الولاء في اللغة: مصدر ولي الشيء بمعنى قرب منه.
قال الجوهري: "الولي: القرب والدنو، والولي ضد العدو، والموالاة ضد المعاداة والولاية النصرة" (^١).
والولي: "التابع المحب" (^٢).
فمادة الولاء في معاجم اللغة تدور حول معنى القرب والدنو والنصرة والمحبة والمتابعة والرضى (^٣).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٤٢٩، ٤٣١، ٢١/ ١٢٤، ١٣٣. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٩٩. المصنف لابن أبي شيبية ٥/ ٢٥٩. مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠١. الإبانة لابن بطة العكبري ٦٥٧. شرح السنة للبغوي ١٣/ ٤٨، ٥٥. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٥٧ - ١٦١. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٥٣٠. بدائع الفوائد لابن القيم ٤/ ١٩. تيسير العزيز الحميد ص ٤٨٣. فتح المجيد ص ٣٩١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٥٣، ط ٢ - ٢/ ١٨٩ ومن المجموع ١٠/ ٦٣٥. الدرر السنية ١/ ٤٧٠، ٤٧٤، ٨/ ٧١، ٧٧، ١٢٢، ١٦٦، ٩/ ٤٢٩، ١٠/ ١٣٩، ١٤٤، ١٥/ ٤٧١، ٤٧٧. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٤١. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٧. شجرة الإيمان للسعدي المجموعة ٣/ ١٠٠. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ١٠١٩ - ١٠٧٠. نور على الدرب ابن باز ص ٣٩٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٩ - ٥٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٢٢٩، ٢٩٧. نواقض الإيمان القولية والعملية ٣٥٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٢٠٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ص ٣٧٤. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤٤٩ - ٤٨٠. معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة، الولاء والبراء بين الغلو والجفاء د. حاتم الشريف، حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة د. عصام السناني.
(٢) الصحاح (ول ي).
(٣) لسان العرب (ول ي).
(٤) انظر تاج العروس والمغرب في ترتيب المعرب (ول ي).
[ ٣ / ٥٤٨ ]
والبراء في اللغة: يطلق على معان منها البعد والتنزه، والتخلص.
قال ابن الأعرابي: "بَرِيءَ إذا تخلَّص، وبَرِيءَ إذا تنزَّه وتباعد" (^١).
والولاية شرعًا ترجع إلى معنى المحبة وينشأ عنها الموافقة والنصرة.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد، والوالي: القريب، فيقال: هذا يلي هذا، أي يقرب منه، ومنه قوله - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر" متفق عليه" (^٣).
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال" (^٤).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "واصل الولاية المحبة والنصرة، وذلك أن اتخاذهم أولياء موجب لتقديم طاعتهم على طاعة الله، ومحبتهم على محبة الله ورسوله" (^٥).
_________________
(١) لسان العرب (ب ر أ).
(٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٥٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ١٦٠، وانظر منهاج السنة ٥/ ٣٥٢.
(٤) الدرر السنية ٢/ ١٥٧، وانظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٢٩٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ٤٤٦.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
أما البراءة فقال شيخ الإسلام: "والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب" (^١). وأهل العلم يعبرون عن الباب حينا بالولاء والبراء وحينا بالموالاة والمعاداة والولي ضد العدو وقد تبين ذلك من بعض النقول السابقة.
قال شيخ الإسلام: "والموالاة تقتضي الموافقة والمتابعة كما أن المعاداة تقتضي المخالفة والمجانبة فمن وافقته مطلقا فقد واليته مطلقًا ومن وافقته في غالب الأمور فقد واليته في غالبها ومورد النزاع لم تواله فيه وإن لم تعاده" (^٢).
قال شيخ الإسلام: "والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (^٣).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقد ذمَّ اللهُ من يتخذ الكفار أولياء ووصفهم بالنفاق وذلك منافٍ للإيمان فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٩٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/ ٥١٠، ٥١١.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
* الدليل من السنة: عن البراء بن عازب قال: "كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ -، فقال: "أي عرى الإيمان أوثق"؟ قالوا: الصلاة، قال: "حسنة وما هي بها". قالوا: الزكاة، قال: "حسنة وما هي بها". قالوا: الصيام، قال: "حسن وما هو". قالوا: الحج، قال: "حسن وما هو به". قالوا: الجهاد، قال: "حسن وما هو". قال: إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله" (^١).
