منهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل.
المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
[ ١٨٣ ]
المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل
لما كانت المادة العلمية لدى جمال الدين السرمري فيما يتعلق بالملائكة قليلة، أما ما يتعلق بالرسل فأكثرها سيأتي الكلام عليه في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-، جعلت هذه المادة في مطلبين تحت مبحث واحد.
المطلب الأول: الإيمان بالملائكة:
الملائكة خلق من خلق الله تعالى خلقهم من نور، يجب الإيمان بوجودهم، وأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، ويجب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلًا، جملة فيما أجمل، وتفصيلًا فيما فصل من أسمائهم، وأوصافهم، وأعمالهم التي كلفهم الله بها، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة.
فالإيمان بالملائكة: أحد أركان الإيمان وأصوله الذي لا يصح اعتقاد مسلم ولا يتم إيمانه إلا به، قال - ﷻ -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧].
وقال - ﷾ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٥].
وقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: من الآية ١٣٦].
وفي حديث جبريل المشهور عندما سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان، قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره » الحديث (١).
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٣٩)، كتاب الإيمان، باب الإيمان ماهو وبيان خصائله، ح ٩.
[ ١٨٤ ]
وقد أجمل الإمام جمال الدين السرمري القول في هذا الأصل، ولم يتطرق -فيما وفقت عليه من كتبه- إلى الذين تخبطوا فيه كما هي الحال عند من يسمون بـ"فلاسفة الإسلام" الذين أنكروا حقيقة الملائكة، وزعموا أنها خيالات وأشكال نورانية يتخيّلها النبي في نفسه، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق السماء، ولا تحتها، وليست موصوفة بالصعود، ولا النزول، وليس لها تدبير البتة، ولا تتكلم، ولا تنتقل من مكان إلى مكان ونحو ذلك؛ وإنما ذكر السرمري بعضًا من أخبار الملائكة كما دلت عليها النصوص من الكتاب أو السنة، والتي تتضمن إيمانه بوجودهم حقيقة، وما ثبت من أسمائهم وصفاتهم وما وكلوا به من أعمال، وأنهم أحياء ناطقون، لا كما تزعم الفلاسفة.
فمن ذلك قوله في الإيمان بإسرافيل - ﵇ -، وأنه الموكل بالنفخ بالصور:
"وينفخ إسرافيل في الصور نفخة لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر" (١).
ومن ذلك ذكره لخبر الملائكة السيارة، فقال في فضل مجالسة أهل الذكر:
"عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضلًا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا افترقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله - ﷿ - وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلانٌ عبدٌ خطّاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله
_________________
(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
[ ١٨٥ ]
قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» متفق عليه" (١).
ومن ذلك ذكره لخبر تأمين الملائكة خلف الإمام، فقال في فضل التأمين خلف الإمام عند قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧]: "عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وذلك أنه جاء في الحديث: إن الملائكة إذا سمعت الإمام يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧] تقول: آمين، فإذا قال العبد: آمين، فقد وافق الملائكة في التأمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال - ﷺ - " (٢).
ومن ذلك ذكره لخبر ملك الموت، فقال: "عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيت الليلة عجبًا» فقالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: «رأيت رجلًا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرده عنه » (٣).
ومن ذلك ذكره لخبر لعن الملائكة للمرأة الممتعنة عن الفراش لغير عذر، فقال في باب عشرة النساء: "وقال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه" (٤).
ومن ذلك قوله في محبة الملائكة للرائحة الطيبة: "وفي الطيب خاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة الكريهة والمنتنة، فلهذا كانت المساجد ومواضع الذكر مهابط الملائكة ومجتمعهم، والحشوش مأوى الشياطين، والأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأوراح الخبيثة تحب الأرواح الخبيثة، فالخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين،
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٩٤.
(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١١٨.
(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٥٢.
(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٧٣.
[ ١٨٦ ]
والطيبون للطيبات" (١).
ومن ذلك قوله في صلاة الملائكة على النبي - ﷺ -: "وقد أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وأخبر أنه وملائكته يصلون عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] " (٢).
ومن ذلك ذكره لخبر صف الملائكة مع الأنبياء في الإسراء وصلاتهم خلف النبي - ﷺ -، فقال: "ففي حديث الإسراء عنه - ﷺ -: «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفًا قال فقدّمني وأمرني أن أصلّي بهم فصليت بهم ركعتين " (٣).
ومن ذلك ذكره لخبر تغسيل الملائكة لحنظلة بن أبي عامر - ﵁ -، فقال: "قال رسول الله - ﷺ -: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضّة» قال أبو أسيد الساعديّ: فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب فولده يقال لهم بنو غسيل
الملائكة" (٤).
ومن ذلك ذكره لخبر دنو الملائكة لسماع قراءة ابن خضير - ﵁ -، فقال: "قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوراى منها» وكان حسن الصّوت، فدنوّ السكينة والملائكة لسماع قراءة ابن خضير أعظم من تسمّع الجبال والطير والوحش لصوت داود ﵊" (٥).
ومن ذلك قوله في نصرتهم للنبي - ﷺ -: "فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ
_________________
(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٥٤ ب.
(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٤١.
(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٢/ظ].
(٤) خصائص سيد العالمين [ق ٣٦/ظ].
(٥) خصائص سيد العالمين [ق ٤٠/و].
[ ١٨٧ ]
ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره - ﷺ - وأعوانه يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحًا ويمنعون عنه ويدافعون دونه ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه وقد دخل المسجد يصلّي فسمعوا صوتًا ما ظنّوا أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته ثم رجع إلى أهله سالمًا ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى التقى أحدهما بالأخرى فحالتا بينه وبينهم ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّيًا فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقًا من نار وأهوالًا وأجنحة فقال رسول الله - ﷺ - لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا " (١).
ومن ذلك ذكره لخبر ملك الجبال، فقال: "على أنّ محمّدًا - ﷺ - أعطي من تسخير الجبال ما لو شاء لصارت جبال مكّة معه ذهَبًا وقال له مَلَكُ الجبال: إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ يعني جَبلي مكّة على الكفّار فقال - ﷺ -: «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئًا» " (٢).
ومن ذلك ذكره لخبر سؤال الملكين في القبر: "وذلك أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان فيُقعدانِه ويسألانه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك " (٣).
ومن ذلك ذكره لخبر وصف ملك من الملائكة، فقال: "وقد قال - ﷺ - لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب، جاءني ملك إنّ حُجزته لَتُسَاوِي الكعبةَ " (٤).
وقال في موضع آخر: "وعن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله أعطى ملكًا من الملائكة أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة لا يصلي عليّ
_________________
(١) خصائص سيد العالمين [ق ٤٤/و-ظ].
(٢) خصائص سيد العالمين [ق ٤١/و].
(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٢٩/ظ].
(٤) خصائص سيد العالمين [ق ٤١/ظ].
[ ١٨٨ ]
أحد إلا سمّاه باسمه واسم أبيه وقال: يا أحمد صلّى عليك فلان بن فلان وتكفّل لي الربّ - ﷿ - أن أردّ عليه بكل صلاة عليه عشرًا - ﷺ -» " (١).
