منهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد: تعريف التوحيد وأقسامه.
المبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية.
المبحث الثالث: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات.
[ ١١٨ ]
تمهيد
١ - تعريف التوحيد:
أ- التوحيد لغة: هو تفعيل وحد يقال: "وحده توحيدًا: أي جعله واحدًا" (١).
قال ابن فارس: "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (٢).
وقال أبو القاسم الأصبهاني (٣): "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحّدته توحيدًا ومعنى وحّدته: جعلته منفردًا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك، وقيل: الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم: وشاح وأشاح ويقال: جاؤوا أحاد أحاد، أي واحدًا واحدًا، فعلى
هذا: الواو في التوحيد أصلها الهمزة، قال الهذلي:
ليث الصريمة أحدان الرجال له صيد ومجتزئ بالليل هجّاس
وتقول العرب: واحد وأحد ووحد ووحيد، أي: منفرد، فالله تعالى واحد، أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال.
فقولهم: وحّدت الله، من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيمًا وكبيرًا، فكذلك وحّدته، أي علمته واحدًا، منزهًا عن المثل في الذات والصفات" (٤).
_________________
(١) القاموس المحيط ص ٣٢٤، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة ١٤٢٦، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(٢) معجم مقاييس اللغة (٦/ ٩٠)، تحقيق: عبدالسلام هارون، ١٣٩٩، دار الفكر.
(٣) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، قال عنه الذهبي: "الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام"، توفي سنة ٥٣٥. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠ - ٨١).
(٤) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، لأبي القاسم الأصبهاني، تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي المدخلي، دار الراية.
[ ١١٩ ]
وقال الجرجاني: "التوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد" (١).
وقال السفاريني: "والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل، فمعنى وحدت الله نسبت إليه الوحدانية، لا جعلته واحدًا، فإن وحدانية الله تعالى ذاتية له ليست بجعل جاعل" (٢).
ب- التوحيد اصطلاحًا:
تقسمت الطوائف في مفهوم التوحيد، وسمّى كل طائفة باطلهم توحيدًا.
فأتباع الفلاسفة، عندهم التوحيد: إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة، بل هو وجود مجرد مطلق، لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به وصف، ومن فروع هذا التوحيد: إنكار ذات الرب، والقول بقدم الأفلاك؛ فتوحيد هؤلاء: هو غاية الإلحاد والجحد والكفر (٣).
وأما الاتحادية، فالتوحيد عندهم: أن الحق المنزه هو عين المشبه، وأنه سبحانه هو عين
وجود كل موجود وحقيقته وماهيته، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح (٤)، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
وأما أهل الكلام، فالتوحيد عندهم: "إفراد القديم من الحدث" (٥).
وقيل: "اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه" (٦).
_________________
(١) التعريفات، ص ٩٦.
(٢) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية غي عقد الفرقة المرضية (١/ ٥٦ - ٥٧)، للسفاريني، الطبعة الثانية ١٤٠٢، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق.
(٣) مدارج السالكين بين منازل "إياك نعبد وإياك نستعين" (٣/ ٤٦٦)، لابن القيم، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٦).
(٥) فتح الباري (١٣/ ٣٤٤)؛ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (١٠/ ٣٥٧)، للقسطلاني، الطبعة السابعة ١٣٢٣، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر.
(٦) فتح الباري (١٣/ ٣٤٥)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٥/ ١٢٢)، لبدر الدين العيني، ضبط وتصحيح: عبدالله عمر، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار الكتب العلمية، بيروت؛ إرشاد الساري (١٠/ ٣٥٧).
[ ١٢٠ ]
وقيل: "سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وفي إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره" (١).
وقيل: "إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات" (٢).
وقيل: "نفي التقسيم لذاته ونفي التشبيه عن حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات" (٣).
وقيل: "تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة" (٤).
وقيل: "إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له" (٥).
وقيل: "واحد في ذاته لا قسمه له ولا صفة له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم
غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله" (٦).
وقيل: "إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد" (٧).
وفي الجملة فمفهوم التوحيد عند أهل الكلام هو نفي الصفات بدعوى التشبيه، وغالب تعريفات أهل الكلام لا تتعرض لتوحيد العبادة ولا تعرج عليه، وبخاصة الأشاعرة فهم مرجئة في التوحيد كما أنهم مرجئة في الإيمان (٨)، فلا يرون أن توحيد الألوهية من حقيقة التوحيد الذي يقع
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٣٤٥).
(٢) عمدة القاري (٢٥/ ١٢٢).
(٣) إرشاد الساري (١٠/ ٣٥٧).
(٤) التعريفات، ص ٩٦.
(٥) الملل والنحل (١/ ٤٠)، للشهرستاني، تحقيق: محمد كيلاني، ١٤٠٤، دار المعرفة، بيروت.
(٦) الملل والنحل (١/ ٤٠)، للشهرستاني.
(٧) رسالة التوحيد ص ٥، لمحمد عبده، دار الكتاب العربي ١٩٦٦ م.
(٨) حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين ص ١٢٦، لعبدالرحيم السلمي.
[ ١٢١ ]
فيه الشرك، وذلك بسبب اعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي جاءت به النصوص، وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون.
وأما القدرية فالتوحيد عندهم: هو إنكار قَدَر الله، وعموم مشيئته للكائنات وقدرته عليها، ومتأخروهم ضموا إلى ذلك: توحيد الجهمية، فصار حقيقة التوحيد عندهم: إنكار القدر، وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى (١).
وأما الجبرية، فالتوحيد عندهم: هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل، وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة، وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة، ولا غاية تطلب بالفعل، بل ما ثم إلا مشيئة محضة (٢).
وأما مفهوم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو: "أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له" (٣).
وهذا ما فسر به جمال الدين السرمري التوحيد بقوله: "وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدس عن الصاحبة والوزراء، المبرئ عن الآباء والأبناء" (٤).
٢ - أقسام التوحيد:
من العلماء من قسّمه إلى ثلاثة أقسام وهو المشهور (٥)، ومنهم من قسّمه إلى قسمين.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٧).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٧).
(٣) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (١/ ١٢٠)، لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، تحقيق: أسامة العتيبي، الطبعة الأولى ١٤٢٨، دار العصيمي، الرياض.
(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١ ب.
(٥) انظر: شرح العقيدة التدمرية ص ٤٦، لعبدالرحمن البراك، إعداد: سليمان الغصن، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار كنوز إشبيليا، الرياض.
[ ١٢٢ ]
فالقسمة الثلاثية هي:
١ - توحيد الأسماء والصفات.
٢ - توحيد الربوبية.
٣ - توحيد الألوهية (١).
أما القسمة الثنائية فهي:
١ - توحيد الإثبات والمعرفة.
٢ - توحيد القصد والطلب (٢).
ولامشاحة بين الطريقتين في التقسيم، ولا منافاة بينهما فمن جعله ثنائيًا فقد أجمل ومن جعله ثلاثيًا فقد فصل.
أما منهج الإمام جمال الدين السرمري في ذلك فمنهج من ذهب إلى القسمة الثلاثية، دل على هذا قوله في معرض كلامه على علاج الكرب والهم والغم والحزن: "ويحتاج إلى استفراغ
كلّي:
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الإلهية.
الثالث: توحيد العلمي الاعتقادي" (٣).
وقال في موضع آخر في معرض كلامه على سورة الفاتحة: "المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي: الله، والرب، والرحمن؛ وإثبات المعان، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية" (٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٤، ٣٣١)، التدمرية ص ٦، تحقيق: د. محمد السعوي، الطبعة السادسة ١٤٢١، مكتبة العبيكان، الرياض؛ شرح الطحاوية ص ٢٧، تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠ - ١٢٤).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٧)، التدمرية ص ٤ - ٥، مدارج السالكين (١/ ٣٣، ٣/ ٤٦٨)، شرح العقيدة الطحاوية ص ٤١، تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠)،
(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.
[ ١٢٣ ]
المبحث الأول
منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية
المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية:
أ- تعريفه لغة: توحيد الربوبية مركب من كلمتين: "توحيد" وتقدم تعريفها، و"الربوبية" وهي مأخوذة من الرب.
يقول ابن فارس -﵀-:
"الراء والباء يدل على أصول:
فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّبُّ: المالك، والخالق، والصاحب؛ والرب: المصلح للشيء، يقال: ربَّ فلان ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها.
والأصل الآخر: لزوم الشيء، والإقامة عليه. وهو مناسب للأصل الأول، يقال: أربَّت
السّحابة بهذه البلدة، إذا دامت.
والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو أيضًا مناسبٌ لما قبله. يقال للخرقة التي يُجعل فيها القداح: رِبابَةٌ، وسمي العهد رِبابة لأنه يجمع ويؤلِّف.
ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا" (١).
ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، فلا يقال "الرب" إلا عليه سبحانه، وإذا أطلق على غيره أضيف، فيقال: رب كذا (٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٠).
[ ١٢٤ ]
ب- تعريفه في الاصطلاح:
قال الشيخ سليمان بن عبدالله: "هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه هو المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك" (١).
وقد أشار جمال الدين السرمري ﵀ إلى هذا المعنى، فمن ذلك قوله في بيان وحدانية الباري - ﷻ - بالخلق والرزق: "فالله تعالى لم يخلق شيئًا فقدِر الخلق أن يعملوا مثله، فإنه تعالى أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به من كل الثمرات، ولا يقدر أحد من الخلق على فعل شيء من ذلك، وخلق الحيوانات والهوام وغير ذلك من ذوات الأرواح فلا يستطيع أحد من الخلق أن يعملوا مثلها فلا يمكنهم نقل نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى آخر مخلوق" (٢).
وقال في موضع آخر في مقدمة (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون): "الحمد لله القدير الصانع، المعطي المانع، الضار النافع، المفرق الجامع، الخافض الرافع، الذي ليس لما قضاه دافع، ولا له في حكمه منازع" (٣).
وقال في موضع آخر في معرض كلامه على شروط العبودية: "وإلقاء مقاليد الأمور كلها إليه، وأن يعترف له بالقدرة على جميع المخلوقات، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (٤).
وقال في في موضع آخر في معرض كلامه على نفي العدوى: "فبطل أن يقال: حدث هذا المرض بالإعداء، وثبت أنه فعل الله تعالى، فَعَلَه بالقدرة والاختيار، إن شاء فعله مع ملابسته ذي الداء والعامة، وإن شاء فعله منفردًا عنه ابتداءً واستقلالًا ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠ - ١٢١).
(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٣٠ أ.
(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ١٩.
(٤) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٣٨.
[ ١٢٥ ]
[الأعراف: من الآية ٥٤]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] إنما قوله لشيء إذا أراد أن يكون أن يقول له: كن فيكون، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب" (١).
وقال في موضع آخر: "والغرض هاهنا أنه لا يُمرض إلا الله، ولا يُعافي سواه، ولا يحيي ولا يميت إلا إياه، وهذه الأسباب التي تحصل منها التأثيرات من حمة وسقم كلها خلق من خلق الله، جارية بمشيئته وواقعة بإرادته، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، وكل يجري لأجل مسمى ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا" (٢).
المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
إن كل معاني لفظ الرب في اللغة صادقة على الله ﷾، فهو المالك لها، والسيد عليها، والمدبر لمصالحها، والقائم بحفظها، والمؤلف بينها، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، تعالى
الله الواحد الفرد الصمد.
المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية:
١ - أدلة توحيد الربوبية:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم، ونفى أن يكون الدليل العقلي متقدم عليها كما يزعم أهل الكلام، بل إنه أبطل دلالة العقل من القياس في الرب على معرفة الله، وقرر أنه لا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا
_________________
(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٥٧.
(٢) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٣٦.
