الصور جمع صورة وصوَّره أي جعل له صورة مجسمة وصور الشيء أو الشخص رسمه على الورق أو الحائط ونحوهما (^١) فيدخل في التصوير النقش والتجسيم والرسم بالقلم أو بآلة حديد، والتصاوير: التماثيل (^٢) وقد قسّم العلماء الصور إلى قسمين:
١ - الصور التي لا ظل لها وهي الرسم فقط أو الصور الشمسية أو ما تسمى بـ (الصور الفوتوغرافية) الموضوعة على الورق أو على الجدار أو على البساط والفراش أو على الأنماط والوسادة، وما إلى ذلك.
٢ - الصور التي لها ظل، وهي المصنوعة من جبس أو خشب منجورة أو منقوشة أو من نحاس أو من جلد مدبوغ أو غير ذلك من الصور وهي ما تسمى بـ (التماثيل).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣، شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٢٥، الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٨٠، ٤٨٥، ٥١٩، الدرر السنية ١٠/ ٣٣٨، ١٥/ ٢٩٥ - ٣٣١، فتح المجيد ص ٥٧٧، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٧١، القول السديد لابن سعدي من مجموعه ٣/ ٥١، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٥٣ - ٢٨٧، ١٠/ ١٠٢٣. القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٩٩، الدين الخالص ٢/ ٢٢٦ - ٤٠٨، الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة للسعدي ص ٨٥ - ٨٦، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٤٥٤، الجواب المفيد في حكم التصوير لابن باز، مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٨٣٤، ٨٩٥، نور على الدرب ٣٢٥، ٣٣٧، آداب الزفاف للألباني ١٠٣، إعلان النكير على المفتونين بالتصوير للشيخ حمود التويجري، الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام للفوزان ٤٤، عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ٢٢٢، ٢٢٩، تحريم التصوير الفوتغرافي لأحمد آل عبد الكريم، التنوير فيما ورد في حكم التصوير لمحمد الغفيلي، أحكام التصوير في الفقه الإسلامي لمحمد بن أحمد علي واصل.
(٢) القاموس الفقهي ١/ ٢١٨، المعجم الوسيط ص ٥٢٨.
(٣) مختار الصحاح ص ٢٧٨.
[ ١ / ٤٣١ ]
قال ابن منظور في لسان العرب: "والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل. ومثّل له الشيءَ: صوره حتى كأنه ينظرُ إليه. ومثلتُ له كذا تمثيلًا إذا صورْت لهُ مِثاله بكتابةٍ وغيرها. وظل كل شيءٍ تمثالُهُ، ومثَّل الشيءَ بالشيءِ: سواه وشبَّهَهُ به، وجعله مثله، وعلى مثاله.
والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا به واسم ذلك المُمَثّل تمثال" (^١).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
قال عكرمة: "نزلت في المصورين" ذكره البغوي، في تفسيره (^٢) وابن كثير (^٣)، ورواه أبو نعيم في الحلية.
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "قَالَ اللهُ -﷿- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً (^٤)، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (م ث ل)، مادة: مثل. انظر للاستزادة التنوير فيما ورد في حكم التصوير ص ١١، ١٢.
(٢) انظر: تفسيرالبغوي ٣/ ٥٤٣، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٥١٧، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
(٤) الذرة بفتح المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر، وهو صغار النمل ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة، والمراد بالحبة حبة القمح، بقرينة ذكر الشعير، أو الحبة أعم. والغرض تعجيزهم، تارة بتكليفهم خلق حيوان، وهو أشد، وأخرى بتكليفهم خلق جماد، وهو أهون، ومع ذلك فلا قدرة لهم على شيء منه. وقد يشكل هذا الحديث فيقال: كيف يجمع بين
[ ١ / ٤٣٢ ]
شَعِيرَةً" (^١).
عن ابن مسعود -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" (^٢).
وعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄- أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" (^٣).
وروى البخاري عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْمُصَوِّرَ (^٤).
وعن ابن عباس -﵄- قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ" (^٥).
وخرّج مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاس فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-،
_________________
(١) هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]. الجواب من وجهين: الأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم. الثاني: أن الأظلمية نسبية أي أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل (ابن عثيمين ص ٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٥٩)، (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨).
(٥) أخرجه البخاري (٥٩٦٢).
(٦) أخرجه البخاري (٢٢٢٥) (٥٩٦٣)، ومسلم (٢١١٠).
[ ١ / ٤٣٣ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ" وقَالَ: "إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ" (^١).
وخرج الترمذي في جامعه، وقال حسن صحيح عن أبي الزبير عن جابر -﵁- قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن الصورة في البيت ونهى أن يصنع ذلك" (^٢).
وعن عائشة -﵂- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (^٣) لِي بِقِرَامٍ (^٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (^٥) فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ (^٦) بخَلْقِ اللهِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١١٠). قال النووي: "وأما قوله في رواية ابن عباس (يَجعل له) فهو بفتح الياء من (يَجعل) والفاعل: هو الله تعالى، أُضمر للعلم به قال القاضي في رواية ابن عباس: يحتمل أن معناها أن الصورة التي صورها هي تعذبه بعد أن يجعل فيها روح وتكون الباء في (بكل) بمعنى (في) قال: ويحتمل أن يجعل له بعدد كل صورة ومكانها شخص يعذبه وتكون "الباء" بمعنى "لام السبب") شرح النووي ١٤/ ٩٠.
(٢) أخرجه الترمذي (١٧٤٩)، والإمام أحمد (١٤٦٥٠) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) بيت صغير علقت الستر عليه.
(٤) بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر فيه رقم ونقش.
(٥) جمع تمثال: وهو الشيء المصور ويكون نقشًا أو دهانًا أو نسجًا في ثوب.
(٦) أي يشابهون. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ١٠/ ٣٢٢: "وقد استشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون وأجاب الطبري: بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط. وأجاب غيره: بأن الرواية بإثبات "من" ثابتة، وبحذفها محمولة عليها، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابًا كان مشتركًا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد. وقوى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو قتله نبيٌّ، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين" وكذا أخرجه أحمد. وقد وقع بعض هذه الزيادة في رواية ابن أبي عمر التي أشرت =
[ ١ / ٤٣٤ ]
فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ (^١).