ومن ذلك ذكره لخبر وصف الملائكة الذين مر عليهم النبي - ﷺ - في ليلة المعراج، فقال: "قال: ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جُمِعَ له الدنيا بين ركبتيه وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يمينًا وشمالًا ينظر فيه كهيئة الحزين فقلت: من هذا يا جبريل وما مررت بملك أنا أشدّ خوفًا منه مني من هذا، قال: وما يمنعك كلنا بمنزلتك هذا ملك الموت دائبٌ في قبض الأرواح وهو من أشد الملائكة عملًا وأدأبهِم، قلت: يا جبريل كل من مات ينظر فيه إلى هذا، قال: نعم، قلت: كفى بالموت طامةً، فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبريل ادنني من ملك الموت أُسَلِّم عليه وأسأله فأدناني منه فسلمت عليه فأومئ إلي فقال له جبريل: هذا محمد نبيّ الرحمة ورسول العرب فرحّب بي وحيّاني وأحسن بشارتي وإكرامي وقال: أبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في أمتك، فقلت: الحمد لله المنّان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق، قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك الأرواح في لوح آخر قد أعلمت عليها وكذلك
أصنع بكل ذي روح إذا قبضتُ روحَه حَلَّقتُ عليها، فقلت: يا ملك الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح، قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتيّ وجميع الخلائق بين عينيّ ويداي تبلغان المشرق والمغرب وخلفهما فإذا نفدَ أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر أعواني من الملائكة أني نظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروحُ الحلقومَ علمتُ ذلك ولا يخفى عليّ شيء من أمري مَددت يدي إليه فقبضتُه فلا يَلِي قبضَه غيري فذلك أمري وأمر ذوي الأرواح من عباد الله، قال: فأبكاني حديثُه وأنا عنده ثم جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقًا مثله عابس كالح الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب فلما نظرت إليه رُعبت
_________________
(١) خصائص سيد العالمين [ق ٦١/و].
[ ١٨٩ ]
منه جدًّا، فقلت: يا جبريل من هذا فإنّي رُعبت منه رعبًا شديدًا، قال: فلا تعجب أن تُرعَب منه كلّنا بمنزلتك في الرّعب منه هذا مالك خازن جهنم لم يتبسّم قط ولم يزل منذ ولّاه الله جهنّم يزداد كلّ يوم غضبًا وغيظًا على أعداء الله تعالى وأهل معصيته لينتقم منهم، قلت: ادنني منه فأدناني منه فسلم عليه جبريل فلم يرفع رأسه، فقال: جبريل يا ملك هذا محمّد رسول العرب فنظر إليّ وحيّاني وبشّرني بالخير، فقلت: مُذ كَم أنت وَاقِدٌ على جهنم، فقال: منذ خُلقتُ حتى الآن وكذلك حتى تقوم الساعة، قلت: يا جبريل مُره فليُرني طريقًا من النار فأمره ففعَل فخرج منه لهبٌ ساطع أسوَد معه دخان كدر مُظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت هولًا عظيمًا وأمرًا فظيعًا أعجز عن صفته لكم فغشي علي وكاد يذهب نفسي فضمّني جبريل إليه وأمره أن يَرُدّ النارَ فردّها فجاوزناها " (١).
إلى نحو ذلك من الأخبار التي ذكرها جمال الدين السرمري، والتي تتضمن إيمانه -كما تقدم- بوجودهم حقيقة.
وما ذكره جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "إنه من المتواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة أحياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويأمر به تارة، ويقاتلون معهم تارة، وكانت الملائكة أحيانًا تأتيهم في صورة البشر والحاضرون يرونهم، وقد أخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة، وذلك يناقض ما يزعمونه من أن الملك إنما هو الصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك أو أنها العقول والنفوس" (٢).
_________________
(١) خصائص سيد العالمين [ق ٧١/و]-[ق ٧٢/و].
(٢) الرد على المنطقيين ص ٤٨٩ - ٤٩٠، لابن تيمية، دار المعرفة، بيروت.
[ ١٩٠ ]
المطلب الثاني: الإيمان بالرسل:
لقد بعث الله إلى خلقه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية ١٦٥] وأمر بالإيمان بهم جميعًا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فيجب الإيمان بهم جملة وتفصيلًا، وذلك يتضمن الإيمان بمن سمى الله في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - من الأنبياء وبما ثبت من أخبارهم، ومن لم يقص علينا خبرهم يجب الإيمان بهم جملة لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: من الآية ٧٨] ويجب الإيمان بأن الأنبياء جميعًا بشر ليس لهم من خصائص الربوبية شيء، فهم من عباد الله، يجري عليهم ما يجري على البشر، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويمرضون ويموتون ويقتلون، ولا يعلمون الغيب، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: من الآية ٢٠] وأن كلهم جاءوا بالدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك وإن اختلفت بعض شرائعهم ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من
الآية ٣٦] وأن من كفر بنبي واحد منهم فقد كفر بهم جميعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
فالإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الذي لا تصح عقيدة المسلم إلا بتحقيقه.
هذا ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل جملة، أما نبينا محمد - ﷺ - فيجب الإيمان به على وجه الخصوص، مع الاعتقاد بوجوب طاعته في جميع ما أمر به وشرعه، والانتهاء عن جميع ما عنه نهى وزجر، والإيمان بعموم رسالته، وأنه مبعوث للناس عامة قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
[ ١٩١ ]
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية ٢٨] والإيمان بأن الرسالة والنبوة ختمت به، إذا لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٤٠].
هذا من أهم ما تضمنه الإيمان بالرسل جملة، والإيمان بالنبي - ﷺ - على وجه الخصوص.
وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ عددًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ورد من أخبارهم، وذكر أيضًا ما اختص به المصطفى - ﷺ - في كتابه "خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" كما سيأتي دراسته في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-.
[ ١٩٢ ]
المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا بتحقيقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: من الآية ٣٩]، وقال - ﷺ - في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١)، والنصوص في ذلك كثيرة.
ويجب الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلًا، فيجب الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من التفصيلات المتعلقة باليوم الآخر، من حياة البرزخ، والنفخ في الصور، والبعث، والحشر،
والميزان، والحوض، والصراط، والجنة والنار، والشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم.
وقد تطرق جمال الدين السرمري ﵀ لهذه المسائل، وفيما يلي تقسيم لهذه المسائل وعرض لها بمشيئة الله تعالى.
المطلب الأول: حياة البرزخ:
البرزخ: هو الحائل بين الشيئين، ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] والمراد به هنا: الفترة من وقت الموت إلى القيامة، فهي برزخ
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ١٨٤.
[ ١٩٣ ]
بين الدنيا والآخرة (١)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية ١٠٠].
ومن أصول مذهب أهل السنة والجماعة، ولوازم الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يحصل في حياة البرزخ.
وقد أشار الإمام جمال الدين السرمري إلى هذه الحياة، ونص على ما ورد فيها من ضمة القبر، وتسمية الملكين اللذين يسألان العبد في القبر أنهما منكر ونكير، وأنه يستثنى من هذا السؤال الرسل ﵈.
فقال في منظومته في الاعتقاد:
"وموت الورى حق ومن بعد بعثهم وبينهما لا شك في عصرة القبر
ويسألهم فيه نكير ومنكر عدا الرسل أرجوا الله يلهمني عذري" (٢).
وما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري من إثبات حياة البرزخ وما يحصل فيها هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات (القيامة الكبرى) وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ -مابين الموت إلى يوم القيامة- هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول: هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية، ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن مسرة وابن حزم، ومنهم من يقول: بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٣٣)؛ لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية (٢/ ٤)، لشمس الدين السفاريني، الطبعة الثانية ١٤٠٢، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق؛ إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح الفوزان، الطبعة الثالثة ١٤٢٣، مؤسسة الرسالة.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
[ ١٩٤ ]
قاله طائفة من أهل الحديث وابن الزاغوني يميل إلى هذا في مصنفه في حياة الأنبياء في قبورهم وقد بسط الكلام على هذا في مواضع، والمقصود هنا: أن كثيرًا من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ولا ثواب ولا عقاب ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث كما أن أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقًا زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن وهو غلط، بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ " (١).
وقد أنكر بعض المعتزلة وغيرهم سؤال الملكين، قال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة قال بعض المتأخرين منهم حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق" (٢).
أما قول جمال الدين السرمري: " وبينهما لا شك في عصرة القبر" (٣)، فصحيح موافق لما ثبت في النصوص، وعصرة القبر هي: هي أول ما يلاقيه الميت حين يوضع في قبره، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها نجا منها سعد بن
معاذ» (٤)، وقد علق الألباني على هذا الحديث في الصحيحة (١٦٩٥) فقال: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تعالى أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب" (٥).
