الجحد في اللغة: الإنكار مع العلم (^١).
وقال العلامة الفيومي: "جحده حقَّه وبحقِّه جحدًا وجحودًا: أنكره ولا يكون إلا على علم من الجاحد به" (^٢).
وقال ابن القيم: "الجحود: إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن فهو إنكار مع العلم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣٠] " (^٣).
قال الراغب: "الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه" (^٤).
والجحود يراد به التكذيب المنافي للتصديق، كما يراد به الامتناع والإباء المنافي للانقياد (^٥).
وقال شيخ الإسلام: "ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها أي الصلاة فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للإمتناع عن الإقرار والالتزام" (^٦).
_________________
(١) * الشفاء ٢/ ١٠٧٣. مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٥، بيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٢٤.الصارم المسلول ص ٥٢٤. مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.الدرر السنية ١/ ٦٨، ٤٨٠، ١١/ ١٨٣. الحكم بغير ما أنزل الله لعبد الرزاق عفيفي ص ٥١.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٩١ ومن المجموع ١٠/ ٧٦٥.
(٢) مختار الصحاح (ج ح د).
(٣) المصباح المنير (ج ح د).
(٤) شفاء العليل ١٧٢.
(٥) المفردات (ج ح د).
(٦) انظر الفتاوى لابن تيمية ٢٠/ ٩٨، وكتاب الصلاة لابن القيم ص ٤٤.
(٧) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٩٨.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
فالجحود أن يكذب وينكر بلسانه أن هذا حكم الله أو أنه من عنده ﷾ مع تصديق قلبه بذلك.
قال الراغب: "وأعظم الكفر جُحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة" (^١).
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد. ٣٠].
وسبب نزول الآية: أنه حين كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" في صلح الحديبية، قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم. فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. فقال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون (^٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقيل قالوا ذلك حينما سمعوا الرسول - ﷺ - يدعو في سجوده ويقول "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي يجحدون هذا الاسم لأنهم يجحدون الله فإنهم يقرون به كمال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف.٨٧]. والمراد بهذا كفار قريش أو طائفة منهم فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادًا وجهلًا، وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال بعضهم:
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
قال ابن كثير: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من وصف الله بالرحمن الرحيم" (^٣).
قال ابن القيم: "وكفر الحجود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
_________________
(١) المفردات (ج ح د).
(٢) فتح القدير ٣/ ١١٩.
(٣) تيسير العزيز الحميد ٥٨١.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته " (^١).
* تعريف التكذيب:
الكذب ضد الصدق، قال الرازي: "وكذَّبه: أخبر أنه كاذب" (^٢).
وقد استعملت العرب الكذبَ في موضع الخطأ، قال ابن الأثير: "ومنه حديث صلاة الوتر "كذب أبو محمد" (^٣) أي أخطأ، سماه كذبًا؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وإن افترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم، وهذا الرجل ليس بمُخْبِر، وإنما قاله باجتهاده أدَّاه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ" (^٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: "فأما التصديق: فضده التكذيب والشرك والإعراض" (^٥).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] قال مجد الدين الفيروزآبادي: "كذَّبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، فمقالهم كان صدقًا" (^٦).
قال الراغب: "إذا قال الكافر من غير اعتقال: محمدٌ رسول الله، فإن هذا يصح
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.
(٢) مختار الصحاح (ك ذ ب).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٢٠).
(٤) النهاية (ك ذ ب) ص ٢١١.
(٥) جواب في الإيمان ونواقضه ص ١٤.
(٦) بصائر ذوي التمييز ٤/ ٣٣٩.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
أن يقال: صِدقٌ، لكون المُخْبَر عنه كذلك، ويصح أن يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميرَه، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] " (^١).
* أقوال السلف:
قال ابن بطة: "وكذلك وجوب الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل، من عند الله وبجميع ما قال الله ﷿، فهو حق لازم، فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء" (^٢).
وقال: "فمن كذب بآية أو بحرف من القرآن أو رد شيئًا مما جاء به الرسول - ﷺ - فهو كافر" (^٣).
