لغة: قال في معجم مقاييس اللغة: " (بدع) الباء والدال والعين أصلان:
أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال.
فالأول: قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال والله بديع السماوات والأرض.
والعرب تقول: ابتدع فلان الركي إذا استنبطه" (^١).
وقال الراغب: "ومنه قيل ركية بديع أي جديدة الحفر" (^٢) (^٣).
ومن هذا يتبين أن البدعة تطلق لغة على الشيء المستحدث (^٤).
قال الزجاج: "وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: أبدعت، ولهذا قيل لكل من
_________________
(١) * البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح، الحوادث والبدع للطرطوشي، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٢ - ٦١٢، الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٦ - ٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥، ٢٠/ ١٠٣ - ١٠٥، جامع العلوم والحكم ٢/ ١٠٩، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي، الدرر السنية ١/ ٢٧٣، ٤٢٣، ٤٨٦، ٧/ ٥٥٨، ٨/ ١٠٣، ٩/ ٤٣٢، ١١/ ١٤٦، ١٧٤، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٣، محاضرات في العقيدة والدعوة للشيخ صالح الفوزان ١/ ١٠٧ - ١٢٣، حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع د. إبراهيم الرحيلي، الإمام الشاطبي عقيدته وموقفه من البدع وأهلها لعبد الرحمن آدم، الأعياد وأثرها على المسلمين د. سليمان السحيمي ص ٢٠٩، ٤٦٨.
(٢) مقاييس اللغة (ب د ع)، وانظر المفردات للراغب (ب د ع).
(٣) انظر العين للخليل ٢/ ٥٤، مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ٥/ ٢٣.
(٤) المفردات للراغب (ب د ع).
(٥) انظر العين للخليل ٢/ ٥٤، مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ٥/ ٢٣.
[ ١ / ٢٨٤ ]
خالف السنة والإجماع مبتدع، لأنه يأتي دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون" (١).
وقال في الصحاح: "أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله تعالى بديع السماوات والأرض، أي مبدعهما والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال.
واستبدعه: عده بديعًا، وبدَّعه تبديعًا: نسبه إلى البدعة" (٢).
وفي الشرع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي أو لم يكن" (٣).
وقال ﵀: "لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة إذ السنة ما أمر به الشارع والبدعة ما لم يشرعه من الدين" (٤).
وقال: "والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية كالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التى يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة والله أعلم" (٥).
وقال ابن رجب: "والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل في الشريعة يدل
_________________
(١) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) مختار الصحاح (ب د ع).
(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٧، ١٠٨ وانظر الاستقامة ١/ ٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١/ ١٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٤٦.
[ ١ / ٢٨٥ ]
عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة" (^١).
وقال ابن عثيمين: "والبدعة اصطلاحًا: ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه من عقيدة أو عمل" (^٢).
وللعلماء تعاريف مشابهة لهذا التعريف منهم على سبيل المثال الطرطوشي والعيني والسيوطي وابن حجر الهيثمي وغيرهم (^٣).
والمتقدم المشهور في هذا المقام قول الشاطبي ﵀ في تعريف البدعة حيث قال: "البدعة: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" (^٤).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٢٥٢.
(٢) مجموع فتاوى الشيخ محمد العثيمين ٥/ ٢٣.
(٣) انظر الحوادث والبدع للطرطوشي (٣٤ - ٣٥)، عمدة القاري ٢٥/ ٣٧، والفتاوى الحديثية لابن حجر (١٥٠ - ١٥١)، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي (٨٨) وانظر حقيقة البدعة ١/ ٢٦٣.
(٤) الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٦ - ٣٧.
[ ١ / ٢٨٦ ]
[النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
وقال ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وعن مجاهد قال: "ولا تتبع السبل قال البدع والشبهات" (^١).
* الدليل من السنة:
عن الْعِرْبَاض بْنَ سَارِيَةَ قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله
_________________
(١) سنن الدارمي، باب في كراهية أخذ الرأي (١/ ٦٨).
[ ١ / ٢٨٧ ]
وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (^١).
وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةُ -﵂- قالت: قال رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فَهُوَ رَدٌّ".
وفي رواية لمسلم: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (^٢).
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^٣).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ فَإنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" (^٤).
وفي رواية عند النسائي: "وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ" (^٥).
وعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ: اعْلَمْ قَالَ مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اعْلَمْ يَا بِلَالُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له والترمذي كتاب العلم عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١).
(٤) أخرجه مسلم (٨٦٧).
(٥) أخرجها النسائي (٤٦).