وأما قول جمال الدين السرمري أنه يستثنى الرسلُ ﵈ من فتنة القبر وسؤال الملكين، فلعل ما ذهب إليه السرمري هو الظاهر في المسألة، ويدل على ذلك الأحاديث
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢).
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ٢٢٠).
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٠/ ٣٢٧) ح ٢٤٢٨٣، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، الطبعة الثانية ١٤٢٠، مؤسسة الرسالة.
(٥) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٧١).
[ ١٩٥ ]
الصحيحة التي وردت في أن الشهيد لا يسأل، وألحق به من مات مرابطًا لظاهر حديث: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتان القبر» (١)، وألحق القرطبي بالشهيد الصديق لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه - ﷺ - وفي حق سائر الأنبياء (٢).
وعلى كل حال فمسألة استثناء الرسل ﵈ من سؤال الملكين ليس وراءها كثير فائدة، وليست من أصول الإيمان، والله أعلم.
المطلب الثاني: النفخ في الصور، والبعث من القبور:
الصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - ﵇ - عند بعث الموتى إلى المحشر (٣)، ومن أصول الإيمان باليوم الآخر ومستلزماته: الإيمان بالنفخ في الصور.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال:
"وينفخ إسرافيل في الصور نفخة لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر
وموت الورى حق ومن بعد بعثهم وبينهما لا شك في عصرة القبر" (٤).
وما قرره جمال الدين السرمري من النفخ في الصور هو الحق الذي دلت عليه النصوص، ومنها:
قوله - ﷻ -: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]
، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقوله
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٩)، كتاب الجهاد، باب في فضل الرباط، ح ٢٥٠٠؛ وقال الألباني: "إسناده صحيح، وصححه ابن حبان". صحيح أبي داود (٧/ ٢٦٠).
(٢) الإيمان والرد على أهل البدع ص ٨٢، لعبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، الطبعة الثالثة ١٤١٢، دار العاصمة، الرياض.
(٣) انظر: النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٢٢)، لسان العرب (٤/ ٤٧١).
(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
[ ١٩٦ ]
تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨].
أما ما ذكره جمال الدين السرمري من أن صاحب الصور من الملائكة هو إسرافيل فصحيح موافق لمذهب السلف.
قال القرطبي: "والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇ " (١)، وقد نقل الحليمي أيضًا الإجماع على ذلك (٢).
وقد أشار الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق إلى عدد النفخات في الصور أنها
اثنتان، وهذا أصح الأقوال في النفخات، وقد قيل: إن عددها ثلاث، وقيل: أربع (٣).
وأما ما يتعلق بالشق الثاني مما قرره جمال الدين السرمري وهو البعث، أي قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، بل من الأديان السماوية جميعًا.
وقد قرر القرآن هذا الأصل العظيم بأساليب متعددة، قال ابن القيم: "وقد أعاد الله سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه، وبأوجز العبارات، وأدلها، وأفصحها، وأقطعها للعذر،
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٠)، تحقيق: هشام البخاري، ١٤٢٣، دار عالم الكتب، الرياض.
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٦٨).
(٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٤٤٦)، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٠٠، للإمام القرطبي، تحقيق: الصادق بن محمد بن إبراهيم، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار المنهاج، الرياض.
[ ١٩٧ ]
وألزمها للحجة" (١).
بل لم يكن إثبات هذا مقتصرًا على ورود الشرع وحده، إذا قد ثبت بدلالة العقل، والفطر السليمة (٢).
ولقد ألحد في عقيدة البعث، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، ليجازي كل إنسان بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وتخبطوا فيها بعض من يتسمون (بفلاسفة الإسلام) وزعموا أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري، قال ابن أبي العز: "ومحمد - ﷺ - لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بيَّن تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا محمد - ﷺ -، وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈" (٣).
المطلب الثالث: الحشر:
قال القرطبي: "الحشر: ومعناه الجمع؛ وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة.
أما الذي في الدنيا، فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: من الآية ٢]
الثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» ،
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧٢.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧٢.
[ ١٩٨ ]
قال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها
والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: من الآية ١٠٢] " (١).
والإيمان بالحشر من أصول الإيمان باليوم الآخر.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:
"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٢).
وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري في هذا البيت بعض من أحوال ومواقف ومقامات الحشر، فحالات الناس في الحشر خمسة: حال البعث من القبور، وحال السوق إلى مواضع الحساب، وحال المحاسبة، وحال السوق إلى دار الجزاء، وحال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها (٣)؛ وسيأتي بيان وتفصيل المواقف التي ذكرها الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق في المطالب القادمة -إن شاء الله تعالى-.
المطلب الرابع (*): الميزان:
دل الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة على إثبات الميزان يوم القيامة، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان.
قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا
_________________
(١) التذكرة، ص ٢٢٥.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٣) انظر: التذكرة، ص ٢٣٢. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (الخامس)
[ ١٩٩ ]
وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩].
أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الميزان قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١).
كما أن أهل السنة أجمعوا على القول بإثباته كما ورد في النصوص.
قال الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (٢).
وقال السفاريني: "والحاصل أن الإيمان بالميزان كأخذ الصحف ثابت بالكتاب والسنة
والإجماع - إلى أن قال: - وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه " (٣).
فالإيمان بالميزان من أصول الإيمان باليوم الآخر.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:
"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٤).
وقال في موضع آخر: "وقد جاء أن الله تعالى يوقفُ عبدًا في الحساب، فتوزن حسناته وسيِّئاته " (٥).
_________________
(١) نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٣١، لمحمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الثانية، دار الكتب السلفية، مصر؛ لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥)؛ السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٤) غير أن الألباني -﵀- لم يجزم ببلوغها حد التواتر، وإنما قال: "والأحاديث في ذلك -أي الميزان- متضافرة إن لم تكن متواترة".
(٢) فتح الباري (١٣/ ٥٣٨).
(٣) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٥) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٠٦.
[ ٢٠٠ ]
وما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالميزان هو مذهب أهل السنة والجماعة -كما تقدم-، وقد خالف في هذا الأصل الجهمية وجمهور المعتزلة، بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن جميع المعتزلة تنكره، فنفوا أن يكون الميزان حقيقي، إذ زعموا أن الأعمال أعراض، والأعراض لا توزن، وإن أمكن إعادتها فلا يمكن وزنها إذ لا توصف بالخفة والثقل، وقالوا أيضًا: الوزن للعلم بمقدارها، وهي معلومة لله تعالى، فلا فائدة فيه، فيكون قبيحًا تنزه عنه الرب تعالى، وتأولوا النصوص الواردة في الميزان بأنه العدل (١)،
وقد رد عليهم العلماء وأوضحوا خطأهم في هذا التأويل الباطل، حتى إن أحد كبار أئمتهم -وهو القاضي عبدالجبار- رد على من يؤول ذلك التأويل.
يقول القاضي عبدالجبار: "أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: من الآية ٤٧] وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ ﴾ الآية [الأعراف: ٨] إلى غير ذلك من
الآيات التي تتضمن هذا المعنى، ولم يرد الله تعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف فيما بيننا دون العدل وغيره على ما يقوله بعض الناس، لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: من الآية ٢٥] فذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز؛ يبين ذلك ويوضحه، أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشمل عليه الموازين فيما بيننا " (٢).
_________________
(١) انظر: شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ٢٢٣) للتفتزاني؛ التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ٩٨، لأبي الحسين الملطي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، الطبعة الثانية ١٩٧٧ م، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة؛ فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)؛ مقالات الإسلاميين ص ٤٧٢ - ٤٧٣، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: هلموت ريتر، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث، بيروت؛ كتاب المواقف (٣/ ٥٢٤)؛ روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني (١٧/ ٦)، محمود الألوسي، دار إحياء التراث، بيروت.
(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٧٣٥، للقاضي عبدالجبار بن أحمد، تحقيق: عبدالكريم عثمان، الطبعة الثالثة ١٤١٦، مكتبة وهبة، القاهرة.
