الفصل الأول: التعريف بالتعطيل وأطواره
المبحث الأول: تعريف التعطيل وأنواعه
المطلب الأول: تعريف التعطيل
المطلب الأول: تعريف التعطيل
ا- التعطيل لغة مأخوذ من مادة (عطل)
قال ابن فارس: (عطل) العين والطاء واللام أصل صحيح واحد يدل على خلوٍّ وفراغ. تقول عطِّلت الدارُ، ودار معطلة. ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطِّلت. وكذلك البئر إذا لم تُورَدْ ولم يُستق منها. قال الله ﵎: ﴿وَبِئْر مُعَطَّلة﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِذَاْ العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ ٢. وكل شيء خلا من حافظ فقد عطل. من ذلك تعطيل الثغور وما أشبهها. ومن هذا الباب العَطَل وهو العُطُول، يقال امرأة عاطل، إذا كانت لا حلي لها، والجمع عواطل. وقوس عُطُلٌ: لا وتر عليها. وخيل أعطال: لا قلائد لها.٣
وقال الخليل بن أحمد: (امرأة عاطل بغير هاء: لا حليّ عليها وقوس عُطُل: لا وتر عليها. والأعطال من الخيل التي لا أرسان عليها. وإذا ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل. والمواشي إذا أهملت بلا راع فقد عطلت، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها والٍ يسوسها فهم معطلون، وقد عطلوا: أي أهملوا. وبئر معطلة لا يستقى منها ولا ينتفع بمائها. وتعطيل الحدود ألا تقام على من وجبت عليه، وعطلت الغلات والمزارع إذا لم تعمر ولم تحرث. وسمعت العرب تقول
_________________
(١) الآية ٤٥ من سورة الحج.
(٢) الآية ٤ من سورة التكوير.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٤/٣٥١.
[ ١٦ ]
فلان ذو عطلة إذا لم تكن له صنعة يمارسها. ودلو عَطِلَة إذا تَقَطع وذَمُها فتعطلت من الاستقاء بها) ١.
وقال ابن سيده: (التعطيل: التَّفريغ، وعطّل الدار: أخلاها. وكل ما ترك ضياعًا مُعَطَّلٌ ومُعْطَل.) ٢.
فمن خلال هذه النقول عن بعض كبار أئمة اللغة يتضح لك أن مدار كلمة التعطيل في اللغة على الخلو والفراغ والترك. وهذا ما فسر به بعض السلف قوله تعالى: ﴿وَبِئْر مُعَطَّلة﴾ .
قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: "التي تركت"٣
وقال قتادة: "أعطلها أهلها، وتركوها"٤.
وكذا قوله تعالى:: ﴿وإذا العشار عطلت﴾ قال أبي بن كعب: "إذا أهملها أهلها.٥. وقال مجاهد: "سيبت وتركت".٦
وهذه المعاني اللغوية للتعطيل هي المستعملة في الاصطلاح كما سيأتي.
ب- التعطيل إصطلاحًا:
يختلف تعريف التعطيل باختلاف صوره فهناك:
_________________
(١) تهذيب اللغة ٢/١٦٥.
(٢) المحكم ١/٣٣٨، ٣٣٩.
(٣) تفسير الطبري ١٧/١٨٠.
(٤) تفسير الطبري ١٧/١٨٠.
(٥) تفسير الطبري ٣٠/٦٦.
(٦) تفسير الطبري ٣٠/٦٦.
[ ١٧ ]
١- التعطيل المحض أو الكلي: وهو إنكار الخالق وإنكار كلامه ودينه، وإنكار عبادته وشرائعه.
قال ابن القيم: (وأهل التعطيل المحض عطلوا الشرائع وعطلوا المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته) ١.
وأهل هذا التعطيل هم الملاحدة الدهرية الطبائعية الذين ينكرون ما سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها٢ وقالوا: "إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير ولا يضمحل، وإن الأشياء ليس لها أول البتة.٣
٢- أما تعطيل الأسماء والصفات: فهو نفي الصفات الإلهية عن الله وإنكار قيامها بذاته أو إنكار بعضها.٤
أو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها.
فتوحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
١- التعطيل.٢- التمثيل.
فمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده. ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده.٥
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/٢٦٨.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/١٦٨.
(٣) إغاثة اللهفان ٢/٢٥٦.
(٤) الكواشف الجلية عن معاني الواسطية ص٨٧.
(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية ص٣٦.
[ ١٨ ]
والتعطيل في هذا الباب على قسمين:
القسم الأول: التعطيل المحض التام أو الكلي، وهو الذي عليه الجهمية والفلاسفة من إنكار جميع الأسماء والصفات.
والقسم الثاني: التعطيل الجزئي وهو نوعان:
النوع الأول: إثبات الأسماء ونفي الصفات وهو الذي عليه المعتزلة ومن وافقهم.
النوع الثاني: نفي بعض الصفات دون بعض وهو الذي عليه الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
والتعطيل هنا في هذا الباب يدخل فيه تعطيل الباري ﷾ عن أسمائه وصفاته.
ويدخل فيه أيضًا تعطيل نصوص الأسماء والصفات الذي هو إنكار حقائقها وما دلت عليه وما تضمنته من المعاني.
٣- تعطيل النبوات: وهو إنكار النبوات، كما هو حال البراهمة القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع ولكنهم ينكرون النبوات أصلًا. فالخلاف مع الخارجين عن الملة على ثلاثة أضرب:
١- الخلاف مع المنكرين للصانع والقائلين بقدم العالم.
٢- وخلاف مع القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع المنكرين للنبوات أصلًا كالبراهمة.
٣- خلاف مع القائلين ببعض النبوات المنكرين لنبوة محمد ﷺ.١
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية ١/١٤٠.
[ ١٩ ]
قال ابن حزم: (ذهبت البراهمة وهم قبيلة بالهند فيهم أشراف الهند وهم يقولون بالتوحيد على نحو قولنا إلا أنهم أنكروا النبوات) ١.
_________________
(١) الفصل ١/٦٩.
[ ٢٠ ]
المطلب الثاني: أنواع التعطيل في توحيد الله
ينقسم التعطيل في باب التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:
١- التعطيل في توحيد الربوبية
٢- التعطيل في توحيد الألوهية
٣- التعطيل في توحيد الأسماء والصفات.
فالتوحيد كما هو معلوم ضده الشرك، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل.١
أما القسم الأول: فهو تعطيل توحيد الربوبية
والمقصود به إنكار وجود الخالق ﷾ ومن صور هذا القسم وأمثلته:
١- شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وإنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس.٢
٢- شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق، ولا
_________________
(١) الجواب الكافي ص١٥٣.
(٢) الجواب الكافي ص١٥٣.
[ ٢١ ]
هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.١
٣- شرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ العَالَمِين﴾ ٢ وقال تعالى مخبرًا عنه أنه قال لهامان ﴿وقَالَ فِرْعَون يَا هَامَان ابن لِي صرْحًا لَعَلي أبلُغ الأَسْبَابَ أسبابَ السَّمَاوَاتِ فأطَّلعَ إلَى إلهِ مُوسَى وَإني لأَظنُّهُ كَاذبًا﴾ ٣
القسم الثاني: التعطيل في توحيد الألوهية
قال ابن القيم في تعريفه هو: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ٤.
(ومن صوره ما يفعله بعض غلاة المتصوفة من إسقاط العبادات عنهم وعن أتباعهم، وزعمهم أن الكمال في فناء العبد عن حظوظه -أي الفناء في توحيد الربوبية- حيث يعلنون أن العارف الذي يشهد هذا المقام “لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة" ويجعلون هذا غاية العرفان) .٥
القسم الثالث: التعطيل في توحيد الأسماء والصفات
وهو نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها. ومن صوره ما يعتقده غلاة الجهمية والقرامطة الذين لم يثبتوا لله اسمًا ولا صفة، فعطلوا أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.٦
وهذا القسم من أقسام التعطيل هو ما سأتناوله في هذه الدراسة بشكل مفصل وموسع.
_________________
(١) الجواب الكافي ص١٥٣.
(٢) الآية ٢٣ من سورة الشعراء.
(٣) الآيتان ٣٦،٣٧ من سورة غافر.
(٤) الجواب الكافي (ص١٥٣) .
(٥) التصوف وابن تيمية للدكتور مصطفى حلمي ص٣٩٠.
(٦) الجواب لكافي ص١٥٣.
[ ٢٢ ]
المبحث الثاني: درجات التعطيل
المطلب الأول: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عمومًا
المطلب الأول: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عمومًا
من سبر أقوال أهل التعطيل يجدها من حيث العموم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات.
وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان١، والفلاسفة، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة كالفارابي٢، أو فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا٣، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات، كما يُحكي عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم من نفي أسماء الله الحسنى، كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول)
القسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء.
وهذا قول المعتزلة، ووافقهم عليه ابن حزم الظاهري٥. والزيدية، والرافضة الإمامية، والإباضية. فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/١٣٥، ٥/٣٥٥، ١٣/١٣١، درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٦٧.
(٢) منهاج السنة ٢/٥٢٣، ٥٢٤.
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٦.
(٤) النبوات ص١٩٨.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩، ٢٥٠.
[ ٢٤ ]
يقول ابن المرتضى المعتزلي: "فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم مُحدثًا قديمًا قادرًا عالمًا حيًاّ لا لمعان"١
القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر.
وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
فالكلابية وقدماء الأشاعرة: يثبتون الأسماء والصفات ما عدا صفات الأفعال الاختيارية٢ (أي التي تتعلق بمشيئته واختياره) فهم إما يؤولونها أو يثبتونها على اعتبار أنها أزلية وذلك خوفًا منهم على حد زعمهم من حلول الحوادث بذات الله٣ أو يجعلونها من صفات الفعل المنفصلة عن الله التي لا تقوم به.٤
وأما الأشاعرة المتأخرون ومعهم الماتريدية فهم يثبتون الأسماء وسبعًا من الصفات هي (الحياة، العلم، القدرة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) .٥ وينفون باقي الصفات ويؤولون النصوص الواردة فيها ويحرفون معانيها.
