اللعن في اللغة: الطرد والإبعاد. قال الفيروزآبادي: "لعنه كمنعه: طرده وأبعده فهو لعين وملعون" (^١).
واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة أو دُعيَ عليه بها (^٢).
قال الفيروزآبادي: "واللعين من يلعنه كلُّ أحد" (^٣).
وفي الشرع: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى بطريق العقوبة. قال الراغب الأصفهاني: "اللعن: هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره" (^٤).
وقال القرطبي: "لعنة الله طرده للملعون وإبعاده عن رحمته، ولعنة الملائكة والناس، الإبعاد والدعاء بالإبعاد" (^٥).
وقال ابن الأثير: "وأصل اللعن: الطردُ والإبعادُ من الله، ومن الخَلْق السَّبُّ والدعاء" (^٦).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "الظاهر أنه من الخلق طلب طرد الملعون وإبعاده من الله بلفظ اللعن لا مطلق السب والشتم" (^٧).
_________________
(١) القاموس المحيط (ل ع ن).
(٢) انظر: فتح المجيد ص ١٦٨.
(٣) القاموس المحيط (ل ع ن).
(٤) المفردات (ل ع ن).
(٥) المفهم ٤/ ٣٤١.
(٦) النهاية (ل ع ن).
(٧) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢٠.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "اللعنة: البعدُ عن مظان الرحمة" (^١).
* الدليل من السنة: عن ثابت بن الضحاك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله" (^٢).
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رجلًا على عهد النبي - ﷺ - كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يُضحك رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشراب فأتي به يومًا فأُمر به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي - ﷺ -: "لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".
وفي رواية عن أبي هريرة - ﵁ - قال بعض القوم: أخزاه الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" (^٣).
* حكم اللعن:
يمكن أن نتكلم عن هذه المسألة في ثلاثة أقسام:
أولًا: جواز اللعن المطلق سواء على الكفار أو على الفساق.
ثانيًا: حكم لعن الكافر المعين.
ثالثًا: حكم لعن الفاسق المعين.
أولًا: جواز اللعن المطلق سواء على الكفار أو على الفساق وسواء بوصف عام أم بوصف أخص: قال الله تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]،
_________________
(١) فتح المجيد ص ١٦٨.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٣) (٦٦٥٢) (٤١٧١) ومسلم (١١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨١) وأبو داود (٤٤٧٧).
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمرل:٦١]، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧].
وثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" (^١).
وقال - ﷺ -: "لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتُقطع يده، وشرق الحبل فتقطع يده" (^٢).
وقال - ﷺ -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
وعن علي - ﵁ - قال: "حدثني درسول الله - ﷺ - بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غير منار الأرض" (^٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" (^٥).
وثبت أن رسول الله - ﷺ - لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (^٦)، وَلَعَنَ - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٣٣) ومسلم (٢١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٣) ومسلم (١٦٨٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم ١٩ - (٥٢٩).
(٤) أخرجه مسلم (١٩٧٨).
(٥) سنن أبي داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠).
(٦) أخرجه البخاري (٥٨٨٥).
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وَالْمُصَوِّرَ (^١)، ولعن - ﷺ - النائحة والمستمعة (^٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: "سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدم نساؤكم نساءهم كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم" (^٣).
وفي الصحيحين في قنوته ﵊ للنازلة: "اللهم العن لِحْيَانَ ورِعْلًا وذكوانَ وعُصَيَّةَ" (^٤).
قال النووي ﵀: "فِيهِ: جَوَاز لَعْن الْكُفَّار وَطَائِفَة مُعَيَّنة مِنْهُمْ" (^٥).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: "لأقربن صلاة النبي - ﷺ -، فكان أبو هريرة - ﵁ - يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده" فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار" (^٦).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وقد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت ويلعن الكفرة عمومًا، ثم ذكر الحديث السابق" (^٧).
وكان معاذ بن الحارث الأنصاري إذا انتصف رمضان لعن الكفرة (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٦٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٢٨). والإمام أحمد (١١٦٤٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٧٠٨٣)، والطبراني ٩/ ١٣١.
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ص ١٠٨٢ (٥ - ١٧٧). وانظر النووي ص ٤٥٧٥ (١٦ - ٧٣).
(٦) أخرجه البخاري (٧٩٧).
(٧) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٩٣.
(٨) مختصر الوتر ص ١٤١ رقم (٢٣٣).
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وقال الأعرج: "ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان" (^١).
وقال القرطبي ﵀: "أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن وليس ذلك بواجب ولكنه مباح لمن فعله لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه" (^٢).
