التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- واجب ويجب الرضا بذلك والتسليم له، ومن اختار التحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية فليس بمؤمن وإن ادعى أنه يقصد الإصلاح، ومن تحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو متحاكم إلى الطاغوت وإن سماه بأي اسم كالنظام والقانون وغير ذلك.
وها هنا أربع مسائل متصلة ببعضها، وينبغي التفريق بينها:
١ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
٢ - المُشرِّع الذي يضع القانون والأحكام.
٣ - الحكم بغير ما أنزل الله.
٤ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله.
فأما المسألة الأولى: فسوف يأتي الكلام عن خطرها وأحكامها في باب (طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله).
وأما المسألة الثانية: فهو المُشرِّع الذي يضاهي حكم الله بما وضع من قوانين وأحكام تخالف حكم الله ورسوله وهذا كافر بالله -﷿- كفرًا أكبر.
والمسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله فهو ما يقضي به الحاكم أو القاضي أو
_________________
(١) * مجموع الفتاوى ٣/ ٢٦٧. أعلام الموقعين ١/ ٥٠. البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ١١٨. تفسير ابن كثير من الآية ص ٢٥٦ من سورة النساء تعليق أحمد شاكر. الدرر السنية ١٠/ ٢٥٢، أضواء البيان ٤/ ٩٠، ٩٣. تيسير العزيز الحميد ص ٥٦١. فتح المجيد ص ٤٦١ حاشية كتاب الوحيد لابن قاسم ص ٢٨٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٧٥ ط ٢ - ٢/ ٣٣٤ ومن المجموع ١٠/ ٧٤٩. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٤٤. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٠ شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٧٧. شرح مسائل الجاهلية ص ١١١. الحكم بغير ما أنزل الله د: عبد الرحمن المحمود. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٢٩٤ وما بعدها.
[ ١ / ٣٧٩ ]
من ولي أمرا يحكم فيه فهذا فيه تفصيل يأتي في باب (الحكم بغير ما أنزل الله.
أما المسألة الرابعة: التحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو أن يعمد المرء إلى تحكيم غير شرع الله مريدا به الفصل في قضايا أو قضية معينة مختارا دون عارض كإكراه وله صور سوف نأتي على ذكرها في آخر الباب.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
قال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد عَرف أنه لا يأخُذُ الرّشوة. وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرّشوة. فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ (^١).
وقيل نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي -ﷺ-. وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله -ﷺ-: أكذلك، قال: نعم فضربه بالسيف فقتله (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير ٥/ ١٥٢، ١٥٣، رقم (٩٨٩١، ٩٨٩٢، ٩٨٩٣) قال ابن حجر: بإسناد صحيح. فتح الباري ٥/ ٣٧.
(٢) أخرجه الثعلبي كما في الدر المنثور والكلبي كما في فتح الباري عن ابن عباس قال ابن حجر: وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا لكن تقوى بطريق مجاهد. وأخرجه الطبري في التفسير (٥/ ١٥٤) رقم (٩٩٠١) بإسناد صحيح. انظر فتح المجيد ص ٤٧١.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال -﷿-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ [النور: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
* الدليل من السنة: عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" (^١).
وعن ابن عَبَّاسٍ -﵁- قال: خطب رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع فقال: "يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم، ما إن اعتصمتم به فلن تضلو أبدا، كتاب الله
_________________
(١) قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٩٣. وقال ابن رجب: "تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه ذكرها وتعقبه بعضهم" المصدر السابق ٢/ ٣٩٤. قال الشيخ سليمان بن عبد الله ومعناه صحيح قطعا وإن لم يصح إسناده وأصله في القرآن كثير. تيسير العزيز الحميد ٥٧٤، وكان سماحة الشيخ العزيز بن باز يستدل به كما في كتابه "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه" ضمن مجموع الفتاوى ٣/ ١٠٠٥.
[ ١ / ٣٨١ ]
وسنتي" (^١).
* أقوال العلماء في التحاكم إلى غير ما أنزل الله:
يتبين حكم التحاكم إلى غير ما أنزل الله بالنظر إلى سبب نزول الآيات في ذلك، وقد تقدم سبب ذلك وذكر ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أن الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا بل نحاكمكم إلى كعب فذلك قوله يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت (^٢).
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]: "في هذه يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -ﷺ- في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا" (^٣).
ويقول ابن القيم عن هذه الآية: "أقسم الله سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٣٩٥) والحاكم ١/ ٩٣، والبيهقي ١٠/ ١١٤.
