الإيمان باليوم الآخر هو الأصل الخامس من أصول الإيمان الستة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "اليوم الآخر: يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم" (^٢).
قال الحَلِيمي ومعناه: "التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا، وأنها منقضية، وهذا العالم منقض يوما ما، ففي الاعتراف بانتفائه اعتراف بابتدائه إذ القديم لا يفنى ولا يتغير" (^٣).
فالإيمان باليوم الآخر هو: الاعتقاد الجازم بصدق كل ما أخبر به الله ﷿ في كتابه العزيز أو أخبر به رسوله -ﷺ- مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه
_________________
(١) * شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي المجلد الخامس عشر. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٦٥ - ١٦٠. مختصر شعب الإيمان للبيهقي ص ٢٥. شرح مسائل الجاهلية ص ٨٠. حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٦٢. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٩١، ٩٨. قطف الثمر صديق حسن ص ١٢٧. معارج القبول ٢/ ٨٢. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٨. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٤٥٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٩، ٣/ ١٦٨، ٢٥١، ٥/ ١٢٧. شرح رياض الصالحين ٢/ ٤١٨. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٩٠ إلى ٢٢٨ .. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٥٩. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٣٢٣. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٦٤٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٧٧٥. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٢٣٤، ٢٧٩. منهج ابن رجب في العقيدة ص ٤٠٩. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ٤٠٩. منهج ابن حجر في العقيدة ١٢٨١، ١٣٨٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ٣٤١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ١٥٤٧.
(٢) شرح أصول الإيمان ص ٤٠.
(٣) شعب الإيمان ص ٢٥.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ونعيمه وما بعد ذلك من البعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله تعالى لأهلهما فيهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه" (^١).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].
* الدليل من السنة: عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ الله -ﷺ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذهِ مِنْ هَذهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" (^٢).
وعِنْدَ البخاري من حديث أبي هريرة -﵁-: " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها" (^٣).
* أحكام وفوائد:
١ - قال ابن عثيمين: "والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالبعث وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة غير منتعلين عراة غير مستترين، غرلًا غير
_________________
(١) العقيدة الواسطية مع شرح محمد هراس ص ٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٤) ومسلم (٢٩٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٦).
[ ١ / ٢٨١ ]
مختتنين، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
والبعث حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] وقال النبي -ﷺ-: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلًا" (^١).
وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجازيهم فيه على ما كلّفهم به على ألسنة رسله قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
وقال لنبيّه -ﷺ-: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث: الإيمان بالجنة والنار وأنهما المآل الأبدي للخلق. فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٢٦) ومسلم (٢٨٦٠).
[ ١ / ٢٨٢ ]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنكال، ما لا يخطر على البال. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] " (^١).
٢ - من ثمرات الإيمان باليوم الآخر:
قال الشيخ ابن عثيمين: "وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفا من عقاب ذلك اليوم.
الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها" (^٢).