وعنها قالت: قَدِمَ النبي -ﷺ- من سفر وعلقت درنوكًا (^٢) فيه تماثيل، فأمرني أن أنزعه فنزعته. رواه البخاري (^٣). ورواه مسلم بلفظ: "وقد سترت على بابي درنوكًا فيه الخيل ذوات الأجنحة فأمرني فنزعته" (^٤).
وعَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٥) فِيهَا تَصَاويرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُل فَعَرَفت فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقالت: يَا رَسُولَ الله، أَتُوبُ إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ فمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ قَالَ: "مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ " قالت: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ ويُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" ثم قَالَ: "إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ" (^٦).
زاد مسلم في رواية: قَالَتْ: "فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ".
_________________
(١) = إليها، فاقتصر على المصور وعلى من قتله نبي. وأخرج الطحاوي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها". قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٤) ومسلم (٢١٠٧).
(٣) بضم الدال المهملة وسكون الراء بعدها نون مضمومة ثم كاف. ويقال فيه: درموك بالميم بدل النون، قال الخطابي: هو ثوب غليظ له خمل إذا فرش فهو بساط، وإذا علق فهو ستر.
(٤) أخرجه البخاري (٥٩٥٥).
(٥) أخرجه مسلم (٢١٠٧).
(٦) بفتح النون وسكون الميم وضم الراء بعدها قاف، وقيل: في النون الحركات الثلاثة والراء مضمومة جزمًا، والجمع نمارق، وهي: الوسائد التي يصف بعضها إلى بعض، وقيل: الوسادة التي يجلس عليها.
(٧) أخرجه البخاري (٥٩٥٧)، ومسلم (٢١٠٧) واللفظ له.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ-: "أن جبريل -﵇- قال: إنَّا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب" (^١).
وخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي -﵁- ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-: "أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (^٢).
وخرج أبو داود بسند جيد عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ-: "أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي -ﷺ- حتى محيت كل صورة فيها" (^٣).
وخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال دخلت على رسول الله -ﷺ- في الكعبة، ورأى صورًا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها، ويقول: "قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون" (^٤).
وخرج البخاري في صحيحه عن عائشة -﵂- "أن النبي -ﷺ- لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه" (^٥). ورواه الكشميهني بلفظ: تصاوير. وترجم عليه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٦٠).
(٢) سبق تخريجه. قال الشيخ ابن عثيمين: "ومناسبة ذكر القبر المشرِف مع الصور أن كلًّا منهما قد يتخذ وسيلة إلى الشرك فإن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوروا صور رجال صالحين فلما طال عليهم الأمد عبدوها وكذلك القبور المشرفة قد يزداد فيها الغلو حتى تجعل أوثانًا تعبد من دون الله وهذا ما وقع في البلاد الإسلامية"، مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٧ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٣.
(٣) أخرجه أحمد (١٤٦٥٠) وأبو داود (٤١٥٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ (٢٥٢١٢)، والطيالسي (٦٥٧)، والطبراني (٤٠٧)، والهيثمي ٥/ ١٧٣، والسيوطي في الجامع الصغير ٥٩٩٦، صحيح الجامع ٤٢٩٢، قال الحافظ إسناده جيد.
(٥) أخرجه البخاري (٥٩٥٢).
[ ١ / ٤٣٦ ]
البخاري -﵀- بـ (باب نقض الصور) وساق الحديث.
وفي الصحيحين عن بُسْر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة" قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني -ربيب ميمونة زوج النبي -ﷺ--: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقمًا في ثوب"، وفي رواية لهما من طريق عمرو بن الحارث بكير الأشج عن بسر فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال: إلا رقمًا في ثوب، ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال: بلى قد ذكر ذلك (^١).
وعن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاي يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع نمطًا (^٢) تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟ فقال: لأنه فيه تصاوير وقد قال فيها رسول الله -ﷺ- ما قد علمت. قال سهل: ألم يقل: "إلا ما كان رقمًا في ثوب؟ " فقال بلى ولكنه أطيب لنفسي (^٣).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله -ﷺ-، وإذا الكلب لحسن أو حسين، كان تحت نضد (^٤) لهم، فأمر به فأخرج" (١)، وعنه -﵁- قال: "استأذن جبر -﵇- على النبي
_________________
(١) أخرجه البخاري، (٥٩٥٨)، ومسلم (٢١٠٦).
(٢) بفتح النون والميم، وجمعه أنماط: وهو ضرب من البسط له خمل.
(٣) أخرجه الترمذي (١٧٥٠) والنسائي (٥٣٥٢) وأحمد (١٦٠٧٥).
(٤) قال أبو داود: "والنضد" شيءٌ توضع عليه الثياب.
[ ١ / ٤٣٧ ]
-ﷺ-، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها، أو تُجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير" (^١).
* أحكام وفوائد:
١ - التصوير بداية الشرك في بني آدم:
روى ابن جرير الطبري عن محمد بن قيس في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٣] قال: "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يَسقون المطر فعبدوهم" (^٢).
* علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد:
تتضح علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد من جهتين:
١ - أن التصوير وسيلة للشرك ويدل عليه أثر ابن عباس السابق.
٢ - أن المصوِّر يُضاهي الله بفعله لأن الله هو المصور، وهو المتفرد بالخلق والتصوير وهو متعلق بتوحيد الربوبية، وقد بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد باب ما جاء في المصورين (^٣)، وقال الشيخ ابن قاسم معلقًا على هذا الباب: "أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية وما دخل على القرون إنما هو من هذا الباب، لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقيَ ذكرها يمرُّ على البصر الناظر إليها من رسمها لا بد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٠٣٢).
(٢) أخرجه النسائي (٥٣٦٧) وأحمد (٨٠٦٥).
(٣) جامع البيان ٢٩/ ٩٩.