[ ١٢٦ ]
العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحًا، يقول ﵀:
ويكفي سُواي أنه متمسك بتعليم علم المنطق السَّيئِ النَّشْرِ
عقيدته أن الكتاب وسُنَّـ ـة النَّبي معًا ليسا دليلًا على أمْرِ
ولكن دليلُ الأمر والنَّهي عنده نتيجةُ أفكارٍ على عقله يحري
وذاك دليلٌ في الشريعةِ باطِلٌ لأنّا عرفنا الله بالنَّقل لا الفِكْرِ
ومعرفةُ الرحمن بالعقل فِريَةٌ عليه وليس العُرْفُ بالشيء كالنُّكرِ
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو قول الأئمة في هذا الباب، فأما كون أن العقل لا يحصل له من القياس في الرب إلا السلب فقد قال شيخ الإسلام ﵀: "لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه، وأما عينه فلا يعرف بمجوع تلك القضايا الكلية، فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحًا. ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن -وهي المقاييس العقلية- دالة على النفي في مثل قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ الآية [الروم: ٢٨] ومثل قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ﴾ الآيات [النحل: ٧٦] وقوله:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ ﴾ الآية [الإسراء: ٤٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: من الآية ٩١] وأمثال ذلك من الأمثال -وهي القياسات- التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء لازمه، أو نحو ذلك؛ ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة، والكلام، في جانب الربوبية: إنما المعارف السلبية" (١).
وأما أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال القاضي أبو يعلى في عيون المسائل: [مسألة] ومثبتو النبوات حصل لهم المعرفة بالله
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٦١ - ٦٢).
[ ١٢٧ ]
تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول، خلافًا للأشعرية في قولهم: لا تحصل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد ماذكره الخطابي أيضًا في "الغنية عن الكلام وأهله": وقد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسول؛ وذكر قصة جعفر وأصحابه مع النجاشي، وقصة الأعرابي الذي قال: من خلق السماء، وغير ذلك. -ثم قال شيخ الإسلام-: وأما الطريقة التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت، وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون فإنه كان منكرًا للرب، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٦ - ١٨]-إلى قوله-: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٣٣] فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلًا على صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلهًا غير فرعون يتخذه. وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: من الآية ١٤] فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة" (١).
وقال في موضع آخر: "قيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارج عن المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٧٧ - ٢٧٩).
[ ١٢٨ ]
ووصفته بما وصف به نفسه؛ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله: وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله: وهو نور القرآن" (١).
وقال ابن القيم: "وهذه الطريق -يعني دلالة بعثة الأنبياء وآياتهم على وجود الله- من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات" (٢).
وبيان هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: الآيات والبراهين -وهي المعجزات:
من المعلوم أن الرسول إذا جاء قومه وادعى أنه رسول الله يُوحَى إليه بأنه لا إله إلا الله، أيده الله وصدقه بآية، فههنا أمور:
الأول: دعواه أنه رسول.
الثاني: أن الله هو الذي أرسله سواء كان المُخاطَب يقر بوجوده أو لا يقر.
الثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالألوهية.
فإذا جاء الرسول بآية وهي العلامة التي تدل على صدقه ثبتت الرسالة وكذلك الربوبية ضمنًا.
الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها:
أولا: العلوم:
لا يُعقل أن يتحدث الإنسان ويخبر بأشياء غيبية ويصدق فيها دائمًا دون تردد، ودون أن يجرب عليه كذب إلا إذا كان مُوحى إليه، فيدل ذلك على صدقه في الرسالة، وعلى وجود الخالق سبحانه، لأنه هو الذي أطلعه على ذلك.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٨).
(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٣/ ١١٩٧).
[ ١٢٩ ]
ثانيًا: الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق:
فقد تضمنت شريعة النبي - ﷺ - أمورًا عظيمة، يقطع الإنسان أنها لا يمكن أن تكون إلا من خالق عليم حكيم (١).
٢ - أثر توحيد الربوبية وثمراته:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ أثر توحيد الربوبية وثمراته على العبد مما يبين أهمية هذه المسألة.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره في أول دواء الهم والغم والحزن فقال: "وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعًا من الدواء فإن لم يقوى على إذهاب الهم والغم والحزن فهو ذا قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي: الأول: توحيد الربوبية " (٢).
وقال في موضع آخر في بيان أن السحر أكثر ما يصيب ضعيف التوحيد: "وعند السحرة إنما يتم سحرهم في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي معلقة بالسّفليات، ولهذا
غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد " (٣).
وقال في موضع آخر في أن التوحيد من أعظم الوسائل إلى الله تعالى: "فالاعتراف بالعبودية والإخلاص في الخضوع والذل وإظهار الفقر والحاجة من أعظم الوسائل إلى الله تعالى" (٤).
_________________
(١) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله (١/ ٢٩٢ - ٢٩٧)، لخالد بن عبداللطيف بن محمد نور، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية.
(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٤ ب.
(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٤٦ ب.
[ ١٣٠ ]
٣ - مسألة تسلسل الحوادث:
وهذه المسألة من المسائل الطويلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا فيها بطلان مذهب الفلاسفة، وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، وهي مباحث عويصة قال عنها شيخ الإسلام: إنها من محارات العقول (١)، بل قال عن بعض مسائلها وفروعها: إنها من الكلام المذموم (٢)، ولا شك أن شيخ الإسلام خاض فيها مضطرًا؛ ليبين خطأ وضلال أولئك الذين خاضوا فيها مخالفين لمنهج الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ وإلا فمسألة إثبات الصانع وحدوث المخلوقات من المسائل البدهية التي يعرفها عوام المسلمين.
وقد اشتهر عن ابن تيمية أنه يقول بجواز حوادث لا أول لها، وتلقفها مناوئوه وحساده من أعداء مذهب السلف فرموه صراحة بأنه يقول بقدم العالم كالفلاسفة، وممن اتهمه بذلك تقي الدين السبكي، فإنه لما اطلع على كتابه "منهاج السنة النبوية" أنشد أبياتًا مدح فيها الكتاب إلا إنه ناقره بأبيات فيها مغالطات واتهامات مختصرة، ومما قال فيها:
"يحاول الحشو أنّى كان فهو له حثيث سيرٍ بشرقٍ أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله سبحانه عما يُظنّ به" (٣)
وكان قد كتب التقي السبكي قصيدته البائية المذكورة بعد وفاة شيخ الإسلام كما يدل عليه قوله:
لو كان حيًّا يرى قولي ويسمعه رددتُ ما قال ردًا غير مشتبه
فتصدى للتشنيع على شيخ الإسلام بذلك، والرد عليه بمثل البحر والقافية جمال الدين السرمري ﵀، ومما جاء فيها:
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (١/ ٢٠٧)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، مؤسسة قرطبة.
(٢) المصدر السابق (١/ ١٣٣).
(٣) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٧٦)، تحقيق: د. محمود الطناحي ود. عبدالفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية ١٤١٣، دار هجر.
[ ١٣١ ]
"أما حوادثُ لا مبدا لأوّلها فذاك من أغرب المحكي وأعجَبِهِ
قصَّرت في الفهم فاقصر في الكلام فما ذا عُشُّك ادرُجْ فما صقرٌ كعُنْظُبِهِ (١)
لو قلتَ قال كذا ثم الجواب كذا لبان مُخطِئُ قولٍ من مُصَوِّبِهِ
أجْمَلْتَ قولًا فأجملتُ الجوابَ ولو فصَّلتَ فصَّلتُ تبيانًا لأغرَبِهِ
إن قلتَ كان ولا علم لديه ولا كلام لا قدرةٌ أصلًا كفرتَ بهِ
أو قلتَ أحدثها بعد استحالتها في حقه سَمْتُ نقصٍ ما احتججت بهِ
وكيف يوجدها بعد استحالتها منه أيقدر ميتٌ رفع مَنْكِبِهِ
أو قلتَ فعل اختيار منه ممتنع ضاهيتَ قول امرئ مُغوٍ بأنصُبِهِ
ولم يزل بصفات الفعل مُتَّصفًا وبالكلام بعيدًا في تقرُّبِهِ
سبحانه لم يزل ما شاء يفعلُهُ في كلِّ ما زمن ما من معقِّبِهِ
نوعُ الكلام كذا نوعُ الفعالِ قديـ ـم لا المعيَّنُ منه في ترتُّبِهِ
وليس يفهمُ ذو عقلٍ مقارنة الـ ـمفعولِ مع فاعلٍ في نفس مَنْصبِهِ
يُحبُّ يبغض يرضى ثم يغضب ذا من وصفه، أرضه، بُعدًا لِمُغضِبِه
والخلقُ ليس هو المخلوق تحسبه بل مصدر قائم بالنفس فادر به
وقول كن ليس بالشيء المكوَّن والصـ ـغير يعرفُ هذا مع تلعُّبِهِ
فالمصطفى قال كان الله قبل ولا شيء سواه تعالى في تحجُّبِهِ" (٢).
ويمكن تلخيص المسألة كما يأتي:
أولًا: مذاهب أهل القبلة في تسلسل الحوادث:
١ - استدل المتكلمون بدليل حدوث العالم على توحيد الربوبية، وزعموا أن مساق دليلهم
_________________
(١) العنظب: الجراد الذكر. انظر: لسان العرب (١/ ٦٣١).
(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٨ - ٧٥.
[ ١٣٢ ]
يقتضي:
أ- القول بأن الفعل كان ممتنعًا على الله - ﷾ - ثم صار ممكنًا، لأنه لو قيل بجواز أن يكون قادرًا على الخلق قبل ذلك لأدى ذلك إلى صحة القول بقدم العالم، لأنه ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع الفعل قبله، لأن الله قديم -عندهم-، وهذا ممتنع - بزعمهم -.
ب- نفي عن الله تعالى أن تقوم به صفات الأفعال، لأنه لما قيل لهم: إن قولكم إن الله خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجودًا هو قول بحلول الحوادث به تعالى، أجابوا بمذهبهم المشهور: إن الخلق هو المخلوق، أما أهل السنة يقولون: إن الفعل غير المفعول؛ فيفرق أهل السنة بين ثلاثة أشياء: الخالق تعالى، وصفة الخلق التي قامت به تعالى كغيرها من الصفات، والمخلوق المنفصل عنه تعالى.
وبناء على شبه المتكلمين في منع التسلسل، صارت أقوالهم في التسلسل في الآثار على قسمين:
- منعه في الماضي والمستقبل، وهذا قول جهم والعلاف، وحجة هؤلاء أنه إذا كان ممتنعًا في الماضي فيجب أن يكون ممتنعًا في المستقبل، فقال الجهم: بفناء الجنة والنار، وقال العلاف:
بفناء حركات أهلهما.
- منعه في الماضي وتجويزه في المستقبل، وهذا القول المشهور عند أهل الكلام الذين يقولون بدوام نعيم الجنة (١).
٢ - قال الفلاسفة: إن العلة التامة التي تسمى المؤثر يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه، وهذا سبب قولهم بقدم العالم (٢).
_________________
(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ٩٩٦ - ٩٩٨)، د. عبدالرحمن المحمود، الطبعة الأولى ١٤١٥، مكتبة الرشد، الرياض.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٠).
[ ١٣٣ ]
ولما رأى الفلاسفة دليل المتكلمين في إثبات حدوث العالم اعترضوا عليهم بأن في ذلك -لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا- ترجيحًا لأحد طرفي الممكن بلا مرجح، والترجيح لابد له من مرجح تام يجب به، ثم قالوا: والقول بوجود سبب يقتضي الترجيح يحتاج إلى سبب آخر وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ممتنع عندكم، فوقع المتكلمون في مأزق لم يستطيعوا التخلص منه وقامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، يقول شيخ الإسلام: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح" (١).
٣ - لما رأى شيخ الإسلام ابن تيمية بطلان مذهب الفلاسفة وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، خاض فيها مضطرًا لبيان الحق في المسألة، فقال: "والمقصود هنا أن
هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة نصوص الأنبياء وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء، وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم أن يقيم دليلًا على قدم الأفلاك أصلًا، وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٠٧).
[ ١٣٤ ]
أصلًا، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلًا، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء، بل يوافقها؛ وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحدًا أن يذكر دليلًا عقليًا يناقض هذا " (١).
وقال في موضع آخر: "أنهم -أي المتكلمين- لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم، وعمدتهم التي هي أعظم الحجج، مبناها على امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة، وسموا ذلك إثباتًا لحدوث الأجسام، فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب - ﷿ -، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به، بل كلامه مخلوق منفصل عنه وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم، لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم وبينوا فساده، ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول - ﷺ - واعتقدوا أنه باطل، قالوا: إن الرسول لم يبين الحقائق، سواء علمها أو لم يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم وما ينتفعون به، فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات، وصار
خطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين وقولهم؛ وقد رأوا أن قول أولئك باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلًا، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله - ﷺ - " (٢).
وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية إجمالًا هو: جواز تسلسل المخلوقات في الماضي والمستقبل، وأنه تعالى لم يزل مريدًا، خالقًا، فاعلًا، فما من زمن يفترضه العقل حدًّا لابتداء الخلق إلا أمكنه أن يتصور قبله زمانًا وقع فيه الخلق، فيكون هذا الزمان الآخر سابقًا له،
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
[ ١٣٥ ]
وماتصوره العقل في الثاني يصدق عليه ما صدق على الأول، وهكذا إلى ما لا نهاية، مع القطع بأن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن (١).
ثانيًا: أقوال أهل السنة في تسلسل الحوادث:
أما أقوال أهل السنة في المسألة فهي على ما يأتي:
القول الأول: أن جنس الحوادث لا أول له، وأن القول بأن جنس الحوادث له أول يلزم منه أنه سبحانه كان معطلًا عن الصنع في الماضي -تعالى عن ذلك-، فصفة الخلق لابد لها من مفعول، وأنه كما أن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد فكذلك صفة الخلق قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن من عسر عليه فهم هذا فليعتبر بما لا يزال يخلق في الجنة من أنواع النعيم كقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥] فثمرها الذي يؤكل لا ينقطع، ثمرة بعد ثمرة، وإن كان أعيان الثمار فانيًا، فكذلك جنس الحوادث لا أول له وإن كان أعيانها حادثة، وأن الأحاديث الواردة في أول الخلق المقصود فيها هو: أول هذا العالم المشهود لا جنس الحوادث، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم فقال:
"والآخرون أولو الحديث كأحمد ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني
قد قال إن الله حقًا لم يزل متكلمًا إن شاء ذو إحسان
جعل الكلام صفات فعل قائم بالذات لم يفقد من الرحمن
وكذا نص على دوام الفعل بالـ إحسان أيضًا في مكان ثان
وكذا ابن عباس فراجع قوله لما أجاب في مسائل القرآن
وكذا جعفرٌ الإمام الصادق الـ ـمقبول عند الخلق ذي العرفان
قد قال لم يزل المهيمن محسنًا برًا جوادًا عند كل أوان
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٠ - ٢٤٣)؛ النبوات ص ٤٣، المطبعة السلفية، ١٣٨٦، القاهرة؛ درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٠).
[ ١٣٦ ]
وكذا الإمام الدرامي فإنه قد قال ما فيه هدى الحيران
قال الحياة مع الفعال كلاهما متلازمان فليس يفترقان
صدق الإمام فكل حي فهو فعا ل وذا في غاية التبيان
إلا إذا ما كان ثم موانع من آفة أو قاسر الحيوان
والرب ليس لفعله من مانع ما شاء كان بقدرة الديان
ومشيئتة الرحمن لازمة له وكذاك قدرة ربنا الرحمن
هذا وقد فطر الإله عباده أن المهيمن دائم الإحسان
أولست تسمع قول كل موحد يا دائم المعروف والسلطان
وقديم الإحسان الكثير ودا ئم الجود وصاحب الغفران
من غير إنكار عليهم فطرة فطروا عليها لا تواص ثان
أو ليس فعل الرب تابع وصفه وكماله أفذاك ذو حدثان
وكماله سبب الفعال وخلقه أفعالهم سبب الكمال الثاني
أو ما فعال الرب عين كماله أفذاك ممتنع على المنان
أزلًا إلى أن صار فيما لم يزل متمكنًا والفعل ذو إمكان
تالله قد ضلت عقول القوم إذ قالوا بهذا القول ذي البطلان
ماذا الذي أضحى له متجددًا حتى تمكن فانطقوا ببيان
والرب ليس معطلًا عن فعله بل كل يوم ربنا في شان (١)
إلى أن قال:
هذا وما دون المهيمن حادث ليس القديم سواه في الأكوان
والله سابق كل شيء غيره ما ربنا والخلق يقترنان (٢)
_________________
(١) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، لأحمد بن عيسى، الطبعة الثالثة ١٤٠٦، المكتب الإسلامي، بيروت.
(٢) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٥٣).
[ ١٣٧ ]
ثم قال:
فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل قلنا صدقتم وهو ذو إمكان
كتسلسل التأثير في مستقبل هل بين ذينك قط من فرقان
والله ما افترقا لذي عقل ولا نقل ولا نظر ولا برهان
في سلب إمكان ولا في ضده هذي العقول ونحن ذو أذهان
فليأت بالفرقان من هو فارق فرقًا يبين لصالح الأذهان
وكذاك سوى الجهم بينهما كذا العلاف في الانكار والبطلان
ولأجل ذا حكما بحكم باطل قطعًا على الجنات والنيران
فالجهم أفنى الذات والعلاف للحركات أفنى قاله الثوران
وأبو علي وابنه الأشعري وبعده ابن الطيب الرباني
وجميع أرباب الكلام الباطل الـ مذموم عند أئمة الإيمان
فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل حق وفي أزل بلا إمكان
قالوا لأجل تناقض الأزلي والـ أحداث ما هذان يجتمعان
لكن دوام الفعل في مستقبل ما فيه محذور من النكران
فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر وريجًا على العوران والعميان
ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو أزل لذي ذهن ولا أعيان
بل كل فرد فهو مسبوق بفر د قبله أبدًا بلا حسبان
ونظير هذا كل فرد فهو ملـ ـحوق بفرد بعده حكمان
النوع والآحاد مسبوق وملـ ـحوق وكل فهو منها فان
والنوع لا يفنى أخيرًا فهو لا يفنى كذلك أولًا ببيان" (١).
وممن قال بهذا القول جمال الدين السرمري ﵀ كما تقدم، وغيرهم.
_________________
(١) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
[ ١٣٨ ]
وأما الفرق بين هذا القول وقول الفلاسفة فمن وجوه:
منها: أن أصحاب هذا القول يقررون أن الله متصف بصفات الكمال، كالعلم والإرادة والقدرة والخلق والكلام وغيرها، أما الفلاسفة فينكرون هذه الصفات جميعها، وهذا غاية التعطيل والنقص، ولذلك آلت أقوالهم في التسلسل إلى القول بقدم العالم، وإذا أقروا بوجود الله سموه علة فاضت منها نفوس وعقول وأفلاك بلا إرادة منه، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة.
ومنها: أن الفلاسفة لم يفرقوا بين الآحاد والنوع في المفعولات، وقالوا بقدم الآحاد، وهذا هو التسلسل الباطل الممتنع.
ومنها: أنه يلزم على قول الفلاسفة أن لا يحدث في العالم شيء، وهذا باطل مخالف للمحسوس، وقولهم: إن الفلك أزلي مقارن لفاعله بالزمان، وهذا باطل لأن الخالق لابد أن يتقدم على مخلوقة (١).
القول الثاني: منع تسلسل الحوادث في الماضي، وأنه لا يلزم من هذا القول أنه كان معطلًا عن الصنع، فليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، وأن القول بأن جنس الحوادث لا أول لها يلزم منه القول بأن أعيان الحوادث لا أول
لها، فإن الجملة ليست شيئًا أكثر من الأفراد مجتمعة (٢)، وأن الكلام في أن جنس الحوادث لا أول لها دون الأعيان شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، وممن ذهب إلى هذا القول -منع تسلسل الحوادث في الماضي- الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على حديث «إن أول شيء خلق الله تعالى القلم» فقال: "وفيه ردٌّ أيضًا على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى ما لا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق، فالحديث يبطل هذا القول، ويعين أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعًا أي
_________________
(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤)
(٢) انظر: ابن تيمية السلفي ص ١٢٢، ١٢٧ - ١٢٨، لمحمد خليل هراس، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ١٣٩ ]
مخلوق؛ ولقد أطال ابن تيمية ﵀ في الكلام في رده على الفلاسفة محاولًا إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر - ﷺ - " (١).
وقال في موضع آخر: "قلت: ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا: هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما، وأنا وإن كان الراجح عندي الأول، كما كنت صرحت به في تعليقي عليه فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق، والقائلون بحوادث لا أول لها، مخالفون لهذا الاتفاق، لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أول له، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه، فإن قالوا: العرش أول مخلوق، كما هو
ظاهر كلام الشارح، نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها، وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق، فتأمل هذا فإنه مهم، والله الموفق" (٢).
ولعل من الذين ذهبوا إلى هذا القول الإمام الطحاوي ﵀ كما رجح ذلك الإمام ابن أبي العز عند شرحه على قول الإمام الطحاوي: "ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري" (٣) يشير أنه موصوف بهذه الصفات وإن لم تظهر آثارها، وأنه لا يلزم من القول بأن جنس الحوادث لها أول أنه كان معطلًا عن الصنع، وهذا مخالف لقول
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٥٨)، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.
(٢) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق ص ٢٠ - ٢١، لمحمد ناصر الدين الألباني.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٨٧.
[ ١٤٠ ]
من يقول: أن صفة الخلق تستلزم المفعول.
القول الثالث: التوقف في المسألة، وأن هذه من الغيبيات التي لم يخبرنا الله تعالى عنها، وممن ذهبوا إلى هذا الشيخ ابن جبرين ﵀ فقال: "ونتوقف عن تسلسل الحوادث في الماضي، ونقول: الأمر غيبٌ، ولم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك، وليس لنا التدخل في هذه الأمور، لأنها من الأمور التي لا يضر جهلها، ولا يفيد علمها، وقد توقع في شيء من الحيرة والاضطراب، والمسلم عليه أن يقتصر على ما فيه فائدة له في العقيدة، وأنه يعتقد ما ينفعه، ويكون دافعًا له لمعرفة ربه بأسمائه وصفاته، وإلى التقرب إلى الله تعالى بموجب تلك الأسماء" (١).
هذا ما وقفت عليه من أقوال أهل السنة في مسألة تسلسل الحوادث، وقد قصدت توضيح الأقوال باختصار، وليس حصر القائلين.
رأي الباحث في مسألة تسلسل الحوادث:
لا ريب أن المسألة بتفصيلاتها ولوازمها دقيقة المنزع، وعرة المسلك، بعيدة الغور، إلا أن هناك أصلين من أقر بهما فقد برئ من البدعة، وهما مما أجمع عليه أهل السنة حتى المختلفون في
بعض تفاصيل المسألة، وإنما وقع الخلاف في لوازم الأقوال أنها تقدح في أحد هذين الأصلين:
١ - أن الله تعالى لم يزل مريدًا، خالقًا، فاعلًا، فلم يأت عليه زمن كان معطلًا فيه عن صفة الخلق؛ وهذا الأصل ضل فيه المتكلمون.
٢ - أن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن؛ وهذا الأصل ضل فيه الفلاسفة.
_________________
(١) الرياض الندية على شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٥٤)، تعليق: د. عبدالله عبدالرحمن الجبرين، الطبعة الأولى ١٤٣١، دار الصميعي، الرياض.
[ ١٤١ ]
المبحث الثاني
منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية
المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية وخصائصه:
أ- تعريفه لغة: توحيد الألوهية مركب من كلمتين: "توحيد" وتقدم تعريفها، و"الألوهية" وهي مأخوذة من إله كفعال بمعنى مألوه أي معبود، وكل ما اتُّخذ معبودًا إلهٌ عند متخذه، ومنه قرأ بن عباس ﵄: ﴿ويذرك وإلاهَتَكَ﴾ بكسر الهمزة أي: وعبادتك، وكان يقول: إن فرعون كان يُعبد، ومنه اشتق -على الراجح- قولنا: الله (١).
والتأله: التنسك والتعبد قال رؤبة (٢):
لله در الغانيات المُدَّهِ (٣) سبحن واسترجعن من تألهي (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإله المعبود الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط ص ١٦٠٣، تاج العروس من جواهر القاموس (٣٦/ ٣٢١)، للمرتضى الزبيدي، دار الهداية؛ لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، مختار الصحاح ص ٢٠، لمحمد الرازي، تحقيق: محمود خاطر، ١٤١٥، مكتبة لبنان، بيروت.
(٢) هو: رؤبة -بضم أوله وسكون الواو بعدها- بن العجاج الراجز المشهور التميمي ثم السعدي، لين الحديث فصيح، مات بالبادية سنة ١٤٥. انظر: تقريب التهذيب ص ٢١١، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، ١٤٠٦، دار الرشيد، سوريا.
(٣) التمده: التمدح. انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٤٩)، لإسماعيل الجوهري، تحقيق: أحمد عطار، الطبعة الرابعة ١٩٩٠ م، دار العلم للملايين، بيروت.
