الفصل الأول: تاريخ الجعد بن درهم
المبحث الأول: نسبه ونشأته
المطلب الأول: اسمه ونسبه
تمهيد: تاريخ الجعد بن درهم ١
لا يوجد إلا النزر القليل جدًا من المعلومات التي تسلط الضوء على تاريخ هذا المبتدع الضال، ولقد كان من الصعوبة بمكان البحث في بطون كتب التراجم والأنساب والتاريخ والمقالات والعقائد عن جوانب حياة هذا الرجل، فتلك الكتب لم تعره قدرًا من العناية والاهتمام إلا بالقدر الذي يتعلق ببدعته التي أظهرها ودعا إليها وعُرف بها، مع بعض الإشارات المتفرقة والبسيطة عن حياته.
ولقد بذلت جهدي ومستطاعي للنظر في مظان ترجمته وراجعت العديد من المصادر والمراجع في شتى الفنون، بحثًا عن معلومات يمكن من خلالها إعطاء صورة واضحة عن سيرته الذاتية وأفكاره الاعتقادية. فاجتمع لي من ذلك ما تيسر.
_________________
(١) مصادر ترجمته: مختصر تاريخ ابن عساكر ٦/٥٠، الكامل في التاريخ ٥/٢٦٣، البداية والنهاية ٩/٣٥٠، الأنساب للسمعاني ٣/٢٦٥، اللباب لابن الأثير ١/٢٣٠، ديوان الضعفاء ص٦٣، ميزان الاعتدال ١/١٨٥، لسان الميزان ٢/١٠٥، تاج العروس ٢/٣٢١، تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٠٢، ٧/٣٣٧،٣٣٨)، النجوم الزاهرة ١/٣٢٢، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص٢٩٣،٢٣٤، الأعلام ٢/١٢٠، سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٣، تاريخ الخميس ٢/٣٢٢، المنتظم ٧/٢٦٠، الفهرست للنديم ص٤٠١، شذرات الذهب ١/١٦٩، ١٧٠، عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧، ذم الكلام للهروي ص٣٠٤-٣٠٥، نشأة الفكر الإسلامي ١/٣٢٩،٣٣٢، كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص٤٧،٥٦، أنساب الأشراف ٨/٢٤١، الرد على الجهمية للدارمي ص١١٠، الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠،١٠٧٢.
[ ١٣٢ ]
وسأحاول من خلال هذه الدراسة، تحليل وترتيب ما اجتمع لدي من معلومات جمعت شتاتها بعد كد وعناء، فلعلها تفيد من يطلع عليها من الباحثين وطلاب العلم، فتعطيهم صورة عن حياة الجعد ومقالاته وموقف العلماء والحكام منه.
واستسمحهم عذرًا في عدم إعطاء الصورة كاملة عن الجعد بن درهم وعذري هو ما أسلفت من شح المعلومات وندرتها.
[ ١٣٣ ]
المطلب الأول: اسمه ونسبه
لم تذكر المصادر والمراجع التي وقفت عليها إلا اسمه واسم أبيه فقط فهو "الجعد بن درهم"
وأشارت المصادر إلى أنه من الموالي١ وليس من العرب ولعل في كونه من الموالي ما يبرر اقتصار نسبه على اسمه واسم أبيه، فالعجم في الغالب لم تكن لهم عناية بحفظ أنسابهم بخلاف ما كان عليه الحال عند العرب.
وقد اختلف في ولائه لأي قبائل العرب:
فقال السمعاني٢ والزبيدي٣ وابن الأثير٤: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة)
وقال ابن كثير (ويقال إنه من موالي بني مروان)
وكذا قال الثعالبي٦
_________________
(١) الموالى: هم المنسوبون إلى القبائل مطلقًا، وهم ثلاثة أقسام:
(٢) ولاء عتق: وهو الغالب بحيث ينسب إلى من أعتقه. ٢ - ولاء إسلام: وذلك بأن يسلم الأعجمي على يد عربي. ٣- ولاء الحلف: وذلك بأن يكون الشخص حليفًا لقبيلة فينسب إليها. انظر المنهل الراوي من تقريب النواوي ص١٩٩-٢٠٠.
(٣) الأنساب ٣/٢٦٥.
(٤) تاج العروس ٢/٣٢١.
(٥) اللباب ١/٢٣٠.
(٦) البداية ٩/٣٥٠.
(٧) لطائف المعارف ص٤٣.
[ ١٣٤ ]
نسبه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أحد خلفاء بني أمية. وقال ابن نباتة (هو مولى بني الحكم) ١ نسبة إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي.
وهذه الأقوال متضاربة فالسمعاني والزبيدي وابن الأثير جزموا بولائه لسويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي.٢ والجعفي: بطن من سعد العشيرة، من القحطانية٣ وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن كثير ولم يجزم به والثعالبي حيث قالا: (ويقال إنه من بني مروان) وكذا قول ابن نباتة إنه مولى بني الحكم.
ولعل الصواب الذي يترجح عندي ما ذكره السمعاني والزبيدي وابن الأثير، فهم أدرى بهذا الجانب وعنايتهم به أكبر وقد جزموا بنسبته إلى سويد بن غفلة.
ويساورني الشك أن هناك تصحيفًا في كلام ابن كثير في البداية، عند قوله: (بني مروان) فلعل الصواب (بني مران) بدون واو، ولو كان الأمر كذلك فإن الأقوال تجتمع (فبنوا مران) بطن من جعفي، من سعد العشيرة٤ والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص١٩٣.
(٢) يكنى أبا أمية، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي ﷺ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة. انظر تقريب التهذيب ص١٤١، الإصابة ٢/١١٧، الاستيعاب ٢/١١٥،١١٦.
(٣) نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص٢١٦.
(٤) نهاية الأرب ص٤١٨.
[ ١٣٥ ]
المطلب الثاني: أصول الجعد
هناك معلومة ذكرها ابن نباتة إن صحت فإن فيها إشارة إلى أصول الجعد العرقية التي يرجع إليها.
قال ابن نباتة: (ويروى أن أم مروان كانت أمة، وكان الجعد أخاها) ١ فهذه المعلومة إن ثبتت فإنها تفيد أن الجعد يرجع في نسبه إلى أصول كردية. لأن أم مروان بن محمد كانت أم ولد كردية كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين.
قال الطبري وابن الأثير في ترجمة مروان بن محمد: (وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم ابن الأشتر أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان)
وقال ابن كثير: (وأمه أمة كردية يقال لها لبابة، وكانت لإبراهيم ابن الأشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله، فاستولدها مروان هذا، ويقال إنها كانت لمصعب بن الزبير)
وقال البلاذري: (وأمه كردية أخذها أبوه من عسكر ابن الأشتر، فيقال إنه أخذها وبها حَبَل فولدت مروان على فراشه)
_________________
(١) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص١٩٣.
(٢) تار يخ الطبري ٧/٤٤٢، ٤٤٣، الكامل ٥/٤٢٨.
(٣) البداية ١٠/٤٦، وانظر مروج الذهب ٣/٢٤٧.
(٤) أنساب الأشراف ٥/١٨٦.
[ ١٣٦ ]
وقال القلقشندي: (وأمه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر وكانت كردية)
ولكن ابن كثير يرى أن الجعد بن درهم يرجع إلى أصول فارسية حيث قال: "وأصله من خراسان٢"٣ دون أن يذكر اسم المدينة التي ينتسب إليها. ويدعم هذا الرأي حادثة وقعت للجعد انتصر فيها لفارسيته.
قال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد كان زنديقًا٤ وعظه ميمون بن مهران (١١٧هـ) . فقال: "لشاة قباذ" أحب إلى مما تدين له) ٥ فكلمة "شاة قباذ" كلمة فارسية فـ"شاة": معناها "ملك" و"قُباذ": ملك من ملوك الفرس٦ وهو قباذ بن فيروز والد كسرى أنوشروان.
_________________
(١) مآثر الإنافة في معالم الخلافة ١/١٦٢، ط: الكويت.
(٢) خراسان: بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق: أزاذوار، قصبة جوين، وبيهق. وآخر حدودها مما يلي الهند: طخارستان، وغزنة، وسجستان، وكرمان، وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها وتشمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ، وطالقان، ونسا، وأبيورد، وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون. ومن الناس من يدخل أعمال خوارزم فيها، ويعد ما رواء النهر منها وليس الأمر كذلك) معجم البلدان ٢/٤٠٩-٤١٥. ويقع جزء كبير من خراسان اليوم في شمال غربي أفغانستان، والباقي موزع بين إيران من ناحية الجنوب الغربي، وتركمانستان وطاجكستان وأزبكستان.
(٣) البداية ٩/٣٥٠.
(٤) الزندقة: كلمة فارسية معربة، والزنادقة هم الثانوية ولحق بهم سائر من اعتقد القدم، وأبى حدوث العالم على رأسهم المانوبة) (مروج الذهب ١/٢٥١) .
(٥) الكامل ٥/٤٢٩.