_________________
(١) كتاب باب ذكر المعتزلة من كتاب المنيه والأمل ص٦. وانظر شرح الأصول الخمسة ص١٥١، ومقالات الإسلاميين ص١٦٤،١٦٥، مجموع الفتاوى ٥/٣٥٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٣١.
(٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/٥٠٦.
(٤) المصدر السابق ٢/٥٤٤.
(٥) انظر تحفة المريد ص٦٣، وإشارات المرام ص١٠٧، ١١٤، وكتاب الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٣٩، وكتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ٢/٤٣٠، ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله ص٤٠١.
[ ٢٥ ]
المطلب الثاني: درجات التعطيل في باب الأسماء الحسنى.
القول الأول: من يقول إن الله لا يسمى بشيء.
وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة الباطنية والفلاسفة.
وهؤلاء المعطلة لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك هي:
المسلك الأول: الاقتصار على نفي الإثبات فقالوا: لا يسمى بإثبات.
المسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثبات ولا نفي.
المسلك الثالث: السكوت عن الأمرين الإثبات والنفي.
المسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها.
فهذا الصنف من المعطلة اتفقوا على إنكار الأسماء جميعها، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار.
١- فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك:
ا- أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم، فإن صدق المشتق -أي الاسم كالعليم- مستلزم لصدق المشتق منه -أي الصفة كالعلم- وذلك محال عندهم.
ب- ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن
[ ٢٦ ]
مشابهة الغير.١
فهؤلاء المعطلة المحضة -نفاة الأسماء- يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهًا. فيقولون: إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع والبصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا إذا قلنا موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الوجود)
وهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئًا لا حيا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز"٣. وهو قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة فهم يقولون لا نسميه حيًّا ولا عالمًا ولا قادرًا ولا متكلمًا إلا مجازًا بمعنى السلب والإضافة: أي هو ليس بجاهل ولا عاجز.٤ وهذا كذلك قول ابن سينا وأمثاله.٥
٢- وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا: لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لاحي. لأن في الإثبات تشبيهًا بالموجودات، وفي النفي تشبيهًا له بالمعدومات.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٦/٣٥، ٣/١٠٠، ودرء تعارض العقل والنقل ٣/٣٦٧، وكتاب الصفدية ١/٨٨-٨٩، ٩٦-٩٧.
(٢) منهاج السنة ٢/٥٢٣، ٥٣٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١٢/٣١١.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/٣٥٥.
(٥) الصفدية ١/٢٩٩-٣٠٠.
[ ٢٧ ]
وكل ذلك تشبيه. وهذا المسلك ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة.١
٣- وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكى هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.٢
وأصحاب هذا المسلك هم المتجاهلة اللاأدرية.
وأصحاب المسلك الثاني هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.
وأصحاب المسلك الأول هم المكذبة النفاة.
والملاحظ أن كل فريق من هؤلاء يهدم ما بناه من قبله فلما اقتصر أصحاب المسلك الأول على النفي وامتنعوا عن الإثبات بحجة أن في الإثبات تشبيهًا له بالموجودات جاء أصحاب المسلك الثاني فزادوا في الغلو وزعموا أن في النفي كذلك تشبيهًا له بالجمادات فمنعوا النفي أيضا ثم جاء أصحاب المسلك الثالث فاتهموا أصحاب المسلك الثاني بأنهم شبهوه بالممتنعات لأن قولهم يقوم على نفي النقيضين وهذا ممتنع.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٣٥، ٣/١٠٠، شرح الأصفهانية ص٧٦، ٨٠.
(٢) كتاب الصفدية ١/٩٦-٩٨، شرح الأصفهانية ص٨٤.
[ ٢٨ ]
٤- وهناك مسلك رابع: وهو مسلك أصحاب وحدة الوجود الذين يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود، إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد.١
وهذا منتهى قول طوائف المعطلة.٢ وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو: (وجود مطلق) أي وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية،٣
القول الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما: "الخالق" و" القادر"
وهذا القول منسوب للجهم بن صفوان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا "بالخالق" و"القادر" لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له."٤
وقال ﵀: "ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادرًا خالقًا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية"٥
_________________
(١) شرح القصيدة النونية للهراس ٢/١٢٦.
(٢) الصفدية ١/٩٨، ٩٩.
(٣) الصفدية ١/١١٦، ١١٧.
(٤) منهاج السنة ٢/٥٢٦، ٥٢٧، الانساب للسمعاني ٢/١٣٣.
(٥) درء تعارض العقل والنقل ٥/١٨٧، مجموع الفتاوى ٨/٤٦٠.
[ ٢٩ ]
القول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات.
وهذا قول المعتزلة ووافقهم عليه ابن حزم الظاهري. وتبع المعتزلة على ذلك الزيدية، والرافضة الإمامية، وبعض الخوارج.
فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه. يقول ابن المرتضى المعتزلي: "فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم مُحدثًا قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًاّ لا لمعان"١
وابن حزم وافق المعتزلة في ذلك فهو يرى أن الأسماء الحسنى كالحي، والعليم، والقدير، بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم، ولا قدرة، وقال لا فرق بين الحي وبين العليم في المعنى أصلًا"٢
والمعتزلة لهم في نفيهم لتضمن الأسماء للصفات مسلكان:
المسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام محضة لا تدل على صفة. و(المحضة) الخاصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون: إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك أعلام لله ليست دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي مترادفة، وذلك مثل تسميتك ذاتًا واحدة (بزيد وعمرو ومحمد وعلي) فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها.٣
_________________
(١) كتاب ذكر المعتزلة ص٦، شرح الأصول الخمسة ص١٥١. مقالات الإسلاميين ص١٦٤-١٦٥.
(٢) الفصل ٢/١٦١، شرح الأصفهانية ص٧٦. درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩-٢٥٠.
(٣) التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية ١/٤٦.
[ ٣٠ ]
والمسلك الثاني: من يقول منهم إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليمًا وقديرًا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة.١ ولذلك يقولون عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر.
القول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معاني البعض وتحريف معاني البعض الآخر.
وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
فهؤلاء وإن كانوا يوافقون أهل السنة والجماعة في إثبات ألفاظ الأسماء الحسنى لكنهم يخالفونهم في إثبات بعض معاني تلك الأسماء.
فمن المعلوم أن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة. وللكلابية والأشاعرة والماتريدية قول في الصفات يخالف قول أهل السنة والجماعة. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون صفات الأفعال الاختيارية وبالتالي لا يثبتون الصفات التي تضمنتها الأسماء إذا كانت من هذا القبيل كالخالق والرزاق ونحوها، على تفصيل سيأتي ذكره عند الحديث عن موقفهم من الصفات.
وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات هي (العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) . فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالًا على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه.
_________________
(١) التحفة المهدية ١/٤٦.
[ ٣١ ]
ومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط وهي (العليم) و(القدير) و(الحي) و(السميع) و(البصير) فهذه الخمسة يثبتون معانيها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و(البصر) إلى (العلم) ولكن جمهورهم على خلاف ذلك.١
وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى إرادة الثواب أو إرادة (الإنعام) و(الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير) .٢
_________________
(١) لباب العقول للمكلاتي ص٢١٣،٢١٤، شرح الأصفهانية ص٤٤٥، المسايرة لابن الهمام ص٦٧، الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٦٤، الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ٢/٤١٣، منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في التوحيد ص٤٠٩.
(٢) شرح الأسماء الحسنى للرازي ص٢٨٧
[ ٣٢ ]
المطلب الثالث: درجات التعطيل في باب صفات الله تعالى.
القول الأول: نفاة جميع الصفات
وهذا قول الغلاة من المعطلة، ومنهم الجهمية أتباع جهم والفلاسفة سواء كانوا أهل فلسفة محضة كالفارابي أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية كابن سينا وإخوان الصفا أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين. وهذا القول بنفي الصفات هو قول المعتزلة ومن تبعهم كالزيدية والرافضة الإمامية والخوارج الإباضية وكذلك هو قول النجارية والضرارية.
فهؤلاء جميعًا لا يثبتون الصفات لله تعالى، وقد تنوعت أساليب تعطيلهم وطرق إنكارهم لها، ويمكن تصنيفهم إلى صنفين:
١- غلاة المعطلة٢- المعتزلة ومن وافقهم.
١- فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة.
وهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة١ وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله.٢.
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/٧-٨.
(٢) الصفدية ١/٢٩٩، ٣٠٠.
[ ٣٣ ]
وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان١ فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات.٢
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة.٣
فهؤلاء هم غلاة الغلاة٤ لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.٥
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/٧، شرح الأصفهانية ص٥١،٥٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/٨.
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٦.
(٤) مجموع الفتاوى ٣/١٠٠.
(٥) مجموع الفتاوى ٣/٧-٨.
[ ٣٤ ]
عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات)
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللاأدرية.
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.٢
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه وختامه٣
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٦.
(٢) الصفدية ١/٩٦،٩٨.
(٣) الفتوحات المكية ٤/١٤١ ط: دار صادر، بيروت.
[ ٣٥ ]
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ ١ ﴿وما علمت لكم من إله غيري﴾ ٢ وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ ٣. بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله)
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر ويفتقر إليه وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده٥
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت٦ فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد
_________________
(١) الآية ٢٤ من سورة النازعات.
(٢) الآية ٢٨ من سورة القصص.
(٣) الآية ١٤ من سورة طه.
(٤) بغية المرتاد ص٣٤٩.
(٥) فصوص الحكم ١/٨٣.
(٦) بغية المرتاد ص٣٩٧، ٣٩٨.
[ ٣٦ ]
والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين.١
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترىوذات لا ترى عين ما ترى".
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.٢
_________________
(١) بغية المرتاد ص٤٠٨.
(٢) بغية المرتاد ص٤٧٣.
[ ٣٧ ]
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه في عين الأمور مسرحا ومقيدًا١
خلاصة أقوال غلاة المعطلة
كلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:
١- الأصل الأول:
النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللاأدرية.
٢- الأصل الثاني:
أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى
_________________
(١) بغية المرتاد ص٥٢٧.