[ ١ / ٢٨٨ ]
مِنْ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَاَ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارهم شيئًا" (^١).
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَبَى اللهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ" (^٢).
* أقوال العلماء:
عن عبد الله قال: "ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة" (^٣).
وعن ابن عباس قال: "ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن، وسمعته يقول حتى تظهر البدع" (^٤).
وقال ابن الديلمي سمعت ابن عمرو يقول: "ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا" (^٥).
وعن سفيان الثوري قال: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩، ٢١٠)، قال ابن رجب: "وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني وفيه ضعف" جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٧.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥٠).
(٣) شرح أصول الاعتقاد (١٣٠) ١/ ١٠٥.
(٤) شرح أصول الاعتقاد (١٢٥) ١/ ١٠٣.
(٥) شرح أصول الاعتقاد (١٢٨) ١/ ١٠٤.
(٦) البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح القرطبي ص ٤٧.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب لكن يعتقد اعتقادات باطلة كاذبة في الله أو في رسله أو في دينه أو عباده الصالحين وتكون له زهادة وعبادة واجتهاد في ذلك فيؤثر ذلك الكذب الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه ويظهر ذلك على وجهه فيعلوه من القترة والسواد ما يناسب حاله كما قال بعض السلف: لو أدهن صاحب البدعة كل يوم بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه وهذه الأمور تظهر يوم القيامة ظهورًا تامًا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ " (^١).
* فوائد:
١ - ضابط البدعة وأقسامها:
سئل الشيخ ابن عثيمين عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة؟ وما معنى قول النبي -ﷺ-: "من سن في الإسلام سنة حسنة"؟ (^٢):
فأجاب: "البدعة شرعًا ضابطها "التعبد لله بما لم يشرعه الله"، وإن شئت فقل: "التعبد لله تعالى بما ليس عليه النبي -ﷺ-، ولا خلفاؤه الراشدون" فالتعريف الأول مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، والتعريف الثاني مأخوذ من قول النبي ﵊:
_________________
(١) الجواب الصحيح ٦/ ٤٩٠.
(٢) أخرجه مسلم (١٠١٧).
[ ١ / ٢٩٠ ]
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور" (^١) فكل من تعبد لله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي -ﷺ-، وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه شرعه. أما الأمور العادية التي تتبع العادة والعرف فهذه لا تسمى بدعة في الدين وإن كانت تسمى بدعة في اللغة، ولكن ليست بدعة في الدين وليست هي التي حذر منها رسول الله -ﷺ-.
وليس في الدين بدعة حسنة أبدًا، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئًا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به فهذه ثلاثة أشياء:
الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث فإن النبي -ﷺ- حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه -ﷺ-، وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﵊ فقال النبي -ﷺ-: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها (^٢) فهذا الرجل سن سنة ابتداء لا ابتداء شرع.
الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.
الثالث: أن يفعل شيئًا وسيلة لأمر مشروع (^٣) مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي -ﷺ-: "من
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مسلم (١٠١٧).
(٣) انظر للاستزادة مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥١.
[ ١ / ٢٩١ ]
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" والله أعلم" (^١).
وقال ابن عثيمين: "المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشريعة في أمور ستة:
الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًا فهي بدعة مردودة على صاحبها.
مثال ذلك: أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله ﷺ، فالتهجد عبادة، ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعًا. وهذا الوصف -موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
الثاني: الجنس فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة.
مثال ذلك: أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القدر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلًا خمسًا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية فلو أن رجلًا توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضؤوه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
الخامس: الزمان فلو أن رجلًا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ٢/ ٢٩١ رقم (٣٤٦).
[ ١ / ٢٩٢ ]
لمخالفة الشرع في الزمان.
وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربًا لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بدعة على هذا الوجه، لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية، والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان فلو أن رجلًا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولو قالت امرأة: أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلًا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] " (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب سنة بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجمع الناس في التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به وإنما تركه -ﷺ- لفوات شرطه أو وجود مانع فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة ويمتنع القياس في مثله وان جاز القياس في النوع الأول وهو مثل قياس صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف على
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٣، ٢٥٤.
[ ١ / ٢٩٣ ]
الصلوات الخمس في أن يجعل لها أذانا وإقامة كما فعله بعض المراونية في العيدين وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت الله في الاستلام والتقبيل ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه قياس الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا "إنما البيع مثل الربا"" (^١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "والابتداع على قسمين:
ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة وهذا مباح لأن الأصل في العادات الإباحة.