وقال ابن كثير ﵀: "لا خلاف في جواز لعن الكفار وقد كان عمر بن الخطاب - ﵁ - ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت" (^٣).
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "قال الشيخ تقي الدين: المنصوصُ عن أحمد الذي قرره الخلال اللعنُ المُطلَقُ العام، لا المُقيَّد المعيَّنُ" (^٤).
وقال أيضًا: "ويجوز لعنُ الكفار عامة، وهل يجوز لَعُن كافرِ مُعَّين؟ على روايتين، قال الشيخ تقي الدين: ولعنُ تارك الصلاةِ على وجهِ العموم جائزٌ، وأما لعنةُ المعين فالأوْلى تركها، لأنه يمكن أن يتوب" (^٥).
وقال ابن تيمية ﵀: "فلعنة الفاسق المعين ليست مأمورا بها إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع كقول النبي - ﷺ -: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده"، وقوله: "لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثًا"، وقوله "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"، وقوله: "لعن الله المحلل والمحلل له"، "لعن الله الخمر، وعاصرها
_________________
(١) الموطأ للإمام مالك ص ١١٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨٩. وانظر أيضا شرح الزرقاني ١/ ٢٣٩، ٢٤٠.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٢.
(٤) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.
(٥) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٥.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها"" (^١).
وذكر الحافظ العراقي جواز الدعاء على الكفار ولعنتهم ثم قال: "قال صاحب المفهم: ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم" (^٢).
وفي حديث "لعن الله من آوى محدثًا " الحديث قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق كقوله: لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ونحو ذلك - فأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان ذكرهما شيخ الإسلام:
أحدهما: أنه جائز، اختاره ابن الجوزي وغيره.
والثاني: لا يجوز - اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام، قال: والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين كالحجَّاج وأمثاله وأن يقول كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] " (^٣).
ثانيًا: حكم لعن الكافر المعين:
يقرر شيخ الإسلام في هذا قاعدة جامعة حيث يقول: "المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلّال اللعن المطلق العام لا المقيَّد المعيَّن، كما قلنا في نصوص الوعد والوعيد وكما نقول في الشهادةِ بالجنة والنار، فإنَّا نشهدُ بأنَّ المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهدَ له الكتابُ والسنة، ولا تشهدُ بذلك لمعين إلا لمَنْ شهدَ له النصُّ، أو شهد له الاستفاضة على قول. فالشهادةُ في الخبرِ كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام" (^٤).
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٦٩.
(٢) طرح التثريب ٢/ ٢٩٢.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٩.
(٤) نقلًا عن الآداب الشرعية ١/ ٢٨٩.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
ويقول شيخ الإسلام فيمن علم أنه مات على الكفر: "وأما لعنة المعين فإن عُلِم أنه مات كافرًا جازت لعنته" (^١).
والإمساك عن لعن الكافر المعين أولى لأسباب، منها:
أن أكثر اللعن الوارد في النصوص على سبيل العموم.
عموم الأحاديث الناهية عن اللعن.
أن لا يَتَعَوَّد اللسان على السب واللعن.
أن النبي - ﷺ - كان يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك.
أن الكافر المعين إن كان حيًا فقد يهديه الله للإسلام.
أن الكافر المعين إن كان ميتًا فقد نهى النبي - ﷺ - عن سب الأموات بقوله: "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا".
وإليك تفصيل أقوال أهل العلم في هذه الأسباب:
١ - أكثر ورود اللعن في الآيات والأحاديث على سبيل العموم:
علق الشيخ ابن عثيمين على قول الله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] فقال: "استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ﷿، ولا يلزم منه جواز الدعاء به" (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال ابن عثيمين
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٥١١.
(٢) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
في ذكر فوائد الآية: "ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي - ﷺ -: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، أصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي - ﷺ - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصيًا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر" (^١).
٢ - عموم الأحاديث الناهية عن اللعن:
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "لم يكن النبي - ﷺ - سبابًا ولا فحّاشًا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة ما له تَرِبَ جَبينُه" (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا" (^٣).
وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا
_________________
(١) تفسير سورة البقرة ٢/ ١٩٣.
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٣١).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٩٧).
[ ٣ / ٣٦١ ]
شهداء يوم القيامة" (^١).
وعن سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار" (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (^٣).
وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن العبد إذا لعن شيئًا صعِدَت اللعنةُ إلى السماء فتُغلقُ أبوابُ السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتُغلقُ أبوابُها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعِن فإن كان لذلك أهلًا وإلا رجعت إلى قائلها" (^٤).