[ ٣٨ ]
الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
فكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:
١- إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
٢- وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها.
وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما.١
وهذا حال الجهمية دائمًا يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق، وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء.)
_________________
(١) بغية المرتاد ص٤١٠،٤١١.
(٢) نقض تأسيس الجهمية ٢/٤٦٧.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٣٩.
[ ٣٩ ]
ولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهالًا به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه.١
٢- المعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات٢ وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق٣ فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته.٤
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٤٨. «بتصرف»
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٣١.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٥١.
(٤) المعتزلة وأصولهم الخمسة ص١٠٠.
[ ٤٠ ]
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها.١
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية٢ والإباضية. وابن تومرت٣، وابن حزم.٤
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به.٥
النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود،
_________________
(١) المصدر السابق ص١٠١.
(٢) لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورًا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية ص٦٨.
(٣) كان أبو عبد الله محمد بن تومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية ص٢٣.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩،٢٥٠.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/١٤٧،١٤٨،٣٥٩.
[ ٤١ ]
وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.١
الضرارية:
وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه)
فكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه)
وكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن.٤
القول الثاني: نفي الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
وهو قول الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي٥ وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ١/٣٤١-٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص٢٠٧، والملل والنحل ١/٨٩،٩٠.
(٢) مقالات الإسلاميين ١/٣٣٩.
(٣) الفرق بين الفرق ص٢١٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٤/٣٥١،٣٥٢.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب- ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب) . مجموع الفتاوى ٦/٥٢١،٥٢٢.
[ ٤٢ ]
الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم.١
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته.٢
وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته٣ لا فعل ولا غير فعل.٤
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٤١١، ٦/٥٢،٥٣، ٤/١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٢.
[ ٤٣ ]
الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته.١
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات- والحوادث -أي الأمور المتعلقة بالمشيئة.٢٣
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله٤، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به.٥
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠،٥٢١.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٢٥.
(٣) تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٤) قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث) .
(٥) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(٦) قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(٧) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠،٥٢٥،١٤٩.
(٨) الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/٦٨، ٥/٤١٠.
(٩) مجموع الفتاوى ٦/٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/١٠٥.
[ ٤٤ ]
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِن علمه﴾ ١ وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ ٢ فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ ٤ وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا- ما فيه معنى الصفة والفعل.
كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ ٧
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
_________________
(١) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٥٨ من سورة الذاريات.
(٣) الآية ١٣ من سورة الشمس.
(٤) الآية ٢٦ من سورة الحج.
(٥) الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٦) الآية ١ من سورة المائدة.
(٧) الآية ٩٠ من سورة البقرة.
[ ٤٥ ]
١- إما قديمًا قائمًا به
٢- وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: "مسألة حلول الحوادث بذاته"١ وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
(١) - إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي٢ وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره.٣
(٢) - وإما أن يجعلوها من باب "النسب" و"الإضافة" المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط.٤
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/١٤٤،١٤٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٥/٤١٢.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/٤١٠.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/١٤٩.
[ ٤٦ ]
الصفات.١
(٣) - أو يجعلوها "أفعالًا محضة" في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة.٢
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري.٣
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا.٤
ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها.٥
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٤١١،٤١٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/١٤٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص٥١٧.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/٣٨٦.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/١٠٣٤،١٠٣٦.
[ ٤٧ ]
محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها.١
القول الثالث: من يقول بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها.
وهذا قول المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.
ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضًا للسمع، بل ما جعله معاضدًا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.٢
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/١٤٧،١٤٨.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/٩٧.
[ ٤٨ ]
فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.١ وزاد الباقلاني وإمام الحرمين الجويني صفة ثامنة هي الإدراك.٢
والصفات الثبوتية عند الماتريدية٣ هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين.٤ وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها.٥
وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقًا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان.
١- منهم من نفاه
٢- ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دلّ على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه.٦
والصفات السبع التي يثبتها هؤلاء يسمونها صفات المعاني وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/٣٥٨، ٣٥٩.
(٢) تحفة المريد ص٧٦، وبعض الأشاعرة توقف فيها والبعض نفاها.
(٣) انظر إشارات المرام ص١٠٧، ١١٤، جامع المتون ١٢٠٨، نظم الفرائد ص٢٤، الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٣٩.
(٤) أثبت الماتريدية صفة التكوين وعليه فهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وأما الأشاعرة فقد نفوها. انظر تحفة المريد ص٧٥.
(٥) الماتريدية دراسة وتقويم ص٢٣٩.
(٦) شرح الأصفهانية ص٩، مجموع الفتاوى ٦/٣٥٩.
[ ٤٩ ]
بسبعة منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم.١
وقد زاد بعضهم في عده للصفات فأوصلها إلى عشرين صفة وقسمها إلى أربعة أقسام:
١- صفات المعاني٢- الصفات المعنوية
٣- الصفات السلبية٤- الصفة النفسية.
فصفات المعاني تقدم ضابطها وعدها. وهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة.
فالقسم الثاني: الصفات المعنوية
وهي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه "حيًا،، عليمًا، قديرًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا" وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها.
ثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة.٢
والتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء.٣
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٥.
(٢) تحفة المريد ص٧٧.
(٣) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص١٠.
[ ٥٠ ]
٣- الصفات السلبية:
وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات.
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمسًا لا سادس لها١ وهي عندهم: القدم، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل.٢
وعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجودي. وإنما تتضمن أمرًا سلبيًا فعلى سبيل المثال:
القدم: المقصود بها نفي الحدوث
والبقاء: المقصود بها نفي الفناء
والوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له.
والقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد.
٤-الصفة النفسية:
وضابطها هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف.
وهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات.
_________________
(١) يرى بعضهم أنها ليست منحصرة في هذه الخمسة، إلا أن ما عداها راجع إليها ولو بالإلتزام، أو أن هذه مهماتها. انظر تحفة المريد ص٥٤.
(٢) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٨.
[ ٥١ ]
يقول شارح جوهرة التوحيد: (واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها.
فقولنا: "صفة" كالجنس
وقولنا: "ثبوتية" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.
وقولنا: "يدل الوصف بها على نفس الذات" معناه أنها لا تدل على شيء زائد على الذات.
وقولنا: "دون معنى زائد عليها" تفسير مراد لقولنا "على نفس الذات" ويخرج بذلك المعاني لأنها لا تدل على معنى زائد على الذات، وكذلك المعنوية" فإنها تستلزم المعاني فهي تدل على معنى زائد على الذات لاستلزامها المعاني.١
وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوضه ورم تنزيها٢
فنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها،
_________________
(١) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٥٤.
(٢) المصدر السابق ص٩١.
[ ٥٢ ]
يسمونها نصوص موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله ﷿. ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: "ورم تنزيهًا"
وشارح الجوهرة يقول: "أو فوض" أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى.١
فهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي) .٢
_________________
(١) تحفة المريد ص٩١
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٩.
[ ٥٣ ]
الفصل الثاني: أطوار مقالة التعطيل
المبحث الأول: المقالات السابقة لمقالة التعطيل
المطلب الأول: مقالة الخوارج
المطلب الأول: مقالة الخوارج
تأخر زمن ظهور مقالة التعطيل مقارنة بغيرها من المقالات المتقدمة، فلم يكن لمقالة التعطيل وجود في عصر الصحابة وكبار التابعين، وإنما تأخر ظهورها إلى أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. فمقالة تعطيل الصفات ليست بأول المقالات ظهورًا في المجتمع المسلم، فقد سبقها عدة مقالات لعل أولها مقالتا الخوارج والشيعة الذين ظهروا في آخر خلافة علي ﵁.١
ولقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول.٢ إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له: "حروراء" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: "تمرق مارقة عند فُرقة من
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٤، مجموع الفتاوى ٦/٣٣.
(٢) منهاج السنة ١/٣٠٦.
[ ٥٨ ]
المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".١
وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
"الأولى": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
"الثانية": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك.٢
وبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم.٣ وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/١١٣ ط١، دار المعرفة
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/٣١،٣٢.
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/١٠.
[ ٥٩ ]
المطلب الثاني: مقالة الشيعة
وحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥-٤٠هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.
الطائفة الأولى:
"الغلاة" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام- فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرًا
والطائفة الثانية:
"السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا.
والطائفة الثالثة:
"المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:
[ ٦٠ ]
ضلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.
وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري١ وغيره)
قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.
قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو كانوا طيرًا لكانوا رخمًا".
فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله.) ٥/٧
(٢) منهاج السنة ١/٣٠٧،٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/٣٣،٣٤.
[ ٦١ ]
إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.
ولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤوم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم.١
ومنذ أن ظهر التشيع واليهود٢ والمجوس٣ يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و"الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك.٤
ومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.
وقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.
_________________
(١) ذم الكلام للهروي ص٣٠٤،٣٠٥ «بتصرف»
(٢) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.
(٣) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/٥٢٨.
[ ٦٢ ]
ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا.١
فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة،٢ بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة.٣
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/١٠.
(٢) منهاج السنة ١/٣٠٨.
(٣) ذم الكلام للهروي ص٣٠٣.
[ ٦٣ ]
المطلب الثالث: مقالة القدرية
ثم حدثت بعد ذلك بدعة "القدرية" في آخر عصر الصحابة١ وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤-٧٣هـ) بعد موت معاوية.٢
ولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع.٣ ﵃.
وابن عباس مات (٦٨هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤هـ) . وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز.٤
وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني.٥
قال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له معبد بن خالد، ويقال معبد ابن
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣٠٨.
(٢) الحسنة والسيئة ص١٠٣.
(٣) منهاج السنة ص١٠٣.
(٤) الحسنة السيئة ص١٠٣.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥.
[ ٦٤ ]
عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب.١ مات قبل التسعين٢ قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين.٣
وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني٤
قال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة٥ زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله٦ فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر.٧
(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/١٨٧.
(٥) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٦) الشريعة للآجري ص٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص١٦٨.
(٧) ذم الكلام ص٣٠٣.
[ ٦٥ ]
لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) ١.