وفي حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي ذر: أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق. قال اللهُ ورسوله أعلم. قال: "الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله" (^٢).
* أقوال السلف:
أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس - ﵄ - قال: "من أحبَّ في الله وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا" (^٣).
قال أبو الوفاء بن عقيل: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة" (^٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١٨٧٢٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٣٧) وانظر شعب الإيمان ١٢/ ٧٦ وشرح السنة للبغوي ١٣/ ٥٣.
(٣) حلية الأولياء ص ٣١٢، وانظر تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٠٦، وروي أيضًا عن كعب قال: "من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فقد استكمل الإيمان" تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٠٧، وانظر: السلسلة الصحيحة (٣٨٠).
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٦٨.
[ ٣ / ٥٥١ ]
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة بعثها إلى بعض أنصاره: "واذكروا لهم أن الواجب على الرجل، أن يعلم عياله، وأهل بيته الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة فيه، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا صحة لإسلام المرء، إلا بصحة الصلاة، ولا صحة لإسلامه أيضا إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله" (^١).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: "فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (^٢).
وقال الشيخ حمد بن عتيق: "فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله - ﷾ - قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده" (^٣).
* أقسام الموالاة:
تنقسم الموالاة إلى قسمين:
ما هو كفر وخروج من الدين.
ما هو كبيرة من الكبائر وذنب من الذنوب.
* القسم الأول: الموالاة التي تخرج صاحبها من الملة، ويسميها أئمة الدعوة
_________________
(١) الرسائل الشخصية ص ٢٢٢، ٢٢٣.
(٢) رسالة أوثق عرى الإيمان ص ٣٨.
(٣) النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك (ضمن مجموعة التوحيد) ص ٣٦٣.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
التولي، فمن تولاهم مطلقا فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أخفاه، وهي محبتهم بالقلب، وينشأ عنها النُصرة والمساعدة بالمال أو بالسلاح أو بالرأي.
قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: "من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم فإنه لا يتولك متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" (^١).
وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: "فيه قولان:
أحدهما: من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر.
والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمره" (^٢).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن هذه المسألة:
"وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]. فقد فسرته السنة وقيدته بالموالاة المطلقة العامة" (^٣).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره، عند قوله سبحانه: " ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ - قال: ويفهم من ظواهر الآيات أن من تولى الكفار عامدًا اختيارًا، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري ٦/ ١٦٠.
(٢) زاد المسير ٢/ ٣٧٨.
(٣) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٧، الدرر السنية ١/ ٤٧٤.
(٤) أضواء البيان ٢/ ١١١.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وبهذا تعلم أن الولاء الكفري هو محبة الكفار لأجل دينهم ونصرتهم له والرضا به، وبمظاهرتهم وإعانتهم والذب عنهم.
ويقول الإمام الطبري - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]: "ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تُعينوهم على مسلم بفعل" (^١).
وقد تقدم مثل ذلك في باب (مظاهرة الكفار على المسلمين).
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن حسن عن الفرق بين الموالاة والتولي.
فأجاب: "التولِّي كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب كبلِّ الدواة، وبري القلم، والتبشش لهم ولو رفع السوط لهم" (^٢).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: "إن الموالاة هي: الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة التي إذا صدرت من مسلم لكافر، اعتبر صاحبها كافرا. أما مجرد الاجتماع مع الكفار بدون إظهار تام للدين مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر" (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري ٣/ ٢٢٨.
(٢) الدرر السنية ٨/ ٤٢٢.
(٣) الدرر السنية ٧/ ٣٠٩.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
* القسم الثاني: الموالاة التي لا تستوجب الكفر لما جاء في صحيح البخاري في قصة حاطب بن أبي بلتعة وفيه قال عمر بن الخطاب: "دعني أضرب عنق هذا " الحديث.
فما كان من الموالاة التي ليس فيها الرضا بأفعال من يواليهم، بل لنسب وقربى أو لأسباب ومصالح دنيوية، فإنه لا يستوجب التولي التام فلا يكون كفرا (^١).