وعن عائشة - ﵂ - أن يهودَ أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنفَ والفحشَ. قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيُستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ" (^٥). وفي رواية عند مسلم قال: "يا عائشة لا تكوني فاحشة" (^٦).
وفي لفظ: "مَهْ يا عائشة، فإن الله لا يحبُّ الفُحْشَ والتفحش" وأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] " (^٧).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٩٨)، وأبو داود (٤٩٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠٦) والترمذي (١٩٧٦).
(٣) أخرجه الترمذي (١٩٧٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٥).
(٥) أخرجه البخاري (٦٠٣٠)، ومسلم (٢١٦٥).
(٦) أخرجه مسلم (٢١٦٥).
(٧) أخرجه مسلم (٢١٦٥).
[ ٣ / ٣٦٢ ]
٣ - أن لا يَتَعَوَّد اللسان على السب واللعن:
لأن استمراء ذلك واعتياده يجعل الإنسان لا يتعاظم أنْ يلعن غير الكافر بغير حق وفي قول رَسُول الله - ﷺ - "مَهْ يَا عَائِشَة فَإِنَّ الله لَا يُحِبّ الفُحْش وَالتَّفَحُّش" قال النووي: ""مَهْ" كَلِمَة زَجْر عَنْ الشَّيْء. وَأَمَّا الْفُحْش فَهُوَ الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل وَالْفِعْل. وَقِيلَ: الْفُحْش مُجَاوَزَة الْحَدّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اسْتِحْبَاب تَغَافُل أَهْل الْفَضْل عَنْ سَفَه الْمُبْطِلِينَ إِذَا لَمْ تترتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة" (^١).
وقال الحافظ: "وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ لا يَتَعَوَّدِ لِسَانهَا بِالْفُحْشِ، أَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا الإِفْرَاط فِي السَّبّ" (^٢).
٤ - النهي عن ذلك وبيان ما جاء في قول الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]:
عن أبي هريرة - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية" (^٣).
وروى أنس - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد شج وجهه فجعل يسلت الدم على وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله ﷿" فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " (^٤).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٤٧.
(٢) فتح الباري ١١/ ٤٣.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٩١).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
قال الطحاوي: "فتأملنا هذه الآثار وكشفناها لِنَقفَ على الأَوْلى منها بما نزلت فيه هذه الآيةُ من المعنيين المذكورين فيها، فاحتملَ أن يكون نزولُها في وقتٍ واحد يُرادُ بها السببان المذكوران في هذه الآثار، فوجدنا ذلك بعيدًا في القلوب، لأن غزوة أحد كانت في سنة ثلاثِ، وفتح مكة كان في سنة ثمانِ، ودعاء النبي - ﷺ - كان لمن دَعَا له في صلاته قبلَ فتح مكة، فبعيدٌ في القلوبِ أن يكونَ السببان اللذان قيل إن هذه الآية نزلتْ في كل واحد منهما كانَ نزولُها فيهما جميعًا.
واحتملَ أن يكونَ نزولُها كان مرتين: مرةً في السبب الذي ذَكَرَ عبدُ الله بن عُمر، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ نزولَها كان فيه، ومرةَّ في السبب الذي ذَكَرَ أنسٌ أَنَّ نزولَها فيه، فدخل على ذلك ما نفاهُ لأنه لو كانَ ذلك كذلك لكانت موجودةً في القرآن في موضعين، كما وُجِدَت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية في موضعين: أحدهما في سورة براءة [٧٣]، والآخر في سورة التحريم [٩]، ولَمَّا لم يكنْ ذلك كذلك في الآية المَتْلُوّة في هذه الآثار، بَطَلَ هذا الاحتمال أيضًا.
واحتملَ أن يكونَ نزلتْ قُرآنًا لواحدِ من السببين المذكورين في هذه الآثار، والله أعلمُ بذلك السبب أيُّهما هو؟ ثم أُنزَلت بعدّ ذلكَ للسببِ الآخر، لا على أَنَّها قُرآن لاحقٌ لما نَزَلَ فيه من القرآن، ولكن على إعلام الله تعالى نبيَّه ﵇ بها أنه ليسَ له من الأمر شيء، وأن الأمور إلى الله تعالى وحده، يتوب على من يشاء، ويعذب من يشاء، ولم نجد من الاحتمالات لما في هذه الآثار أحسنَ من هذه الاحتمال، فهو أولاها عندنا بما قيل في احتمال نزول الآية المتلوة فيها بها، والله نسأله التوفيق" (^١).
