[الزنديق - الاستهزاء]
المنافق هو الذي يسر الشر ويظهر الخير.
قال الرازي: "النفاق بالكسر فعل المنافق" (^١).
وهو في اللغة مأخوذ من النفق.
وقال الجوهري: "والنفَقُ: سربٌ في الأرض له مَخْلَصٌ إلى مكان والنافِقَاء: إحدى جِحَرة اليربوع، يكتُمها ويُظهر غيرها، وهو موضعٌ يرقِّقه، فإذا أُتي من قِبَلِ القاصعاء ضرب النافِقاء برأسه فانتفَقَ، أي خرج. والجمع النَوَافقُ.
والنفقةُ أيضًا مثال الهمزة: النافِقَاء. تقول منه: نفَّق اليربوع تنفيقًا ونَافَق، أي أخذ في نافِقائِه. ومنه اشتقاق المنافق في الدين" (^٢).
_________________
(١) * صفة المنافق للإمام جعفر الفريابي تحقيق بدر البدر. القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان تحقيق سعود الخلف ص ٣٦١. التمهيد لابن عبد البر ٢٠/ ٢٦٨، ١٠/ ١٥٤. الإبانة لابن بطة العكبري ٦٨٥، ٧٠٥. شرح السنة للبغوي ١/ ٧١. مجموع الفتاوى لابن تيمية ٧/ ٣٠٤، ٢٨/ ٤٣٤. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٠٠، ٥/ ٤٢٦. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٣. مدارج السالكين ١/ ٣٤٧. فتح الباري ١/ ١١١، ١١٢. الدرر السنية ٨/ ١٦٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٩١، ٩٢. معارج القبول ١/ ٣٦٨. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٨. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٦٩. نور على الدرب ١٦٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٤/ ٥٧٥، ٧/ ٥٢. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٦١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٤٠٥، ٤١٣. نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/ ١٥٨. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ١٩٩، ٢٠٢. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٦٨. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٧٥. مباحث العقيدة في سورة الزمر ٣٨٩. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ٤٤٣، ٤٥٠.
(٢) مختار الصحاح (ن ف ق).
(٣) الصحاح للجوهري (ن ف ق).
[ ٣ / ٤٨٦ ]
وفي اللسان: "قال: ابن الأعرابي: "قُصعةُ اليربوع أن يحفر حفيرة ثم يسد بابها بترابها، ويسمى ذلك التراب الدَّامَّاء، ثم يحفر حفرًا آخر يقال له النافقاء والنفقة والنفق فلا ينفذها، ولكنه يحفرها حتى ترقّ، فإذا أُخِذ عليه بقاصعائه عدا إلى النافقاء فضربها برأسه ومرق منها" وتراب النَّفَقَة يقال له الراهِطَاء .. وقال أبو عبيد: "سمي المنافقُ منافقًا للنفق وهو السَّرَب في الأرض، وقيل: إنما منافقًا لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، والنفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع إسلامية وقد نافق منافقة ونفاقًا" (^١).
والنفاق شرعًا: ما أجاب به الصحابي حذيفة - ﵁ - حيث سئل ما النفاق فقال: "الذي يصف الإسلام ولا يعمل به" (^٢).
قال ابن جريج: "المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه" (^٣).
قال ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسما وفعلا وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به والذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن كان أصله في اللغة معروفًا" (^٤).
الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ
_________________
(١) لسان العرب (ن ف ق).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٨٤ رقم ٣٧٤١٥، الحلية ١/ ٢٨٢، تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٣١، صفة المنافق للفريابي ص ٦٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٧.
(٤) النهاية (ن ف ق).
[ ٣ / ٤٨٧ ]
تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:٣٨ - ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].
وفي تفسير ابن كثير: "قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: بعث رسول الله - ﷺ - بأربعة أسياف: سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة. ٥].
وسيف للكفار أهل الكناب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
وسيف للمنافقين ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].
وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
ثم عقب ابن كثير على ذلك بقوله: وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير" (^١).
_________________
(١) تفسير القرآن لابن كثير ٢/ ٣٧١.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
الدليل من السنة: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" (^١). وفي رواية: "ومثل المنافق" بدل الفاجر (^٢).
وعن ابنِ عمرَ - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" (^٣).
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (^٤).
وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (^٥).
والأحاديث في المنافق وصفته كثيرة صنّف فيها الإمام جعفر الفريابي كتابا مستقلا وسوف يأتي ذكر مزيد من الأحاديث في القسم الثاني من أقسام النفاق.