قال القرطبي - ﵀ -: "من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ - وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبيّ في قصة الإفك" (^٣).
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -:
"وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بسر رسول الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله - ﷺ - ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدًا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله - ﷺ - عليًا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك،
_________________
(١) انظر في ذلك الدرر السنية ٩/ ٣٢٥.
(٢) التفسير ١٨/ ٥٢.
(٣) انظر مجموع الفتاوى ٧/ ٥٢٢، ٥٢٣.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله - ﷺ -. فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: "ما هذا"؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال - ﷺ -: "صدقكم، خلوا سبيله" واستأذن عمر، في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "وما يدريك، أن اللّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات.
فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: "صدقكم، خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله. ولا يقال، قوله - ﷺ -: "ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه؛ فإن الكفر: يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع؛ فلا يظن هذا." (^١).
قال الشيخ سليمان بن سمحان: "من الموالاة ما يوجب الردة ومنها ما دون ذلك" (^٢).
_________________
(١) أصول وضوابط في التكفير.
(٢) الدرر السنية ٨/ ٤٦٩.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
قال الشيخ صالح آل الشيخ: "مطلق الإعانة غير مكفر، لأن حاطب - ﵁ - حصل منه إعانة للمشركين على الرسول - ﷺ - بنوع من العمل: إعانة بكتابة بسر الرسول - ﷺ - والمسير إليه، لكن النبي - ﷺ - استفصل منه، فدل على أن الإعانة تحتاج إلى استفصال والله جل وعلا قال في مطلق العمل هذا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ولكن ليس بمكفر إلا بقصد، فلما أجاب حاطب بأنه لم يكن قصده ظهور الكفر على الإسلام، "قال: يا رسول الله! والله ما فعلت هذا رغبة في الكفر بعد الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يدفع بها عن أهله وماله، وليس لي يد في مكة، فأردت أن يكون لي بذلك لي يد"، فقال النبي - ﷺ -: "إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وهذا يدل على أن الاستفصال في هذه المسألة ظاهر، فالإعانة فيها استفصال، وأما المظاهرة بأن يكون ظهرًا لهم ويدفع عنهم ويدرأ عنهم ما يأتيهم ويدخل معهم ضد المسلمين في حال حربهم لهم هذا من نواقض الإسلام التي بينها أهل العلم" (^١).
وعن حدود الموالاة التي يكفر صاحبها جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: "موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على المسلمين لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام ولا غشيان مجالسهم والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام" (^٢).
فالولاء هو الموالاة المقيدة وهي كبيرة وفسق أما التولي فيراد منه الموالاة المطلقة العامة والمناصرة والمظاهرة على المسلمين ..
_________________
(١) فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ١٧٩ - ١٩٤.
(٢) فتاوى اللجنة ٢/ ٤٧.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
* وللفائدة: فمن العلماء (^١) من يطلق الولاء ويريد به التولي كالشيخ السعدي - ﷺ - حيث قرر أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء يقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]: "إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه" (^٢).
والذي استقر عند أئمة الدعوة ﵏ التفريق السابق بين التولي والولاء، وإذا فهمت المسألة فلا مشاحة في الاصطلاح.
* منزلة الولاء والبراء من التوحيد:
من حقوق التوحيد أن توالي أهله الموحدين وتتبرأ من أعدائه المشركين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^٣). [المائدة: ٨٠ - ٨١].
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فَدَلَّ على أن الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذَهم أولياءَ في القلب. ودلَّ ذلك أن من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه" (^٤).
_________________
(١) انظر أقوال المفسرين: تفسير ابن عطية ٨/ ١٥٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٥٦ وتفسير الشوكاني ٥/ ١٩٢ وتفسير الألوسي ٢٨/ ٣٢.
(٢) تفسير ابن سعدي ٧/ ٣٥٧.
(٣) سورة المائدة ٨٠ - ٨١.
(٤) كتاب الإيمان.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
وقد كان النبي - ﷺ - يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، قَالَ جَرِيرٌ بن عبد الله البجلي - ﵁ -: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يُبَايِعُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَم، قَالَ: "أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ الله وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ" (^١).
