نظرًا لأهمية معرفة الخصائص والسمات التي يقوم عليها منهج السلف، وذلك للاسترشاد بها في فهم هذا المنهج فهمًا صحيحًا، للسير على نهجه وتطبيقه، وللتعرف على أصحابه للتمييز بينهم وبين أصحاب سائر الاتجاهات الأخرى التي تدعَّى الانتساب إلى السلف الصالح، وحتى لا ينسب للسلف ومنهجهم ما ليس منه مما يصدر عن بعض ممن ينتسب لهم إما باجتهاد منه أو خطأ أو زلة أو غير ذلك. وسأذكر أهم تلك الخصائص والسمات، وسيكون ذلك في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:
يمتاز منهج السلف في الدفاع عن العقيدة بخصائص وسمات كثيرة منها:
أولًا: الاستدلال بالكتاب والسنة:
وهذا من أهم الخصائص التي يقوم عليها منهج السلف ولذا تجدهم يجمعون على الاستدلال بالكتاب والسنة في كافة أمورهم وفي جميع مسائل وقضايا الاعتقاد والتشريع والسلوك، وذلك باعتبارهما وحيًا من الله -﷿- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فهم يستدلون بالكتاب والسنة لإيمانهم الجازم ويقينهم القاطع بأن كل ما جاء به الرسول ﷺ حق وصدق، وأن ما خالفه وعارضه باطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلًا ولا مخالفًا لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عرض شيئًا من أخباره وناقضه فإنه باطل" (^١).
وكذلك لإيمانهم بكمال هذا الدين وبأن أصوله وفروعه ودلائله ومسائله قد جاء بيانها في الكتاب والسنة بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٢٥٥.
[ ٢٠ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " إن رسول الله ﷺ بين جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا" (^١).
ولذلك تجد أن السلف اعتنوا بالكتاب والسنة عناية فائقة تدل على صدق اعتمادهم عليهما، وذلك بحفظها وشرحها ودراستها وتفسيرها والرجوع إليها وتميز صحيح السنة من سقيمها.
ثم هم عند التنازع يردون إليهما امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله" (^٢).
ثانيًا: الأخذ بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان:
من خصائص منهج السلف الرجوع إلى فهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ممن لزم منهجهم واقتفى أثرهم في تفسير نصوص الكتاب والسنة، والأخذ بأقوالهم والاسترشاد بها.
فهم خير أمة محمد ﷺ، فقد شاهد الصحابة ﵃ التنزيل وعاصروه ولازموا رسول الله ﷺ وسمعوا منه وتلقوا عنه وحفظوا مقالته ورعوها ثم نقولها إلى من بعدهم كما سمعوها وفهموها، ولذا فهم أفقه الأمة وأعلمهم بمراد الله ورسوله ﷺ.
وكان السلف إذا اشتد الخلاف بينهم وبين معارضيهم من أصحاب المذاهب والاتجاهات المنحرفة يدعونهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة الأولى، ومن ذلك على سبيل المثال قول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مناظراته في العقيدة الواسطية: " قد أمهلت من خالفني في شيء منها -يعني عقيدة السلف الصالح- ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٩/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٢) المرجع السابق: ٣/ ٣٤٧.
(٣) مجموعة الرسائل الكبرى: ١/ ٤١٧.
[ ٢١ ]
ويقول أيضا في الأخذ بأقوال أهل القرون الثلاثة الأولى: " معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خير وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] " (^١).
ثالثًا: الاستدلال بالأدلة العقلية والفطرة:
فالعقل السليم والفطرة مؤيدان يوافقان الكتاب والسنة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل، فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته وضرورة طاعته وعبادته واتصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم.
كما أن العقل والفطرة السليمين يدركان ضرورة النبوات وإرسال الرسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال كذلك، على الإجمال لا على التفصيل.
والرسول الكريم ﷺ جاء مؤيدًا من ربه بالحجج والبراهين العقلية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]، فأخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله بالحق والبيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفا ًوإيضاحًا للحق من قياسهم (^٢).
يقول ابن تيمية -﵀-: " إن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٤ - ٢٥.
(٢) انظر: نقض المنطق، لابن تيمية: ٨٩.
(٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٠٤.
[ ٢٢ ]
وقد استخدم السلف الأدلة والحجج العقلية المستنبطة من القرآن الكريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن السلف: " وكانوا يستعملون القياس العقلي على النحو الذي ورد به القرآن في الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس، فإن الله ضرب للناس في القرآن من كل مثل، وبين بالأقيسة العقلية المقبولة بالعقل الصريح من المطالب الإلهية والمقاصد الربانية ما لا تصل إليه آراء هؤلاء المتكلمين في المسائل والوسائل، في الأحكام والدلائل" (^١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -﵀- مبينًا استخدام السلف للأقيسة العقلية في معرض كلامه عن كتاب الإمام أحمد -﵀- "الرد على الزنادقة والجهمية: " وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه ويبين بطلانها بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة والأدلة العقلية الصريحة، وصنف في ذلك كتابه المعروف في الرد على الزنادقة والجهمية" (^٢).