* أقوال السلف: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ فيه واوًا ولا ألفًا، يجادل الناس أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون" (^٦).
وعن ابن مسعود قال: "جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٦٠) (٥٠٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (١٣٠) (١٤٣).
(٥) أخرجه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).
(٦) صفة المنافق للفريابي ص ٥٤، سنن الدارمي ص ٢١٨، والذهبي في السير ١١/ ٤٦٤.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم، فافعلوا" (^١).
وقال عبد الله بن مسعود: "اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف واذا عاهد غدر. ثم قرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ [التوبة. ٧٥ - ٧٦] " (^٢).
قال طيسلة بن علي البهدلي: "رأيت عبد الله بن عمر في أصول الأراك يوم عرفة، قال: وبين يديه رجل من أهل العراق، فقال: يا ابن عمر ما المنافق؟ قال: المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد لم ينجز، وإذا اؤتمن لم يؤد، وذئب بالليل وذئب بالنهار. قال: يا ابن عمر فما المؤمن؟ قال: الذي إذا حدّث صدق وإذا وعد أنجز وإذا اؤتمن أدى يأمن من أمسى بعقوبته من عارف أو منكر" (^٣).
وبوَّب البخاري: "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولِي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).
وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: "أنشدك الله هل سمَّاني لك رسول الله
_________________
(١) الزهد لعبد الله بن المبارك رقم (١٣٧٧)، تاريخ مدينة دمشق ٣٣/ ١٧٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٣٧، والفريابي في صفة المنافق ص ٤٧، الزهد لابن المبارك (١٠٦٧).
(٣) الإبانة لابن بطة (٩٠٥) ص ٦٨٨، تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٠٩.
(٤) صحيح البخاري باب رقم ٣٦.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
يعني في المنافقين فيقول لا، ولا أزكي بعدك أحدا" (^١).
وعن جبير بن نفير، أنه سمع أبا الدرداء، وهو في آخر صلاته، وقد فرغ من التشهد، يتعوذ بالله من النفاق. فأكثر التعوذ منه. فقال جبير: "وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: دعنا عنك، دعنا عنك. فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه" (^٢).
وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: "يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب" (^٣).
وروى الفريابي عن المعلى بن ريان قال: "سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن " (^٤).
وفي رواية أخرى عن أيوب قال: سمعت الحسن يقول: "والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه" (^٥).
وقال الحسن: "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج" (^٦).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيمن لا يخاف
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦٤. وجاء في الجواب الكافي ص ٢٦ نقلًا عن شيخ الإسلام يوضح معنى كلام حذيفة - ﵁ - فيراجع هناك.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٢.
(٣) أخرجه أبو عبيد في الإيمان (٨١)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. من كتاب الشريعة للآجري ص ٦٨٩.
(٤) صفة النفاق (٨٧) ص ٧٣. وانظر فتح الباري ١/ ١١١.
(٥) صفة المنافق ص ٧٣.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣٦، صفة المنافق للفريابي ص ٦١، صيانة صحيح مسلم ص ٢٣١.
[ ٣ / ٤٩١ ]
على نفسه النفاق، قال: "ومن لا يأمن على نفسه النفاق؟ " (^١).
وقال ابن القيم: "تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقه وجله، وتفاصيله وجمله" (^٢).
وينبغي أن يعلم أن الذي خافه السلف الصالح هو النفاق في الأعمال (^٣).
فوائد وأحكام:
١ - أقسام النفاق:
قسَّم علماء السلف النفاق إلى قسمين كما قال الحسن - ﵁ -: "النفاق نفاقان: نفاق بالتكذيب، ونفاق بالعمل" (^٤).
وقد يقال نفاق قلب، ونفاق عمل. أو نفاق اعتقادي، ونفاق عمل. أو نفاق أكبر، ونفاق أصغر.
القسم الأول: النفاق الاعتقادي ويسمى النفاق الأكبر وهذا ما عناه الإمام أحمد بقوله: "والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله" (^٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا
_________________
(١) مسائل ابن هانئ ٢/ ١٧٦.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٣٥٨.
(٣) الإيمان لابن تيمية ص ٤٠٩. انظر فتح الباري ١/ ١١١.
(٤) الترمذي (٢٦٣٢)، والآجري (٩٣٩) ص ٦٩٩، وانظر للاستزادة تفسير ابن كثير حول الآية ٨، ٩ من سورة البقرة ١/ ٤٧ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٢١٤.