[ ١ / ٤٣٨ ]
أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له" (^١).
وقال الخطابي -﵀-: "إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل" (^٢).
قال العلامة الشوكاني -﵀-: "وإنما كان التصوير من أشد المحرمات الموجبة لما ذكر؛ لأن فيه مضاهاة لفعل الخالق -ﷻ- ولهذا سمى الشارع فعلهم خلقًا وسماهم خالقين" (^٣).
٢ - تنبيه:
يحسن التفريق بين قسمين مهمين:
الأول: المصوِّر الذي يصنع الصُّوَر كنحتها أو نقشها.
الثاني: مُقتني الصور ومستعملُها من غير أن يصنعها.
فصانع الصور يختلف حكمه عن المقتني؛ لأن الصانع تتفق فيه الأدلة التي جاء فيها التغليظ والإيذان بشدة العذاب، ومن ذلك:
١ - الآية السابقة في سورة الأحزاب.
٢ - الأحاديث الآتية:
أ - "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبّة وليخلقوا ذرّة".
ب - "أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهون بخلق الله" (^٤).
ج - "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم".
د- و"لعن المصور".
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٧١.
(٢) الجواب المفيد ص ٢٠.
(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٢/ ١٠٠، ١٠٨.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥٩٥٠)، مسلم (٢١٠٩).
[ ١ / ٤٣٩ ]
القسم الأول: قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يصور الإنسان ما له ظل
هـ - "من صوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدًا".
قال ابن عثيمين: "عقوبة المصور ما يلي:
١ - أنه أشد الناس عذابًا أو من أشدهم عذابًا.
٢ - أن الله يجعل له في كل صورة نفسًا يعذب بها في نار جهنم.
٣ - أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.
٤ - أنه في النار.
٥ - أنه ملعون، كما في حديث أبي جحيفة في "البخاري" وغيره" (^١).
القسم الثاني:
أما الذي يقتني الصور ويستعملها فقد تبين لك إنكار رسول الله -ﷺ- على وجود الصور في البيت أو المكان المهيأ للدخول فمرة يمتنع عن الدخول ويخبر أن الملائكة لا يدخلون بسبب الصور وتارةً يأمر بقوله: "أميطي" وتارةً ينهى وتارةً يهتك الصورة وتارةً يمحوها ويضربها ويأمر بعدم إبقاء صورة إلا طمست ثم أخيرًا يتبع التصاوير في منزله فينقضها وعلى ذلك ينبغي التوضيح أن أحكام التصوير تختلف من جهة صنعه ومن جهة اقنتائه واستعماله فينبغي التفريق بينهما.
٣ - أقسام صناعة التصاوير وحكم كل قسم:
سوف نتكلم عن حكم صناعة التصوير في الأقسام الآتية:
القسم الأول: قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يصور الإنسان ما له ظل كما يقولون، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثًا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئًا على
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٧. والقول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٤.
[ ١ / ٤٤٠ ]
القسم الثاني: تصوير ما ليس له ظل مما فيه نفس من الحيوان والإنسان لكن ليس على هيئة جسم
صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في الحديث؟
فالجواب: نعم: يدخل في الحديث، لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم، نقول: التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك، لو أن أحدًا بامرأة في لباسها. أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده" (^١).
القسم الثاني: تصوير ما ليس له ظل مما فيه نفس من الحيوان والإنسان لكن ليس على هيئة جسم أو تمثال بل على هيئة ألوان أو رسم ونقش، والأدلة من السنة واضحة في ذمها وتحريمها.
قال النووي -﵀-: "وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل. وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي -ﷺ- الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة" (^٢).
قال الإمام ابن القيم لما ذكر الكبائر: "ومنها التصوير صورة الحيوان سواءً كان له ظل أو لم يكن" (^٣).
قال الحافظ ابن حجر: "ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لاظل له ما أخرجه
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٦. والقول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٢) مسلم بشرح النووي ١٤/ ٨١.
(٣) إعلام الموقعين ٤/ ٤٠٣.
[ ١ / ٤٤١ ]
أحمد (^١) من حديث علي -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسّره، ولا صورة إلا لطخها" أي: طمسها. الحديث وفيه: "ومن عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-"" (^٢).
وفي رسالة من الشيخ عبد الرحمن السعدي إلى شيخنا عبد الله بن عبد العزيز العقيل ذكر أن الخلاف في حكم الصورة التي لا ظل لها معروف بين أهل العلم، ثم قال: "والصواب: تعميم النهي لأن النصوص عامة" (^٣).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: "ومن تأمل الأحاديث المتقدمة تبيّن له دلالتها على تعميم التحريم، وعدم الفرق بين ما له ظل وغيره كما تقدم توضيح ذلك" (^٤).
وهذه المسألة قال عنها الشيخ ابن عثيمين: "اختلف السَّلف فيها، فمنهم من قال: إنها حَرام إن كانت الصُّورة مُجسَّمة؛ بأن يصنع تمثالًا على صورة إنسان أو حيوان، وجائزة إن كانت بالتلوين، أي: غير مجسَّمة.
ومنهم من قال وهم الجمهور -وهو الصَّحيح-: إنها محرَّمة سواء كانت مجسَّمة، أم ملوَّنة، فالذي يخطُّ بيده ويصنع صُورة كالذي يعملها ويصنعها بيده ولا فرق، بل هي من كبائر الذُّنوب؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب أنه قال لأبي الهيَّاج الأسدي: "ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله -ﷺ-؛ أنْ لا تَدَعَ صُورةً إلا طَمسْتَها" وظاهر هذا أنه في الملوَّن، وليس في المجسَّم، لأنه لو كان فيْ المجسَّم لقال: إلا كسرتها أو نحو ذلك.
ومع الأسف؛ أصبح هذا في عصرنا الحاضر فنًّا يُدرَّس ويُقَرُّ ويُمدحُ عليه
_________________
(١) أخرجه الطيالسي ص ١٦ رقم ٩٦، وأحمد ١/ ٨٧.
(٢) فتح الباري ١٠/ ٣٨٤.
(٣) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص ٨٦.
