الحب ضد البغض قال في المختار: "والحب أيضا المحبة وكذا الحب بالكسر والحب أيضا الحبيب ويقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب وتحبب إليه تودد " (^١).
وفي هذا المقام سوف أُفصِّلُ الكلام عن محبة الله بنقل كلام العلماء عنها.
فمحبة الله تعالى من أعظم مقامات العبودية، وأرفعها شأنًا. يقول الإمام ابن القيم في وصفها: "هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون. وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمنامات والأحوال، التي
_________________
(١) * الإبانة لابن بطة العكبري ٦٥٧. التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٢٣٧. شرح السنة للبغوي ١/ ٤٨. التحفة العراقية لابن تيمية ٣٣/ ٧٣. فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٥، ٤٩، ٥٣. تيسير العزيز الحميد ٤٧١. فتح المجيد ٣٨١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٣٦. القول المفيد لابن عثيمين طـ ١ - ١/ ١٥١، ٢/ ١٤١، ط ٢ - ٢/ ١٧٣ ومن المجموع ١٠/ ٦٢٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٣، ٣٤. الدرر السنية ٢/ ٣٢١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٦٠. مجموع الفتاوى ١/ ٩٥. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٢١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٧١. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٥٠. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٠. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د. جمال بن أحمد ٢/ ١٦٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦١٩.
(٢) مختار الصحاح (ح ب ب).
[ ٣ / ٤٠٤ ]
من خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه" (^١).
وقال الشيخ السعدي: "أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده هي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه" (^٢).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
* الدليل من السنة: حديث أنس بن مالك - ﵁ - في الصحيحين: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها" (^٣). وفي رواية قَالَ - ﷺ -: "لا يَجِدُ أَحَدٌ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ من أَن يَرجِعَ إِلَى
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٦ - ٧.
(٢) القول السديد ١١٠، وانظر أيضا الحق الواضح المبين ٥٩، ٦٠.
(٣) أخرجه البخاري (٢١) (٦٩٤١). ومسلم (٤٣) وحلاوة الإيمان هي: لذة القلب ونعيمه وسروره.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
الْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنقَذَهُ الله وَحَتَّى يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (^١).
قال ابن رجب ﵀: "فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
قال أبو يعقوب النهرجوري: "كل من ادعى محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور".
وقال يحيى بن معاذ: "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده".
وسئل رويم عن المحبة فقال: "الموافقة في جميع الأحوال"" (^٢).
أحكام وفوائد:
١ - حب الله فرض وواجب:
يجب تقديم محبة الله ومحبة ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال على محبة ما سواه. يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال الذهبي: قال أبو الفتح عبد الرحيم خادم ابن خفيف: سمعت الشيخ يقول: "سَأَلَنا يوما أبو العباس بن سريج ونحن نحضر مجلسه للفقه، فقال: أمحبة الله فرض أو لا؟ فقلنا: فرض. قال: ما الدليل؟ فما فينا من أجاب بشيء،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٤١).
(٢) جامع العلوم والحكم ص ٥٧٧.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
فسألناه، فقال: قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال فتوعدهم الله على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم" (^١).
قال الشيخ السعدي: "وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وعلى تقديمها على محبة كل شيء" (¬٢).
٢ - أقسام المحبة:
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى:
"واعلم أن أنواع المحبة ثلاثة أقسام:
الأول: محبة الله التي هي أصل الإيمان والتوحيد.
الثاني: المحبة في الله (^٣) وهي محبة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ومحبة ما يحبه الله من الأعمال والأزمنة والأمكنة وغيرها، وهذه تابعة لمحبة الله ومكملة لها.
الثالث: محبة مع الله وهي محبة المشركين لآلهتهم وأندادهم من شجر وحجر وبشر، وملك وغيرها وهي أصل الشرك وأساسه.
وهنا قسم رابع: وهو المحبة الطبيعية التي تتبع ما يلائم العبد، ويوافقه من طعام وشراب ونكاح ولباس وعشرة وغيرها. وهذه إذا كانت مباحة إن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب العبادات، وإن صدت عن ذلك وتوسل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات. وإلا بقيت من أقسام المباحات، والله أعلم" (^٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والمحبة تنقسم إلى قسمين:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٢) تفسير ابن سعدي ٣/ ٣١٤. ويقصد بذلك آية التوبة ١٢٤ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية.
(٣) الكلام عن هذا القسم أفردنا له باب (الحب في الله).
(٤) القول السديد ص ٩٧.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
القسم الأول: محبة عبادة: وهي التي توجب التذلل والتعظيم وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.
القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:
النوع الأول: المحبة لله وفي الله وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي: كون الشخص محبوبا لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين.
أو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.
النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد والصغار والضعفاء والمرضى.
النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه ولكبير من أهل الخير.
النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن.
وأشرف هذه الأنواع النوع الأول والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٢٣، ٦٢٤. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٤١، ١٤٢.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
٣ - أسباب تحصيل المحبة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعلم أن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تُرادُ لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره.
فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان:
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به لهذا أمر الله ﷿ بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢].
الثاني: مطالعة آلائه ونعمائه فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنه من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا.
وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب، ونحوه. وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٩٥.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
٤ - بين المحبة والعبادة:
قال ابن تيمية ﵀: "والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة، وإن كل محبوب لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار " (^١).
وقال السعدي ﵀: "أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده. أما اتخاذ الأنداد من الخلق يحبهم كحب الله، فيقدم طاعتهم على طاعة الله، ويلهج بذكرهم ودعائهم فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله" (^٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "كلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه" (^٣).
قال ابن عثيمين ﵀: "وأصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا فلأنه يحبه إما لذاته كالطعام أو لغيره كالدواء.
وعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة إذ لو تعبدت بدون محبة
_________________
(١) جامع الرسائل ٢/ ٢٨٤.
(٢) القول السديد ص ٩٥ - ٩٧.
(٣) العبودية ص ٢٩.
[ ٣ / ٤١٠ ]
صارت عبادتك قشرًا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك.
ولهذا لما أحب المشركون آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله" (^١).
وقال ابن تيمية ﵀: "إن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها، فكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية.
وقال من قال من السلف: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (^٢) ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ (^٣). ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (^٤)، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد"؛ ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله" (^٥).
فليس الشأن أن تُحِب فقط ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب فاجمع مع الحب
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٢٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٤١.
(٢) الزنديق: هو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان. انظر باب (الزنديق).
(٣) المرجئة: قوم يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.
(٤) الحرورية: هم الذين خرجوا على عليّ - ﵁ - بسبب التحكيم.
(٥) العبودية ٣٧.
[ ٣ / ٤١١ ]
الاتباع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال ابن تيمية ﵀: "فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله. بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرًا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم. وفي التوراة والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى أن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم برآء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: "من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" (^١) " (^٢).
_________________
(١) البخاري (٧٤٠٥) (٧٥٣٦)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) العبودية ص ٣٩ - ٤٠.
[ ٣ / ٤١٢ ]
وقال الشيخ السعدي: "وهذه الآية (^١) هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة. فعلامة محبة الله اتباع محمد - ﷺ - الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه، طريقًا إلى محبته ورضوانه فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما" (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ السعدي ﵀: "ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول - ﷺ -، ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله" (^٣).
والخلاصة أن وجود المحبة في العبد تستلزم أشياء كثيرة (^٤) أهمها أمور ثلاثة:
١ - فعل المحبوبات لله ﷿ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
٢ - موالاة أوليائه ومحبتهم وبغض أعدائه.
٣ - اتباع رسوله - ﷺ -.
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: "وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، موالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله - ﷺ - واقتفاء أثره وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها" (^٥).
_________________
(١) يعني قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
(٢) تفسير السعدي ١/ ٣٧٤.
(٣) تفسير السعدي ٢/ ٢٠٧.
(٤) انظر كتب شيخ الإسلام العبودية ١٠٥، ١٠٨ ومجموع الفتاوى ١٠/ ٧٥، وكتاب نواقض الإيمان الاعتقادية د/ الوهيبي ٢٠/ ٢٠٧.
(٥) معارج القبول ١/ ٣٨٣.
[ ٣ / ٤١٣ ]
٥ - العلاقة بين المحبة والرجاء والخوف:
سبق الكلام عنها في باب (الخوف).
* إثر الذنوب على المحبة:
قال شيخ الإسلام: "والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب، حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي - ﷺ -، يقيم عليه الحد، فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي - ﷺ -: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله .. " وفيه دلالة على أَنَّا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبًا، إذا كان يحب الله ورسوله، فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات، وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات، والمعاصي تنقص المحبة، وهذا معنى قول الشبلي لما سئل عن المحبة؟ فقال: ما غنت به جارية فلان:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع" (^١)
_________________
(١) جامع الرسائل ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩.
[ ٣ / ٤١٤ ]