وعن بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - حِينَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا أتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ أُولاءِ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ وَجَمَعَ بَهْزٌ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَقَدْ جِئْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللهُ ﵎ وَرَسُولُه، وَإِنِّي أَسْألكَ بوَجْهِ اللهِ بِمَ بَعَثَكَ اللهُ إِلَيْنَا. قَالَ "بِالإِسْلامِ" قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْت، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ، أَخَوَانِ نَصِيرَانِ، لا يَقْبَلُ الله، مِنْ مُشْرِكٍ أَشرَكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلًا، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ " الحديث (^٢).
فالولاء لا يكون إلا الله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥].
وفي حديث البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -، قال: "إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله" (^٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - ﵏ جميعًا -: "على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤١٧٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٠٢٩٩) (٢٠٢٥٥) (٢٠٢٧١) واللفظ له والنسائي (٢٥٦٨).
(٣) مسند الإمام أحمد (١٨٧٢٣).
[ ٣ / ٥٥٩ ]
الإيمان عمّن يوادّ من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب في النسب. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلّفنا بمعرفة أن الله فرض علينا ذلك وأوجبه وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه. ومن عرف أن ذلك من معناها ولوازمها، فهو حسن وزيادة خير" (^١).
* ولا تصح الموالاة إلا بمعاداة: قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: "لا تصح الموالاة إلا بمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين إنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إلى ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه قال تعالى: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة غير الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه وتكفير من فعله" (^٣).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "موالاة من حاد ومدارته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئا هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم
_________________
(١) مجموعة التوحيد ص ٥٠، ٥١.
(٢) الجواب الكافي ٢١٣.
(٣) مجوعة التوحيد ص ٣٣، ٣٤.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق" (^١).
* الدعوة إلى "وحدة الأديان" هدم لعقيدة الولاء والبراء:
تصدت ملة الكفر لتقرير وحدة الأديان عبر إقامة مؤتمرات وندوات وجمعيات ويبث ذلك في وسائل الإعلام المختلفة وتعرض الآراء والمقالات ومرادهم من ذلك إسقاط الخلاف العقدي بين الإسلام ودين اليهودية والنصرانية حتى يكون هناك دين عالمي واحد فيدعون إلى وحدة الأديان دين الإسلام ودين اليهود ودين النصارى. ومقتضى الدعوة إليه الإعراض عن الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، ومن آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفر بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله" (^٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (^٣).
ولا يشك من لديه ذرة من إيمان أن الرضا بتقرير وحدة الأديان شعار الديانة العالمية مناقض للإيمان بل هو كفر صريح وتكذيب بالقرآن وردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين
_________________
(١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٠.
(٢) انظر فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ١٩٤٠٢ وتاريخ ٢٥/ ١/ ١٤١٨ هـ.
(٣) رسالة أوثق عرى الإيمان ص ٣٨.
[ ٣ / ٥٦١ ]
وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب" (^١).
أجابت اللجنة بجواب مفصل اقتطفنا منه ما نصه: " وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية، فإن هذه الدعوة إلى: وحدة الأديان والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجر أهله إلى ردة شاملة .. وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله والدعوة إلى "وحدة الأديان" إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله - ﷿ - وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع" (^٢).
* أمور لا تنافي عقيدة الولاء والبراء:
* أوّلًا: أن الواجب مع القدرة دعوة الناس إلى الإسلام فإن أجابوا فالحمد لله ولا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين على الدخول في الإسلام.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٤، وانظر الصفدية ١/ ٢٦٨.
(٢) فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ١٩٤٠٢ وتاريخ ٢٥/ ١/ ١٤١٨ هـ باختصار مع تصرف يسير.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والمراد بالآية - والله أعلم بالصواب - ما قاله الحافظ ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا" (^١).
* ثانيًا: يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين كما هو معلوم من صلح الحديبية حيث صالحهم على وضع القتال عشر سنين.
قال ابن القيم - ﵀ -: "فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية ثم ذكر منها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه من ضيمٌ على المسلمين جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما" (^٢).
* ثالثًا: حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفار، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهد وذمّتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وعن أبي رافع - ﵁ - (وكان قبطيًّا)، قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأيت رسول الله - ﷺ - أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد. ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع". قال: فذهبت، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ، فأسلمتُ" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/ ٦٨٢.