(٥) أصول السنة ص ٨٢، اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٢.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
لله ورسوله" (^١).
وقال ﵀: "فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول - ﷺ - فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر - علمًا وعملًا - وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر " (^٢).
وقال الذهبي: "وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء، وطلب العلم ليُقال، وحب الرئاسة والمشيخة، وموادة الفجار والنصارى فمن ارتكبها كلها، وكان في قلبه غِلُّ النبي - ﷺ - أو خرج من قضاياه، أو يصوم رمضان غير محتسب، أو يُجوِّز أن دين النصارى أو اليهود دينٌ مليحٌ ويميل إليهم، فهذا لا ترْتَبْ في أنه كامل النفاق وأنه في الدرك الأسفل من النار، صفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عَامَل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتَّخَذّ إسلامه جُنَّة، نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم.
فإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله فهذا ليس بمسلم وهو من أصحاب النار" (^٣).
وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنواع النفاق الأكبر فقال: " فأما
_________________
(١) الفتاوى ٢٨/ ٤٣٤. وقد ذكر هذه الأقسام الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٣٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٦٣.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بعض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار" (^١).
وسئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام، هل يقال عنه أنه منافق أم لا؟ فأجاب ﵀: "من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه كارتداده عند التحزيب على المؤمنين وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وكونه إذا غلب المشركون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكرها الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقًا" (^٢).
ومن هذه النقول نعلم أن هناك أنواعًا كثيرة من النفاق الأكبر يكون صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار، وهي كالتالي:
١ - تكذيب الرسول - ﷺ -.
٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -.
٣ - بغض الرسول - ﷺ -.
٤ - بغض بعض ما جاء به الرسول - ﷺ - (^٣).
٥ - المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ - (^٤).
_________________
(١) مجموعة التوحيد ص ٧.
(٢) الدرر السنية ٧/ ٧٩، ٨٠.
(٣) انظر باب: (بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -).
(٤) انظر باب: (المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ -).
[ ٣ / ٤٩٤ ]
٦ - الكراهية بانتصار دين الرسول - ﷺ -.
٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر به - ﷺ -.
٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به - ﷺ -.
ومن صفاتهم أيضًا:
٩ - أذى الرسول - ﷺ - أو عيبه ولمزه (^١).
١٠ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين (^٢).
١١ - الاستهزاء (^٣) والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
١٢ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله - ﷺ -.
وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول - ﷺ -، يقول شيخ الإسلام ﵀ " فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته " (^٤).
وقال أيضًا: "ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وإن لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة" (^٥).
_________________
(١) انظر باب: (سب الرسول - ﷺ -).
(٢) انظر باب: (مظاهرة الكافرين).
(٣) انظر باب: (الاستهزاء).
(٤) الإيمان ص ٢٨٥، وانظر نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/ ١٦٠.
(٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٥٩.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار. كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء. ١٤٥ - ١٤٦].
قال الإمام البغوي ﵀: "إن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ قيل إنهم يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين" (^١).
وقيل إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت وظهرت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلا على نفاق صاحبها (^٢).
الثاني: النفاق العملي ويسمى النفاق الأصغر قال عنه ابن كثير: "وهو من أكبر الذنوب" (^٣).
والنفاق العملي له خصال كثيرة جاءت الأحاديث بعدِّها في خمس علامات.
والدليل قوله - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمن خان" (^٤). وفي الحديث الآخر: "وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" (^٥).
_________________
(١) تفسير البغوي ١/ ٦٧.
(٢) انظر الصارم المسلول ٣٥.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٤٧.
(٤) أخرجه البخاري (٣٣) (٢٦٨٢) (٢٧٤٩) (٦٠٩٥)، ومسلم (٥٩).
(٥) أخرجه البخاري (٣٤) (٢٤٥٩) (٣١٧٨)، ومسلم (٥٨).
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وهذا النوع من النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام فهو نفاق دون نفاق.
ومن النفاق ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (^١).
وعند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من مات ولم يغز ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (^٢).
وروى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا جنا من عندهم. قال: "كنا نعدها نفاقًا" (^٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار" (^٤).
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميِّ - ﷺ -: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق" (^٥).
روى الفريابي عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: "المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غلَّ، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن، فمن كن فيه ففيه النفاق كله، ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦٦٣٣) (٦٦٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٩١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٧٨).
(٤) أخرجه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).
(٥) أخرجه مسلم (٧٨).
