مما جاء فيه النهي عن الرسول - ﷺ - أن يعطف اسم المخلوق على اسم الخالق بالواو بعد المشئية ونحوها لأن المعطوف بها يكون مساويًا للمعطوف عليه لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك.
قال ابن الأثير: "وإنما فرّق بين قول "ما شاء الله وشئت" وما شاء الله ثم شئت؛ لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشئية، ومع ثم يكون قد قدّم مشفية الله على مشئيته" (^١).
* الدليل من السنة: عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ الله وَشئْتَ، وَتَقُولُونَ وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَيَقُولُونَ مَا شَاءَ الله ثُمَّ شئْتَ" (^٢).
وعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (^٣).
_________________
(١) * تيسير العزيز الحميد ٦٠٥. فتح المجيد ٤٩٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٣٠، ٣٣٩، ط ٢ - ٢/ ٤٠٨ ومن المجموع ١٠/ ٨٠٢، ٨١١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٧٧.
(٢) النهاية (ش ي أ).
(٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٧٧٣)، أبو داود (٤٩٨٠).
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وله أيضا عن ابن عباس - ﵁ - أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني للّه ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" (^١).
وعن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزير ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر من أخبر ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: "هل أخبرت بها أحدًا" قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد" (^٢).
أحكام وفوائد:
١ - حكم إطلاق ما شاء الله وشئت:
يتبين مما سبق أن هذا الإطلاق له صور ثلاث وهي كالتالي:
١ - ما شاء الله وحده فهذه أفضلها لحديث ابن عباس - ﵄ -: "قل ما شاء الله وحده" (^٣).
٢ - ما شاء الله ثم شئت فهذه تجوز؛ لأن فيه العطف بثم والعطف بثم يقتضي الترتيب والتراخي ولكونه صار تابعًا. ففيه إثبات المشيئة لله وحده، وإثبات
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٩٨٨.
(٢) الإمام أحمد (٢٠٩٧٠) (٢٣٧٧٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٩١ ]
المشيئة للعبد وأنها تابعة لمشيئة الله تعالى.
٣ - ما شاء الله وشاء فلان وهذا شرك لأن في اللفظة مساواة غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله. وجاء الحديث صريحًا في تحريم هذا القول وما أشبهه من الألفاظ مما فيه العطف بالواو لأن العطف بالواو يقتضي الجمع والمساواة بين الخالق والمخلوق وهذا شرك أصغر ينافي كمال التوحيد.
قال في التيسير: "قال ابن القيم: ومن ذلك أي من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي - ﷺ -، أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة. لقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨].
فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله وفلان، وأرجو الله وفلانًا.
فوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - ﷺ - لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله - ﷺ - في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي "مسند" الإمام أحمد أن رجلا أتى به النبي - ﷺ -، قد
[ ٣ / ٣٩٢ ]
أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: "عرف الحق لأهله"" (^١).
٢ - مسألة:
حُكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز العطف بالواو احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونحو ذلك. والصواب المنع، لأن النبي - ﷺ - أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله ندًا".
وأقر اليهودي على تسميته تنديدًا وشركًا، ومن المحال أن يكون هذا أمرًا جائزًا.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين:
أحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا.
الثاني: أن قوله: ما شاء الله وشئت تشريك في مشيئة الله، وأما الآية فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول - ﷺ - حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذلك الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي - ﷺ - أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه. فإن قلت: قد ذكر النحاة أن "ثم" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم ومنع منه الواو؟. وغاية ما يقال: إن "ثم" تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة الاشتراك
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٨.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعا، وهذا لا يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ" (^١).
جاء في حديث معاذ لما كان رديف رسول الله - ﷺ - على حمار وفيه أنه قال: "الله ورسوله أعلم". وقد يشكل لأنه جمع بين الله ورسوله بالواو مع أن الرسول - ﷺ - لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال أجعلتني لله ندًا".
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "فيقال إن الرسول - ﷺ - عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل ولهذا لم ينكر الرسول - ﷺ - على معاذ. بخلاف العلوم الكونية القدرية فالرسول - ﷺ - ليس عنده علم منها.
فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟
جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله - ﷺ - فيبينها لهم ولو قيل: هل يُتَوقَّعُ نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم لأنه من العلوم الكونية" (^٢).
* فالخلاصة أن حكم قول: الله ورسوله أعلم له حالات:
١ - في حياة رسول الله - ﷺ - وفي الأمور الشرعية لا مانع من ذلك فقد أطلقه الصحابة كما قال معاذ بن جبل لرسول الله - ﷺ -: الله ورسوله أعلم حين سأله رسول الله - ﷺ - أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟
٢ - بعد موته في الأمور الشرعية وهذه جائزة، وقد ذكرها الشيخ بكر أبو زيد في معجم المناهي اللفظية فقال: "قد جرى إطلاقها عند بعض أهل العلم منهم ابن
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٦ - ٦٠٧.
(٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٤٥. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٥٤.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
القيم رحمه الله تعالى قال في نونيته:
والله أعلم بالمراد بقوله ورسوله المبعوث بالفرقان
لكن لم يحصل الوقوف على إطلاق الصحابة - ﵃ - لها بعد وفاته - ﷺ - بل الظاهر خلافه " (^١). والصحيح الجواز كما تقدم.