والسنة كالقرآن في ذلك، فبهما تتبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويتبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (^٣).
ومن أمثلة استخدام السلف للأدلة العقلية المستنبطة من النصوص الشرعية: استخدامهم لقياس الأولى (^٤). يقول شيخ لإسلام ابن تيمية -﵀-: " كان السلف والأئمة يستعملون قياس الأولى في المطالب الإلهية، كما استعمله الإمام احمد ومن قبله ومن بعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل هذا القياس جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد" (^٥).
ومن ذلك أيضًا استخدامهم دلالات الأنفس والآفاق والمعجزات في الاستدلال على الله -﷿- ومعرفته، وفي هذا يقول ابن الوزير اليماني -﵀-: "دلالة الأنفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات كلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم" (^٦).
أما الفطرة " فالناس مفطورون على العلم بالقوانين العقلية، التي لا ينازع فيها أحد من عقلاء بني آدم، لأن مبني العقل على صحة الفطرة وسلامتها" (^٧).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١/ ٣٢٦.
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد الأعلام: ٣/ ١٢٠.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين، لابن تيمية: ٣٨٢.
(٤) انظر: المرجع السابق: ١٥٠، والتدمرية: ٥٠.
(٥) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٣٠.
(٦) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لأبي عبدالله محمد بن المرتضى اليماني: ٤٥ - ٥٧.
(٧) انظر: الرد على المنطقيين: ٣٢٣.
[ ٢٣ ]
لذلك قد أودع الله تعالى قلوب بني آدم من المعارف الفطرية الضرورية ما يفرقون به بين الحق والباطل، وما يجعلها مستعدة لإدراك الحقائق، ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من هذا الاستعداد والتمكن، ما أفاد النظر ولا الاستدلال ولا البرهان، كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا هذا الاستعداد لما أمكن تغذيتها وتربيتها، وأيضًا فكما أن في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل، وأعظم من ذلك (^١).
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تعالى تصديقًا به، وتدينا له، لكن قد يعرض لها ما يفسدها، ويخرجها عما فطرت عليه، والقلب إنما خلق لأجل حب الله، وتعظيمه وعبادته، والإخلاص له، لأن معرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، وقد فطر الله القلوب على قيام هذا المقتضي بها، ولولا ما يعرض لها من الشبهات، والشهوات، لاستمرت عليه، ودانت به، ومع ذلك، فهي تظهر عند حلول الحوادث العظام، والخطوب الجسام، فيجد المشرك نفسه تستغيث بالله تعالى، طبعًا وجبلة، لا تكلفًا وحيلة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٧]، ولهذا لم تأت الرسل لتعريف الناس بالخالق ووجوده، وإنما أتت للدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وأتت لبيان أمر العبودية، وتفصيله على نحو لا تستقل الفطرة بالعلم به، وإن كانت أصل العبودية معلومة في الفطر، فالشرائع: أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم، وهذا كله مركوز في الفطر، وكماله وتفصيله وتبيينه موقوف على الرسل (^٢).
والمقصود بيان أن الإسلام بعقائده وشرائعه هو دين الفطرة، فكل مسألة من مسائله يوجد في الفطرة ما يؤيدها ويشهد لصحتها، إما صراحة وذلك في الأصول الكبار، أو الإحالة، بمعنى أن الفطرة لا تنفر من ذلك، وهذا في تفاصيل تلك الأصول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٦٢.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٥٢٨، ١٠/ ١٣٤ - ١٣٥، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم: ٤٠٤.
[ ٢٤ ]
رابعًا: رد الأفكار والتأويلات الباطلة:
والمقصود به: تأويل المتكلمين للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وصرفها عن ظاهرها ومعناها الراجح إلى المعنى المرجوح استنادًا على العقل وحده، كي توافق مقتضى عقولهم وتبدوا مسايره لأهوائهم.
وقد رفض علماء السلف هذا التأويل رفضًا قاطعًا، وانكروه واعتبروه تأويلًا باطلًا وتحريفًا لكلام الله وكلام رسوله ﷺ، لما يتضمنه ويلزم منه من أمور كثيرة باطلة.
قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة - ﵀-: " إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنًا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله في تنزيله ونبيه الرسول ﷺ عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود وترك التمثيل والتكييف" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -﵀-: " أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين، والتأويل المردود: هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره ..، وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها" (^٢).
ولذلك كله هجر السلف طريقهم وأنكروه وحذروا الأمة المحمدية من سلوك طريقه وهي التي كان يسميها السلف مقالة الجهمية، والذي هيأ المتكلمون لانتشارها عن طريق تبني بعض أفكارها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذًا عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن -بل نفس عاقل- أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" (^٣).