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة.٢
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين.
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٣.
(٢) ذم الكلام ص٣٠٥.
[ ٦٦ ]
١- "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
٢- "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط.١
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٣٦،٣٧.
[ ٦٧ ]
المطلب الرابع: مقالة المعتزلة
ثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها.١
وكانت "الخوارج" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: "إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك٢ وخاض في ذلك المعتزلة بعد موت الحسن البصري (١١٠هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات.٣
فقال عمرو عبيد (١٤٣هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة.٤
والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد
_________________
(١) كتاب الحسنة والسيئة ص١٠٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/٣٧.
(٣) كتاب الحسنة والسيئة ص١٠٣.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/٣٧،٣٨.
[ ٦٨ ]
هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام.١
_________________
(١) شرح الأصفهانية ص٦٥.
[ ٦٩ ]
المطلب الخامس: مقالة المرجئة
وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان.١
وأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة)
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف "ذر" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)
وقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء.٣
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت١٢٠هـ) هو أول من قال بالإرجاء)
وكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٣٨.
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/٣٢٩ رقم ٦٧٧) .
(٣) تهذيب التهذيب ٣/٢١٨.
(٤) مجموع الفتاوى ٧/٢٩٧، ٣١١ ٥/٥٠٧.
[ ٧٠ ]
دون الحكم، إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي.١
وصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين قالوا "الإيمان تصديق القلب وقول اللسان" وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.
وقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:
١- زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.
٢- زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
٣- زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.
القسم الثاني: الذين قالوا: "هو تصديق القلب فقط" وإن لم يتكلم به.
وهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٣٨،٤٨.
[ ٧١ ]
مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.
القسم الثالث: الذين يقولون: "الإيمان هو القول فقط".
فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.
وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار.١
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٣٨،٤٨-٥٥،٥٦.
[ ٧٢ ]
المبحث الثاني: نشأة التعطيل وأطواره
المطلب الأول: خطورة مقالة التعطيل
المطلب الأول: خطورة مقالة التعطيل
ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة "الجهمية" في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية.١
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر "الجعد بن درهم" وصاحبه "الجهم بن صفوان" ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على انكار الصفات) ٢.
وقد جاءت هذه المقالة من حيث الترتيب بعد مقالات الخوارج، والشيعة والقدرية والمعتزلة والمرجئة فقد كانت تلك المقالات أسبق في الظهور منها.٣
لكن مقالة التعطيل تعد أغلظ تلك البدع، والسبب في ذلك
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٣٣.
(٣) الناس في ترتيب أهل الأهواء على «أقسام»:
(٤) منهم من يرتبهم على زمن حدوثهم، فيبدأ بالخوارج.
(٥) ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغِلَظِهِ فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد ﵀، كعبد الله ابنه ونحوه، وكالخلال، وأبي عبد الله بن بطة، وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسي، وكلا الطائفتين تختم بالجهمية؛ لأنهم أغلظ البدع، وكالبخاري في صحيحه فإنه بدأ بـ «كتاب الإيمان والرد على المرجئة» وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات، فيكون الكلام أولًا مع الجهمية) انظر مجموع الفتاوى ١٣/٤٩،٥٠.
[ ٧٤ ]
أولًا: أن أصحاب هذه المقالة كانوا أول من عارض الوحي بالرأي ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، ولا يدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص.١
قال ابن القيم ﵀: (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور [أي نور الوحي]، لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم.
فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٤.
[ ٧٥ ]
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي.)
ثانيًا: أن بدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان بن طرخان التيمي٢ قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿)
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له "شمعلة" على المهدي فقال: دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية.
الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه.٤
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) ٥ وقد مضى عصر الصحابة٦ وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/١٠٦٩-١٠٧٠.
(٢) شيخ الاسلام أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسي البصري مولاهم، لم يكن تيميا بل نزل فيهم، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣هـ (التقريب ١/٣٢٦) .
(٣) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/١٠٤، ١٠٥ رقم (٨) .
(٤) كتاب خلق أفعال العباد ص١١، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/٤٨.
(٥) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/١٠٩ رقم (١٧) .
(٦) كان آخر الصحابة موتًا الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁، وصحح الذهبي أنه مات سنة عشر ومائة. انظر تدريب الراوي ٢/٢٢٨،٢٢٩.
[ ٧٦ ]
مصونة. إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم)
_________________
(١) الفتوى الحموية ص٤٧.
[ ٧٧ ]
المطلب الثاني: مراحل التعطيل الأولى
"مرحلة الجعد بن درهم"
فالجعد بن درهم هو أول من عرف عنه أنه أظهر في الإسلام مقالة التعطيل.١
قال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري -وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم-: (ليس الجعد من أمة محمد ﷺ) .٢
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة.
فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا،
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧.
(٢) ذم الكلام ص٣٠٤.
[ ٧٨ ]
تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضَحِيَّةً، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا)
"مرحلة الجهم بن صفوان"
ثم ظهر بهذا المذهب الجهم بن صفوان٢ الذي أخذ عن الجعد بن درهم مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة٣ والجهم هو الذي نشر ذلك المذهب وتكلم عليه فبسطه وطراه ودعا إليه، وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، نظرًا لما كان عليه من سلاطة في اللسان، وكثرة الجدل والمراء.
فهو صاحب ذلك المذهب الخبيث الذي اشتهر بنسبته إليه والذي صار به مذهبًا، فلم يزل هو يدعو إليه الرجال، وامرأته "زهرة" تدعو إليه النساء، حتى استهويا به خلقًا من خلق الله كثيرًا.
وكانت فتنته بالمشرق، فهناك بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد٤
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠-١٠٧٢
(٢) منهاج السنة ١/٣٠٩.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، البداية ٩/٣٥٠.
(٤) ذم الكلام للهروي ص٣٠٥.
[ ٧٩ ]
كلامًا في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم.)
وقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب٢ سنة (١٢٨هـ) .
"مرحلة اشتهار مقالة التعطيل"
وبعد مقتل الجهم بن صفوان على يد سلم بن أحوز، قام لهذه المقالة أحمد بن أبي داؤد (٢٤٠هـ) وبشر المريسي (٢١٨هـ) فملآ الدنيا محنة والقلوب فتنة دهرًا طويلًا.
(فما إن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون (١٩٨هـ - ٢١٨هـ)، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل. فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها)
قال ابن تيمية: (الجهمية لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوى أمرهم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/٣٥١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٢.
(٣) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٢.
[ ٨٠ ]
لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه. ثم لما تولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه، فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه؛ وكان هذا سنة ثماني عشر ومائتين.)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن تلك الحقبة الزمنية وما قبلها وما بعدها: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (١٥٨-١٦٩هـ) والرشيد (١٧٠-١٩٤هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: "الفتنة هاهنا"؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيضًا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٣.
[ ٨١ ]
من المجوس الفرس، والصابئين الروم، والمشركين الهنود، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجودًا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.
وفي دولة "أبي العباس المأمون" ظهر "الخرمية" ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوى ما قوى من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلًا وعدلًا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى، مما يطول وصفه)
قال الذهبي: (لما تولى المأمون الخلافة على رأس المائتين، نجم التشيع وأبدى صفحته. (وكان المأمون شيعيًا)
وبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/٢٠،٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/٢٨١.
[ ٨٢ ]
توحيد المؤمنين، وقد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويُعْزَلَ منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)
فالمأمون أول من أعلن بدعة القول بخلق القرآن من السلاطين ودعا إليها بقوة السلطان، (وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت) ٢ (ولكنه لم يرجع عن قوله وصمم على امتحان العلماء في سنة ثمان عشرة وشدد عليهم فأخذه الله.)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها)
قال السيوطي: (أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملة الإسلام وأحضرها من جزيرة قبرص المأمون.)
وفي هذه المرحلة قويت شوكت التعطيل واتسعت دائرته ونشط دعاته وكثرت
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/٣٢٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/٢٨١.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٠/٢٨٣، فوات الوفيات ٢/٢٣٨.
(٤) لوامع الأنوار البهية ١/٩.
(٥) الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص١١٨.
[ ٨٣ ]
طوائفه. فبعد أن كان خصوم أهل السنة هم الجهمية فقط، ظهر المعتزلة الذين حملوا راية التعطيل ووجهوا دفته، ودخلوا فيه بقوة هيأها لهم المأمون ومن بعده المعتصم ثم الواثق. وشايعهم على ذلك العديد من الفرق الضالة، فجمعت المعتزلة من ذلك الوقت بين بليتين "بلية نفي الصفات" و"بلية نفي القدر". وفي هذه المرحلة ظهر القرامطة، وبدؤوا يظهرون قولهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت "محنة الإمام أحمد" سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.)
وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت "الصفاتية" وهم وإن كانوا من أقرب المتكلمين إلى السنة إلا أنهم خالفوا قول أهل السنة بنفيهم للصفات الاختيارية، وعلى رأس أولئك عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢٣٤هـ) والحارث بن أسد المحاسبي (ت٢٣٤) وأبو العباس القلانسي وغيرهم.
ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة التعطيل وعظم خطره وكثر خصوم السنة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٥٥٨.
[ ٨٤ ]
المطلب الثالث: مراحل اتساع دائرة التعطيل
مرحلة "المعتزلة"
وقد دخلت المعتزلة في تلك المرحلة في هذه المقالة، وشاركوا الجهمية في بعض أصولهم، (مع أن المعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية١ قول جهم قال: (فاتبعه قوم من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة) .
واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف (٢٣٥هـ) والنظام (٢٣١هـ) وأشباههم من أهل الكلام)
وبدأ اشتهار مقالة التعطيل من حين فتنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فالمعطلة للأسماء والصفات في زمن إمارة المأمون (١٩٨-٢١٨هـ) قووا وكثروا، فإن المأمون كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها مات المأمون.
وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ومائتين وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام. فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن
_________________
(١) الرد على الزنادقة والجهمية ص٦٦،٦٧. (ضمن كتاب عقائد السلف) .
(٢) شرح الأصفهانية ص٦٥.