(٢) تفسير ابن جرير الطبري (٥/ ١٥٤).
(٣) تفسير ابن كثير للآية ٦٥ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض" (^١).
ويقول شيخ الإسلام: "فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة" (^٢).
وقال العلامة ابن القيم: "من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول -ﷺ- فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه" (^٣).
ونقل الحافظ ابن كثير في تاريخه -البداية والنهاية- قال: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (^٤).
وذكر هذه المسألة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀- في كتاب التوحيد ضمن باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ حيث ذكر من نصوص الباب قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، ولم يكتف بهذا بل عقد لها بابًا مستقلًا فقال: "باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله" وذكر فيه
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٠.
(٢) منهاج السنة ٥/ ١٣١.
(٣) أعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٥٠.
(٤) الياسا أو الياسق هو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها ملك التتار من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية، انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٦٧. البداية والنهاية ١٣/ ١١٨، ١١٩.
[ ١ / ٣٨٣ ]
بعض الآثار وحديث عدي بن حاتم، ثم عقد بابًا بعده فقال: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وذكر آيات وآثار عن السلف.
والذين شرحوا كتاب التوحيد ربطوا بين هذين البابين وقضية التوحيد والإقرار بالشهادتين. قال الشيخ سليمان بن عبد الله في باب من أطاع العلماء والأمراء : "لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﵈ نبه المصنف -رحمه الله تعالى- بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الجلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول -ﷺ- -فإنه لا ينطق عن الهوى- فهو مشرك كما بينه تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] وفسرها النبي -ﷺ- بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام" (^١).
وقال معلقًا على الباب الثاني: "لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملًا على الإيمان بالرسول -ﷺ- مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان ولهذا جعلهما النبي -ﷺ- ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمس" .. نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول -ﷺ- في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٣.
[ ١ / ٣٨٤ ]
عرف أن لا إله إلا الله فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد -ﷺ-. فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول -ﷺ- في موارد النزاع فقد كذب في شهادته" (^١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: "من تحاكم إلى غير كتاب، وسنة رسوله -ﷺ- بعد التعريف، فهو كافر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] ". ثم ذكر الأدلة (^٢).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين: "وقد نفى الله -﷾- الإيمان عن من لم يحكموا النبي -ﷺ- فيما شجر بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ولم يكتف اللهَ تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول -ﷺ- حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. والحرج: الضيق. بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضمُّوا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه -ﷺ- بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٢) الدرر السنية ١٠/ ٤٢٦.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ذلك إلى الحكم الحق أتمَّ تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه: ﴿تَسْلِيمًا﴾. المبيِّن أنّه لا يُكتفى ها هنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المطلق" (^١).
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي -﵀-: "ومن كان منتسبًا للإسلام عالمًا بأحكامه ثم وضع للناس أحكامًا وهيأ لهم نظمًا؛ ليعملوا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر خارج من ملة الإسلام.
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
وكذا من يتولَّى الحكم بها وطبقها في القضايا ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله، لكن بعضهم يضع تشريعًا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبيّنه.
وبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو وَلِيَ الحكم به بين الناس أو نَفَّذ الحكم بمقتضاه.
وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانًا. فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدَّق عليهم إبليسُ ظنَّهُ فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد والكفر والطغيان؛ ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه مع
_________________
(١) تحكيم القوانين، ص ٥، ٦.
[ ١ / ٣٨٦ ]
إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلهًا؛ فصدق فيهم قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣] (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -﵀-: "إن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب ونحوه" (^٢).
وسئل رحمه الله تعالى: "عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق، ويقول: هذا شرع البندق، وهو ناظر على مدرسة وفقهاء: فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذي يذكره تسقط عدالته من النظر أم لا؟ وهل يجب على حاكم المسلمين الذي يثبت عدالته عنده إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذي لم يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من النظر أم لا؟
فأجاب: الحمد لله. ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ
_________________
(١) شبهات حول السنة ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله ص ٦٤، ٦٥.
(٢) الصارم المسلول ص ٣٩، ومختصر الصواعق ٢/ ٣٥٣.
[ ١ / ٣٨٧ ]
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق، أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله، وحكم الله ورسوله ذلك، وهو يعلم ذلك فهو من جنس التتار الذين يقدِّمون حكم "الياساق" على حكم الله ورسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه، ووجب أن يمنع من النظر في الوقف. والله أعلم" (^١).