وابتداع في الدين وهذا محرم لأن الأصل فيه التوقيف قال -ﷺ-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢).
وقال -حفظه الله-: "البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهي أنواع:
النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة، بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صيامًا غير مشروع أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٧٢.
(٢) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٨.
[ ١ / ٢٩٤ ]
العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول -ﷺ-.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام. فإن أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل" (^١).
٢ - مناقشة تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة:
أثّر تقسيم العلماء البدع إلى حسنة وسيئة أو إلى بدعة هدى وبدعة ضلال في إثارة شبه عند المبتدعة لإظهار بدعهم.
قال الشيخ ابن عثيمين: "وإنك لتعجب من قوم يعرفون قول رسول الله -ﷺ-: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ويعلمون أن قوله: "كل بدعة" كلية عامة شاملة، مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم "كل"، والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه. إذًا فالنبي -ﷺ- حينما قال: "كل بدعة ضلالة" كان يدري ما يقول، وكان يدري معنى ما يقول، وقد صدر هذا القول منه عن كمال نصح للأمة" (^٢).
ومما تعلقوا به في إثبات التقسيم ما يلي:
١ - قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- الموفق للصواب حينما أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في رمضان، فخرج والناس على إمامهم مجتمعون فقال: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون".
قال الشيخ ابن عثيمين: "فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول -ﷺ- بأي
_________________
(١) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٧ للشيخ صالح الفوزان.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
كلام، لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال الإمام أحمد ﵀: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي -ﷺ- أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
وقال ابن عباس -﵄-: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله -ﷺ- وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
الوجه الثاني: أننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- من أشد الناس تعظيمًا لكلام الله تعالى ورسوله -ﷺ- فلا يليق بعمر -﵁- وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد -ﷺ- وأن يقول عن بدعة: "نعمت البدعة" وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله -ﷺ- بقوله: "كل بدعة ضلالة" بل لا بد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر: إنها "نعمت البدعة" على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي -ﷺ- في قوله: "كل بدعة ضلالة" فعمر -﵁- يشير بقوله: "نعمت البدعة هذه" إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله -ﷺ- فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: "إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها". فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول ﵊، وسماها عمر -﵁- بدعة باعتبار أن النبي -ﷺ- لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه، ويقوم الرجل ومعه الرجل، والرجل ومعه الرجلان، والرهط، والنفر في المسجد، فرأى أمير المؤمنين عمر -﵁- برأيه السديد
[ ١ / ٢٩٦ ]
الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس منه قبل بدعة، فهي بدعة اعتبارية إضافية، وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر -﵁-، لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول -ﷺ- فهي سنة لكنها تركت منذ عهد الرسول ﵊ حتى أعادها عمر -﵁- وبهذا التقعيد لا يمكن أبدًا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذًا لما استحسنوه من بدعهم" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قول عمر نعمت البدعة هذه فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﵌ ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي فإذا كان نص رسول الله -ﷺ- قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر -﵁- فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي -ﷺ- يسمى بدعة ويسمى محدثًا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي -ﷺ- المهاجرين إلى الحبشة إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف،
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٠، ٢٥١.
[ ١ / ٢٩٧ ]
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة وقد علم أن قول النبي -ﷺ- كل بدعة ضلالة لم يرد به كل عمل مبتدأ فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ وإنما أراد ما ابتديء من الأعمال التي لم يشرعها هو -ﷺ- وإذا كان كذلك فالنبي -ﷺ- قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا: إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
فعلَّل -ﷺ- عدم الخروج بخشية الافتراض فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك وإن لم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض وخوف الافتراض قد زال بموته -ﷺ- فانتفى المعارض" (^١).
٢ - قول النبي -ﷺ-: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وسن بمعنى "شرع".
قال الشيخ ابن عثيمين: "الجواب: أن من قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة" هو القائل: "كل بدعة ضلالة" ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولًا آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله -ﷺ- أبدًا، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبدًا، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٩ - ٥٩١.
[ ١ / ٢٩٨ ]
كلام رسوله -ﷺ- متناقض فليعد النظر فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير. ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله -ﷺ- تناقض أبدًا.
وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث "كل بدعة ضلالة" لحديث "من سن في الإسلام سنة حسنة" أن النبي -ﷺ- يقول: "من سن في الإسلام" والبدع ليست من الإسلام، ويقول "حسنة" والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السن والتبديع.
