعاصي فكما كان الظلم ظلمين والفسوق فسقين كذلك الكفر كفران، أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عنها" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٦٣٥)، ص ٥٩٨، وابن جرير في تفسيره ٦/ ٢٥٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٢١، ٥٢٢. وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٢، ١١٤٦، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٣.
(٢) ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٨.
(٣) تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦.
[ ٣ / ١٦٦ ]
وقال الشيخ صالح الفوزان: "الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة وهو الكفر، فيسمى الكافر فاسقًا فقد ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا. وقال الله تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار. دل على ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، ويسمي العاصي من المسلمين فاسقًا ولم يخرجه فسقه من الإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي (^١) " (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] قال الشيخ صالح الفوزان: "ذكر - ﷾ - في هذه الآية الكريمة أنواع المعاصي الثلاثة: المعاصي التي تُخرِجُ من الملَّة؛ كالكفر والشِّرك بالله - ﷿ -، والمعاصي الكبائر التي هي دون الشِّرك والكفر؛ فلا تخرج من الملَّة، ولكنها تُنقِصُ الإيمانْ نقصًا ظاهرًا؛ كالزِّنى والسَّرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، وسُمِّيت فسوقًا، وصاحبُها فاسقًا، لأنَّ الفسق معناه الخروج عن طاعة الله - ﷿ -، وذكر المعاصي التي هي دون الكبائر، ولا تقتضي الفِسقَ، وهي صغائرُ الذُّنوب.
فأخبر سبحانه أنه كرَّهَ هذه الأنواع الثلاثة إلى أهل الإيمان، وحبَّبَ إليهم أنواع الطاعات والقُرُبات" (^٣).
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ١/ ١٣٤.
(٢) كتاب التوحيد ص ٢٥.
(٣) المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ١/ ٢٤٤.
[ ٣ / ١٦٧ ]
٢ - تنبيه:
ارتبط الفسق الذي لا ينقل عن الملة بالكبائر كما جاء في التعريفات السابقة وقال النووي - ﵀ -: "وأما الفسق فيحصل بارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة" (^١).
* وضابط الكبيرة عند العلماء:
قال ابن عباس - ﵄ -: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (^٢).
وتقدم في باب التكفير تعريف الكبيرة وأقوال العلماء في ذلك والأشهر في تعريفها ما ذكره السفاريني - ﵀ - أن: "الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما (^٣)، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة" (^٤).
تعريف الكبيرة (^٥):
عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. قال: الكبائر كل ذنب
_________________
(١) فتاوى النووي ص ٢٦١.
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٤١.
(٣) أو كالتبرؤ من فاعلها، أو قوله - ﷺ -: "ليس منا .. ".
(٤) لوامع الأنوار ص ٣٦٥.
(٥) انظر شرح مسلم للنووي ٢/ ٨٤ - ٨٧، مجموع الفتاوى ١١/ ٦٤٥، ٦٥٥، ١/ ٦٥٧. ومدارج السالكين ١/ ٣٢١، ٣٢٧، الجواب الكافي ص ١٦٨ - ١٧١. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٤١٧، ٤١٨. والإنصاف للمرداوي ٢/ ٤٦، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ١/ ٥، ١٠. وفتح الباري لابن حجر ١٠/ ٤١٠، ٤١٢. والدر المنثور للسيوطي ٢/ ٤٩٨، ٥٠٠. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة ص ٥٤٠، ٥٤١.
[ ٣ / ١٦٨ ]
ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (^١).
وقال القاضي أبو يعلى: "وقد حدّ أحمد - ﵀ - الكبائر: بما يوجب حدا في الدنيا أو وعيدًا في الآخرة" (^٢).
وقال الماوردي من الشافعية: "الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد" (^٣).
وقال السفاريني: "والكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة" (^٤).
وقال القرطبي في المفهم: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة عقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدها" (^٥)، وسوف يأتي فريد بحث عن الكبيرة في باب (الفسق).
وقد تبين أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
قال أبو عثمان الصابوني - ﵀ - مقررا عقيدة السلف في هذه المسألة: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٤١.
(٢) العدة ٣/ ٩٤٦.
(٣) فتح الباري ١٠/ ٤١٠.
(٤) لوامع الأنوار ص ٣٦٥.
(٥) فتح الباري ١٠/ ٤١٠، ٤١١ ط. السلفية.
[ ٣ / ١٦٩ ]
- ﷿ - إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الاثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده في النار، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (^١).
وفي لوامع الأنوار قال: "قال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي من بني قدامة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: "أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟
فقالت الخوارج: إنه كافر.
وقالت جماعة: إنه مؤمن.
وقالت طائفة المعتزلة: هو لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار.
واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة.
وأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام ولم يحكموا عليه بخلود في النار وإنما هو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، وهو تحت مشيئة الله تعالى ولهذا قال:
ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة
لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان" (^٢)
وقال الإمام ابن باز - ﵀ -: "ولهذا شرع الله في حق الزاني الحد بالجلد إذا كان بكرًا يجلد مائة جلدة ويغرّب عامًا، وهكذا شارب السكر يجلد ولا يقتل، وهكذا السارق تقطع يده ولا يقتل. فلو كان الزنا وشرب السكر والسرقة توجب الكفر الأكبر لقُتلوا لقول النبي - ﷺ -: "من بدل دينه فاقتلوه" (^٣) " (^٤).
_________________
(١) عقيدة أصحاب أهل الحديث من الرسائل الكمالية ص ١٠٣، ١٠٤.
(٢) لوامع الأنوار ص ٣٦٤.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٦٩٢٢).
(٤) مجموع الفتاوى لابن باز ص ٥٩١.
[ ٣ / ١٧٠ ]
٣ - التحذير من التفسيق بغير دليل شرعي ولا علم:
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلًا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها والحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع. وأما الأمور التي يستقل بها العقل فمثل الأمور الطبيعية، مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة" (^١).
وقال أيضًا - ﵀ -: "هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى. وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، ذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، ما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية" (^٢).
وقد تقدم تفصيل ذلك في باب (التكفير).
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٩٢، ٩٣.
(٢) الفتاوى ٣/ ٢٢٩.
[ ٣ / ١٧١ ]