(٦) صفة المنافق للإمام الفريابي (٢٠) ص ٥١.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
٢ - مسألة:
جاء عند مسلم زيادة: "آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (^١).
وفي أول حديث عبد الله بن عمرو - ﵂ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (^٢).
فلا يكون المسلم منافقًا بمجرد اجتماعها، قال أهل العلم: إذا اجتمعت في شخص واستحكمت فقد تجره إلى النفاق الأكبر.
قال ابن القيم: "فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا" (^٣).
وقد قيل في ذلك أقوال أخرى.
قال النووي في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه والذي قاله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤) (٢٤٥٩) (٣١٧٨)، ومسلم (٥٨).
(٣) الصلاة ص ٧٧.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه: إن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يُرد النبي - ﷺ - أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.
وقوله - ﷺ -: "كان منافقًا خالصًا" معناه: شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي - ﵁ - معناه عن العلماء مطلقًا فقال: "إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وحكى الخطابي ﵀ قولًا آخر: أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق" (^١).
وقال ابن حجر بعدما نقل كلام النووي: "ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه أن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: "كان منافقًا خالصًا".
وقيل المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يُحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٤٦ - ٤٨.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وصار له دينًا قال: ويدل بـ (إذا) فإنها تدل على تكرر الفعل كذا قال، والأولى ما قاله الكرماني أن حذف المفعول من حدث يدل على العموم أي إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو يصير قاصرًا أي إذا وجد ماهية التحدث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي - ﷺ -، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم" (^١).
وقال الأحوذي: "الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي" (^٢).
وقال الإمام البغوي: "والنفاق ضربان:
أحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر كالمنافقين على عهد رسول الله.
والثاني: ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرًا ومراعاتها علنا فهذا يسمى منافقا ولكنه نفاق دون نفاق" (^٣).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان وهو المنافق المحض، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا في هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٩٠.
(٢) الأحوذي ٧/ ٣٢١.
(٣) شرح السنة ١/ ٧٦.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب وهؤلاء ليسوا فساقًا تاركين فريضة ظاهرة ولا مرتكبين محرمًا ظاهرًا لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علمًا وعملًا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق" (^١).
وقال ابن رجب ﵀: " والذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، أخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
الثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك.
وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث" (^٢).
وقال الذهبي: "ومن النفاق الأصغر الرجل يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا، ولا يظن أنها تبلغ ما بلغت، يهوي بها في النار سبعين خريفًا. وأما النفاق الأكبر، وإن كان الرجل يعلم من نفسه أنه مسلم، فعليه أن يتعوذ بالله من النفاق والشرك، فإنه لا يدري بما يختم له، فربما أصبح مؤمنا وأمسى كافرًا، نعوذ بوجه الله الكريم من ذلك" (^٣).
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص ٤٠٩. وانظر أيضًا مجموع الفتاوى ١١/ ١٤٠ - ١٤٣.
(٢) جامع العلوم والحكم ص ٤٢٩، ٤٣٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٢، ٣٨٣.
[ ٣ / ٥٠١ ]
وقال الشيخ السعدي: "النفاق العملي - وإن كان لا يخرج من الدين بالكلية - فإنه دهليز الكفر، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، فإن الصدق، والقيام بالأمانات والوفاء بالعهود، والورع عن حقوق الخلق هي جماع الخير، ومن أخص أوصاف المؤمنين، فمن فقد واحدة منها فقد هدم فرضًا من فروض الإسلام والإيمان، فكيف بجميعها؟
فالكذب في الحديث يشمل الحديث عن الله والحديث عن رسول الله - ﷺ - الذي من كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧].
ويشمل الحديث عما يخبر به من الوقائع الكلية والجزئية، فمن كان هذا شأنه فقد شارك المنافقين في أخص صفاتهم، وهي الكذب الذي قال فيه النبي - ﷺ -: "إياكم والكذب، فإن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" ومن كان إذا ائتمن على الأموال والحقوق والأسرار خانها، ولم يقم بأمانته، فأين إيمانه؟ وأين حقيقة إسلامه؟ وكذلك من ينكث العهود التي بينه وبين الله، والعهود التي بينه وبين الخلق متصف بصفة خبيثة من صفات المنافقين، وكذلك من لا يتورع عن أموال الخلق وحقوقهم، ويغتنم فرصها، ويخاصم فيها بالباطل ليثبت باطلًا، أو يدفع حقًّا، فهذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص ومعه من الإيمان ما يُجزئ أو يكفي، فإنها تنافي الإيمان أشد المنافاة.