وقال الحافظ في الفتح: "يحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعًا فإنهما كانا في
_________________
(١) شرح مشكل الآثار ٢/ ٤٢ - ٤٤.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
قصة واحدة" (^١). وقال: "ووقع في رواية يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث ابن عمر لكن فيه اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية قال ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد؛ لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها - وفيه بعد والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد والله أعلم" (^٢).
وفي معنى الآية: قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال ابن عطية: كان النبي - ﷺ - لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم فقيل له بسبب ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي عواقب الأمور بيد الله فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء لربك. وقال غيره: المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم فعلى هذا يكون قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراض المعطوف والمعطوف عليه وقال ابن إسحق أي ليس لك من الحكم بشيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم" (^٣).
وقال الحافظ المباركفوري: "أي لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم بل ذلك ملك الله فاصبر أو يتوب عليهم بإسلام أو يعذبهم بالقتل والأسر والنهب فإنهم ظالمون بالكفر والمعنى أن الله مالك أمرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٣٦٥.
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٢١٨.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
الهزيمة أو التوبة إن أسلموا أو العذاب إن أصروا على الكفر" (^١).
وروى الإمام أحمد عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية". قال: فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم" (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر معلقًا على الحديث السابق: "والثلاثة الذين سماهم قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " (^٣).
وقال الإمام ابن خزيمة بعد أن ذكر الأحاديث في ذلك: "ففي هذه الأخبار دلالة على أن اللعن منسوخ بهذه الآية لا أن الدعاء الذي كان النبي - ﷺ - يدعو لمن كان في أيدي أهل مكة من المسلمين أن ينجيهم الله من أيديهم، إذ غير جائز أن تكون الآية نزلت ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في قوم مؤمنين في يدي قوم كفار يعذبون، وإنما أنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فيمن كانوا يدعو النبي - ﷺ - عليهم باللعن من المنافقين والكفار فأعلمه الله ﷿ أن ليس للنبي - ﷺ - من الأمر شيء في هؤلاء الذين كان النبي - ﷺ - يلعنهم في قنوته وأخبر أنه إن تاب عليهم فهداهم للإيمان أو عذبهم على كفرهم ونفاقهم فهم ظالمون وقت كفرهم ونفاقهم لا من كان النبي - ﷺ - يدعو لهم من المؤمنين أن ينجيهم من أيدي أعدائهم من الكفار، فالوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش
_________________
(١) تحفة الأحوذي ٨/ ٢٨٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥٦٧٤).
(٣) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
بن أبي ربيعة والمستضعفون من أهل مكة لم يكونوا ظالمين في وقت دعاء النبي - ﷺ - بأن ينجيهم من أيدي أعدائهم الكفار ولم يترك النبي - ﷺ - الدعاء لهم بالنجاة من أيدي كفار أهل مكة إلا بعدما نجوا من أيديهم لا لنزول هذه الآية التي نزلت في الكفار والمنافقين الذين كانوا ظالمين لا مظلومين ألا تسمع خبر يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فأصبح النبي - ﷺ - ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت ذلك له فقال أوما تراهم قد قدموا فأعلم - ﷺ - أنه إنما ترك القنوت والدعاء بأن نجاهم الله إذ الله قد استجاب لهم فنجاهم لا لنزول الآية التي نزلت في غيرهم ممن هو ضدهم إذ من دعاء النبي - ﷺ - بأن ينجيهم مؤمنون مظلومون، ومن كان النبي - ﷺ - يدعو عليهم باللعن، كفار ومنافقون ظالمون فأمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - بأن يترك لعن من كان يلعنهم وأعلم أنهم ظالمون وأن ليس للنبي - ﷺ - من أمرهم شيء وأن الله إن شاء عذبهم أو تاب عليهم فتفهموا ما بينته تستيقنوا بتوفيق خالقكم غلط من احتج بهذه الأخبار أن القنوت من صلاة الغداة منسوخ بهذه الآية" (^١).
وقال شيخ الإسلام: "وليس لأحد أن يحتج على النسخ (أي نسخ القنوت) بما في الصحيحين عن ابن عمر أنه سمع رسول - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وَفلانًا بَعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإن هذا إنما يدل على ترك اللعنة لهم لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم، وهذا إذا كان نهيا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة والكلام إنما هو في الدعاء الجائز خارج الصلاة كالدعاء لمعينين مستضعفين والدعاء على معينين من الكفار بالنصرة عليهم لا باللعنة ونحو ذلك" (^٢).
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٦.