خامسًا: تقدير المصلحة والمفسدة في الرد:
إن من قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات وأكبر الأصنام ولا يغيرها، وترك المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
والتعامل مع كل مخالف منوط بهذه القاعدة فلا يسوغ الرد عليه إذا ترتب على ذلك مفسدة كبرى، وقد نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لما يترتب على ذلك من مفسدة أعظم من مصلحة سبها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
_________________
(١) ذم التأويل، لابن قدامة المقدسي: ١٨.
(٢) رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: ٣/ ١٨٧.
(٣) المرجع السابق: ٥/ ٢٥.
[ ٢٥ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -﵀-: " إذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقى الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية" (^١).
وقال ابن القيم﵀-: " إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله" (^٢).
وقال الإمام مسلم -﵀- في مقدمته لصحيحه: " وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول وهو لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا، لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه، غير أنا تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله".
قال الشيخ محمد بن عثيمين -﵀- في تعليقه على هذا الكلام " هذا صحيح، وذلك أنك إذا أردت الشيء ينتشر فرد عليه، يأخذ الناس هذا الرد ويتجادلون فيه، فيكون في هذا الرد نشرًا للقول، لكن يخشى لو تركناه لاغتر به الجهال، فكان مقتضى النصيحة أن يذكر، وكونه يشتهر بأنه ضعيف وأنه مردود عليه خير من كونه يسكت عنه" (^٣).
سادسًا: ترك الجدال والمراء والخصومة في الدين:
من منهج السلف ﵏ ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين امتثالًا لقول الله تعالى في ذم المجادلة بالباطل: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا﴾ " (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٦٤.
(٢) أعلام الموقعين: ٣/ ٤.
(٣) التعليق على صحيح مسلم، للشيخ محمد بن عثيمين: ١/ ٧٢.
(٤) صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: وهو الألد الخصم رقم (٤٥٢٣)، وصحيح مسلم: كتاب العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه عن الاختلاف في القران، رقم (٢٦٦٨).
[ ٢٦ ]
قال ابن رجب -﵀-: "ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريق أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقيين.
وقد أنكر ذلك السلف وورد في الحديث المرفوع في السنن: " ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال" (^١) ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف، آية: ٥٨].
وقال مالك: أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل (^٢).
وكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله -﷿-: ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب.
وقيل له: الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يُخبر بالسنة، فإن قُبل منه وإلا سكت.
وقال: المراء في العلم يُقسي القلب، ويُورث الطعن، وكان يقول في المسائل التي يُسأل عنها كثيرًا: لا أدري، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك" (^٣).
سابعًا: ذم البدع والأهواء:
ومن أبرز سمات منهج السلف -﵏-: محاربتهم للبدع في الدين ونبذها والتحذير منها لمناقضتها لأحد شرطي العبادة، وهو المتابعة للرسول ﷺ فقد روي عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول: " إياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق" (^٤)، وكان يقول: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة" (^٥).
وقال الإمام مالك -﵀-: " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، وفي رواية: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] " (^٦).
ومن سماتهم أيضًا هجر أهل الأهواء والبدع والتشديد في النهي عن مجالستهم أو سماع كلامهم أو عرض شبههم، وذلك إنكارًا للمنكر وتأديبًا وزجرًا لهم حتى يقلعوا عن بدعتهم، ومحاصرة لآرائهم وشبهاتهم، وصيانة
_________________
(١) سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزخرف رقم (٣٢٥٣).
(٢) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي: ٢/ ١٥.
(٣) فضل علم السلف على الخلف: ٣٠ - ٣٢.
(٤) سنن الدارمي، باب: من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع: ٦٦.
(٥) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطه العكبري: ١/ ٣٢٧.
(٦) الاعتصام: ١/ ٦٢.
[ ٢٧ ]
لقلوب المسلمين وحماية لعقولهم منها، فعن عبد الله بن عباس -﵄- أنه كان يقول: " لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب" (^١).
وعن سفيان الثوري -﵀- أنه كان يقول: " من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم" (^٢).
ويقول البغوي -﵀-: " وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم" (^٣).
وقد عني السلف قديمًا وحديثًا بأمر البدع وإنكارها وذمها والتحذير منها، وأفردوا لذلك مصنفات كثيرة تدل على عنايتهم بذلك (^٤).
ثامنًا: الأهلية والاستقامة:
أهلية القائم بالرد في معرفة الحق، وإبرام أدلته، ونصبها دليلًا عليه، وإلا فقد ذم الله تعالى من يحاج بلا علم، فقال سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وفي التزام السلف بهذا الشرط، يقول ابن تيمية -﵀-: " وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يفسده ذلك المُضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل عِلجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.
والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال" (^٥).
أما الاستقامة فإنها: من صفات الكمال، وهي أن يكون القائم بهذا الواجب غير متلبس ببدعة أو فجور، فإن التلبس بشيء من ذلك يصرف القلوب عن قبول أقواله، أو تفتح للخصم هضم الحق بواسطته، والنصوص في هذا كثيرة (^٦).
_________________
(١) كتاب الشريعة، للآجري: ١/ ٤٥٢.
(٢) شرح السنة، للبغوي: ١/ ٢٢٧.
(٣) شرح السنة: ١/ ٢٢٧.
(٤) انظر: تعريف الخلف بمنهج الخلف، لإبراهيم البريكان: ١٦٦ - ١٨٧.
(٥) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٦) الرد على المخالف: ٥٧ - ٥٩ باختصار، وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه، لأحمد جود: ٢٣٩ - ٢٤١.
[ ٢٨ ]
وذلك "أن من يقوم بهذه الوظيفة داع إلى الله تعالى، والداعي ينبغي أن يكون قدوة فيما يدعو إليه، لكن العلماء ذكروا: أن الاستقامة صفة كمال، وليس شرط وجوب أو صحة" (^١).
قال الحافظ النووي -رحمه الله تعالى-: " قال العلماء لا يشترط في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فكيف يباح له الإخلال بالآخر" (^٢).
_________________
(١) انظر: فقه التعامل مع المخالف، د. عبد الله الطريقي: ٣٥.
(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي: ٢/ ٢٣.
[ ٢٩ ]
المبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة:
للسلف -رحمهم الله تعالى- منهج علمي في دفاعهم عن العقيدة، ويتمثل هذا المنهج في عدة أمور:
أولًا: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه:
فمن منهج السلف -﵏- الإيمان المطلق بما جاء عن الله ورسوله ﷺ كما قال الشافعي ﵀: " آمنت بما جاء عن الله، على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ " (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه" (^٢).
قال ربيعة شيخ مالك -﵀-: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البلاغ، وعلى الرسول البيان، وعلينا الإيمان" (^٣).
وقال ابن أبي زيد القيرواني -﵀-: " ونصدق بما جاء عن الله -﷿- في كتابه، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخباره، ونوجب العمل بمحكمه، ونقر بنص مشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله ﷾، والله يعلم من تأويل المتشابه من كتابه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٣] " (^٤).
وهذا الإيمان غير موقوف على فهم المعنى وإدراكه، لأن عقول البشر قاصرة عن إدراك جميع المعاني والإحاطة بها، ولأن الخبر إذا جاء عن الله ورسوله لم نحتج في إيماننا أن نحيط بمعناه، بل نصدقه ونؤمن به. يقول شيخ الإسلام -﵀-: " إن ما أخبر به الرسول عن ربّه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه" (^٥).
وقال أبو إسماعيل الصابوني -﵀-: " قرأت في رسالة للشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان"، ومما حكاه عنه" فانتهينا إلى ما أحكم وكففنا عن الذي يتشابه إذ أمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
_________________
(١) انظر: ذم التأويل: ١١، ونقض المنطق: ٢.
(٢) مجموع الفتاوى: ٣/ ٥٧.
(٣) التدمرية: ٩٦ - ٩٨، شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٣٩٧.
(٤) كتاب الجامع في السنن والآداب والحكم والمغازي والتاريخ وغير ذلك، لأبي محمد بن عبدالله القيرواني: ١٤٦.
(٥) الرسالة التدمرية، ضمن مجموع الفتاوى: ٣/ ٤١.
[ ٣٠ ]
الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، كما إنهم يعتقدون أن دلالة النصوص القرآنية والنبوية نص في معناها والمراد منها فإذا أتى البيان من الرسول ﷺ وأصحابه لم يطلب من غيرهما " (^١).
ثانيًا: تقديم النقل على العقل، وعدم معارضة النصوص بالأقيسة العقلية وغيرها:
من منهج السلف -﵏- تقديم النقل على العقل، فالأساس الأول عند السلف هو الشرع، فهو الأسلم والأعلم والأحكم، لأنه لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الشك والضلال، ولا يعتريه التنافر والتناقض، فعليه المعتمد في الدين كله، ويأتي العقل تبعًا له في ذلك.
يقول الشاطبي - ﵀-: " الواجب تقديم ما حقه التقديم وهو الشرع، وتأخير ما حقه التأخير وهو نظر العقل، فلا يصح تقديم الناقص المفتقر حاكمًا على الكامل المستغني، فهذا خلاف المعقول والمنقول" (^٢).
ويقول أيضًا: " لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبيًا من وراء وراء، فهذا هو المذهب للصحابة ﵃، وعليه دأبوا، وإياه اتخذوا طريقًا إلى الجنة فوصلوا" (^٣).