(٤) الصحاح (٦/ ٢٢٢٤، ٢٢٤٩).
[ ١٤٢ ]
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٢] " (١).
هذا هو معنى الإله لغة وشرعًا.
ب- تعريفه في الاصطلاح:
عرفه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀ بتعريف جامع، ذكر فيه حد هذا التعريف، وتفسيره، وأركانه، فقال: "أن يعلم العبد ويعترف على وجه العلم واليقين أن الله هو المألوه وحده، المعبود على الحقيقة، وأن صفات الإلهية ومعانيها ليست موجودة بأحدٍ من المخلوقات، ولا يستحقها إلا الله تعالى.
فإذا عرف ذلك واعترف به حقًا أفرده بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين وصلة الأرحام وقيام بحقوق الله وحقوق خلقه، ويقوم بأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويقوم بحقائق الإحسان وروح الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، مخلصًا ذلك كله لله، لا يقصد به غرضًا من الأغراض غير رضا ربّه وطلب ثوابه، متابعًا في ذلك رسول الله - ﷺ -، فعقيدته ما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وأعماله وأفعاله ما
شرعه الله ورسوله، وأخلاقه وآدابه الاقتداء بنبيه - ﷺ - في هديه وسمته وكل أحواله" (٢).
وقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في منظومته:
"هذا وثاني نوعي التوحيد إفراد رب العرش عن نديد
أن تعبد الله إلهًا واحدًا معترفًا بحقه لا جاحدًا" (٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. ناصر العقل، الطبعة السابعة ١٤١٩، دار عالم الكتب، بيروت.
(٢) الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين ص ١١٢ - ١١٣، لعبدالرحمن السعدي، الطبعة الثانية ١٤٠٧، دار ابن القيم، الدمام.
(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (١/ ٣١)، لحافظ الحكمي، تحقيق: عمر بن محمود، الطبعة الأولى ١٤١٠، دار ابن القيم.
[ ١٤٣ ]
جـ- خصائص توحيد الألوهية:
١ - أنه الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
فتوحيد العبادة غاية محبوبة لله تعالى لأجلها خلق الثقلين.
٢ - أنه المقصود الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب وهو مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وأخبر عن رسله نوح، هود، صالح، شعيب، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: من الآيات ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥ / هود: من الآيات ٥٠، ٦١، ٨٤ / المؤمنون: من الآيات ٢٣، ٣٢].
٣ - أنه أول واجب على المكلف فإن توحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وهي أول دعوة الرسل، ولهذا قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ - حين بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قومٍ
أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله » (١).
قال ابن أبي العز: "ولهذا كان الصحيح أن أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان " (٢).
٤ - أن الشارع احتاط لهذا التوحيد أعظم الحيطة عن كل قول وفعل وقصد يكون شركًا أو
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ١١٩) ح ١٤٥٨، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، تحقيق: محمد الناصر، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار طوق النجاة.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧.
[ ١٤٤ ]
وسيلة إلى الشرك، كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وبناء المساجد على القبور والعكوف عندها، وكذلك الألفاظ التي توهم الندية بين الله وبعض خلقه؛ كل ذلك حياطة لجناب التوحيد ورعاية له.
فهذا النوع من التوحيد له أهمية عظيمة، قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: "وهذا التوحيد، هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول (لا إله إلا الله) ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار " (١).
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي ﵀: "يكاد القرآن أن يكون كله لتقرير التوحيد ونفي ضده، وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويخبر أن جميع الرسل تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل اتفقت على هذا الأصل الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يدن بهذا الدين الذي هو إخلاص العمل لله فعمله باطل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: من الآية ٦٥]، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: من الآية ٨٨].
ويدعو العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم، من أن المنفرد بالخلق والتدبير والمتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة هو الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وأن سائر الخلق ليس عندهم خلق ولا نفع ولا دفع، ولن يغنوا عن أحد من الله شيئًا، ويدعوهم أيضًا إلى هذا الأصل بما يمتدح به ويثني على نفسه الكريمة، من تفرده بصفات العظمة والمجد والجلال والكمال، وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك أحق من أخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة.
ويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده فلا يحكم غيره شرعًا ولا جزاء ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
[ ١٤٥ ]
لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: من الآية ٤٠].
وتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد وأنه الدين الواجب شرعًا وعقلًا وفطرة على جميع العبيد، وبذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم وتقليب أفئدتهم وكونهم في شك وأمر مريج.
وتارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقبهم أسوأ العواقب وشرها.
وبالجملة: فكل خير عاجل وآجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل، فإنه من ثمرات ضده، والله أعلم" (١).
_________________
(١) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص ٢٠ - ٢١، لعبدالرحمن السعدي، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مكتبة الرشد، الرياض.
[ ١٤٦ ]
المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية:
١ - إثبات توحيد العبادة:
أثبت جمال الدين السرمري ﵀ في مؤلفاته توحيد العبادة، فقال في معرض كلامه عن أدوية الهم والغم والحزن: "وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعًا -وذكر منها-:
الثاني: توحيد الإلهية.
السابع: الاستعانة به وحده.
التاسع: تحقيق التوكل عليه" (١).
وقال في موضع آخر في معرض كلامه على فضل الترياق بسورة الفاتحة: "المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي: الله، والرب، والرحمن؛ وإثبات المعان، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه وأحوج العباد إليه وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال
معرفته، وتوحيده، وعبادته " (٢).
وقال أيضًا في موضع آخر: "فما تضمنه من إخلاص العبودية، والثناء على الله، وتفويض الأمر كله، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي: الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية، وقيل: إن موضع الرقية منها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والإلتجاء والاستعانة والافتقار والقلب والاجماع بين أعلى الغايات: وهي عبادة الرب وحده، وأشرف الوسائل: وهي الاستعانة به على عبادته،
_________________
(١) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.
[ ١٤٧ ]
ما ليس في غيرها" (١).
وقال في موضع آخر في شرح حديث: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله » (٢): "وأما مخفي الصدقة فلأنَّ النفس تحب الثناء العاجل، فإذا حسم النفس عن هذه المرتبة كان بالمنزلة التي وصفها الله تعالى، لأن ذلك إنما يحصل لذي الجأش القوي، والإيمان المتين وأما ذكر الله تعالى خاليًا فهو على حال عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: من الآية ٤٥] وإنما خصه هاهنا بالخلوة لأنه يكون في الخلوة عريًّا عن الرياء والسمعة، والبكاء حينئذ أفضل من البكاء في الملأ، لأنه خلا عن النفاق، وبعد عن الظنة، وتمحص لله تعالى جده، فلذلك عظم شأنه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٣ - ٣٤]، وقد ذكر النبي - ﷺ - جماعة لا تمسهم النار، منهم: «عين بكت من خشية الله - ﷿ -»، فإذا كانت عين بكت من خشية الله محرمة على النار في الجملة، فهذه التي لم يشب بكاءها ريبة أولى من أن تكون من
ربها قريبة، وكذلك سائر أعمال النوافل، كلما أُخفي منها كان أعظم أجرًا، لأنه النفس تسلم حينئذ من عجب ورياء، ولأن القلب يكون بالعبادة في الخلوة أشغل، وإلى الخشوع والخضوع بين يدي الرب تعالى أميل" (٣).
وقال في موضع آخر أن إخلاص الخضوع من أعظم الوسائل إلى الله تعالى: "فالاعتراف بالعبودية والإخلاص في الخضوع والذل وإظهار الفقر والحاجة من أعظم الوسائل إلى الله تعالى" (٤).
_________________
(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
(٢) رواه البخاري (١/ ١٣٣) ح ٦٦٠، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، (٢/ ١١١) ح ١٤٢٣، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين؛ ورواه مسلم (٢/ ٧١٥) ح ١٠٣١، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٦٤ - ٦٥.
(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٤٦ ب.
[ ١٤٨ ]
٢ - مسائل تنافي توحيد الألوهية:
تعرض جمال الدين السرمري ﵀ لبعض المسائل التي تنافي أصل توحيد الألوهية، أو تنافي كماله، مفصلًا في بعضها، ومكتفيًا بذكر الأدلة في أكثرها.
أ- الطيرة:
- مفهوم الطيرة:
قال النووي ﵀: "الطيرة: فبكسر الطاء وفتح الياء على وزن العنبة، هذا هو الصحيح المعروف في رواية الحديث وكتب اللغة والغريب والتطير: التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوراح (١)، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به، ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم، وتشاءموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير بنفع ولا ضر" (٢).
وقال ابن عبدالبر: "أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو: مأخوذ من زجر الطير، ومروره سانحًا أو بارحًا، منه اشتقوا التطير، ثم استعلموا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر " (٣).
- حكم الطيرة:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ أن الطيرة محرمة، وأجاب عن الإشكال فيما جاء عن أبي هريرة وفيما جاء عن أنس ﵄ في صحة الطيرة، يقول جمال الدين السرمري
_________________
(١) السانح: ما ولاك ميامنه، والبارح: ما ولاك مياسره. الصحاح في اللغة (١/ ٤٠٠).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٨٢)، للإمام النووي، إعداد: علي عبدالحميد أبو الخير، الطبعة الخامسة ١٤٢٠، دار الخير، بيروت.
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٨٢)، لابن عبدالبر، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري، مؤسسة قرطبة.
[ ١٤٩ ]
﵀ في سياق حديثه على النهي عن اعتقاد العدوى: "وكذلك الطيرة التي هي قرينة العدوى وممن روى: «لا طيرة» ابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وغيرهم؛ وعن عمرو بن العاص عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك» قالوا: فما كفارة ذلك يا نبي الله؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ثم يمضي في حاجته» وأما ما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس»، فالجواب عنه: أن عائشة ﵂ طعنت عليه وبيَّنت تثبيت الحديث، وذنك أنها ذُكر لها قول أبي هريرة، فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، ودخل علينا رسول الله - ﷺ - يقول: «قاتل الله اليهود، يزعمون أن الشؤم في الدار والمرأة والفرس» فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله، وفي رواية: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس» فغضبت عائشة ﵂ غضبًا شديدًا، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما قاله، إنما قال: «أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك»؛ فقد بينت عائشة وجه الحديث وسببه، وأن ذلك من قول اليهود والجاهلية، وبينت أن أبا هريرة لم يسمع أول الحديث.
وقد تأول قوم حديث أبي هريرة في أن الشؤم في المرأة إذا كانت لا تلد أو سيئة الخلق، وفي
الدار إذا كانت بعيد عن المسجد أو ضيقة وجيرانها جيران سوء، وفي الدابة إذا كانت تعضُّ أو ترفس أو كانت مربوطة للفخر والخيلاء، كما جاء في الحديث: «الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما الذي عليه وزر فرجل ربطها فخرًا ورياءً وبطرًا لأهل الإسلام فهي له وزر» وأعظم الشؤم ما جرَّ لصاحبه الوزر، ولقوله - ﷺ -: «من سعادة المرء: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة المرء: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء».
فأما ما روى أنس أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالنا، وقل فيها عددنا، فقال
[ ١٥٠ ]
رسول الله - ﷺ -: «فذروها ذميمة»، فالجواب: أنه قال لهم: «فذروها ذميمة» لما كان استقر في أنفسهم في زمان الجاهلية من شؤم الدار، فأمرهم بالنقلة عنها ليزول ما توهموه في قلوبهم من أن الشؤم في المسكن وما لحقهم من الاستيحاش فيها، والتثاقل بها، يستعجلوا الراحة ويزول عنهم توقع البلاء الذي قد استشعروه من نزول الحوائج، وإن لم يكن لذلك في الحقيقة أصل، ولئلا يعتقدوا التشاؤم بالدار، ويفهم من قوله: «فذروها ذميمة» وعدم التصريح لهم والتعريف بذكر الشؤم أن ذلك قد كان قدَّره لهم بقوله: «لا عدوى ولا طيرة»، وكان سؤال السائل في ذلك على سبيل الاستفهام لما أشكل عليه وقوع النقص بسكن الدار الثانية دون الأولى وقال لصاحب الدار: «فذروها ذميمة» خوفًا عليه أن يقوى وهمه باستمرار النقص عليه بالمقام بها، فيؤدي ذلك إلى سوء اعتقاده فيما أخبره به أولًا أنه لا عدوى ولاطيرة" (١).
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من تحريم التطير هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.
