منهج الشيخ وجهوده في الرد على المخالفين.
وفيه تمهيد وثلاثة فصول:
[ ٥٨٨ ]
تمهيد
[ ٥٨٩ ]
في التعريف بأهل السنة والجماعة وتميزهم عن الفرق.
أولًا: التعريف بأهل السنة والجماعة:
السنة في اللغة: السيرة والطريقة محمودةً كانت أو مذمومة.
قال ابن فارس - ﵀ -: " السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنُّه سنًا، إذا أرسلته إرسالًا ومما اشتق منه: السنة، وهي السيرة. وسنة رسول الله - ﷺ -: سيرته" (١).
قال ابن الأثير (٢) - ﵀ -: " وقد تكرر في الحديث ذكر (السنة) وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة والسيرة" (٣).
أما السنة في الاصطلاح فلها عدة إطلاقات (٤) والذي يهمنا هنا اصطلاح (السنة) حينما يقال: "أهل السنة" في مجال العقائد، خاصة لما حدث الافتراق في الأمة الإسلامية، يقول ابن رجب - ﵀ -: " وعن سفيان الثوري - ﵀ - قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء" (٥)، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي - ﷺ - التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن عياض (٦)
- ﵀ - يقول: " أهل السنة من
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٦٠، ٦١) مادة (سن)، وينظر: الصحاح للجوهري (٥/ ١٢٣٨ - ٢١٤٠)، ولسان العرب (١٣/ ٢٢٠ - ٢٢٨).
(٢) هو: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ثم الموصلي، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، كان فقيهًا محدثًا أديبًا نحويًا ورعًا عاقلًا، ذا برِّ وإحسان، توفي بالموصل - ﵀ - سنة (٦٠٦ هـ)، وله مصنفات بديعة منها جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، والنهاية في غريب الحديث. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٧)، والسير (٢١/ ٤٨٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٢).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٢٣).
(٤) السنة لها اصطلاحات عدة: فعند المحدثين، ينظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٥)، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي (ص ٤٧)، ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي (١/ ١)؛ وعند علماء أصول الفقه، ينظر: الموافقات للشاطبي (٤/ ٣)، والنهاية لابن الأثير (٢/ ٤٠٩)؛ وعند الفقهاء، ينظر: إرشاد الفحول للشوكاني (ص ٣١)؛ وتطلق في مقابل البدعة، ينظر: الموافقات (٤/ ٤)؛ وقد تطلق السنة على كل ما دل عليه دليل شرعي، ينظر: السنة للسباعي (ص ٤٨)، والموافقات (٤/ ٤ - ٦).
(٥) أحرجه اللالكائي في شرح السنة برقم (٤٩).
(٦) هو: الفضيل بن عياض بن مسعود أبو علي التميمي الخراساني، الإمام القدوة الثبت الزاهد العابد، أحد أعلام التصوف في القرن الثاني الهجري، ولد سنة (١٠٧ هـ) بسمرقند ونشأ بأبيورد، وسكن مكة حتى توفي بها سنة (١٨٧ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٢١)، وتقريب التهذيب (ص ٤٤٨)، طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي، (ص ٢٢ - ٢٧)، دار الكتب العلمية، ط ٢٠٠٣.
[ ٥٩٠ ]
عرف ما يدخل في بطنه من حلال" (١)، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم: السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات" (٢).
وقد عرف الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - أهل السنة والجماعة في الاصطلاح، فقال: " هم من كانوا على مثل ما كان عليه محمد بن عبد الله ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة" (٣) (٤).
_________________
(١) أحرجه بلفظ مقارب اللالكائي في شرح السنة برقم (٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٤).
(٢) كشف الكربة (ص ١٩ - ٢٠)، وللاستزادة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (١/ ٢٥).
(٣) فتاوى اللجنة (٢/ ٢٣٠)، وينظر: المرجع السابق (٢/ ٢٤٠).
(٤) ينظر: شرح السنة للالكائي (١/ ٨٣) برقم (١٦٠)، والحوادث والبدع لأبي شامة (ص ٢٢).
[ ٥٩١ ]
ثانيًا: تميز أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق:
قال الشيخ - ﵀ -: " كان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالتهم الشياطين عن الصراط المستقيم إلا أنه سبحانه جرت سنته، واقتضت حكمته، أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازًا للوعد بحفظ دينه، وإقامةً للحجة، وإسقاطًا للمعاذير، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، وقال - ﷺ -: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) (١).وفي رواية، قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وفي رواية، قال: (هي الجماعة يد الله على الجماعة).
وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وإن شعارها كتاب الله، وهدي رسوله، ﵊ وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص، ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها.
وأما الفرق الضالة، فشعارها مفارقة الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناءً على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها، أثنوا عليه وقرّبوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرأوا منه ونبذوه، وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر، والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة" (٢).
_________________
(١) أحرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الفتن باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢)، وابن حبان في كتاب التاريخ، ذكر افتراق اليهود والنصارى فرقا مختلفة برقم (٦٢٤٧)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٣٩٩٢)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٢٩).
(٢) مذكرة التوحيد للشيخ (ص ١٠٩ - ١١٦)، وينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٩٣)، تعليق الشيخ على الإحكام (٤/ ١٢٩)، فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
[ ٥٩٢ ]
وقد تميز أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق بميزات عديدة منها (١):
(أولًا) - اقتصارهم في مصدر التلقي على الوحي: كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - الصحيحة، والتحذير من مخالفتها. ويكون ذلك:
- الاعتقاد الجازم بأنه لا يتحقق رضا الله ﵎ والفوز بجنته والنجاة من عذابه إلا بالإيمان بهما والعمل بما جاءا به (٢).
- الاعتقاد بأن هذا الدين كامل، والله ﵎ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: ٣، ومسألة كمال الدين من المسائل المهمة في بيان منهج السلف ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بيّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا، فكيف بأصول التوحيد والإيمان" (٣).
- وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهم التعارض، وإلاّ ففي حقيقة الواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح (٤).
- الأدب مع نصوص الكتاب والسنة، وذلك بأن تراعى ألفاظهما عند بيان العقيدة، وأن لا تستخدم الألفاظ والمصطلحات الموهمة غير الشرعية (٥).
_________________
(١) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٥١ - ٧١) بتلخيص واختصار مع بعض الزيادات ويراجع للاستزادة.
(٢) ينظر: أصول السنة لابن زمنين (ص ١)، درء التعارض (١/ ٢٧٧)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٢٨)، الأحكام لابن حزم (١/ ٩٩).
(٣) ينظر: تفسير سورة الإخلاص، ضمن مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٣).
(٤) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٤١)، الصواعق المرسلة (٢/ ٧٤١،٧٤٢)، قواعد المنهج السلفي مصطفى حلمي (٢٥٣ - ٢٥٧).
(٥) ينظر: درء التعارض (٥/ ٨٦)، نقض التأسيس (٢/ ١١٠).
[ ٥٩٣ ]
(ثانيًا) - عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة، والاقتصار في بيان وفهم العقيدة على ما في الكتاب والسنة، وتجلى هذا في التالي:
- الحرص على العلم النافع مع العمل، قال معروف الكرخي - ﵀ - (١): " إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل" (٢). وللعلم النافع علامات ذكرها بعض العلماء (٣).
- النهي عن البدع، ومن ذلك علم الكلام، وقد كان موقف السلف واضحًا ومشهورًا من علم الكلام، وموقف السلف من علم الكلام كان لأسباب (٤) وليس هذا موطن بسطه وتسطيره.
- الرد على المنحرفين وأصحاب الأهواء بمنهج متميز، فالسلف ﵏ لما حذروا من المنطق ومن علم الكلام لم يكتفوا بهذا، وإنما ردوا وناقشوا أصحاب البدع بالأدلة النقلية والعقلية المبنية على الكتاب والسنة.
والسلف ﵏ لم ينهوا عن جنس النظر والاستدلال، ولكن معارضتهم تركزت على الأساليب الكلامية المبنية على غير الكتاب والسنة (٥).
_________________
(١) هو: معروف بن فيروز أو فيرزان، أبو محفوظ البغدادي الكرخي، أحد الزهاد، مدحه الإمام أحمد. توفي سنة (٢٠٠ هـ). سنة الولادة ينظر: كتاب مناقب معروف الكرخي وأخباره لابن الجوزي، وتاريخ بغداد (١٣/ ١٩٩)، وطبقات الحنابلة (١/ ٣٨١)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٣٩).
(٢) أحرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٦١)، وابن الجوزي في مناقب معروف الكرخي (١٢٢ - ١٢٣).
(٣) ينظر: بيان فضل علم السلف على الخلف لابن رجب (٥١ - ٥٤).
(٤) ينظر: بيان فضل علم السلف لابن رجب (٥٥ - ٥٨)، ومنهج علماء الحديث والسنة مصطفى حلمي (٦٠ - ٦١)، ومنطق ابن تيمية (ص ٢٧٧).
(٥) ينظر: قواعد المنهج السلفي مصطفى حلمي (ص ٨٥)، منهج علماء الحديث والسنة له (ص ٤٠).
[ ٥٩٤ ]
(ثالثًا) - حجية السنة في العقيدة ومن ذلك خبر الآحاد، وهذا من القواعد الكبرى في منهج السلف ﵏ وتميزوا بها عن كثير من أهل الأهواء والبدع؛ والقول بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة (١).
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " أحاديث الآحاد الصحيحة قد تفيد اليقين إذا احتفت بالقرائن وأفادت غلبة الظن وعلى كلتا الحالتين يجب الاحتجاج بها في إثبات العقيدة وسائر الأحكام الشرعية ولذلك أدلة كثيرة منها:
أن النبي - ﷺ - كان يرسل آحادًا الناس بكتبه (٢) إلى ملوك الدول ووجهائها ككسرى وقيصر يدعوهم فيها إلى الإسلام عقيدته وشرائعه ولو كانت الحجة لا تقوم عليهم بذلك لكونهم أحادًا ما اكتفى بإرسال كتابه مع واحد لكونه عبثًا " (٣) (٤).
(رابعًا) - أن الصحابة أعلم الناس بعد الرسول - ﷺ - بالعقيدة، لذلك فأقوالهم وتفاسيرهم للنصوص حجة لأنهم ﵃ قد اكتمل فيهم الفهم والمعرفة لأصول الدين التي دل عليها كتاب الله المنزل وسنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٧٢)، والتمهيد لابن عبد البر (١/ ٢)،شرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي (٢/ ٣٥٢)،ولوامع الأنوار البهية (١/ ١٩)، والمسودة في أصول الفقه لآل تيمية (ص ٢٤٨)،ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٣)،ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١٠٤ - ١٠٥)، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٧٦٩).