وهم مع تقديمهم للنقل على العقل لا يعارضونه برأي ولا ذوق ولا وجد ولا عقل ولا قياس، ولا يقدمون كلام أحد كائنًا من كان على كلام الله وكلام رسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
وقد نص السلف على هذه القاعدة وأكدوها وحثوا عليها، ومن ذلك أنه روي عن عمر بن عبد العزيز -﵀- أنه قال: " لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ" (^٤).
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أو الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة لإسماعيل الصابوني: ٣٥.
(٢) الاعتصام: ٣/ ٢٢٨.
(٣) المرجع السابق: ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٤) الإبانة عن شريعة الفرق الناجية: ٢٦٢ - ٢٦٣، والشريعة للآجري: ١/ ٤٢٣.
[ ٣١ ]
وروي عن الإمام مالك -﵀ - أنه قال: " والتسليم للسنن، لا تُعارض برأي ولا تدافع بقياس" (^١).
ويقول الإمام الشافعي - ﵀-: " يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله ﷿ قطع العذر بقوله ﷺ" (^٢).
ويؤكد ابن أبي العز الحنفي - ﵀- هذه القاعدة فيقول: " وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان" (^٣).
وتعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح السليم غير متصور أصلًا، بل هو مستحيل، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم، لأنه صادر عن المعصوم ﷺ والعقل لا عصمة له بل هو نظر البشر الناقص (^٤)، وهو معرض للوهم والخطأ والنسيان والهوى والجهل والعجز، فهو قطعًا ناقص (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل نقيضها الموافق للشرع.
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ " (^٦).
ويقول أيضًا: " إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين عقلية" (^٧).
_________________
(١) الجامع في السنن والآداب والمغازي: ١٤٨.
(٢) الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي: ٢/ ١٩٢.
(٣) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية: ٣٤١.
(٤) انظر: درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ٨٨ - ٢٨٠.
(٥) بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة، وموقف الأشاعرة والحركات الإسلامية المعاصرة منها، د. ناصر العقل: ٣٢.
(٦) درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ١٤٧.
(٧) المرجع السابق: ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ٣٢ ]
ولا يفهم من هذا أن السلف يهملون العقل ويقللون من أهميته ويعطلون وظيفته، بل إنهم -﵏- يحترمون العقل ويقدرونه قدره ويعرفون له قيمته وفضله، لاعتقادهم بأن فهم نصوص الكتاب والسنة يحتاج إلى قلب يتدبر وعقل يفكر، إلا أنهم يرفضون الغلو في تقدير العقل وتمجيده، كما يرفضون إعماله في غير مجاله الذي حدده له الشارع الحكيم وإقحامه فيما ليس في مقدوره واستطاعته أن يحكم فيه (^١).
ثالثا: الاستدلال باللغة:
وقد اهتم السلف اهتمامًا بالغًا بكتب اللغة: ومن ذلك ما رواه ابن بطة في الإبانة بسنده عن أحد طلاب الإمام أحمد - ﵀- قال: " طلب مني أبو عبد الله -وهو في السجن- كتاب حمزة في العربية، فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن" (^٢). وقال الإمام أحمد - ﵀-: " كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمر الشيباني" (^٣).
وقد ظهرت بجلاء استدلالات أهل السنة والجماعة باللغة العربية في مصنفاتهم في الاعتقاد، وقد تنوعت طرقهم وأساليبهم في ذلك الاحتجاج والاستدلال والرد على المخالفين؛ بل إنهم يوردون حجج المخالفين اللغوية ويردون عليها أداء للأمانة العلمية ولبيان ضعف استدلال المخالف باللغة وبطلانه، ويبينون المعاني الصحيحة لبعض الكلمات والألفاظ، ويضربون الأمثلة لتوضيح وتقريب المعاني اللغوية (^٤).
رابعًا: التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن القائل، وقد يذكرونه أحيانًا:
إن من منهج السلف في الدفاع عن العقيدة التركيز على بيان الحق ورد الشبه، بغض النظر عن قائلها، وقد يحتاجون في بعض الأحيان إلى التعيين إذا ترتب على ذلك مصلحة.
يوضح ذلك الشيخ بكر أبو زيد -﵀- فيقول: " الأصل هو الستر، والعمل على دفع دواعي الفرقة والوحشة وعدم الموافقة، فالرد يَنْصبُ على المقالة المخالفة المذمومة لا على قائلها وتعيين اسم قائلها حسب مقتضى الأحوال منها:
أ- التعيين إذا كانت المقالة فاحشة جدًا كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين القائل بها، كما عين رسول الله ﷺ الخوارج، وذكر علاماتهم، وحذر منهم، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة بل أشد منه بحسب نظر المجتهد، كالبعثيين، والعلمانيين، والحداثيين.
