التألي لغة: من الأليّة بتشديد الياء المثناة من تحت أي اليمين (^١)، يقال آلى يولي إيلاء، وتألَّى يتألَّى تألِّيًا، والاسم الألية.
وشرعًا: الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله (^٢).
* الدليل من السنة: عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ -ﷺ- حَدَّثَ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَالله لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ وَإِنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذا الَّذِي يَتَألَّى عَلَيَّ أَنْ لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ" (^٣).
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (^٤).
* حكمه: قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ عن الحديث السابق: "فيه تحريم الإدلال على الله ووجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية ويعامل ريه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية" (^٥).
قال ابن عثيمين ﵀: "من تألّى على الله ﷿ فقد أساء الأدب معه وتحجر
_________________
(١) * فتح المجيد ٦٠١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٨. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٦٠ ط ٢ - ٣/ ٣٢٦ ومن المجموع ١٠/ ١٠٨٥. مسائل الإمام أحمد للأحمدي ١/ ٤٠٢.
(٢) انظر مختار الصحاح باب (أ ل ا).
(٣) حاشية كتاب التوحيد ص ٣٨٨.
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٢١).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٩٠١).
(٦) حاشية على كتاب التوحيد ص ٣٨٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]
فضله، وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه" (^١).
وأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال -ﷺ-: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (^٢).
* فائدة: ومما يحسن ذكره هنا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل الجنة أو النار.
يقول أبو إسماعيل الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم" (^٣).
وقال الإمام أحمد ﵀: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله" (^٤).
ويستثنى من ذلك: من شهد لهم رسول الله -ﷺ- من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، حيث روى الترمذي بسنده عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة ابن الجراح في الجنة" (^٥).
قال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد بن مسرهد: "وأن نشهد للعشرة بالجنة وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٨٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٦٣.
(٢) انظر حاشية على كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٨.
(٣) عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٨٢.
(٤) طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٥) أخرجه الترمذي برقم (٣٧٤٧).
[ ١ / ٣٣٩ ]
الرحمن بن عوف الزهري، وأبو عبيدة ابن الجراح" (^١).
وقال: "ولا ننزل أحدًا من أهل القبلة جنة ولا نارًا إلا من شهد له رسول الله -ﷺ- بالجنة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الشهادة لرجل بعينه بأنه من أهل النار أو الجنة فليس لأحد ذلك إلا بنص صحيح يوجب، كالعشرة الذين بشرهم الصادق -ﷺ- بالجنة ومنهم من جوز ذلك لمن استفاض في الأمة الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز -﵁- وأمثاله" (^٣). وقال أيضًا: "وأما توقف الناس في القطع بالجنة فلخوف الخاتمة" (^٤).
وقال شارح الطحاوية: "لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من أخبر الصادق -ﷺ- إنه من أهل الجنة كالعشرة -﵃- وغيرهم، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به. ولكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين" (^٥).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه مغفور له أو مرحوم أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، وأن عقيدة أهل السنة
_________________
(١) هو عامر بن عبد الله بن الجراح مات بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة.
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٣١٢، ١٣٣.
(٣) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٠٩ وعزاها لكتاب مختصر الفتاوى ص ٢٥٧.
(٤) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١١٠ وعزاها لكتاب مختصر الفتاوى ص ٢٥٧.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب أو شهد له رسول الله -ﷺ- بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، لذا ينبغي أن يقال بدلا منها: "غفر الله له" أو "﵀" أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت" (^١).
ومن هذا الباب الشهادة لشخص معين بأنه شهيد. قال الشيخ ابن عثيمين: "فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي -ﷺ- أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا بقوله: "باب لا يقال فلان شهيد" قال في الفتح ٦/ ٩٠: أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته: ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله -ﷺ-: "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد". وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر. اهـ كلامه.
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي مشيرًا إلى ذلك: "مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله" (^٢). وقال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك" (^٣) رواهما البخاري من حديث أبي هريرة. ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن" (^٤).
_________________
(١) فتاوى ابن باز ص ٧٣٧.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٨٧) من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٠٣).
(٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٦، الجواب المختار لهداية المحتار لابن عثيمين ص ٦٥.
[ ١ / ٣٤١ ]