الإطراء - الغلو - حماية التوحيد - السجود - الذبح للسلطان
التعظيم من حيث هو عبادة حق الله وحده فلا يجوز أن يعظم مخلوقا كتعظيم الله أو يعطى من التعظيم ما لا يستحقه إلا الله -﷿- وكل طريق يفضي إلى ذلك فحرام وقد جاءت الشريعة بالنهي عن كل ما يفضي إلى الغلو في المخلوق سواء أكان نبيًا من الأنبياء أو مَلَكًا من الملائكة أو قبرًا أو غيره.
والقرآن والسنة دالتان ومبينتان لعظمة الله وكماله وأنه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسول الله -ﷺ-، وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، دون كل ما سواه. وهذا باب عظيم واسع وسوف نختصر جهدنا والله المستعان.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
قال العماد بن كثير -﵀-: "يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته" (^١).
_________________
(١) * التمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٢٨ - ١٩٥. تيسير العزيز الحميد ٧٥٣، ٦٦٦. فتح المجيد ٦١٣، ٥٤٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٤٦، ٣٩٦. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١١١، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٨٥ ط ٢ - ٣/ ٣٦٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٣. فتاوى الجنة الدائمة ١/ ١٤٥.
(٢) تفسير ابن كثير للآية رقم (٦٧) من سورة الزمر.
[ ١ / ٤٦٤ ]
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود -﵁- قَالَ جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^١).
وفي رواية لمسلم: "وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ أَنَا المْلِكُ أَنَا الْمَلِكُ" (^٢).
وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَطْوِي اللهُ -﷿- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُون؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ (^٣) ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتكَبِّرُونَ؟ ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (^٤).
وروي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨١١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٨٦).
(٣) قال البيهقي: "ذكر الشمال فيه تفرد به عمر بن حمزة عن سالم وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكر فيه الشمال" الأسماء والصفات ٢/ ٥٥. قلت: وفي الأحاديث الأخرى يذكر في مقابلها (بيده الأخرى) فالأخرى يعني اليد الثانية ولم يأت لها وصف في هذا الحديث هل هي يمين أو شمال. وجاء في أحاديث أخر أن (كلتا يديه يمين). قال ابن عثيمين: "وعلى كلٍّ فإن يديه -سبحانه- اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى، إذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال، فليس المراد أنها أقل قوة من اليد اليمني، بل كلتا يديه يمين". [القول المفيد ٣/ ٢٩٧].
(٤) أخرجه مسلم (٢٧٨٨).
[ ١ / ٤٦٥ ]
الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" (^١).
وقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
قال: وقال أبو ذر -﵁-: سمعت رسول الله -﵁- يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (^٢).
وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء. والله فوق العرش؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" (^٣).
وعن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٢٥) واحتج به شيخ الإسلام، انظر مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٣٩.
(٢) تفسير ابن جرير ٣/ ١٢ قال القرطبي: أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده. والبيهقي وذكر أنه صحيح.
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي ص ١٠٥، وفي الرد على الجهمية ص ٢١، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٠٥، ١٠٦، والطبراني في المعجم ٩/ ٢٢٨ رقم (٨٩٨٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٦: رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٧٧٠)، وأبو داود (٤٧٢٣)، والترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٤) رقم (١٤٤).
[ ١ / ٤٦٦ ]
قال في التيسير بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته، وقد تعرف -﷾- إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها تدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان" (^١).
وأنواع تعظيم غير الله والأسباب المفضية إليه كثيرة فإن التعظيم قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل.
أما التعظيم بالقول فمن مظاهره:
١ - المساواة بالله بالواو العاطفة في المشيئة. فقد قال قائل للنبي -ﷺ-: "ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني واللهَ عدلًا بل ما شاء الله وحده" (^٢). وقال -ﷺ-: "لا تقولوا ما شاء اللهَ وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" (^٣).
٢ - الإطراء فقد قال -ﷺ-: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله" (^٤).