وهناك جواب لا بأس به: أن معنى "من سن" من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها وعلى هذا فيكون "السن" إضافيًا نسبيًا كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.
وهناك جواب ثالث يدل له سبب الحديث وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي -ﷺ- وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي -ﷺ- إلى التبرع لهم، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول -ﷺ- فجعل وجه النبي ﵊ يتهلل من الفرح والسرور وقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فهنا يكون معنى "السن" سن العمل تنفيذًا وليس العمل تشريعًا، فصار معنى "من سن في الإسلام سنة حسنة" من عمل بها تنفيذًا لا تشريعًا، لأن التشريع ممنوع "كل بدعة ضلالة"" (^١).
٣ - جمع القرآن ولم يكن جمعه على عهد رسول الله -ﷺ-، والجواب عن هذا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهكذا جمع القرآن فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله -ﷺ- كان أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٢، ٢٥٣.
[ ١ / ٢٩٩ ]
بموته -ﷺ- واستقرت الشريعة بموته -ﷺ- أمِن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم والمقتضي للعمل قائم بسنته -ﷺ- فعمل المسلمون بمقتضى سنته وذلك العمل من سنته وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة، وصار هذا كنفي عمر -﵁- ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب، فإن النبي -ﷺ- عهد بذلك في مرضه فقال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" وإنما لم ينفذه أبو بكر -﵁- لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي -ﷺ- وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم وكما جاءوا إلى علي -﵁- في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا كتابك بخطك فامتنع من ذلك لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله -ﷺ- وإن كان محدثًا بعده، ومغيرًا لما فعله هو -ﷺ-" (^١).
٤ - تمسكوا بأقوال لعلماء أجلاء ولم يعرفوا مرادهم من أقوالهم:
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "قال الشَّافِعِيّ: "الْبدْعَة بدْعَتَانِ: مَحْمُودَة وَمَذْمُومَة، فَمَا وَافَقَ السُّنَّة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُوم" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْجُنَيْد عَنْ الشَّافِعِيّ.
وَجَاءَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبه قَالَ: "الْمُحْدَثَات ضَرْبَانِ مَا أُحْدِث يُخَالِف كِتَابًا أَوْ سُنَّة أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا فَهَذِهِ بدْعَة الضَّلَال، وَمَا أُحْدِث مِنْ الْخَيْر لَا يُخَالِف شَيْئًا مِنْ ذلِكَ فَهَذِهِ مُحْدَثَة غَيْر مَذْمُومَة"" (^٢).
وقال ابن العربي في شرح قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور": "ليس المحدث والبدعة مذمومًا للفظ محدث وبدعة ولا لمعناها، وإنما يذم من البدعة ما خالف
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٩١، ٥٩٢.
(٢) فتح الباري ١٣/ ٢٥٣، جامع العلوم والحكم ٢/ ١٣١، الحلية ٩/ ١١٣.
[ ١ / ٣٠٠ ]
السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة" (^١).
وقال ابن الأثير: "البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله -ﷺ- فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله ورسوله -ﷺ- فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به وقوله: "كل محدثة بدعة" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة، ولم يوافق السنة؛ وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم" (^٢).
وقال النووي: "البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله -ﷺ- وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة" (^٣).
وقال القاضي عياض: "كل ما أحدث بعد النبي -ﷺ- فهو بدعة، والبدعة فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليها فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة" (^٤).
* وللرد على ذلك نقول: إن استدلالاتكم هذه مخالفة لحديث الرسول -ﷺ- "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وللرد على ذلك نقول:
قال ابن رجب: "قوله -ﷺ-: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلام لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين" (^٥).
وقال ابن عثيمين: "وما ادعاه العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلو من حالين:
_________________
(١) عارضة الأحوذي لابن العربي ٩/ ١٤٧.
(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: "ب د ع" لسان العرب: "ب د ع".
(٣) تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ٢٢ - ٢٣، شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ١٥٤ وانظر قول الخطابي في معالم السنن ١٤/ ٣٠١.
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٥) جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.
[ ١ / ٣٠١ ]
١ - أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة.
٢ - أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.
فكل ما ادعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله -ﷺ- "كل بدعة ضلالة"" (^١).
فتقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة ليس بصحيح، بل البدع كلها محدثة وضلالة، والبدع إنما تكون في العبادات، فأما البدع الدنيوية كالمصانع والمراكب والملابس والمساكن فلا يقال لها بدع وإنما هي عادات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على هذا التقسيم: "وأما مقامهم الثاني فيقال هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصا وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله -ﷺ- الكلية وهي قوله "كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٨.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل؛ بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة إن هذا العمل المعين مثلًا ليس ببدعة فلا يندرج في الحديث أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا الذي هو أقوم من العموم مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله -ﷺ- بهذه الكلمة الجامعة فلا عدل عن مقصوده بأبي هو وأمي -ﷺ-" (^١).
وقال ابن رجب: "وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر -﵁- لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، وروي عن أبي بن كعب قال له إن هذا لم يكن. فقال عمر: قد علمت ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي -ﷺ- كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو -ﷺ- صلى بأصحابه في رمضان" (^٢).
٣ - أسباب ذم البدع:
قال الشاطبي: "لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها لأن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمى في عماية. وبيان ذلك من جهة النظر، والنقل الشرعي العام. أما النظر فمن وجوه:
أحدهما: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٧، ٥٨٨.
(٢) جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.
[ ١ / ٣٠٣ ]
أن العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلابًا لها، أو مفاسدها، استدفاعًا لها. لأنها دنيوية أو أخروية فالعقل غير مستقل البتة. ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق. ولا يمكن في أحوال الآخرة قبلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي فالابتداع مضاد لهذا الأصل، لأنه ليس مستند شرعي بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادعوه من العقل.
فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها، ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث.
والثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .. فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله:
إن الشريعة لم تتم، وأنه بقى منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.
قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا -ﷺ- خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا.
والثالث: أن المبتدع معاند للشرع ومشاقٌ له، لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهى والوعد والوعيد والخير أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول -ﷺ- رحمة للعالمين. فالمبتدع راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين،
[ ١ / ٣٠٤ ]
كأن الشارع يعلم، ونحن أيضًا نعلم بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمه الشارع.
وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.
وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز -﵁-، إذ كتب له عدى ابن أرطاة يستشره في بعض القدرية، فكتب إليه:
أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه -ﷺ-، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك بما رضى به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ، قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفى، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسن، ولقد قصر عنهم آخرون فقلوا وأنهم بين لك لعلى هدى مستقيم.
والرابع: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجرى على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون. وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس. ولا احتيج إلى بعث الرسل ﵈.
وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرًا ومضاهيًا حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك.
والخامس: أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا
[ ١ / ٣٠٥ ]
الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين" (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "فاعلم أن كل من ابتدع شريعة في دين الله ولو بقصد حسن فإن بدعته هذه مع كونها ضلالة تعتبر طعنًا في دين الله ﷿، تعتبر تكذيبًا لله تعالى في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. لأن هذا المبتدع الذي ابتدع شريعة في دين الله تعالى وليست في دين الله تعالى كأنه يقول -بلسان الحال-: إن الدين لم يكمل لأنه قد بقي عليه هذه الشريعة التي ابتدعها يتقرب بها إلى الله ﷿" (^٢).
٤ - تاريخ ظهور البدع:
قال ابن حجر ﵀: "وَثَبَتَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْد النَّبِيّ -ﷺ- وَأَبي بَكْر وَعُمَر شَيْء مِنْ الأَهْوَاء -يَعْنِي بِدَع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَالْقَدَرِيًّة-" (^٣).
قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀: "وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فعاقب الطائفتين أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر وروى عنه من وجوه كثيرة أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ورواه عنه البخاري في صحيحه" (^٤).
وهذا من حيث ظهور البدْعَة وانتشارها وأما المقالة فقد حَدَثَتْ فِي زَمَن النَّبِيّ -ﷺ-. قال ابن القيم: "وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيّ -ﷺ- مِنْ طَوَائِف أَهْل الْبِدَع: مِنْهُمْ الْخَوَارِج فَإِنَّهُ قَدْ ثبَتَ فِيهِمْ الْحَدِيث مِنْ وُجُوه كُلّهَا صِحَاح. لأَنَّ مَقَالَتهمْ حَدَثَتْ
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي ١/ ٤٦ - ٥٣ باختصار.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٦.
