سبق في الفصل الماضي بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة بل وجوبها، ومن أجل ذلك قام السلف ﵏ بما أوجبه الله عليهم، وقد كان الدافع لهم لذلك مع ما سبق أسباب كثيرة، نذكر بعضًا منها:
أولًا: حفظ الدين وبيان كمال هذه الشريعة:
قد تكفل الله ﷾ بحفظ الدين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، كما أكمله ﷾ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها، والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل.
فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين" (^١).
وقد جعل الله ﷾ من أسباب حفظ الدين وبيان كماله ظهور المعارضين له من أهل الإفك المبين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀﵀: " ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٥].
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبدالرحمن السعدي: ٤٢٩.
[ ١٥ ]
وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله -تعالى- له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة.
فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر، وناظر عنه المناظر، ظهرت له البراهين، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين.
والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقوم عوده المائل، أقام الله ﵎ من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق" (^١).
ثانيًا: كشف شبهات المبطلين واستبانة سبيل المجرمين:
قال تعالى: ﴿(٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وذلك أن "من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علمًا وعملًا فهو أعلم الخلق" (^٢).
يقول الإمام الدارمي -﵀-: "ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه، مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب بعض الجهال، فيلقيهم في شك من خالقهم.
فخشينا ألا يسعنا إلا الإنكار على من بثها -يعني الشبهات- ودعا الناس إليها منافحة عن الله وتثبيتًا لصفاته العلى ولأسمائه الحسنى ودعاء إلى الطريقة المثلى ومحاماة عن ضعفاء الناس وأهل الغفلة من النساء والصبيان أن يضلوا بها ويفتتنوا إذ بثها فيهم" (^٣).
ويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام ممن لا يعرف الجاهلية" (^٤).
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١/ ٦٠ - ٦٤.
(٢) الفوائد لابن القيم: ٢٥٩.
(٣) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ في التوحيد، للإمام الدارمي: ١/ ١٤٢ - ١٤٥.
(٤) المستدرك على الصحيحين، لأبي عبدالله الحاكم: ٤/ ٤٢٨ بنحوه وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
[ ١٦ ]
قال الإمام ابن القيم - بعد أن ذكر كلام أمير المؤمنين عمر ﵁: " .. وهذا من كمال عمر ﵁، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها" (^١).
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- في مقدمة شرحه للقصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن في الرد على المخالف كشفًا لشبهاته وشكوكه، فقال: " وهذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات، التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثير من أهل العلم الفضلاء" (^٢).
ثالثًا: خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم:
فإن انتشار العقائد الباطلة يؤدي إلى التفرق والاختلاف، وتترب عليه الآثار السيئة على الأمة في جميع أمورها العقدية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها؛ ولذلك حرص السلف -﵏- على رد تلك العقائد الباطلة لجمع كلمة المسلمين وردهم لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز -﵀- في مقال له بعنوان: "كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي"، قال: " إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة، من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى" (^٣).
ومن تلك الآثار التي تترتب على انتشار العقائد الباطلة هو الاختلاف والفرقة المذمومة، فالبدعة طريق سالك إلى الفرقة والاختلاف المذمومين، وقد ثبت ذم هذا الاختلاف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، قال السيوطي -﵀-: " أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله" (^٤).
_________________
(١) الفوائد: ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٢) الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للشيخ عبد الرحمن السعدي: ١١.
(٣) مجلة البحوث الإسلامية، العدد ١٧ ص ٧، والعدد ٤٠ ص ١٣٩.
(٤) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي: ٢/ ٦٢.
[ ١٧ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، قال الحافظ ابن كثير -﵀-: " وكانوا شيعًا: أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه" (^١).
ومن أخطر آثارها أنه إذا تأصلت مثل هذه المحدثات واتخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام معقدًا للولاء والبراء فضلوا بذلك عن جادة الحق، حدث الشرخ بين هذه الجماعة وبين جماعة الإسلام الأصيلة المتمسكة بسنة النبي ﷺ.
ومن الآثار كذلك موت السنة وضياعها: فأنه لا تظهر بدعة إلا بموت سنة، ولا تظهر سنة إلا بذبول بدعة تعارضها، فعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: " ما يأتي على الناس عام إلا احدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (^٢).
ومن الآثار كذلك: التفرق والتشرذم والخروج عن الجماعة: قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال مجاهد: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ "الأهواء المفترقة" (^٣).
ومن الآثار كذلك: استحلال السيف في رقاب المسلمين واستباحة الأعراض والأموال المحرمة: فعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (^٤)، فلا يستغرب لمن انتحل البدعة وخالف السنة أن تكون أولى ثمار بدعته هذه استحلال السيف في رقاب أمة محمد ﷺ كما حدث من الخوارج.
قال أيوب السختياني -﵀ - وكان يسمى أصحاب البدع خوارج، ويقول: " إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف" (^٥).
إلى غير ذلك من الآثار التي تبين خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ٢/ ٢٠٤.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لأبي القاسم هبة الله الحسن اللالكائي: ١/ ٩٢.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري: ٧/ ٢٥٦.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - "لا ترجعوا بعدي كفارا"، رقم (٧٠٧٧).
(٥) الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي: ١/ ٦٥.
[ ١٨ ]
رابعًا: جواب السؤال والحاجة إلى البيان:
قد يكون الدافع عند السلف لكتابة الرد هو جواب لسؤال ورد عليهم عن شبهة أو بدعة أو نحو ذلك، سواء كان السؤال سؤال استفهام أو سؤال معاند أو غير ذلك.
قال شيخ الإسلام -﵀-: " وكان من أسباب نصر الدين وظهوره، أن كتابًا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى، بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم قديمًا وحديثًا، من الحجج السمعية، والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب، لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب" (^١).
ومن ذلك جواب شيخ الإسلام ﵀ بقصيدته التائية في حل المشكلة القدرية جوابًا لسؤال ورد عليه من نصراني معاند قال في مطلعها:
سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية (^٢)
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- عن هذه القصيدة: والشيخ - قدس الله روحه- نظمها جوابا لسؤال أورده عليه من قال: " إنه ذمي" ليشبه على المسلمين، وليشككهم في أصول الدين" (^٣).
خامسًا: ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين:
ومن أسباب دفاع السلف عن العقيدة هو ظهور بدعة أو انتشارها بين المسلمين، وهذا الظهور أو الانتشار سواء كان عن طريق داعية يدعو لبدعته، أو خروج كتاب أو غير ذلك.
فإن السلف -﵏- لا يزالون يردون على كل بدعة وضلالة تظهر وتنتشر بين المسلمين إلى وقتنا الحاضر.
ومن ذلك الشيخ نعمان بن محمود الألوسي البغدادي: ألف كتابًا سماه "الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح". وقد ذكر في سبب تأليفه له: أنه رأى في السنة ١٣٠٤ هـ أوراقًا مطبوعة في لندن سنة ١٨٨٠ م تتضمن -زورًا وبهتانا- على تقديم دين النصارى على سائر الأديان، وطعنًا لدين الإسلام فألف هذا الكتاب ردًا على ذلك (^٤).
ومن ذلك ما يصدر من بيانات وردود من هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وردود فضيلة الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- والتي جمعت في خمس مجلدات بعنوان البيان لأخطاء بعض الكتاب، والتي يتعقب فيها -حفظه الله- بعض البدع والمخالفات التي تنشر في وسائل الإعلام.
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٦٨.
(٢) الدرة البهية: ١٥.
(٣) المرجع السابق: ١١ - ١٢.
(٤) الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، لنعمان الألوسي: ٣٤.
[ ١٩ ]