وفي قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. قال القرطبي: "قال أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضى به فهو كافر وهذه حالة اليهود" (^٢)، فالذي لا يريد حكم الله ولا يقبله، ويقبل حكمًا آخر غير حكم الله وشرعًا آخر غير شرع الله من أصحاب النفاق الأكبر.
* فالتحاكم إلى غير الله كفر أكبر ولو ادعى صاحبه الإسلام لأن المسلم هو المستسلم للحق المنقاد له.
قال الشيخ السعدي: "فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور. فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك" (^٣).
وفي حديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا" (^٤) وحديث: "من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا اللهِ " [وفيه]
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤٠٧، ٤٠٨.
(٢) تفسير القرطبي ٦/ ١٨٨.
(٣) تفسير السعدي ٢/ ٩٠.
(٤) رواه مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا .. ورقمه ٣٤.
[ ١ / ٣٨٨ ]
"رضيت بالله" (^١) قال ابن القيم: "وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي، وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضى برسوله والانقياد له، والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقًا. وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان .. " (^٢).
وقال: "وأما الرضى بنبيه رسولًا؛ فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة " (^٣).
وقال: "وأما الرضى بدينه؛ فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضى، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواه، أو قول مقلده وشيخه وطائفته" (^٤).
ولا بد مع الانقياد أن يتبرأ من الشرك والطاغوت والمتحاكم إلى غير شرع الله منقاد إلى الطاغوت لا إلى الله.
قال ابن القيم: "أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الصلاة. باب استحباب القول مثل قول المؤذن. ورقمه ٣٨٦.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ١٧٣.
(٥) إعلام الموقعين ١/ ٥٠ ط. دار الفكر.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة وذكر منهم: "الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠] " (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآيات [٦٥ - ٦٦] قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا" (^٢).
وقال الشيخ السعدي: "كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: ﴿اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما ذكر في الآية بعدها .. فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك" (^٣).
وقال أيضًا -﵀-: "وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب.
فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، وفي
_________________
(١) الدرر السنية ١/ ١٦١، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول - العقيدة ص ٣٣٧.
(٢) تفسير ابن كثير ١/ ٥٢٠.
(٣) تفسير ابن سعدي للآية ٥٩، ٦٠ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٩٠ ]
كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر.
فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت" (^١).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: "فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له" (^٢).
وقال -﵀-:- "كما أجمعوا -أي العلماء- على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد -ﷺ- أو تحكيم غيرا فهو كافر ضال" (^٣).
* بعض صور التحاكم:
لهذا التحاكم صور منها: التحاكم إلى شريعة البشر والرضا بما يقضون به.
ومن هذا النوع ما يسمى بالقضاء العشائري الذي تجتمع فيه العشيرة على بعض النظم، وتجعلها عِنْدَ كبيرهم ليقضي بموجبها، وهذا النوع موجود بكثرة (^٤).
فهذا كله تحاكم إلى الطاغوت وأفتت اللجنة الدائمة بمثل هذا حيث قالت: "المراد بالطاغوت في الآية كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه -ﷺ- إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن ومن ذي يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت" (^٥).
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد ص ١١٣.
(٢) فتاوى وتنبيهات ونصائح ص ١٢٢.
(٣) فتاوى وتنبيهات ونصائح ص ١٣٥.
(٤) انظر شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٨٠.
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز -﵀- ١/ ٥٤٢.
[ ١ / ٣٩١ ]
وقد كتب شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- رسالة في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، قال في مقدمتها: "كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله من العرّافين والكهان وكبار عشائر البادية ورجال القانون الوضعي وأشباههم جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندةً ومحادّة لله ورسوله من آخرين" (^١).
وقال -﵀-: "إذا عُلم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله -﷿- وهو كفر وظلم وفسق" (^٢).
* شبهة وردُّها: في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال بعضهم: الإرادة لا تحصل إلا بالباطن ولا يعلم أحد به؛ لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلا بتوفر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل.
وأجابت اللجنة الدائمة عن ذلك أن "المراد بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ما صحبه فعل أو قرائن وإمارات تدل على القصد والإرادة بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ ويدل على ذلك أيضًا سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية وكذلك المتابعة دليل الرضا وبذلك يزول الإشكال القائل إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلا بعلمها منه وهو غير حاصل" (^٣).
_________________
(١) وجوب تحكيم شرع الله ص ٤.
(٢) المصدر السابق ص ١١.