(٦) قال الجواليقي في المُعْرَب (٢٦٥): و"قباذ" ملك من ملوك الفرس، اعجمي، وقد تكلمت به العرب قديمًا. قال عدي بن زيد يذكر من هلك سَلَبْنَ قُبَاذ رَبَّ فارِسَ مُلْكَهُوحَشَّتْ بِكَفَّيْهَا بَوَارِقُ آمِدِ
[ ١٣٧ ]
فمعنى كلامه للملك قباذ أحب إلى من دين الإسلام. وفي هذا انتصار واضح للمجوسية الفارسية.
وعلى كل حال فإن الرجل ثبتت أعجميته، وعلى القول بأن أصول الجعد فارسية، فإن ذلك يدعم مقولة ابن حزم التي يقول فيها: (الأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم؛ فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله ﷾ الحق فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام ) ١ وبلا شك أن الإسلام وأهله كانوا في تلك العصور في عزة ومنعة وتمكين، ولم يكن يجترئ كافر ولا منافق متعوذ بالإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق أن يظهر ما في نفسه من الكفر وإنكار النبوة، فرقًا من السيف، وتخوفًا من الافتضاح. بل كانوا يتقلبون مع المسلمين بغم ويعيشون فيهم على رغم.٢
ولو استقرينا أهل البدع لوجدنا أكثرهم من العجم فالجهم بن صفوان خليفة الجعد ووارث بدعته من العجم، وكذا غيلان الدمشقي وهو من أوائل من
_________________
(١) الفصل ٢/١١٥،١١٦، ولمن أراد الاستزادة فليطلع على كتاب "وجاء دور المجوس" للدكتور عبد الله محمد الغريب، وكتاب "بيان مذهب الباطنية وبطلانه" ص١٩ تأليف محمد بن الحسن الديلمي.
(٢) الرد على الجهمية للدارمي ص٦،٧، «بتصرف»
[ ١٣٨ ]
تكلم في القدر كان من العجم، وكذا واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهم. وليس هذا غضًا من شأن العجم، ولكن أهل البدع منهم قد اجتمع فيهم الحقد على الإسلام وأهله، وجهلهم بهذا الدين ولغته التي نزل فيها، وقلة علمهم.
ومما يؤكد ذلك أن عمرو بن عبيد المعتزلي جاء إلى أبي عمرو بن العلاء يناظر في وجوب عذاب الفاسق، فقال له: يا أبا عمرو الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال، وذكر آية وعيد، فقال عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد ثم أنشد:
وإني وإن أوعدْتُه أو وعدْتُه
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي١
فأمثال هؤلاء لم يفهموا القرآن والسنة فهمًا صحيحًا ولهذا لما سأل عمر بن الخطاب ﵁ عبد الله بن عباس ﵄ فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم فيه رأي فإذا كان كذلك اختلفوا)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٨،٤٠٩، الاعتصام ٢/٢٩٩.
(٢) الاعتصام ٢/١٨٣.
[ ١٣٩ ]
المطلب الثالث: مولده وموطنه
ا- مولده:
لم تسعفنا كتب التاريخ والتراجم والمقالات بشيء عن تاريخ ولادته، وليس ذلك بمستغرب، فالرجل ضال مبتدع، ولولا ما ابتدعه ما اشتهر وما عرف، إضافة إلى أن العناية بهذا الجانب تعد ضعيفة إلى حد كبير في تراجم السابقين، والجعد لم يعط عناية بتاريخ قتله فضلًا عن أن يعطى عناية بتاريخ مولده.
ب- موطنه:
إن مما لا شك فيه أن للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثرها البالغ في حياته سلبًا وإيجابًا، فالإنسان مدني بطبعه يتأثر بمن حوله، ويؤثر على من حوله، فإذا وجد الإنسان البيئة الصحيحة السليمة ساعد ذلك في تنشئته التنشئة السليمة، وإعداده الإعداد الجيد، وبنائه البناء السليم.
وإذا كان الأمر على العكس من ذلك، بحيث ينشأ المرء في بيئة منحرفة متلوثة بالأفكار الفاسدة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الشخص الذي ينشأ في هذه البيئة، فقد يتشرب تلك الأفكار ويعتقدها ويكون من حملة لوائها.
والجعد بن درهم من هذا الصنف الثاني، فبيئته التي نشأ فيها ساعدت على حمله لأفكار الضلال وتشربه لها. وسأحرر لك القول في موطنه وبلدته التي نشأ فيها ومن ثم أوضح لك مدى تأثير بيئة الجعد على ما حمله من أفكار. فأقول وبالله التوفيق:
[ ١٤٠ ]
أما من حيث المنطقة فهو ينسب إلى الجزيرة الفراتية وفي ذلك يقول الهروي: (فأما الجعد فكان جزري الأصل) ١ وهذه النسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين دجلة والفرات وإنما قيل لها جزيرة لهذا وفيها عدة بلاد منها الموصل، وحران، والرقة، وغيرها.٢
أما عن موطنه وبلده:
فالجعد بن درهم فيما قيل من أهل "حران"٣ كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران)
وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران)
_________________
(١) ذم الكلام للهروي (ق١٤٣/ا) النسخة الظاهرية حديث ٣٣٧.
(٢) الأنساب ٣/٢٤٨.
(٣) "حَرّان": بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة بين الشام والعراق ومكانها الآن في جنوب شرق تركيا وهي مدينة قديمة بين الرها والرقة، وقيل إن هاران عم ابراهيم الخليل ﵇ عمرها، فسميت باسمه وقيل "هاران" ثم إنها عربت فقيل "حران" (معجم البلدان ٢/٢٣٥، معجم ما استعجم ١/٤٣٥، الأنساب ٤/٩٦.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ١/٣١٣.
(٥) الفتوى الحموية ص٤٧، مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠، منهاج السنة ٢/١٩٢.
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
[ ١٤١ ]
وقال الذهبي: (وأصله من حران)
وحران مدينة تقع بالجزيرة الفراتية من أرض العراق ولا يتعارض هذا القول مع ما ذكره ابن كثير في تاريخه حيث قال: (قال غير واحد من الأئمة كان الجعد بن درهم من أهل الشام)
فالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلمًا ومؤدبًا لمروان بن محمد لما كان واليًا على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك٣ ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها٤ ثم هرب من دمشق إلى الكوفة٥ كما سنفصله عن قريب.
وإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فإن حران كانت دار الصابئة المشركين٦، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل٧ وكان بها هيكل "العلة الأولى" هيكل "العقل الأول" هيكل "النفس الكلية" هيكل "زحل" هيكل "المشترى" هيكل "المريخ" هيكل "الشمس" وكذلك "الزهرة" و"عطارد" و"القمر".
_________________
(١) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٢٠، ت٣٤٣، ٧/٣٣٧،٣٣٨) .
(٢) البداية ١٠/١٩.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، تاج العروس ٢/٣٢١.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، البداية ٩/٣٥٠.
(٥) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، البداية ٩/٣٥٠.
(٦) الرد على المنطقيين ص٢٨٧.
(٧) الفتوى الحموية ص٤٨،٤٩.
[ ١٤٢ ]
وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة.١
فيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب)
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص٢٨٧،٢٨٨.
(٢) الفتوى الحموية ص٤٩.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/٣١٣.
[ ١٤٣ ]
المبحث الثاني: بدء ظهوره وقصة قتله
المطلب الأول: بدء ظهور مقالة الجعد
المطلب الأول: بدء ظهور مقالة الجعد
تشير بعض المصادر إلى أن الجعد كان في بدء أمره يسكن الجزيرة الفراتية١ من أرض العراق وفيها بدء نشر فكره الضال المنحرف.
قال السمعاني: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد)
وقال ابن الأثير: (مذهب الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة، صار إلى الجزيرة، وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي حينئذ مروان بن محمد الحمار وإليه ينسب مروان فيقال الجعدي)
وقال الزبيدي: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة صاحب رأي أخذ به جماعة بالجزيرة)
ومن أشهر من تأثر بفكر الجعد في هذه الفترة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولهذا يقال له مروان الجعدي، فنسب إليه إذ أن الجعد هو شيخه وأستاذه٥ فالجعد كان مؤدبًا لمروان بن محمد في الفترة التي كان فيها مروان واليًا لهشام بن عبد الملك على الجزيرة من أرض العراق فتعلم مروان من الجعد
_________________
(١) الأعلام ٢/١٢٠.
(٢) الأنساب ٣/٢٦٥.
(٣) اللباب ١/٢٣٠.
(٤) تاج العروس ٢/٣٢١.
(٥) البداية ٩/٣٥٠، ١٠/١٩، مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
[ ١٤٥ ]
مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك، وكان الناس يذمون مروان لنسبته إليه١ وقيل: إنه كان مؤدبا له في صغره٢ فقد كان مولد مروان بالجزيرة في سنة اثنتين وسبعين للهجرة٣ وذكر أنه كان مؤدبًا له ولولده.٤
وبسبب مروان بن محمد انتشر فكر الجعد في الجزيرة الفراتية قال ابن القيم: (وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا يسمى مروان الجعدي) .٥
وانتقل الجعد بعد ذلك من الجزيرة إلى دمشق، وسكنها وهي يوم ذلك عاصمة الخلافة، وحاضرة العلم والعلماء، ولعل المبرر في انتقاله إليها: محاولته لبث فكره المنحرف الضال على نطاق أوسع، لما تمثله دمشق في ذلك الوقت من كونها دار الخلافة ومركز الحضارة والعلم، وملتقى العلماء وطلاب العلم.
