منهج جمال الدين السرمري في مسائل الإيمان
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مسمى الإيمان.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
المبحث الرابع: الكبيرة وحكم مرتكبها.
[ ٢٣٤ ]
المبحث الأول
مسمى الإيمان ومفهومه
الإيمان في اللغة:
قال ابن فارس ﵀: "الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي
ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق؛ والمعنيان متدانيان " (١).
وقال الراغب: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف" (٢).
وقال شيخ الإسلام: "فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد" (٣).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- رأي سديد في معنى الإيمان اللغوي، وهو من آرائه الدقيقة، واختياراته الموفقة؛ حيث اختار معنى (الإقرار) للإيمان على معنى التصديق، لأنه رأى أن لفظة (أقر) أصدق في الدلالة والبيان على معنى الإيمان الشرعي من غيرها، قال ﵀: " ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد" (٤).
وقال ﵀ في رده على من ادعى الترادف بين الإيمان والتصديق: " أنه -أي الإيمان- ليس مرادفًا للتصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان، فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣).
(٢) المفردات في غريب القرآن ص ٢٥.
(٣) الصارم المسلول على شاتم الرسول (١/ ٥١٩)، لابن تيمية، تحقيق: محمد عبدالله الحلواني ومحمد كبير أحمد شوردي، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار ابن حزم، بيروت.
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨).
[ ٢٣٥ ]
مشاهدة، كقول: طلعت الشمس وغربت أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له؛ إلا في هذا النوع" (١).
وقال أيضًا: "أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق؛ فإنه من
المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال: لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب" (٢).
تعريف الإيمان شرعًا:
يحدد الإمام جمال الدين السرمري مفهوم الإيمان شرعًا: بأنه تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بكثرة العمل والطاعة وينقص بترك العلم والمعصية.
يقول في ذلك:
"وإيمانُنا قول وفعل ونيّة فقولٌ كمن يقرا وفعل كمن يقري
يَقل بعصيان وينمو يضده وإن قل حتى كان في زنة الذَّر" (٣)
وقال في كتاب الإيمان من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "وهو -أي الإيمان- قول وعمل يزيد وينقص" (٤).
وهذا الذي قرره هو مذهب أهل السنة.
قال الإمام الشافعي: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين مِن بعدهم ممن أدركناهم: أن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩١).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٢).
(٣) نهج الرشاد ص ٣١ - ٣٢.
(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧٤.
[ ٢٣٦ ]
الإيمان: قول وعمل ونية، ولا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (١).
وقال الإمام البخاري: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل" (٢).
وقال يحيى بن سليم: "سألت عشرة من الفقهاء -وذكر منهم: الثوري، وابن جريج، وافع،
ومالك، وابن عيينة، وغيرهم- عن الإيمان؟ فقالوا: قول وعمل" (٣).
وقال الآجري ﵀: "باب القول بأنَّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث -ثم قال: - اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح؛ ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كمُلت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنًا دلَّ على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين" (٤).
وقال ابن عبدالبر: " أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان " (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (٦).
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٧) ح ١٥٩٣.
(٢) المصدر السابق (٥/ ٩٥٩) ح ١٥٩٨.
(٣) المصدر السابق (٤/ ٩٣٠) ح ١٥٨٤.
(٤) الشريعة (٣/ ٦١١).
(٥) التمهيد (٩/ ٢٣٨).
(٦) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١).
[ ٢٣٧ ]
المبحث الثاني
زيادة الإيمان ونقصانه
الكلام في هذا الفصل مترتب على الكلام في الفصل السابق، ونتيجة للخلاف في تحديد حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه أم لا؟
فمن قال إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما قرره جمال الدين السرمري وانتصر له بذكر الأدلة عليه.
قال ﵀ في ذلك:
"وإيمانُنا قول وفعل ونيّة فقولٌ كمن يقرا وفعل كمن يقري
يَقل بعصيان وينمو يضده وإن قل حتى كان في زنة الذَّر" (١).
وقال في كتاب الإيمان من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "وهو -أي الإيمان- قول وعمل يزيد وينقص، وقال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: من الآية ٤]، وقوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: من الآية ١٣]، وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدَّثر: من الآية ٣١]، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: من الآية ١٢٤] " (٢).
وهذا الذي قرره هو مذهب أهل السنة.
قال عبدالرزاق الصنعاني: "لقيت اثنين وستين شيخًا كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٣).
وقال عقبة بن علقمة: "سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد؟ قال نعم حتى يكون كالجبال،
_________________
(١) نهج الرشاد ص ٣١ - ٣٢.
(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧٤.