قال ابن عبدالبر: "من تطير فقد أثم، وإثمه على نفسه في تطيره لترك التوكل وصريح الإيمان، لأنه يكون ما تطير به على نفسه في الحقيقة، لأنه لا طيرة حقيقة ولا شيء إلا ما شاء
الله في سابق علمه، والذي أقول به في هذا الباب تسليم الأمر لله - ﷿ - وترك القطع على الله بالشؤم في شيء قال الله تبارك اسمه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] فما قد خط في اللوح المحفوظ لم يكن منه بد، وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئًا من ذلك " (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "فالطيرة باب من الشرك، وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته
_________________
(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٥٠ - ٦٦.
(٢) التمهيد (٩/ ٢٨٥).
[ ١٥١ ]
يكبر ويعظم شأنها على من اتبعها نفسه، واشتغل بها، وأكثر العناية بها، وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها باله، ولا شغل بها نفسه وفكره، واعلم أن من كان معتنيًا بها، قائلًا بها، كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه. . . " (١).
قال ابن رجب ﵀: "والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون، قوم صالح، وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون" (٢).
ب- التبرك الممنوع:
- مفهوم التبرك:
التبرك: مصدر تبرَّك يتبرَّك تبرُّكًا، وهو طلب البركة، والتبرك بالشيء طلب البركة
بواسطته (٣).
وأصل البركة: الثبوت واللزوم، قال ابن فارس ﵀: "بَرَكَ: الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء، ثم يتفرع فروعًا يقارب بعضها بعضًا" (٤).
وتطلق أيضًا على النماء والزيادة، جاء في كتاب جمهرة اللغة: "يقال: لا بارك الله فيه: أي لا نمّاه" (٥).
وفي معجم مقاييس اللغة: "قال الخليل: البركة من الزيادة والنماء" (٦).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٢) لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص ١٤٢، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: ياسين السواس، الطبعة الخامسة ١٤٢٠، دار ابن كثير، دمشق.
(٣) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٠، لناصر الجديع، الطبعة الخامسة ١٤٢١، مكتبة الرشد، الرياض.
(٤) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٢٧).
(٥) جمهرة اللغة (١/ ٣٢٥)، لابن دريد، تحقيق: رمزي بعلبكي، الطبعة الأولى ١٩٨٧ م، دار العلم للملايين، بيروت.
(٦) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٣٠).
[ ١٥٢ ]
وتطلق أيضًا على السعادة، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: من الآية ٧٣] قال: "البركات: السعادة" (١).
وقال أبو منصور الأزهري بعد ذكره قول الفراء: "وكذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، لأن من أسعده الله بما أسعد به النبي ﵌ فقد نال السعادة المباركة الدائمة" (٢)، وأما معنى السعادة فهي التوفيق للخير (٣).
أما التبرك الممنوع: طلب حصول الخير بمقاربة شيء وملابسته بما لم يقم عليه دليل من الشرع.
- صورة التبرك الممنوع:
للتبرك الممنوع صور عديدة، لكن الصورة التي تطرق لها جمال الدين السرمري ﵀ هي: التبرك بقبور الصالحين، قال جمال الدين السرمري ﵀ بعد كلامه عن التداوي
بالأتربة: "وإذا كان هذا في هذه التربات فما ظنك بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله ﵌، وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه وأبلغ من هذا ما رأيته من شيخنا الصالح تقي الدين محمد بن إبراهيم الخالدي (٤)، فإنه جاء إليّ يومًا ومعه قليل من طين من قبر الإمام أبي عبدالله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقال لي: كنت في زيارة الإمام، وقد أخذت هذا من طين قبره، وهو مشدود في طرفي منديله، فقلت: ما تصنع به؟ فقال: أداوي به عيني، فإن لي مدة ما تشتكي عيني إلا أخذت من تراب قبره فاكتحلت به، فأبرأ بإذن الله؛ وأظن أنه أثر مثل هذا عن بعض أشياخه، فإذا كان تراب قبر الإمام أحمد يبرئ أمراض العين، فما ظنك بتراب قبر سيد الرّسل وأفضل الخلق عليه الصلاة
_________________
(١) معاني القرآن (٢/ ٢٣)، لأبي زكريا الفراء، تحقيق: أحمد نجاتي ومحمد نجار وعبدالفتاح شلبي، دار المصرية، مصر.
(٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١٣١)، لأبي منصور الأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، الطبعة الأولى ٢٠٠١ م، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(٣) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٢٥ - ٢٧، لناصر الجديع.
(٤) تقدمت ترجمته في شيوخ السرمري.
[ ١٥٣ ]
والسلام، فحينئذٍ إما أن يكون نفع هذه الأطيان بالطبع أو بالبركة الحاصلة فيها بمن أثر فيها أو بهما، فإن كان الأول فلا شك أن للبقاع من الأرض خواص ومنافع كالأتربة والمعادن وما يتولد فيها، إن كان الثاني فضيلة بركة النبي ﵌ أشهر وأظهر من أن يحتاج إلى أدلة، وكل ذلك إن كان منهما، وبركة الإمام أحمد قد ثبتت من غير وجهٍ في حياته وبعد وفاته " (١).
وقال في موضع آخر: "فما ظنك بتربة هي أطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق الرسول ﵌، وقارنت ريقه باسم ربه وتفويض الأمر إليه، ولا يستعب الشفاء ببعض الترب المضافة إلى بعض الأنبياء والصالحين والأئمة على هذا التقدير، فقد دخل علي بعض شيوخنا ببغداد، وكان في زيارة قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وفي منديل الشيخ شيء مصرور، فقلت: ما هذا؟ فقال: شيء من تربة قبر الإمام أحمد، فقلت: ما يفعل به، فقال: اكتحلت به، فقلت: وهل يكتحل بالتراب؟ فقال: إني منذ سنين ما ترمد عيني إلا اكحلها بتراب قبره فتبرأ؛ وأظنه أثر مثل ذلك عن بعض شيوخه، وقد بعد عهدي
بالحكاية" (٢).
وقد أعاد نفس الحكاية في موضع آخر بعد ذكره حديث «تربة أرضنا، بريقة بعضنا، تشفي سقيمنا، بإذن ربنا» فقال: "وإذا كان قد تبرك بتراب قبر بعض صالحي أمته واستشفى به من الرمد ونحوه كما ذكرنا عن بعض مشائخنا أنه كان يستشفي من وجع عينيه بتراب قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فتراب أرض قبره فيها الأولى وأحرى أن يكون شفاء من كل داء، والله أعلم" (٣).
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من فضل التداوي بتربة قبور الصالحين لتناله بركتهم غير صحيح، ومحل التبرك الممنوع في كلام جمال الدين السرمري ليس التداوي بالتراب، وإنما
_________________
(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٥٦ ب - ١٥٧ أ.
(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٣ أ.
(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٥٨ ب.
[ ١٥٤ ]
تفضيل تربة قبور الصالحين على سائر الأتربة بالتداوي، وهذا من التبرك الممنوع المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من عدة أوجه:
أ- أن هذا التبرك لم يرد فيه شيء عن النبي - ﷺ -، ولم ينقل عن الصحابة، ولا عمن تبعهم بإحسان، وإنما فعله بعض المتأخرين من غير دليل شرعي.
ب- أن ذلك ناشئ عن اعتقاد في ذات صاحب ذلك القبر أنها سبب للنفع، ولم يجعلها الله سببًا شرعيًا ولا قدريًا في هذا المسبب -الاستشفاء بها من الرمد-.
ج- أن في المنع من ذلك سدًا لذريعة الغلو في قبور الصالحين.
قال العلامة حافظ الحكمي في الاستشفاء بتربة القبور: "تربة القبور وما أكثر ما يستشفى بها لا شفاهم الله، واستعمالهم لها على أنواع: فمنهم من يأخذها ويمسح بها جلده، ومنهم من يتمرغ على القبر تمرغ الدابة، ومنهم من يغتسل بها مع الماء، ومنهم من يشربها، وغير ذلك، وهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب ذلك القبر أنه ينفع ويضر، حتى عدوا ذلك الاعتقاد فيه إلى تربته، فزعموا أنها فيها شفاء وبركة لدفنه فيها، حتى إن منهم من يعتقد في تراب بقعة لم
يدفن فيها ذلك الولي بزعمه، بل قيل له: إن جنازته قد وضعت في ذلك المكان، وهذا وغيره من تلاعب الشيطان بأهل هذه العصور، زيادة على من تلاعب بمن قبلهم، نسأل الله العافية" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التمسح بقبر النبي - ﷺ - وتقبيله فكلهم -أي الفقهاء- كره ذلك ونهى عنه، وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي ﵌ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين" (٢).
وقد أنكر الإمام أحمد إنكارًا شديدًا على من تمسح به طلبًا للبركة بله بمن يتبرك بتربة قبره: "روى الخلال في أخلاق أحمد عن علي بن عبدالصمد الطيالسي قال: مسحت يدي على
_________________
(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٨٠).
[ ١٥٥ ]
أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارًا شديدًا" (١).
ج- التوسل الممنوع:
- مفهوم التوسل:
قال ابن الأثير: "هي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، يقال: وَسَلَ إليه وسيلة وتَوَسَّل" (٢).
وقال ابن فارس: "الواو والسين واللام كلمتان متباينتان جدًا.
الأولى: الرغبة والطلب، يقال: وسل، إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله - ﷿ -، وهو في قول لبيد:
بلى كل ذي دين إلى الله واسل
ومن ذلك القياس الوسيلة " (٣).
وقال الجوهري: "الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، توسل بوسيلة: أي تقرب إليه بعمل " (٤).
أما التوسل الممنوع: هو التقرب إلى الله - ﷻ - بوسيلة بدعية أو شركية.
- صورة التوسل الممنوع:
للتوسل الممنوع صور عديدة، لكن الصورة التي أشار لها جمال الدين السرمري ﵀
_________________
(١) الآداب الشرعية (٢/ ٢٢٥)، لابن مفلح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعمر القيام، الطبعة الثالثة ١٤١٩، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٤٠٢)، لابن الجزري.
(٣) معجم مقاييس اللغة (٦/ ١١٠)، لابن فارس.
(٤) الصحاح في اللغة (٥/ ١١٩)، للجوهري.
[ ١٥٦ ]
هي:
التوسل بغير الله من المخلوقين، وذلك بأن يدعوهم ويستغيث بهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولو بزعم أنهم واسطة فيما يطلبه من الله، وهذا الصورة من التوسل هي من الشرك الأكبر، لأنها دعاء لغير الله والتجاء إليه فيه المهمات، وهي من صرف العبادة لغير الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
وفي هذا يقول جمال الدين السرمري في (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، وهي رؤى فيها الثناء على منهج ابن تيمية في الاعتقاد، وأنه سالك طريق النبي - ﷺ - وعلى قدمه، وقد ذكرها السرمري في سياق فضائله، وفي ذلك إشارة لتأييد السرمري لما جاء فيها، فلو كان يعتقد السرمري مخالفة المعاني العقدية التي تضمنتها هذه الرؤى لما ذكرها في سياق شمائله، قال جمال الدين السرمري في الرؤيا الرابعة: "حدثني الشيخ الصالح شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي
بن محمد الأنصاري البعلبكي الخياط قال: رأيت في المنام في أول شوال من سنة نيف وخمسين وسبعمائة بدمشق، وقد كنت أنكرت على بعض الفقراء التوسل بغير الله من المخلوقين، وكان قال: إني كنت مريضًا فاستغثت بالشيخ فلان والشيخ فلان فلم يجبني منهم أحد، فاستغثت بالشيخ فلان والشيخ فلان وسماهم، قال: فرأيت الشيخ فلانًا وهو راكب فيلًا والشيخ الآخر وهو راكب فرسًا، فقالا لي: قم، فقمت معافًا في الحال، قال: فقلت له: هذا خطأ منك، لو أنك استغثت بالله أصبت، فإن الشيخ فلانًا وغيره من المخلوقين لا يمكلون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فقال: أنت مالك اعتقاد في الفقراء؟ ! وجرى بيني وبينه في هذا الكلام، فرأيت تلك الليلة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في النوم وهو يكلمني كلامًا خفيًا، فقلت: يا سيدي الشيخ والله ما أفهم ما تقول، فقال: هل عندك لوح؟ فقلت: نعم، وأتيته به، فكتب لي في سطرين، فأخذته وجعلت أنظر فيه، فما عرفت اقرأ شيئًا منه إلا قوله: صَحِّحْ تَصِحُّ، وبقيت مفكرًا فيه
[ ١٥٧ ]
() (١)، ومضى علي هذا مدة نحو من خمسة وثمانين يومًا، فجرى بيني وبين فقير آخر شيء من الكلام من جنس ما جرى بيني وبين ذلك الرجل، فنمت تلك الليلة فرأيت الشيخ تقي الدين وهو على صورة طائر أخضر عظيم المنظر أكبر من الطاووس، فقال لي: يا فلان أما حفظت الذي كتبت لك، فعرفت أنه الشيخ تقي الدين، فقلت: يا سيدي والله ما حفظت منه إلا قولك: صحح تصح، فقال لي: قل:
صحح تصح لك الأمور جميع إياك عن طرق الهداة تضيع
وامحوا واثبت ما تحقق يا فتى إن الإله على القلوب طليع
لا تصحبن الأرذلين فإنهم يوم التغابن جيلهم مقطوع (٢) " (٣).