ويظهر هذا القصد جليًا في إظهار الجعد لبدعته، ومحاولته لطرحها في مجالس العلماء، ومجادلتهم في ذلك، كما هي حال أمثاله من المبتدعة الزنادقة الذين يستخدمون مثل هذه الأساليب في نشر فكرهم المنحرف.
قال ابن كثير: (سكن الجعد دمشق، وكانت له بها دار بالقرب من القلاسيين إلى جانب الكنيسة)
_________________
(١) الكامل ٥/١٦٠، تاج العروس ٢/٣٢١.
(٢) الأعلام ٢/١٢٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦/٧٤.
(٤) الفهرست ص٤٠١.
(٥) مختصر الصواعق ١/٢٢٦، ٢٢٧.
(٦) البداية ٩/٣٥٠.
[ ١٤٦ ]
وقال ابن عساكر: (كان يسكن دمشق، وله بها دار)
وقال ابن كثير: (وذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه٢، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك)
وقال عبد الصمد بن معقل: قال الجعد بن درهم: ما كلمت عالمًا قط إلا غضب وحل حبوته غير وهب.٤
وقد كان لمناظرات الجعد ومجادلاته مع العلماء أثرها العكسي عليه، فلم تحقق ما يصبو إليه من أهداف كزرع الشبه وزعزعة المعتقد وإحداث البلبلة في فكر المسلمين. بل على العكس من ذلك فقد ساعدت تلك المناظرات على كشفه وفضح مقاصده وبيان فساد معتقده ورفع أمره إلى ولي الأمر وخليفة المسلمين هشام بن عبد الملك المعروف بمواقفه من المبتدعة.
ويروي لنا ابن الأثير سبب اكتشاف أمر الجعد وسبب طلب هشام له والقبض عليه فيقول: (وقيل إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٢) وهب بن منبه بن كامل اليماني، العلامة الاخباري القصصي ثقة من الثالثة، مات سنة بضع عشرة ومائة (تقريب التهذيب ص٣٧٢، سير أعلام النبلاء ٤/٥٤٤) .
(٣) البداية ٩/٣٥٠.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/٥٤٧، تاريخ دمشق ١٧/٤٧٧/ب.
[ ١٤٧ ]
فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به.
فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون وطلبه هشام وسيره إلى خالد القسري فقتله) ١ فهذا النص التاريخي يوضح أن الفضل في كشف أمر الجعد ورفع أمره يعود لميمون بن مهران الذي وعظ الجعد في بداية الأمر فلما رأى أن الموعظة لا تنفع شهد عليه؛ فطلبه هشام بن عبد الملك، وقد اختلفت الروايات التاريخية في طريقة إخراج الجعد من دمشق:
فقال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله )
ويروي ابن عساكر وابن كثير رواية تختلف عن رواية ابن الأثير فيقول ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق وسكن الكوفة، ومنه تعلم الجهم بن صفوان بالكوفة خلق القرآن)
وقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه)
_________________
(١) الكامل ٥/٤٢٩.
(٢) الكامل ٥/٢٦٣.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٤) البداية ٩/٣٥٠.
[ ١٤٨ ]
ويروى أبو محمد اليمني رواية ثالثة في قصة إخراج الجعد من دمشق فيقول: (فبان له [أي هشام بن عبد الملك] بعض زندقته فنفاه إلى البصرة وكان عليها إذ ذاك خالد بن عبد الله القسري فرفع إليه خبره في يوم الأضحى ) ١ وذكر قصة ذبحه. والراويات التاريخية تذكر أن للجعد نشاطًا بالبصرة وبالكوفة، فممن أشار إلى نشر الجعد لبدعته بالبصرة الدارمي حيث قال: (كان أول من أظهر شيئًا منه [أي التكذيب بكلام الله] بعد كفار قريش الجعد بن درهم بالبصرة، وجهم بخراسان إقتداءًا بكفار قريش، فقتل الله جهمًا شر قتلة. وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) ٢ فالشاهد قوله إنه "أظهره بالبصرة".
وأما عن نشاطه في الكوفة فقد تقدم قول ابن كثير: (فهرب من دمشق وسكن الكوفة ومنه تعلم الجهم بالكوفة خلق القرآن.)
فالذي يستنتج من تلك الروايات أن الجعد كان يتردد بين الكوفة والبصرة، لكن تبقى مسألة نفيه محل النظر فمثل هذه المسألة لا يكون حلها بالنفي، إلا أن يكون المقصود بالنفي السجن، وبالتالي إذا كان هذا هو المراد فإن هذه الرواية تتفق مع رواية ابن الأثير.
_________________
(١) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧.
(٢) الرد على الجهمية ص٧.
[ ١٤٩ ]
ويستنتج من الأخبار السابقة الأمور التالية:
١-أن بدعة الجعد ظهرت بوادرها في الجزيرة الفراتية من أرض العراق، ثم أظهرها الجعد بدمشق لما انتقل إليها وسكن فيها، فطلبه بنو أمية لما علموا بأمره، فهرب منها إلى الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه.
٢-أن زمن ظهور بدعة الجعد كان في أيام خلافة هشام بن عبد الملك الذي تولى الخلافة في الفترة ما بين ١٠٥-١٢٥هـ.
٣-أن الفضل في الإنكار على الجعد والأمر بقتله يعود في المقام الأول إلى هشام بن عبد الملك، وليس لخالد بن عبد الله القسري فهشام هو الذي طلب الجعد لما أظهر بدعته بدمشق، ولكن الجعد هرب إلى الكوفة، فأرسل هشام في طلبه كما في خبر ابن كثير، وابن عساكر. أو أن هشاما نفاه إلى البصرة كما في خبر اليماني. أو أن هشامًا قبض عليه، وأرسله إلى عامله بالعراق خالد القسري، وأمره بقتله، لكن خالد اكتفى بحبسه ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله. كما أشار إلى ذلك ابن الأثير.
والذي يترجح عندي أن خبر ابن كثير وابن عساكر أقرب للصواب لأن الجعد عندما كان في الكوفة أخذ منه الجهم بن صفوان مقالته. وعمومًا فإن جميع الروايات توضح أن الفضل يعود في الدرجة الأولى لهشام ابن عبد الملك، وإن كان الفضل يرجع لخالد القسري في طريقة إعلانه لهذا الأمر في مجمع الناس بعيد الأضحى، ففي ذلك ترهيب لكل مبتدع. ولقد كان هشام شديدًا على أهل البدع، وليست هذه هي المنقبة الوحيدة له. فقد كان من مناقبه في حرب أهل البدع والأهواء قتله لغيلان الدمشقي الذي أظهر القول بنفي القدر في أيام
[ ١٥٠ ]
عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر، واستتابه، فتاب. ثم عاد للكلام فيه أيام هشام، فأحضره من ناصرة ثم أحضر له الأوزاعي لمناظرته، فأفتى الأوزاعي بقتله، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم أمر به فصلب.١
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟
قال: يُكذَب عليَّ يا أمير المؤمنين، ويُقالُ عليَّ ما لم أقل.
قال: ما تقول في العلم؟
قال: قد نفذ العلم.
قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت، ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر.
ثم قال: تقرأ ياسين؟
قال: نعم.
فقال: اقرأ ﴿ياسين والقرآن الحكيم﴾ ٢
فقرأ: ﴿ياسين والقرآن الحكيم﴾ ٣ إلى قوله: ﴿لقد حقَّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾ ٤
فقال: قف، كيف ترى؟
قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين.
قال: زد. فقرأ ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ٥/٢٦٣، الأعلام ٥/١٢٤.
(٢) الآيتان ١-٢ من سورة يس.
(٣) الآيتان ١-٢ من سورة يس.
(٤) الآية ٧ من سورة يس.
[ ١٥١ ]
وجعلنا من بين أيدهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ ١
قال: قال عمر ﵀: قل ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ٢ قال: كيف ترى؟
قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدًا.
قال: اذهب، فلما ولى. قال: اللهم إن كان كاذبًا فيما قال فأذقه حر السلاح.
قال: فلم يتكلم زمن عمر ﵀، فلما كان زمن يزيد بن عبد الملك جاء رجل لا يهتم لهذا ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام أرسل إليه فقال: أليس عاهدت الله ﷿ لعمر أن لا تتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا؟
قال: أقلني فوالله لا أعود.
قال: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب؟
قال: نعم.
قال: فاقرأ.
فقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ٣
قال: قف، علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به، أو على أمر في يدك أو بيدك؟ اذهبوا فاقطعوا يديه ورجليه واضربوا عنقه واصلبوه.)
_________________
(١) الآيتان ٨،٩ من سورة يس.
(٢) الآية ١٠ من سورة يس.
(٣) الآيات ١-٥ من سورة الفاتحة.