(٣) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٢٩) ح ١٧٣٧.
[ ٢٣٨ ]
قلت: فينقص؟ قال: نعم، حتى لا يبقى منه شيء" (١).
وقال يعقوب بن سليمان: "الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة" (٢).
وقال سهل بن المتوكل: "أدركت ألف أستاذ وأكثر كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٣).
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٠) ح ١٧٤٠.
(٢) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٥) ح ١٧٥٣.
(٣) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٦) ح ١٧٥٤.
[ ٢٣٩ ]
المبحث الثالث
الاستثناء في الإيمان
المراد بالاستثناء في الإيمان: هو قول الرجل: "أنا مؤمن إن شاء الله"، وهذه المسألة مرتبط بالكلام في المبحثين السابقين، وثمرة من ثمرات الخلاف فيهما، وحاصل الأقوال التي قيلت في
المسألة على ثلاثة أقوال قد جلاها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: "وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين وهذا أصح الأقوال.
فالذين يحرمونه: هم المرجئة والجهمية ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين وكما أعلم أني قرأت الفاتحة وكما أعلم أني أحب رسول الله وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم وكقولي: تكلمت بالشهادتين وقرأت الفاتحة وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة.
والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: أحدهما أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة
[ ٢٤٠ ]
والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرًا لم يزل مريدًا لعقوبته فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه بل وجوده كعدمه، فليس هذا بمؤمن أصلًا، وإذا علم أنه يموت مؤمنًا لم يزل مريدًا لإثابته وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه، فلم يكن هذا
كافرا عندهم أصلًا، فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر مثل أبي منصور الماتريدي فإن ما ذكروه مطرد فيهما " (١).
وقال في موضع آخر مبينًا مأخذ أهل السنة والجماعة: "والقول الثالث أوسطها وأعدلها: أنه يجوز باعتبار وتركه باعتبار، فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه، فهذا استثناؤه حسن، وقصده أن لا يُزكي نفسه بأنه عمل عملًا كما أُمر فقبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخف على عامة الناس" (٢).
وقال أيضًا: "والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء وإنما كان استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان فاستثنوا إما أن الإيمان المطلق يقتضي دخول الجنة وهم لا يعلمون الخاتمة كأنه إذا قيل للرجل: أنت مؤمن، قيل له: أنت عند الله مؤمن من أهل الجنة، فيقول: أنا كذلك إن شاء الله، أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال الإيمان الواجب" (٣).
واستدل أهل السنة على جواز الاستثناء على الأمور اليقينية بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] مع العلم أن الله يعلم أنهم سيدخلون لا محالة.
وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس هو
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٩ - ٢٣١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤١).
(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٢).
[ ٢٤١ ]
بشاك، قيل له: إن شاء الله، أليس هو شكًا؟ فقال: معاذ الله، أليس قد قال الله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا؟ وقال النبي - ﷺ -: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» " (١).
وعن الأثرم قال: "حدثنا أبو عبدالله -يعني الإمام أحمد- بحديث عائشة عن النبي - ﷺ -: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله»، فقال: هذا أيضًا أرجو، أي هو حجة في الاستثناء في الإيمان، أي: إنه قال أرجو وهو أخشاهم" (٢).
ولم أقف على كلام صريح للإمام جمال الدين السرمري ﵀ في مسألة الاستثناء في الإيمان، لكنه ممن يرى أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص كما تقدم، ومن قال بهذين الأصلين قال بالاستثناء في الإيمان.
قال الخلال: "دخل عليه -أي الإمام أحمد- شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك، قال: بئس ما قالوا، ثم خرج، فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون، قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل" (٣).
_________________
(١) الشريعة للآجري (٣/ ٦٦٠).
(٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٦ - ٥٩٧) ح ١٠٥٥، قال محقق الكتاب -د. عطية الزهراني-: "إسناده صحيح".
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٥١).
[ ٢٤٢ ]
المبحث الرابع
الكبيرة وحكم مرتكبها
إن مسألة حكم مرتكب الكبيرة من المسائل الكبار التي زلت فيها بعض الأقدام، وجرى
بسببها خلاف كبير بين أهل السنة وبين الفرق الأخرى، وصار الناس فيها طرفين ووسطًا:
فمنهم من غلب جانب نصوص الوعد، وأهمل نصوص الوعيد، وهؤلاء هم المرجئة، حيث زعموا أن من قال لا إله إلا الله محمدًا رسول الله وحرم ما حرم الله وأحل ما أحل الله دخل الجنة إذا مات، وإن سرق وقتل وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقرًا بها يُسوِّف التوبة لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش، وإن فعل ذلك استحلالًا كان كافرًا بالله مشركًا وخرج من إيمانه وصار من أهل النار، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وإيمان الملائكة والأنبياء والأمم وعلماء الناس وجهالهم واحد لا يزيد منه شيء على شيء أصلًا (١).