وما أشار إليه جمال الدين السرمري ﵀ في هذه الرؤيا من منع التوسل بغير الله من المخلوقين هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا المسألة كما سيأتي بيانه.
لكن الإشكال ورود في المقابل بعض الألفاظ الموهمة في كلام جمال الدين السرمري، والتي ظاهرها التوسل الممنوع بالنبي - ﷺ - وبآله - ﵃ - والاستعانة بهم في حصول المنفعة ودفع المضرة، كقوله في النبي - ﷺ -:
"يا خيرة الرسل ويا من له في حضرة القدس المحل الرفيع
أنت المُرَجَّى لدفاع الأذى وكل خطب للبرايا فظيع" (٤).
وهذا غلو بالنبي - ﷺ -، بزعم أن دفع الأذى يكون بالتوسل بذاته - ﷺ -.
وقد يكون تأثر في ذلك بالشيخ يحيى الصرصري (٥) ﵀، وبخاصة إذا رجحنا أن ثناء
_________________
(١) كلمة غير واضحة.
(٢) ذكرت هذه الأبيات أيضًا في آخر (جامع الرسائل لابن تيمية) المجموعة الأولى ص ٢٩٠، تحقيق: محمد رشاد سالم، ١٤٠٥، دار المدني، جدة.
(٣) منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية (مخطوط) ورقة: ٢ ب. وقد ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي أنه وجد بخط السرمري ستة منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: الرد الوافر ص ٢٣٣، تحقيق: زهير الشاويش.
(٤) المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ - (مخطوط) ورقة: ١ ب.
(٥) هو يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري، الفاضل المادح الحنبلي الضرير البغدادي، معظم شعره في مدح رسول الله - ﷺ -، توفي سنة ٦٥٦. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٣٢)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٤٤).
[ ١٥٨ ]
السرمري العاطر للشيخ حسان في مقدمة منظومته (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد) أنه يقصد الصرصري (حسان السنة) (١)، وتخصيص السرمري للصرصري -على الراجح (٢) - بالذكر مع عدم إدراكه له، وتصريحه بأنه متبع لمنهاجه في الاعتقاد وأنه مقتفي أثره، يشعر بشدة تأثر السرمري به، يقول جمال الدين السرمري:
"فلولا مكان الشيخ حسان أصبحت مدينة سامراء في غاية الضر
ولولا خلال سدها لتعطلت رسوم الهدى واستوسقت دولة الشر (٣)
هو العالم المرضي والقثم الذي يفتح أقفال المسائل بالسبر" (٤).
إلى أن قال:
"كفاني أني أنتمي بعقيدتي إليه وأني في طريقته أجري" (٥).
_________________
(١) وقد وصفه بـ (حسان السنة) عدد من العلماء، كابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" ص ٢٠٠، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" (٤/ ٣٢)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/ ٣٣١)، وصديق حسن خان في "التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول" ص ٢٣٦، الطبعة الثانية ١٤٢٨، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر؛ وقد يكون
(٢) وقد يكون قصد السرمري بـ"حسان" هو شيخه (أبا محمد حسان بن أحمد السرّمرّي) وقد ذكره في موضعين من كتابه: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٧ ب، ٢٩٥ أ، ولم أقف له على ترجمه، والثناء الذي سيأتي ذكره في الأبيات يرجح أن يكون المقصود به "حسان السنة: الصرصري" كما سيأتي في التعليق على الأبيات.
(٣) كان الصرصري ﵀ شديدًا في السنة، مدافعًا عنها، منحرفًا على المخالفين لها، وهو القائل: بالله يا أنصار دين محمد نوحوا على الدين الحنيف وعددوا لعبت بدينكم الروافض جهرة وتألبوا في دحضه وتحشدوا. وقد توفي ﵀ شهيدًا عند اجتياح التتار لبغداد، فقد دخل عليه التتار وكان ضريرًا، فطعن بعكّازه بطن أحدهم فقتله، ثم قُتل، وهو القائل: طوبى لمن قتلوه منّا إنّه أبدًا مع الشهداء حي يرزق. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٠٤، مقدمة تحقيق "الدرة اليتيمة والمحجة المستقيمة" للصرصري ص ٢٥، جاسم الدوسري، الطبعة الأولى ١٤٢٤، دار ابن حزم، بيروت.
(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٧ - ٢٨.
(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٨.
[ ١٥٩ ]
وقد كان الصرصري ﵀، شديدًا في السنة، منحرفًا عن المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة ومدح أهلها، وذم مخالفيها (١)، غير أنه له أبيات في التوسل والاستغاثة بالنبي - ﷺ - أنكرها العلماء، ومن ذلك قوله في النبي - ﷺ -:
"أنت جاري وعدّتي ونصيري وعمادي في شدتي ورخائي
فأعني على زمان فظيع الخط ـب في أهله شديد العناء
وأسألِ اللهَ حين تُعرض أعما لي عليك الغفران لي يا رجائي" (٢).
وقوله:
"نصحت له نصحًا برئيًا من القذى إذا شاب قومٌ نصحهم بالعبائث
فقلتُ له إن رُمتَ أمنًا وعزة فعُذ من عوادي النائبات الكوارث
بأفضل مبعوث إلى خير أمة بخير كتاب جاء من خير باعث" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصري ما يقوله في قصائده في مدح الرسول - ﷺ - من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد" (٤)، والله أعلم بالصواب.
ومن الألفاظ الموهمة التي وردت في كلام جمال الدين السرمري قوله في آل بيت النبي - ﷺ -:
"عليهم سلامي ما حييت وإن أمت تحييهم عني عظامي من قبري
هم عدتي في شدتي وذخيرتي لآخرتي مصباح ديني غنى فقري" (٥).
وهذا أيضًا من الغلو في آل بيت النبي - ﷺ -، فالعدة في الشدة، والذخيرة للآخرة ليست التوسل بذواتهم - ﵃ -، بل ظاهر هذا القول هو من قبيل قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
_________________
(١) وصفه بذلك ابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" (٤/ ٣٤).
(٢) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢٥٩)، لليونيني، الطبعة الأولى ١٣٧٤، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر اباد.
(٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٧٠).
(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٤٤.
[ ١٦٠ ]
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: من الآية ٣].
لكن لعل الإمام جمال الدين السرمري عفا الله عنه لم يرد هذا، وإنما قصد محبتهم التي هي من العمل الصالح، لا سيما أن هذه الألفاظ الموهمة جاءت في سياق نظم، والوزن أحيانًا يعيق عن الإفصاح.
أما منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو منع التوسل بغير الله من المخلوقين:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل: أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار" (١).
وقال الإمام العز بن عبد السلام: "ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى
الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذه الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبِّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا " (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) التوسل أنواعه وأحكامه ص ٩٧، لمحمد ناصر الدين الألباني، تنسيق: محمد عيد عباسي، الطبعة الخامسة ١٤٠٦، المكتب الإسلامي.
[ ١٦١ ]
د- شد الرحال إلى القبور:
- تمهيد:
زيارة القبور مشروعة، وكان رسول الله - ﷺ - قد نهى عنها أولًا من باب سد الذرائع، لأن الأمم السابقة فتنت بقبور أنبيائها وصالحيها حتى أوقعهم الشيطان كرات ومرات في هوة الشرك واتخاذهم أندادًا مع الله.
فمن أجل صيانة لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًا لذريعة الشرك نهى رسول الله أولًا عن زيارة القبور، ولما رسخت عقيدة التوحيد في قلوب أصحابه الكرام وأمن عليهم الفتنة رخص لهم في زيارتها، وبين لهم الغاية من زيارتها وهي أنها تذكر الآخرة، هذه واحدة، والأخرى ليستفيد الأموات من دعاء إخوتهم الأحياء.
وإذا كان الأمر كذلك، والهدف الأول وهو تذكر الآخرة أمر يتحقق بزيارة القبور القريبة والمجاورة، اكتفى الشارع الحكيم بالحد الأدنى الذي يحقق الغرض الشرعي مع تحفظات كثيرة
تسد ذرائع الفتنة والشرك: منها أن لا تتخذ مساجد، ومنها أن لا يبنى عليها، ولا تجصص، ولا يصلى عليها، ولا إليها، وغير ذلك.
ولم يشرع أبدًا السفر إليها، لا بقوله ولا بفعله، وآية ذلك: أن هذا الأمر لم ينزل فيه قرآن، ولم يثبت فيه حديث من قول رسول الله - ﷺ - أو فعله، فلو كان مشروعًا لتحقق فيه كل ذلك، ولسنَّ لنا رسول الله - ﷺ - ذلك برحلات ورحلات إلى الأنبياء والصالحين، ولملئت الدواوين برحلات الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ونحن نجد دواوين الإسلام من صحاح وسنن ومسانيد وكتب فقه السلف الصالح قد سجلت كل حقوق الأموات: من عيادتهم وهم مرضى، إلى غسلهم، وتشييعهم، ودفنهم، وزيارتهم، والدعاء لهم، والنهي عن الجلوس على قبورهم.
كل هذا قد طفحت به دواوين الإسلام، خالية خلوًا كاملًا من حديث نبوي صحيح أو حسن، ومن أقوال الصحابة والقرون المفضلة، ومن أقوال أئمة الهدى من الحث على شد
[ ١٦٢ ]
الرحال إلى القبور (١).
- قول جمال الدين السرمري في المسألة:
لما تطرقت البدع إلى أوساط المسلمين، وبدأوا يعتقدون في المشاهد والقبور والأضرحة والمزارات مالم ينزل الله به سلطانًا، من شد الرحال إليها والاستغاثة بأهلها، صارت هذه القضية مفروغًا من الكلام فيها عند العلماء، فضلًا عن العامة من الناس، واعتُبرت من القضايا الحساسة التي تستغل لإثارة غضب الجماهير ضد من يتكلم فيها.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أشرب قلبه بالإيمان الخالص، والعقيدة الصحيحة، لما سُئل عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة حينما كان في القاهرة، فردّ عليه ردًا مستنبطًا من الكتاب والسنة، ونهى عنه استدلالًا بحديث النبي - ﷺ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى» (٢).
فاستغل هذه الفتيا سنة ٧٢٦ القاضي المالكي الإخنائي (ت ٧٥٠) بعد صدورها ببضع عشرة سنة، وزاد فيها ونقص، ورماه بالتنقيص بمنزلة النبي - ﷺ -، وحرض السلطان عليه تقرّبًا إليه، وكسبًا لعواطف الجماهير من الناس أيضًا، وألف رسالة أسماها "المقالة المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية"، فرد شيخ الإسلام على الإخنائي وغيره ممن رد عليه في هذه المسألة (مثل الزملكاني، والسبكي، وابن الحاج، وغيرهم) في عديد من كتبه، ومنها: "الرد على الإخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية"، "المنسك القديم والجديد"، "الجواب الباهر في زوار المقابر" (٣)، فأوضح الحق في المسألة، ودحض الشبه التي كانت تشنع عليه، إلا أن السبكي عفا الله عنه أعاد التشغيب على ابن تيمية بعد موته في التعريض بهذه المسألة، فقال:
_________________
(١) انظر: كشف زيف التصوف وبيان حقيقته وحال حملته ٢٠٦ - ٢٠٧، لربيع بن هادي المدخلي، الطبعة الأولى ١٤٢٧، مجالس الهدى، الجزائر.
(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٠) ح ١١٨٩، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة؛ ورواه مسلم (٢/ ١٠١٤) ح ١٣٩٧، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، بمثله.