(٤) السنة لعبد الله بن الامام أحمد ٢/٤٢٩، ٤٣٠ رقم ٩٤٨، وأخرجه الآجري في الشريعة (ص٢٢٨)، وانظر التنبيه والرد للملطي ص١٦٨.
[ ١٥٢ ]
وأخرج الآجري بسنده وكذا ابن حبان عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: "كنت عند عبادة بن نُسَيٍّ، فأتاه رجل. فأخبره أن أمير المؤمنين هشامًا قطع يد غيلان ولسانه وصلبه، فقال له: حقًا ما تقول؟
قال: نعم.
قال: أصاب والله السنة والقضية، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلأحسنن له ما صنع"١
ومن مناقب هشام كذلك إصداره أمرًا لواليه بخراسان نصر بن سيار بقتل الجهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق صالح بن الإمام أحمد بن حنبل قال: قرأت في دواوين هشام ابن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان: أما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله) ٢ ولكن هشام توفي قبل ذلك فقد كانت وفاته سنة (١٢٦هـ) والجهم قتل سنة (١٢٨هـ) .
فهذه ثلاث مناقب لهشام تظهر شدته على أهل البدع.
_________________
(١) الشريعة للأجري ص٢٢٩، المجروحين لابن حبان ٢/٢٠٠.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٣/٣٨١، رقم ٦٣٧، وفتح الباري ١٣/٣٤٦.
[ ١٥٣ ]
المطلب الثاني: مقتل الجعد
قتل الجعد بن درهم بالعراق في مدينة واسط في أوائل المائة الثانية على عهد علماء التابعين مثل الحسن البصري (ت١١٠هـ) وغيره.١
"سبب قتله"
ويروى ابن الأثير سبب قتله فيقول: (وقيل: إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران. فقال: لشاه قباذ٢ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله)
فهذه الرواية التاريخية تظهر أن ميمون بن مهران (ت١١٧هـ) -وهو أحد الأربعة الذين كانوا هم علماء الناس في زمن هشام بن عبد الملك٤ وهم مكحول والحسن والزهري وميمون بن مهران٥ - هو الذي رفع أمر الجعد لهشام وأعد الشهود الذين شهدوا على الجعد بالكفر.٦
وفي هذا رد على زعم من زعم أن قتل الجعد كان بدافع سياسي من أمثال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
(٢) «لشاه قباذ» كلمة فارسية معناها الملك قباذ، قال الجواليقي: (وقُبَاذُ ملك من ملوك الفرس) وهو والد كسرى أنوشروان.
(٣) الكامل لابن الأثير ٥/٤٢٩.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠/٣٩١.
(٥) سير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦.
(٦) أنساب الأشراف للبلاذري ٨/٢٤١.
[ ١٥٤ ]
"شارل بلاذا" في كتابه "الجاحظ" حيث قال: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد)
وعلي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد- كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي)
وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.
"تاريخ قتل الجعد"
حددت المصادر التاريخية وغيرها الساعة واليوم والشهر والبلد والمكان الذي قتل فيه الجعد والطريقة والأداة والذابح الذي ذبح الجعد.
فالساعة: هي صباح يوم عيد الأضحى بعد انتهاء الخطبة.
واليوم: هو اليوم العاشر.
والشهر: شهر ذي الحجة.
والبلد: هي واسط.
والمكان: أسفل المنبر.
والطريقة والأداة والذابح: ذبح بالسكين ذبحًا بيد خالد بن عبد الله القسري.
ولكن مع كل هذه المعلومات التفصيلية الدقيقة، يبقى أن العام الذي قتل فيه
_________________
(١) الجاحظ ص٣٠٨، نقلا عن كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص٥٣.
(٢) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/٣٣١.
[ ١٥٥ ]
الجعد لم يعرف بالتحديد، ولم أقف على من حدد وقت قتله إلا الهروي في ذم الكلام حيث قال: (فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد ابن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وماله يومئذ نكير ذلك سنة نيف وعشرين ومائة)
ولكن هذه المعلومة غير صحيحة لأن عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمارة العراق كان سنة عشرين ومائة. فكيف يكون قتل الجعد بعد العشرين ومائة؟ فخالد بن عبد الله القسري تولى إمارة العراق سنة ست ومائة وعزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة٢
والذهبي ذكر قتل الجعد في حوادث سنة عشرين ومائة٣ ولكن هذا لا يتفق مع عزل خالد الذي كان في شهر جمادى الأولى من هذه السنة والقتل وقع في شهر ذي الحجة، ولكن ربما يحمل قول الذهبي على جبر الكسر، وعلى هذا فإن قتل الجعد يكون قد وقع قبل سنة عشرين ومائة، فالقتل وقع في أوائل المائة الثانية فيما بين سنة ست ومائة وسنة تسع عشرة ومائة. وهي مدة إمارة خالد القسري على العراق.
ولكن يمكن أن نستشف من عبارة شيخ الإسلام التي قال فيها: (فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك) ٤ أن قتله كان قبل سنة (١١٠هـ)
_________________
(١) ذم الكلام ص٣٠٥.
(٢) الكامل ٥/٢٢٤، وسير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦.
(٣) تارخ الإسلام (حوادث ووفيات ١٠١-١٢٠هـ (٧/٣٣٧-٣٣٨) .
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
[ ١٥٦ ]
فالحسن البصري مات سنة (١١٠هـ) فإذا اعتمدنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية فإن الحادثة تكون قد وقعت ما بين (١٠٦هـ) و(١١٠هـ) . ولكن يبقى التحديد الدقيق لسنة قتل الجعد غير معروف.
"سبب قتل الجعد"
وقد ضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره، الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك.١
قال الدارمي: (أظهر الجعد بن درهم بعض رأيه في زمن خالد القسري، فزعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليما، فذبحه بواسط يوم الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه.٢
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا لما ظهر هذا القول في أوائل الإسلام قُتل من أظهره، وهو الجعد بن درهم يوم الأضحى، فقتله خالد بن عبد الله القسري برضا علماء الإسلام)
وقال النديم في الفهرست: (وقَتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
(٢) الرد على الجهمية ص١١٠، ط: المكتب الإسلامي.
(٣) منهاج السنة ص١٦٥.
[ ١٥٧ ]
هشام: أهو حي بعد، وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر بأمر هشام.١
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: "أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية. ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد)
وقال ابن العماد الحنبلي: (خطب خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وكان ممن حضره الجعد بن درهم. فقال خالد في خطبته الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. فقال الجعد وهو بجانب المنبر لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا ولا موسى كليمًا ولكن من وراء وراء٣ فلما أكمل خالد خطبته قال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد
_________________
(١) الفهرست ص٤٠١، ط: طهران.
(٢) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠-١٠٧٢.
(٣) (من وَرَاءَ وَرَاءَ): قال ابن الأثير هكذا يروى مبينًا على الفتح: أي من خلف حجاب) النهاية ٥/١٧٨.
[ ١٥٨ ]
بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا موسى كليمًا في كلام طويل ثم نزل فذبحه في أسفل المنبر. فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية)
وقال ابن عساكر: (وأما الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وكان خالد واليًا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحى اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا؛ ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين)
وقد أخرج البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، وغيره، قال: حدثنا قتيبة حدثني القاسم بن محمد ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم. زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه)
_________________
(١) شذرات الذهب ١/١٦٩.
(٢) مختصر تاريخ بن عساكر ٦/٥٠.
(٣) انظر خلق أفعال العباد للبخاري ص٧، والتاريخ الكبير للبخاري (١/١/٦٤، ١/٢/١٥٨ ت١٤٣-٥٤٢) وعزاها ابن كثير في البداية (١٠/٢١) لابن أبي حاتم في السنة، والسنة للخلال (٥/٨٧، ٨٨، رقم ١٦٩٠) والرد على الجهمية للدارمي (ص٧)، والرد على بشر المريسي (١١٨)، والشريعة للآجري (٩٧،٣٢٨)، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد (٥٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/٣١٩ رقم ٥١٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/٢٠٥) والأسماء والصفات للبيهقي (٣٢٥) وابن بطة في الإبانة، الكتاب الثالث الرد على الجهمية (٢/١٢٠ رقم ٣٨٦) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/٤٢٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٨/١١٨)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥/٤٨٧)، واللباب لابن الأثير ٣/٣٩٢، ومنهاج السنة ٣/١٦٥، ١٦٦، الصواعق المرسلة ٣/١٠٧١، شذرات الذهب ١/١٦٩.
[ ١٥٩ ]
قال ابن عساكر: (ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين)
وقال الذهبي في العلو للعلي الغفار: (قرأت في كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب التصانيف حدثنا عيسى ابن أبي عمران الرملي حدثنا أيوب بن سويد عن السري بن يحي قال: خطبنا خالد القسري وقال: انصرفوا إلى ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد، وذكر القصة)
والقصة مشهورة كما قال عنها الذهبي٣ وقد تناقلها جمع من علماء السنة منهم البخاري، والدارمي، وابن أبي حاتم واللالكائي، والأجري، وابن كثير، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم.
وقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري٤.
قال ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال ابراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٢) العلو للعلي الغفار ص١٠٠.
