الهدى لغة: قال الجوهري: "الهدى والرشاد والدلالة" (^١).
وقال الراغب: "الهداية دلالة بلطف" (^٢).
وأصل الهدى في كلام العرب: التوفيق (^٣).
قال الجرجاني: "هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب. وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب" (^٤).
وتأتي الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد على طريق النجاة والسعادة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فهو المبيِّنُ عن الله والدالّ على دينه وشرعه وهذه تقع من المخلوق، وهي الدعوة إلى الله التي أرسل الله بها نبيه محمد - ﷺ -.
وتأتي بمعنى التوفيق والتأييد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. أي لا تهدي هداية توفيق وتأييد في قلب من
_________________
(١) * لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٥١، ٣٣٤. تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٨. فتح المجيد ص ٢٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٥١، ط ٢ - ١/ ٤٤٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٥. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٨٨، ٣/ ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ١٦٤. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٥٢٩، ٥٤١.
(٢) الصحاح (هـ د ى).
(٣) المفردات (هـ د ى).
(٤) انظر: تفسير الطبري ١/ ١٦٦.
(٥) التعريفات للجرجاني ص ٣١٩.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
أضله الله. والهداية الأولى عامة بمعنى أنه يملكها الخلق، والثانية خاصة بالله تعالى كما في الحديث الآتي بعد (^١).
* الأدلة من الكتاب قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
فالهداية التي بمعنى التوفيق والتأييد في قلب من أضله الله هذه مما يختص بها الله - ﷾ - وَيمُنُّ بها على من يشاء.
وعن الآية قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى لرسوله - ﷺ - إنك يا محمد لا تهدي من أحببت أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
* سبب نزول الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾:
عن ابن المسيب عن أبيه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال: "يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - ﷺ -، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي - ﷺ -: "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" فأنزل الله - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
_________________
(١) انظر للاستزادة مفردات القرآن (هـ د ى).
[ ٣ / ٥٣٦ ]
فائدة: أشكل على البعض الجمع بين قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾
مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^١).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله معلقًا على هذا الحديث: "ففي هذا أعظم البيان، وأوضح البرهان على أنه - ﷺ - لا يملك ضرًا وَلا نفعًا، ولا عطاء ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويكشف الضر عمن يشاء، ويصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم. وهو الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو بكل شيء عليم. ولو كان عنده - ﷺ - من هداية القلوب ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب شيء لكان أحق الناس به، وأولاهم من قام معه أتم القيام ونصره، وأحاطه من بلوغه ثمان سنين وإلى ما بعد النبوة بثمان سنين أو أكثر" (^٢).
وفي الحديث يتبين سبب نزول الآية، وفيها النهي عن الاستغفار للمشركين، فلا يجوز الاستغفار لهم، لأن الله قد قضى أن لا يغفر لهم أبدًا إذا ماتو على الشرك.
* فائدة:
أشكل على البعض الجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فالجمع بينهما وبين الآية المترجم لها، قيل: الهداية التي تصح نسبتها لغير الله بوجه ما هي هداية الإرشاد الدلالة، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ترشد وتبين، والهداية المنفية عن غير الله هي هداية التوفيق وخلق القدرة على الطاعة، ذكره بعضهم بمعناه" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٨، ٢٩٩.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٠٠.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "والهداية التي نفاها الله عن رسوله - ﷺ - هداية التوفيق، والتي أثبتها له هداية الدلالة والإرشاد، ولهذا أتت مطلقة لبيان أن الذي بيده هو هداية الدلالة فقط، لا أن يجعله مهتديًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فلم يخصص سبحانه فلانًا وفلانًا ليبيِّن أن المراد: أنك تهدي هداية دلالة، فأنى ت تفتح الطريق أمام الناس فقط وتُبيِّن لهم وترشدهم، وأما إدخال الناس في الهداية، فهذا أمر ليس إلى الرسول - ﷺ -، إنما هو مما تفرد الله به سبحانه، فنحن علينا أن، نبيِّن وندعو، وأمَّا هداية التوفيق (أي أن الإنسان يهتدي)؛ فهذا إلى الله - ﷾ -، هذا هو الجمع بين الآيتين" (^١).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ٣ / ٥٣٨ ]