[ ٨٥ ]
يوافقوهم، وامتحانهم إياهم جهل وظلم. وأراد المعتصم إطلاقه، فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة. فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم في العامة، وخافوا الفتنة. فأطلقوه.
وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف، وكانت الطوائف التي تقول بخلق القرآن في ذلك الحين هم المعتزلة، والجهمية أتباع جهم والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو ولذلك يخطئ من يظن أن خصوم الإمام أحمد هم المعتزلة فقط، فيظن أن بشر بن غياث المريسي -وإن كان مات قبل محنة الإمام أحمد-، وابن أبي دؤاد ونحوهما كانوا معتزلة وليس كذلك.١
وقد استمرت محنة القول بخلق القرآن أربعة عشر عامًا من سنة ثماني عشرة ومائتين إلى سنة أربع وثلاثين ومائتين للهجرة فقد سار المعتصم (٢١٨-٢٢٧هـ) والواثق (٢٢٧-٢٣٢هـ) على طريقة المأمون، فامتحنوا العلماء بذلك وحملوا الكافة على القول بخلق القرآن، فمدت بدعة التعطيل رواقها، وتنفذ أهلها على البلاد والعباد، وصارت المنابر والحلق والقضاء حكرًا على هؤلاء المعطلة، وضيق على أهل السنة ونالهم العنت الشديد. وهو أمر لم يسبق له نظير قبله في خلفاء الأمة.
واستمر الأمر كذلك حتى جاء الله بالفرج والنصر لأهل السنة في عهد الخليفة المتوكل ﵀ سنة أربع وثلاثين ومائتين فانقضى عصر المحنة بعد سنتين من خلافة المتوكل الذي أظهر السنة، وقمع البدعة، وزجر عن القول
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/٣٥١،٣٥٢. «بتصرف» و٥/٥٥٤.
[ ٨٦ ]
بخلق القرآن.)
وظهر للناس وتبين لهم باطن أمر الجهمية، وأنهم معطلة الصفات يقولون إن الله لا يرى، ولا له علم، ولا قدرة، وإنه ليس فوق العرش رب، ولا على السماوات إله، وإن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، إلى غير ذلك من أقوال الجهمية النفاة، فكثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة وبالكلام الحق تارة، وبالباطل تارة.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان في أيام "المتوكل" (٢٣٢-٢٤٧هـ) قد عز الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم.
وكذلك في أيام "المعتضد" (٢٧٩-٢٨٩هـ) "والمهدي" (١٥٨-١٦٩هـ) "والقادر" (٣٨١-٤٢٢هـ) وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم. وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك.٣
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٢/٣٤، مجموع الفتاوى ١٣/١٨٣،١٨٤.
(٢) مجموع الفتاوى ٥/٥٥٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/٢١،٢٢.
[ ٨٧ ]
مرحلة الصفاتية:
١- "الكلابية"
وكان ممن انتدب للرد على الجهمية والمعتزلة أبو محمد عبد الله ابن سعيد بن كلاب القطان.١ فقد جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري المتوفي سنة (٢٤٣هـ) بعد هؤلاء [أي الجهمية والمعتزلة] في زمن محنة القول بخلق القرآن التي سبق ذكرها وكان قد انتشر بين الأمة النزاع في هذه المسائل، فقام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب القطان البصري، وكان رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، وصنف في الرد على الجهمية والمعتزلة مصنفات، وبين تناقضهم فيها وكشف كثيرًا من عوراتهم وكان له فضل وعلم ودين.٢
لكن ابن كلاب لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه٣ وسلم لهم ذلك الأصل الذي هو ينبوع البدع "وهي مسألة حلول الحوادث".
فاحتاج بذلك إلى أن يقول: إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا نادى موسى حين جاء الطور، بل ولا يقوم به نداء حقيقي، ولا يكون إيمان العباد وعملهم الصالح هو السبب في رضاه ومحبته، ولا كفرهم هو السبب في سخطه وغضبه، فلا يكون بعد أعمالهم لا حب ولا رضا ولا سخط ولا فرح ولا غير ذلك مما أخبرت به نصوص الكتاب والسنة.٤
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٥٥٥.
(٢) منهاج السنة النبوية ١/٣١٢.
(٣) مجموع الفتاوى ٥/٥٥٥.
(٤) منهاج السنة ١/٣١٢.
[ ٩٠ ]
فابتدع ابن كلاب مسلكًا خاصًا به، حاول أن يلفق فيه بين النصوص الشرعية والنظريات الكلامية، فأنشأ في المسألة ما يعرف "بمذهب الصفاتية" فأصبح قولًا ثالثًا في المسألة بينما كان الأمر في السابق يتنازعه فريقان "المثبتة" وهم أهل السنة والجماعة. و"النفاة" وهم الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية.١
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله.٢
فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج "متكلمة الصفاتية" لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٢/٦.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٢/١.
[ ٩١ ]
وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية١ ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك.٢ فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول.)
فابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. فابن كلاب أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة "الصفاتية" التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية٤
وقد سار على هذا النهج القلانسي والأشعري والمحاسبي وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي)
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٦٦.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٣٧٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١٢/٣٦٦.
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/٢٠٦.
(٥) منهاج السنة ٢/٣٢٧.
[ ٩٢ ]
إلى السلف من الأشعري.١
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه.٢
ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه. ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه. ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه.
ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا بوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة.٣
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٢٠٢،٢٠٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٢٠٣.
(٣) بغية المرتاد ص٤٥١.
[ ٩٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت٤٠٦هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول)
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفى ابن كلاب سنة (٢٤٣هـ) وفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.
٢- "الأشعرية"
يعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠هـ -٣٢٤هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها لفترة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، إلا أنه
_________________
(١) الاستقامة ١/١٠٥.
[ ٩٤ ]
وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.
وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.
ثم التقى بزكريا بن يحي الساجي فأخذ عنه ما أخذ من أصول أهل السنة والحديث،١ وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها٢ ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى وذلك بآخر أمره.
ولكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك.٣
وقال عنه السجزي: (رجع في الفروع وثبت في الأصول) ٤ أي أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الأعراض وغيره.٥
وقال ابن تيمية: (أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/٣٨٦، تذكرة الحفاظ (٢/٩٠٧) .
(٢) العلو ص١٥٠، تذكرة الحفاظ (٢/٩٠٧) .
(٣) مجموع الفتاوى ١٢/٢٠٤.
(٤) الرد على من أنكر الحرف والصوت ص١٦٨.
(٥) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/٣٦٧.
[ ٩٥ ]
السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا)
وقال أيضًا: (والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشأها ويختارها، وأمثال ذلك) ٢ وقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.
فالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه)
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء.٤
لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
_________________
(١) الاستقامة ١/٢١٢.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/٩٧.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٧/٩٧.
(٤) مجموع الفتاوى ٤/١٤٧، ١٤٨.
[ ٩٦ ]
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة.١
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الإعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها: وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالى كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين٢.
_________________
(١) منهاج السنة ٢/٢٢٣، ٢٢٤.
(٢) منهاج السنة ٢/٢٢٣،٢٢٤.
[ ٩٧ ]
ففما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت٤٠٣هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها.١ وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل.٢ ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري.٣
ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت٤٧٨هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس.٤ وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت٥٠٥هـ) وابن الخطيب الرازي (ت٦٠٦هـ) وخلطوا مع المادة
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص٤٦٥، ط: مصطفى محمد.
(٢) مقدمة التمهيد للباقلاني ص١٥، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(٣) نشأة الأشعرية وتطورها ص٣٢٠.
(٤) بغية المرتاد ص٤٤٨، ٤٥١، «بتصرف» .
[ ٩٨ ]
الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه الشفا، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت٤٣٦هـ) . وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما.١ والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث٢.
وهناك عدة عوامل أدت إلى انتشار الأشعرية واشتهارها لعل من أبرزها ما يلي:
أولًا:- نشأةُ المذهب في "بغداد" التي كانت حاضرة الخلافة العباسية ومحط أنظار طلاب العلم الذين كانوا يفدون إليها من شتى الأقطار، فهذا العامل أدى بدوره إلى تبني البعض للمذهب الأشعري والسعي لنشره في
_________________
(١) بغية المرتاد ص٤٤٨، «بتصرف» .
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٥.
[ ٩٩ ]
الأقطار الأخرى١. بسبب تواجد كثير من أعيان المذهب الأشعري في بغداد في ذلك الحين.
ثانيًا: التقارب الذي كان موجودًا بين الأشعرية والحنبلية وما نفقت الأشعرية وراجت إلا بتوالفها مع الحنبلية. ولولا ذلك لكان مصيرها مصير المعتزلة الذين كان للحنابلة دور كبير في مقاومتهم والرد عليهم. وقد كان بين الأشعرية والحنبلية شيء من التوالف والمسالمة وكانوا قديما متقاربين.
فإن أبا الحسن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وكان عداده في متكلمي أهل الحديث.
والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم.
وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري٢ وكان تلميذًا لابن فورك الذي كان من أشعرية خراسان الذين انحرفوا إلى التعطيل، فلما صنف القاضي أبو يعلى الحنبلي كتابه "إبطال التأويلات" رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره مائلين إليه. فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة٣.
ثالثًا: انتساب بعض الأمراء والوزراء للمذهب الأشعري وتبنيهم له ومن أبرزهم:
_________________
(١) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة ٢/٤٩٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٥٢-٥٣.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٥٢-٥٤.
[ ١٠٠ ]
أ- الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاه مدة ثلاثين سنة وذلك من سنة (٤٥٥هـ- إلى ٤٨٥هـ) .
وفي عهده أنشئت المدارس النظامية نسبة إليه وذلك في عدة مدن منها البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد.
وكان نظام الملك معظمًا للصوفية والأشعرية، إذ كان هؤلاء الذين يلقون الدروس في هذه المدارس، فكان لذلك دوره الكبير في نشر أصول العقيدة الأشعرية١.
ب- المهدي بن تومرت (٥٢٤هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على
_________________
(١) انظر موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة ٢/٥٠٠.