(٤) الجواب المفيد ص ٢٣.
[ ١ / ٤٤٢ ]
الإنسانُ، فإذا صَوَّرَ الإنسانُ بقرةً أو بعيرًا أو إنسانًا، قالوا: ما أْحْذَقَهُ! وما أقْدَرَه!، وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن هذا رِضًا بشيءٍ من كبائر الذُّنوبِ" (^١).
القسم الثالث التصوير بالآلة:
قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -﵀- في رسالة ما نصه: "ومن أعظم المنكرات تصوير ذوات الأرواح واتخاذها واستعمالها، ولا فرق بين المجسدة وما في الأوراق مما أخذ بالآلة " (^٢).
وقال -﵀-: "وقد زعم بعض مجيزي التصوير الشمسي أنه نظير ظهور الوجه في المرآة ونحوها من الصقيلات، وهذا فاسد فإن ظهور الوجه في المرآة ونحوها شيء غير مستقر، وإنما يرى بشرط بقاء المقابلة، فإذا فقدت المقابلة فقد ظهور الصورة في المرآة ونحوها، بخلاف الصورة الشمسية فإنها باقية في الأوراق ونحوها مستقرة، فإلحاقها بالصورة المنقوشة باليد أظهر وأضح وأصح من إلحاقها بظهور الصورة في المرآة ونحوها، فإن الصورة الشمسية وبدو الصورة في الأجرام الصقيلة ونحوها يفترقان في أمرين:
أحدهما: الاستقرار والبقاء.
الثاني: حصول الصورة عن عمل ومعالجة.
فلا يطلق لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا على مقابل المرآة ونحوها أنه صوّر ذلك، ومصور الصور الشمسية مصور لغةً وعقلًا وشرعًا، فالمسوي بينهما مسوٍ بين ما فرق الله بينه، والمانعون منه قد سووا بين ما سوى الله بينه، وفرّقوا بين ما فرق الله بينه، فكانوا بالصواب أسعد، وعن فتح أبواب المعاصي والفتن أنفر وأبعد، فإن المجيزين لهذه الصور جمعوا بين مخالفة أحاديث رسول الله -ﷺ- ونفث سموم
_________________
(١) الشرح الممتع ٢/ ٢٣٨، ٢٣٩. وانظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٦.
(٢) عن كتاب الإعلام ببيان أخطاء في كتاب الحلال والحرام للشيخ صالح الفوزان ص ٤٣.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الفتنة بين العباد بتصوير النساء الحسان، والعاريات الفتان في عدة أشكال وألوان، وحالات يقشعر لها كل مؤمن صحيح الإيمان، ويطمئن إليها كل فاسق وشيطان" (^١).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: "ولقد غلط غلطًا فاحشًا من فرق بين التصوير الشمسي والتصوير النحتي، وبعبارة أخرى بين التصوير الذي له ظل والذي لا ظل له، لأن الأحاديث الواردة في هذه المسألة تعم النوعين وتنظمها انتظامًا واحدًا، ولأن المضار والمفاسد التي في التصوير النحتي وما له ظل مثل المفاسد والأضرار التي في التصوير الشمسي بل التصوير الشمسي أعظم ضررًا وأكثر فسادًا من وجوه كثيرة، نسأل الله أن يمن علينا وعلى المسلمين بالعافية من النوعين جميعًا وأن يصلح أحوال الأمة" (^٢).
وقال الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني -﵀-: "تعليق الصور على الجدران، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل، أو لا ظل لها، يدوية أو فوتوغرافية، فإن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نزعها إن لم يستطع تمزيقها" (^٣).
وقال -﵀-: "ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية" (^٤).
* وممن ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي
_________________
(١) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٨٧).
(٢) انظر تقديمه لكتاب: إعلان النكير للشيخ حمود التويجري ص ٣، ٤، وانظر للاستزادة الجواب المفيد ص ١٨، ١٩.
(٣) انظر: آداب الزفاف ص ١٨٥.
(٤) آداب الزفاف ص ١٠٦، ١١٦ ط ٢، المكتب الإسلامي. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ص ١٨.
[ ١ / ٤٤٤ ]
والشيخ حمود التويجري والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري (^١).
ومما قاله الشيخ صالح الفوزان في كتاب (الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام): "التصوير بجميع أنواعه تماثيل أو غير تماثيل منقوشًا باليد أو فوتوغرافيًا مأخوذًا بالآلة -كله حرام وأن كل من حاول إباحة شيء منه فمحاولة باطلة وحجته داحضة- والله المستعان" (^٢).
أما كلام الشيخ ابن عثيمين -﵀- في هذه المسألة فإنه منع من إدخال ناقل الصورة بالآلة في اللعن ولكنه رتب الحكم على المقاصد فإذا قصد به شيئًا محرمًا فهو حرام وإن قصد التمتع بالنظر إليها فهذا حرام عملًا بالقاعدة الفقهية "الأمور بمقاصدها" (^٣).
وقد كثر الكلام حول فتوى الشيخ -﵀- واضطربت فيها أفهام بعض الناس.
وقد وقفت على فتوى حررها بيده حول ذلك فقال: "من إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواءً كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة" (^٤).
القسم الرابع: تصوير ما لا ينتج عنه منظر ولا مشهد ثابت كما هو الحال في
_________________
(١) انظر: تحريم التصوير الفوتوغرافي، أحمد بن عبد الله آل عبد الكريم.
(٢) الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام ص ٤٦.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٧، ١٠٢٨، القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٠٤، ٢٠٥. والشرح الممتع ٢/ ٢٤١.
(٤) انظر: كتاب التنوير فيما ورد في حكم التصوير لمحمد الغفيلي ص ٨١.
[ ١ / ٤٤٥ ]
أشرطة الفيديو، وهذا القسم قال عنه الشيخ ابن عثيمين -﵀-: "هذا لا حُكم له إطلاقًا، ولا يدخلُ في التَّحريم مطلقًا، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التَّصوير بالآلة "الفتوغرافيَّة" على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى حصل بحثٌ: هل يجوز أن تُصوَّر المحاضرات التي تُلقى في المساجد؟ فكان الرَّأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يُشوِّش على المصلِّين، وربما يكون المنظرُ غيرَ لائقٍ، وما أشبه ذلك" (^١).