(٢) مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٦.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وقال شيخ الإسلام أيضًا: "وأما الدعاء على معينين كما كان النبي - ﷺ - يلعن فلانًا وفلانًا فهذا قد رُوي أنه منسوخ بقوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع فيما كتبته في قلعة مصر؛ وذلك لأن المعين لا يعلم أن ﵁ أن يهلك بل قد يكون ممن يتوب الله عليه بخلاف الجنس فإنه إذا دُعي عليهم بما فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه، فإن الله يحب الإيمان وأهل الإيمان وعلو أهل الإيمان وذل الكفار، فهذا دعاء بما يحب الله، وأما الدعاء على المعين بما لا يعلم أن الله يرضاه فغير مأمور به، وقد كان يفعل ثم نُهي عنه لأن الله قد يتوب عليه أو يعذبه" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ويدل على منع لعن المعين أن النبي - ﷺ - كان يقول: "اللهم العن فلانًا، وفلانًا" لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك" (^٢).
وقد يقال هذا من خواص رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ العراقي في سياق كلامه عن لعن أهل المعاصي مع التعيين: "وقد يقال هذا من خواصه - ﷺ - لقوله - ﷺ -: "اللهم إني اتخذت عندك عهدًا أي مسلم سببته أو لعنته وليس لها بأهل فاجعلها له صلاة " الحديث، وهذا ليس لغيره" (^٣).
٥ - أن الكافر المعين إن كان حيًا فقد يهديه الله للإسلام:
قال ابن كثير ﵀: "فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم الله واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقالت طائفة أخرى: بل يجوز
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٢) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣.
(٣) طرح التثريب ٢/ ٢٩٢.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله ﵇ في قصة الذي كان يُؤتي به سكران فيحده فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتي به. فقال رسول الله - ﷺ -: لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يُلعن والله أعلم" (^١).
٦ - أن الكافر المعين إن كان ميتًا فقد نهى النبي - ﷺ - عن سب الأموات بقوله: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا":
قال ابن تيمية: "ثم الكلام في لعنة الأموات أعظم من لعنة الحي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" حتى أنه قال: "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" لما كان قوم يسبون أبا جهل ونحوه من الكفار الذين أسلم أقاربهم فإذا سبوا ذلك آذوا قرابته" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "لأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فقد قال النبي - ﷺ -: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"" (^٣).
وإذا تقرر هذا فإننا نقول إن للعلماء أقوالًا أخرى في لعن الكافر المعيَّنُ. وتقدم عن الشيخ ابن عثيمين قوله: "المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر" (^٤).
وفي الآداب الشرعية: "وقال الشيخ تقي الدين أيضًا في موضع آخر في لعن المُعَيَّنِ من الكفار ومن أهل القبلةِ وغيرهم ومن الفُسَّاقِ بالاعتقاد أو بالعمل:
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ١٧٦.
(٢) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧٢، ٥٧٣.
(٣) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٤) تفسير سورة البقرة ٢/ ١٩٣.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز. والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق. والثالث: يجوز مطلقًا" (^١).
وبعض العلماء جوّز ذلك على وجه الانتصار أو الزجر والإرهاب.
قال ابن مفلح: "وقال "يعني القاضي" في مكان آخر: وقد نُقِلَ عن أحمد لعنهُ أقوام معينين من دُعاِة أهل البدع، ولهذا فَرَّقَ مَنْ فرّق من الأصحاب بين لعنةِ الفاسقِ بالفعل وبين دعاةِ أَهلِ الضلال، إما بناء على تكفيرهم، وإما بناء على أن ضررهم أشد، ومَنْ جَوَّزَ لعنة المبتدع المكفر معينًا فإنه يُجوَّز لعنة الكافر المعين بطريق الأوْلى، ومَنْ لم يُجَوَّزْ أن يلعن إلا مَن ثبتَ لعنه بالنصَّ فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين، فَمَنْ لم يُجَوَّزْ إلا لعنَ المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصارِ، ولا على وجهِ الجهادِ وإقامةِ الحدود، كالهجرة والتعزيز والتحذير وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة أو من أهل القبلة أو مطلقًا. وأما مَنْ جَوَّزَ لعنةَ الفاسِق المُعَيَّنِ على وجه البغض في الله ﷿ والبراءة منه والتعزير فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضًا، ومَنْ يُرَجَّح المنعَ مِنْ لعنِ المعين، فقد يجيبُ عما فعله النبيُّ - ﷺ - بأحدِ أجوبة ثلاثة:
إما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة.