وفي حديث جويرية -﵂- لما قالت: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال النبي -ﷺ-: "دعي هذه وقولي بالذي كنتِ تقولين" (^٥).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٧٥٩.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٨٢٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢١١٨)، وأحمد (٢٠٩٧٠)، والدارمي (٢٧٤١) واللفظ له من حديث الطفيل بن سخبره.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٥).
(٥) أخرجه البخاري (٥١٤٧).
[ ١ / ٤٦٧ ]
٣ - قال -ﷺ-: "لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي" (^١) وقس على ذلك.
* أما التعظيم بالفعل فمن مظاهره:
١ - لما خرج الرسول -ﷺ- متوكئًا على عصا قام الناس إليه فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا" (^٢).
٢ - السجود لغير الله فقد ثبت أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد للنبي -ﷺ-. قال: "ما هذا يا معاذ؟ " قال: أتيتُ الشامَ فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله -ﷺ-: "فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"" (^٣).
٣ - فعل هيئة لا تصلح إلا لله كالركوع والانحناء وحلق الرأس للشيخ، وقد عدَّ ابنُ القيمِ من أنواع الشرك السجودُ لغير الله والركوعُ والانحناءُ، ثم قال: "ومن أنواعه: حلق الرأس للشيخ. فإنه تعبد لغير الله، ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة" (^٤).
٤ - الذبح للسلطان. (انظر باب الذبح).
وكل تعظيم لغير الله إذا كان على وجه العبادة فهو شرك كالحلف والنذر والذبح والطواف بالقبر والعكوف عنده فإن التعظيم حق الله -﷾- كما قال -﷿-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٤٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٣٠)، وأحمد (٢٢٥٣٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣).
(٤) مدارج السالكين ١/ ٣٧٤.
[ ١ / ٤٦٨ ]
حكم الإحداد على الزعماء والوجهاء:
ورد سؤال على اللجنة الدائمة هذا نصه:
* السؤال: يذكر لنا أنه حصل في خبر الإذاعات أن هيئة الأمم المتحدة لما علمت بخبر موت رئيس دولة عضو في هيئة الأمم ظلّوا واقفين ساعة كاملة حزنا على المقتول، وفوق هذا أن جميع الدول الإسلامية سكَّرت أسواقها ونكست أعلامها مدة ثلاثة أيام. أما الدول المعنية فمدتها أربعون يومًا، وهذا مما يجب محاولة إزالته إذا كان الحديث ورد بالنهي عن النياحة على هذا الميت، فهذا مما هو شرّ منه، وهذا ليس حزنًا وإنما تعظيم. وإن كان حزنًا فليس بمشروع، وأنتم أعلم منا بذلك، كذلك هذه سنة اليهود؟
* الجواب: "ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء، أو تشريفًا أو تكريمًا لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي -ﷺ- ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح، ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله، بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها من الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوّهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياء وأمواتا، وقد نهى النبي -ﷺ- عن مشابهتهم. والذي عُرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين، والصدقة عنهم، وذكر محاسنهم والكفّ عن مساويهم إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتًا، وليس منها الوقوف حدادًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء، بل هذا مما تأباه أصول الإسلام" (^١).
وقد صدرت فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حكم الإحداد على
_________________
(١) مستفاد من كتاب فتاوى إسلامية. جمع محمد المسند الجزء الثاني ص ٤٩، ٥٠.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الملوك والزعماء. فقال -﵀-: "وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -ﷺ- تنهى عن الإحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة، فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا كما جاءت الرخصة عنه -ﷺ- للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقل، أما ما سوى ذلك من الإحداد فهو ممنوع شرعًا، وليس في الشريعة الكاملة ما يجيزه على ملك أو زعيم أو غيرهما، وقد مات في حياة النبي -ﷺ- ابنه إبراهيم وبناته الثلاث وأعيان آخرون فلم يحدّ عليهم -ﷺ-. وقتل في زمانه أمراء جيش مؤتة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة -﵃- فلم يحد عليهم، ثم توفي النبي -ﷺ- وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيد ولد آدم، والمصيبة بموته أعظم المصائب، ولم يحدّ عليه الصحابة -﵃-، ثم مات أبو بكر الصديق -﵁- وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحدوا عليه، ثم قتل عمر وعثمان وعلي -﵃- وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم.