(٢) ينظر: في ذلك كتاب أخبار الآحاد من صحيح البخاري (١٣/ ٢٤٤).
(٣) مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٦٠)، ينظر: شبهات حول السنة للشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - (ص ٢٧ - ٣٣).
(٤) ولذلك أدلة كثيرة ذكرها أبو محمد على بن حزم في مباحث السنة من كتاب الأحكام في أصول الأحكام (٢/ ٧٨ - ٨٨)، وذكرها ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٧٥) وما بعدها، والشافعي في الجزء الثالث من كتابه الرسالة فصل في " الحجة في تثبيت خبر الواحد" (١/ ٤٠١) وما بعدها.
[ ٥٩٥ ]
ولمكانة الصحابة عند السلف حرصوا على تدوين أقوالهم وآرائهم في مختلف المسائل، فقد روى صالح بن كيسان (١) قال: " اجتمعت أنا والزهري (٢)
-ونحن نطلب العلم- فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي - ﷺ -، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة، لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت" (٣).
(خامسًا) - التسليم لما جاء به الوحي، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي، وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه، فالسلف ﵏ لم يلغوا العقل كما يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع (٤).
(سادسًا) - لم يكونوا يتلقون النصوص ومعهم أصول عقلية يحاكمون النصوص إليها، كما فعل المعتزلة وغيرهم الذين وضعوا أصولًا عقلية، ثم لما جاءوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، نظروا فما وجدوه موافقا لتلك الأصول العقلية أخذوا به، وما وجدوه مخالفا لشيء منها أولوه أو أنكروا الاحتجاج به.
_________________
(١) هو: صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز، ثقة، ثبت، فقيه، مات بعد سنة: ١٤٠ هـ. ينظر: تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ٣٨٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٨)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٥٤)، والتقريب (١/ ٣٦٢)، وطبقات الحفاظ (ص ٦٣).
(٢) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، فقيه حافظ متقن، توفي سنة ١٢٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد الجزء المتمم (ص ١٥٧)، وفيات الأعيان (٤/ ١٧٧)، وغاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، والوافي للصفدي (٥/ ٢٤)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٤٥).
(٣) أحرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٥٨) ورقمه (٢٠٤٨٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٦٠).
(٤) ينظر: المدرسة السلفية لمحمد بن عبد الستار نصار (ص ٤٧٨).
[ ٥٩٦ ]
(سابعًا) - الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة معينة، وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، وهذا ناشئ من أنهم لا يفرقون بين النصوص وليس لديهم أصول عقلية متقررة سلفا عندهم ليأخذوا من النصوص ما وافقها ويدعوا ما خالفها، فمذهبهم هو الوسط فلا يسلكون مثل هذا المنهج، بل يأخذون بجميع النصوص.
(ثامنًا) - التزام العدل والإنصاف مع أعدائهم، فهم يعترفون بما عند الخصوم من حق، ولا يعميهم ما يجدونه عندهم من ضلال فيصدهم عن قول الحق فيهم، أو يدعوهم إلى رميهم بما ليس فيهم من الباطل.
(تاسعًا) - لا يتعصبون لشخص إلاّ للرسول - ﷺ -، فعندهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ الهادي البشير ﵊، لأنه الذي لا ينطق عن الهوى.
(عاشرًا) - موقفهم من الفرق الإسلامية، إقرار من كان منهم موافقًا للكتاب والسنة، والإنكار على من كان مخالفًا للكتاب والسنة.
قال الشيخ - ﵀ -: " نقرهم -أي أصحاب الفرق- على ما وافقوا فيه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وننكر عليهم ما خالفوا فيه الكتاب والسنة" (١).
ثم قال - ﵀ -: " الجماعات الإسلامية تدخل في الفرقة الناجية، إلاَّ من أتى منهم بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفًا بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهمًا وعملًا، فاعرف جهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين إخوانهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل" (٢).
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٣٠٦).
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٣٨، ٢٤٠).
[ ٥٩٧ ]
الفصل الأول: منهجه في الرد على المخالفين
وفيه ثلاثة مباحث:
[ ٥٩٨ ]
المبحث الأول
مصادر الشيخ عبد الرزاق عفيفي في ذكر الفرق وتاريخها.
قد سلك الشيخ - ﵀ - مسلك التوثيق في ذكر الفرق وقد أحال في كثير من كلامه على الفرق إلى الكتب الآتي ذكرها:-
١. (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري (١).
٢. (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي (٢) (٣).
٣. (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (٤) (٥).
_________________
(١) هو: علي بن إسماعيل بن سالم بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، شيخ الأشاعرة وإمامهم، مر بثلاثة أطوار في حياته: طور انتحل فيه الاعتزال، وطور سلك فيه مسلك ابن كلاب، وطور نهج فيه منهج السلف مع لوثة اعتزالية، ومن مؤلفاته: مقالات الإسلاميين، الإبانة، اللمع وغيرها، توفي سنة (٢٣٤ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)، شذرات الذهب (٢/ ٣٠٣).
(٢) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: تعليقه على الإحكام (١/ ١٨٠)، (٢/ ٢٤٦)، (٣/ ١٣٨).فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩،٣٧٤).
(٣) هو: أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي، نزل خراسان، وأحد أعلام الشافعية، كان علامة ماهرًا في فنون كثيرة، وله مصنفات في النظر والعقليات، ومن مصنفاته: أصول الدين، والفرق بين الفرق، توفي سنة (٤٢٩ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٧٤)، والسير (١٧/ ٥٧٢)، والبداية والنهاية (١٢/ ٤٨).
(٤) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩،٣٧٤).
(٥) هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي اليزيدي، فقيه محدث متكلم، له مؤلفات كثيرة، منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والدرة فيما يجب اعتقاده، والمحلى، توفي سنة (٤٥٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، شذرات الذهب (٣/ ٢٩٩).
[ ٥٩٩ ]
٤. (الملل والنحل) للشهرستاني (١) (٢).
٥. (منهاج السنة) لابن تيمية (٣).
٦. (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (٤).
٧. (الإيمان) لابن تيمية (٥).
٨. (مدارج السالكين) لابن القيم (٦).
٩. (المنتقى) للذهبي (٧).
١٠. (الميزان) للذهبي (٨).
_________________
(١) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: تعليقه على الإحكام (١/ ٢٢٩)، (٢/ ٧)، (٣/ ١٣٨)، فتاوى اللجنة فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠، ٣٧٤).
(٢) هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أشعري متكلم، له مصنفات منها: نهاية الإقدام في علم الكلام، الملل والنحل، مصارعة الفلاسفة، توفي سنة (٥٤٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦)، شذرات الذهب (٤/ ١٤٩).
(٣) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩،٣٧٥).
(٤) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٥٥).
(٥) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: تعليقه على الإحكام (٢/ ٢٤٦).
(٦) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٦٤).
(٧) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥).
(٨) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: تعليقه على الإحكام (١/ ١٨٠).
[ ٦٠٠ ]
١١. (لسان الميزان) لابن حجر (١).
١٢. (كتاب الخطوط العريضة) لمحب الدين الخطيب (٢) (٣).
١٣. (مختصر التحفة الاثني عشرية) للدهلوي (٤) (٥).
١٤. (هذه هي الصوفية) لعبد الرحمن الوكيل (٦) (٧).
_________________
(١) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: تعليقه على الإحكام (١/ ٢٢٩).
(٢) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥).
(٣) هو: محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب، أصل أسرته من بغداد من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني، تولى تحرير " مجلة الأزهر " ست سنوات، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، فأشرف على نشر عدد كبير من كتب التراث وغيرها، توفي سنة (١٣٨٩ هـ)؛ وله من التصانيف: "الخطوط العريضة لدين الإثنى عشرية" الذي بين فيه كذب الروافض على الله وعلى رسوله وعلى كتابه وعلى آل البيت الطاهرين، الرعيل الأول في الإسلام، اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب، ذكرى موقعة حطين، وغيرها. ينظر: الأعلام (٥/ ٢٨٢)، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري» فكري فيصل - دمشق ١٩٨٦ (٢/ ٨٤٧ - ٨٦٢).
(٤) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩،٣٧٤، ٣٧٥).
(٥) هو: هو المحدث الشاه عبدالعزيز غلام حكيم الدهلوي، المتوفى ١٢٣٩ هـ، له من المصنفات: "بستان المحدثين"، و"العجالة النافعة" في مهمات علم الحديث، و"تحفة الاثنا عشرية" نقله إلى العربية: السيد محمود شكري الألوسي، وحققه: محب الدين الخطيب وغيرها. وهو ابن المحدث الإمام الشاه ولي الله الدهلوي، المتوفى سنة ١١٧٦ هـ، إمام نهضة الحديث في الهند. ينظر: مختصر التُحفة الاثنى عشرية لشاه عبدالعزيز غلام حكيم الدهلوي ﵀ على شبكة سحاب السلفية http://www.sahab.net.
(٦) ينظر لإحالة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٦٤).
(٧) هو: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الوهاب الوكيل عين نائبًا للشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - بعد انتخابه كرئيس عام لجماعة أنصار السنة المحمدية في (٢٢ صفر ١٣٧٩ هـ ٢٧ أغسطس ١٩٥٩ م)، وبعد سفر الشيخ عبد الرزاق عفيفي إلى السعودية انتخب رئيسًا عامًا للجماعة في (١٥ محرم ١٣٨٠ هـ الموافق ٩ يوليو ١٩٦٠ م) وانتخب الدكتور محمد خليل هراس نائبًا له، ثم انتدب الشيخ الوكيل بعد ذلك للتدريس في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وظل يشغل وظيفة أستاذ للعقيدة بقسم الدراسات العليا إلى أن توفي في (٢٢ جمادى الأولى ١٣٩٠ هـ) بمكة ودفن في الحجون، من مؤلفاته: هذه هي الصوفية، صوفيات، الصفات الإلهية، حقق كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، مصرع التصوف للإمام البقاعي وغيرها. ينظر: عبد الرحمن الوكيل http://ar.wikipedia.org.
[ ٦٠١ ]
المبحث الثاني
طريقته في الكلام على الفرق.
من سمات منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - في الكلام على الفرق، ما يلي:
١ - الإيجاز والاختصار في حكاية الآراء، ونقل الأقوال والروايات، والاقتصار في معظمها على موطن الشاهد منها، دون سردها كاملة، بل قد يشير إلى الرواية أو الحادثة إشارة دون ذكرها، كما يظهر ذلك في طائفة: الخوارج والفرق التابعة لها، والمعتزلة، والصوفية وغيرها.