(٣) انظر: التعليق على "الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية" ص ٨٠ - ٨١، لصلاح الدين مقبول أحمد.
[ ١٦٣ ]
"لو كان حيًّا يرى قولي ويسمعه رددت ما قال ردًّا غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ترك الزيارة أقفو إثر سبسبه (١) " (٢).
فتصدى للتشغيب على شيخ الإسلام بذلك، والرد عليه جمال الدين السرمري ﵀، فقال:
"وفي الزيارة لم تُنْصف رددتَّ على ما لم يقلهُ ولم تَمرر بِسَبْسَبِه (٣)
ردًّا ملخصه أشياء أذكرها إما حديث ضعيف عند مطلبه
إما صحيح ولكن لا دليل به على مُرادك بل هدم لمنصبه
إما بمجمل لفظٍ قولُ خصمكَ من أقوى المقال به قسرًا وأصوبه
إما بلا علم لي والجهل غايته أيعذر الشخص فيما لا أحاط به
فأيُّ رد لعمري قد رَدَدْتَّ وما ذا قلتَ إذ قلتَ أقفو إثر سبسبه
إن كان عندك في شد الرحال إلى الـ ـقبور نقل فعارضه بموكبه
ليعرف الحق من كان أخا نظر خالٍ من العلم ناءٍ عن تعصبه
أنَّى وذلك كالعنقاء (٤) في عدم وكالسَّمندل (٥) يحكى مع تغيبه
ما أنت إلا كما قد قيل في مثل خالف لتعرف مشهور لِضُرَّبِهِ
فشيخنا بصريح الحق حجته ونقد نقلك زيف في تقلبه
فمن أحق بحق القول إن ظهر الـ إنصاف مرتفعًا من فوق مرقبه" (٦).
_________________
(١) السبسب: المفازة أو الأرض المستوية البعيدة. القاموس المحيط ص ١٢٣، ويقصد بـ"أقفو إثر سبسبه": أتتبع غرائبه وشوارده.
(٢) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٧٦).
(٣) يشير إلى قول السبكي المتقدم آنفًا.
(٤) العنقاء: طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم. الصحاح في اللغة (٤/ ٢٢٠).
(٥) السمندل: قيل: "طائر إذا انقطع نسله وهرم ألقى نفسه في الجمر فيعود إلى شبابه"، وقيل: "هو دابة يدخل النار فلا تحرقه". انظر: لسان العرب (١١/ ٣٤٨).
(٦) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٨٠ - ٨٣.
[ ١٦٤ ]
ويبين كلام السرمري ويؤيده قول العلامة ابن عبدالهادي في كتابه (الصارم المنكي في الرد على السبكي) من إهمال السبكي النظر في الحديث صحة وضعفًا، وإلزام شيخ الإسلام بما لا يلزم، فقال: "فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطيّ إلى القبور، وذكر أنه كان قد سمّاه (شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة) ثم زعم أنه اختار أن يسميه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) فوجدت كتابه مشتملًا على تصحيح الأحاديث المضعفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها، وصرفها عن ظواهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة، ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلًا مماريًا معجبًا برأيه متبعًا لهواه" (١).
وما قرره جمال الدين السرمري هو قول الأئمة في هذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن
موجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة، قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فأما القرون التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك " (٢).
وقال في موضع آخر: "وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به، لقوله - ﷺ - «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» " (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبدالوهاب تعليقًا على حديث: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا
_________________
(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي، ص ١٣.
(٢) الجواب الباهر في زوار المقابر ص ٥٠، لابن تيمية، تحقيق: سليمان الصنيع وعبدالرحمن المعلمي، ١٤٠٤، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والافتاء، الرياض.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٦ - ٢٧).
[ ١٦٥ ]
بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»: "وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره - ﷺ -، وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، كما وقع من عباد القبور الذين يشدون إليها الرحال، وينفقون في ذلك الكثير من الأموال، وليس لهم مقصود إلا مجرد الزيارة للقبور تبركًا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك" (١).
هـ- أما المسائل التي اكتفى فيها جمال الدين السرمري ﵀ بذكر الأدلة في النهي عنها، فهي: السحر، الحلف بغير الله، تجصيص القبور، والبناء عليها، واتخاذها مساجد، ونحو ذلك من المسائل.
وبالجملة لم أقف على كلام كثير للإمام جمال الدين السرمري ﵀ في تقرير مسائل
هذا النوع من أنواع التوحيد، حتى إنه أهمل ذكره في منظومته البديعة (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد)، مع أنه ذكر فيها جل مباحث الاعتقاد، وقد يكون توسع في تقرير مسائل توحيد الألوهية في كتبه الأخرى التي لم أقف عليها، ككتابه (صحاح الأحكام وسلاح الحكام) فإنه "جمعه في قوله ﵊: «بني الإسلام على خمس الخ» " (٢)، والله أعلم.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد، ص ٣١٢.
(٢) كشف الظنون (٢/ ١٠٧٠).
[ ١٦٦ ]
المبحث الثالث
منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات
- تمهيد:
يعتبر هذا المبحث من أوسع المباحث التي تطرق لها جمال الدين السرمري، وذلك -والله أعلم- بسبب أن أهل البدع في عصره قد استشرى شرهم، وانتشر مذهبهم، كما أن هذه المسألة -مسألة الأسماء والصفات- تعتبر محكًا للتمييز بين أهل السنة ومخالفيهم، خاصة لما كثر أهل الأهواء، وأرباب المقالات الفاسدة.
المطلب الأول: معنى توحيد الأسماء والصفات:
عرفه الشيخ عبدالرحمن السعدي بتعريف جامع حيث قال: "هو اعتقاد انفراد الرب - ﷻ - بالكمال المطلق من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك
بوجه من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تمثيل؛ ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب وعن كل ما ينافي كماله" (١).
وقد أشار جمال الدين السرمري ﵀ إلى هذا المعنى، فمن ذلك قوله عن أهل الحق:
"قوم أتاهم صحيح النقل فاتبعوا سبيله وحموه من مكذبهِ
وأثبتوا لإله العرش ما ثبتت فيه النقول بلا شبه يُقاس بهِ
فرام بعض أولي التعطيل دحضهم فآب من قصده الأدنى بأخيبهِ" (٢).
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص ٤٠، لعبدالرحمن السعدي، تحقيق: صبري شاهين، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار الثبات، الرياض.
(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٦.
[ ١٦٧ ]
وقال في موضع آخر في معرض كلامه على قوله - ﷺ - «لوجدتني عنده»: "ولا يجوز أن يُتعدَّى في هذه الأحاديث ونحوها ما وردت به السنة، لأنها من أحاديث الصفات التي لا يجوز تأويلها بما ينافي مقتضاها، نسأل الله تعالى العصمة والعافية من التأويل والتعطيل والتحريف والتكييف والتبديل" (١).
وهذا التوحيد أجل المعارف لأنه معرفة الله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة، فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلهًا يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به لأنه كلما كان الأمر مهمًا كثر إيضاحه وبيانه.
المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات:
١ - إثبات الصفات مع نفي العلم بالكيفية:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت بلا كيف، وأنه لا تلازم بين إثبات الصفات وبين تكييفها، وقد أولى هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، إذ أكد عليها في مواضع متعددة فقال:
"وينزل لا تكييف لي في نزوله تعالى سما الدنيا يقول سلو سَتري
وذلك إذ يبقى من الليل ثلثه كذلك حتى يُفصل الليل بالفجرِ
وربي كما قد جاء في قوله استوى على العرش أما كيف ذاك فلا أدري
ومذهبنا لا كيف لا مثل لا لما بالاقرار والإمرار من غير ما فسرِ" (٢).
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٤.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
[ ١٦٨ ]
وقال في موضع آخر:
"وإن أحاديث الصفات وآيُها تمر كمر السحب من غير ما نشر
وما جاء عن القرآن أوضح نقله عن السيد المختار من ناقلي الأثر
تلقته منَّا بالقبول قلوبنا وذلّت له الأسماع في العُسر واليسر" (١).
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.
قال سفيان بن عيينة: "سئل ربيعة عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق" (٢).
وروي هذا الكلام بنحوه عن الإمام مالك، واشتهر عنه فعن جعفر بن عبدالله قال: "جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبدالله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال " فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء -يعنى
العرق- قال: واطرق القوم وجعلوا ينتظرون ما يأتى منه فيه، قال: فسُرِّي عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًا وأمر به فأخرج" (٣).
قال الإمام الذهبي عقبه: "هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوزام ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله - ﷻ - لا مثل له
_________________
(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٢.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٤٤٢، للإمام اللالكائي.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٤٤١، للإمام اللالكائي.
[ ١٦٩ ]
في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١).
وقال الحافظ أبو القاسم التيمي: "وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات وعلى هذا مضى السلف" (٢).
وقال الوليد بن مسلم: "سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف" (٣).
قال شيخ الإسلام: "فقولهم - ﵃ -: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة -إلى أن قال: - فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا:
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ المعنى؛ وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقًا - لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.
وأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ماهي عليه، فإنها جاءت
_________________
(١) العلو للعلي الغفار ص ١٣٩، للإمام الذهبي، تحقيق: أشرف بن عبدالمقصود، الطبعة الأولى ١٩٩٥ م، مكتبة أضواء السلف، الرياض.
(٢) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة (١/ ١٦٦ - ١٦٣)، لأبي القاسم التيمي، تحقيق: محمد بن ربيع المدخلي، ١٤١٩، دار الراية، الرياض.
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٩).
[ ١٧٠ ]
ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (١).
٢ - تعطيل الصفات أو بعضها تكذيب للوحي:
المعطلة: هم الذين عطلوا الرب - ﷾ - عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات، وهم على ثلاثة أقسام:
- أهل التخييل: وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول - ﷺ - إنما هو تخييل للحقائق، لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق؛ وليس فوق هذا الكفر كفر.
- أهل التأويل: هم الذين يقولون: إن النصوص الواردة في الصفات، لم يقصد بها الرسول - ﷺ - أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم
عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوه كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك؛ ولا يخفى ما في ضمن كلام هؤلاء من قصد الإضلال، وعدم النصح، ومناقضة ما جاء به النبي - ﷺ -، وما وصفه الله به من الرأفة والرحمة.
- أهل التجهيل: هم الذين يقولون: إن الرسول - ﷺ - لم يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩ - ٤٢).
(٢) انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص ٢٧٧ - ٢٨٥، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. حمد التويجري، الطبعة الثانية ١٤٢٥، دار العصيمي، الرياض.
[ ١٧١ ]
وقد قرر جمال الدين السرمري ﵀ بطلان هذا المذهب، وبين أن مقصود أصحابه تكذيب الوحي، فقال:
"يدور على التعطيل لا دَرّ دَرُّه بتمويه قولٍ في المخارج مُزْورِّ
وما قصده نفي المخارج ويحه بلى قصده نفيُ الكلام من السِّفر
فتبًّا لهذا المذهب المُذهب الذي أقلُّ أذى فيه بصاحبه يُزري" (١).
كما رد على من شنع على أهل السنة لإثباتهم معاني الصفات وعدم تعطيلها بالحشو، وأن العبرة بالحقائق لا بالألقاب والشناعات، فقال في رده على السبكي:
"وسمت بالحشو أهل الحق إذ ملأوا وظائف العلم من قولٍ بأطيبه
قومٌ أتاهم صحيح النقل فاتبعوا سبيله وحموه من مكذبه
وأثبتوا لإله العرش ما ثبتت فيه النقول بلا شبه يُقاس به
فرام بعض أولي التعطيل دحضهم فآب من قصده الأدنى بأخيبه
فكل من قصرت في العلم رتبته وقلَّ دينًا تجرَّا في توثبه
فأحمد المصطفى عُودي وقيل له مُذمَّمٌ وتعالوا في تجنُّبه
وقيل ساحرٌ أو مجنون أو رجل معلمٌ كاهنٌ يسمو بأكعُبه
لو كان الاسم يشين الفعل في رجل لشان خير البرايا من ملقبه" (٢).
وقال أيضًا في (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، وهي رؤى فيها الثناء على منهج ابن تيمية في الاعتقاد، وبطلان مذهب المعطلة: "وجدت بخط المحدّث الفاضل العالم نجم الدين
_________________
(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٠.