[ ١٠١ ]
معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة١. فكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
جـ- صلاح الدين الأيوبي
وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك٢.
وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر انحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ١١/٤٧٥-
(٢) الخطط للمقريزي ٢/٣٥٨.
[ ١٠٢ ]
"الماتريدية"
تعد الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لما بينهما من الائتلاف والإتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق بينهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة والماتريدية بأن كلًا من أبى الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم١.
ولعل هذا التوافق مع كونه يرجع في سببه الرئيسي إلى توافق أفكار الفرقتين وقلة المسائل الخلافية بينهما وبخاصة مع الأشعرية المتأخرة، إلا أن هناك أسبابًا مهمة يجب اعتبارها وأخذها في الحسبان ولعل أهمها التزامن في نشأة الفرقتين مع كون كل فرقة استقلت بأماكن نفوذ لم تنازعها فيها الفرقة الأخرى. فالماتريدية انتشرت بين الأحناف الذين كانوا متواجدين في شرق العالم الإسلامي وشماله فقل أن تجد حنفيًا على عقيدة الأشاعرة إلا ما ذكر من أن أبا جعفر السمناني -وهو حنفي- كان أشعريًا.
بينما نجد الأشعرية قد انتشرت بين الشافعية والمالكية وهم اليوم يتواجدون في وسط وغرب وجنوب وجنوب شرق العالم الإسلامي، فجل الشافعية والمالكية على الأشعرية. ولست اعني بذلك عوامهم وإنما الطبقة المثقفة منهم.
والماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣هـ)
_________________
(١) مفتاح السعادة ٢/١٥١،١٥٢ تأليف: طاش كبرى زاده
(٢) انظر ترجمته في كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ١/٢٠٩ للدكتور شمس الدين الأفغاني.
[ ١٠٥ ]
كان معدودًا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار١، وقد نهج منهجًا كلاميًا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما.
وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها٢.
ومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عمومًا كانوا من أسبق الناس تأثرًا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: (وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة..)
فبشر بن غياث المريسي (٢٢٨هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علمًا من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه.
فالماتريدي لا يبعد كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لدود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرًا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الإعتقادية. شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعتبر امتدادًا لمدرسة ابن كلاب
_________________
(١) العقيدة السلفية في كلام رب البرية (٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/٤٣٣، كتاب الإيمان ٤١٤، منهاج السنة ٢/٣٦٢.
(٣) الرد على الجهمية ص١٠٣-١٠٥.
[ ١٠٦ ]
التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرًا بين أهل السنة والجماعة من جهة والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجًا ثالثًا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.
فالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كانت تغص بمختلف الطوائف والفرق١.
ولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.
وقد مرت الماتريدية بأدوار تاريخية لخصها الباحث الدكتور شمس الأفغاني على النحو التالي٢:
أولًا: الدور التأسيسي (٢٥٨-٣٣٣هـ)
ويمتاز هذا الدور بأنه دور النشأة والتأسيس، وعرف فيه الماتريدي بآرائه الكلامية التي سخرها للرد على المعتزلة سالكًا في ذلك طريقة الصفاتية من أهل الكلام ومن أشهر مؤلفاته في ذلك كتاب التوحيد.
ثانيًا: الدور التكويني (٣٣٣-٤٠٠هـ)
وهو دور تلامذة الماتريدي الذي تأثروا به، وسعوا في نشر أفكاره والدفاع عنها ومن أشهر تلاميذه:
_________________
(١) أبو القاسم إسحاق بن محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن زيد الحكيم
(٢) انظر أحسن التقاسيم للمقدسي ص٣٢٣.
(٣) انظر كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ١/٢٦٢-٢٦٨ «بتصرف»
[ ١٠٧ ]
السمرقندي (٣٤٢هـ)
٢- أبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي (٣٩٠هـ) .
٣- أبو الحسن علي بن سعيد الرُّسُتُغْفَنى ()
٤- أبو أحمد بن أبي نصر أحمد بن العباس العياضي ()
٥- أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري ()
ثالثًا: الدور البزدوي (٤٠٠-٥٠٠هـ)
وهو دور تلامذة التلاميذ، وهو امتداد للدور السابق وقد سعى فيه أصحابه في التأليف والنشر لهذه العقيدة ومن أعيان هذا الدور:
١- أبو اليسر محمد بن محمد البزدوي (٤٩٣هـ)
٢- محمد بن الفضل البلخي (٤١٩هـ)
٣- محمد بن المظفر البغدادي (٤٨٨هـ)
٤- أبو العلاء صاعد بن محمد الاستوائي (٤٣٢هـ)
رابعًا: الدور النسفي (٥٠٠-٧٠٠)
ويعتبر هذا الدور من أهم أدوار الماتريدية لاحتوائه على مشاهيرهم ومن أعيان هذا الدور:
١- أبو المعين ميمون بن محمد المكحولي النسفي (٥٠٨هـ)
ودوره في الماتريدية يماثل دور الباقلاني والغزالي في الأشعرية١ وله كتاب "تبصرة الأدلة" ويأتي هذا الكتاب في المرتبة الثانية بعد كتاب التوحيد
١- مقدمة كتاب التوحيد ص٥-٦، تأليف فتح الله خليف.
[ ١٠٨ ]
للماتريدية من حيث الأهمية.
٢- نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي (٥٣٧هـ)
هو من كبار الماتريدية وكتابه "العقائد النسفية" هو عمدة الماتريدية في مناهجهم الدراسية إلى يومنا هذا وهو المعتمد عند علماء الأزهر، وقد ألف حوله أكثر من مائة كتاب من أشهرها شرح التفتازاني.
٣- أبو محمد نور الدين أحمد بن محمد الصابوني (٥٨٠هـ)
٤- حافظ الدين أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي (٧١٠هـ) وهو من كبار الماتريدية ولمؤلفاته أهمية بالغة عندهم.
خامسًا: الدور العثماني (٧٠٠-١٣٠٠هـ)
نسبة إلى الدولة العثمانية ويعد هذا الدور قمة أدوار الماتريدية بسبب الحضور السياسي، لأن الدولة العثمانية كانت دولة حنفية الفروع ماتريدية العقيدة. الأمر الذي ساعد في نشر العقيدة الماتريدية واتساع رقعتها الجغرافية، فقد كان جل القضاة والمفتين والخطباء ورؤساء المدارس من الماتريدية الأحناف ومن أعيان هذا الدور:
١- صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (٧٤٧هـ)
٢- سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (٧٩٢هـ)
٣- أبو الحسن علي بن محمد المعروف "بالسيد سند الجرجاني" (٨١٦هـ)
٤- كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام (٨٦١هـ)
٥- زين الدين أبو العدل قاسم بن قُطُلْوبْغَا (٨٧٩هـ)
[ ١٠٩ ]
٦- علي بن سلطان محمد أبو الحسن الهروي المكي المعروف بملا علي القاري (١٠١٤هـ)
٧- مصطفى بن عبد الله الرومي القسطنطيني المعروف "بملا كاتب شلبي" و"حاجي خليفة" (١٠٦٧هـ)
سادسًا: الدور الديوبندي (١٢٨٣-)
نسبة إلى جامعة ديوبند بالهند والتي تفرع عنها الكثير من المدارس في القارة الهندية. وهذا الدور الديوبندي يسير على خطين:
أحدهما: "تعليمي" ويتمثل في المدارس الديوبندية المنتشرة في عموم شبه القارة الهندية (الهند -الباكستان -بنجلاديش -أفغانستان) وهي أقوى المدارس الماتريدية في الوقت الراهن.
الخط الثاني: "دعوى" وهو ما يعرف "بجماعة التبليغ" والذي يعد في حقيقته امتدادًا للمنهج الماتريدي والصوفي وكما قيل كل إناء بما فيه ينضح، فهذه الجماعة جذورها كلامية ماتريدية، ومناهجها صوفية طرقية١.
_________________
(١) لي كلمة أقولها جوابًا على زعم من يقول إن لهذه الجماعة حسنات. وهي أن المعيار الحقيقي لأي موازنة يجب أن تقوم على أساس العرض على أصلي هذا الدين ألا وهما:
(٢) التوحيد الذي هو شهادة «أن لا إله إلا الله»
(٣) الاتباع الذي هو شهادة «أن محمدًا رسول الله» فإن استقام الأمر في هذين الأصلين نظر لما بعدهما فلا حسنة مع اختلال التوحيد لأن الله يقول: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ وأيضًا لا قيمة للعمل إذا لم يكن وفق سنة الرسول ﷺ فهو القائل: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فهذا هو المنهج الصحيح في أي موازنة تعقد، ومن ينظر إلى أصول هذه الجماعة يدرك أنها أخلت بالأصلين فهم في الأصل الأول متكلمة ماتريدية، وفي الأصل الثاني صوفية طرقية.
[ ١١٠ ]
سابعًا: الدور الكوثري (١٢٩٦هـ-)
وهو منسوب إلى محمد بن زاهد الكوثري الجركسي المتوفى سنة (١٣٧١هـ) المعروف والمشهور بعدائه للدعوة السلفية وأعلامها.
ومن تلاميذ هذا الدور وأعيانه الذين يعدون امتدادًا له في عصرنا الحاضر عبد الفتاح أبو غدة ومن على شاكلته.
[ ١١١ ]
مرحلة ظهور الفلاسفة والباطنية:
بعد ظهور الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية حدث بعد هذا في الإسلام "الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم" حدثوا وانتشروا بعد انقراض العصور المفضلة، وصار كل زمان ومكان يضعف فيه نور الإسلام يظهرون فيه.١
(وكان من أسباب ظهورهم أن أهل العراق لما اشتغلوا في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد، سلط عليهم القرامطة٢ الباطنية)
فكان من أسباب ظهورهم أنهم ظنوا أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون، ورأوا ذلك فسادًا في العقل. فرأوا دين الإسلام المعروف فاسدًا في العقل.
فكان غلاتهم طاعنين في دين الإسلام بالكلية -باليد والسنان- كالخرمية
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣١٦.
