العكف في اللغة: "الحبس والوقف والإقامة" (^١).
قال النووي: "الاعتكاف: أصله الحبس واللبث والملازمة للشيء فسمِّي الاعتكاف الشرعي لملازمته المسجد ولبثه فيه" (^٢).
وفي الشرع: قال الحجاوي ﵀: "لزوم مسجد لطاعة الله تعالى" (^٣).
وقال ابن هبيرة: "عبارة عن اللبث في المسجد بنية الاعتكاف" (^٤).
ومذاهب الفقهاء اختلفت في مدة الاعتكاف، ففريق قال بتحديد أقل الاعتكاف، وفريق آخر قال بعدم تحديد أقله، وأنه يصح بما يطلق عليه لبث في المسجد، وأكثر أهل العلم على أنه غير محدد بمدة، فيجزئ فيه ما يسمى لبث كلبث ساعة ونحوها" (^٥). وهذا يهمنا في فهم صورة الاعتكاف الشركي، إذ المراد من الترجمة هنا التحذير من مشابهة المشركين في العكوف عِنْدَ الأصنام حيث
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥ - ٨/ ٣٢٥. الاستذكار لابن عبد البر ١٠/ ٢٦٥، ٣٤٣. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ٦/ ٣٩١ - ٢/ ٧٣٩، ٨١٧، ٨١٩. الاقتضاء ٢/ ٧٣٩. تيسير العزيز الحميد ص ١٨١. فتح المجيد ١٥٩، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ٢ - ١/ ٢٥٩. نور على الدرب ص ٣١٤. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٩٩، ٤٠٠.
(٢) ينظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية ص ١٠٧، والتعريفات للجرجاني ص ٤٧.
(٣) تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٣٠.
(٤) زاد المستقنع ص ٥٦.
(٥) الإفصاح عن معاني الصحاح ١/ ٢٥٥، وعرفه النووي بمثل ذلك. انظر المجموع شرح المهذب ٦/ ٥٠٤.
(٦) انظر المحلى ٥/ ٢٦٤، المغني ٣/ ٢١٠، والاعتكاف أحكامه وأهميته في حياة المسلم ص ٤٧، ٤٨ للدكتور أحمد الكبيسي.
[ ١ / ١٦١ ]
يعكف القبوريون عِنْدَ القبور ويقيمون عِنْدها تعبدًا لغير الله.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
* الدليل من السنة: "عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلِّقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. قال: فمررنا بسدة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله - ﷺ -: "قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها لسنن لتركبنَّ سُنن من كان قبلكم سنة سنة"" (^١).
* أقوال العلماء:
قال في شفاء الصدور: "فالعكوف المجاورة عِنْدَ قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي ليس هو من دين المسلمين بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبرالله إذ قال لهم إبراهيم إمام الحنفاء: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] فعكوف المؤمنين في المساجد وعكوف الجاهلين في المشاهد هو من جنس عكوف المشركين فإن المشركين يعكفون على ما يرجونه ويخافونه ويتخذونه شفعا إلى الله قال: فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالقًا ولا أن يساويه في صفاته بل كان يقرون بأن خالق السموات والأرض واحد.
كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧] وقوله: وكانوا يتخذون آلهتهم
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢٢٢٤٢).
[ ١ / ١٦٢ ]
إخبارًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهؤلاء العاكفون على القبور قد شابههم في الصورة المطلوب اجتنابها ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ومع هذا يعبدون غيره، وهذا التوحيد لا يخلص بمجرده عن الشرك بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا إياه والكمال أن لا يرجو ولا يخشى إلا إياه حقيقة ومجازًا" (^١).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن نوع هذا الشرك: الاعتكاف على قبور المشهورين بالنبوة، أو الصحبة، أو الولاية، وشد الرحال إلى زيارتها، لأن الناس يعرفون الرجل الصالح، وبركته، ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك؛ فتارة يسألونه؛ وتارة يسألون الله عِنْدَه؛ وتارة يصلون ويدعون الله عِنْدَ قبره.
ولما كان هذا بدء الشرك، سد النبي - ﷺ - هذا الباب ففي الصحيحين، أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن ينخذ مسجدًا" (^٢).
_________________
(١) شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور، أصدرته دار الإفتاء العامة بالمملكة العربية السعودية، ص ٧٠، ٧١، وفي الغالب النقل فيه عن ابنِ تَيمِيَّةَ ﵀.
(٢) الدرر السنية ٢/ ٩. الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٠٨. طريق الهجرتين لابن القيم ص ٤١٢، ٤١٣. تفسير ابن كثير ٣/ ٩١. فتح القدير ٣/ ٢٩٦. أضواء البيان ٤/ ١٤٢. إرشاد الطالب إلى أهم المطالب لابن سحمان ص ١٢، ١٣. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٣٤٤، ٣٤٦. ضوابط التكفير للقرني ص ١٩٥، ٢٠١.
[ ١ / ١٦٣ ]