تقدم تعريف الأصول في باب (أصول الإيمان) والمراد به هنا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وهناك نصوص لعلماء أهل السنة يثبتون فيها هذا التقسيم.
وقال ابن دقيق العيد ﵀ في شرح حديث معاذ في بعثته إلى اليمن: "والبداءة في المطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به" (^١).
وقال أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في الموافقات: "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف كما أنها في أصول كذلك" (^٢).
وفي بيان معنى الأصول يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهر والمتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر" (^٣).
وقال أيضًا ﵀: "إذا عرف هذان النوعان، فمن الناس من يسمى العلم
_________________
(١) * منهاج السنة ٥/ ٨٤ - ٩٥، مجموع الفتاوى ٦/ ٥٦، ٥٧، ٢٣/ ٣٤٦ - ٣٥٠، النبوات ص ١٩٢، الصواعق المرسلة ٢/ ٦١٣، إعلام الموقعين ٤/ ٢١٨، معجم المناهي اللفظية، مادة (أصول وفروع)، تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب لمحمد المقدم، دلائل الصواب في إبطال بدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب لسليم الهلالي.
(٢) إحكام الأحكام ٣/ ١٨٣.
(٣) الموافقات ٤/ ١١٨.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٦، ٥٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع علم الأصول، وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات، ويسمى النوع الآخر علم الفروع، وفروع الدين، وعلم الفقه والشريعة، ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين.
ومن الناس من يجعل أصول الدين اسمًا لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير، سواء كان علميًا أو عمليًا سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام" (^١).
وأطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "أصول الدين" (^٢) وذلك أن ملة النبي - ﷺ - تنقسم إلى اعتقادات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها.
قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: "أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين (الفقه الأكبر) وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٩/ ١٣٤.
(٢) مثل الإبانة عن أصول الديانة لأبي حسن الأشعري ومسائل من أصول الديانات لأبي يعلي.
[ ١ / ١٤٨ ]
سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه " (^١).
وقال في الدرة المضية:
وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
لأنه العلم الذي لا ينبغي لعاقل لفهمه لم يبتغ (^٢)
وهذا وإن كان مصطلحًا إلا أن هناك إشكالًا في بعض الأقوال في التفريق بين الأصول والفروع.
فمن قائل: إن مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية التي يُطلب فيها العلم والاعتقاد فقط، ومسائل الفروع هي العملية التي يُطلب فيها العمل وهذا مردود بأن المسائل العملية منها ما يكفر جاحده مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان، كما أن المسائل العلمية فيها ما لا يأثم المنتازعون عليه كتنازع الصحابة: هل رأى محمدٌ ربَّه؟
ومن قائل: إن المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي وهذا الفرق خطأ أيضًا فقد كان على عهد النبي - ﷺ - طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي - ﷺ - فضلًا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي.
ومن قائل: أن المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل والمسائل الفرعية هي المعلومة بالشرع قالوا: فالأول كمسائل الصفات والقدر، والثاني: كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار وهذا مردود بأن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل فالكافر من جعله الله ورسوله
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٥، ٦.
(٢) الدرة المضيّة مع شرحها لوامع الأنوار البهية ١/ ٥٥.
[ ١ / ١٤٩ ]
كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا (^١).
وأما إذا استخدم هذا الاصطلاح كما يفعل المعتزلة حيث جعلوا الأصول الخمسة هي أصول الدين فإنه ينكر عليهم أشد الإنكار، وكذلك ينكر على الشيعة الذين جعلوا الإمامة من أهم أصول الدين.
وقد رد شيخ الإسلام على من أدخل في أصول الدين ما ليس منه فقال رحمه الله تعالى: "وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين.
وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها إما الاكوان وإما غيرها" (^٢).
وقال ﵀: "والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين" (^٣).
وقال أيضًا: "ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا فيبتدعون بدعًا بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة ثم يُكفِّرون من خالفهم فيما ابتدعوه، وهذا حال من كفر من الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميها هو تركيبًا وتجسيمًا .. ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعها الجهمية والمعتزلة، ثم كفروا من خالفهم فيها، والخوارج الذين تأوّلوا آيات القرآن
_________________
(١) منهاج السنة لابن تيمية ٥/ ٨٨ - ٩٢.
(٢) درء التعارض ١/ ٣٨، وانظر أيضًا مختصر الفتاوى المصرية ص ٢٢٢.
(٣) درء التعارض ١/ ٢٤.
[ ١ / ١٥٠ ]
وكفَّروا من خالفهم فيها أحسن حالًا من هؤلاء، فإن أولئك علَّقوا الكفر بكلام ما أنزل الله به من سلطان" (^١).