٢ - التعقيب على الآراء في بعض الفرق نحو: المعتزلة، والشيعة، والإسماعيلية، وغيرها، فلم يقتصر دور المؤلف في تلك الطوائف على العرض فقط، بل عقب على الآراء بما يراه ويعتقده، سواء كان نقدًا، أو مناقشة، أو بيان ما يلزم منها، أو مقارنتها بغيرها من آراء الطوائف الأخرى، بل الأديان والمذاهب المنحرفة، والإشارة إلى أنها مصدر بعض تلك الآراء، وغير ذلك من التعقيبات.
٣ - ذكر ما يجمع الطائفة الواحدة من مسائل وآراء، قبل الخوض في تفصيل آراء كل فرقة منها، وهذا في بعض الطوائف: كالخوارج، والدروز وغيرهم.
٤ - الاقتصار - غالبًا- في بيان الرد على الآراء التي تفردت بها الطائفة، وتميزت بها عن غيرها، فيورد آراء أتباعها في تلك المسائل، نحو الجبرية في مسائل أفعال العباد والقدر، والصفاتية في مسائل الصفات، والخوارج والشيعة في مسائل الإمامة وما يتعلق بها، والمرجئة في مسائل الإيمان، ونحو ذلك وهذا المنهج سار عليه في الجملة، وقد يسترسل حينا في بعض الطوائف، فيورد آراء أتباعها في غير تلك المسائل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
[ ٦٠٢ ]
٥ - حين يورد أدلة طائفة ما، يقدم الأدلة المقدمة لدى الطائفة نفسها، مثل طريقة المتكلمين وغيرهم والأشعرية ما ثبت بالعقل بذكر الأدلة العقلية، وما ثبت بالسمع بذكر الأدلة النقلية، ونحو ذلك.
٦ - العناية بتعريف بعض أسماء الفرق، كالخوارج والشيعة والمعتزلة وغيرهم، فقد عرف بتلك الأسماء وبين المراد منها.
٧ - في معرض رده على بعض الفرق يبين أخطاءهم ومخالفتهم لأهل السنة والجماعة مثل صنيعه مع الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم.
٨ - بيانه لحكم الإسلام في بعض الفرق مثل الدروز والنصيرية والقادرية وغيرهم.
٩ - خص الشيخ عبد الرزاق: بعض مؤسسي الفرق بالحديث وبيان خللهم مثل حديثه عن عبد القادر الجيلاني وجمال الدين الأفغاني.
١٠ - دعوته إلى الاعتدال فقد دعا إلى عدم إعطاء العقل أكبر مما يستحق فيرد به الشرع.
وأخيرًا هذه سمات منهج الشيخ - ﵀ - في كلامه على الفرق بوجه عام، وقد يخالف أو يغاير بعضها في بعض الطوائف، أما منهجه في مناقشتها فهو كما يلي.
[ ٦٠٣ ]
المبحث الثالث
منهجه في مناقشتها.
منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - هو منهج متميز استقاه من هدي الكتاب والسنة وطريقة أهل العلم.
فكان مما تميز به أسلوب الشيخ في النصيحة والردود العلمية:
أولًا: العدل والإنصاف، إذ مقياسهُ في ذلك القرآن والسنة؛ ومما يذكر في هذا، قوله - ﵀ -: "وهؤلاء الذين خرجوا عن أهل السنة والجماعة في مسائل من أصول الدين، ففيهم من السنة بقدر ما بقي لديهم مما وافقوا فيه الصحابة - ﵃ - وأئمة الهدى من مسائل أصول الإسلام، وفيهم من البدع والخطأ بقدر ما خالفوهم فيه من ذلك قليلًا كان أو كثيرًا، وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه عقيدة واستدلالًا" (١)، ومن ذلك قوله - ﵀ -: " إن القول بسقوط التكاليف أو بوحدة الوجود يؤمن به بعض الصوفية لا كلهم" (٢).
ثانيًا: الاعتماد في أسلوب المناقشة على إيراد الأدلة الشرعية والعقلية التي تؤيد ما يعتقده، فقد سلك طريقة التوثيق، ويبين أحيانًا الحكم في بعض المسائل، ويتضح هذا في ردود الشيخ - ﵀ -، ومن ذلك رده على ما يعتقده الملحدون، فيقول: " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان، وجود ذاتي ، ووجود حادث" (٣)؛ ومن ذلك أيضًا، رده - ﵀ - على من أنكرت أركان الإسلام، فقال: " من أنكر وجحد شيئًا من أركان الإسلام أو من واجبات الدين المعلومة بالضرورة فهو كافر ومارق من دين الإسلام" (٤).
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٥٧).
(٢) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٢٠).
(٣) فتاوى اللجنة (٣/ ١٩٠).
(٤) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٩٤).
[ ٦٠٤ ]
ثالثًا: التواضع وخفض الجناح وعدم الاستعلاء والتكبر والترفع في مخاطبة المخطئ، فلم يُحفظ عن الشيخ عبد الرزاق - ﵀ - شيء من قبيل الاستعلاء والتكبر.
رابعًا: الرحمة والشفقة بالخلق، ومحبة الخير والنصح لهم، ومن ذلك قوله - ﵀ -: "لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلًا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعًا، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه دينًا وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ثقة بعقله واتهامًا لرسول الله - ﷺ - إلخ" (١).
خامسًا: القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للخلق، وعدم المجاملة أو المحاباة في ذلك، ومما يذكر في ذلك، ردهُ - ﵀ - على من لا يرى اتباع الشريعة الإسلامية، بقوله: " من اعتقد أن هناك أحدًا يسعه الخروج من اتباع شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، وشريعته هي القرآن الذي أوحاه الله إليه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ الإسراء: ١٠٦، ومن الشريعة: السنة النبوية التي هي تبيين وتفصيل للقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ النحل: ٦٤" (٢).
سادسًا: إحياؤه لسنة الرد على المخالفين - ﵀ -، مع تقيده بالأدب النبوي الكريم، فجمع في ذلك بين هدي السلف في الردود على المخالف وبين التأدب بآداب السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، إذ المراد هو التصويب، وإرشاد ذلك المخطئ وليس التشفي وإسقاط الآخرين، وهذا يتضح في جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة بجلاء (٣).
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٤٠ - ٤١).وينظر: مجموعة ملفات الشيخ (٨٨ - ٨٩) و(١٢٧ - ١٢٨)، وشبهات حول السنة (٥٨) وما بعدها.
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٩٤).
(٣) ويتضح جليًا جميع ما ذكر من منهج الشيخ - ﵀ - في فصول ومباحث (منهج الشيخ وجهوده في الرد على المخالفين).
[ ٦٠٥ ]
سابعًا: في معرض رد الشيخ - ﵀ - على الخطأ يعقبه بذكر مذهب السلف الصحيح فيه، ومن ذلك قوله - ﵀ - في رده على من قال بتناسخ الأرواح: "ما ذكر من أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر ليس بصحيح، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ الأعراف: ١٧٢، وجاء تفسير هذه الآية فيما رواه مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - سُئل عن هذه الآية السابقة، فقال عمر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يُسال عنها، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) (١)، قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث، قد صح عن النبي - ﷺ - من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة - ﵃ - أجمعين وغيرهم. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك وذكروا: أن القول بانتقال الروح من جسم إلى آخر هو قول أهل التناسخ وهم من أكفر الناس، وقولهم هذا من أبطل الباطل" (٢).
ويتضح مما سبق أن منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - واضحًا في التحقيق العلمي والأسلوب الرفيع المقنع.
_________________
(١) أحرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٣١١)، وأبو داود برقم (٤٧٠٣)، والترمذي برقم (٥٠٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧)، قال الألباني صحيح، إلا مسح الظهر ينظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (٤٧٠٣)، وتخريجه للطحاوية برقم (٢٦٦).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
[ ٦٠٦ ]
الفصل الثاني: جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة
[ ٦٠٧ ]
التمهيد
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي سبب ضلال الفرق، فقال - ﵀ - محذرًا: " لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلًا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعًا، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه دينًا وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ثقة بعقله واتهامًا لرسول الله - ﷺ - واتهامًا لثقات الأمة وعدولها، الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولًا وعملًا فأي عقل من العقول يجعل أصلًا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلًا، أعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء، أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الأسماء والصفات وتحريفها عن مواضعها وفي القول بالجبر، أم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، أم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات والغلاة في سلب المكلفين المشيئة والقدرة على الأعمال، أم عقل من قالوا بوحدة الوجود إلخ" (١).
لا شك أن سبب ضلال الفرق على وجه العموم هو عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣.
قال ابن مسعود - ﵁ -: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًّا وقال: (هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ الأنعام: ١٥٣ (٢).
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٤٠ - ٤١).وينظر: مجموعة ملفات الشيخ (٨٨ - ٨٩) و(١٢٧ - ١٢٨)، وشبهات حول السنة (٥٨) وما بعدها.
(٢) أحرجه النسائي في كتاب التفسير باب قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما) برقم (١١١١٠)، والحاكم في كتاب التفسير باب أنا وأصحابي حيز والناس حيز لا هجرة بعد الفتح برقم (٣٢٤١) (٢/ ٣٤٨) وقال حديث صحيح الإسناد، وصححه الألباني في تخريجه لأحاديث الطحاوية (ص ٥٨٧).
[ ٦٠٨ ]
وعمومًا فإن الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم تشعبت بهم الطرق، فهناك أهل الوهم (١) والتخييل (٢) (الفلاسفة)، وهناك أهل التحريف والتأويل كالمعتزلة وغيرهم من علماء الكلام، وهناك أهل التجهيل (٣)
والتضليل (٤) الذين ادعوا أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة يراد بها خلاف مدلولها الظاهر وأن المراد الخفي لا يعلمه غيرهم وإلى هذا الصنف تنتمي الباطنية، وما كل ذلك إلا أنهم أقحموا العقل فيما ليس له.
ولقد اعتبر الإسلام العقل ولم يلغه، فمن مظاهر اعتباره للعقل وعدم إلغائه له أن أطلق له العنان في التفكير فيما يدركه ويشاهده، ومنعه من التفكير والتخبط فيما لا يدركه ولا يقع تحت حسه من المغيبات التي لا يمكن أن يصل في تفكيره فيها إلى نتيجة (٥).
وقد جاء عن السلف ﵏ قولهم:
" العقل نوعان: عقل أعين بالتوفيق، وعقل كيد بالخذلان.