وإما أن ذلك مما دخلَ في قوله: "اللهم إنما أنا بشرٌ أغضبُ كما يغضب البشر، فأيما مسلم سَبَبْتُه أو لعنته - وليس كذلك - فاجعلْ ذلك له صلاةً وزكاةً ورحمةً تقربه بها إليكَ يومَ القيامة" (^٢). لكن قد يقال: هذا الحديث لا يدلُّ على تحريم اللعنة، وإنما يدل على أنه يفعلها باجتهادهِ بالتعزيز، فجعلَ هذا الدعاء دافعًا عَمَّنْ ليس لها بأهل.
_________________
(١) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٥.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وإما أن يقال: اللعن من النبي - ﷺ - ثابتٌ بالنص، فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون" (^١).
وفي حديث "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه" قال الحافظ ابن حجر: "وفيه جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه فإنما يدعى له بالتوبة والهداية.
قلت (^٢): ليس هذا التقييد مستفادًا من هذا الحديث بل من أدلة أخرى، وقد ارتضى بعض مشايخنا ما ذكره المهلب من الاستدلال بهذا الحديث على جواز لعن العاصي المعين وفيه نظر، والحق أن من منع اللعن أراد به معناه اللغوي وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفي أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق" (^٣).
وجاء عن بعض السلف لعن مستحق اللعنة من المعينين خاصة في حق أئمة أهل البدع والضلال.
روى نصر المقدسي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "دخلت على مالك بن أنس - ﵁ - وعنده رجل يسأله عن القرآن والقدر، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام" (^٤).
_________________
(١) الآداب الشرعية ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٢) أي الحافظ ابن حجر.
(٣) فتح الباري ٩/ ٢٤٩.
(٤) مختصر الحجة على تارك المحجة لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي تحقيق محمد إبراهيم هارون (رسالة علمية مطبوعة على الآلة الكاتبة بالجامعة الإسلامية) ص ٤٥٢.
[ ٣ / ٣٧١ ]
قال البخاري: وقال وكيع: "على المريسي لعنة الله، يهودي هو أو نصراني؟ قال له رجل: كان أبوه أو جده يهوديًا أو نصرانيًا قال وكيع: عليه وعلى أصحابه لعنة الله" (^١).
وروى عبد الله أيضًا عن عباس العنبري. عن شاذ بن يحيى قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وجعل شاذ بن يحيى يلعن المريسي" (^٢).
وجاء عن يزيد بن هارون أنه قال: "لعن الله الجهم ومن قال بقوله" (^٣).
وروى اللالكائي عن سعيد بن رحمة أنه قال: "إنما خرج جهم عليه لعنة الله سنة ثلاثين ومائة" (^٤).
وجاء عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه قال: "لعن الله بشر المريسي الكافر" (^٥).
وروى اللالكائي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم وقاله سنة نيف وعشرين ومائة، ثم من بعدهما بشر بن غياث المريسي لعنه اللهُ وكان صباغًا يهوديًا (^٦).
وجاء في تراجم اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: أخبار الجعد بن درهم لعنه الله (^٧).
تنبيه: من منع لعن الكافر المعين فإنه لا يمنع الدعاء عليه بالهلاك، وكذلك الدعاء على الكافر أو الظالم وقت النازلة الخالي من اللعن بتعيين جائز.
_________________
(١) خلق أفعال العباد ضمن مجموعة (عقائد السلف) تحقيق النشار ص ١٢٤.
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٠، ١٢٢.
(٣) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٦٧.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٠.
(٥) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٠.
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٢.
(٧) المصدر نفسه ٢/ ٣٨٢.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
قال الإمام ابن تيمية: "مع أنهم - أي الصحابة والتابعين - نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه وإنما يشرع نظيره فإن دعاءه لأولئك المعينين وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع باتفاق المسلمين بل إنما يشرع نظيره فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وفي غيرها من الصلوات وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه اللهم العن كفرة أهل الكتاب إلى آخره وكذلك علي - ﵁ - لما حارب قوما قنت يدعو عليهم وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنًا" (^١).
وفي قوله "اللهم العن فلانًا وفلانًا " قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله فلانًا وفلانًا يعني صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام كما بينه في الرواية التي بعدها وفيه جواز الدعاء على المشركين في الصلاة وتسمية المدعو عليهم ولهم بأسمائهم في الصلاة وأن ذلك لا يضر الصلاة" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "ولا بأس بدعائنا على الكافر بقولنا: اللهم! أرح المسلمين منه، واكفهم شره، واجعل شره في نحره، ونحو ذلك" (^٣).
