تعريفه: هو من جملة الأسباب المشروعة في طلب العلاج وسبب ذكره هنا لمعرفة علاقته بالتوكل وهل هو ينافيه أولا؟. وسوف يأتي الكلام عن حكمه إن شاء الله.
* الدليل من السنة: حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء" (^١).
وفي رواية عند أحمد زيادة: "عَلِمه من علمه، وجهله من جهله" (^٢).
وروى جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواءٌ الداءَ برأ بإذن الله تعالى" (^٣).
وعن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي -ﷺ- وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله؛ نتداوى؟ فقال: "نعم تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد، الهرم" (^٤).
قال ابن القيم: "فيه تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٦٥ - ٦٦، ٢١/ ٢٤٢، ٢/ ٢٢٧، ٥/ ٢٨٣ - ٢٧٣. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣١ - ٦١، الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٥ - ٤٥. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٩٠. زاد المعاد لابن القيم ٤/ ١٥.الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٩٧. الدرر السنية ٥/ ٨٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٢٦ - ١٢٧. تيسر العزيز الحميد ص ١١١.
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦٤٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٤).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦٤٥).
[ ١ / ٣٩٧ ]
الدواء، والتفتيش عليه" (^١).
وقال -﵀-: "فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها" (^٢).
* أحكام وفوائد:
١ - حكم التداوي:
حكى بعض العلماء الإجماع على جوازه (^٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -﵀-: "وقد اختلف العلماء في التداوي: هل هو مباح، وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟.
فالمشهور عن أحمد الأول؛ لهذا الحديث (^٤) وما في معناه.
والمشهور عند الشافعية الثاني، حتى ذكر النووي -في شرح مسلم- أنه مذهبهم، ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف (^٥).
واختاره الوزير أبو المظفر قال: ومذهب أبي حنيفة: أنه مؤكد حتى يُداني به الوجوب، قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال: لا بأس بالتداوي، ولا بأس بتركه (^٦).
وقال شيخ الإسلام: "ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفةٌ قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد" (^٧) " (١).
_________________
(١) زاد المعاد ٤/ ١٧.
(٢) زاد المعاد ص ٤/ ١٤.
(٣) الطب النبوي للحافظ أبي عبد الله محمد الذهبي ص ٢٢٠.
(٤) يقصد حديث السبعين ألفًا.
(٥) المنهاج للنووي ١٤/ ١٩١.
(٦) ينظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٦٥.
(٧) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٦٩. وانظر ٢١/ ٥٦٣ - ٥٦٤.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وقال الشيخ ابن باز -﵀-: "يجوز التداوي اتفاقًا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك؛ ليشخِّص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعًا حسب ما يعرفه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله -﷾- الداء وأنزل معه الدواء عرف ذلك مَنْ عرفه وجهله مَنْ جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرَّمه عليهم" (^١).
قال العلامة الإمام ابن عثيمين -﵀-: "والصحيح:
١ - أن ما علم أو غلب على الظن نفعه -يعني التداوي- مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب.
٢ - ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل.
٣ - ما تساوى فيه الأمران، فتركه أفضل" (¬٢).
٢ - حكم التداوي قبل وقوع الداء:
سُئل الشيخ الإمام ابن باز -﵀- عن حكم التداوي قبل وقوع الدء كالتطعيم؟ فقال: "لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه لقول النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: "من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم" (^٣). وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرض وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان لا بأس بذلك من باب الدفاع كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد
_________________
(١) فتح المجيد ص ٩٧.
(٢) حراسة التوحيد ص ٧٩.
(٣) الشرح الممتع ٥/ ٣٠١.
[ ١ / ٣٩٩ ]
المرض أو الجن أو العين لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك. وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر، فالواجب الحذر من ذلك" (^١).
٣ - علاقة التداوي بالتوكل:
قال ابن القيم -﵀- "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتهما قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلا للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: "وقد اختلف العلماء هل الأفضل عدم التداوي والاعتماد على الله -﷿- أو التداوي، والمسألة فيها تفصيل: فإذا كان هذا الدواء مما يرجى نفعه فإن استعماله مطلوب ومندوب إليه، لقوله -ﷺ-: "تداووا ولا تداووا بحرام" (^٣).
وإذا كان مما يتيقن نفعه فإنه يجب، مثل لو أصيب الإنسان بزائدة، ثم قرر الأطباء أنه إذا لم يستأصلها مات، وأن التداوي بفتح بطنه، وقطع هذه الزائدة أمر لا يضره، فإننا نقول في هذه الحال، يجب عليه أن يتداوى بهذه الطريقة.
وأما الشيء المحرم فإننا نعلم أنه لا مصلحة فيه أبدًا" (^٤).
_________________
(١) مجموعة فتاوى ابن باز ص ٤٩٥.
(٢) زاد المعاد ٤/ ١٥.
(٣) سنن أبي داود (٣٨٧٤).
(٤) فتاوى منار الإسلام ص ٧٤٨.
[ ١ / ٤٠٠ ]
فالتداوي من الأسباب المباحة الجائزة فلا يقدح في التوكل مع الاعتماد على الله لا على السبب، وسيأتي مزيد بحث في باب (السبب).
والتداوي يكون بالرقى ويكون بالكي ويكون بالطبيب وبالعلاجات المعروفة، وبعض العلماء كره التداوي بالرقى والكي مستدلين بحديث السبعين ألفًا.
قال ابن حجر -﵀- عند شرحه لهذا الحديث: "والغرض منه قوله: "هم الذي لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون" فتمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما" (^١).
ثم ذكر الحافظ -﵀- أجوبة العلماء عن ذلك، انظر ص ٢١١ وما بعدها.
والاسترقاء والاكتواء من الأسباب المكروهة وهما جائزان، لكنهما ينافيان تمام التوكل على الله.
ومن العلماء من قال: إن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضى والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وهذا يفهم من كلام ابن الأثير -﵀- حيث قال: "وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رُخِّص له في الرقية والعلاج والدواء" (^٢).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٢١١.
(٢) النهاية لابن الأثير (ر ق ى).
[ ١ / ٤٠١ ]