(٣) فتح الباري ١٣/ ٢٥٣، وانظر ٥/ ٢٥٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٧٩.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فِي زَمَن النَّبِيّ -ﷺ-. وَكَلِمَة رَئِيسهمْ. وَأَمَّا الإِرْجَاء، وَالرَّفْض، وَالْقَدَر، وَالتَّجَهُّم، وَالْحُلُول وَغَيْرهَا مِنْ الْبِدَع فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة. وَبِدْعَة الْقَدَر: أَدْرَكَتْ آخِر عَصْر الصَّحَابَة فَأَنْكَرَهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا، كَعَبْدِ الله بْن عُمَر، وَابْن عَبَّاس، وَأَمْثَالهمَا. أَكْثَر مَا يَجِيء مِنْ ذِمَّتهمْ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى الصَّحَابَة: مِنْ قَوْلهمْ فِيهِ. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة الإرْجَاء بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَار التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة التَّجَهُّم بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر التَّابِعِينَ. وَاسْتَفْحَلَ أَمْرهَا، وَاسْتَطَارَ شَرّهَا فِي زَمَن الأَئِمَّة، كَالإِمَامِ أَحْمَد. ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ بِدْعَة الْحُلُول، وَظَهَرَ أَمْرهَا فِي زَمَن الْحُسَيْن الْحَلَّاج. وَكُلَّمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَان بِدْعَة مِنْ هَذِهِ الْبدَع وَغَيْرهَا: أَقَامَ الله لَهَا مِنْ حِزْبه وَجُنْده مَنْ يَرُدّهَا، وَيُحَذِّر الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، نَصِيحَة للهِ وَلكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلأَهْلِ الإِسْلَام. وَجَعَلَهُ مِيرَاثًا يُعْرَف بِهِ حِزْب رَسُول الله -ﷺ- وَوَلِيّ سُنَنه، مِنْ حِزْب الْبِدْعَة وَنَاصِرهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَر لَا يَحْضُرنِي إِسْنَاده "إِنَّ لله عِنْد كُلّ بدْعَة يُكَاد بِهَا الإِسْلَام وَلِيًّا يَنْطِق بِعَلَامَاتِهِ". فَاغْتَنِمُوا تِلْكَ الْمَجَالِس، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الله. فَإِنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ. نَسْأَل الله تَعَالَى أَنْ يَجْعَلنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ يُلْحِقنَا بِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلنَا لَهُمْ خَلَفًا، كَمَا جَعَلَهُمْ لَنَا سَلَفًا بِمَنِّهِ وَكَرَمه" (^١).
٥ - أسباب ظهور البدع:
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:
١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة قلَّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي -ﷺ- بقوله: "من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا" (^٢). وقوله: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن
_________________
(١) عون المعبود مع شرح الحافظ ابن القيم ١٢/ ٤٥٦.
(٢) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦ وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وصحيح
[ ١ / ٣٠٧ ]
يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (^١). فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء فإذا فقدا العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.
٢ - اتباع الهوى: من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.
٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم.
٤ - التشبه بالكفار: هو من أشد ما يوقع في البدع" (^٢).
٦ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم قالوا لا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وهي الشريعة وهي ما أمر الله به ورسوله -ﷺ-؛ لأن القول والعمل والنية الذي لا يكون مسنونًا مشروعًا قد أمر الله به يكون بدعة وكل بدعة ضلالة ليس مما
_________________
(١) = الجامع (٢٥٤٦).
(٢) البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣).
(٣) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١١٢ - ١١٤.
[ ١ / ٣٠٨ ]
يحبه الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب" (^١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة لقوله -ﷺ-: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (^٢)، وقوله -ﷺ-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^٣) وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٤) فدل الحديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة. ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة.
فمنها ما هو كفر صراح: كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها وتقديم الذبائح والنذور لها ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم. وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة.
ومنها ما هو من وسائل الشرك: كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها.
ومنها ما هو فسق اعتقادي: كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية.
ومنها ما هو معصية: كبدعة التبتل والصيام قائمًا في الشمس. والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع" (^٥).
٧ - أثر البدع على التوحيد:
بَيَّنَ الله ﷾ أن الشيطان هو عدو بني آدم وحذر منه فقال ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فعلى العبد أن يتخذه عدوا ويحترز منه ولا يتبع خطواته فإن له
_________________
(١) الاستقامة ٢/ ٣١٠.
(٢) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦ وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وصحيح الجامع (٢٥٤٦).
(٣) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٤) مسلم (١٧١٨) (١٨).
(٥) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٣٠٩ ]
مع الناس عقبات وخطوات ومن عقباته بعد الكفر بالله وبدينه عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله وقد انخدع به كثير من الناس فوقعوا في البدع التي حذر الله ورسوله منها فمن ذلك رفع القبور والبناء عليها وإيقاد السرج والشموع عِنْدَها. وشد الرحال إليها ومن ذلك التبرك بالصالحين وتتبع آثارهم والتوسل بالذوات أو بالجاه ومن ذلك إحداث أعياد لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح ومن ذلك الصلاة لله عند القبر، والذبح لله عند القبر.
