قال ابنُ حَزْمٍ: "ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة، وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك" (^١).
* حكمهم: من اعتقد ذلك فهو كافر والعياذ بالله.
وقد حكى القاضي عياض إجماع المسلمين على كفر بعض المتصوفة القائلين: "إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها، وإباحة كل شيء لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم" (^٢).
وفي معرض كلام شيخ الإسلام عن "اليقين" قال: "وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] كقولك يأتيك ما توعد. فأما أن يظن أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان. ثم لا عبادة عليك فهذا كفر باتفاق المسلمين" (^٣).
قال ابن كثير ﵀: "ويستدلُّ بها - أي الآية ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ - على تخطئة من ذهب من الملاحدة، إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عِنْدَهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم
_________________
(١) الفصل ٤/ ٢٢٦.
(٢) الشفاء ٢/ ١٠٧٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٤١٩، ٤٢٠ وانظر المجموع ٢٤/ ٣٣٩.
[ ١ / ١٥٧ ]
السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمنا" (^١).
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد - ﷺ - كما كان الخضر مع موسى ﵇، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله" (^٢).
وقال ﵀: "ومن اعتقد أن لله رجالًا خواصًا لا يحتاجون إلى متابعة محمد - ﷺ - بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام" (^٣).
وقال: "ومن ادَّعى أن له طريقًا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التي بعث بها رسوله، فإنه كافر يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (^٤).
قال ابن القيم: "ومن ظن أن يستغني عما جاء به الرسول - ﷺ - بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرًا، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وهذا تارة، فما يلقى في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان" (^٥).
قال في الإقناع: "ومن اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد - ﷺ - أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه - ﷺ - وأخذ ما بعث به، أو
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٦٠.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٤٢٢، وانظر ٢٧/ ٥٩، ٤/ ٣١٨.
(٣) المصدر السابق ١٠/ ٤٣٤، ٤٣٥ باختصار.
(٤) المصدر السابق ١١/ ٦٠٧ وانظر ٣/ ٤٢٢، ٢٤/ ٣٣٩، ٢٧/ ٥٩.
(٥) إغاثة اللهفان ١/ ١٢٣.
[ ١ / ١٥٨ ]
قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ أو أن هدى غير النبي خير من هديه فهو كافر" (^١).
وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الباب في نواقض الإسلام حيث قال: "التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه - ﷺ -، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر" (^٢).
* الرد على شبهة احتجاجهم بقصة الخضر:
أورد شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ شبهة احتجاجهم بقصة الخضر في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه ورد عليها بما يأتي:
الأول: موسى ﵇ يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد - ﷺ - فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر: كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا، لهذا قال الخضر لموسى: "أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه (^٣)، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه" وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد - ﷺ - أن يقول مثل هذا.
_________________
(١) الإقناع مع شرحه كشاف القناع ٦/ ١٧١، وانظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم الرسائل الشخصية ص ٦٨.
(٢) الرسائل الشخصية ٢١٤.
(٣) في هذا دليل على أن ما يفعله الخضر كان عن وحي من الله وليس مجرد خيال وتوهم وهذا لا يمكن أن يكون بعد بعثة محمد - ﷺ - لأحد من الناس إذ ببعثته - ﷺ - انقطع الوحي ومن ادعى حصوله فقد كفر وانظر في ذلك الفكر الصوفي ص ١٣٢.
[ ١ / ١٥٩ ]
الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك (^١).
قال شارح الطحاوية: "وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵉، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدُنِّي، الذي يدّعيه بعض من عُدِمَ التوفيق: فهو ملحد زنديق، فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد - ﷺ - مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيَّيْنِ لكانا من أتباعه. وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع محمد - ﷺ - كالخضر مع موسى، أو جوّز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادةَ الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم، وأهل الاستقامة، وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله - ﷺ - حين أحصِرَ عنها، وهو يَوَدُّ منها نظرةً؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢] إلى آخر السورة" (^٢).
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٤٢٢، ١١/ ٤٨، ٤٩، ١٠، ٦٠٧/ ٣١٨.
(٢) شرح الطحاوية لأبي العز، ص ٤٥٨ ط - أحمد شاكر.
[ ١ / ١٦٠ ]