[ ٢٠١ ]
وقال الزجاج بعد أن ذكر الأقوال في معنى الميزان، -ومنها قول من قال: إنه العدل-: "هذا سائغ من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان" (١)،
قال القشيري تعليقًا على كلام الزجاج: "وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة - ثم قال: - وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصًا" (٢).
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه" (٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٧)، للإمام القرطبي؛ فتح القدير (٢/ ٢١٦)، للإمام الشوكاني، الطبعة الأولى ١٤١٤، دار ابن كثير - دار الكلم الطيب، دمشق -بيروت.
(٢) المصدران السابقان.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٨٢.
[ ٢٠٢ ]
المطلب الخامس (*): الحوض:
الحوض في اللغة: مجتمع الماء (١)، المراد بالحوض هنا: هو المورد الموعود به النبي - ﷺ - في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (٢).
ومن أصول الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالحوض.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال:
"وللمصطفى حوض لورد أولى التقى أباريقه في العدِّ كالأنجم الزهر" (٣).
وما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة.
قال ابن كثير ﵀: "ذكر ما ورد في الحوض المحمدي سقانا الله منه يوم القيامة من الأحاديث المشهورة المتعددة من الطرق المأثورة الكثيرة المتضافرة، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده " (٤).
وقال الإمام ابن أبي العز: "الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا - ﵃ - " (٥).
وقال القاضي عياض - ﵀ - فيما ينقله النووي: "أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه -وقال القاضي: - وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة " (٦).
ويقول ابن حجر: " وقال القرطبي في (المفهم) تبعًا للقاضي عياض في غالبه -أي أغلب الكلام الآتي-: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله ﷾ قد خص نبيه محمدًا - ﷺ - بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي
_________________
(١) لسان العرب (٧/ ١٤١).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦).
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٤) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٣٧٤)، لابن كثير، تحقيق: محمد أحمد عبدالعزيز، الطبعة ١٤٠٨، دار الجيل، بيروت.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٤٥، وانظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٦) شرح صحيح مسلم (١٥/ ٥٣). (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (السادس)
[ ٢٠٣ ]
يحصل بمجموعها العلم القطعي وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهرة وحقيقته ولا حاجة تدعو إلى تأويله فخرق من حرفه إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف" (١).
المطلب السادس: الصراط:
الصراط: وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركبانًا وزحفًا، يمر عليه المسلم والكافر، فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة، فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار (٢).
وقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة على إثبات الصراط
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] ذهب أكثر المفسرين أن المقصود بورود النار هنا: المرور على الصراط، وهو منقول عن ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم (٣).
وقال ابن جرير ﵀ بعد أن حكى الخلاف في تفسير الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم، ومكدس فيها" (٤).
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٤٦٧).
(٢) التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (١/ ١٢٦)، لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار طيبة، الرياض.
(٣) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص ٢٤٩، لابن رجب الحنبلي، ١٣٩٩، مكتبة دار البيان، دمشق.
(٤) جامع البيان في تأويل القرآن (١٨/ ٢٣٤)، لابن جرير الطبري، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مؤسسة الرسالة.
[ ٢٠٤ ]
وقال ابن أبي العز: " واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، وفي الصحيح أنه - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة»، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] فقال: «ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]» أشار - ﷺ - إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا، فقد بين - ﷺ - في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط" (١).
أما من السنة: فقد حكى بعض العلماء أن أحاديث الصراط بلغت حد التواتر المعنوي (٢).
والإيمان بالصراط من أصول الإيمان باليوم الآخر.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:
"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٣).
وما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالصراط المنصوب على متن جهنم هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين يأولون النصوص الواردة في الصراط عن ظاهرها.
قال السفاريني: "اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعمًا منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٨٠.
(٢) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ص ٢٣١.
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
[ ٢٠٥ ]
المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: من الآية ٢٣].
ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة، والمباحات والأعمال الرديئة ليسأل عنها ويؤاخذ بها،
وكل هذا باطل وخرافات، لوجوب رد النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، والوقوف فيه، وقد أجاب - ﷺ - عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك، وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة، وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والصحاح مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون.
وقال المنكر لكون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف: هذا إن ثبت حمل على غير ظاهره لمنافاته للأحاديث الأخر من قيام الملائكة على جنبتيه، وكون الكلاليب والحسك فيه، وإعطاء كل من المارين عليه من النور قدر موضع قدميه.
قال القرافي: والصحيح أنه عريض، وقيل: طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وجهنم بين الخلق وبين الجنة، والجسر على ظهرها منصوب فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] على أحد الأقوال.
ثم قال القرافي تبعًا للحافظ البيهقي: كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف لم أجده في الروايات الصحيحة، وإنما يروى عن بعض الصحابة، فيؤول بأن أمره أدق من الشعر، فإن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى، وقد جرت العادة بضرب دقة الشعر مثلا للغامض الخفي، وضرب حد السيف لإسراع الملائكة في المضي لامتثال أمر الله، وإجازة الناس عليه.
[ ٢٠٦ ]
ورد هذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة الآثار، وقد أخرج مسلم تلك الزيادة في صحيحه عن أبي سعيد بلاغًا، وليست مما للرأي والاجتهاد فيه مجال فهي مرفوعة، وقد مر من الأخبار ما يوجب الإيمان بذلك، ثم إن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن ويجريه ويمشيه، على أنه أخرج الإمام عبد الله بن المبارك، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال قال:
بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع، وأخرج أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري قال:
من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق له في الآخرة" (١).
وقال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا -يعني: أهل الحديث- على أن الصراط جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك" (٢).
المطلب السابع: الجنة والنار:
من لوازم الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان موجودتان، وأن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول، وأن أهل النار خالدين فيها.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
فمن أدلة الكتاب: الآيات الكثيرة التي دلت على أن آدم وحواء أسكنهما الله الجنة، وأهبطهما منها، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢ - ١٩٤).
(٢) رسالة إلى أهل الثغر ص ٢٨٦، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبدالله شاكر الجنيدي، الطبعة الأولى ١٩٨٨ م، مكتبة العلوم والحكم، دمشق.
[ ٢٠٧ ]
آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: من الآية ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].
ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فالجنة والنار بدلالة الآيتين قد أعدتا وفرغ من إعدادهما، مما يقتضي أنهما مخلوقتان موجودتان الآن.
وأما الأدلة على أن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول فكثيرة، ومن ذلك:
قوله تعالى في الجنة: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: من الآية ٥٦].
وأما الأدلة على خلود أهل الجنة والنار فيهما، فقد جاء في غير آية من القرآن الكريم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧/ ١٢٢/١٦٩، المائدة: ١١٩، التوبة: ٢٢/ ١٠٠، الأحزاب: ٦٥، التغابن: ٩، الطلاق: ١١، الجن: ٢٣، البينة: ٨]، إلى غير ذلك من الأدلة.
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري الإيمان بالجنة والنار وخلود أهلهما فيهما في منظومته في الاعتقاد، فقال:
"ويدخل ناس بالمعاصي جهنمًا فيأخذهم منها على قدر الوزر
إلى أن قال:
ويُذبَح كبش الموت فالناس بعده فريقان ذو ربح وآخرُ ذو خسر" (١).
ولا شك أن ما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة.
قال الإمام الصابوني: "ويشهد أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا
_________________
(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
[ ٢٠٨ ]
يفنيان أبدًا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لايخرجون منها أبدًا، وأن المنادي ينادي يومئذ "يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله - ﷺ - " (١).
وقد قال ابن حزم ﵀ في المسائل التي أجمع عليها أهل السنة: "وأن الجنة حق، وأنها دار نعيم أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدا بلا نهاية " (٢).
أما قول جمال الدين السرمري: " ويُذبَح كبش الموت" (٣) فصحيح ثابت في السنة، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجاء
بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» قال: ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: «﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» واللفظ لمسلم (٤).