(٣) ميزان الاعتدال (١/٣٩٩ ت١٤٨٢)، تاريخ الإسلام ٧/٣٣٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧، ١٢/٣٥٠.
[ ١٦٠ ]
شكرا لضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان١
وقال أبو محمد اليمني: (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) ٢.
وقال الدارمي: (وأما الجعد، فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط في يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن. بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) ٣.
وقال الذهبي بعد ذكره قصة قتل خالد القسري للجعد (هذه من حسناته هي وقتله مغيرة٤ الكذاب) ٥. وكذلك من حسناته قتله لبيان بن سمعان النهدي.٦
_________________
(١) شرح القصيدة النونية للهراس ١/٢٥.
(٢) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧.
(٣) الرد على الجهمية للدارمي (٧-١١٠) ط: المكتب الإسلامي.
(٤) المغيرة بن سعيد البجلي، كان رافضيًا خبيثًا كذابًا ساحرًا ادعى النبوة، وفضل عليًا على الأنبياء، وكان مجسمًا) تاريخ الطبري (٧/١٢٨، ١٢٩)، سير أعلام النبلاء ٥/٤٢٦)، ميزان الاعتدال (٤/١٦٠،١٦١) .
(٥) سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٢.
(٦) بيان بن سمعان من الغلاة القائلين بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، فقتله خالد القسري على ذلك.) الملل والنحل ١/١٥١،١٥٢.
[ ١٦١ ]
المطلب الثالث: مواقف خلفاء بني أمية من أهل البدع
للأسف الشديد أن أواخر بني أمية كانوا موالين لأهل البدع على خلاف ما كان عليه أوائلهم فالأوائل كانوا شديدين على المبتدعة لا يترددون في قمعهم فمن مواقفهم في ذلك:
١- موقف عبد الملك بن مروان مع معبد الجهني الذي كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، فصلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ثم قتله.١
٢- موقف عمر بن عبد العزيز الذي كان مقيمًا للسنة حربًا على البدع وأهلها ومواقفه في ذلك مشهورة مشكورة، ومن ذلك إحضاره لغيلان بن مسلم الدمشقي الذي تنسب إليه فرقة "الغيلانية" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان. فأحضره عمر بن عبد العزيز فاستتابه فتاب، فتركه.٢
٣- موقف هشام بن عبد الملك وقد تقدم خبره مع غيلان والجعد والجهم.
وكل من يتأمل في التاريخ يجد أن لبني أمية الأوائل أياد بيضاء في هذا الجانب، وإن كان لبعضهم هنات وزلات في جوانب أخرى، والتاريخ يشهد لهم أن راية
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/٢٢٥،٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/١٨٣، الاعلام ٧/٢٦٣.
(٢) الكامل لابن الأثير ٥/٢٦٣، الأعلام ٥/١٢٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/١٧٣، وانظر خبر ذلك في كتاب الشريعة للآجري ص٢٢٨-٢٢٩، والتنبيه والرد للملطي ص١٧٨، السنة لعبد الله بن احمد ٢/٤٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٧٨٨، الإبانة لابن بطة، كتاب القدر الثاني ص٢٣١، الفتاوى ٧/١٤.
[ ١٦٢ ]
السنة وعلماء السنة هم السادة في ذلك العصر، ولكل زمان دولة ورجال.
أما أواخر خلفاء بني أمية فقد كان بعضهم مواليًا لأهل البدع بل يقول بقولهم ومن أولئك:
١- يزيد بن الوليد -يزيد الثاني- والذي يلقب بيزيد الناقص وقد تولى الخلافة سنة ١٢٦هـ وكان قدريًا حتى أنه ولى على العراق منصور بن جمهور وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية١
قال ابن الأثير: (ولم يكن منصور من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية.)
وقال الشافعي: (لما ولى يزيد بن الوليد، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان) ٣ لكن خلافة يزيد لم تزد على ستة أشهر.
٢- مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار، وكان آخر خلفاء بني أمية وتولى الخلافة من سنة ١٢٧هـ - إلى ١٣٢هـ وقد تقدم أنه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. وكان يسمى بمروان الجعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها)
_________________
(١) البداية ١٠/١٤، شذرات الذهب ١/١٦٧، تاريخ ابن خلدون ٣/١٠٩،١١٢.
(٢) الكامل ٥/٢٩٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/١٨٢.
[ ١٦٣ ]
وقال أيضًا: (وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم.)
(ولذلك كان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة) .٢
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٨.
[ ١٦٤ ]
الفصل الثاني: بدع الجعد ومقالاته والرد على بعض الشبه والمغالطات التي تثار حوله
المبحث الأول: بدع الجعد ومقالته
المطلب الأول: أقوال العلماء فيه
المطلب الأول: أقوال العلماء فيه
قال اللالكائي: عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: (أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم)
وقال ابن عساكر في ترجمة الجعد: (أول من قال بخلق القرآن)
وقال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم: ليس الجعد من أمة محمد ﷺ)
وقال ابن الأثير: (وكان مروان يلقب بالحمار والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك، وقيل إن الجعد كان زنديقًا)
وقال ابن كثير في ترجمة الجعد: (هو أول من قال بخلق القرآن)
وقال الذهبي: (وكان الجعد أول من تفوه بأن الله لا يتكلم)
وقال السيوطي في الأوائل: (أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٣٨٢ رقم ٦٤١.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠، وانظر الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي ص١١٦.
(٣) ذم الكلام للهروي ص٣٠٤.
(٤) الكامل في التاريخ ٥/٤٢٩.
(٥) البداية ٩/٣٥٠.
(٦) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١٠١٢٠، ٧/٣٣٧،٣٣٨ ت٣٤٣) .
[ ١٦٨ ]
الجعد بن درهم)
وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتل على ذلك يوم النحر والقصة مشهورة)
وقال البيهقي بعد أن ساق بأسانيده أقوال أئمة السلف في أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق: (ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، وأول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم فأنكر عليه خالد بن عبد الله القسري وقتله)
وقال الطبري: (إن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم)
قال ابن العماد الحنبلي: (والجعد هذا من أول من نفى الصفات وعنه انتشرت مقالة الجهمية إذ ممن حذا حذوه في ذلك الجهم بن صفوان عاملهما الله تعالى بعدله.) ٥.
وقال الذهبي في ديوان الضعفاء: (الجعد بن درهم، الضال، ذبحه خالد القسري، أنكر أن إبراهيم ﵇ خليل الله.)
وقال عنه أبو الحسن علي بن محمد المدائني الأخباري: (كان زنديقًا وقد
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/٢٣.
(٢) ميزان الاعتدال (١/٣٩٩، ت١٤٨٢)
(٣) الأسماء والصفات ص٣٢٥.
(٤) صريح السنة
(٥) شذرات الذهب ١/١٦٩.
(٦) ديوان الضعفاء ص٦٣ ت٧٤٢.
[ ١٦٩ ]
قال له وهب من منبه إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله أن له يدًا، وأن له عينًا ما قلنا ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب)
وقال ابن كثير: (وذكر أنه -أي الجعد- كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب ثم قتل ذكره ابن عساكر)
وقال ابن حجر: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهوامًا فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: فليقل كم هو، وكم الذكران منه والإناث إن كان، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع)
وقال ابن نباتة: (دخل على الجعد يومًا بُهْلول، فقال أحسن الله عزاءك في ﴿قل هو الله أحد﴾ فإنها ماتت!
قال: وكيف تموت؟
قال: لأنك تقول: إنها مخلوقة، وكل مخلوق يموت)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٣.
(٢) البداية ٩/٣٥٠، تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١،١٢٠) ٧/٣٣٨.
(٣) لسان الميزان ٢/١٠٥.
(٤) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص٢٩٤.
[ ١٧٠ ]
وقال ابن عساكر: (وأخذ الجعد بن درهم من أبان بن سمعان وأخذ أبان من طالوت وأخذ طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ، وكان لبيد يقرأ القرآن وكان يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان طالوت زنديقًا وأفشى الزندقة، ثم أظهره جعد بن درهم)
وقال ابن كثير: (وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول ﷺ، وأخذها لبيد عن يهودي باليمن)
وقال النديم في الفهرست: (كان الجعد بن درهم الذي ينسب إليه مروان بن محمد، فيقال مروان الجعدي، وكان مؤدبًا له ولولده، فأدخله في الزندقة.)
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة)
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٢) البداية ٩/٣٥٠.
(٣) الفهرست ص٤٠١.
(٤) الصواعق المرسلة ٣/١٠٧٠، ١٠٧١.
[ ١٧١ ]
وقال القلقشندي في ترجمة مروان: (ويعرف بالجعدي لأنه أخذ عن الجعد ابن درهم مذهبه في الكلام في القول بخلق القرآن والقدر)
قال المطهر بن طاهر المقدسي: (وقيل له الجعدي لأن الجعد بن درهم الزنديق كان غلب عليه وفيه يقول الشاعر:
أتاك قومُ برجالٍ جُرْد مخالفًا ينصُرُ دِينَ الجعد
مكذبًا بجحد يومَ الوَعْد٢
_________________
(١) مآثر الانافة في معالم الخلافة ١/١٦٢، ط: الكويت.