(٢) زاد المعاد ٣/ ٣٠٦.
(٣) أبو داود وأحمد.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
يقول ابن حزم "واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نصَّ القرآنُ على جوازها ووجوبها، وذُكرت بصفاتها وأسمائها، وذُكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمّة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرضٌ، وإعطاؤها جائز" (^١).
* رابعًا: نصرة المستضعفين من المسلمين واجبة لكنها لا تجوز إذا كان ثم عهد بين المسلمين وهؤلاء والكفار وفاءً بالعهد والميثاق لقول الله - ﷿ -: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكما فعل رسول الله - ﷺ - بعد صلح الحديبية مع أبا جندل وأبا بصير ومن معهما من المستضعفين لمَّا كانوا على سيف البحر وكان كفار قريش لهما محاربين وبالنسبة لأهل المدينة كفارا معاهدين.
* خامسًا: اتباع الإمام فيما يحكم فيه في ترك نصرة بعض المسلمين في بعض البلدان بسبب الوفاء بالعهود إذ من المعلوم أنه يصح في الاضطرار تعدد الأئمة وقد قرر صحة ذلك علماء الأمة المجتهدين والموالاة الواجبة لأهل الإسلام إذا كان أمرهم على إمام واحد وأمر الأمة مجتمعة عليه وأما مع تعدد الأئمة فكل ولاية أو بلد لها عهود ومواثيق يختلف باختلاف إمامه وسلطانه فإن انتقاض العهد مع كافر لا يلزم منه انتقاض عهد ذلك الكافر مع جميع دول المسلمين.
ومن أقوال الأئمة في تعدد الأئمة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق " (^٢).
_________________
(١) مراتب الإجماع ١٢٣.
(٢) مجموع الفتاوى، ٣٥/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد - أو بلدان - له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" اهـ (^١).
* سادسًا: حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين والمستأمنين، إذا وَفَّوْا بذمتهم وعهدهم وأمانهم.
قال - ﷺ -: "من قَتَل معاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا" (^٢).
وقال - ﷺ -: "أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلًا عن دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافرًا" (^٣).
* سابعًا: الاستعانة بالكافر أو استئجاره: فهذا قال أهل العلم بجوازه في أحوال مختلفة، يفتي أهل العلم في كل حال، وفي كل واقعة بما يرونه أن يفتى به".
يقول الشيخ ابن باز - ﵀ -: "ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر كذلك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر، فلم يكن النبي - ﷺ - حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم، وهكذا
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٧/ ٢٣٩.
(٢) البخاري (٣١٦٦).
(٣) صحيح ابن حبان (٦٠٨٢)، الصحيحة (٤٤٠).
[ ٣ / ٥٦٥ ]
بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق اللهُ بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه" (^١).
* ثامنًا: المداراة في حال ضعف المسلمين لا تتنافى مع الولاء والبراء.
والمداراة المقصودة هي: درءُ المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة، أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ومن ذلك مداراة النبي - ﷺ - للمنافقين خشية شرهم وتأليفا لهم ولغيرهم.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
جاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (^٢).
وقال مجاهد - ﵀ -: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: "إلا مصانعةً في الدنيا ومخالَقَةً" (^٣).
قال ابن كثير: "إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: إنا
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٧ - ٣٦٤.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٨، وابن جرير في تفسيره ٣/ ٢٢٨.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٣٠، وابن جرير في تفسيره ٣/ ٣٣٨ - ٢٢٩.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم" (^١).
* تاسعًا: الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم.
قال - ﷺ - "إنكم ستفحتون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذِمّةً ورحمًا" (^٢).
وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "أُوصي الخليفة من بعدي بذمّة الله وذمّة رسوله - ﷺ -: أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم، وأن لا يكلَّفُوا فوق طاقتهم" (^٣).
* والبرّ والإحسان والعَدْلَ وحسن المعاملة مطلوب لهم سواء كان ذميا أو معاهدًا أو مستأمنًا.
قال القرافي - ﵀ -: "اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة، بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فلا بد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما .. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله - ﷺ -، ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح .. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على
_________________
(١) تفسير ابن كثير.
(٢) مسلم (٦٤١٤).
(٣) البخاري (١٣٠٥).