ب- التعيين إذا كانت الفرقة تدعوا إلى ضلالتها، وتزينها في قلوب العوام، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس فلابد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة" (^٥).
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة العكبري: ٢/ ٢٦٤.
(٣) الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد: ١٩٦.
(٤) انظر: منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة: ١/ ٦٤٠ - ٦٥٩.
(٥) الرد على المخالف: ٦٣ - ٦٤.
[ ٣٣ ]
خامسًا: الالتزام بالمصطلحات الشرعية:
قضية ضبط المصطلحات أمر نبه القرآن الكريم عليه المؤمنين في وقت نزول الوحي، فقد نهى الله - ﷿- المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾، وأمرهم أن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وذلك أن اليهود كانت تستخدم كلمة ﴿رَاعِنَا﴾ لمعنى فاسد يحمل مسبة للنبي ﷺ.
وأخبر النبي ﷺ عن أناس يأتون في أخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها (^١).
ويتلخص موقف أهل السنة من أمر المصطلحات التي تنسب إلى الأنبياء أو السلف أو إلى الخصوم بما يلي:
١ - التأكد من صحة نسبة المصطلح ومعناه:
قال شيخ الإسلام - ﵀-: " المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله" (^٢)، والأمر في هذا أن العلم يحتاج إلى نقل مصدق، ونظر محقق (^٣).
٢ - اتباع المنقول من المصطلحات:
وذلك أن اتباع ألفاظ الكتاب والسنة أولى من أي ألفاظ أخرى في تقرير أمور الدين؛ لأن ذلك يؤدي إلى موافقة النصوص لفظًا ومعنًا.
٣ - فهم المصطلحات:
وذلك بمعرفة دلالة المصطلح ومعرفة مراد المتكلم به، "وذلك أن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون بعد انقراض عصر الذين خاطبهم بلغته وعادته (^٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
_________________
(١) سنن أبي داود: كتاب الأشربة، باب في الداذي، رقم (٣٦٨٨).
(٢) مجموع الفتاوى: ١/ ٢٤٦.
(٣) المرجع السابق: ١/ ٢٤٦.
(٤) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ١٢٣، منهج ابن تيمية في الدعوة، د. عبد الله بن رشيد الحوشاني: ١/ ٨٧ - ٨٩.
[ ٣٤ ]
٤ - الاستفسار والاستفصال عند الإجمال:
يلتزم السلف إزاء الألفاظ المجملة التي يوردها أهل الباطل بهذه القاعدة فلا يوافقون على إثبات لفظ مجمل أو نفيه، إلا بعد الاستفسار عن مراد صاحبه، وذلك كألفاظ الجوهر، والجسم، والجهة، وهي من الألفاظ المبتدعة عند أهل الأهواء وأهل الكتاب، فإن كان المعنى حقٌ؛ قبلوا المعنى وردوا اللفظ، وإن كان المعنى باطلٌ ردوا اللفظ والمعنى.
قال ابن أبي العز -﵀- في شرح الطحاوية في تعليقه على كلام الطحاوي: " تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات"، قال: " أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة
وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره" (^٢).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية: ١٨٩.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٢/ ١١٣ - ١١٤.
[ ٣٥ ]
وقال أيضًا: " وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى" (^١).
٥ - مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم:
ويستثنى مما سبق مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم عند الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة .. " (^٢)، لاسيما "إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة، مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات، أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء، فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من كلام على المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم " (^٣).
سادسًا: وضوح الأسلوب وحسن الصياغة:
يمتاز المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة بالوضوح والبيان، وخلوه من التعارض والتناقض والغموض والفلسفة والتعقيد في ألفاظه ومعانيه لأنه مستمد من كلام الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
قال ابن رجب -﵀-: " ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر، يُفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.
وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب، في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
_________________
(١) التدمرية: ٦٥ - ٦٦.
(٢) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٤٣.
(٣) المرجع السابق: ١/ ٢٢١، وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه: ٢٤٧ - ٢٥١.
[ ٣٦ ]
فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال؛ ولكنه نور يُقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويُعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد وأما كثرة القول وتشقيق الكلام فإنه مذموم" (^١).
سابعًا: توثيق الكلام المردود عليه من كتبهم والتثبت من ذلك:
فمن منهج السلف توثيق كلام المردود عليهم من كتبهم، والرجوع إلى مصادرها، لا من الكتب التي ترد عليهم، أو تحكي عنهم، أو فيما يقال عنهم فهذه مصادر ثانوية، والتثبت من نسبته إليهم (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في رده على النصارى: " وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلًا، واتبع كلّ فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا، وعقدًا وحلًا" (^٣).
أما التثبت فقد أمر الشرع به، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
والمراد بالتبين: التعرف والتبصر والأناة وعدم العجلة حتى يتضح الأمر ويظهر، وهذا يحصل في النقل والمنقول، فلا بد من التحقق من صدق الناقل وسلامته، ولذا قال النبي ﷺ: " بئس مطية الرجل زعموا" (^٤).