والأمور المبتدعة عند القبور مراتب ودركات أشنعها سؤال الميت، والاستغاثة به والسجود له ومن البدع التمسح به وتعظيمه واتخاذه مسجدا وعيدا وإكرامه بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها. وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرِّقاع فيها وأخذ تربتها تبركا والكتابة على القبر، وإفاضة الطيب عليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى وهذه حال من اتبع سبل الشيطان في تحسين المعاصي والبدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفيهم من ينظم القصائد فى دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك فى ضمن مديح الأنبياء والصالحين فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب وكثير من الناس يذكرون فى هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأى أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك" (^١).
وكما أثرت البدع على التوحيد فقد أثرت في السنة فعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٣١٠ ]
الثُّمَالِيِّ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا أَسْمَاءَ، إِنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا النَّاسَ عَلَى أَمْرَيْنِ. قَالَ: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: رَفْعُ الأَيْدِي عَلَى الْمَنَابِرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْقَصَصُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا أَمْثَلُ بِدْعَتِكُمْ عِنْدِي وَلَسْتُ مُجِيبَكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا قَالَ لِمَ قَالَ لأَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قَالَ: "مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنْ السُّنَّةِ" فَتَمَسُّكٌ بسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ" (^١).
وعن حسان بن عطية قال: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه" (^٣).
وقال ابن عثيمين ﵀: "إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترًا في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة، فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٧٠٩٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٨٨: (وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث) وجوّد الحافظ حديثه هذا في الفتح ١٣/ ٢٥٣. قال ابن رجب: "وقد رُوي عن ابن عمر من قوله نحو هذا" جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.
(٢) شرح أصول الاعتقاد (١٢٩) ١/ ١٠٤.
(٣) درء التعارض ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٣١١ ]
لكن الإنسان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع، والذل، والعبادة لرب العالمين، وكمال الاتباع لإمام المتقين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين محمد -ﷺ-" (^١).
٨ - وللعلماء كلام في قبول توبة المبتدع:
فمنهم من قال: يمكن أن يتوب ويستشهد له بما روى أحمد عن عبد الله بن شداد "أن عليًا -﵁- لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف" (^٢).
مع أن الخوارج ورد فيهم من الأحاديث ما لم يرد في غيرهم من الفرق، فهم كلاب النار، وهم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (^٣).
وكذلك توبة أبي الحسن الأشعري مع براعته في معرفة الاعتزال (^٤).
والقول بصحة توبة المبتدع سواء كان داعية أو غير داعية هو قول أكثر أهل العلم (^٥).
ومنهم من قال: من كان عالمًا لا مقلدًا فلا يتوب؛ لأنه زاغ فأزاغ الله قلبه، وأما إذا كان مقلدًا أو عاميًا فيمكن أن يتوب كما رجع بعض الخوارج (^٦).
ومنهم من قال بأن صاحب البدعة ليست له توبة.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٥.
(٢) مسند الإمام أحمد ١/ ٨٦ - ٨٧.
(٣) انظر: حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي ٢/ ٣٩٩.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٦.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٢٥، الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١١٠، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع ١/ ٣٣٠.
(٦) انظر: الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي ١١٤، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٨/ ١٨٦، حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي ٢/ ٤٠٣.
[ ١ / ٣١٢ ]
قال ابن عمر في القدرية: "لو أنفقوا ما في الأرض ذهبًا ما تقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر" (^١).
وقال الحسن البصري: "إن صاحب البدعة لا يقبل له صوم ولا صلاة ولا حج ولا عمرة ولا صدقة ولا جهاد ولا صرف ولا عدل" (^٢).
وفي بدائع الفوائد: "من خط القاضي أبي يعلى: قال أبو الفرج الهمداني سمعت المروزي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي -ﷺ- أن الله احتجز التوبة عن صاحب بدعة وحجب التوبة إيش معناه؟ فقال أحمد: لا يوفق ولا يُيسر حب بدعة لتوبة، وقال النبي -ﷺ- لعائشة لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فقال النبي -ﷺ-: "هم أهل الأهواء والبدع ليست لهم توبة"" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم "أن البدعة لا يتاب منها": أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف أهل البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه " (^٤).
_________________
(١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢/ ٤١٢، الشريعة للآجري ص ٢٠٥.
(٢) الشريعة للآجري ص ٦٤.