[ ٣ / ٥٦٧ ]
مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق، وأخلينا لهم واسعها ورحبها والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس، والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفار، وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه، واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى.
وأما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنة: فهو كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم (^١)، والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا وتعظيمًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من آل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم.
فجميع ما نفعله من ذلك فليس على وجه التعظيم لهم، وتحقير أنفسنا بذلك ولا مصانعة لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا، وتكذيب نبينا محمد - ﷺ -، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا، واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا - ﷿ -، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا .. " (^٢).
_________________
(١) جاء في فتاوى اللجنة ٢/ ٤٤: لا يجوز مخالطة الكفار مخالطة تنشأ منها فتنة. أما مؤاكلتهم ومخالطتهم والإحسان لهم بما يرغبهم في الإسلام فلا بأس به مع أمن الفتنة، وعدم المودة.
(٢) كتاب الفروق للقرافي ٣/ ٢٩.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
فيجوز البر والإحسان إليهم خصوصًا إذا كانوا جيرانًا أَو أقارب، ويجوز من أجل الدعوة الضحك في وجهه وزيارته بخلاف الحربي الذي بيننا وبينهم حرب. قال في فتاوى اللجنة: - "يعامل الذمي بالإحسان ولكن لا يبدأ بالسلام، ولا يزوج مسلمة ونحو ذلك مما منعت منه النصوص" (^١). وفي موضع آخر: "لا يجوز دخولهم للمسجد الحرام، ولا حرم مكة. ويجوز أن يدخلوا الأماكن الأخرى المعدة للعبادة لسماع المواعظ والمحاضرات الإسلامية عسى الله أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ويرقق قلوبهم، وأن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم" (^٢).
وأمّا العَدْل فهو فرضٌ واجب لكل أحد، حتى من نُبغضه بحقّ، ممن عادانا وقاتلنا من الكفار.
يقول الله تعالى في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
قال الشيخ ابن عثيمين: "يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي - ﷺ - عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي - ﷺ - قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف. فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله - ﷿ -، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر،
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٢.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٥.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض" (^١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "فمن كف أذاه من الكفار فلم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ولا يحبونه بقلوبهم لأن الله قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: توالونهم وتحبونهم.
ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين الكافرين ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥].
وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة فاستأذنت أسماء رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال لها: "صِلِي أمك" وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر. ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام. وكذلك تحريم موالاة الكفار لا تعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.
فالنبي - ﷺ - استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر واستدان من بعض اليهود.
_________________
(١) روه مسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء رقم ١٤٦٩، شرح رياض الصالحين ٣/ ٢٧٥.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار وهذا من باب الشراء منهم بالثمن وليس لهم علينا فيه فضل ومنة.
وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم، فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم" (^١).
وعلى هذا فإن للمودة حدود وضوابط حتى لا يُقر الكافر على ما هو عليه أو يُرضى عنه فلا يجوز الحضور إلى أعيادهم كعيد الاستقلال (^٢) أو عيد الكريسمس (^٣)، ولا حضور مراسيمهم الدينية (^٤). ولا حضور حفلاتهم كحفل ترميد الموتى البوذيين لأن فيه رضا بصنيعهم (^٥) ولا يجوز التبرع لمثل هذه الحفلات في حالة عدم الحضور أو زيارة أهل الميت منهم وتقديم العزاء لهم أو تقديم الأزهار لهم (^٦). ولا يجوز أن نمكنهم من إلقاء محاضرات وكلمات في مساجد المسلمين لأنهم لا يؤمن منهم أن يُثيروا شكوكًا أو يلحدوا في دين الله. وهذا في مجامعنا ومحافلنا الخاصة بالمسلمين (^٧).
فهو إحسان وبر بهم من غير مودة باطنة، ولطف ورحمة من غير خوف وذلة، ورفق واحتمال أذى للجار من غير تعظيم، ومخالطة لترغيبهم في الإسلام مع أمن الفتنة، وعدم المودة.
_________________
(١) الولاء والبراء في الإسلام للشيخ صالح الفوزان ص ٢٣، ٢٤، ٢٥.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥٠.
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥٠.
(٤) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٥.
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٤٨.
(٦) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥١.
(٧) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٦.
[ ٣ / ٥٧١ ]