(٢) البدء والتاريخ ٦/٥٤،٥٥.
[ ١٧٢ ]
المطلب الثاني: بدعه ومقالته
وبعد فهذه جملة من الأفكار المنحرفة ذكر العلماء أن الجعد كان ينادي بها ويظهرها ويدعو إليها. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
١- إنكاره لصفات الخالق، ولا شك أن جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته١
فأراد الجعد بذلك هدم الأصل الأول من أصلي الدين الذي هو "الإيمان بالله"
فالجعد وأمثاله لا يؤمنون بوجود حقيقي لله تعالى، ويجعلون وجود الله أمرًا مقدرًا في الذهن والخيال لا حقيقة له في الخارج، فلذلك هم لا يصفونه بصفة ثبوتية، ويقتصرون على وصفه بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة منهما.
والجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام، وقد كان أسبق من الجهم ابن صفوان، ولكن الجهم كان له في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه ولذلك اشتهر نسبة هذه المقالة إليه٢
فقيل مقالة الجهمية، ولم يقل مقالة الجعدية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهاتان الصفتان -أي كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته- هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية، لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، إذ لا محبة له ولا رضا؛ ولم يكلم موسى تكليما)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥١.
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/١٦٣، ١٦٤ "بتصرف"
(٣) الاستقامة ١/٢١٥.
[ ١٧٣ ]
٢- إنكاره أن الله يتكلم حقيقة، وهذا إنكار لحقيقة الرسالة١
فالصابئة المتفلسفة شيوخ الجعد لا يثبتون وجود الله على الحقيقة فضلًا أن يثبتوا له صفة الكلام، ولذلك هم يقولون: (إن الله ليس له كلام في الحقيقة، وإن كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبي من "العقل الفعال" أو غيره. و"ملائكة الله" اسم لما يتشكل في نفسه من الصور النورانية ولهذا يقول هؤلاء إن خاصية النبي التخييل٢، وإن ما جاء به النبي ليس كلامًا لله على الحقيقة، وإنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق٣.
فأراد الجعد بذلك هدم الأصل الثاني من أصلي الدين الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ ورسالته. وذلك من خلال إنكاره لكلام الله المستلزم لإنكار حقيقة الرسالة، وقد تجلت بدعته هذه في قوله بخلق القرآن فهو أول من تكلم به.
قال الهروي: (وأما الذين قالوا بإنكار الكلام لله ﷿، فأرادوا إبطال الكل، فإن الله على زعمهم الكاذب إذا لم يكن متكلمًا، بطل الوحي، وارتفع الأمر والنهي وذهبت الملة، فلا يكون جبريل ﵇ سمع ما بلغ، ولا الرسول ﷺ أخذ ما أنفذ. فبطُلَ التسليم والسمع والتقليد، ويبقى المعقول الذي به قاموا.)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥١، ٣٥٢.
(٣) ذم الكلام ص٣٠٦.
(٤) ذم الكلام ص٣٠٦.
[ ١٧٤ ]
٣- إنكاره محبة الله لأحد من عباده، وبالتالي أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهو يريد بذلك الطعن في نبي الله إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ولا غرابة في ذلك فأئمة الجعد هم الصابئة المشركون عباد الكواكب، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل ﵇ إمام الحنفاء، وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلًا.١ بل إن هؤلاء يقولون إن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، فلا يحب الرب عبده، ولا يحب العبد ربه.
وهدفهم هو التعطيل والجحود، لأن إنكار محبة العبد ربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودًا.
كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربًا خالقًا.
فصار إنكار المحبة مستلزمًا لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود٢ ولذا أطلق إمام المعطلة الجعد بن درهم القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا.٣
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇- فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/٦٧،٦٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/٧٣، منهاج السنة ٥/٣٢٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/٧١.
[ ١٧٥ ]
لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف) .١
وقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: "ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا" ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، لم يكن للخلة عنده معنى.٢
٤- من بدع الجعد معارضته للنصوص بالعقليات، وهو أول من أحدث هذه البدعة، وفتح بابًا من أبواب الشر على المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لايدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، وأولهم الجعد بن درهم)
فأول ما ظهر علم الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى، من جهة الجعد بن
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/١٧٥،١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/١٦٥،١٦٦.
(٢) منهاج السنة ٥/٣٢١،٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/٩٢.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/٢٤٤.
[ ١٧٦ ]
درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله.١
فالجعد هو مشعل نار هذه الفتنة، وعلم الكلام جر على المسلمين الكثير من البلايا والمحن والفتن التي لا نزال إلى يومنا هذا نعاني منها.
وقال ابن القيم: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم
_________________
(١) منهاج السنة ٨/٥.
[ ١٧٧ ]
مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة)
٥- من بدع الجعد إنكاره للقدر.
فقد ذكره البغدادي في عداد القدرية حيث قال: (ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم.)
وذكر أن الحمارية من القدرية قد تأثروا ببعض أفكار الجعد في هذه المسألة فقال: (وأخذوا من جعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري قوله بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلًا لا فاعل لها.)
وقد زعم هؤلاء الحمارية أن الخمر ليست من فعل الله، وإنما هي من فعل الخمار، لأن الله تعالى لا يفعل ما يكون سبب المعصية وزعموا أن الإنسان قد يخلق أنواعًا من الحيوانات، كاللحم إذا دفنه الإنسان أو يضعه في الشمس فيدود، وزعموا أن تلك الديدان من خلق الإنسان، وكذلك العقارب التي تظهر من التبن تحت الآجُرّ زعموا أنها من اختراع من جمع بين الآجُرّ والتبن.٤
وهذا الزعم كان الجعد أسبق من الحمارية إليه فقد ذكر ابن حجر في اللسان أن الجعد كان يقول بذلك حيث قال: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/١٠٦٩، ١٠٧١.
(٢) الفرق بين الفرق ص١٨-١٩.
(٣) الفرق بين الفرق ص٢٧٨-٢٧٩.
(٤) الفرق بين الفرق ص٢٧٩.
[ ١٧٨ ]
أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهواما فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه)
ولذلك فإني لا استبعد أن تكون الحمارية نسبة إلى مروان الحمار الذي تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك كما أشار إلى ذلك ابن الأثير٢ وغيره.٣ وبهذا يعلم أن أفكار الجعد كانت تدور حول تعطيل ذي الجلال والإكرام وإنكار صفاته، وتكذيب رسله، وإبطال وحيه.) .٤
_________________
(١) لسان الميزان ٢/١٠٥.
(٢) الكامل ٥/٤٢٩.
(٣) انظر ماثر الإناقة في معالم الخلافة للقلقشندي ١/١٦٢.
(٤) الرد على الجهمية للدارمي (ص٧) ط: المكتب الإسلامي.
[ ١٧٩ ]
المبحث الثاني: الردود على بعض الشبه والمغالطات التي أثيرت حول الجعد ابن درهم
المطلب الأول: المغالطة الأولى
ردود على بعض الشبه
وإن مما يؤسف له أن بعض الكتاب المعاصرين حاول الطعن في ثبوت قصة قتل الجعد من جهة إسنادها، وتحامل في الوقت نفسه على خلفاء بني أمية وكذا على خالد القسري، وطعن بطعون، لم يكن هو السابق إليها وإنما هو مقلد لغيره فيها. ومجارٍ لبعض من سبقه من الكتاب. وسأتعرض لهذه الطعون وأرد عليها بما يفتح الله علي في ذلك.
قال صاحب كتاب قصص لا تثبت "مشهور بن حسن" في الجزء الثالث، الباب الخامس: "من قصص الأمراء والسلاطين" القصة "التاسعة والعشرون" "ذبح خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم" ٣/٢٥١-٢٥٦. قال تحت عنوان "تنبيهات هامة"
"ومما يضعف هذه القصة أمور منها":
أولًا: هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد.
ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/٤٣٢) عقب القصة: "قلت: هذه من حسناته"
ثالثًا: لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك- هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.
[ ١٨١ ]
رابعًا: الذي يهمنا هنا تقرير وتأكيد أن هذه الحادثة مع تعليل القتل الذي فيها لم يرد إلينا بإسناد نظيف، والله الهادي.)
قلت: جانب المؤلف الصواب في هذه التنبيهات وسأعلل للقارئ الكريم وطلاب العلم ذلك من خلال الرد على كل فقرة من الفقرات التي ذكرها.
_________________
(١) قصص لا تثبت ٣/٢٥٦، الناشر: دار الصميعي.
[ ١٨٢ ]
المطلب الأول: المغالطة الأولى
ذكر المؤلف في الفقرة الأولى: "أن هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد".
والجواب على ذلك:
هذه أولى الشبه حيث سوى بين علم الحديث وعلم التاريخ في منهج النقد وأراد أن يطبق منهج المحدثين تطبيقًا حرفيًا في نقد الروايات التاريخية، وهذا خطأ جسيم وأمر لا يسلم به لا علماء الحديث ولا التاريخ، وأعطى للقارئ الكريم نقلًا واحدًا يدل على فساد زعم ال
مؤلف أن هذه القصة غير ثابتة على معايير أهل النقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد "ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" وفي لفظ "ليس لها أسانيد" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره.) ١ انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
قلت: هذه معايير أهل النقد يبينها ابن تيمية:
١- أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.