ثالثًا: حكم لعن الفاسق المعين:
روى البخاري من حديث عمر - ﵁ - أن رجلًا كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضْحِكُ رسولَ الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلده، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي - ﷺ -: "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا إنه يُحبُّ الله ورسوله" (^٤). وروى مسلم من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧٠، ٢٧١.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢٠.
(٣) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩.
(٤) أخرجه البخاري في باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة رقم (٦٧٨٠).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
حديث بريدة أنَّ خالد بن الوليد لما رمى المرجومةَ بحجر فنضح الدم على وجهه، فَسَبَّها، فسمع النبيُّ - ﷺ - سبَّهُ إياها، فقال: "مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحبُ مكس (^١) لغفر له" (^٢).
قال القرطبي ﵀: "وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقًا" (^٣).
وقال ابن تيمية ﵀: "وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعين فقيل إنه جائز كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الفرج بن الجوزي وغيره، وقيل إنه لا يجوز كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز وغيره، والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين كالحجاج بن يوسف وأمثاله وأن يقول كما قال الله تعالى ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر حديث حمار وقال: فقد نهى النبي - ﷺ - عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللًا ذلك بأنه يحب الله ورسوله مع أنه - ﷺ - لعن شارب الخمر مطلقًا؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله" (^٤).
ولا يشكل على القول بعدم الجواز ورود اللعن في كتاب الله قال ابن تيمية: "فأما قول الله تعالى ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] فهي آية عامة كآيات الوعيد بمنزلة قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب لكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، فمن أين يعلم الإنسان أن يزيد أو غيره من الظَلَمة لم يتب من
_________________
(١) قال ابن الأثير: المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشَّار. النهاية (م ك س).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٤٢).
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨٩.
(٤) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٦٩ - ٥٧٠.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
هذه، أو لم تكن له حسنات ماحية تمحو ظلمه؟ ولم يُبتل بمصائب تكفر عنه، وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم" وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد، والجيش عدد معين لا مطلق وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين فإن هذا أخص والجيش معينون" (^١).
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "قال أبو بكر الخلال في كتاب "السنة": الذي ذكره أبو عبد الله في التوقف في اللعنة فيه أحاديث كثيرة لا تخفى على أهل العلم، ويتبع فيه قول الحسن وابن سيرين فهما الإمامان في زمانهما، ويقول: لعنَ اللهو مَنْ قتلَ الحسين بن علي، لعنَ الله مَنْ قتل عثمانَ، لعن الله من قتل عليًا، لعن الله من قتل معاوية بن أبي سفيان، ويقول: لعنةُ الله على الظالمين إذا ذُكِرَ لنا رجلٌ من أهل الفتن على ما تقلده أحمد" (^٢).
وقال ﵀ أيضًا: "قال القاضي: فأما فُسَّاقُ أهل الملة بالأفعالِ كالزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس ونحو ذلك فهل يجوز لعنهم أم؟ فقد تَوَقَّفَ أحمد - ﵁ - عن ذلك في رواية صالح قلت لأبي: الرجلُ يذكر عنده الحجاجُ أو غيرُه يلعنه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ فقال: ألا لعنةُ الله على الظالمين" (^٣).
وقال أيضًا ﵀: "وذكر - يعني القاضي - ما نقله خط أبي حفص العُكْبَري أسنده إلى صالح بن أحمد قلت لأبي: إنَّ قومًا ينسبون إليَّ تولِّي يزيد،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧١، ٥٧٢.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٨.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
فقال: يا بُنَيَّ، وهل يتولَّى يزيد أحدٌ يؤمنُ بالله واليوم الآخر؟ فقلت: ولم لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألحنُ شيئًا؟ لِمَ لا نلعن مَنْ لعنه الله ﷿ في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل؟
قال القاضي: وهذه الرواية إنْ صَحَّتْ فهي صريحةٌ في معنى لعن يزيد (^١).
قال الشيخ تقي الدين: الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين، انتهى كلامه" (^٢).
وجاء في رواية أبي طالب قال سألت أحمدَ بن حنبل عَمَّنْ قال: لعن الله يزيد بن معاوية. فقال: "لا تكلّمْ في هذا، الإمساكُ أحَبُّ إليَّ" (^٣).
قال ابن مفلح: "قال ابن الجوزي: هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لَعْنِ غيره. والأولى - على جواز اللعنة - كما قلنا في تقديم التسبيح على لعنه إبليس. وسَلَّمَ ابن الجوزي أن تركَ اللعنِ أوْلى، وقد روى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قيل يا رسول الله ادعُ الله على المشركينَ، قال: "إني لم أُبْعَث لَعَّانا وإنما بُعثتُ رحمةً" (^٤) " (^٥).