المطلب الثامن: الشفاعة:
الشفاعة في اللغة كما قال الراغب: "الانضمام إلى آخر ناصرًا له، وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى. ومنه الشفاعة في القيامة" (٥).
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص ٢٦٤، لأبي عثمان الصابوني، تحقيق: ناصر الجديع، الطبعة الثانية ١٤١٩، دار العاصمة، الرياض.
(٢) مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات ص ١٧٣، لابن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٤) رواه البخاري (٦/ ٩٣)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)، ح ٤٧٣٠؛ ورواه مسلم (٤/ ٢١٨٨)، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ح ٢٨٤٩.
(٥) المفردات في غريب القرآن ص ٢٦٣، للراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبنان.
[ ٢٠٩ ]
وقال القرطبي: "أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعًا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له" (١).
أما الشفاعة في الاصطلاح كما قال ابن الأثير: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم" (٢).
وقد دل الكتاب والسنة على وقوع الشفاعة يوم القيامة، وهي تقع بشرطين:
أحدهما: أن يكون بعد إذن الله تعالى للشافع.
والثاني: أن يرضى الله عن المشفوع له.
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٨]. أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الشفاعة قد بلغت حد التواتر (٣).
والإيمان بالشفاعة من أصول الإيمان باليوم الآخر التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة والخوراج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي - ﷺ -، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم" (٤).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في غير ما موضع.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٥).
(٢) النهاية في غريب الأثر (٢/ ١١٨٤).
(٣) انظر: نظم المتناثر ص ٢٣٤ - ٢٣٦.
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٩).
[ ٢١٠ ]
ومن ذلك قوله في منظومته في الاعتقاد:
"ويدخل ناس بالمعاصي جهنمَّا فيأخذهم منها على قدر الوزر
ويشفع فيهم سيد الخلق أحمد عليه صلاة الله ما غرد القمري
ويخرج من في قلبه وزن ذرة بلا شك منها من مقارفة البر" (١).
وقال في موضع آخر في ذكر ما خص الله به نبيه محمد - ﷺ - في الآخرة: "ومنها شفاعاته في الآخرة فإن له - ﷺ - عدّة شفاعات، الأولى: الشفاعة في عموم الخلق ليحاسَبُوا ويُراحُوا من الموقف كما سبق، وشفاعَةٌ في أهل الكبائر من أمّته، وشفاعة لمن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛
إلى ما دون ذلك من الشفاعات الخاصّة والمشتركة هو وغيره فيها" (٢).
وقال في موضع آخر: "فجملة الشفاعة خمسة مقامات، المقام الأول: في أهل الموقف لفصل القضاء وهي الشفاعة العظمى، وهي من خصائصه - ﷺ -، والمقام الثاني: في من يدخل الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضًا - ﷺ -، والمقام الثالث: فيمن يخرج من النّار وابتداؤها له - ﷺ - فإنه أول شافع وأول مشفع كما سَبَق، المقام الرابع: فيمن يدخل الجنة واختصاصه منها أنه لا يدخل الجنة أحد بالشفاعة أكثر ممن يدخلها بشفاعته، المقام الخامس: شفاعته في قوم لرفع درجاتهم من الجنة" (٣).
وهذه المقامات السابقة التي ذكرها جمال الدين السرمري سوى المقام الثالث ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في الشفاعة فيمن يخرج من النار، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشفاعة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد على أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته - ﷺ - في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرجوا منها،
فالمعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر وأن الله ﷾ لا يأذن لأحد أن
_________________
(١) نهج الرشد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٢) خصائص سيد العالمين [ق ٦٢/و].
(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٨٥/و].
[ ٢١١ ]
يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النار، والسبب في ذلك لأنهم يرون فيها تعارضًا مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بد أن يُجازى بذنبه وجوبًا، فيدخل النار ولا يخرج منها، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلى الآيات وإلى الأحاديث.
يقول ابن القيم ﵀: "رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وكذبوا بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بالشفاعة ولا غيرها، ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا على الخروج من النار فردوا السنة المتواترة قطعًا " (١).
المطلب الثامن: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة:
وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحُرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون (٢)، فإن أعظم نعيم وعده الله عباده المؤمنين هو رؤيته تعالى في الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة.
فمن أدلة الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وهي من أظهر الأدلة، فإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه، حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب - ﷻ - (٣).
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ٥٦٨ - ٥٦٩، لابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، الطبعة الثانية ١٤١٤، دار ابن القيم، الدمام.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.
[ ٢١٢ ]
أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الرؤية قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١).
وقد أجمع السلف وأئمة المسلمين على إثبات رؤية المؤمين لربهم سبحانه في الآخرة عيانًا بأبصارهم، وممن نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن أبي العز (٣).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب السلف في هذه المسألة فقال:
ولا يُمتَرى في رؤية الله ربِّنا وهل يُمترى في الشمس في ساعة الظهر (٤).
وأما من خالف في إثبات الرؤية: فهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية (٥)، وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب، إذ ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة.
نقل شيخ الإسلام عن ابن رشد قوله: " أنكرها -أي الرؤية- المعتزلة، وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتها، فشنع الأمر عليهم، وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه ﷾، واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين، ووجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي، فاضطروا لهذا المعنى لرد الشرع المنقول، واعتلوا للأحاديث بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجؤوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة" (٦).
_________________
(١) انظر: نظم المتناثر، ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.
(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.
(٦) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ٣٦١)، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى ١٣٩٢، مطبعة الحكومة، مكة.
[ ٢١٣ ]
المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر من أصول الإيمان الستة التي لا يتم الإيمان إلا بها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٨].
ومن السنة حديث جبريل وفيه أن النبي - ﷺ - قال في جواب سؤاله عن الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١).
والإيمان بالقضاء والقدر هو نظام التوحيد، فمتى اختل هذا الأصل العظيم، اختل توحيد العبد.
قال ابن عباس ﵄: "القدر نظام التوحيد فمن وحَّدَ الله سبحانه وكذَّب بالقدر كان تكذيبه للقدر نقضًا للتوحيد، ومن وحَّد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى" (٢).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري -﵀- هذا الأصل في عدة مواضع، ومن ذلك قوله في منظومته في الاعتقاد:
"وما لم يقدره المهيمنُ لم يكن وما قدَّره الرحمن لا بد أن يجري
إلى أن قال:
وما جاء من خير وشر مقدَّرٌ كذلك ما يأتي من الحُلو والمُرِّ" (٣).
وقال في موضع آخر: "ومجمل شروط العبودية تلقي أوامر السيد بالقبول -إلى أن قال: -
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٣٦) ح ١، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة.
(٢) كتاب الشريعة (٦/ ٨٧٧)، للإمام أبي بكر الآجري، تحقيق: عبدالله الدميجي، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الوطن، الرياض.
(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.
[ ٢١٤ ]
وأن يعترف له بالقدرة على جميع المخلوقات، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " (١).
كما اعتنى الإمام جمال الدين السرمري -﵀- ببيان هذا الأصل، وقرر بعض مسائله بما يتفق مع دلالة الكتاب والسنة، كما سيتضح من خلال المطالب التالية.
المطلب الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر:
القضاء لغة: أصله من قضى، قال ابن فارس: "القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته" (٢).
أما القضاء شرعًا فيأتي على عدة أوجه، ومنها (٣):
١ - الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية ٢٣]
٢ - الإنهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحِجر: من الآية ٦٦]، أي: تقدمنا إليه وأنهينا.
٣ - الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: من الآية ٧٢]
٤ - الفراغ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَت: من الآية ١٢].
٥ - الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: من الآية ٤].
أما القدر لغة: قال ابن فارس: "القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء
_________________
(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة ص ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٩٩)؛ وانظر: لسان العرب (١٥/ ١٨٦)، المفردات في غريب القرآن ص ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه ص ٣٤ - ٣٥، د. عبدالرحمن المحمود، الطبعة الثانية ١٤١٨، دار الوطن.
[ ٢١٥ ]
وكُنهه ونهايته" (١).