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز -﵀- ١/ ٥٤٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
* مسألة في التحاكم إلى القوانين إذا كان في بلاد الكفر:
الذين في بلد يحكم فيها بغير شرع الله كالتي يحكم فيها بالقانون فإن على المسلمين عدم التحاكم إليهم وإنما يُنصِّبون قاضيًا مسلمًا يتحاكمون إليه أما في حالة الضرورة فقد ورد سؤال إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي -﵀- هذا نصه:
(ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟).
فأجاب بقوله: "بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، أما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه" (^١).
وسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز -﵀- عن حكم المتحاكم إلى من يحكم بالقوانين الوضعية إذا كانت المحاكم في بلده كلها تحكم بالقوانين الوضعية ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا إذا تحاكم إليها هل يكون كافرًا؟
فأجاب: "أفيدك بأنه إذا اضطر إلى ذلك لا يكون كافرًا، ولكن ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك، وليس له أن يأخذ خلاف ما يحله الشرع المطهر" (^٢).
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه (أي: إلى القانون) بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون، أو أنه عَلِمَ أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاضٍ قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك فهذا الأصح أيضًا -عندي- أنه جائز.
_________________
(١) فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ١/ ١٦٦.
(٢) فتاوى الشيخ ابن باز ٢٣/ ٢١٤، وانظر فتاوى اللجنة الدائمة ٢٣/ ٥٠٢، ٥٠٣.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله -جل وعلا- وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ [النور: ٤٩] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله -جل وعلا- له مشروعًا فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعًا" (^١).
* آثار التحاكم إلى غير الله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن الله -﷾- هو الحَكم الذي يحكم بين عباده والحكم له وحده، وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم، فمن أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة، ومن عصى الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب" (^٢).
وقال ابن القيم -﵀-: "فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله -ﷺ- هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود المطاع. والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول -ﷺ-، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك سببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله" (^٣).
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٤٣٠، ٤٣١.
(٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٦١، ٣٦٣، وانظر ٣٧٢، ٣٨٣.
(٣) بدائع الفوائد ٣/ ١٧ وقد قال ذلك في معرض ذكره لأقوال المفسرين في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وانظر الفوائد ص ٤٨.
[ ١ / ٣٩٤ ]
والناظر في حال البلاد التي تتحاكم إلى غير شرع الله يرى أثر التحاكم إلى غير الله على بلادهم.
ويقول الشيخ أحمد شاكر: "نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها نقلت عن أوربا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر" (^١).
وقال -﵀- في موضع آخر: " فكان عن هذا أن امتلأت السجون في بلادنا وحدها بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة، ولكن تكون أبدًا رادعة ولن تكون أبدًا علاجًا لهذا الداء المستشرى وإنهم جاءوا في التطبيق يلتمسون الأعذار من (علم النفس) لكل لص بحسبه، ثم زاد الأمر شرًا أن يكتب اللصوص أنفسهم كلامًا يلتمسون به الأعذار لجرمهم، وقام المدافعون (المحامون) عنهم المقامات التي توردهم النار، يعلمون أن الجريمة ثابتة فلا يحاولون إنكارها، بل يحاولون التهوين من شأنها بدراسة "نفسية المجرم وظروف" " (^٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: "ولهذا كان من مقتضى رحمته وحكمته -﷾- أن يكون التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه، لأنه سبحانه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز الجهل، فهو سبحانه الحكيم العليم اللطيف الخبير، يعلم أحوال العباد وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشئون الحياة،
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦/ ٣٠٣ ط. دار المعارف.
(٢) عمدة التفاسير ١/ ١٧١، وانظر كلام شيخ الإسلام بالدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري في كتاب موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ٤/ ٢٨١، ط الحلبي.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ليتحقق لهم العدل والخير والسعادة، بل والرضا والاطمئنان النفسي والراحة القلبية، ذلك أن العبد إذا علم أن الحكم أصدر في قضية يخاصم فيها، هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قبل ورضى وسلم، حتى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد؛ بخلاف ما إذا علم أن الحكم صادر عن أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم، فإنه لا يرضى ويستمر في المطالبة والمخاصمة، ولذلك لا ينقطع النزاع، ويدوم الخلاف.
وإن الله -﷾- إذ يوجب على العباد التحاكم إلى وحيه، رحمة بهم وإحسانًا إليهم، فإنه سبحانه بين الطريق العام لذلك أتم بيان وأوضحه؛ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ " (^١).