(٢) (القرامطة نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط، كان أحد دعاتهم في الابتداء فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطة. وهم قوم يدعون الإسلام ويميلون إلى الرفض) تلبيس ابليس لإبن الجوزي (ص١٤٤-١٤٩) . قال ابن القيم: (القرامطة لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا رب خالق، ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى، وهم زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الالحاد المحض) انظر إغاثة اللهفان ٢/٢٦٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين يضاهئون الصابئة الفلاسفة والمجوس الثانوية عطلوا وحرفوا الإيمان بالله، وكذلك الإيمان باليوم الآخر، وكذلك العمل الصالح، حتى جعلوا ما جاءت به الشريعة من أسماء الأعمال إنما هي رموز وإشارات إلى حقائقهم كقولهم: إن الصلاة معرفة اسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج زيارة شيوخنا المقدسين وأمثال ذلك) انظر بغية المرتاد ص٤٩٠،٤٩١.
(٣) إغاثة اللهفان ٢/٢٦٩.
[ ١١٤ ]
أتباع بابك الخرمي١ وقرامطة البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي٢ وغيرهم.
وأما مقتصدوهم وعقلاؤهم فرأوا أن ما جاء به محمد ﷺ فيه من الخير والصلاح ما لا يمكن القدح فيه، بل اعترف حذاقهم بما قاله ابن سينا وغيره من أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموس محمد ﷺ، وكان هذا موجب عقلهم وفلسفتهم.٣ فلم يطعنوا في دين محمد ﷺ كما طعن أولئك المظهرون للزندقة من الفلاسفة، ورأوا أن ما يقوله أولئك المتكلمون فيه ما يخالف صريح المعقول، فطعنوا بذلك عليهم.٤
وكان لهؤلاء الفلاسفة أقوال فاسدة تلقوها من أسلافهم الفلاسفة، ولما رأوا أن ما تواتر عن الرسل يخالفها، سلكوا طريقهم الباطنية فقالوا: إن الرسل لم
_________________
(١) بابك الخرمي من زعماء الباطنية من أتباع «الخُرَّمِيَّة» أو «الخرمدينية» وهي لفظة أعجمية وهي عبارة عما يستلذ ويشتهى وترتاح به الأنفس، وقد لقبوا بها لأن حاصل مذهبهم راجع إلى رفع التكليف، وتسليط الناس على اتباع الشهوات من المباحات والمحرمات، وقد ظهر بابك في جبل البدين بناحية أذريبجان، وكثر أتباعه فاستحلوا المحرمات، وأباحوا وقتلوا الكثير من المسلمين، وحاربته جيوش المعتصم مدة طويلة إلى أن أسرته فصلبته وقتلته سنة ٢٢٣هـ بسر من رأى. انظر كتاب بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص٢٤، ٢٥، تاريخ الطبري ٩/١١،٥٥، الملل والنحل ١/٢١٦.
(٢) أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنَّابي، رأس القرامطة وداعيتهم، كان دقاقا من أهل جنابة (بفارس) ونفى منها، فأقام في البحرين تاجرًا، وأقامه حمدان قرمط داعية في فارس الجنوبية، وقد حارب الجنابي الدولة العباسية، واستولى على هجر والأحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين، وأحرق المصاحف والمساجد. وفي عام (٣٠١هـ) اغتاله خادم له صقلي في الحمام بهجر. انظر البداية ١١/١٢١، الأعلام ٢/١٨٥، الفرق بين الفرق ص١٦٩،١٧٤.
(٣) منهاج السنة ١/٣١٦،٣١٧.
(٤) منهاج السنة ١/٣٢١.
[ ١١٥ ]
تبين العلم والحقائق التي يقوم عليها البرهان في الأمور العلمية، ثم منهم من قال: إن الرسل علمت ذلك وما بينته، ومنهم من يقول: إنها لم تعلمه وإنما كانوا بارعين في الحكمة العملية دون الحكمة العلمية، ولكن خاطبوا الجمهور بخطاب تخييلي، خيلت لهم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما ينفعهم اعتقاده في سياستهم، وإن كان ذلك اعتقادًا باطلًا لا يطابق الحقائق.
وهم يقرون بالعبادات، ولكن يقولون مقصودها إصلاح أخلاق النفس، وقد يقولون إنها تسقط عن الخاصة العارفين بالحقائق فكانت بدعة أولئك المتكلمين مما أعانت إلحاد هؤلاء الملحدين)
(وهؤلاء القرامطة والباطنية والملاحدة هم جنود إبليس حقًا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم، ودعوتهم تقوم على الدعوة إلى العقل المجرد، وقالوا نحن أنصار العقل الداعين إليه المخاصمين به المحاكمين إليه.
وقد جرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى، وكسروا عسكر الخليفة مرارًا عديدة، وقتلوا الحاج قتلًا ذريعًا، وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه، وقويت شوكتهم، واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية. واشتدت بهم البلية، وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام في الشرق والغرب، وكاد الإسلام أن ينهد ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ثم خمدت دعوة هؤلاء في المشرق، وظهرت من المغرب قليلًا قليلًا على أيدي العبيديين، حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد
_________________
(١) منهاج السنة ١/٣٢١،٣٢٢. «بتصرف»
[ ١١٦ ]
المغرب، ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة، وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها غير متحاشين منها، هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، والإشارات، والشفا، وكتب ابن سينا،١ فإنه قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية.
وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية بحيث يكون قارئها وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر، وشعار هذه الدعوة العبيدية تقديم العقل على الوحي، واستولوا على بلاد المغرب، ومصر، والشام، والحجاز، واستولوا على العراق سنة، وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين، بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز عندهم ما لم يصل إليه أحد من أهل السنة ولا يطمع فيه، فكم أغمدت سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء، وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة. حتى استنقذ الله الأمة من أيديهم في أيام نور الدين محمود بن زنكي (ت٥٦٩هـ) وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي (ت٥٨٩هـ) فأبل وبرأ الإسلام من علته بعد ما وطن المسلمون أنفسهم على العراء، وانتعش بعد طول الخمول، حتى استبشر أهل
_________________
(١) هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، ولد سنة ٣٧٠هـ وتوفي سنة ٤٢٨هـ، وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه فقال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا رب خالق، ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى وقد رام ابن سينا بجهده تقريب رأي الفلاسفة الملاحدة من قول أهل الملل، فإنه قرب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجهده، وغاية ما أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين في التجهم. انظر إغاثة اللهفان ٢/٢٦١، ٢٦٦.
[ ١١٧ ]
الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق، وثابت إليه روحه بعدما بلغت التراقي وقيل من راق، واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، أخذ كل من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب. وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس الأشهاد.١
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك السلطان "نور الدين محمود" الذي كان بالشام، عز أهل الإسلام في زمنه، وذل الكفر وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم) ٢ (فعاش الناس في ذلك النور مدة، حتى استولت الظلمة على بلاد المشرق، وطفي نور النبوة والوحي، بسبب اشتغالهم بالمنطق والفلسفة، وتقديم العقول والآراء والسياسة والأذواق والرأي على الوحي، فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها، سلط عليهم عساكر التتار، فجاسوا خلال الديار، وعاثوا في القرى والأمصار، فأبادوا أكثر الديار الشرقية، واستولوا عليها، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه. وكان مستشار التتار وقاضيهم وعالمهم ووزير هولاكو نصير الكفر والشرك والإلحاد وزير الملاحدة النصير الطوسي شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل، ولا يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته، فهو الذي رام إبطال السمع بالكلية، وإقامة الدعوة الفلسفية، وهو الذي أشار على التتار بمذبحة بغداد فشفا لنفسه من أتباع الرسل وأهل دينه، فعرضهم على السيف حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، فاستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسنة على
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٤،١٠٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٤/٢٢.
[ ١١٨ ]
السيف فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدًا لإبطال الدعوة الإسلامية.
واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين، والسحرة، والملاحدة والمنطقيين. ونقل أوقاف مساجد ومدارس المسلمين وأربطتهم لهؤلاء النجسة. وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر في كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد وأنكر صفات الرب ﷻ، من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، وزعم أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد البتة.
واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر وقال هذه عقليات قطعية برهانية قد عارضت تلك النقليات الخطابية، وقال: هذا قرآن الخواص وذلك قرآن العوام، ورام إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، وتغيير الصلاة وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر، وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحرًا يعبد الأصنام.١
وفي ذلك العصر قام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرسل وفقه الشياطين، وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم، وخرجت آراء وأفكار لم تكن تعرف من قبل مثل جست٢ العميدي٣ وحقائق ابن عربي.٤
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٥،١٠٧٨، إغاثة اللهفان ٢/٢٦٧،٢٦٩.
(٢) جَسْت: كلمة فارسية معناها البحث، وقد أصبحت تطلق على نوع من فروع الخلاف، وقد تضم الجيم. (انظر وفيات الأعيان وحاشيته ٤/٢٥٧)
(٣) العميدي: هو محمد بن محمد بن محمد العميدي السمرقندي، أبو حامد، كان إمامًا في فن الخلاف والجدل وخصوصًا «الجست» وهو أول من أفرده بالتصنيف، توفي ببخارى سنة ٦١٥هـ.
(٤) هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الاندلسي، أبوبكر، المعروف بابن عربي، ولد سنة ٥٦٠هـ، وتوفي سنة ٦٣٨هـ، صنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل وحدة الوجود، فقال أشياء منكرة، عدها طائفة من العلماء مروقًا وزندقة، (ميزان الاعتدال ٣/٦٥٩،٦٦٠) وقال ابن تيمية: (إن مقالة ابن عربي في فصوص الحكم مع كونها كفرًا، إلا أنه أقرب أهل الوحدة إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيرًا، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل آخرى) (انظر مجموعة الرسائل والمسائل ٤/٦)
[ ١١٩ ]
وتشكيكات الرازي١ وكان خروج هؤلاء نتيجة للانحطاط الفكري الذي أصاب الأمة الإسلامية بسبب بعدها عن منهج الوحي.
ثم نظر الله لعباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندًا تغزو ملوك هؤلاء بالسيف والسنان، وجندًا تغزو علماءهم بالحجة والبرهان.