ويطلق القدر على الحكم والقضاء، ويطلق على التقدير، ويأتي على وجوه أخرى كذلك (٢).
أما معنى الإيمان بالقضاء والقدر في الشرع: "فهو الإيمان بتقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخلقه لها (٣).
المطلب الثاني: مراتب القدر:
إن حقيقة الإيمان بالقدر لابد أن يشتمل على الإيمان والتصديق بمراتبه، بل إن هذه المراتب تمثل أركان الإيمان بالقدر، ومتى اختل ركن فقد اختل إيمان الشخص بهذا الأصل العظيم.
قال الإمام ابن القيم: "الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر " (٤).
وهي أربع مراتب (٥):
١): العلم
يجب الإيمان بعلم الله عز المحيط بكل شيء، وأنه علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وأنه يعلم كل شيء بعلمه القديم
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٦٢)؛ وانظر: لسان العرب (٥/ ٧٤)، المفردات في غريب القرآن ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٢) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس ص ٣٦ - ٣٩، د. عبدالرحمن المحمود.
(٣) القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس ص ٣٩ - ٤٠، د. عبدالرحمن المحمود.
(٤) شفاء العليل، ص ٢٩.
(٥) انظر: شفاء العليل ص ٢٩ - ٦٥؛ القضاء والقدر ص ٥٤ - ٨٣، د. عبدالرحمن المحمود.
[ ٢١٦ ]
المتصف به أزلًا وأبدًا.
وأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: من الآية ١٢]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: من الآية ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقد اتفق على الإيمان بالعلم السابق الرسلُ عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، ولم يخالف إلا مجوس الأمة -غلاة القدرية- (١).
٢) الكتابة:
وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة: الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يُفرِّط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله.
وأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: من الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
قال ابن القيم: "وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم
_________________
(١) شفاء العليل، ص ٢٩
[ ٢١٧ ]
القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب" (١).
٣) المشيئة:
كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله - ﷾ - فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء.
وقد وردت أدلة كثيرة جدًا لهذه المرتبة، منها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٤٨]، والله - ﷾ - وجَّه نبيه قائلًا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
قال الإمام الصابوني: "ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله - ﷿ - مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه - ﷾ - وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه" (٢).
٤) الخلق:
يجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه.
وأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر: من الآية
_________________
(١) شفاء العليل، ص ٤١
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ٢١٨ ]
٦٢]، وفي آية أخرى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: من الآية ٦٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء " (١).
تقرير الإمام جمال الدين السرمري لمراتب القدر:
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مراتب القدر الأربع في عدة مواضع، علمًا بأنه لم يتحدث عنها مرتبة، أو بعناوين مستقلة، بل جاء الحديث عنها في ثنايا كلامه، ومن ذلك قوله: "والغرض ها هنا أنه لا يُمرض إلا الله ولا يُعافي سواه، ولا يحيي ولا يميت إلا إياه، وهذه الأسباب التي تحصل منها التأثيرات من حمة وسقم كلها خلق من خلق الله -قال الباحث: في هذه إشارة إلى مرتبة الخلق-، جارية بمشيئته وواقعة بإرداته -مرتبة المشيئة-، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء -مرتبة العلم-، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين -مرتبة الكتابة- " (٢).
المطلب الثالث: أصلا الضلال في القدر:
وهذا الأصلان قد زلت فيهما أقدام، وضلت فيهما أفهام، ونشأ بسببهما الضلال في القدر، وهما مما اتفق عليهما الجبرية والقدرية بالقول بهما على اختلاف مذاهبهم.
١) التسوية بين المشيئة والإرادة وبين الرضا والمحبة:
موضوع الإرادة وهل هي مستلزمة للرضا والمحبة مما خاض فيه أهل الأهواء، وضلوا فيه عن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).
(٢) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٣٦.
[ ٢١٩ ]
الحق، وأدى بهم ضلالهم إلى انحراف خطير جدًا في مسألة القضاء والقدر، وهي مسألة الأمر والنهي، وعلاقة هذه بتلك، والخلاف: هل الإرادة تستلزم الرضا والمحبة؟ وقع على قولين:
القول الأول: إن الإرادة تستلزم الرضا والمحبة:
وهذا قول المعتزلة، والجهمية، وأغلب الأشاعرة، ولكن اتفاق هؤلاء في هذا، لم يجعلهم يتفقون فيما يترتب على ذلك من كون ما يقع من الكفر والمعاصي محبوبًا لله لكونه مرادًا له، بل اختلفوا:
أ- فقالت المعتزلة القدرية: قد علم بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الله يحب الإيمان
والعمل الصالح، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، ولما كان هذا ثابتًا لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه.
يقول عبدالجبار الهمذاني المعتزلي: "ولا يصح أن يقال: إن المحبة غير الإرادة، وإنما استحال ما ذكرناه، لأن كل واحد منهما يحتاج إلى صاحبه" (١)، ثم يقول: "أن كل مَن جازت عليه الإرادة، جازت عليه المحبة، وأنه تعالى إذا صح كونه مريدًا، فيجب كونه محبًا، وكل ما صح أن يريده صح أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته، أوجب قبح إرادته" (٢).
ويقول في الرضا: "وإنما قلنا في الرضا أنه الإرداة، لأنه لو كان غيرها لم يمتنع أن نرضى الشيء وإن لم نُرِده على وجه، أو نريده ويقع على ما أراده، ولا نرضى به على وجه، فإذا بطل ذلك صح أنه الإرادة" (٣).
ب- وقالت الجهمية، ومن معها من الأشاعرة: قد علم بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل ما في الوجود فهو بمشيئته وقدرته، وعلى هذا فالكون كله، قضاؤه وقدره، وطاعته ومعاصيه، وخيره وشره، فهو
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥١، لعبدالجبار الأسد آبادي، تحقيق: محمود قاسم.
(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥٤.
(٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥٦.
[ ٢٢٠ ]
محبوب لله، لأنه مريده وخالقه.
يقول الباقلاني: "واعلم: أنه لا فرق بين الإرادة، والمشيئة، والاختيار، والرضى، والمحبة واعلم: أن الاعتبار في ذلك كله بالمآل لا بالحال، فمن رضى سبحانه عنه لم يزل راضيًا عنه لا يسخط عليه أبدًا، وإن كان في الحال عاصيًا، ومن سخط عليه فلا يزال ساخطًا عليه ولا يرضى عنه أبدًا، وإن كان في الحال مطيعًا" (١).
القول الثاني: إن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة، بل بينهما فرق:
وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، وقد دل على ذلك الشرع والفطرة والعقل.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: من الآية ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: من الآية ١٢٥]، هذا من نصوص المشيئة والإرادة.
ومن نصوص المحبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٠٥] وقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فالآيات الأولى تدل على أن ما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن -كما هو إجماع المسلمين- ثم تدل النصوص الأخرى أن هناك أشياء يكرهها الله، ولا يحبها، ولا يرضاها، فدل ذلك على افتراق المشيئة عن المحبة، والآيات في ذلك كثيرة جدًا.
وقد فطر الله عباده على أن يقولوا: هذا الفعل يحبه الله، وهذا يكرهه الله، وفلان يفعل ما يغضب الله والكل واقع بقدرة الله ومشيئته، فدل على أن هناك فرقًا بينهما.
وأما العقل: فلا يمتنع في بداهة العقول أن يريد الإنسان شيئًا وهو لا يحبه كما في الدواء
_________________
(١) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص ١٣، للباقلاني
[ ٢٢١ ]
وغيره (١).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال: "وهو سبحانه يقدِّر مع كراهته أشياءَ من مقدوراته التي يبغضها ويقضيها ويشاؤها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، فتجتمع الإرادة والكراهة في شيء واحد " (٢).
وهذا القول الذي ذهب إليه أهل السنة من التفريق بين المشيئة والمحبة هو الذي ينجي من الورطة في هذا الأصل العظيم، كما قال ابن القيم: "والذي يكشف هذه الغمة، ويبصر من
هذه العماية، وينجي من هذه الورطة: إنما هو التفريق بين ما فرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين" (٣).