وقال ابن تيمية -﵀-: " من أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب" (^٥).
_________________
(١) فضل علم السلف على الخلف: ٣٤ - ٣٨، وانظر: الرد على المخالف: ٦٧ - ٧٠.
(٢) الرد على المخالف: ٥٩، ولمعرفة صور دقتهم في ذلك انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه: ٢٢٩ - ٢٣٣.
(٣) الجواب الصحيح: ١/ ٦٨.
(٤) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في قول الرجل زعموا، رقم (٤٩٧٢)، مسند الإمام أحمد: ٤/ ١١٩.
(٥) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٤٠٣.
[ ٣٧ ]
المبحث الثالث: المنهج الأخلاقي عند السلف في الدفاع عن العقيدة:
إن من القضايا التي ينبغي الاعتناء بها علمًا وعملًا موضوع الصفات السلوكية والأخلاقية عند أهل السنة والجماعة وخصوصًا عند الرد على المخالف؛ لما يترتب على ذلك من بيان الحق وقبوله لدى المخالف، وبما يحصل به من الائتلاف وعدم التفرق؛ لأن المقصود هو بيان الحق وهداية الخلق.
ولقد اعتنى السلف الصالح بالجانب السلوكي الأخلاقي علمًا وفقهًا، كما حققوه عملًا وهديًا، بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة، وعلى سبيل المثال فهذا قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني - ﵀- يقول: " ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرز من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحاب في الله -﷿-، واتقاء الجدال والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم، والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وغض الطرف عن الريبة والحرمات، ومنع النفس عن الشهوات، وترك شهادة الزور وقذف المحصنات، وإمساك اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم الغيظ، والصفح عن زلل الإخوان، والمسابقة إلى فعل الخيرات، والإمساك عن الشبهات، وصلة الأرحام، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله، والشفقة على خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة القرآن، والبدار إلى أداء الصلوات" (^١).
والحديث عن تلك الصفات السلوكية حديث طويل ولكن أشير إلى بعض تلك الصفات المهمة: -
أولًا: العدل والإنصاف (^٢):
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
وقد كان الصحابة، والسلف الصالح ومن بعدهم خير مثال في هذا، فهذا عبد الله بن رواحه ﵁ لما بعثه النبي ﷺ ليخرص على أهل خيبر - من اليهود- ثمارهم، وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: " والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: فبهذا قامت السموات والأرض" (^٣).
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لقوام السنة أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني: ٢/ ٥٢٨.
(٢) انظر: إنصاف أهل السنة والجماعة ومعاملتهم لمخالفيهم، لمحمد بن صالح العلي: ١٧ - ٢٩.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٣.
[ ٣٨ ]
يقول الفاروق عمر ﵁ عن النصارى: " أهينوهم، ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر" (^١).
فقول عمر ﵁: "أهينوهم": من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما قوله ﵁: "ولا تظلموهم"، فهذا مقتضى العدل معهم (^٢)، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
"فالله يحب العدل والإنصاف على الموافق، والمخالف، وما يَضُر المتعصب بغير حق إلا نفسه.
قال حاتم الأصم - رحمه الله تعالى -: " معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه".
فبلغ ذلك أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- فقال: " سبحان الله ما أعقله من رجل" (^٣)." (^٤).
وإذا أنصف الإنسان حمله إنصافه على أن يعرف قدر الخطأ، فلا يعطيه أكبر من حقه، كما لا ينسى سابقة قائله، وظروفه التي حملته على فعله، ولا يغيب عنك فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وكيف أن عقوبته منع من ترتبها عليه مشهده العظيم يوم بدر.
قال ابن القيم -﵀-: " من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع" (^٥).
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم: ٢/ ٣٩٨.
(٢) انظر: أحكام أهل الذمة، لابن القيم: ١/ ٢١١.
(٣) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي: ١١/ ٢٥٤.
(٤) الرد على المخالف: ٦٢.
(٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٧٧.
[ ٣٩ ]
ثانيًا: سلامة الصدر:
فالسلف -رحمهم الله تعالى- سالمة صدورهم من الغل والحقد على المخالف؛ وإن كانوا مع ذلك يقومون بما توجبه عليهم الشريعة من الولاء والبراء، والله ﷾ يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، ويقول في وصف عباده المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: الآية ١٣٤].
يقول الإمام أحمد - ﵀-: " كل من ذكرني ففي حلّ إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني المعتصم- في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأمر النبي ﷺ أبا بكر ﵁ بالعفو في قصة مسطح، ثم قال: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيله؟ " (^١).
يقول ابن القيم - ﵀-: " جئت يومًا مبشرًا له -أي ابن تيمية -﵀- - بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له" (^٢).