القسم الخامس تصوير ما لا روح فيه:
قال الإمام البغوي: "وأما صورة الأشجار والنبات فلا بأس بها. قال ابن عباس -﵂- لرجل سأله عن الصور: "عليك بهذا الشجر: كل شيء ليس له فيه روح"" (^٢).
وقال النووي: "وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام" (^٣).
وقال -﵀-: "وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا تحرم صنعته ولا التكسب به سواء الشجر المثمر وغيره وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهد فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه قال القاضي: لم يقله أحد غير مجاهد واحتج بقوله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي". واحتج الجمهور بقوله -ﷺ- ويقال لهم: "أحيوا ما خلقتم" -أي- اجعلوه حيوانًا ذا روح كما ضاهيتم. وعليه رواية: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي". ويؤيده حديث ابن عباس -﵄- المذكور في الكتاب: "إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له"" (^٤).
_________________
(١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٠.
(٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٣٤.
(٣) شرح النووي ١٤/ ٨١.
(٤) شرح مسلم للنووي ١٤/ ٩١. وانظر تعليق الشيخ ابن عثيمين على هذه المسألة في كتابه.
[ ١ / ٤٤٦ ]
٤ - حكم اقتناء الصور واستعمالها واتخاذها:
اقتناء الصور لغير ضرورة حرام وبعضه أشد حرمة من بعض لقوله -ﷺ-: "فلا يدع بها وثنًا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها" (^١).
وفي الرواية الأخرى "أن لا تدع صورة إلا طمستها" (^٢).
قال ابن باز -﵀-: "صنع التماثيل والصور واقتناؤها كبائر الذنوب للأحاديث الصحيحة التي توعد الله تعالى، وتوعد رسوله -ﷺ- من فعل ذلك بالنار والعذاب الأليم" (^٣).
وعند التفصيل نقول: إن حكم استعمال الصور واقتناؤها ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة، لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثلم في جانب الربوبية وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثلم في جانب الألوهية (^٤).
وقال ابن باز: "ولا فرق في هذا بين الصور المجسمة وغيرها من المنقوش في ستر أو قرطاس أو نحوها، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظَّمين أشد، لأن الفتنة بهم أعظم، ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله كما
_________________
(١) الفتح ١٠/ ٣٨٤.
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٩).
(٣) الجواب المفيد ص ٤٨.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٤.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقع ذلك لقوم نوح" (^١).
وقال ابن عثيمين: "أن يستعمله على سبيل التَّعظيم، فهذا حرام سواء كان مجسَّمًا أم ملوَّنًا، وسواء كان التَّعظيم تعظيم سلطان، أم تعظيم عبادة، أم تعظيم عِلْمٍ، أم تعظيم قَرابة، أم تعظيم صُحبة، أيًّا كان نوعُ التعظيم. وفي الحقيقة؛ إنه ليس فيه تعظيم، فمثلًا: إذا أراد أن يصوِّر أباه، فإن كان أبوه حيًّا فالتَّعظيم بإعطائه ما يلزمه من البِرِّ القولي والفعلي والمالي والجاهي وغير ذلك، وإن كان ميِّتًا فلا ينتفع بهذا التَّعظيم، بل فيها كسب الإثم وتجديد الأحزان، ولذلك يجب على مَنْ كان عنده صورة من هذا النوع أن يمزِّقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان:
الخطورة الأولى: تجنّب الملائكة لدخول البيت.
والخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم، حتى يستولي تعظيمهم على قلبه، ويسيطر عليه، ولا سيَّما فيما يَتَعَلَّق بالعِلْم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت في الصُّور، وهذا لا فرق فيه بين الملوَّن والمجسَّم، أي: سواء كان صورة على ورقة، أم على خِرقة، أم كانت صورة مجسَّمة" (^٢).
القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضًا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق (^٣).
القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضًا حرام للحوق الوعيد به في قوله -ﷺ-: "إن
_________________
(١) الجواب المفيد ص ٢٧.
(٢) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٤، وانظر إعلان النكير للشيخ حمود التويجري ص ٦٧.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة" (^١).
قال الخطابي: "والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن" (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب: "وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم وهو من الكبائر" (^٣).
القسم الرابع: قال ابن باز: "إذا كانت الصورة في بساط يمتهن أو وسادة يرتفق بها فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان على موعد من جبرائيل فلما جاء جبرائيل امتنع عن دخول البيت فسأله النبي -ﷺ- فقال: "إن في البيت تمثالًا وسترًا فيه تصاوير وكلبًا، فمر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يتخذ منه وسادتان منتذتان توطآن، ومر بالكلب أن يخرج". ففعل ذلك النبي -ﷺ- فدخل جبرائيل -﵇- وقصة جبرائيل هذه تدل أن الصورة في البسط ونحوه لا تمنع من دخول الملائكة، ومثل ذلك ما ثبت في الصحيح عن عائشة -﵂-.
أنها اتخذت من الستر المذكور وسادة يرتفق بها النبي -ﷺ-" (^٤).
قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يتَّخذه على سبيل الإهانة مثل: أن سجعله فراشًا، أو مِخَدَّة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم:
فأكثر أهل العلم على الجواز، وأنه لا بأس به؛ لأن الرسول -ﷺ- اتَّخذ وسادة فيها صورة، ولأن هذا ضِدُّ السبب الذي من أجله حُرِّم استعمال الصُّور؛ لأن هذا إهانة.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى التَّحريم، واستدلَّ هؤلاء بأن النبي -ﷺ- جاء إلى بيته
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.
(٢) الجواب المفيد ص ٢٠.
(٣) الكواكب الدراري ٦٥/ ٨٢/ ٢. نقلًا عن تحذير الساجد للشيخ للألباني ص ١٨.