٢) التسوية بين الفعل والمفعول:
وهذا الأصل الثاني الذي نشأ بسببه الخلاف في القدر، وهو هل الخلق هو المخلوق أو غيره؟ فالذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية بناءًا على منع حلول الحوادث، أجابوا عن ذلك بأن قالوا: إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو عين المفعول، وهذا الأصل مما اتفق عليه الجبرية والقدرية، والتزموا بسببه لوازم باطله على اختلاف أقوالهم، فقالت المعتزلة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن القبيح باتفاق المسلمين، فلا تكون فعلًا له، وزعمت الجهمية ومن تبعهم من الأشاعرة أن العبد مجبور على أفعاله، دون أن يكون له اختيار أو أي فعل ينسب إليه، وإنما فعل العبد هو فعل الله، وقد دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم من هؤلاء -أي المائلون إلى الجبر- من قال: إنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ومفعوله وخلقه ومخلوقه وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله، مع أنهم يفرقون في العبد بين الفعل
_________________
(١) انظر: القضاء والقدر ص ٢٩١ - ٢٩٨، د. عبدالرحمن المحمود.
(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.
(٣) مدارج السالكين بين منازل "إياك نعبد وإياك نستعين" (١/ ١٣)، لابن القيم.
[ ٢٢٢ ]
والمفعول، فلهذا عظم النزاع، وأشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها" (١).
وقال في موضع آخر: "ولكن طائفة من أهل الكلام -المثبتين للقدر- ظنوا أن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله، قالوا فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق، ومنهم من قال: بل هي فعلٌ بين فاعلين، ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد فعل صفاته؛ والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق
بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله، ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد ومفعولة للرب " (٢).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة الجماعة من التفريق بين الفعل والمفعول، فقال في معرض رده على السبكي:
"والخلق ليس هو المخلوق تحسبه بل مصدر قائم بالنفس فادر به
وقول كن ليس بالشيء المكوَّنِ والصَّـ ـغيرُ يعرفُ هذا مع تلَعُّبِه" (٣)
وقد تقدم الإشارة إلى ما يتعلق بهذا الأصل في مسألة (تسلسل الحوادث).
المطلب الرابع: الأحكام الشرعية والأحكام القدرية:
ومن مزلات الأقدام ومضلات الأفهام منازعة الأحكام الشرعية بالأحكام القدرية، وقد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٩ - ١٢٠).
(٣) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧٤.
[ ٢٢٣ ]
حارت القدرية في الجمع بينهما، وقد فصل شيخ الإسلام أقوالهم فيها إلا ثلاثة أصناف:
١ - القدرية المشركية: وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: من الآية ١٤٨]، فهؤلاء يئول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع العقوبات، ويكثر هذا المذهب عند غلاة الصوفية، وهذا حاصل مذهب الجبرية، وهؤلاء شر الخلق.
٢ - القدرية المجوسية: الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وغلا بعضهم فقال: ولا يعلمها، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرة الله ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة، ويزعمون أن هذا هو العدل، وهذا قول المعتزلة، والشيعة المتأخرين، وهؤلاء أقرب إلى الكتاب والسنة والدين من القدرية المشركية، المعطلة للأمر والنهي.
٣ - القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران الشرعي والقدري، لكن عندهم هذا تناقض وهم خصماء الله كما جاء في الحديث، ويكثر هذا عند بعض سفهاء الشعراء، ونحوهم من الزنادقة (١).
وأما مذهب أهل السنة والجماعة فهو التصديق بالقدر والخلق، والتصديق بالشرع والوعيد، فقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] إثبات للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه، لِيعلم أنها هي الفاجرة والمتقية، وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] إثبات لفعل العبد والوعد والوعيد بفلاح من زكى نفسه، وخيبة من دساها، وهذا صريح في الرد على القدرية المجوسية وعلى الجبرية، وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] والتسوية: التعديل، فبيَّن أنه عادل في تسوية النفس التي ألهمها
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦ - ٢٦٠)، (١٦/ ٢٣٩).
[ ٢٢٤ ]
فجورها وتقواها (١).
وقد قرر جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة من الإيمان بالأحكام الشرعية والأحكام القدرية والتسليم لهما، فقال في منظومته في الاعتقاد:
"وما جاء من خير وشر مقدَّر كذلك ما يأتي من الحلو والمر
ولو شاء لا يعصى تقدس ذكره لما خلق الشيطان في سالف العصر
ولا أمر إلا من كتاب وسنة كذا الضد كالتحليل للشيء والحِظر" (٢).
فالبيت الأول والثاني فيه رد على القدرية المجوسية الذين قالوا: خالق الخير غير خالق الشر، وأن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى؛ والبيت الثالث فيه رد على القدرية المشركية الذين عطلوا الشرائع والأمر والنهي.
المطلب الخامس: السبب والمسبب:
تأثير الأسباب في المسببات أمر معلوم بالعقل والمشاهدة، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: من الآية ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: من الآية ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: من الآية ١٤] وغيرها من الآيات.
والله ﷾ هو خالق السبب والمسبَّب، فلا يجوز نسبة الانفراد بالخلق في صفة الفعل لغير الله تعالى، فمثل هذه الإضافة بالانفراد لا تخرج في حكمها عن كونها شركًا في الربوبية.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٤٢ - ٢٤٤).
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.
[ ٢٢٥ ]
وعلى الضد من ذلك يدخل في الانحراف -أيضًا- نفي التأثير للأشياء التي جعلها الله تعالى أسبابًا ووسائط على المسبّبات.
وقد ضل في هذه المسألة الأشاعرة والمعتزلة على اختلاف مذاهبهم.
فأما الأشاعرة فقد نحوا منحى الجبرية، حيث لا يثبتون في المخلوقات قوًى وطبائع، ويقولون: إنَّ الله فعل عندها لا بها، وإنَّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل، فليس في النار قوة الإحراق لكن عند وجود النار يخلق الله الإحراق بلا تأثير من النار، وليس في الماء قوة الإغراق، وإنما عند وجود الماء يخلق الله الإغراق بلا تأثير من الماء، ولا في السكِّين قوة القطع، وإنما عند
وجود السكين يخلق الله القطع بلا تأثير من السكين، ولا في الماء والخبز قوة الرَّي والتغذِّي به، وإنما عند وجود الماء والخبز يخلق الله الرَّي والتغذيةَ بلا تأثير من الماء والخبز، ونحو ذلك مما قد أجرى الله العادة بخلق المسبَّبات عند وجود هذه الأسباب.
وهذا المعنى -بلا شك- طردٌ لعقيدة الجبرية على قاعدة: «أنه لا فاعل إلا الله».
وعلى النقيض من هذا المذهب ما قررته القدرية من أنَّ العبد هو الموجِد لفعله، ويضاف إليه الانفراد بالتأثير، وكذا الأسباب فهي مؤثرة بذاتها من غير أن يكون لله تقدير ومشيئة.
وأما وأهل السنة لا ينكرون تأثير القوى والطبائع في مسبَّباتها، والله تعالى خالق السبب والمسبَّب، وحدوث المسبَّب بالسبب لا عند السبب، فرجع الكل إلى محض خلق الله وأمره وفضله ورحمته، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية -﵀-: "فالذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير الأسباب في مسبَّباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات، والأسباب ليست مستقلة بالمسبَّبات، بل لا بدَّ لها من أسباب أُخَر تعاونها، ولها -مع ذلك- أضداد تمانعها، والمسبَّب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره" (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨).
[ ٢٢٦ ]
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال:
"واعلم أن الأسباب تؤثر في المخلوقات بما أودع الله تعالى فيها من الحكم الغامضة، إذا شاء أن يُؤثر، وقد أجرى العادة بأشياء من ذلك كما جعل حرَّ الشمس منضجًا للثمار، وبرد الليل والرياح الشمال مربية للزروع والحبوب، ونور القمر منضج للخضروات ونحوها، وجعل رياح الجنوب مؤذية لذلك، مع أنها لواقح للسحاب والشجر في منافع أخر، وهذه أمور قد عرفها من يباشرها من أرباب الزراعات.
