قال الراغب: "أصل الفطر: الشق طولا ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد" (^١).
قال أبو شامة: "أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة" (^٢) ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]. أي المبتدئ خلقهن وقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]. قال ابن كثير: "أي خلقكم ولم تكونوا شيئا" (^٣). قال ابن الأثير: "الفطرة: أي الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجِلسة والرِّكْبة" (^٤).
* وفي الاصطلاح الشرعي: المراد بالفطرة الإسلام وهو قول السلف.
قال ابن حجر: "وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة: الإسلام، قال ابن عبد البر (^٥): هو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر الباب (^٦): اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وبحديث عياض بن حمار عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت
_________________
(١) المفردات (ف ط ر).
(٢) فتح الباري ١٢/ ٤٥٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٤.
(٤) النهاية واللسان (ف ط ر).
(٥) انظر قوله في التمهيد ١٨/ ٧٢.
(٦) يعني حديث "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ".
[ ٣ / ١٧٢ ]
عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (^١) وقد رواه غيره فزاد فيه "حنفاء مسلمين" ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام" (^٢) ولما سئل الإمام أحمد عن الفطرة قال: "هي الدين" (^٣).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَل الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" (^٤).
وفي رواية أبي داود: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (^٥).
وقيل في معنى الفطرة أقوالًا أخرى منها:
العهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم وهم في ظهور أبيهم (^٦).
وقال ابن المبارك وهو مروي عن الإمام أحمد أن المراد: "ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة" (^٧).
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٦٠).
(٢) فتح الباري ٣/ ٢٩٢، ٢٩٣.
(٣) المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ١/ ١٨١.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥).
(٥) أبو داود (٤٧١٤).
(٦) معالم السنن ٤/ ٢٩٩، شرح السنة للبغوي ١/ ١٥٨.
(٧) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٤/ ٢٤٦. فتح الباري ٣/ ٢٩٤.
[ ٣ / ١٧٣ ]
وقال في هذا شيخ الإسلام: "هذا القول لا ينافي الأول "الإسلام" فإن الطفل يولد سليمًا وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع الخ" (^١).
وقيل المراد بالفطرة: "الخلقة: أي يولد سالمًا لا يعرف كفرًا ولا إيمانا ثم يعتقد إذا بلغ التكليف" (^٢).
وقد رد هذا القول شيخ الإسلام - ﵀ - حيث قال: "وقولكم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا مثهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر فهذا القول فاسد جدًّا وأيضًا فالنبي - ﷺ - شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدعة الأنف ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة والله أعلم" (^٣).
وقيل المراد به: "البداءة التي ابتدأهم عليها" (^٤).
وقيل أن المراد: "تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد" (^٥).
* والصواب أن المراد بالفطرة الإسلام، كما تقدم في نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٤٦.
(٢) انظر: فتح الباري ٣/ ٢٩٤.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٤٤.
(٤) شفاء العليل ص ٤٨٠.
(٥) هذا قول الطيبي. قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي (فتح ٣/ ٢٩٣).
[ ٣ / ١٧٤ ]
[الأعراف. ١٧٢]، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة" (^١).
وقال ابن القيم - ﵀ -: "وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ونهي عن ظلم وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق" (^٢).
وقال أيضًا: "سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة الله معنى الإسلام ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية لأن قوله "فأبواه يهودانه .. " إلخ محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى ٤/ ٢٤٥.
(٢) شفاء العليل ابن القيم ٣٠٢.
(٣) فتح الباري ٣/ ٢٩٤.
[ ٣ / ١٧٥ ]