وذكر ابن حجر ﵀ جواز لعن الفاسق المسلم المجاهر بفسقه المشتهر به
_________________
(١) لعل هذا وما قبله مأخذ قول العلامة الكيا الهراسي من فقهاء الشافعية إذ سئل عن لعن يزيد فقال: للشافعي فيه قولان تصريح وتلويح، ولأحمد فيه قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد صريح لا تلويح: لعنة الله عليه.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٩٠.
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٩٩) من حديث أبي هريرة.
(٥) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
خاصة إذا كان ضرره بيّنًا وأذاه وظلمه للمسلمين ظاهرًا (^١).
وقال القرطبي: "ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سُمِّي أو عيِّن أم لا؟ لأن النبي - ﷺ - لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن فإذا تاب منها وأقلع وطهَّره الحد فلا لعنة تتوجه عليه" (^٢).
وقال ابن تيمية: "وأما ما نقله عن أحمد فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا لما قيل له: ألا تلعن يزيد؟ فقال ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا؟.
وثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول: ألا لعنة الله على الظالمين وكره أن يلعن المعين باسمه، ونقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله، واستدل بالآية لكنها رواية منقطعة ليست ثابته عنه، والآية لا تدل على لعن المعين ولو كان كل ذنب لعن فاعله يلعن المعين الذي فعله للعن جمهور الناس وهذا بمنزلة الوعيد المطلق لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه، وهكذا اللعن وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يُقطع به الرحم. ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين فهل يلعن هؤلاء كلهم؟ وكذلك من ظَلَم قرابةً له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء أيلعنه بعينه ثم إذا لُعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين وأما أبو الفرج بن الجوزي فله كتاب في إباحة لعنة يزيد رد فيه على الشيخ عبد المغيث الحربي فإنه كان ينهى عن ذلك، وقد قيل إن الخليفة الناصر لما بلغه نهى الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذلك وعرف عبد المغيث
_________________
(١) فتح الباري ٩/ ٢٠٧.
(٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٨٩.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
أنه الخليفة، ولم يُظهر أنه يعلمه فقال: يا هذا أنا قصدي كف ألسنة الناس عن لعنة خلفاء المسلمين وولاتهم وإلا فلو فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن، فإنه يفعل أمورًا منكرة أعظم مما فعله يزيد، فإن هذا يفعل كذا ويفعل كذا وجعل يعدد مظالم الخليفة حتى قال له ادع لي يا شيخ وذهب" (^١).
وقال ابن مفلح: "قال الشيخ تقي الدين: فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقول:
أحدها: المنعُ عمومًا وتعيينًا إلا برواية النص.
والثاني: إجازتها.
والثالث: التفريقُ وهو المنصوص.
لكن المنع من المعين هل هو: منع كراهة، أو منع تحريم؟ ثم قال في الرد على الرافضي: لا يجوز واحتج بنهيه ﵇ عن لعنة الرجل الذي يدعى حمارًا، وقال: هنا ظاهر كلامه الكراهة، وبذلك فَسَّرَهُ القاضي فيما بَعْدُ لمّا ذكر قول أحمد: لا تعجبني لعنة الحَجَّاج ونحوه، لو عَمَّ فقال: ألا لعنةُ الله على الظالمين" (^٢).
والفاسق المعين قد يكون قام به من الأعمال القلبية والبدنية ما يمنع لحوق اللعنة به - فقد تكون له مع الله توبة، أو حسنات ماحية، أو يصاب بمصائب مكفرة من عقوبات الدنيا، وقد يحصل له في البرزخ من الشدة أو في عرصات القيامة ما يكون سبب لزوال العقوبة عنه - وقد تزول بدعاء المؤمنين كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع.
قال ابن تيمية: " فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من المؤمنين حقًّا أعظم نفعًا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة كحب الله ورسوله فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح أنه كان على عهد النبي
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧٣، ٥٧٥.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٩.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
رجل يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان كلما أتي به إلى النبي - ﷺ - جلده الحد فلما كثر ذلك منه أتي به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبي - ﷺ -: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" نهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله مع أنه - ﷺ - لعن في الخمر عشرة: "لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها" ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة - لكنها من عقوبات الدنيا -، وكذلك ما يحصل في البرزخ من الشدة - وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة، وتزول أيضا بدعاء المؤمنين كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع كمن يشفع فيه سيد الشفعاء محمد ﷺ تسليمًا" (^١).