في اللغة: قال المناوي: "الإعراض: الإضراب عن الشيء وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة أي أخذت عرضا أي جانبا غير الجانب الذي هو فيه" (^١).
قال في اللسان: "والإعراض عن الشيء: الصد عنه، وأعرض عنه: صد" (^٢).
"والإعراض الصدود، أعرض عنه: صد ووَلَّى" (^٣).
والمقصود بالإعراض: الإعراض التام عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به. لا يبالي بالدين أصلًا، فلا يتعلم شيئًا من الدين ولا يوالي فيه ولا يعادي فيه، وهؤلاءلايعلمون الحق كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤].
فجعل سبب عدم علمهم بالحق، لا لخفاء الحق في نفسه، ولكن لأنهم معرضون عن الديانة، وكذلك قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
فالإعراض المكفر هو الإعراض عن تعلُّم أصل الإيمان، أما إذا كان معه أصل الإيمان وأعرض عن فعل واجب من الواجبات الشرعية فهذا ينقص الإيمان ولا ينفيه بالكلية (^٤).
_________________
(١) التعاريف للمناوي ٢/ ٧٦.
(٢) لسان العرب (ع ر ض) ٧/ ١٨٢.
(٣) الإفصاح في اللغة ١/ ١٩٥، وانظر المفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٣٠، مختار الصحاح ص ٤٢٥.
(٤) الدرر السنية ١٠/ ٤٧٢، ٤٧٣، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٣١٥.
[ ١ / ١٦٤ ]
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣].
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾: "أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها" (^١).
حكمه: وهذا هو الناقض الأخير الذي ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام ﵀ في نواقض الإسلام العشرة فقال: "العاشر: الإعراض عن في دين الله لا يتعلمه ولا يعمل بِه، والدليل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ " (^٢).
ولتوضيح هذا الأمر فقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك أنواع الردة ثم أردفها بتنبيهات فقال:
"التنبيه الثالث: ما يلزم منه لزومًا ظاهرًا ويدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطنًا ولو أقرَّ بهما ظاهرًا، وذلك يشمل أمورًا منها:
الإعراض عن دين الإسلام، لا يتعلمه ولا يعمل به، ولا يبالي بما يترك من الواجبات، وما يأتي من المحرمات، ولا بما يجهل من الأحكام.
وينبغي أن يعلم أن المكلف لا يخرج من كفر الإعراض - المستلزم لعدم إقراره - بفعل أي خصلة من خصال البر، وشعب الإيمان؛ فإن هذه الخصال ما يشترك الناس في فعله - كافرهم ومؤمنهم - كإماطة الأذى عن الطريق، وبر
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٩٦.
(٢) الرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس ص ٢١٤.
[ ١ / ١٦٥ ]
الوالدين، وأداء الأمانة.
وإنما يتحقق عدم هذا الإعراض، والسلامةُ منه بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شريعة الإسلام التي جاء بها الرسول - ﷺ - كالصلاة والزكاة والصيام والحج - إذا فعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء (^١) من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ - " اهـ (^٢).
وذكر ابن القيم ضابطًا للإعراض فقال ﵀: "وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدق ولا يكذب، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة" (^٣).
وقال في موضع آخر عن أنواع الكفر: "الثالث: كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه، ولا يبغضه، ولا يواليه، ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته" (^٤).
فتبيَّن أن المعرض لا يبالي أن يكون من أنصار الرسول، أو أن لا يكون من أنصار الرسول، أو أن يكون باحثًا عن الحق، أو أن لا يكون باحثًا عن الحق، أو أن يكون متبعا للدين، أو لا يكون متبعا للدين وهذا هو حاصل كلام ابن القيم فتجد أن المرء ليس عِنْدَه علم بالإسلام، ولا عِنْدَه علم بالرسالة، وليس من أهل الديانة أصلًا لأنه معرض عنها.
فالتوحيد ليس مجرد الإقرار ثم يترك العمل ويعرض عنه وعن أحكامه.
_________________
(١) قال الشيخ البراك: كذا وردت العبارة، ولعل المناسب للسياق: "مع عدم فعل شيء".
(٢) من مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢١، جواب في الإيمان ونواقضه للشيخ عبد الرحمن البراك ص ٢٣ - ٢٤.
(٣) مدراج السالكين ١/ ٣٤٧.
(٤) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤، وانظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٩٧.
[ ١ / ١٦٦ ]
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير، والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد، ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير، والقتال، فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلا عن بغضه، ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه؛ فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد - ﷺ -، وأصحابه" (^١).
ومن الآيات التي يناسِب ذكرها هنا: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية: "فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق " (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
قال ابنُ حَزْمٍ عن هذه الآيات: "هذه الآيات محكمات لم تدع لأحد علقة يشغب بها، قد بين الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول ونحن طائعون لهما، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الإقرار
_________________
(١) الدرر السنية ٢/ ٥٦.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٥٣، وانظر تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٧.
[ ١ / ١٦٧ ]
فيخالفون ما وردهم عن الله ﷿ ورسوله - ﷺ -، أولئك بنص حكم الله تعالى ليسوا مؤمنين" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فبَيَّن الله سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقض والسب ونحوه" (^٢).
* الفرق بين التولي والإعراض:
قال أبو البقاء الكفوي في الكليات: "الإعراض: أن تولي الشيء عرضك: أي جانبك ولا تقبل عليه، والتولي: الإعراض مطلقا، ولا يلزمه الإدبار والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرض والمتولي يشتركان في ترك السلوك إلا أن المعرض أسوأ حالًا وغاية الذم الجمع بينهما" (^٣).
وقال المناوي: "التولِّي: الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل ذكره الحرالي" (^٤).
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٩٢.
(٢) الصارم المسلول ص ٣٩ دار الجيل، ٨١.
(٣) الكليات ٢٨.
(٤) التعاريف للمناوي ٢/ ٢١٦.
[ ١ / ١٦٨ ]