واعلم أن من أصول السنة والجماعة: أنه قد يجتمع في العبد خصال خير وخصال شر، وخصال إيمان وخصال كفر أو نفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك وقد دل على هذا الأصل نصوص كثيرة من
[ ٣ / ٥٠٢ ]
٣ - علامات المنافق وردت في الأحاديث مرة أربع ومرة ثلاث
الكتاب والسنة، فيجب العمل بكل النصوص، وتصديقها كلها. وعلينا أن نتبرأ من مذهب الخوارج الذين يدفعون ما جاءت به النصوص: من بقاء الإيمان وبقاء الدين، ولو فعل الإنسان من المعاصي ما فعل، إذا لم يفعل شيئًا من المكفرات التي تخرج صاحبها من الإيمان، فالخوارج يدفعون ذلك كله، ويرون من فعل شيئًا من الكبائر ومن خصال الكفر أو خصال النفاق خارجًا من الدين، مخلدًا في النار وهذا مذهب باطل بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة" (^١).
٣ - علامات المنافق وردت في الأحاديث مرة أربع ومرة ثلاث قال ابن حجر: "فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع من كن فيه " الحديث. أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له - ﷺ - من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأقول (^٢): ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه: "ومن علامة المنافق ثلاث " ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهة على ما عداها إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب وعلى فساد الفعل بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدًا له رأي فهذا لم توجد منه سورة النفاق. قاله الغزالي في الإحياء" (^٣).
_________________
(١) جوامع الأخبار ص ٣٧ - ٣٩.
(٢) القائل الحافظ ابن حجر.
(٣) فتح الباري ١/ ٩٠.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
٤ - قال المناوي في فيض القدير: ""أكثر منافقي أمتي قراؤها"
٥ - تنبيه: قال الغزالي: "احذر من خصال القراء الأربعة
٤ - قال المناوي في فيض القدير: ""أكثر منافقي أمتي قراؤها" أي: الذين يتأولونه على غير وجهه ويضعونه في غير مواضعه أو يحفظون القرآن تقية للتهمة عن أنفسهم وهم معتقدون خلافه، فكان المنافقون في عصر النبي - ﷺ - بهذه الصفة.
ذكره ابن الأثير.
وقال الزمخشري: أراد بالنفاق الرياء لأن كلا منهما إرادة ما في الظاهر خلاف ما في الباطن ا. هـ.
وبسطه بعضهم فقال: أراد نفاق العمل لا الاعتقاد، ولأن المنافق أظهر الإيمان بالله وأضمر عصمة دمه وماله. والمرائي أظهر بعمله الآخرة وأضمر ثناء الناس وعَرَضَ الدنيا، والقارئ أظهر أنه يريد الله وحْده وأضمر حظ نفسه وهو الثواب، ويرى نفسه أهلًا له وينظر إلى عمله بعين الإجلال فأشبه المنافق واستويا في مخالفة الباطن والظاهر.
٥ - تنبيه:
قال الغزالي: "احذر من خصال القراء الأربعة: الأمل والعجلة والكبر والحسد، قال: وهي علل تعتري سائر الناس عمومًا والقراء خصوصًا. ترى القارئ يُطَوِّل الأمل فيوقعه في الكسل، وتراه يستعجل على الخير فيقطع عنه، وتراه يحسد نظراءه على ما آتاهم الله من فضله، فربما يبلغ به مبلغًا يحمله على فضائح وقبائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر. ولهذا قال النووي: ما أخاف على ذمِّي إلا القراء والعلماء، فاستنكروا منه ذلك، فقال: أنا ما قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي.
وقال عطاء: احذروا القراء واحذروني معهم، فلو خالفت أَوَدَّهُمْ لي في رمانة أقول: إنها حلوة. ويقول: إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر.
وقال الفضيل لابنه: اشتروا دارًا بعيدة عن القراء ما لي والقوم؟!! إن ظهرت مني زلة قتلوني، وإن ظهرت في حسنة حسدوني. ولذلك ترى الواحد منهم يتكبر
[ ٣ / ٥٠٤ ]
على الناس ويستخف بهم معبسًا وجهه كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين، أو كأنما جاءه من الله منشور بالجنة والبراءة من النار. أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليق بالتكبر والترفع ولا يلائمه بل ينافيه ولكن الأعمى لا يُبصر" (^١).