فالعقل الذي أعين بالتوفيق: يدعو صاحبه إلى موافقة أمر الأمر المفترض الطاعة، والانقياد لحكمه، والتسليم لما جاء عنه والعقل الذي كيد: يطلب بتعمقه الوصول إلى علم ما
_________________
(١) الوَهْمُ: مِنْ خَطَرات القلْبِ، والجمع: أوهامٌ، كما في المحكم، أو هو: (مَرْجوحُ طَرَفي المُتَرَدَّدِ فيه)، وقال الحكماء: هو قوة جسمانية للإنسان محلُّها آخر التَّجويفِ الأوسط من الدِّماغ، من شأنها إدراكُ المعاني الجُزئيَّة المتعلِّقَة بالمحسوسات، كشجاعة زيدٍ، وهذه القُوةُ هي التي تَحْكُم في الشَّاة بأن الذِّئب مهروبٌ منه، وأن الولد معطوفٌ عليه، وهذه القوَّة حاكمةٌ على القوى الجُسمانية كلها، مستخدمةٌ، وهو أضعف من الظن. ينظر: التعريفات للجرجاني (ص ٣٢٩)، تاج العروس (٣٤/ ٦٢)، المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (٢/ ٣٧٤)، كتاب الكليات لأيوب الكفومي (ص ٩٤٣).
(٢) التخييل: تَصوِيرُ خَيالِ الشيء في النَّفْس، ومنه قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه: ٦٦. ينظر: لسان العرب (١١/ ٢٣١)، مختار الصحاح (ص ٨٢)، تاج العروس (٢٨/ ٤٥٠).
(٣) التجهيل: هو النسبة إلى الجهل والمجهلة بوزن المرحلة الأمر الذي يحمل على الجهل ومنه قولهم الولد مجهلة، والجهل ضد العلم. ينظر: لسان العرب (١١/ ١٢٩)، مختار الصحاح (ص ٤٩).
(٤) التضليل: تصيير الإنسان إلى الضلال، والتّضلال كالتّضليل، ورجلٌ ضِلِّيل: كثير الضّلال ومضلَّلٌ لا يوفَّق لخير. ينظر: المخصص لأبي حسن علي بن إسماعيل النحوي (٤/ ٥٠)، لسان العرب (١١/ ٣٤٩)، كتاب الكليات (ص ٤٤).
(٥) ينظر: لمكانة العقل في الإسلام في كتاب موقف المتكلمين للغصن (١/ ٢٦٢ - ٢٧٣).
[ ٦٠٩ ]
استأثر الله بعلمه، وحجب أسرار الخلق عن فهمه، حكمة منه بالغة؛ ليعرفوا عجزهم عن درك غيبه، ويسلموا لأمره طائعين " (١).
فللعقول حد، إن وقفت عنده نجت وسلمت، وإن تعدته ضلت وعطبت.
يقول السفاريني - ﵀ -: " إن الله تعالى خلق العقول وأعطاها قوة التفكير، وجعل لها حدًا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها، ووفت النظر حقه أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها، ووراء حدها الذي حده الله لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء " (٢).
وإذا جعلنا العقل هو الأصل فأي عقل من العقول يجعل أصلًا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلًا.
ولقد أحسن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في قوله: " ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله
فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد لجدل هؤلاء.
وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه:
أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
_________________
(١) نقله قوام السنة عن ابن السمعاني في الحجة (ص ١٨٧).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٠٥).
[ ٦١٠ ]
والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.
والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات.
الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية.
وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا" (١).
ومن البدهي لدى كل مسلم أن الإسلام - عقيدة وسلوكا - هو الميزان الصحيح الحكم، والحكم العدل في تقويم الأديان والمذاهب، والحكم على مدى استقامة الأمم والشعوب أو انحرافها.
وعلى هذا فإن المتأمل لحال البشرية الدينية اليوم يرى أن الناس على أربعة أصناف:
الصنف الأول: مسلم متمسك بدينه معتصم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على هدى من دين الله وبصيرة. وهؤلاء رغم قلتهم منتشرون - بحمد لله - في سائر المعمورة يربطهم رباط العقيدة الصحيح وأخوة الإيمان، وهم الطائفة التي عناها رسول - ﷺ - بقوله في الحديث الصحيح عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (٢).والمقصود بأمر الله هنا: قيام الساعة كما هو صريح في أحاديث أخرى: (حتى تقوم الساعة) (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٢٨ - ٣٠).
(٢) أحرجه مسلم في صحيحة في كتاب الإمارة باب قوله - ﷺ - لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، برقم (١٩٢٠).
(٣) أحرجه ابن ماجة في كتاب المقدمة باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -، برقم (٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٧٠)، وفي صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٦).
[ ٦١١ ]
ومن كان من هذه الطائفة؛ سَعُد في الدنيا والآخرة بنعمة الإسلام والإيمان ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الكهف: ٢٨.
الصنف الثاني: المنتمون للإسلام وهم على شيء من الانحراف والضلال أو على الكفر أو الجهل، وهم مع الأسف كثير ممن يدعي الإسلام من الصوفية، والرافضة، والباطنية، والنصيرية، وأصحاب المبادئ والاتجاهات الهدامة: كالاشتراكية، والبعثية، والقومية، والعلمانية، وسواهم من ذوي الانحراف العقدي والعملي.
وهؤلاء هم الذين استثنى منهم رسول الله ﷺ تلك الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق رغم قلتها.
وهؤلاء دعاة شر على أبواب جهنم، ويملكون من الأساليب والوسائل الجذابة والخادعة ما يشكل خطرا على شباب المسلمين الذين لم يتسلحوا بالعقيدة الإسلامية الصافية التي تحصنهم.
الصنف الثالث: أتباع الديانات الضالة: وهؤلاء: إما كتابيون، وهم الذين ينتمون إلى الأديان المنزلة من الله في أصلها ولكن دخلها التحريف والشرك ثم نسخت، وهم اليهود والنصارى.
وإما وثنيون يتبعون دينا مبتدعا يقوم في أصله على الشرك والوثنية وتقديس المخلوقات، كالبراهمة والبوذيين والكنفوشسيين والمجوس وأكثر الفلاسفة، وهذا الصنف كافر صريح الكفر، وعلى المسلم أن لا يرتبط معهم بأخوة أو مودة أو ولاء؛ لأنهم محادون لله ورسوله.
الصنف الرابع: الملاحدة: وهم الذين لا يدينون بدين، أو يتبعون مذاهب تجحد وجود الخالق ﷾، وهم بعض الفلاسفة والدهريون والشيوعيون وبعض العلمانيين ونحوهم، وهم كفار ملاحدة (١).
_________________
(١) ينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة للدكتورين العقل والقفاري (ص ١١ - ١٣).
[ ٦١٢ ]
المبحث الأول
الخوارج.
تمهيد
تعريف الخوارج
الخوارج: هم الذين يكفرون بالمعاصي، ويَخْرُجون على أئمة المسلمين وجماعتهم.
ويشمل ذلك: الخوارج الأولين (المحكمة الحرورية)، ومن تفرع عنهم من الأزارقة والصفرية والنجدات، (وهذه الثلاث قد انقرضت)، والأباضية (وهم الباقون إلى اليوم).
كما يشمل اسم الخوارج كل من أخذ بأصولهم وسلك سبيلهم، كجماعات التكفير والهجرة في هذا العصر ونحوهم، وعلى هذا فإن الخوارج قد يخرجون في كل زمان، وسيظهرون في آخر الزمان، وكما أخبر النبي - ﷺ - عن الخوارج الأولين، فقد أخبر - ﷺ - كذلك عن المتأخرين، وأنهم يخرجون في آخر الزمن، قال - ﷺ -: (سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم جناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (١) (٢).
وقد عرف الشهرستاني في كتابه (٣)؛ الخوارج تعريفًا سياسيًا عامًا، اعتبر فيه الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجًا في أي زمن كان حيث يقول: " كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان".
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣٠).
(٢) الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل (ص ٢١).
(٣) الملل والنحل (١/ ١١٤)، وينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٠٧)، والفصل لابن حزم (٢/ ١١٣).
[ ٦١٣ ]
- نشأة الخوارج:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - معلقًا على قول الرسول - ﷺ -: (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (١): " هذا الحديث وما في معناه قاله النبي - ﷺ - في الطائفة المسماة بـ: الخوارج؛ لأنهم يغلون في الدين ويكفرون المسلمين بالذنوب التي لم يجعلها الإسلام مكفرة، وقد خرجوا في زمن علي بن أبي طالب - ﵁ - وأنكروا عليه أشياء فدعاهم إلى الحق وناظرهم في ذلك فرجع كثير منهم إلى الصواب وبقي آخرون، فلما تعدوا على المسلمين قاتلهم علي - ﵁ - وقاتلهم الأئمة بعده؛ عملًا بالحديث المذكور وما جاء في معناه من الأحاديث، ولهم بقايا إلى الآن، والحكم عام في كل من اعتقد عقيدتهم في كل زمان ومكان" (٢).
يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي - ﷺ - أو في عهد عثمان أو في عهد علي - ﵃ -، أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام ٦٤ هـ؛ واختار الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - القول بأن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي - ﵁ - وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم: " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب" (٣).
وبسط هذه الأقوال يطول، وعلينا أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣٠).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٦٨)، وينظر: مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق (ص ١١٩).
(٣) مقالات الأشعري (١/ ٢٠٧)، وينظر: الفرق بين الفرق (ص ٧٤)، فجر الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٥٧).
[ ٦١٤ ]
والواقع أن بدء نزعة الخروج قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله - ﷺ - باعتراض ذي الخويصرة عليه؛ أما خروجها كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، فهو خروج الذين خرجوا على علي - ﵁ - منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة (١).
- أوصاف الخوارج:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وتشير الأحاديث التي ورد فيها ذكر الخوارج إلى أوصافهم، والأمر بقتالهم، وذمهم. وقد صحت هذه الأحاديث بأوجه عديدة بلغت عشرة أوجه، كما ذكر الإمام أحمد بن حنبل، وقد خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها" (٢).
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: " والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يكفِّرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله" (٣).
وقال: " وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرّق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضّله على أبي بكر وعمر" (٤).
فصار هؤلاء هم "الخوارج المارقين (٥) الذين أمر الرسول - ﷺ - بقتالهم، قاتلهم علي، واتفق أئمة الدين على قتالهم - من الصحابة والتابعين ومن بعدهم-، ولم يكفّرهم علي
_________________
(١) ينظر: الخوارج للدكتور/ غالب عواجي (ص ٣٧ - ٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٧٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٧٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٧٩)، وينظر: صحيح البخاري فتح الباري (١٢/ ٢٩٠)، وما بعدها، ومسلم (١/ ٧٤٢) وما بعدها.