٢- تعدد طرقه.
_________________
(١) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص١٦-١٧. ط: الدار العلمية، الهند.
[ ١٨٣ ]
والقصة التي معنا اجمتع فيها الشرطان:
١- شهرتها عند أهل الفن: وقد شهد بذلك الذهبي حيث قال: وهذه قصة مشهورة رواها قتيبة بن سعيد والحسن بن الصباح وعثمان بن سعيد الدارمي عن ابن أبي سفيان المعمري١. وقال في ميزان الاعتدال (والقصة مشهورة)
وقال ابن كثير بعد أن ذكر القصة: (وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي وعبد الله بن أحمد وذكره ابن عساكر في التاريخ) ٣ وقال في موضع آخر ذكر فيه القصة: (وقد روى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، وابن أبي حاتم في السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة..) ٤ وذكر القصة.
فهذه شهادة من عالمين من علماء هذا الفن، وقد نقل المؤلف هذه الشهادات، ووضعها تحت عنوان: "شهرة القصة" ولكن -والله أعلم- يبدو أنه لم يتنبه لمعنى هذه العبارة ودلالتها في معايير أهل النقد.
وهنا يحق لنا أن نتمثل بقول الشاعر:
_________________
(١) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١-١٢٠، ٧/٣٣٧،٣٣٨ ت٣٤٣.
(٢) ١/٣٩٩.
(٣) البداية ٩/٣٥٠.
(٤) البداية ١٠/١٩.
[ ١٨٤ ]
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ولذلك فإني أقول إن المؤلف جازف بقوله: (فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد) فيجب عليه الرجوع إلى معايير نقد الروايات التاريخية، ويفرق بينها وبين معايير المحدثين قبل أن يخوض في المسألة بمثل هذا الخوض المجانب للصواب.
٢- وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو "تعدد الطرق" وقصة قتل الجعد جاءت من طريقين سبق ذكرهما وقد ذكرهما الذهبي في العلو للعلي الغفار وذكرها المؤلف في كتابه.
وبما أن القصة قد تحقق فيها شرط الشهرة وشرط تعدد الطرق. فهي كما ذكر شيخ الإسلام تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت المؤلف المذكور أمعن النظر في تعليق الألباني على العلو للذهبي، حيث قال معلقًا على صنيع ابن أبي حاتم في رواية هذه القصة عن عيسى بن أبي عمران مع قوله في الجرح والتعديل: (كتبت عنه بالرملة، فنظر أبي في حديثه، فقال: يدل حديثه أنه غير صدوق، فتركت الرواية عنه) ١ فقال الألباني: (قلت: ولعل روايته عنه هذه القصة، لأنها ليست حديثًا مرفوعًا، والله أعلم) ٢ انتهى كلام الألباني، وكلامه يدل على التفريق بين
_________________
(١) ٦/٢٨٦.
(٢) مختصر العلو ص١٣٤.
[ ١٨٥ ]
الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.
قال ابن تيمية ﵀: (فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما الاسرائليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها.) ١ بل حتى في فن الحديث يفرق بين الأحاديث المتعلقة بالعقائد والأحكام والحلال والحرام والسنن والأحاديث المتعلقة بفضائل الأعمال والترغيب والترهيب والدعوات، فيتساهل في أسانيد هذه ويتشدد في أسانيد تلك.
قال شيخنا الشيخ حماد بن محمد الأنصاري: (إن الحديث إذا لم يتضمن عقيدة ولا حلالًا ولاحرامًا جاز العمل به في الفضائل، لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد إذا كان لهذه الفضيلة أصل في الشرع.٢
قال الحاكم قال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحث والدعوات تساهلنا في الأسانيد٣
وقال الإمام أحمد: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد.٤
وقد ذكر البيهقي أقسام الخبر وقال: وضرب لا يكون راويه متهمًا
_________________
(١) الرد على البكري ص٢٠.
(٢) رفع الإشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة ص٣٦.
(٣) المستدرك كتاب الدعاء ١/٤٩٠.
(٤) المدخل إلى الصحيحين للحاكم.
[ ١٨٦ ]
بالوضع غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ويكون مجهولًا لم يتثبت من عدالته وشرائط قبوله ما يوجب القبول، فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم)
فإذا كان يُفرق بمثل هذا التفريق داخل فن الحديث، فما بال المؤلف المذكور يخلط مثل هذا الخلط ويصدر حكمه الجائر فيقول: "غير ثابتة على معايير أهل النقد" فيا ليته على أقل أحواله رضي بحكم الألباني حيث قال: "لكنه يتقوى بالذي بعده فإن إسناده خير منه، ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة.." وهذا كلام رصين متين فالألباني يعترف بجزم العلماء بهذه القصة، وأنت أيها التلميذ تجزم بعدم ثبوتها!!!
ثم إنه لمن الغريب حقًا أنه لم يسبق لأحد من العلماء الذين ذكروا هذه القصة على كثرتهم وشهرتهم وإمامتهم، أن تعقب هذه القصة بمثل ما ذكره هذا المؤلف، فكيف مضت مئات السنين ولا نجد من ينتقد هذه القصة ويطعن في ثبوتها، مع مرورها على أساطين المحدثين والمؤرخين، وهم الأعلم والأدرى بمعايير النقد وموازينه؟
أو يعقل أنك أيها المؤلف – خبير البحث الحديث – المطتشف الوحيد لزيف هذه القصة واختلافها؟! أعتقد أن الأمر مستبعد فالأمر في حقيقته كما قال الشاعر:
وكم من عجائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
_________________
(١) مختصر العلو ص١٣٣.
[ ١٨٧ ]
وإن من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل وامتلأت به الكتب، وشاع بين الخاص والعام. وحري بهذا المؤلف وأمثاله أن لا يخوضوا في هذه المسائل وهم يعلمون أن الأئمة الكبار قد تلقوا ذلك بالقبول ولم يرد منهم اعتراض يذكر لا من قريب أو بعيد.
[ ١٨٨ ]
المطلب الثاني: المغالطة الثانية
قال المؤلف ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/٤٣٢) عقب القصة: "قلت: هذه من حسناته"!. انتهى كلامه.
قلت: المؤلف متناقض في مواقفه ويكيل بمكيالين ويزن بميزانين، فهو في قصة قتل الجعد يريد تطبيق شروط المحدثين في ثبوت الحديث المرفوع على قصة تاريخية. وهنا في سيرة خالد القسري أصدر حكمًا بأنها مظلمة دون أن يحقق في أسانيد سيرته أو أن يُفصل شيئا من ذلك وهذا الغمز في هذه القصة من هذا الوجه لم يكن المؤلف أول من طعن في ذلك بل هو مجارٍ لغيره فيه.
فمن قبله جمال القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة١ الذي نقل خليطًا من الروايات في الطعن في خالد بن عبد الله القسري بأنه جعل الولاية للنصارى والمجوس على المسلمين، وأنه كان ناصبيًا يبغض عليًا ﵁، وأن الإسلام كان في عهده ذليلًا، وأحال من أراد استيفاء أحواله وأخباره إلى كتاب الأغاني للأصفهاني الشيعي٢
ولنا مع كلام المؤلف وكلام القاسمي وقفات:
الوقفة الأولى: زعْمُ المؤلف بأن ترجمة القسري مظلمة وكذا التهم التي ذكرها القاسمي، على فرض صحتها، لا تطعن في صحة القصة، فلو قرأ
_________________
(١) تاريخ الجهمية والمعتزلة ص٣٨-٤٢.
(٢) انظر كتاب السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني لوليد الأعظمي.
[ ١٨٩ ]
المؤلف ومن قبله القاسمي التاريخ بتأمل لعلموا أن صاحب القرار في إعدام وقتل الجعد هو هشام بن عبد الملك، فالفضل يعود إليه في المقام الأول فلو اعتمدنا رواية ابن الأثير للقصة، لعلمنا أن هشامًا هو الذي قبض على الجعد وأرسله إلى خالد القسري وأن خالدًا القسري اكتفى بحبسه ولم ينفذ أمر القتل وأن هشامًا أرسل إلى خالد يلومه ويعزم عليه بقتله. قال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله)
ولو اعتمدنا رواية ابن عساكر وابن كثير لوجدنا كذلك هشام بن عبد الملك هو الذي طلب القبض على الجعد في بداية الأمر عندما كان في دمشق لكن الجعد هرب إلى الكوفة.
قال ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق إلى الكوفة)
وقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة..)
والنديم في الفهرست ينص على أن هشامًا هو الذي أمر بقتل الجعد حيث قال: (وقتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد
_________________
(١) الكامل ٥/٢٦٣.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦/٥٠.
(٣) البداية ٩/٣٥٠.
[ ١٩٠ ]
خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد؟! وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر، بأمر هشام..) ١ فالروايات التاريخية السابق ذكرها تؤكد أن هشام بن عبد الملك هو صاحب القرار في ذلك.