ولما مرض ابن تيمية -﵀- مرض الوفاة، دخل عليه أحدهم، فاعتذر له، والتمس منه أن يحلله، فأجاب الشيخ﵀-: " إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره معذورًا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لِمَا بلغه مما ظنه حقًا من مبلِّغه، والله يعلم أنه بخلافه وقد أحللتُ كلّ واحدٍ مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوًا لله ورسوله " (^٣).
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٥٢٨.
(٢) مدارج السالكين: ٢/ ٣٤٥.
(٣) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، للحافظ عمر البزار: ٧٤ - ٧٥.
[ ٤٠ ]
ثالثًا: التواضع:
إن من منهج السلف - ﵏- وأخلاقهم في تعاملهم مع المردود عليه أن لا يفخر الراد على المردود عليه، ولا المنتصر على المنتصر عليه، ولا يتكبر عليه، فإن الفخر والتكبر ليس من شأن أهل الإسلام، فإن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر" ثم فسر الكبر بأنه "بطر الحق" يعني جحد الحق، " وغمط الناس" (^١) يعني احتقارهم، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: " إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد" (^٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].
فالسلف ﵏ لا يجحدون الحق، ولا يتكبرون على الخلق، قال الإمامان محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن إبراهيم في رسالتيهما إلى أبي الوفاء الهندي: " وغير خاف عليكم أن كل ذي دين وإنصاف أبعد شيء عن الأنفة والاستنكار ومن أحب الناس إليه من يعرفه عيبه ويوقفه عليه" (^٣).
فالسلف يقبلون الحق من كل من جاء به، وفي ذلك يقول معاذ بن جبل ﵁: " اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا -أو قال فاجرًا- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: على الحق نور" (^٤).
وقال ابن تيمية -﵀-: " والله أمرنا ألا نقول إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني - فضلًا عن الرافضي- قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق" (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، رقم (٩١).
(٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٢٨٦٥).
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبدالرحمن بن قاسم: ١٣/ ٥٢.
(٤) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: لزوم السنة، رقم (٣٩٩٥).
(٥) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٣٤٢.
[ ٤١ ]
رابعًا: إحسان الظن بالمخالف:
من منهج السلف -رحمهم الله تعالى- إحسان الظن بالمخالف، وخصوصًا ممن عرف بالصلاح والبحث عن الحق، فقد أمرنا الله بذلك فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال عمر بن الخطاب ﵁: " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا" (^١).
وعن سعيد بن المسيب -﵀ - قال: كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ: " أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا .. " (^٢).
ودخل الربيع بن سليمان أحد تلامذة الإمام الشافعي على الشافعي وهو مريض، فقال له: "قوَّى الله ضعفك". فقال الشافعي: "لو قوى ضعفي لقتلني"، فقال الربيع: "والله ما أردت إلا الخير"، فقال الشافعي: " أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير .. " (^٣).
وهم في هذا لا يُخادَعون، وإنما يحسنون الظن بمن يستحق ذلك، أما المخادع فهم لا يغترون بكلامه بل ولا يحسنون الظن به، ولذلك يقول عمر بن الخطاب ﵁: "لست بخِب ولا يخدعني الخِب (^٤) " (^٥).
خامسًا: الرحمة:
ومن أخلاق السلف -رحمهم الله تعالى- أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فهم حين يردون على المخالف لا يريدون بذلك الانتصار لأنفسهم، وإنما رغبة في الأجر الأخروي، ورحمة بذلك الشخص الذي يرد عليه؛ ليبعده عما هو فيه من عقائد ضاله، يقول النبي ﷺ: " الراحمون يرحمهم الرحمن" (^٦)، ويقول ﷺ: " من لا يَرحم لا يُرحم" (^٧)، وقال ﷺ: " لا يرحم الله من لا يرحم الناس" (^٨).
_________________
(١) الدر المنثور، للسيوطي: ٦/ ٩٢.
(٢) المرجع السابق: ٦/ ٩٩.
(٣) آداب الشافعي ومناقبه، لعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي: ٢٧٤.
(٤) الخِب: الخدّاع الخائن.
(٥) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٠٢.
(٦) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في الرحمة، رقم (٤٩٤١).
(٧) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانتقه، رقم (٥٩٩٧).
(٨) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله ﵎: ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ﴾، رقم (٧٣٧٦).
[ ٤٢ ]
وقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق، ويرحم الخلق، فإنه لما رأى سبعين رأسًا من الخوارج، وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلامًا بالحق: "سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء"، ثم بكى قائلًا: "بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام" (^١).
يقول ابن تيمية -﵀-: " وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، ويرحمون الخلق، فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم، وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق" (^٢).
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي: ١/ ٧١ - ٧٣.
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٥٧.
[ ٤٣ ]