(٥) سميت الخوارج المارقة من وصف الرسول - ﷺ - لهم في الحديث الصحيح: " يمرقون من الدين".
[ ٦١٥ ]
وسعد، وغيرهما، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقتلهم علي حتى سفكوا الدماء الحرام، ولم يغنم أموالهم" (١).
ثم بين شيخ الإسلام - ﵀ - أنه: إذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك (٢).
وقال شيخ الإسلام أيضًا: " ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع، الخوارج المارقون" (٣).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٢).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٣).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٩)
[ ٦١٦ ]
تسمية الخوارج بهذا الاسم:
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " وحديث العلماء في الفرق الإسلامية عن الخوارج؛ إنما هو عن هؤلاء الذين خرجوا على علي - ﵁ - من أجل التحكيم. أما طلحة، والزبير، ومعاوية، ومن تبعهم، فلم يُعْرَفُوا عند علماء المسلمين بهذا الاسم" (١).
ثم استرسل - ﵀ - على إطلاق كلمة الخوارج، فقال: " صارت كلمة (الخوارج) تطلق على كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين، اتفقت الجماعة على إمامته في أي عصر من العصور، دون أن يأتي ذلك الإمام بكفر ظاهر ليس له عليه حجة. وإذن فأول من أحدث هذه البدعة في هذه الأمة؛ الجماعة التي خرجت على علي بن أبي طالب سنة (٣٩ هـ) " (٢).
إن كلمة (خوارج) أطلقت على أولئك النفر الذين خرجوا على علي بن أبي طالب - ﵁ - بعد قبوله التحكيم عقب معركة "صفين" إذ اعتبر هؤلاء التحكيم خطيئة تؤدي إلى الكفر، ومن ثم طلبوا من "علي" أن يتوب من هذا الذنب، وانتهى الأمر بأن خرجوا من معسكره. وقد قبل الخوارج هذه التسمية، ولكنهم فسروا الخروج بأنه خروج من بيوتهم جهادًا في سبيل الله، وفقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ النساء: ١٠٠. وقد أطلق على الخوارج أيضًا اسم (الشُّراة) وربما يكونون هم الذين وصفوا أنفسهم بذلك؛ لأنهم يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ التوبة: ١١١. وسموا أيضًا بـ (الحرورية)؛ لانحيازهم في أول أمرهم إلى قرية "حروراء" بالقرب من الكوفة. كما سموا أيضًا بـ (المحكمة)؛ لرفعهم شعار "لا حكم إلا لله" والتفافهم حوله. وسموا كذلك بـ (النواصب)؛ لمناصبتهم عليًا ومن والاه
_________________
(١) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق (ص ١٢٠).
(٢) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق (ص ١٢٠ - ١٢٢).
[ ٦١٧ ]
العداوة والبغضاء، وبراءتهم من كثير من الصحابة. وسموا بـ (الوعيدية)؛ لقولهم بتخليد من ارتكب كبيرة في النار.
ومهما يكن من شيء، فإن اسم (الخوارج) في معناه الأول الذي يشير إلى الانشقاق، ومفارقة الجماعة، أصبح الاسم السائر على هذه الجماعة (١).
وسموا بذلك لأن النبي - ﷺ - وصفهم بأنهم (يخرجون على حين فرقة من المسلمين) (٢)، ولأنهم يخرجون على أئمة المسلمين، وعلى جماعتهم بالاعتقاد والسيف، وهذا وصف عام لكل من سلك سبيلهم إلى يوم القيامة (٣).
_________________
(١) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤)، والخوارج في العصر الأموي لنايف محمود معروف (١٨٧/ ١٩٤)، العقود الفضية في أصول الإباضية لسالم أحمد الحارثي (٣٧/ ٣٨، ٤٦)، وتاريخ الطبري (٥/ ٥٥)، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد جلي (ص ٥٣).
(٢) أحرجه البخاري في كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل ويلك، برقم (٦١٦٣)، ومسلم في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (١٠٦٤).
(٣) الخوارج أول الفرق في التاريخ (ص ٢٢).
[ ٦١٨ ]
- أصول الخوارج:
قال الشيخ - ﵀ - في بيان بعض أصولهم: "ومن أصولهم التي اشتركت فيها فرقهم: البراءة من علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عباس - ﵃ - وتكفيرهم. والقول بأن الخلافة ليست في بني هاشم فقط -كما تقول الشيعة- ولا في قريش فقط- كما تقول أهل السنة-؛ بل في الأمة عربها وعجمها، فمن كان أهلًا لها، علمًا، واستقامة في نفسه، وعدالة في الأمة؛ جاز أن يختار إمامًا للمسلمين، والخروج على أئمة الجور، وكل من ارتكب منهم كبيرة؛ ولذلك سموا (الخوارج).
والإيمان عندهم: عقيدة، وقول، وعمل.
وقد وافقوا في هذا أهل السنة والجماعة، وخالفوا غيرهم من الطوائف. ومن أصولهم أيضًا: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر.
وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين؛ ولذا سموا (وعيدية).
ومن أصولهم أيضًا: القول بخلق القرآن.
وإنكار أن يكون الله قادرًا على أن يظلم.
وتوقف التشريع والتكليف على إرسال الرسل.
وتقديم السمع والطاعة على العقل، على تقدير التعارض؛ فمن وافقهم في هذه الأصول فهو منهم، وإن خالفهم في غيرها. ومن وافقهم في بعضها، ففيه منهم بقدر ذلك" (١).
نستطيع القول بأن منهجهم وأصولهم وسماتهم العامة كالتالي (٢):
١ - التكفير بالمعاصي (الكبائر)، وإلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والقتال.
_________________
(١) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق (ص ١٢١ - ١٢٢)، وينظر في أصول الخوارج: غاية المراد في نظم الاعتقاد لنور الدين السالمي العماني (ص ١٢)، ورسالة في فرق الشيعة والخوارج وتكفيرهم غلاتهم للدبسي (ص ١٣)، مختصر تاريخ الإباضية للباروني (ص ٦٥).
(٢) ينظر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام (ص ٣١ - ٣٣) استفدت منه طريقة السبر والتقسيم.
[ ٦١٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " والفرق .. في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول جمهور الرافضة، وجمهور المعتزلة، والجهمية، وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم (١).
فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنّة الرسول - ﷺ - وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرًا" (٢).
وقال: " وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سُنِّيٍّ فهو مذهب الخوارج، والتكفير باعتقاد سُنِّيٍّ مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم" (٣).
من أصول الخوارج اعتبار مرتكب الكبيرة كافرًا فقد بنى الخوارج رأيهم فيه على قولهم: إن العمل بأوامر الدين والانتهاء عما نهى عنه جزء من الإيمان، فمن عطل الأوامر، وارتكب النواهي لا يكون مؤمناَ، بل كافرًا إذ الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض. ولم يقف الخوارج عند هذا الحد، بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنبًا، واتخذوا هذا مبدأ للتبرؤ والولاية، فمن ارتكب خطأ تبرؤوا منه وعدوه كافرًا، ومن اتبع رأيهم، وسلم من الذنوب في ظنهم تولوه، وبناء على ذلك تولوا أبا بكر، وعمر، وعثمان في سنيه الأولى، وعليًا قبل التحكيم، وتبرؤوا من عثمان في سنيه الأخيرة لأنه -في زعمهم- غير وبدل، ولم يسر سيرة أبي بكر وعمر، وحكموا بكفره، وتبرؤوا من علي حينما قبل التحكيم وحكموا أيضًا بكفره، كما تبرؤوا وكفروا كلًا من طلحة، والزبير، وأم المؤمنين عائشة، وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وحكام بني أمية (٤).
قال الأشعري: " أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب أن حكَّم، وهم مختلفون هل كفره: شرك أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات، فإنها لا تقول
_________________
(١) ولذلك كان بعض السلف يُسمي كل أهل الأهواء: (خوارج) ينظر: الخوارج أول الفرق في التاريخ (ص ٣٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٣).
(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٥).
(٤) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٧٢ - ٧٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨).
[ ٦٢٠ ]
ذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات أصحاب نجدة" (١).
٢ - الخروج على أئمة المسلمين اعتقادًا وعملًا -غالبًا-، أو أحدهما أحيانًا.
قال الشيخ - ﵀ -: " أما الخوارج فقد أبغضوا عثمان وعليًا وعمرو بن العاص ومعاوية وكثيرًا من الصحابة ن وتبرؤوا منهم، ولهذا سموا النواصب لمناصبتهم عليا ومن والاه العداوة والبغضاء، وبراءتهم من كثير من الصحابة" (٢).
٣ - الخروج على جماعة المسلمين ومعاملتهم معاملة الكفار في الدار والأحكام، والبراء منهم وامتحانهم، واستحلال دمائهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - في معرض ذكره لصفات الخوارج-: " فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرًا، ثم يرتبون على الكفر أحكامًا ابتدعوها" (٣).
٤ - صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم، وقتال المخالفين.
٥ - كثرة القراء الجهلة فيهم والأعراب، وأغلبهم كما وصفهم النبي - ﷺ -: (حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام) (٤).
٦ - ظهور سيما الصالحين عليهم، وكثرة العبادة كالصلاة والصيام، وأثر السجود، وتشمير الثياب، ومسهمة وجوههم من السهر، ويكثر فيهم الورع (على غير
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ١٧٠)، وينظر: الخوارج لغالب عواجي (ص ٣٣٦ - ٣٤٥).
(٢) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - (ص ١٩)، ينظر: رسالة في فرق الشيعة والخوارج وتكفيرهم غلاتهم للدبسي (ص ١٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٩٧).
(٤) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣٠).
[ ٦٢١ ]
فقه)، والصدق والزهد، مع التشدد والتنطع في الدين كما وصفهم النبي - ﷺ -: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ) (١).
٧ - ضعف الفقه في الدين، وقلة الحصيلة من العلم الشرعي، كما وصفهم النبي - ﷺ -: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (٢).
٨ - ليس فيهم من الصحابة ولا الأئمة والعلماء وأهل الفقه في الدين أحد، كما قال ابن عباس: " وليس فيكم منهم أحد" (٣) -يعني الصحابة-.
٩ - الغرور والتعالم والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفّوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رؤوسهم.
١٠ - الخلل في منهج الاستدلال؛ حيث أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد، واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار، وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين؛ كما قال فيهم ابن عمر ﵄: " انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (٤).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بها جملة المسلمين وأئمتهم، إحداهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، هذا هو الذي أظهروه في وجه النبي - ﷺ - حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعدل، فإنك لم تعدل، حتى قال له النبي - ﷺ -: (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، لقد خبت
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣١)، ومسلم في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (١٠٦٤).