الوقفة الثانية: لا يسلم للمؤلف زعمه بأن ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، وليس الأمر كما زعم فالرجل له وعليه، وهناك صفحات مشرقة في تاريخه، وبعض ما نسب إليه لا يصح عنه. فهذا الذهبي ينصفه ويقول في ترجمته: (الأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد ين أسد بن كرز البجلي القسري الدمشقي أمير العراقين لهشام، وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان وكان جوادًا ممدحًا معظمًا عالي الرتبة من نبلاء الرجال، لكنه فيه نصب معروف ) وقد اعتذر له بعد أن ذكر شيئًا مما له وعليه فقال: (وكان خالد على هناته يرجع إلى الإسلام.)
وقد أشاد الذهبي بقتله للجعد بن درهم وقال: هذه من حسناته هي وقتله مغيرة الكذاب.
وقد دافع عنه ابن كثير في البداية بعد أن أورد بعضًا من تلك المثالب التي نسبت إليه وقال: (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائمًا
_________________
(١) الفهرست ص٤٠١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/٤٢٥-٤٣٢.
[ ١٩١ ]
في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد١ وقد نسب إليه صاحب العقد٢ أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة لأهل البيت)
وحال صاحب كتاب الأغاني الذي اعتمد عليه القاسمي في ترجمة القسري ليس ببعيد عن صاحب العقد الفريد فقد قال عنه ابن كثير: (وكان فيه تشيع، قال ابن الجوزي: ومثله لا يوثق به، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح ومنكر) ٤ والأصفهاني قد روى الكثير من أخبار كتابه عن طائفة من الرواة الكذابين.٥
وأما عن اتهامه بالنصب وشتم علي ﵁ فأجاب عنه ابن الأثير فقال: (قيل كان يفعل ذلك نفيا للتهمة وتقربًا إلى القوم) ٦ وقال: وكان خالد يصل الهاشميين ويبرهم.٧
وفي العموم فإن خالدًا القسري ليست ترجمته مظلمة بالصورة التي حاول المؤلف والقاسمي رسمها عنه في ذهن القارئ وأترك الحكم للقارئ الكريم ليقارن بين كلام الذهبي وابن كثير من جهة -وهما إمامان من أئمة أهل السنة في المعتقد
_________________
(١) يقصد قتله للمغيرة الكذاب، وبيان بن سمعان.
(٢) صاحب العقد الفريد ابن عبدربه.
(٣) البداية ١٠/٢١.
(٤) البداية ١١/٢٦٣.
(٥) مقالات في المذاهب والفرق ص٧٣، جمع عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف.
(٦) الكامل ٥/٢٢٤.
(٧) الكامل ٥/٢٢٤.
[ ١٩٢ ]
والتاريخ- وبين كلام صاحب العقد الفريد وصاحب الأغاني -الشيعيين الحاقدين على أعلام أهل السنة. فأي الفريقين خير مقامًا.
الوقفة الثالثة: أساء المؤلف استخدام عبارة الذهبي في السير (٥/٤٣٢) حيث قال الذهبي بعد إيراده لقصة قتل الجعد (قلت: هذا من حسناته هي وقتله مغيرة الكذاب) فقد أراد المؤلف إفهام القارئ أن الذهبي يذم خالد بن عبد الله القسري، والأمر في حقيقته على العكس من ذلك، فلقد أنصف الذهبي خالدًا القسري، ولم يقصد بتلك العبارة انتقاصه أو التقليل من حسناته، ومن يقرأ سير أعلام النبلاء، يدرك صواب ما أقول.
وقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري.١
وقال ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال ابراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان٢
وقال أبو محمد اليمني (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/١٧٧، ١٢/٣٥٠.
(٢) شرح القصيدة النونية للهراس ١/٢٥.
(٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/٢٨٧.
[ ١٩٣ ]
وقال الدارمي: (وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه)
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي (٧-١١٠) ط: المكتب الإسلامي.
[ ١٩٤ ]
المطلب الثالث: المغالطة الثالثة
قال المؤلف: (ثالثا: لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك- هذه الغيرة التي لا تكون إلا ممن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.) انتهى كلامه١
قلت: لي مع هذه الشبهة وقفات:
الوقفة الأولى: قول المؤلف: (لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك- هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة)
هذا الطعن في القسري يخالفه قول ابن كثير (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد) ٢ وليست أدرى ما موقف المؤلف من كلام هذا الإمام العلم الحافظ ابن كثير؟
ولو وزنا كلام المؤلف المغمور مع كلام هذا الإمام المشهور لاتضح لنا فساد هذا الزعم وضلاله. ولعل هذه تكفي.
الوقفة الثانية: قول المؤلف: (وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين
_________________
(١) قصص لا تثبت ٣/٢٥٦.
(٢) البداية ١٠/٢١.
[ ١٩٥ ]
أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه) .
الرد عليه: هذه العبارة ليست من كلام المؤلف وإنما نقلها عن شعيب الأرنؤوط في تعليقه على السير وعزاها الأرنؤوط إلى بعض الباحثين.١
والمؤلف هنا أورد هذه العبارة بطريقة توهم أنها من كلامه وهي عبارة خطيرة لأنها لم تستثنِ أحدًا من خلفاء بني أمية ولا حتى الصحابي الجليل معاوية ﵁، أول خلفاء بني أمية، وكذلك لم تستثنِ عمر ابن عبد العزيز وهو أحد خلفاء بني أمية وعلم من أعلام أهل السنة، والمؤلف ينقل عبارات وينسبها لنفسه وهو لا يدرك مدى خطورتها وفسادها، فمثل هذه العبارة لا تصدر من شخص يحمل عقيدة أهل السنة.
وقد سبق أن تحدثت عن جهود بني أمية الأوائل في الدفاع عن السنة وإطفاء نار أهل الضلال والبدع، والحق يقال إنَّ راية السنة وكلمة علماء السنة كانت هي العليا في تلك الفترة، ولم يكن أهل البدع يتجرءُون على إظهار بدعهم فضلا عن أن يدعوا إليها.
الوقفة الثالثة: قال المؤلف (ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة) وأشار في الحاشية إلى سير أعلام النبلاء (٥/٤٣٣) .
والجواب عن ذلك: نقل المؤلف هذا الكلام عن شعيب الأرنؤوط من
_________________
(١) انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٣.
[ ١٩٦ ]
تعليقه على كتاب سير أعلام النبلاء،، فقد قال بعد أن نقل كلام ابن كثير عن الجعد وأنه أخذ مقالته عن اليهود، قلت -القائل الأرنؤوط- لم يذكر ابن كثير سنده في هذا الخبر حتى ننظر فيه، ويغلب على الظن أنه افتعله أعداء الجعد. ولم يحكموه لأن أفكاره التي طرحها في العقيدة مناقضة كل المناقضة لما عليه اليهود، فهو ينكر بعض الصفات القديمة القائمة بذات الله ويؤولها لينزه الله تعالى عن سمات الحدوث، ويقول بخلق القرآن وأن الله لم يكلم موسى بكلام قديم بل بكلام حادث، بينما اليهود المعروف عنهم الإغراق في التجسيم والتشبيه، ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن قتل الجعد كان لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة، ويعلل ذلك بأن خلفاء بني أمية وولاتهم كانوا أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل تمت إلى العقيدة) انتهى كلام الأرنؤوط وهو كلام مشحون بالطعن والغمز والافتراء، ولست هنا بصدد الرد على جميع ما ورد في هذا النقل من عبارات باطلة، لكن المقصود الرد على زعم من قال بأن الدافع لقتل الجعد كان سياسيًا. وقد شارك على سامي النشار الأرنؤوط في هذا الزعم والتسويغ لضلالات الجعد وانحرافاته حيث يقول: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد- كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه سبب سياسي)
ولكن لم يوضح صاحب الأرنؤوط ولا النشار ما هو الدافع السياسي وراء قتل
_________________
(١) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/٣٣١.
[ ١٩٧ ]
الجعد، فبقيت دعواهم مجرد استنتاج لا دليل عليه ولا برهان، وهو استنتاج لا يقوم على أساس من الواقع، ويحق لنا أن نسأل ما هو الدافع السياسي المزعوم، وأي ثقل كان الجعد يشكله في الساحة السياسية آنذاك، خاصة إذا علمنا أنه من الموالي والعمل السياسي آنذاك بيد العرب فهم الولاة وهم القادة وهم أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، ولذلك كان يحسب لهم حسابهم في كل تحرك سياسي على عهد الأمويين، ولم يكن للموالي دور سياسي إلا في عهد العباسيين ولذلك فإن هذه الدعوى أوهن من بيت العنكبوت. والحقيقة أن قتل الجعد كان لزندقته وإلحاده١ وفي هذا يقول ابن تيمية: "فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته: مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل، وشكروا ذلك."٢
وما كنت لأسطر هذه الكلمات إلا إحقاقًا للحق ودفاعًا عنه، والله أسأل أن ينفع بما كتبت وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) مقالات في المذاهب والفرق ص٧٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/٣٥٠.
[ ١٩٨ ]