(٤) مجموع فتاوى ابن باز ص ٨٢٥.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ذات يوم فرأى "نُمْرُقَةً" -أي: مِخَدَّة- فيها صُوَر؛ فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفتُ الكراهيةَ في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله ممَّا صنعتُ؟ فقال: "إنَّ أهل هذه الصُّور يُعذَّبون؛ يُقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم". قالوا: فنكرهُهَا؛ لأن الرسول -ﷺ- كرهها وقال: "إِنَّ أهل هذه الصُّور يعذَّبُون"، وقال: "إنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صُورة" ويُحمل ما ذُكر عنه أنه اتَّكأ على مِخَدَّة فيها صورة بأن هذه الصورة قُطِعَ رأسُها، وإذا قُطِعَ رأس الصُّورة فهي جائزة.
ولا شكَّ أن تجنُّبَ هذا أورع وأحوط، فلا تستعمل الصُّور، ولو على سبيل الامتهان كالفراش والمخدَّة، والسَّلامة أسلم، وشيء كَرِه الرسول -ﷺ- أن يدخل البيت من أجله، فلا ينبغي لك أن ينشرح صدرُك به، فمن يستطيع أن ينشرح صدرُه في مكان كَرِهَ النبي -ﷺ- دخوله. لهذا فالقول بالمنع إن لم يكن هو الصَّواب فإنه هو الاحتياط" (^١).
وهل يلحق بالمهانة لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟
يقول الشيخ ابن عثيمين: "لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصًا أو سراويل أم عمامة أم غيرها" (^٢).
القسم الخامس: أن تؤخذ لا على سبيل التعظيم ولا الامتهان، قال ابن عثيمين: "ألا يكون في استعمالها تعظيم ولا امتهان، فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم استعمال الصُّور على هذا الوجه، ونُقل عن بعض السَّلف الإباحة إذا كان ملوَّنًا،
_________________
(١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.
[ ١ / ٤٥٠ ]
حتى إن بعض السَّلف كان عندهم في بيوتهم السَّتائر يكون فيها صُور الحيوان، ولا يُنكرون ذلك، ولكن لا شَكَّ أن هؤلاء الذين فعلوه من السَّلف كالقاسم بن محمد -﵀- لا شكَّ أنه يُعتَذر عنهم بأنهم تأوَّلوا، ولا يحتجُّ بفعلهم؛ لأن الحُجَّة قولُ الله ورسوله، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار" (^١).
قال النووي: "أما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت فيه كلام نذكره قريبًا -إن شاء الله- ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة وغيرهم" (^٢).
أما ما جاء في حديث زيد بن خالد وفيه: "ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة" وفيه تعليل ذلك باستثناء الرسول -ﷺ-: "إلا رقمًا في ثواب" فظاهره يدل على أن زيدًا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور، وبسببه جوز بعض العلماء ما كان رقمًا في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أو لا كما هو معروف من مذهب القاسم بن محمد (^٣). والجمهور على أن الصور يراد بها صورة الشجر وما لا روح فيه ذكر ذلك النووي -﵀- حيث قال: "قوله "إلا رقمًا في ثوب" هذا يحتج به من يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا كما سبق وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره مما ليس بحيوان وقد قدمنا أن هذا
_________________
(١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٦.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٨١.
(٣) النووي ١٤/ ٨٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
جائز عندنا" (^١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: "أما تعلق من خالف في ذلك بحديث "إلا رقمًا في ثوب" فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الإمام أبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا كان محتملًا فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أن يحمل عليما يوافق الأحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل" (^٢).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- مجيبًا على هذه المسألة: "أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، ولعل زيدًا -﵁- لم يعلم الصورة التي في الستر المذكور أو علمها لكن استجازه لأنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي -ﷺ-: "إلا رقمًا في ثوب" فيكون معذورًا لعدم علمه بها. وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها" (^٣).
وكذلك من حمل قوله: "إلا رقمًا في ثوب" على جواز تعليق الصور وجواز اتخاذها مع عدم التفريق بين الضرورة وغير الضرورة فقد أخطأ وجانب الصواب لا سيما إذا نظرنا للأحاديث الأخرى: "لا تدع صورة إلا طمستها"، ولم يدخل النبي -ﷺ- الكعبة حتى محيت كل صورة فيها وكذلك غضبه -﵇- حين ذكرت له الصور الموجودة في الكنائس في أرض الحبشة فقال: "أولئكِ شرار الخلق عند الله
_________________
(١) النووي ١٤/ ٨٥.
(٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٨٥، ١٨٦.
(٣) الجواب المفيد ص ٢٥.
[ ١ / ٤٥٢ ]
يوم القيامة" (^١).
القسم السادس ما دعت الضرورة إلى استبقائه. قال العلامة ابن باز -﵀-: "لا يجوز الاحتفاظ بالصور ولو غير معلقة على الجدران أو غيرها، إلا في تابعية أو جواز سفر أو نقود أو نحو ذلك مما تدعو الحاجة إليه" (^٢).
قال ابن عثيمين: "كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال تعالى: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] " (^٣).
القسم السابع: ما عمت به البلوى الآن وقد عرفها الشيخ ابن عثيمين بقوله: "أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك، فالظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة فهو أولى" (^٤).
وقال الشيخ السعدي -﵀-: "ولكن الأشياء الضرورية التي دخلت على الناس، وعمَّت بها البلوى كالصور التي في النقود والكبريت ونحوها، وكذلك الجوازات؛ فالذي يظهر لي ان هذا من باب الاضطرار، وأحوال الضرورات وعموم البلوى يُرجى فيه عفو الله، ويَسهُل الأمر فيه" (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مجلة الدعوة عدد ٨٤٩ في ١٥/ ٨/ ١٤٠٢ هـ. وانظر: فتوى أخرى في عدد ٨٤٧ الجواب المفيد ص ٤٣، ٤٦.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٦.
(٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥، وانظر الشرح الممتع ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨.