واعلم أنه ليس كلما وقعت هذه الحوادث أثرت هذا التأثير، لأنها ليست لها قوة تفعلها بنفسها، ولكن إذا شاء الله أن يفعل بها شيئًا من ذلك فعله إذا شاء، ألا ترى أن العادة قد جرت بأن المطر يُنبت به النباتُ فإذا لم يُرد الله أن يُنبت لم ينفع كثرة المطر، كما جاء في الحديث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ليس السنة أن لا تمطروا، إنما السنة أن تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا»، فهذه الأشياء كذلك، على أن المؤثرات في العالم من أكل الأشياء وشربها وشم أريجها ومقارنتها وملابستها واستعمالها، كذلك بمشيئة الله تعالى وهذه الأشياء في كثير من هذا الباب قد عُرفَت بالاستقراء والتتبع في العادات، تفعل هذه الأفعال غالبًا، وقد تختل هذه فيها، ولو كان ذلك من فعلها أنفُسها لما انخرمت القاعدة فيها، ولكن بمشيئة الله تعالى، فإذا شاء أن يمضي حكمه في شيء أمضاه" (١).
المطلب السادس: آجال الخلائق:
الأجل: هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل (٢)، فإن أجل الشيء هو نهاية عمره، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل نهاية العمر بالانقضاء (٣).
_________________
(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٢٧ - ٢٩.
(٢) لسان العرب (١١/ ١١).
(٣) مجموع الفتاوى) ٨/ ٥١٦).
[ ٢٢٧ ]
ولقد وقع النزاع بين أهل السنة وأهل البدع في هذه المسألة امتدادًا للنزاع في أفعال المخلوقين، واختلفوا بالجواب عن مسائلها، وهي: إذا كان الله قد قدر لعبدٍ من عباده أجلًا ما فقتل قبل غاية أجله، فهل كانت حياته تمتد به حتى أجلها لو لم يقتل؟ بمعنى هل القاتل خرم على المقتول حياته ولولا القتل لعاش أجله؟ وهل صحيح لو صبر القاتل على المقتول لمات لوحده؟ .
فقال بعض المعتزلة: إنه كان يعيش، وأن المقتول مقطوع عليه أجله، وقالوا: لو كان المقتول
قُتل بأجله فأين الظلم ممن قد استوفى كل أجله وفنيت حياته، وقال بعض نفاة الأسباب من الجبرية: إنه يموت وجزموا في ذلك (١)، وكلاهما خطأ.
وأجاب أهل السنة: بأنه لا فرق بين أجل من مات حتف أنفه وبين من مات قتلًا، فأجلهما في علم الله واحد لا يتقدم ولا يتأخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، وأن القتل هو سبب من أسباب كثيرة وذريعة من ذرائع الموت لا يقع بها الموت إلا بإذن الله، ولهذا ورد في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، قال الشوكاني: "هذا كلام مستأنف يتضمن الحث على الجهاد والإعلام بأن الموت لا بد منه ومعنى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضاء الله وقدره، وقيل: إن هذه الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله - ﷺ - فبين لهم أن الموت بالقتل أو بغيره منوط بإذن الله" (٢).
وأما القاتل إن كان قَتل بغير حق فإنه ظالم لتعديه على الحكم الشرعي.
وأما قول نفاة الأسباب من الجبرية: "لو صبر القاتل على المقتول لمات وحده" فغير
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧).
(٢) فتح القدير (١/ ٥٨١).
[ ٢٢٨ ]
صحيح، والصواب عدم القطع، والحكم بالإمكان والجواز.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن، أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا: إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل، وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب، بل القاتل: إن
قتل قتيلًا أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا حرمه الله ورسوله كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية إنه كان يعيش، وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت، وكلاهما خطأ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه، فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يُقتل، أمكن أن يكون قدَّر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قدَّر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين التقدرين على التقدير الذي لا يكون جهل، وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كان يموت أو يرزق شيئًا آخر" (١).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري -﵀- مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال: "وكل من مات بمرض أو غرق أو جرف أو هدم أو قتل أو في وباء أو بطاعون أو غير ذلك من أسباب الهلاك، فإنما يموت بأجله، لم يكن ليتأخر عن أجله ولا ليتقدم قبل أجله، والدليل عليه الكتاب والسنة.
فالكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٤] وذمَّ سبحانه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٦ - ٥١٨).
[ ٢٢٩ ]
قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٦]، وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، فرد الله عليهم وأكذبهم وبيَّن خطأهم بقوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤]، وبقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وبقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٧٨]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، وبقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر: ٥].
وهذه الآيات -كما ترى- قد دلت على أن الإنسان لا يتأخر ولا يتقدم عن أجله، ولا يقع إلا على الوجه الذي أعلمه الله تعالى أن يموت فيه.
وأما السنة: فما روى ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «يمكث خلق أحدكم نطفة أربعين يومًا، ثم علقة أربعين يومًا -إلى أن قال: - ثم يقول الملك: ما رزقه؟ ما أجله؟ أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله، ويكتب الملك».
وقوله - ﵇ -: «فرغ ربنا من أربع: الخَلق والخُلق والأجل والرزق» فعليك باتباع الأخبار النبوية، والإعراض عن الآراء الجاهلية، فإنه متى بدرت فرسان النصوص في ميدان البحث، تنكست حينئذ رايات الرأي على وجه الثرى، وفرت صناديد الجدل لوجوهها ذُللًا لهيبة من يَرى ولا يُرى، فنسأل الله تعالى السلامة من بلائه، والتسليم لأمره وقضاءه، والقبول لما أنزله على رسله وأنبيائه، والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه من أوله إلى انتهائه" (١).
_________________
(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٧٩ - ٨٤.
[ ٢٣٠ ]
المطلب السابع: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي:
من المعلوم أن كثيرًا من الكافرين والمشركين الضالين، والمقصرين في عبادة الله، والمنحرفين عن منهج الله، قد وجدوا مجالًا للاحتجاج به على كفرهم وفسادهم وتقصيرهم، وتوهموا التعارض بين الشرع -المقتضي للتكليف ثم الحساب والجزاء- والقدر المقتضي لكمال ربوبيته تعالى ونفوذ مشيئته وكمال قدرته في خلقه، ولذلك ورد في أقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعًا ويدحض حججهم كلها، ومن ذلك ما يلي:
١ - أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل، ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا: أن الواحد من هؤلاء إما يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعًا كذابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات، وترك الواجبات، لزمهم ألا يذموا أحدًا، ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحدًا فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع.
وهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات، ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم، وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله ﷾ لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط، وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقًا لهم، ولا مخالفة أمرهم.
[ ٢٣١ ]
٢ - أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس، وفرعون، وقوم نوح، وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذورًا، ويلزم أيضًا ألا يفرق بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان، وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة.
ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله.
٣ - أن الله ﷾ خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه، وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريدًا للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريدًا قادرًا فاحتجاجه بالقدر باطل.
وينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يَرِد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يَرِد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل.
٤ - وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلومًا أن الله قد علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع إلخ، ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعًا فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين؛ إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة، وفلانًا يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولًا باطلًا متناقضًا، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضًا لما علمه الله وقدره، وهذا
[ ٢٣٢ ]
شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة، وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني.
ومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول الاحتجاج بالقدر (١).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة من التسليم والاستسلام لله تعالى في كل ما يقضيه ويقدره، وفي كل ما يشرعه ويأمر به وينهى عنه، ومن التحذير من
الاحتجاج بالقدر، ومن ذلك قوله:
"ولا نجعل التقدير للذنب حجة لنا بل علينا حجة الله بالنذر" (٢).
_________________
(١) انظر: القضاء والقدر، ص ٤١٣ - ٤٢٠.
(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.
[ ٢٣٣ ]