٣ - بعد موته في الأمور الدنيوية لا يجوز فإن قالها مدعيًا أن رسول الله - ﷺ - يعلم الغيب الذي اختصَّ الله به فهذا شرك أكبر لأن الغيب لا يعلم إلا الله إلا ما أطلع الله ورسوله عليه.
٤ - حكم كتابة الله وكلمة محمد بشكل متداخل:
أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بأن مزج كلمة الله وكلمة محمد بشكل متداخل فيه خطر عظيم أو في مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة، وإليك الفتوى كاملة قالت اللجنة الموقرة: "مما جاء في نصوص الشريعة القرن بين الشهادة لله بالتوحيد والشهادة لنبيه محمد - ﷺ - بالرسالة في مواضع، من ذلك القرن بينهما في الأذان للصلاة وفي الإقامة لها، وفي حديث "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وغير ذلك مع بيان ما يجب الإيمان به على المكلفين بالنسبة لكل منهما مما هو أهله كقول المكلف: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما مزجًا كتابةً فلم يأتِ في كتاب الله ولا في سنة النبي - ﷺ - ومع ذلك ففيه خطر عظيم؛ إذ فيه مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة في التثليث، وأن الأب والابن وروح القدس إله واحد، وفيه أيضًا رمز للعقيدة الباطلة عقيدة وحدة الوجود، وفيه أيضًا ذريعة إلى العلو في الرسول - ﷺ - وعبادته مع الله سبحانه، وعليه يجب أن يمنع كتابة اسم الله تعالى واسم رسوله محمد - ﷺ - على هذا الشكل؛ شكل تداخل حروف اسميهما كتابة، وتقاطع
_________________
(١) معجم المناهي اللفظية ص ١٢٨.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
حروف اسم كل منهما بحروف اسم الآخر، بل لا يجوز كتابة (الله - محمد) على باب المسجد ولا على غيره لما في ذلك من الإيهام والتلبيس لما ذكر من المحاذير وغيرها. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (^١).
وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "وفي هذه الأزمان الحاضرة التي فتحت فيها سبل الاتصال: جوًا وبحرًا وبرًا تكاثرت الأعاجم في جزيرة العرب، وانتقلوا بما معهم من مبادئ ومعتقدات، وكان من الظواهر المنتشرة بعد وفادتهم، ولم تكن معهودة من قبل كتابة: لفظ الجلالة "الله" واسم النبي - ﷺ - "محمد" على جنبتي المحاريب، وفي رقاع، ونحوها في المجالس.
وهي دروشة لا معنى لها شرعًا، ومن يسوّي المخلوق بالخالق سبحانه؟ ويجمل بالمسلم التوقي من هذه وأمثالها.
وانظر كيف نهى النبي - ﷺ - عن قول الخطيب: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"؛ لما يوهم من التسوية.
وما جاء في بيان هدي النبي - ﷺ - في نقش خاتمه كما في "التراتيب الإدارية" من أنه جاء: محمد: سطر، ورسول: سطر، والله: سطر. هذا لمقتضى النقش، ومجموعهما يكون الشهادة بأن محمدًا رسول الله - ﷺ - فتنبه، بل في هذا مضاهاة للنصارى في قولهم: إن عيسى هو الله أو ثالث ثلاثة، فهنا يوهم بأنه ثاني اثنين؟! انظر "التراتيب الإدارية" [١/ ١٧٨ - ١٨٠] (^٢).
٥ - مسألة: في إنكار الرسول - ﷺ - على الخطيب قوله: "ومن عصاهما فقد غوى":
جاء في حديث عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: من يطع الله
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٩، ٤٠.
(٢) معجم المناهي اللفظية ص ١٢٦ - ١٢٧.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله - ﷺ -: "بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعصِ الله ورسولَه" (^١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: " وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى .. سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ" (^٢).
ولكن جاء في حديث آخر تثنية الضمير حيث قال - ﷺ -: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وللإجابة عن ذلك قال النووي ﵀: قوله "أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله - ﷺ -: "بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى". قال القاضي وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان".
والصواب: أن سبب النهي، أن الخطب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ليفهم، وأما قول الأوليين فيضعف بأشياء منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله - ﷺ - كقوله - ﷺ -: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وغيره من الأحاديث، وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٨٧٠).
(٢) إعلام الموقعين ٣/ ١٤٦.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٥٩.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام النووي: "وثمَّ أجوبة أخرى، منها: دعوى الترجيح، فكيون حيز المنع أولى لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل، ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل بكل قول، ليس فيه صيغة عموم أصلًا، ومنها دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي - ﷺ - ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر وهو أن كلامه - ﷺ - هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما منام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيهما منام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو - ﷺ - جمع كما تقدم؟
ويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الكل تعالى للعباد.
وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأعاد
[ ٣ / ٣٩٨ ]
﴿أَطِيعُوا﴾ في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي" (^١).
وذكر الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ أن أحسن ما قيل فيه قولان:
أحدهما: قول البيضاوي السابق أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين قال: وهو جواب بليغ جدًّا.
الثاني: يحمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز، والله أعلم (^٢).
٦ - حكم قول "شاءت قدرة الله"
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا يصح أن نقول: "شاءت قدرة الله"، لأن المشفية إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع هذه قدرة الله أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه، وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز.
ومثل ذلك قولهم "شاء القدر كذا وكذا" وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدِّر. والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٦١.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٨١، ٤٨٢.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٤.
[ ٣ / ٣٩٩ ]