وقابل هؤلاء من غلَّب جانب نصوص الوعيد وأهمل نصوص الوعد، وهؤلاء هم الوعيدية -الخوارج والمعتزلة-، وزعموا أن مرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا كافرٌ كفرًا أكبر -على حد زعم جمهور الخوارج- (٢)، وفي منزلة بين المنزلتين -على حد زعم المعتزلة- (٣)؛ أما في حكمه في الآخرة -إن لم يتب- فهو خالد مخلد في النار وقولهما في هذا واحد، غير أن الخوارج يقولون إن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الاسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين (٤).
_________________
(١) التنبيه والرد، ص ٤٣.
(٢) الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية ص ٥٦، لعبدالقاهر بن طاهر البغدادي، الطبعة الثانية ١٩٧٧ م، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
(٣) مقالات الإسلاميين ص ٢٧٠.
(٤) مقالات الإسلاميين ص ١٢٤.
[ ٢٤٣ ]
وهدى الله أهل السنة للجمع بين النصوص فكان منهجهم وسطًا بين الإفراط والتفريط، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة -عدا الشرك- لا يكفر -إذا لم يستحل ذلك- ولا يخرج من الإسلام بهذه المعصية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، وإذا مات من غير توبة فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له ابتداءًا وأدخله الجنة رحمه منه وفضلًا، وإن
شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنه بعدله وحكمته.
ولا شك أن هذا المعنى هو ما تواترت عليه أدلة الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله" (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحُجُرات: ٩].
فسمى الله تعالى كلا من الطائفتين المقتتلتين مؤمنة وأمر بالاصلاح بينهما ولو بقتال الباغية (٢).
وكذلك في آية القصاص أثبت الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين وأثبت لهم أخوة الإيمان فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٨].
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ٤٥٠).
(٢) معارج القبول (٣/ ١٠١٨).
[ ٢٤٤ ]
وحديث أبي ذر - ﵁ - الطويل، وفيه أن النبي - ﷺ - ذكر أن جبريل عرض له في جانب الحرة، فقال: «بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت يا جبريل، وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر» (١).
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ -، أن رجلًا كان على عهد النبي - ﷺ - كان اسمه عبدالله وكان
يُلقب "حمَارًا"، وكان يُضحك رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمَر به فجُلِد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله» (٢).
وأحاديث الشفاعة لأهل الكبائر جميعها دالة على هذا المعنى، وقد تقدمت في مطلب الشفاعة.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل، وبيَّن أن لا يكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب، ولا يخرج من الإسلام بمعصية، وأنه يُرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء، فقال:
"ولا يخرج الإيمان من قلب مؤمن مصرٍّ على فعل المآثم مستجري
ونرجوا الرِّضا عمَّن قضى وهو مؤمن ويُخشى على من مات وهو على شرِّ" (٣).
وقال في موضع آخر في بيان عدم خلود أهل الكبائر في النار:
"ويدخل ناسٌ بالمعاصي جهنمًا فيأخذهم منها على قدر الوزر
ويشفع فيهم سيد الخلق أحمد عليه صلاة الله ما غرَّد القمري
ويخرج مَن في قلبه وزن ذرة بلا شك منها مِن مُقارفة البِرِّ" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٩٤)، كتاب الرقاق، باب المكثرون هم المقلون، ح ٦٤٤٣.
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ١٥٨)، كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة، ح ٦٧٨٠.
(٣) نهج الرشاد، ص ٣٦.
(٤) نهج الرشاد، ص ٣٨.
[ ٢٤٥ ]
وما قرره الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هو ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
قال ابن بطة: "وقد أجمعت العلماء لا خلاف بينهم أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء" (١).
وقال أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا -يعني أهل السنة- على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورين بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم" (٢).
وقال الإمام الصابوني: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (٣).
وقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة: "وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي ولا يسلبون الفاسق الملِّي الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم" (٤).
_________________
(١) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٣٩)، د. حمد بن عبدالمحسن التويجري.
(٢) رسالة إلى أهل الثغر، ص ٢٧٤.
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٧٦.
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١ - ١٥٢).
[ ٢٤٦ ]
وقال ابن أبي العز الحنفي: "أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين" (١).
_________________
(١) شرح الطحاوية، ص ٣٠١ - ٣٠٢.
[ ٢٤٧ ]