قال في مختار الصحاح: "كواه يكويه كيًّا فاكتوى هو يقال آخر الدواء الكي ولا يقال آخر الداء الكي والمكواة الميسم" (^١).
وقال ابن الأثير: "الكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي" (^٢).
وقد وردت الرخصة فيه فدل على الجواز. وجاء الثناء على تاركه فدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل في تحقيق التوحيد.
* الدليل من السنة: عن جابر - ﵁ - قال: "رُمِي سعد بن معاذ في أكحله، قال: فحسمه النبي - ﷺ - بيده بمِشقص (^٣)، ثم ورمت، فحسمه الثانية" (^٤).
وعن جابر - ﵁ - قال: "رُمِي أُبي يوم الأحزاب على أكحله، قال فكواه رسول الله - ﷺ - " وفي رواية قال: "بعث رسول الله - ﷺ - إلى أُبي بن كعب طبيبا، فقطع منه عرقًا، ثم كواه عليه" (^٥).
وعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: "كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" (^٦) وروى الإمام
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٢٦٧، ٢٧٣. ٢٣/ ٦٥. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٨، ٤٤. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٤. تيسير العزيز الحميد ١٠٩. فتح المجيد ٩٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٤٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٩٨، ط ٢ - ١/ ١٢٥ ومن المجموع ٩/ ٩٢.
(٢) مختار الصحاح (ك وى).
(٣) النهاية لابن الأثير (ك وى).
(٤) المِشقص: حديد طويل غير عريض كنصل السهم.
(٥) أخرجه مسلم (٢٢٠٨).
(٦) أخرجه مسلم (٢٢٠٧).
(٧) أخرجه الترمذي (٢٠٥١). المستدرك على الصحيحين ٣/ ٢٠٧، ٤/ ٤٦٢.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
أحمد أن النبي - ﷺ - كواه في حلقهِ من الذبحة (^١).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "أذن رسول الله - ﷺ - لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأُذُن، قال أنس: كويت من ذات الجنب رسول الله - ﷺ - حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني" (^٢).
وعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "الشفاء في ثلاثة: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي" (^٣).
وعن ابن مسعود قال: جاء نفر إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله إن صاحبًا لنا اشتكى، أفنكويه؟ قال: فسكت ساعة، ثم قال: "إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فَارْضِفُوه، - يعني بالحجارة" (^٤).
قال في النهاية: "اكووه أو ارضفوه" أي كمِّدوه بالرضف.
وقال الطحاوي: "معنى هذا عندنا على الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي كما قال الله ﷿: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء. ٦٤] وكقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت. ٤٠] " (^٥).
وقال الإمام البغوي: "أما الكي، فقد جاء في الحديث بالنهي عنه، وروي عن عمران بن حصين قال: "نهى النبي - ﷺ - عن الكي، فابتلينا، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا" (^٦). وقد وردت الرخصة فيه" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٥٩٤) (١٦٧٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧١٩، ٥٧٢٠، ٥٧٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٨٠) (٥٦٨١).
(٤) المصنف ١٩٥١٧ شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٥.
(٥) معاني الآثار ٢/ ٣٨٥.
(٦) أخرجه أبو داود (٣٨٦٥).
(٧) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٤.
[ ٣ / ٣٥١ ]
وقال ابن القيم: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. ولا تعارض بينهما بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه بل يفعله خوفًا من حدوث الداء - والله أعلم - " (^١).
قال أبو سليمان الخطابي: "الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، والنهي عن الكي يحتمل أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه وإذا لم يفعل هلك صاحبه ويقولون آخر الدواء الكي، فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك، إذا كان على هذا الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سببًا لا علة.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون نهيه عن الكي، هو أن يفعله احترازًا عن الداء قبل وقوع الضرورة، ونزول البلية، وذلك مكروه وإنما أبيح العلاج، والتداوي عند وقوع الحاجة، ودعاء الضرورة إليه، وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول: فما أفلحنا، وقد كان به الباسور، ولعله إنما نهاه عن استعمال الكي في موضعه من البدن، والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورا، والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره، وليس كذلك في بعضها، فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى النوع المَخُوف - والله أعلم - وروي عن ابن عمر أنه اكتوى من اللقوة، ورقى من العقرب وكوى ابنه واقدًا" (^٢).
وقال ابن قتيبة: "الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل، كما يفعله كثير من أمم
_________________
(١) زاد المعاد ٤/ ٦٦.
(٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٦.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
العجم، فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة، يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة، ويدفع عنهم الأسقام ، قال وهذا هو الأمر أي أبطله الرسول - ﷺ -، وقال فيه: "لم يتوكل من اكتوى"، لأنه ظن أن اكتواءه وإِفزاعه الطبيعة بالنار وهو صحيح، يدفع عنه قدر الله تعالى.
وأما الجنس الآخر، فكي الجرح إذا نغل، وإذا سال دمه فلم ينقطع، وكي العضو إذا قطع، أو حسمه وهذا هو الكي الذي قال النبي - ﷺ -: "إن فيه الشفاء"" (^١).
قال ابن القيم: "وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز ألا ينجع فإنه إلى الكراهية أقرب" (^٢).
* مسألة: هل يقدح الكي في التوكل؟
انظر: باب (التداوي)، (الرقى).