(٢) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ..،برقم (٥٠٥٨)، ومسلم في كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج، برقم (١٠٦٦).
(٣) ينظر: سنن النسائي الكبرى (٥/ ١٦٦)، المستدرك على الصحيحين (٢/ ١٦٤)، سنن البيهقي الكبرى (٨/ ١٧٩)، الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٨٨).
(٤) شرح السنة للحسين بن مسعود البغوي (١٠/ ٢٣٣).
[ ٦٢٢ ]
وخسرت إن لم أعدل) (١)، فقوله: فإنك لم تعدل، جعل منه لفعل النبي - ﷺ - سفهًا وترك عدل، وقوله: "اعدل"أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح، وهذا وصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة، فقائلها لا بد أن يثبت ما نفته السنة، وينفي ما أثبتته السنة، يحسن ما قبحته السنة، ويقبح ما حسنته السنة، وإلا لم يكن بدعة، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل، لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة.
وثانيها: أن الخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن.
وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا؛ فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه " (٢).
١١ - الجهل بالسنة واقتصارهم على الاستدلال بالقرآن غالبًا.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " والخوارج جوزوا على الرسول - ﷺ - نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدَّقوه فيما بلغه من القرآن؛ دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم- ظاهر القرآن؛ وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه، كما يحكى عن عمرو بن عبيد (٣) في حديث الصادق المصدوق (٤)، وإنما يدفعون عن نفسهم الحجة؛ إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول. فيطعنون تارة في الإسناد، وتارة في المتن، وإلا فهم ليسوا
_________________
(١) أحرجه البخاري في صحيحة، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٢ - ٧٣).
(٣) هو: عمرو بن عبيد أبو عثمان البصري، القدري رأس المعتزلة، عُرف بالزهد والعبادة، رويت له أقوال شنيعة في موقفه من النصوص، وكذبه العلماء، توفي سنة (١٤٤ هـ). ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/ ١٦٢)، سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤).
(٤) حديث الصادق المصدوق: عن ابن مسعود ﵁ في القدر، قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ) الحديث في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة، برقم (٣٢٠٧)، ومسلم كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .. برقم (٢٦٤٣).
[ ٦٢٣ ]
متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول - ﷺ -، بل ولا بحقيقة القرآن" (١).
وبين شيخ الإسلام: ما يترتب على تعطيل السنة، فقال: " والخوارج لا يتمسكون من السنة إلا بما فسّر مجملها دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصابًا، وحينئذٍ فقد يقولون: ليس في القرآن قتل المرتد، فقد يكون المرتد عندهم نوعين " (٢).
والذي أدى بالخوارج إلى مثل هذه الآراء هو سوء فهمهم للقرآن، فهم لم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يُوجب تكفير أرباب الذنوب، وإذا كان المؤمن هو البر التقي، فمن لم يكن برًا تقيًا، فهو كافر مخلد في النار. ثم قالوا: إن عثمان وعليًا، ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله. فكانت بدعة الخوارج لها مقدمتان -كما يقول ابن تيمية - الأولى أن من خالف القرآن بعمل أو رأي أخطأ فيه فهو كافر. والثانية أن عثمان وعليًا، ومن والاهما كانوا كذلك، وكلا المقدمتين خطأ (٣).
١٢ - سرعة التقلب واختلاف الرأي وتغييره (عواطف بلا علم ولا فقه)، لذلك يكثر تنازعهم وافتراقهم فيما بينهم، وإذا اختلفوا تفاصلوا وتقاتلوا.
١٣ - التعجل في إطلاق الأحكام والمواقف من المخالفين (سرعة إطلاق الحكم على المخالف بلا تثبت).
١٤ - الحكم على القلوب واتهامها، ومنه الحكم باللوازم والظنون.
١٥ - القوة والخشونة والجلد والجفاء والغلظة في الأحكام والتعامل، وفي القتال والجدل.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٨ - ٤٩).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠ - ٣١)، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (ص ٦٧).
[ ٦٢٤ ]
١٦ - قصر النظر، وضيق العطَنَ (١)،
وقلة الصبر، واستعجال النتائج.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل" (٢).
١٧ - يقتلون أهل الإسلام ويخاصمونهم، ويدعون أهل الأوثان كما وصفهم في الحديث (٣).
- فرق الخوارج:
قال الشيخ - ﵀ -: " ورءوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم" (٤).
عند حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يظهر كثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبدًا على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعًا، وبعضهم يعدها خمسًا، وبعضهم يعدها سبعًا، وبعضهم يعدها ثمانًا، وآخرون خمسًا وعشرين (٥) إلخ.
وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها:
١ - أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة المضطهدة من جهة خصومهم وهم عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم.
٢ - أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفًا
_________________
(١) العطن ما حول الحوض والبئر من مبارك الإبل ومناخ القوم ويجمع على أعطان عطنت الإبل تعطن عطونا وإعطانها حبسها على الماء بعد الورد، وفلان واسع العطن واسع الصبر والحيلة عند الشدائد سخي كثير المال وضده ضيق العطن. ينظر: العين للخليل بن أحمد (٢/ ١٤)، القاموس المحيط (ص ١٥٦٩)، المعجم الوسيط (٢/ ٦٠٩).
(٢) المنهاج (٣/ ٤٦٤).
(٣) ينظر: مشارق أنوار العقول للسالمي (٢/ ٣١٨ - ٣٢٨).
(٤) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق (ص ١٢٠ - ١٢١).
(٥) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٤)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٣)
[ ٦٢٥ ]
عليها منهم أو ضنا بها عنهم، وهي قليلة جدًا قلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية ونحو هؤلاء" (١).
٣ - أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصرًا صحيحا، وقد يعود ذلك لقلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم.
٤ - أنهم كانوا سريعي التفرق؛ إذ أدنى سبب تافه كافٍ لتفرقهم إلى فرق.
ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين (٢).
وعلى كلٍ فسوف أقدم هنا -إن شاء الله تعالى- تعريفًا موجزًا عن الفرق التي ذكرها الأشعري (٣)، مركزًا على ذكر مؤسس كل فرقة، وبعض آرائهم التي تميزهم عن غيرهم، مع الإحالة إلى كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عند كل فرقة في موطنها، لأن المقام يضيق عن بسط القول في ذلك.
قال الأشعري - ﵀ -: " وأول من أحدث الخلاف بينهم نافع بن الأزرق الحنفي، والذي أحدثه البراء من القعدة، والمحنة لمن قصد عسكره، وإكفار من لم يهاجر إليه" (٤).
"ويُعدُّ افتراق ابن الأزرق أول انقسام في الخوارج، وكان ذلك سنة ٦٤ هـ حين فاصلوا ابن الزبير، فافترقوا إلى أربع فرق كبرى:
١ - الأزارقة.
٢ - الصفرية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٨ - ٤٩).
(٢) ينظر لما سبق: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي (ص ١٩٣).
(٣) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨، ١٦٩).
(٤) مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨، ١٦٩).
[ ٦٢٦ ]
٣ - النجدات.
وقد انقرضت هذه الثلاث.
٤ - الأباضية وهي الباقية إلى اليوم" (١).
ويؤيد هذا التقسيم ما ذكره الأشعري من أن أصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والإباضية والصفرية والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية، فإنما تفرعوا عن الصفرية (٢).
أولًا: الأزارقة (٣).
هم أتباع أبي راشد نافع ابن الأزرق (٤)، وقد كثر خروجهم وحروبهم للدولة الإسلامية حتى إن المهلب بن أبي صفرة بقي في حربه لهم تسع عشرة سنة إلى أن فرغ من أمرهم أيام الحجاج (٥).
-بدع الأزارقة:
_________________
(١) الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام للدكتور ناصر العقل (ص ٣٨).
(٢) ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٥٦).
(٣) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مذكرة التوحيد (ص ١٢٣)، وتعليق الشيخ على الإحكام (١/ ٢٢٩).
(٤) هو: نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، البكري الوائلي، الحروري، أبو راشد: رأس الأزارقة، وإليه نسبتهم. كان أمير قومه وفقيههم. من أهل البصرة. صحب في أول أمره عبد الله بن عباس. وله أسئلة رواها عنه، قال الذهبي: مجموعة في جزء، أخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير. وكان هو وأصحاب له من أنصار الثورة على (عثمان)، ووالوا عليا، إلى أن كانت قضية (التحكيم) بين علي ومعاوية، فاجتمعوا في (حروراء) وهى قرية من ضواحي الكوفة، ونادوا بالخروج على علي، وعرفوا لذلك، هم ومن تبع رأيهم، بالخوارج وكان نافع (صاحب الترجمة) يذهب إلى سوق الأهواز، ويعترض الناس بما يحير العقل (كما يقول الذهبي)، وكان (نافع) جبارا فتاكا، قاتله المهلب بن أبى صفرة ولقي الأهوال في حربه وقتل يوم (دولاب) على مقربة من الأهواز سنة (٦٥ هـ). ينظر: الكامل لابن الأثير (٣/ ٣٤١)، الملل والنحل (١/ ١١٨ - ١١٩)، والعقد الفريد لأحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (٢/ ٣٩٠)، تلبيس إبليس (ص ٩٣).
(٥) ينظر: الملل والنحل (١/ ١٢٠).
[ ٦٢٧ ]
١ - أنهم كفروا عليا - ﵁ - وقالوا إن الله أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ البقرة: ٢٠٤، وكذلك كفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبدالله بن عباس - ﵃ - وقالوا بتخليدهم في النار.
٢ - تكفيرهم القاعد عن القتال.
٣ - إباحة قتل أطفال المخالفين والنساء.
٤ - إسقاط الرجم عن الزاني.
٥ - إسقاط حد المحصنات من النساء.
٦ - أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل.
٧ - تجويزهم أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرا قبل البعثة.
٨ - أنه من ارتكب كبيرة من الكبائر فإنه كافر كفرا يخرج عن الملة ويخلد في النار مع سائر الكفار واستدلوا بكفر إبليس لعنه الله وقالوا ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع وإلا فهو عارف بوحدانية الله (١).
٩ - ذهبوا إلى أن مخالفيهم مشركون، وألحقوا بهم في الشرك أطفالهم، وأنهم جميعًا مخلدون في النار، ومن ثم يحل قتلهم وقتالهم. وأن دار مخالفيهم دار حرب يستباح منها ما يستباح في دار الحرب من قتل الأطفال والنساء، وسلب الذراري، وغنيمة الأموال، وأن من خالفهم لا يحفظ له عهد، ولا تؤدى إليه أمانة.