وقال أيضًا: "فكل من ترك شيئًا من الفرائض التي فرضها الله ﷿ في كتابه أو أكدها رسول الله - ﷺ - في سننه على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بيّن الكفر لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر" (^٤).
ويقول القاضي عياض ﵀: "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس أو عدد ركعاتها وسجداتها" (^٥).
وقال أيضًا: "وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غير شيئًا منه، أو زاد
_________________
(١) المفردات (ص د ق).
(٢) الشرح والإبانة ص ٢١١.
(٣) الشرح والإبانة لابن بطة ص ٢٠١.
(٤) الإبانة ٢/ ٧٦٤.
(٥) الشفا ٢/ ١٠٧٣.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
فيه، وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلا به، ولا قريب عهد بالإسلام، وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا .. " (^١).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل" (^٢).
وقال ابن تيمية: "والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق متعددة، فمنهم من يقول الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك، ومنهم من يقول الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا، ومنهم من لا يحده بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى.
ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته، مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي، والأشعري، وغيرهم" (^٣).
ويقول ﵀: "إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول - ﷺ - فيما أخبر به، أو الامتناع
_________________
(١) الشفاء ٢/ ١٠٧٦، ١٠٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٥.
(٣) منهاج السنة ٥/ ٢٥١.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم (^١).
قال ابن القيم: "وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
- فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
- والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به، عمدًا، أو تقديما لقول من خالف عليه لغرض من الأغراض.
وأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه. وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله. إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا" (^٢).
وقال السيوطي: "اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة" (^٣).
وقال الملّا علي القاري الحنفي: "وفي جواهر الفقه، من جحد فرضا مجمعا عليه كالصوم والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة كفر، قلت: وفي معناه من أنكر حرمة محرم مجمع عليه كشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم والربا" (^٤).
وقال الإمام الشوكاني في الدواء العاجل: "وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعيّ أو جاحده، والعامل على خلافه تمردا وعنادا أو استحلالًا أو
_________________
(١) درء التعارض ١/ ٢٤٢.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.
(٣) مجموعة الرسائل المنيرية ٤/ ٣٠٢ من رسالة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة.
(٤) شرح الفقه الأكبر ص ١٤٣.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
استخفافًا كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله تعالى لعباده" (^١).
وقال ابن سحمان: "لا خلاف بين العلماء أن الإنسان إذا صدق الرسول - ﷺ - في شيء وكذبه في شيء لم يدخل الإسلام كمن جحد فريضة أو واجبًا " (^٢).
وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن أقسام النفاق الأكبر المخرج من الملة فقال: "أن يظهر كذب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه" (^٣).
* الفرق بين الجحود والتكذيب:
التكذيب يقابله التصديق، أما الجحود فيقابله الإقرار قال في اللسان: "الجَحْد والجحودُ: نقيض الإقرار كالإنكار والمعرفة" (^٤).
فالجحود يكون مع الاستيقان والتصديق ولكنه ينكر بلسانه ويعرف الفرق بينهما بالتأمل في الآيات وأقوال المفسرين، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. فلا يلزم منه أن القلب يكذبه كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام.٣٣].
فنفى عنهم تكذيب القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الآلية: "فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما
_________________
(١) الدواء العاجل ص ٣٤ ضمن مجموعة الرسائل السلفية. وانظر حكم منكر السنة في باب السنة.
(٢) الضياء الشارق سليمان بن سحمان ص ٣٤٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٣٤، وانظر باب النفاق.
(٤) لسان العرب (ج ح د).
[ ٣ / ٣١٠ ]
نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيب فيها " (^١).
قال الخفاجي: "الفرق بين التكذيب والجحد أن الأول: مطلق الإنكار، والثاني: الإنكار لما يعلم حقيقته عنادا" (^٢).
* فائدة:
ومما يجدر ذكره هنا ما أطلق عليه بعض العلماء بـ (كفر العناد).
حيث يقول الإمام ابن القيم ﵀ من أنواع الكفر: "كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار أو رياسة سلطانية " (^٣).
وقال ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، اتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إمّا عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد" (^٤).