(٥) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص ٨٦.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقال ابن باز: "المجلات والجرائد التي بها أخبار مهمة ومسائل علمية نافعة وبها صور لذوات الأرواح يجوز شراؤها، والانتفاع بها من علم مفيد، وأخبار مهمة لأن المقصود منها ما فيها من العلم والأخبار، والصور تابعة، والحكم يتبع الأصل المقصود إليه دون التابع، ويجوز وضعها في المصلى مع إخفاء ما فيها من الصور بأي شكل لينتفع بما فيها من مقالات، أو طمس رؤوس الصور بما يذهب بمعالمها" (^١).
٥ - اللُّعب المصورة للبنات وتنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يوضع على هيئة لعبة ليس فيها أثر للصورة والتجسيم فهذا لا بأس فيه.
الثاني: ما وضع على صورة شيء من ذوات الأرواح.
قال النووي: "قوله: عن عائشة -﵂- قالت: كانت لنا تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبلته فقال لي رسول الله -ﷺ-: "حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا" هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة فلهذا كان رسول الله -ﷺ- يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة" (^٢).
وحديث عائشة -﵂- قالت: قَدِم رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبَّت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَبٍ، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك رسول الله -ﷺ- حتى رأيت نواجذه" (^٣).
_________________
(١) الجواب المفيد ص ٤١.
(٢) النووي ١٤/ ٨٧.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٥٠).
[ ١ / ٤٥٤ ]
قال النووي -﵀-: "وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره قال القاضي إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث -والله أعلم-" (^١).
قال ابن باز: "وأما اللُّعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة، قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي -ﷺ- وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله -ﷺ- إذا دخل يتقمعن منه، فيُسَرِّبُهُن إليَّ يلعبن معي" (^٢).
قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع لعب البنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحكئ عن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لبنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ.
وقد ترجم ابن حبان: "الإباحة لصغار النساء اللعب باللُّعب" (^٣) وترجم له النسائي: "إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات". فلم يقيد بالصغر وفيه نظر.
قال البيهقي: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي -إلى أن قال- وأخرج أبو داود
_________________
(١) النووي ١٤/ ٨٢.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٣٠) ومسلم (٢٤٤٠).
(٣) انظر: صحيح ابن حبان ٧/ ٥٤٣.
[ ١ / ٤٥٥ ]
والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: قدم رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك أو خيبر -فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها- قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعب لعائشة، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي. قالت: ورأى فيها فرسًا مربوطًا له جناحان، فقال: "ما هذا؟ ". قلت: فرس له جناحان. قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك -إلى أن قال- قال الخطابي في هذا الحديث: أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة.
قلت (^١): وفي الجزم به نظر، لكنه محتمل لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها. وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعًا، فيترجح رواية من قال: خيبر وجمع بما قال الخطابي، لأن ذلك أولى من التعارض (^٢).
إذا عرفت (^٣) ما ذكره "الحافظ" فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة لأن في حلها شك لاحتمال أن يكون إقرار النبي -ﷺ- لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور فيكون ذلك منسوخًا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه، أو كان ممتهنًا كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، ومال إليه ابن بطال.
ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان، ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسمًا لمادة بقاء الصور المجسدة،
_________________
(١) القائل هو الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-.
(٢) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٢٧.
(٣) لازال النقل موصولًا من الجواب المفيد للشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وعملًا بقوله -ﷺ-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (^١) " (^٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: "الصُّور التي يلعب بها الأطفال، وهذه تنقسم إلى قسمين:
الأول: قسمْ من الخِرَق والعِهْن وما أشبه ذلك، فهذه لا بأس بها؛ لأنَّ عائشة كانت تلعبُ بالبنات على عَهْد النبي -ﷺ- ولم يُنكر عليها (^٣).
الثاني: قسم من "البلاستيك" وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، وقد يكون لها حركة، وقد يكون لها صوت، فقد يقول لقائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التَّصوير، وعلى صورة الإنسان تمامًا، أي: ليست صورة إجماليَّة ولكن صورة تفصيليَّة، ولها أعين تتحرَّك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم يُنكر عليها النبي -ﷺ-.
ولكن قد يقول القائل: إن الصُّور التي عند عائشة ليست كهذه الصُّور الموجودة الآن، فبينهما فرقٌ عظيم، فمن نظر إلى عموم الرُّخصة وأنَّه قد يُرخَّص للصِّغار ما لا يُرخَّص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية باب السَّبْق، لما ذكر بعض آلات اللهو قال: "إنه يُرخَّصُ للصِّغار ما لا يُرخَّصُ للكبار" (^٤)، لأن طبيعة الصِّغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصُّور عند البنات الصِّغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربِّي أولادها في المستقبل وتجدها تُسمِّيها أيضًا هذه فلانة وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يُرَخَّصُ لها. فأنا أتوقَّفُ في تحريمها، لكن يمكن التخلُّص من الشُّبهة بأن يُطمس وجهها" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١٨) والنسائي (٥٧١٤)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ٣/ ١٦٩ رقم ١٧٢٣ إسناده صحيح.
(٢) الجواب المفيد ص ٣٣.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢١٦)، الاختيارات ص ١٦٠.
(٥) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
والذي يظهر مما سبق إباحة اللعب للبنات ولكن كما قرره المنذري والحليمي من عدم وجود تفاصيل الصورة. قال الحليمي: "إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز" (^١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: "ومن زعم أن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأرواح فعليه إقامة الدليل، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبعة ولا نحو ذلك، بل الظاهر أنها من عهن أو قطن أو خرق أو قصبة أو عظم مربوط في عرضه عودًا معترضًا بشكل يشبه الموجود في اللعب في أيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدًا" (^٢).
وقال الشيخ حمود التويجري -﵀-: "وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة -﵂- فلا يلزم منه أنها كانت صورًا حقيقية كما قد يظن ذلك من قصُر فهمه بل الظاهر والله أعلم أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودًا أو قصبة أو خرقةً ملفوفةً أو نحو ذلك فيضعن قريبًا من أعلاه عودًا معترضًا ثم يلبسنه ثيابًا ويضعن على أعلاه خمار المرأة وربما جعلنه على هيئة الصبي في المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها -﵅-.
وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديمًا ومستمرًا في بنات العرب من زمن الجاهلية إلى زماننا هذه -والله أعلم-" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٥٢٧.
(٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٨٢).
(٣) إعلان النكير ص ٩٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وقال -﵀-: "فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن لأنهن لسن بصور حقيقية. وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام وبيعهن حرام وشراؤهن واتخاذهن حرام والتلهي بهن حرام وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك لأنهن من الأصنام وقد أمر رسول الله -ﷺ- بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي -﵁-. والقول في الفرس الذي كان مع لعب عائشة -﵂- كالقول في لعبها سواء. ومن ادعى أنها كانت صورة حقيقية لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إليه سبيلًا" (^١).
حكم المحنّط وهذا ليس تصويرًا بل يلحق بالتصوير لأنه وسيلة وسبب للتساهل في أمر التصوير ولذلك حذر العلماء من اقتنائه وقد سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز يذكر ثلاثة أسباب لتحريم اقتناء المحنّط منها أن شراءَه إسراف وتبذير ومنها أنه سبب مفضٍ إلى التساهل في أمر التصوير الذي جاء الوعيد والنكير في حقه.
٦ - الصورة الرأس:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: "التصوير النصفي لا إشكال عندي في أنه محرم، وإن كان ذهب نزر قليل إلى القول بعدم التحريم، وربما يكون أخف من الكامل لأجل هذا القول، وأما أنا فلا إشكال عندي فيه؛ لأن الوجه هو المقصود" (^٢).
وقال الشيخ حمود التويجري -﵀-: "والأصل في هذا قول جبريل للنبي -ﷺ- مر بالرأس فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.
فدل على أن المحذور كله في تصوير الرأس.
_________________
(١) إعلان النكير على المفتونين بالتصوير ص ١٠٠.
(٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٠.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ودلّ على أن قطع غيره لا يقوم مقامه ولا يكفي في التغيير ولو كان المقطوع مما لا تبقى الحياة بعد ذهابه كصدره أو بطنه.
وعلى هذا فتحريم التصوير والاتخاذ متعلق بوجود الرأس.
وكذلك وجوب الطمس متعلق بوجود الرأس -والله أعلم-.
وأما قياس قطع الصدر أو البطن على قطع الرأس فهو قياس مع وجود الفارق لأنها وإن شاركاه في ذهاب الحياة بذهابهما فقد اختص هو دونهما ودون سائر الأعضاء بشيئين.
أحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة وخرج عن شكل ذوات الأرواح.
الثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء، ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي -ﷺ-: مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.
وبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه وإن من قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتد به -والله أعلم-" (^١).
وعلّق الشيخ الألباني -﵀- على قول جبريل -﵇-: "فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة" فقال: -﵀-: "هذا نص صريح في أن التغيير الذي يحل به استعمال الصورة إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة فيغيرها بحيث أنه يجعلها في هيئة أخرى وقد عبر بعض الفقهاء عن هذا التغيير بقوله: "إذا كانت بحيث لا تعيش جاز استعمالها"، وهذا تعبير قاصر كما لا يخفى ولهذا كان عمدة
_________________
(١) إعلان النكير ص ٧٣، ٧٤.
[ ١ / ٤٦٠ ]
لبعض المحتالين على النصوص، الذين يحاولون الخلاص منها بتأويلها أو بتحكيم آراء الرجال فيها وأصدق مثال على ذلك مقال طويل لبعضهم كنت قرأته منذ سنين في "مجلة نور الإسلام" التي سميت فيما بعد "مجلة الأزهر" خلاصته أنه يجوز للمسلم الفنان! أن ينحت صنمًا كاملًا على أن يحفر حفرة في الرأس تصل إلى الدماغ بحيث أنه لا يعيش لو كان حيًا، ثم تفنن حضرة الشيخ فذكر أنه لكي لا يظهر عيب الصنم من الناحية الفنية للناظرين فإنه بإمكان الفنان أن يضع الشعر المستعار على الرأس المحفور وبذلك تنستر الفجوة ويبدو تمثالًا كاملًا لا عيب فيه يرضي الفنانين! وفي الوقت نفسه يكون قد أرضى الشارع بزعمه! فهل رأيت أيها المسلم تلاعبًا بالشريعة ونصوصها ما يشابه هذا التحريف المنشور في مجلة محترمة! تاالله إن هذا لأشبه شيء بعمل من ضربت عليهم الذلة والمسكنة الذين قال الله فيهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وقال فيهم رسول الله -ﷺ-: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه -أي ذوبوه- ثم باعوه وأكلوا ثمنه" (^١)، ولهذا حذرنا -ﷺ- من اتباع سننهم فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" رواه ابن بطة: "جزء إبطال الحيل" ص ٢٤ بسند جيد كما قال ابن تيمية وابن كثير، ولكن ذلك كله ما أغنى شيئًا بعض هؤلاء المتشبهين بهم، لهوى في نفوسهم" (^٢).
وقال الشيخ ابن باز: "ويستدل بالحديث المذكور أيضًا على أن قطع غير الرأس
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١).
(٢) آداب الزفاف ص ١٠٣، ١٠٤.
[ ١ / ٤٦١ ]
من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة، لأن النبي -ﷺ- أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغًا لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله -﵊-.
ولأن النبي -ﷺ- أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة. وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها: خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده.
وبذلك يتبيّن لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع" (^١).
٧ - سبب امتناع الملائكة دخول بيت فيه صورة:
قال النووي -﵀-: "قال العلماء سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطانًا كما جاء به الحديث والملائكة ضد الشياطين ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها
_________________
(١) الجواب المفيد ص ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ٤٦٢ ]
أذى الشيطان وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتًا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون باحصاء أعمالهم وكتابتها قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزراعة والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي -ﷺ- تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر فإنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل -﵇- من دخول البيت وعلل بالجرو فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل -والله أعلم-" (^١).
فأما القرطبي فقال في المفهم: "إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة لأن متخذها قد تشبه بالكفار لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك" (^٢).