١٠ - أن من أقام في دار الكفر (يقصدون غير معسكرهم) وقعد عن اللحاق بهم، وإن كان على رأيهم، اعتبروه مشركًا.
١١ - وأن من قصدهم لابد من استعراضه، وامتحانه للتأكد من صدق نيته، وذلك يدفع إليه أسير من مخالفيهم، ويأمروه بقتله، فإن قتله صدقوه في أنه منهم، وإن لم يقتله اعتبروه منافقًا ومشركًا وقتلوه (٢).
_________________
(١) ينظر لما سبق من بدعهم: الفصل في الملل والنحل بحاشية الشهرستاني (١/ ١٦٢)، الخوارج للعواجي (ص ٢٠١)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٣١).
(٢) ينظر لما سبق: الفرق بين الفرق (ص ٨٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٢١ - ١٢٢).
[ ٦٢٨ ]
١٢ - إسقاطهم حد الرجم عن الزاني المحصن بحجة أنه لم يرد في القرآن نص عليه (١).
١٣ - كما أسقطوا أيضا حد القذف عمن قذف المحصن من الرجال مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء، تمسكًا أيضا - في زعمهم- بما ورد في القرآن (٢).
١٤ - وذهبوا أيضًا إلى أن يد السارق تقطع في القليل، والكثير من غير اعتبار لنصاب الشيء المسروق، وأن القطع يكون من المنكب، كما أوجبوا على الحائض الصلاة والصوم في حيضها (٣).
١٥ - كما أنهم حرموا قتل النصارى واليهود، وأباحوا قتل المسلمين (٤).
وهذه الآراء واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول - ﷺ -: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (٥).
ثانيًا: الصفرية (٦).
من فرق الخوارج أتباع زياد بن الأصفر.
وقولهم كقول الأزارقة في تكفير أصحاب الذنوب، ولكنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم.
وهم ثلاث فرق:
١ - فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك.
٢ - وفرقة تقول إن اسم الكفار واقع على صاحب ذنب ليس فيه حد، والمحدود خارج من الإيمان وغير داخل في الكفر.
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٢١).
(٢) الملل والنحل (١/ ١٢١).
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ١٨٩).
(٤) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٩ - ١٧٤)، الفرق بين الفرق (ص ٨٣ - ٨٤)، الملل والنحل (١/ ١٢٠ - ١٢٢)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد جلي (ص ٧٣).
(٥) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ..،برقم (٥٠٥٨)، ومسلم في كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج، برقم (١٠٦٦).
(٦) ينظر: لذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - لهم في مذكرة التوحيد (ص ١٢٠).
[ ٦٢٩ ]
٣ - وفرقة تقول إن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حدَّه الوالي على ذنبه (١).
ثالثًا: النجدات العاذرية (٢).
النجدات فرقة من فرق الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحنفي (٣).
- بِدع النجدات العاذرية:
١ - الدين عندهم معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين (ويقصدون موافقيهم في المذهب) (٤)، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع معرفته، ولا عذر في الجهل به؛ ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرم. وتبني النجدات مبدأ العذر بالجهل في أحكام الفروع، حتى سموا العاذرية.
٢ - فرقوا في حكمهم على مرتكب الذنب بين من يأتي الذنوب، ويصر عليها، وبين من يأتيها من غير إصرار. واعتبروا الأول مشركًا، وإن كان الذنب نظرة بسيطة، أو كذبة صغيرة، أو غيرها من الصغائر، وأما الثاني فهو مسلم، وإن اقترف الكبائر كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر. وبناء على هذا يمكن أن يفهم ما نسب إلى نجدة من أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم في غير جهنم، ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار لا يدخلها إلا من خالف في دينه.
٣ - ونسب إلى النجدات أيضًا أنهم أسقطوا حد الخمر، وقالوا بعدم وجوب الإمامة (٥).
_________________
(١) ينظر لما سبق: المقالات للأشعري (١/ ١٨٢)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٩٠)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٧)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٢٥٨).
(٢) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مذكرة التوحيد (ص ١٢٤).
(٣) هو: نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي أو الثقفي كما يقول بعضهم. ويختلف النقل في مكان خروجه؛ فبعضهم يرى أنه كان من اليمامة ومنها انتشر أمره إلى بقية البلدان وهذا هو المشهور، وقد قتل في السنة الثانية والسبعين من الهجرة. ينظر: الكامل لابن الأثير (٤/ ٢٠١، ٢٠٦)، والملل والنحل (١/ ١٢٢)، ومقالات الأشعري (١/ ١٧٤)، وتلبس إبليس (ص ٩٥)، والفرق بين الفرق (ص ٨٧).
(٤) يظهر من هذا أن من لم يكن منهم فليس من المسلمين.
(٥) ينظر لما سبق: الملل والنحل (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، والفرق بين الفرق (ص ٨٧ - ٨٩)، ومقالات الإسلاميين (ص ٩١)، تلبس إبليس (ص ٩٥)، مقالات الأشعري (١/ ١٧٥)، التنبيه والرد (ص ٦٧)، التبصير في الدين (ص ٤٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٥٥)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٢٥).
[ ٦٣٠ ]
وهذه الآراء كذلك واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول - ﷺ -: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (١).
رابعًا: الأباضية (٢).
هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، ونسبت إليه (٣).
- الأباضية بين فرق الخوارج:
يدعي الأباضيون أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة، والحقيقة أنهم ليسوا من غلاة الخوارج كالأزارقة، مثلًا، لكنهم يتفقون مع الخوارج في مسائل عديدة منها:
١ - أن عبد الله بن إباض يعتبر نفسه امتدادًا للمحكمة الأولى من الخوارج.
٢ - كما يتفقون مع الخوارج في تعطيل الصفات.
٣ - والقول بخلق القرآن.
٤ - وتجويز الخروج على أئمة الجور (٤).
إذا عرفنا أن الأباضية فرق من فرق الخوارج الكبرى، بإجماع المؤرخين الذين عاصروهم ومن بعدهم، فإنه من الضروري أن نتعرف على موقع الأباضية بين فرق
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ..،برقم (٥٠٥٨)، ومسلم في كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج، برقم (١٠٦٦).
(٢) مذكرة التوحيد (ص ١٢٧).
(٣) هو: عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة عبيد رهط الأحنف بن قيس، توفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٤)، والفرق بين الفرق (٢٤، ١٠٣)، الأباضية لعلي يحي معمر (ص ٣٠، ٣٥٣)، ومختصر تاريخ الإباضية للباروني (ص ١٩)، الكامل للمبرد (٢/ ١٧٩).
(٤) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة للدكتور مانع الجهني نشر الندوة العالمية (١/ ٥٨)، وينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٥٦).
[ ٦٣١ ]
الخوارج؛ فالأباضية لا تخالف سائر الخوارج في غالب أصولهم، وأشهر مسألة اختلفوا فيها مع غيرهم من فرق الخوارج بعد أن فارقوا ابن الزبير، حيث لم يبرأ من عثمان - ﵃ -، وهي:
مسألة الموقف من المخالفين، أي حكمهم على بقية المسلمين، فأغلب الخوارج يرون ما عداهم من المسلمين كفارًا مشركين، يجب قتالهم ولا يجوز مناكحتهم ولا إرثهم ولا أكل ذبائحهم، ودارهم دار حرب.
أما الأباضية، فإنها وإن رأت جواز قتال المسلمين أحيانًا، إلا أنها تقول: بأنهم كفار نعمة، ويجرون عليهم أحكام الموحدين من حيث النكاح والإرث والسبي والغنائم، وجواز معايشتهم والإقامة بينهم.
وهذه المسألة من المسائل التي أجمع كُتاب الفرق على أن الأباضية خالفت فيها سائر الخوارج، وأنها تعد من الفوارق الرئيسية، بل هي الميزة التي أضفت على الأباضية سمة الاعتدال تجاه المخالفين، والتي جعلت الأباضية تعايش بقية المسلمين وتسالمهم حتى اليوم (١).
- بعض الفرق الأباضية (٢).
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - بعض الفرق الأباضية (٣)، وهي:
١ - الحفصية (٤).
_________________
(١) الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام (٦٤ - ٦٥)، وينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٨٣) وما بعدها، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١٠٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٣)، الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي يحي معمَّر (ص ٢٤٧)، معجم ألفاظ العقيدة لأبي عبد الله عامر عبد الله فالح (ص ١٥)،.
(٢) قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: "فرقة الأباضية من الفرق الضالة؛ لما فيهم من البغي والعدوان والخروج على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب - ﵄ -، ولا تجوز الصلاة خلفهم". ينظر: فتاوى اللجنة (٢/ ٣٦٩).
(٣) ينظر: مذكرة التوحيد (ص ١٢٧ - ١٢٨).
(٤) الحفصية: فرقة من فرق الأباضية أصحاب حفص بن أبي المقدام، وله أقوال تخرج عن الإسلام، كإنكار النبوة وإنكاره الجنة والنار واستحلال كثير من المحرمات، وقد أثبت علماء الفرق بأنها أولى فرق الإباضية. ولكن علي يحيى معمر ينفي- في كتاب (الإباضية بين الفرق الإسلامية ص ٢١) - أن تكون هذه الفرقة من الإباضية أشد النفي بل ويشك فيها وفي وجودها، وينكر أن يكون لهذه الفرقة أو زعيمها ذكر في كتب الإباضية. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١١٠)، مقالات الأشعري (١/ ١٨٣)، الفرق بين الفرق (ص ١٠٤)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ١٥٠).
[ ٦٣٢ ]
٢ - الحارثية (١).
وقد اندثرت هذه الفرق التي انشقت عن الإباضية، وقد تبرأ سائر الإباضية من أفكارهم وكفروهم لشططهم وابتعادهم عن الخط الإباضي الأصلي، الذي لا يزال إلى يومنا هذا (٢).
موقف الصحابة والسلف من الخوارج وحكمهم فيهم.
كان موقف الصحابة - ﵃ - والسلف من بعدهم، من الخوارج قويًا وحازمًا، وقد تجلى في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم كما فعل علي بن أبي طالب وابن عباس - ﵄ -.
وكانوا يرونهم شرار الخلق.
وكانوا يقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطعوا السبل وتعرضوا لمصالح المسلمين.
وإليك نماذج من مواقف السلف من الخوارج:
١ - أخرج الآجري في الشريعة عن ابن طاووس، عن أبيه قال: ذكر لابن عباس - ﵁ -: "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به" (٣). يعني بما يصيبهم عند قراءة القرآن من الصعق والغشي.