(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٥ - ٦٧.
[ ١٧٢ ]
إسحاق ابن أبي بكر بن ألْمى التركي (١)، قال: أخبرنا فقير يعرف بعبدالله، وذهب عني اسم والده، ورأيت جماعة من أصحابنا يثنون على دينه، ويذكرونه بالصلاح والخير، قال: رأيت بدمشق في النوم ليلة الجمعة في رجب سنة خمس وسبعمائة، وكأنني خرجت من بيتي، لبعض حاجة، وكأن قائلًا يقول لي: إن رسول الله - ﷺ - في المدينة، فأتيت إليه فرأيته جالسًا على دكان خباز، فسلمت عليه وذهبت لأتكلم فلم أُطق الكلام، فقال لي النبي - ﷺ -: يا عبدالله قل ما عندك، فقلت: يا رسول الله ما تنظر ما الناس فيه من الاختلاف وكثرة الأهواء والفتن؟ قال: فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال لي: يا عبدالله الحق مع أحمد ابن تيمية، وهو سالك على طريقي، وعلى قدمي، وما جئت إلا لأفصل بينهم، ثم إن رسول الله - ﷺ - غضب وتكلم بكلام لم أفهمه، إلا أنني فهمت في آخره وهو يقول: أيقدرون أن ينكروا معراجي؟ فوالذي نفسي بيده لقد أُسري بي من سماء إلى سماء، ورأيت ربي، ووضع - ﷺ - إصبعه اليمنى تحت عينه اليمنى، أو كما قال" (٢).
يشير بهذا إلى بطلان مذهب من يعطل صفة العلو لله - ﷾ -.
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من بطلان مذهب التعطيل هو ما صرح به الأئمة.
قال عبدالرحمن بن مهدي: "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلّم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (٣).
وقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد: "ما الذين قالوا: إن لله سبحانه ولدًا أكفر من الذين قالوا: إن الله سبحانه لم يتكلم" وقال أيضًا: "احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم من الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم فلم يثبت أن في السماء إلهًا" (٤).
_________________
(١) هو الشيخ المحدث، العالم الفقيه نجم الدين أبو الفضل إسحاق بن ابن أبي بكر ابن ألمى بن أطُز التركي، توفي بعد ٧٢٠. انظر: الرد الوافر، ص ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) الرد الوافر، ص ٢٣٤.
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٤.
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٥.
[ ١٧٣ ]
وقال وهب بن جرير: "إياكم ورأي جهم فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء وما هو إلا من وحي إبليس وما هو إلا الكفر" (١).
وقال الإمام ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: "ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله، وجحدوها، فكلاهما ملحد في أسمائه وكل من جحد شيئًا عما وصف الله به نفسه، أو وصف به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر" (٢).
والأقوال في ذلك من السلف متواترة، ويضيق المقام عن حصرها.
٣ - تنزيه صفات الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين:
من قواعد أهل السنة والجماعة تنزيه الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين، وهذه المسألة تكلم فيها أهل السنة بناءًا على النصوص الواردة في نفي التمثيل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: من الآية ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: من الآية ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وغيرها من الأدلة.
وبينوا بطلان مذهب المشبهة: وهم الذين يمثلون صفات الله بصفات المخلوقين كقول بعضهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري؛ وأن هذا نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته الوارد في قوله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٦.
(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٨٠)، لابن القيم، تحقيق: هشام عطا وعادل العدوي وأشرف أحمد، الطبعة الأولى ١٤١٦، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة.
[ ١٧٤ ]
وقد قرر جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله:
"أقرُّ بأنَّ الله ﷻ تعالى عن التشبيه والوصف والحصر (١)
سميع بصير ليس شيء كمثله كما جاء في القرآن إن كنت من تدري
فسبحانه من مالكٍ متكبرٍ تفرَّد دون الخلق بالعزِّ والقهر" (٢).
ويقصد بقوله: "تعالى عن الوصف" أي مما هو من خصائص المخلوقين.
وقال في موضع آخر: "وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدّس عن الصاحبة والوزارء، المبرئ عن الآباء والأبناء " (٣).
وقال في موضع آخر عن أهل الحق -أهل السنة-:
"وأثبتوا لإله العرش ما ثبتت فيه النقول بلا شبه يُقاس به" (٤).
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من تنزيه صفات الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين هو معتقد أهل السنة والجماعة - كما تقدم -.
قال الحافظ المقدسي ﵀ ناقلًا اتفاق السلف على نفي التشبيه والتمثيل: "اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله - ﷿ -، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير،
_________________
(١) أسماؤه تعالى ليست محصورة بعدد، يدل لذلك قوله - ﷺ - في دعاء الهم: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» فهذا يدل على أن لله أسماء استأثر بعلمها، وهذه الأسماء متضمنة لصفات لا يعلمها العباد، فأسماؤه تعالى وصفاته لا يحيط بها إلا هو، وأما العباد فلا يحيطون بها علمًا، فتبين بهذا أن صفاته تعالى وأسماءه ليست محصورة بعدد، وقد قال - ﷺ -: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فالعباد لا يحصون الثناء على الله، لأنهم لا يعلمون كل ما لله من الأسماء والصفات التي يكون بها الثناء عليه سبحانه.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١ ب.
(٤) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٦.
[ ١٧٥ ]
ولا عدل ولا مثل" (١).
وقال ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: "وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه" (٢).
٤ - أزلية الصفات:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ هذه المسألة تقريرًا بينًا واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض، إذ كان منهجه في ذلك إثبات أن الله متصف بهذه الصفات منذ الأزل، لم يخل - ﷿ - من هذه الصفات طرفة عين، قائمة به أزلًا وأبدًا، وأن من قال أن الله وصف بصفة بعد أن لم
يكن متصفًا بها فقد كفر.
قال ﵀ في معرض رده على السبكي:
"إن قلتَ كان ولا علم لديه ولا كلام لا قدرة أصلًا كفرتَ به
أو قلتَ أحدثها بعد استحالتها في حقه سمت نقصٍ ما احتججت به
أو قلتَ فعلُ اختيارٍ منه ممتنعٌ ضاهيت قول امرئٍ مُغوٍ بأنصُبِهِ
ولم يزل بصفات الفعل متصفًا وبالكلام بعيدًا في تقربه" (٣).
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وهذا قول أئمة السنة،
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد ص ٧٨، لعبدالغني المقدسي، تحقيق: أحمد الغامدي، الطبعة الأولى ١٤١٤، مكتبة العلوم والحكم، المدينة.
(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٨٠).
(٣) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١ - ٧٣.
[ ١٧٦ ]
وهو الحق الذي يدل عليه العقل والنقل؛ وكذلك أفعاله، فإن الفعل والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وحينئذ فهو ما زال متصفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الإكرام والجلال" (١).
وقال الإمام ابن أبي العز: "أن الله - ﷾ - لم يزل متصفًا بصفات الكمال: صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها، لأن صفاته -سبحانه- صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده" (٢).
وهذه المسألة لها ارتباط مباشر بمسألة تسلسل الحوادث -وقد تقدم الكلام عنها-.
٥ - التفسير السلفي لنصوص الصفات:
تكلم جمال الدين السرمري ﵀ على تفسير بعض نصوص الصفات، وكان في تفسيره سائرًا على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ذلك قوله في تفسير حديث «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: أي رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده »: "وأما قوله: «لوجدتني عنده» فهو مثل قوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» وقوله: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر»، ويجوز أن يكون أراد (قريب) من العائد والمطعم والساقي بالقبول والإنابة على ما نووه وأمَّلوه من الأجر فيما فعلوه، ويكون المراد بقوله: «لوجدتَ ذلك عندي» أي وجدتَ أجرَ ذلك، أو أجر ذلك مكتوبًا، أو موفورًا عندي، والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى، ص ٣٨٤.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٧٩.
[ ١٧٧ ]
وهو من قبيل: «من تقرَّب إليَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة» ولا يجوز أن يتعدَّى في هذه الأحاديث ونحوها ما وردتْ به السنة، لأنها من أحاديث الصفات التي لا يجوز تأويلها بما ينافي مقتضاها، نسأل الله العصمة والعافية من التأويل والتعطيل والتحريف والتكييف والتبديل" (١).
وقال في موضع آخر عند كلامه على صفة التردد في قبض نفس المؤمن والكراهية لله - ﷻ - الواردة في الحديث القدسي «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»: "وليس هذا التردد كتردد الجاهل الذي لا يعرف العاقبة، ولا كراهيته كراهة العاجز الذي لا يمكنه دفع ما يكره، فإنه سبحانه عالم بالعواقب، قادر على ما يشاء، لا يكون إلا ما شاء، ولا يشاء إلا ما يكون، وهو سبحانه يقدِّر مع كراهته أشياء من مقدوراته التي يبغضها ويقضيها ويشاؤها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، فتجتمع الإرادة والكراهة في شيء واحد، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (٢).
وما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من تفسير هذا الحديث صحيح موافق لمنهج السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية حينما سئل عن هذا الحديث: "هذا حديث شريف رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد، والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبًا بل يجب تأديبه
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
[ ١٧٨ ]
وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله - ﷺ - عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل، فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يُحب من وجه ويكره من وجه ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث " (١).
٦ - تعداد بعض الأسماء والصفات:
تعرض جمال الدين السرمري ﵀ في مواضع من كتبه إلى ذكر عدد من أسماء وصفات الله - ﷾ - إجمالًا من غير تعليق عليها، وهو يذكرها عرضًا في سياق مسائل أخرى، وفيما يلي
ذكر لبعض تلك الأسماء والصفات:
المسألة الأولى: تعداد بعض الأسماء:
١) اسم الله (٢).
٢) اسم الرب (٣).
٣) اسم الرحمن، وذكر أن الأسماء الثلاثة السابقة هي أصول أسماء الرب ومجامعها (٤).
٤) الحي (٥).
٥) القيوم، ورجح أن اسم الله الأعظم هو (الحي القيوم) لما تضمنته صفة الحياة لجميع
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).
(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.
(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.
(٤) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.
(٥) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
[ ١٧٩ ]
صفات الكمال، وصفة القيومية لجميع صفات الأفعال (١).
المسألة الثانية: تعداد بعض الصفات:
١) صفة العَجَب (٢).
٢) صفة الحلم (٣).
٣) صفة القرب (٤).
٤) صفة المحبة (٥).
٥) صفة الكره (٦).
٦) صفة التردد في قبض نفس المؤمن (٧).
٧) صفة المشيئة (٨).
٨) صفة العلم (٩).
٩) صفة القدرة (١٠).
١٠) صفة البغض (١١).
١١) صفة الإرادة (١٢).
_________________
(١) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.
(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٦٣.
(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.
(٤) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٣.
(٥) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٧.
(٦) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(٧) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(٨) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(٩) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.
(١٠) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.
(١١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(١٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
[ ١٨٠ ]
١٢) صفة الحكم (١).
١٣) صفة السمع (٢).
١٤) صفة البصر (٣).
١٥) صفة العزة (٤).
١٦) صفة القهر (٥).
١٧) صفة النزول (٦).
١٨) صفة الاستواء (٧).
١٩) صفة الكلام (٨).
٢٠) صفة الكبر (٩).
٢١) صفة الرؤية (١٠).
٢٢) صفة الحياء (١١).
٢٣) صفة الستر (١٢).
٢٤) صفة العلو (١٣).
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٦) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٧) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.
(٨) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٣؛؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.
(٩) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٣.
(١٠) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(١١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ١٢٠.
(١٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ١٢٠.
(١٣) خصائص سيد العالمين [ق ٧٩/و].
[ ١٨١ ]
٢٥) صفة الأناة (١).
وما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من إثبات هذه الأسماء والصفات هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة عدا الصفة الأناة لله - ﷻ -، فإني لم أقف على نص صريح في إثباتها، والسرمري قد استدل عليها بدليلين:
الأول: قول النبي - ﷺ - لأشج عبدالقيس «إن فيك خصلتين يحبها الله تعالى: الحلم والأناة» فالأناة صفة يحبها الله تعالى (٢).
الثاني: أدلة صفة الرفق لله - ﷾ -، وذلك لأن الرفق والأناة مترادفان في المعنى.
وما ذكره جمال الدين السرمري في إثبات صفة الأناة لله - ﷻ - مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من أن صفات الله توقيفية، والله أعلم.
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.
(٢) انظر: الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.
[ ١٨٢ ]