قال ابن منظور: "الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربِّي والقيّم والمنعِم" (^١).
وقال الراغب: "الربوبية مصدر يقال في الله ﷿ والرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات وبالإضافة يقال: "رب الدار"" (^٢).
قال ابن عثيمين: "فكل العالمين قد رباهم الله بنعمه وأعدهم لما خلقوا له، وأمدهم برزقه قال الله ﵎ في محاورة موسى وفرعون ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠] فكل أحد من العالمين قد رباه اللهَ ﷿ بنعمته" (^٣).
_________________
(١) * لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ١٢٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٦١. تيسير العزيز الحميد ٣٣. فتح المجيد ص ٣٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٥ ط ٢ - ١/ ١١ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٠. معارج القبول ١/ ٧٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٤. مجموع. الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٦٥. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٢٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٦٦، ١٩١. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص ٩٨٢، ١٠٢١. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٣٠٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١١٣. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٤٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ١٥٥ - ١٧٠. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٢٤٤ - ٢٥٩.الجهل بمسائل الاعتقادة ص ٣٧٠. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٩٦. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٥٩ - ٦٤.
(٢) لسان العرب (ر ب ب).
(٣) المفردات في غريب القرآن ٦/ ٤٠.
(٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠.
[ ١ / ٥٩٣ ]
التعريف الشرعي: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فالله جل وعلا هو الخالق لجميع المخلوقات المالك المدبر لها.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر" (^١).
وهذا التوحيد أقر به الكفار على زمن رسول الله -ﷺ- ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله -ﷺ- واستحل دماءهم وأموالهم.
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
* الدليل من السنة: الأحاديث كثيرة في ذلك منها حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قال: ومن قالها من النهار مُوقِنًا بهَا فَمَاتَ من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٣.
[ ١ / ٥٩٤ ]
قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل االجنة" (^١).
ومن ذلك قوله -ﷺ-: "اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" (^٢). ومن ذلك دعاء الاستفتاح في قيام الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^٣).
* توحيد الربوبية لا يكفي العبد في حصول الإسلام:
يقول الإمام المقريزي: "توحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين" (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء، وهو الذي يسمونه: توحيد الأفعال إلى أن قال: وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين والعبادة، فلا يعبد إلا إياه، ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه لله" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٢٣)، (٦٣٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣).
(٣) أخرجه مسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٧).
(٤) تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص ٦.
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٤٥. ٨٤٦ وانظر شرح العقيدة الطحاوية ٨٣ - ٩٦ ط. المكتب الإسلامي.
[ ١ / ٥٩٥ ]
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين؛ مثل عيسى، وأمه، والملائكة؛ يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ وهم يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر؛ كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] " (^١).
وقد أفنى البعض عمره في إثبات هذا النوع مع أن النفوس قد فُطرت على الإقرار والإيمان به، وإنما تُنزل الكتب وتُرسل الرسل ويشرع الجهاد وتسير الكتائب من أجل توحيد الله بأفعال العباد وهو توحيد الألوهية.
ولذلك نجد أن أهل السنة والجماعة لم يعنوا كثيرًا في إيضاح توحيد الربوبية بل عنوا بتوحيد الألوهية، وبيانه، والدعوة إليه، والرد على من غلط فيه.
وإذا كان المشركون يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر فإن كفر من أشرك مع الله غيره في الربوبية يعتبر أشد كفرًا من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وقد دل القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٣]. تجاهل من عرف أنه عبد مربوب، بدليل قوله تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ
_________________
(١) الدرر السنية ١/ ٧٧.
[ ١ / ٥٩٦ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الاية، وقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّ﴾ [النمل: ١٤]. وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله كما قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] والآيات الدالة على ذلك كثير جدا" (^١).
وكذلك من ينكر الرب اليوم من الشيوعيين إنما ينكرونه في الظاهر مكابرة وإلا فهم في الباطن لا بد أن يعترفوا بأن هناك ربًا يفتقر العباد إليه، وما من موجود إلا وله مُوجِد، وما من مخلوق إلا وله خالق وما من أثر إلا وله مؤثر قال الله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد، فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد -ﷺ- أولا - لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون.
وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال: إن
_________________
(١) تفسير الشنقيطي أضواء البيان ٣/ ٤١٠، ٤١٤.
[ ١ / ٥٩٧ ]
من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق.
فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده" (^١).
* استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية:
إن من أقر بتوحيد الربوبية لله واعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله ﷿ لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه وهذا هو توحيد الألوهية فإن الألوهية هي العبادة فالإله معناه المعبود فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا تصرف جميع أنواع العبادة إلا له فتوحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الإلهية ولهذا كثيرا ما يحتج الله سبحانه على المنكرين لتوحيد الإلهية بما أقروا به من توحيد الربوبية مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وظاهر دلالة الآية الكريمة أن من أفرد الله بالربوبية استحق أن يفرده بالعبادة قال الشيخ سليمان بن عبد الله بعد أن ذكر أقسام التوحيد الثلاثة: "وهي متلازمة،
_________________
(١) التدمرية ص ١٧٩ - ١٨١.
[ ١ / ٥٩٨ ]
كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب وهذا التوحيد -يعني توحيد الربوبية- لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده.
ثم ذكر ﵀ الأدلة من القرآن على ذلك واستشهد بأشعارهم التي يقرون فيها بتوحيد الربوبية وختم ذلك بقوله: فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله" (^١).