[شهادة أن محمدًا رسول الله، النبوة]
محبة رسول الله واجبة على كل عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وهي مقتضى الشهادة ودل على وجوب حب الله - ﷺ -.
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. وقد تقدم ذكر ذلك في باب محبة الله.
* الدليل من السنة: عن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "لا يؤمن أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (^١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^٢).
قال ابن رجب ﵀: "وأما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به رسول الله - ﷺ - من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] " (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤). ومعنى الإيمان هنا الإيمان الكامل.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٢ والبغوي في شرح السنة رقم ١٠٤ وانظر مشكاة المصابيح رقم ١٦٧ وهو من أحاديث الأربعين النووية انظر جامع العلوم والحكم ٥٧٤.
(٣) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٩٥.
[ ٣ / ٤١٥ ]
أحكام وفوائد:
١ - وجوب معرفة الرسول - ﷺ -:
معرفة الرسول - ﷺ - ومتابعته هو الذي يُسأل عنه العبد في قبره وهو الأصل الثالث الذي بنى عليه المجدد الأصول الثلاثة: فالأول: معرفة الله، والثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، والثالث: معرفة نبينا محمد - ﷺ -.
قال الشيخ ابن قاسم: "وهو أصل عظيم يجب معرفته، فإنه - ﷺ - هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى، ولا وصول لنا، ولا اطلاع لنا، ولا طريق لنا، ولا نعرف ما ينجينا من غضب الله وعقابه، ويقربنا من رضى الله وثوابه إلا بما جاء به نبينا محمد - ﷺ - فإنا لا نعرف الأصل الأول، الذي هو معرفة الرب ﷻ، ولا الأصل الثاني، الذي هو دين الإسلام، إلا بالواسطة بيننا وبين الله، فتحتمت معرفته - ﷺ - وصارت أصلا ثالثًا، إذ لا يمكن معرفة المرسل إلا بمعرفة رسوله، فصار من الضروريات معرفة الرسول - ﷺ -، وبذلك ظهر أن معرفته - ﷺ - أحد الأصول الثلاثة" (^١).
قال شارح العقيدة الطحاوية: "فالواجب كمال التسليم للرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهة أو شكًا أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم، والانفياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:
توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى ما غيره، ولا نرضى بحكم غيره " (^٢).
_________________
(١) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٧٥.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣١٧.
[ ٣ / ٤١٦ ]
٢ - مقتضى محبة رسول الله - ﷺ -:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في حقيقة المتابعة للنبي - ﷺ - "فمحمد - ﷺ - أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه، وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح" (^١).
وقال ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]: "ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه" (^٢).
وقال ابن رجب ﵀: "فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكشف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلًا، وقد ثبت في الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين". فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي
_________________
(١) الفتاوى ١٠/ ٤٣٠ - ٤٣١.
(٢) التبوكية ص ٣٠. وانظر الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٤٢.
[ ٣ / ٤١٧ ]
المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات" (^١).
٣ - أقوال العلماء في قوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه " الحديث.
قال النووي ﵀: "قَوْله - ﷺ -: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" وفي الرواية الأخرى: "من وَلده ووالده والناس أجمعين"، قال ابن بطال ﵀: ومعنى الحديث: "أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي - ﷺ - آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به - ﷺ - استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال".
وقال القاضي عياض ﵀: "ومن محبته - ﷺ - نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته؛ فيبذل ماله ونفسه دونه. قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي - ﷺ - ومنزلته على كل والد، وولد، ومُحسن، ومفضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن ". هذا كلام القاضي ﵀. والله أعلم" (^٢).
وفي قوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم " الحديث قال ابن عثيمين ﵀: "ونفي الشيء له ثلاث حالات:
فالأصل أنه نفي للوجود وذلك مثل: "لا إيمان لعابد صنم".
فإن منع مانع من نفي الوجود فهو نفي للصحة مثل: "لا صلاة بغير وضوء".
فإن منع مانع من نفي الصحة فهو نفي للكمال مثل: "لا صلاة بحضرة طعام".
فقوله: "لا يؤمن أحدكم" نفي للكمال الواجب لا المستحب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا ينفي الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع"" (^٣).
وقال أيضًا ﵀: "ومحبة رسول الله - ﷺ - تكون لأمور:
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٥٧٦.
(٢) شرح مسلم للنووي ٢/ ١٦.
(٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٤٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٦١.
[ ٣ / ٤١٨ ]
الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.
الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.
الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
الرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك.
الخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة.
السادس: لبذل جهده بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله" (^١).