ثم نبغت نابغة منهم على رأس القرن الثامن، فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه، فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى، وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون وإليه يدعون، وأنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم، ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة. وتفصيل هذه الجملة موجود في كتبه٢ التي حصل بها من الخير والنفع الكبير ما لا يحصيه إلا الله، ولا نزال ونحن في القرن الخامس عشر من الهجرة ننهل من معينها الصافي،
_________________
(١) فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري يقال له «ابن خطيب الري» ولد في الري سنة ٥٤٤هـ وتوفي في هراة سنة ٦٠٦هـ. وهو منظر الأشعرية المتأخرة، أخذ مادته الكلامية من كلام أبي المعالي الجويني والشهرستاني، ومن كلام أبي الحسين البصري، ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا والشهرستاني أيضًا. (انظر البداية والنهاية ١٣/٥٣،٥٤) (بغية المرتاد ٤٥٠،٤٥١) .
(٢) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٤،١٠٨٠ «بتصرف»
[ ١٢٠ ]
فقد نفع الله بهذا الإمام وبكتبه وبتلاميذه، منفعة عظيمة تثلج صدر كل صاحب سنة، فقد أحيا الله به معالم ما اندرس من السنن، وأقام به لواء التوحيد بعد ما كان الناس فيه من انحراف وبعد بسبب المناهج الفلسفية الفاسدة والطرق الصوفية المنحرفة فقمع البدعة وأحيا السنة ورجع بالناس إلى طريقة السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وحارب كل بدعة مستحدثة في هذا الدين، وخلص الدين مما لحق به من أوضار، وشابه من فساد، وفند لكل فرقة من فرق الزيغ والضلال أقوالها وبين زيف آرائها. فكان بحق شيخ الإسلام وقدوة الأنام، وأحد المجددين لهذا الدين، على رغم أنف كل أشعري وماتريدي وصوفي ورافضي وباطني وملحد.
ولقد نذر هذا الإمام حياته كلها لخدمة هذا الدين والدفاع عن حياضه بلسانه وسنانه وبنانه وبيانه، وقد ترك لنا ثروة علمية امتلأت بها خزائن المكتبات وتداولها الناس في جميع الأقطار والأمصار.
وقد أصبحت مؤلفات هذا الإمام جامعة كبرى تتلمذ عليها أناس كثيرون، أصبحوا شموس علم ومنارات هداية من أمثال ابن القيم (٧٥١هـ) والذهبي (٧٤٨هـ) والمزي (٧٤٢هـ) وابن كثير (٧٧٤هـ) ومحمد بن أحمد ابن عبد الهادي (٧٤٤هـ) وغيرهم كثير.
ولا نزال إلى زماننا هذا نتتلمذ على تلك المؤلفات والتي تعتبر باعتراف الكثير من الباحثين هي منطلق الدعوة السلفية المعاصرة، التي بدء انطلاقها على يد الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، الذي أحيا الله بدعوته المباركة ما اندرس من معالم السنن وكان بحق إمامًا من أئمة الهدى، فقد دعا الناس إلى صراط الله المستقيم، وأرشدهم إلى الطريق القويم، فنفى عن
[ ١٢١ ]
كتاب الله وسنة رسوله ﵊ انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين، وشرح للناس حقيقة الدين في زمن فترة استحكمت فيه غربة الإسلام، وغلب على أهله الجهل والبدع، فقد انتشرت العقائد الكلامية والطرق الصوفية، فقد كانت الدولة العثمانية (٧٠٠-١٣٠٠هـ) دولة ماتريدية العقيدة سعت في نشر تلك العقيدة الكلامية في شرق الأرض وغربها مستغلة في ذلك مالها من نفوذ وسلطة وأضف إلى ذلك انتشار العقيدة الأشعرية وهي شقيقة الماتريدية وتتفق معها في مجمل المسائل الاعتقادية، حتى لكأنهما فرقة واحدة ومن المعلوم أن كلا من الأشعرية والماتريدية هما مراتع خصبة للطرق الصوفية المنحرفة التي بسببها انتشرت الخرافة وعمت البدع وطمت.
وقد وصف أحد الكتاب الغربيين تلك الفترة -أي القرن الثامن عشر الميلادي- فقال: (كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة، فاربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب إلى أن قال:
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس، سجفًا من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان، ويحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل
[ ١٢٢ ]
مكان. وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء. ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة، ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام.
وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطًا بعيد القرار.
فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعى الإسلام، لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان.
وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوى في قلب صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم.
فكان الصارخ بهذا الصوت إنما هو المصلح المشهور الشيخ محمد ابن عبد الوهاب)
فقام هذا الإمام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري بالدعوة إلى الله سبحانه بقلمه ولسانه وأوضح للناس حقيقة ما بعث الله به نبيه ﵊. وما ألصقه به الجهال والضلال وهو بريء منه من الشرك والبدع والخرافات.
فقام الشيخ بموجب الدعوة حق القيام حتى ظهر الحق وانتشرت عقيدة السلف في أرجاء الجزيرة العربية وما حولها، وقد أزره ونصره في دعوته الإمام
_________________
(١) هذا الكلام لستودارد الأمريكي مؤلف «حاضر العالم الإسلامي» الذي علق عليه الأمير شكيب ارسلان وقد نقلته من كتاب: (الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الاصلاحية وثناء العلماء عليه) للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي ص١٠٤،١٠٥.
[ ١٢٣ ]
الهمام محمد بن سعود جد الأسرة السعودية الحاكمة لهذه البلاد، الذي قام بنصرة الشيخ ومساعدته حتى كتب الله لهذه الدعوة القبول والانتشار ولا تزال هذه الدولة السعودية تحمل على عاتقها نصرة دعوة التوحيد فقد أعز الله على يد ملوكها، أتباع المنهج السلفي فقامت بواجب نشر هذا المنهج حق القيام فأكرمت علماء السنة ونشرت كتب أعلام أهل السنة وأنشأت الجامعات لتعليم هذا المنهج السلفي ونشره. ومن تلك الجامعات الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية التي خصصت لتعليم أبناء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وتدريسهم عقيدة السلف الصالح، فأصبحت بحمد الله منار علم لنشر العقيدة الصحيحة، وأصبح لخريجيها دور ريادي في نشر الدعوة إلى التوحيد الصحيح في بلدانهم وأوطانهم.
فقل أن تخلو منطقة أو بلد من خريجي هذه الجامعة المباركة الذين أخذوا في نشر الدعوة السلفية والصدع بها، ومحاربة كل ما يناقضها ويضادها.
وقد قامت هذه الدولة المباركة ببعث الدعاة وكفالتهم وإرسالهم إلى شتى أرجاء المعمورة، حرصًا منها على رفع الجهل والقضاء على الانحرافات التي تسببت بها تلك المناهج المنحرفة من طرق صوفية وآراء كلامية صد بها أصحابها الناس عن طريق الله المستقيم والنهج النبوي السليم.
وقد أتت هذه الجهود ثمارها وظهرت بركاتها فقد أسهمت هذه الجهود في انتشار الدعوة السلفية وانحسار المناهج الكلامية والطرق الصوفية بعد أن كانت العقيدة السلفية في غربة، وقلة أنصار.
وما نشاهده اليوم من جامعات ومعاهد ومدارس تقرر النهج السلفي، وما
[ ١٢٤ ]
نراه ينتشر ويخرج من كتب التراث السلفي، ومؤلفات تحمل النهج الصحيح لأصدق دليل على أن الدعوة السلفية تعيش بحمد الله عصر ازدهار وتقدم، وأن المناهج الفلسفية الكلامية والطرق الصوفية البدعية تعيش عصر انحسار وتقهقر.
فالحمد لله على ما من به من نصره وتوفيقه وتأييده على أن الحقيقة التي يجب أن تقرر في هذا المقام أن مقالة التعطيل لم تندثر ولم يقض عليها قضاءً نهائيًا فهناك عدد من الطوائف يحمل تلك المقالة وينادى بها فعلى سبيل المثال لا تزال مقالة المعتزلة التي تقوم في هذا الباب على إنكار صفات الله، يحملها وينادى بها عدد من الفرق ومنهم الرافضة الإمامية الذين تأثروا بالمعتزلة في هذه المسألة ولا يزالون إلى يومنا هذا على هذا المعتقد الفاسد الذي يضاف إلى جملة معتقداتهم الفاسدة.
وكذا الزيدية يقولون بقول المعتزلة وينفون جميع الصفات.
وكذا الإباضية من الخوارج وهم من بقايا الفكر الخارجي يوافقون المعتزلة في هذه المسألة ويقولون بقولهم.
وأضف إلى ذلك ما يقوم به المستشرقون في جامعاتهم الغربية من محاولة لدفع تلامذتهم من أبناء المسلمين إلى دراسة الفكر المعتزلي وتحقيق تراثه والحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة في هذه الجوانب، وهم يسعون من وراء ذلك إلى إحياء أفكار المعتزلة ونشر تراثهم العفن بواسطة تلامذتهم الذين يرجعون إلى العالم الإسلامي بشهادات عالية تمكنهم من التدريس في جامعات المسلمين الأمر الذي يسهل لهم بث تلك الأفكار وإعادة نشرها من
[ ١٢٥ ]
جديد.
وإذا نظرنا كذلك إلى الفكر الفلسفي الباطني فإنا نجد أن بقايا أتباع هذا الفكر لا يزالون يعيشون إلى يومنا هذا فالإسماعلية الباطنية لا تزال فرقهم موجودة إلى يومنا هذا فهناك البهرة والسليمانية والأغاخانية والمكارمة والنصيرية وغيرهم.
وكذلك الفكر الفلسفي الاتحادي الذي لا يزال بعض المتصوفة يقدسون أصحابه من أمثال ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم.
وهناك أيضًا أتباع أكبر الفرق الكلامية "الأشعرية" "والماتريدية"
فالأشعرية تنتشر في كثير من البلدان التي يتبع أهلها المذهب الشافعي أو المالكي والماتريدية تنتشر في البلدان التي يتبع أهلها المذهب الحنفي.
ولكل منهما مدارسه ومعاهده التي تسعى لنشر فكره ولذلك فإن حلقة الصراع قائمة لا يمكن تجاهلها فالسعيد من لزم السنة ونجا من البدعة.
فالله المستعان.
[ ١٢٦ ]