وهكذا مات الصحابة جميعًا فلم يحد عليهم التابعون، وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من علماء التابعين ومن بعدهم؛ كسعيد بن المسيب وعلي ابن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبي حنيفة، وصاحبيه، والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة العلم والهدى فلم يحد عليهم المسلمون. ولو كان خيرًا لكان السلف الصالح إليه أسبق، والخير كله في اتباعهم والشر كله في مخالفتهم.
وقد دلت سنة رسول الله -ﷺ- التي أسلفنا ذكرها على أن ما فعله سلفنا الصالح من ترك الإحداد على غير الأزواج هو الحق والصواب، وأن ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الملوك والزعماء أمر مخالف للشريعة المطهرة مع ما يترتب عليه
[ ١ / ٤٧٠ ]
من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح والتشبه بأعداء الإسلام. وبذلك يعلم أن الواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على نهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونًا على البر والتقوى.
ولما أوجب الله سبحانه من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله -ﷺ- ولأئمة المسلمين وعامتهم رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة. وأسأل الله -﷿- أن يوفق قادة المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعًا إنه سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه" (^١).
* التحذير من التعظيم المحرم:
حذر العلماء من الغلو في الرسول -ﷺ- أو الأنبياء والملائكة أو القبور. ومن التعظيم المحرم الغلو في حق المخلوق كرفع النبي -ﷺ- فوق منزلته التي أنزله الله إياه ومن هذا قول البوصيري:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جود محمد -ﷺ- وادعى له علم الغيب الذي استأثر الله به سبحانه وهو علم اللوح والقلم. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وكل ذلك كفر صريح. ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته -﵇- وتعظيمه ومتابعته، هذا شأن اللعين لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن
_________________
(١) مجلة البحوث العدد الرابع من المجلد الأول عام ١٣٩٨ ص ٣١٠، ٣١١. فتاوى ابن باز ص ٧٣٩.
[ ١ / ٤٧١ ]
وثيق، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين" (^١).
ومما هو كفر صريح نداء الرسول -ﷺ- ودعاؤه والاستغاثة به قول البرعي:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدمت من زلل جودا ورجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني من الخطوب ونَفِّس كل أحزاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت داري وأوطاني
إني دعوتك من "نيابتي برع" وأنت أسمع من يدعوه ذو شأن
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي برحمة وكرامات وغفران (^٢)
ومن مظاهر التعظيم الشركي تعظيم القبور والقباب والمشاهد قال الشيخ سليمان ابن عبد الله: " فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس فنزلوا عن الاكوار، فإذا أتوها طافوا بها واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين، وحلقوا عندها الرؤوس ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، وهذا هو الحج، وكثير منهم يسجدون لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيما لها، وخضوعا لمن فيها، فإن كان للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك، نادى صاحب القبر، يا سيدي فلان جئتك قاصدًا من مكان بعيد، لا تخيبني، وكذلك إذا قحط المطر، أو عقرت المرأة عن الولد، أو دهمهم عدو أو جراد، فزعوا إلى صاحب القبر، وبكوا عنده فإن جرى المقدور بحصول شيء مما يريدون،
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ٣١٥.
(٢) تيسير العزيز الحميد ٢٢٧.
[ ١ / ٤٧٢ ]
استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، فإن لم يتيسر شي من ذلك اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر، أو ساخط لبعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين -ﷺ- قول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم" (^١)
وهذا غلو ظاهر ومن التعظيم أيضًا الوقوف مع الصمت تحية للشهداء والرؤساء فهذا زيادة على أنه تشبه بأعداء الإسلام فهو تعظيم لغبر الله وقيام لغيره وهذا كما قال ابن باز "أمر مخالف للشريعة المطهرة" (^٢).