(٣) بدائع الفوائد ٤/ ٤٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٩، التحفة العراقية ١/ ٣٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
٩ - موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة:
لقد كان أئمة السلف حريصين كل الحرص على مواجهة البدعة والرد على المبتدعة والتحذير من البدع عموما ويحصل ذلك إما بالمناصحة أو الإنكار أو ببيان حاله والتحذير منه والرد عليه أو يكون بالهجر فإن أصر على بدعته ودعا إليها لإضلال الناس فإن أكثر السلف يأمرون بردعه وإنزال العقوبة به لأجل إفساده في الدين وإليك بيان ذلك بنقول عنهم:
عن أيوب قال: "لقيني سعيد بن جبير فقال: ألم أرك مع طلق؟ قلت: بلى فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجيء. قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للرجل المسلم إذا رأى من أخيه شيئًا يكرهه أن ينصحه" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وان يهجر وبذم على ذلك فهذا معنى قولهم ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له بخلاف من كان مستترًا بذنبه مستخفيًا فان هذا يستر عليه، لكن ينصح سرًا ويهجره من عرف حاله حتى يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة" (^٢).
وقال ﵀: " وقال بعضهم لأحمد بن حنبل إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟
ومثل ذلك أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في
_________________
(١) البدع لمحمد بن وضاح ص ٥٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٢٠.
[ ١ / ٣١٤ ]
أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.
فبَيَّنَ أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً وأعداء الدين نوعان: الكفار والمنافقون، وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في آيتين من القرآن، فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعًا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تُبيَّن للناس فسد أمرُ الكتاب وبُدِّل الدين كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله" (^١).
ومما جاء عن الأئمة في تعليقه على الداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا لأن المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة القسط كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس لأجل إفساده في الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر " (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٣١ - ٢٣٢، وانظر للاستزادة حول ذلك محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٧ للشيخ صالح الفوزان.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٠٠.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقال ﵀: "والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله" (^١).
وقال أيضًا: "وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنه رسول الله -ﷺ- وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله؛ ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب وبذلك مضت سنة رسول الله -ﷺ-؛ حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم وشهد لبعض المصرّين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته وأخبر عن ذي الخويصرة وأصحابه مع عبادتهم وورعهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" (^٢).
وقال: "وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روى عنهما أعني عمر وعلي قتلهما أيضًا والفقهاء، وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة وإن كان أحدهم إذا قُدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به، وهذه النصوص المتواترة عن النبي -ﷺ- في
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤١٣ - ٤١٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٧٠، ٤٧١.
[ ١ / ٣١٦ ]
الخوارج قد أدخل فيها العلماء لفظًا أو معنى من كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله -ﷺ- وجماعة المسلمين؛ بل بعض هؤلاء شر من الخوارج الحرورية مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد في بشر أنه إله أو في غير الأنبياء أنه نبي وقاتل على ذلك المسلمين فهو شر من الخوارج الحرورية، والنبي إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده بل أولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه" (^١).
وقال: "وجوَّز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وكذلك كثير من أصحاب مالك وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة" (^٢).
١٠ - وقد كان أئمة السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع أو سماع كلامهم:
قال محمد بن طلحة: "قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم" (^٣).
وعن محمد بن مسلم قال: "أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران لا تجالس أصحاب الأهواء فتسمع منهم كلمة فترديك فتضلك فتدخلك النار" (^٤).
وعن محمد بن عجلان قال قال ابن مسعود: "من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة السلطان ومجالسة أصحاب الأهواء فإن مجالستهم الصق من الجرب" (^٥).
وعن الحسن البصري قال: "لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٧٥ - ٤٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٤٦.
(٣) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩.
(٤) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩.
(٥) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩، ٥٠.
[ ١ / ٣١٧ ]
عليه فتهلك أو تخالفه فيمرض قلبك" (^١).
وقال الأوزاعي: "لا تمكّنوا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته ارتيابًا" (^٢). وسوف يأتي زيادة تفصيل عن هجر أهل البدع في باب (الهجر).
١١ - حكم تكفير الداعي إلى البدعة المكفرة:
قال المجد ﵀: "الصحيح: أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو علم الله سبحانه مخلوق، أو أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد ونحو ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع، يدعو إليه، ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع" (^٣).
وقال الشيخ أبا بطين: "مع أن قول الشيخ (^٤) ﵀ في عدم تكفير الجهمية ونحوهم، خلاف المشهور في المذهب، فإن الصحيح من المذهب: تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية ونحو ذلك" (^٥).