وقال أيضًا: "وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين، وهذا مسمى عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل قد أنكروا أصول الدين، وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بيَّن فروع الدين دون أصوله كما قد بيَّنا هذا في غير هذا الموضع" (^٢).
وقال أيضًا: "وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدَث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ "أصول الدين" حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به ورسله، وأنزل به كتبه" (^٣).
وقال ﵀: "المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين، وأهم المطالب في الدين ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله تعالى أعظم من غيرها، وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها، والقرآن مملوء بذكر توحيد الله تعالى، وذكر أسمائه وصفاته وآياته وملائكته .. والفرائض بخلاف الإمامة .. ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٤٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٦.
(٣) درء التعارض ١/ ٧٣.
[ ١ / ١٥١ ]
على سائر أصول الدين" (^١).
* حكم تقسيم الدين إلى لب وقشور:
سُئل سلطان العلماء العز بن عبد السلام: هل يجوز أن يقول المكلف: "إن الشرع قشره علم الحقيقة لُبُّه" أم لا يجوز؟، فأجاب ﵀:
"لا يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشرًا، وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء ومن أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطلق مثل هذه الألقاب إلا غبيٌّ شقي قليل الأدب! ولو قيل لأحدهم: "إن كلام شيخك قشور" لأنكر ذلك غاية الإنكار ويُطلقُ لفظ القشور على الشريعة؟! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؛ فيُغرَّر هذا الجاهل تغريرًا يليق بمثل هذا الذنب" (^٢).
وقال تقي الدين السبكي: " وقولهم "من أهل القشور" إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام؛ فليس من القشور، بل من اللب، ومن قال عليه: "إنه من القشور" استحق الأدب، والشريعة كلها لباب" (^٣).
وليس المراد بهذا التقسيم أنه لا يُؤبه للفروع أو لا تأخذ حقها بالامتثال أو أن ينصب الاهتمام على الأصول فقط بحيث تهجر الفروع وإنما المراد أنها بالنسبة للأصول لا تبلغ مبلغها في الأهمية، فقد قال رسول الله - ﷺ -: "بني الإسلام على خمس " فنبه على المباني العظام، والأصول والفروع كلها تسير في مساق واحد من الالتزام بها ووجوب الامتثال فهي داخلة تحت حكم الله وخطابه، ويقاس صلاح القلب وفساده بظهور انقياده لشرائع الإسلام.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ١/ ٢٣.
(٢) فتاوى سلطان العلماء، ص ٢٤، ٢٥.
(٣) كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء، لابن القيم ﵀ ص ٢٥.
[ ١ / ١٥٢ ]
وليس المراد بالفروع أنها قشور يطرحها العبد وليست ذات فائدة، فهذا فيه غض من شأنها وتهوين لأمرها، وقد أنكر السلف على من هوَّن أمرها، أو قلل من شأنها ومن ذلك أن الإمام مالك ﵀ سُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (^١).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية)؟.
فأجاب ﵀ بقوله: "تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله ﷿، وكله يُثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه ﷿ حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربًا على الله ﷿ واتباعًا لرسوله - ﷺ - فإنه يُثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله - ﷺ - وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيرًا جديًا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول - ﷺ - بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". وفيه: أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها.
_________________
(١) أعلام الموقعين ٦/ ١٣٢ بتحقيق مشهور آل سلمان.
[ ١ / ١٥٣ ]
وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة؛ لأن النبي - ﷺ - أمر به وكل ما أمر به النبي - ﷺ - فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه - ﷺ -، بل إنها من هدي النبي - ﷺ - وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله تعالى عن هارون: أنه قال لموسى ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، وثبت عن النبي - ﷺ - أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه" (^١).
وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وقد أنحى المقبلي في "العلم الشامخ" على من قال: الخلاف في الفروع سهل، وما جرى مجرى ذلك مما تجده منتشرًا اليوم، بل تحول إلى مقولة هزيلة بحيث أوردوا قولهم: هذا قشور وذلك لباب ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب، أو الكراهة، ونحو ذلك من أمور التحسينات والحاجيات، وهذا النبزُ إحياءٌ لما لدى المتصوفة، من تسميتهم أهل الفقه باسم: أهل القشور وأهل الرقص من الصوفية: أهل الحقيقة، فانظر كيف أن الأهواء يجر بعضها بعضًا.
وابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يستعمل هذا التعبير، فمراده إذًا من إنكار التفريق ترتيب التكفير، وعليه: فإن المعيَّن لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه" (¬٢).