قال الراغب: "والمعاند: المباهي بما عنده، قال تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق.٢٤]، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر.١٦] والعَنُود مثله قال: لكن بينهما فرق لأن العنيد الذي يُعانِد ويُخالِفُ والعنُودُ الذي يعنُد عن القصد" (^٥).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ١٩٨.
(٢) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٦/ ٤١٨.
(٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤، وانظر التوضيح عن توحيد الخلاق ص ٨٩.
(٤) طريق الهجرتين ص ٣٨٢.
(٥) المفردات (ع ن د).
[ ٣ / ٣١١ ]
قال في مختار الصحاح: "عَنَدَ: أي خالف ورد الحق وهو يعرفه" (^١).
وهذا يشبه قولهم في كفر الجحود أنه "الإنكار مع العلم" (^٢).
لكن المعاند ينكره بعدما عرف قلبه وأقر لسانه والجاحد لا يقر بلسانه فيجتمع العناد والجحود في الامتناع عن قبول الحق كما يجتمعان في المعرفة.
قال ابن القيم: "الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه" (^٣).
ونجد أن العلماء أيضًا يذكرون العناد مع الجهل وكأنهما نقيضان، فالعناد بعلم بخلاف الجهل قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "ولا فرق بين من يكون كفره عنادا أو جهلا، الكفر منه عناد ومنه جهل" (^٤).
وسألتُ الشيخ ابن جبرين عن الفرق بينهما فأجاب - حفظه الله -: "أن إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين عرفوا الرسول وكذبوه هؤلاء كفرهم كفر عناد قال تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة.١٤٦]. أما كفر الجحود فيظهر أنه قريب من كفر العناد ومعناه معرفة الحق ثم إنكار باللسان فيصدق على آل فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. وكذلك قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت ٣٨٠]. فكفرهم
_________________
(١) مختار الصحاح (ع ن د).
(٢) مختار الصحاح (ج ح د).
(٣) الصلاة لابن القيم ص ٢٦.
(٤) كشف الشبهات ص ١٠١.
[ ٣ / ٣١٢ ]
جحود للحق وهم ينظرون إليه ويعرفونه.
وللتدقيق في التعريف بينهما يُنظر في قول الأزهري حين قال:"وأما كفر الجحود فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة.٨٩]. يعني كفر الجحود.
وأما كفر المعاندة فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل ككفر أبى طالب حيث يقول:
ولقد علمت بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حِذارُ مسبَّةٍ لوجدتني سمحا بذاك مبينا" (^١).
فهو بهذا مقر بالدين وبأنه خير لكنه غير ملتزم به فهو كفر عناد واستكبار.
قال ابن حجر: "ومما ورد من شعر أبي طالب في ذلك أنه نظير ما حكى الله تعالى عن كفار قريش ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فكان كفرهم عنادًا ومنشؤه من الأنفة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب في قوله: لولا أن تعيرني قريش" (^٢).
* الفرق بين الكفر والتكذيب والإنكار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والكفر أعم من التكذيب فكل من كذَّب الرسول كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم صدقه، ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر، أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب " (^٣).
_________________
(١) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٤. انظر للاستزادة باب (كفر الإعراض).
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ٧/ ٢٣٩.
(٣) الفتاوى الكبرى ٥/ ١٩٩، ٢٠٠.
[ ٣ / ٣١٣ ]
فالكفر نقيض الإيمان والتكذيب يقابل التصديق أما الإنكار فيقابل المعرفة.
قال في تهذيب اللغة: "فأما كفر الإنكار فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.
وكذلك رُوي في تفسير قوله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة. ٦]. أي الذين كفروا بتوحيد الله" (^١).
يقول شيخ الإسلام ﵀: "الوجه الثامن: إن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه ولم يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلًا " (^٢).
وبعض العلماء ﵏ لم يعتن في الغالب في التفريق بين مفهوم كفر الجحود والتكذيب والاستحلال والإنكار ولعل السبب في ذلك أنها كلها من النواقض الاعتقادية التي يكفر من وقع في واحد منها إجماعًا. والله أعلم.
_________________
(١) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٤.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٣٧.
[ ٣ / ٣١٤ ]