٢ - قال الآجري: " فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام - عدلًا كان الإمام أو جائرًا- فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في الصلاة ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في
_________________
(١) الحارثية: أصحاب الحارث بن يزيد الأباضي الخارجي، خالف الأباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة وفي الاستطاعة قبل الفعل، وزعمت الحارثية انه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبد الله بن أباضى وبعده حارث ابن مزيد الاباضى. ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٠٥)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ١٣٩).
(٢) ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (١/ ٨٥)، الموسوعة الميسرة (١/ ٦١).
(٣) الشريعة (ص ٢٧ - ٢٨).
[ ٦٣٣ ]
العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج، وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين" (١).
٣ - وأخرج ابن بطة (٢): عن قتادة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ آل عمران: ٧ قال: إن لم يكن الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟ ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع ولكنه كان ضلالة فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافًا كثيرًا، فوالله إن الحرورية لبدعة وإن السبئية لبدعة ما أنزلت في كتاب ولا سنّهن نبي والحرورية والسبئية والروافض أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين حرقهم عليّ بن أبي طالب - ﵁ - بالنار وبقي بعضهم (٣).
ورغم شدة موقف الصحابة والأئمة من بعدهم منَ الخوارج وقتالهم لهم، إلا أنهم توقفوا في تكفيرهم.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " ومما يدل على أن الصحابة لم يكفّروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر - ﵁ - وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضًا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري، لما أرسل إليه يسأله عن مسائل، وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق" (٤).
_________________
(١) الشريعة (ص ٢٨).
(٢) هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري المشهور بابن بطة، حنبلي سلفي، من مؤلفاته: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٢).
(٣) ينظر: الإبانة (٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨).
(٤) منهاج السنة (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
[ ٦٣٤ ]
وقال كذلك - ﵀ -: " والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع" (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢١٧ - ٢١٨).
[ ٦٣٥ ]
المبحث الثاني
الشيعة.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - في التعريف بهذا المصطلح في اللغة: " الشياع: القوة والانتشار، يقال: شَاعَ الخبر إذا انتشر، وكَثُرَ التكلُّم به. وشيعة الرجل: خواصُّه، وجماعته الذين ينتشرون، ويتقوَّى بهم؛ لنسب يجمعهم، أو لأتباعهم إياه في مذهبه، وسيرهم على منهاجه وسننه، وتجمع الشيعة على (شيع)، وتجمع شيع على (أشياع) " (١).
ويبين الشيخ - ﵀ - معناها في الاصطلاح، بقوله: " والمراد بالشيعة هنا: كل من شايع علي بن أبي طالب خاصة، وقال بالنصِّ على إمامته، وقصر الإمامة على آل البيت، وقال بعصمة الأئمة من الكبائر، والصغائر، والخطأ. وقال: لا ولاء لعلي إلا ببراء من غيره من الخلفاء الذين في عصره قولًا، وفعلًا، وعقيدةً، إلاَّ في حال التقية. وقد يثبت بعض الزيدية الولاء دون البراء. فهذه أصول الشيعة التي يشترك فيها جميع فرقهم، وإن اختلفت كل فرقة عن الأخرى في بعض المسائل -فمن قال ممن ينتسب إلى الإسلام- بهذه الأصول، فهو شيعيٌّ، وإن خالفهم فيما سواها. ومن قال بشيء منها، ففيه من التشيع بحسبه" (٢).
ويبين الشيخ - ﵀ - رءوسهم، فيقول: " ورءوس فرق الشيعة خمسة: الزيدية، والإمامية، والكيسانية، والغلاة، والإسماعيلية. ومن العلماء من لم يجعل الإسماعيلية فرقة رئيسة" (٣).
الشيعة: من حيث مدلولها اللغوي تعني القوم، والصحب، والأتباع، والأعوان (٤).
ولكن كلمة "شيعة" اتخذت معنًا اصطلاحيا، خلال التاريخ الإسلامي، واستخدمت للدلالة على جماعة اعتقدت بأن الإمامة ليست من المصالح العامة، التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله، ولا تفويضه
_________________
(١) مذكرة التوحيد (ص ١٢٩).
(٢) مذكرة التوحيد (ص ١٢٩ - ١٣٠).
(٣) مذكرة التوحيد (ص ١٣٠).
(٤) ينظر: لسان العرب (٨/ ١٨٨)، الصحاح للجوهري (٤/ ٣٧٥)، القاموس المحيط (١/ ٩٥٠)، المعجم الوسيط (١/ ٥٠٣)، النهاية في غريب الأثر (٢/ ١٢٦٩)، تهذيب اللغة (٣/ ٤١).
[ ٦٣٦ ]
إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم؛ فأصبح الاعتقاد بالنص والوصية في الإمامة معيار التمييز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام، مع القول بعصمة الأئمة وغيرها من العقائد الباطلة (١).
وهذه الجماعة هي من فضّلت إمامة علي بن أبي طالب وبنيه على الخليفة عثمان بن عفان، ومن بعده من الأئمة، مع تفضيلهم إمامة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع؛ وفي وقتها لم يكن الخلاف دينيًا ولا النزاع قبليًا فكان أبناء علي - ﵃ - يفدون إلى الحكام ويصلون خلفهم، ومع ذلك لم تتميز به طائفة مخصوصة بأصول تخالف بها جماعة المسلمين.
إلى أن تطورت عقائد الشيعة إلى حد إنكار الكثير من المسلمات والأسس التي قام عليها الإسلام. ولذلك أطلق عليهم علماء السلف روافض تمييزًا لهم عن الشيعة الأوائل. ومن أبرز سمات الشيعة بفرقهم أنهم من أسرع الناس سعيًا إلى الفتن في تاريخ الأمة قديمًا وحديثًا. ولذلك انقسمت الشيعة إلى فرق كثيرة، من أشهرها الرافضة الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية، وإسماعيلية وغيرها (٢).
_________________
(١) ينظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد جلي (ص ١٦٧).
(٢) ينظر: الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٨٤ - ١٠٨٥)، التعريفات للجرجاني (١/ ١٧١)، الشيعة والسنة لإحسان إلهي ظهير (ص ٣١ - ٤٠) وما بعدها، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٢٤٧).
[ ٦٣٧ ]
تنسب إلى الشيعة فرق متعددة تطرف بعضها، فرفعت عليًا وذريته إلى مرتبة الألوهية، أو النبوة، وجعلت منزلة "علي" أعلى من منزلة النبي - ﷺ -، ومرتبته. وبعضها لم يصل إلى هذا المستوى من الغلو والانحراف. وقد أنكر الشيعة أنفسهم نسبة تلك الفرق الغالية إليهم، أو إلى الإسلام (١)، ولكن كُتَّاب الفرق الإسلامية جميعًا يثبتون علاقة وطيدة بين هذه الفرق الغالية، وبين التيار الشيعي العام. وإذا لم يكن لهؤلاء الغلاة صلة بالتشيع في صورته العامة، فإنهم، ولا شك، اتخذوا من التشيع ستارًا، ومن حب آل البيت وسيلة إلى نشر أفكارهم المنحرفة وعقائدهم الباطلة (٢).
وسأذكر هنا إن شاء الله فرق الشيعة التي تناولها الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -، معددًا لها، متجنبًا الإسهاب في تعريفها ونشأتها، خشية الإطالة وإثقال كاهل الرسالة، محيلًا إلى كلام الشيخ عن كل فرقة في موطنه (٣):
١ - الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (٤) (٥).
_________________
(١) ينظر: المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري القمي -وهو من الإمامية- (ص ٦٤)، الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (ص ٢٩١/ ٢٩٤).
(٢) ينظر: دراسة عن الفرق لأحمد جلي (ص ١٨٠ - ١٨١)، الشيعة وآل البيت لإحسان إلاهي ظهير (ص ٤٧) وما بعدها، فجر الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٧٦).
(٣) ولآراء هذه الفرق ومعرفة أصولها، ينظر: مقالات الإسلاميين (ص ٦٦) وما بعدها، الملل والنحل (١/ ١٧٣) وما بعدها، الفرق بين الفرق (ص ١٢٣) وما بعدها.
(٤) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في فتاوى اللجنة (٢/ ٣٧٤، ٣٨٠).
(٥) الشيعة الإمامية الاثنا عشرية: هذه الفرقة لها عدة أسماء، فإذا قيل عنهم الرافضة فهم الذين يرفضون إمامة الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - ﵃ -، ويسبون ويشتمون أصحاب النبي - ﷺ -؛ وإذا قيل عنهم الشيعة، فهم الذين شايعوا عليًا - ﵁ - على الخصوص وقالوا بإمامته؛ وإذا قيل لهم الاثنا عشرية فلاعتقادهم، بإمامة اثني عشر إمامًا، آخرهم الذي دخل السرداب بسامراء وهو محمد بن الحسن العسكري على حد زعمهم، وادعت هذه الفرقة بأن هؤلاء الاثني عشر لهم من الأمور ما ليس لغيرهم كادعائهم الغيب ويعلمون متى يموتون ويعلمون ما كان وما سيكون وما إن كان كيف سيكون وهذا ما جاء في أصح كتبهم وهو الكافي في الأصول للكليني؛ وإذا قيل لهم الإمامية فلأنهم جعلوا الإمامة ركنًا خامسًا من أركان الإسلام، وجعلوا من الإمامة القضية الأساسية التي شغلتهم، وإذا قيل لهم جعفرية فلنسبتهم إلى الإمام جعفر الصادق وهو الإمام السادس عندهم، الذي كان من فقهاء عصره، ويُنسب إليه كذبًا وزورًا فقه هذه الفرقة. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥)، الملل والنحل (١/ ١٤٦)، الفرق بين الفرق (ص ٢٩)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (ص ٦٥)، دراسة عن الفرق لأحمد جلي (ص ٢٠٣ - ٢٧٠)، الموسوعة الميسرة (١/ ٥١)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٢١ - ٢٢).
[ ٦٣٨ ]
٢ - الزيدية (١) (٢).
٣ - الرافضة (٣).
٤ - الزرارية (٤) (٥).
٥ - الإسماعيلية (٦).
٦ - النصيرية (٧).
_________________
(١) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مذكرة التوحيد (ص ١٣١ - ١٣٢).
(٢) والزيدية هي: إحدى فرق العدلية القدرية التي تقول بالعدل، إذ تنفي خلق الله تعالى لأفعال العباد بزعم نفي الجبر، كما تعطل نصوص الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى تحت دعوى التوحيد. وتعد الزيدية (الهادوية) أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة والجماعة، إذ يتصف مذهبهم بالابتعاد عن غلو الاثني عشرية وباقي فرق الشيعة، كما أن نسبتها ترجع إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين، الذي كان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعًا، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة. ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، إلا أن فرق الزيدية انحرفت، ما عدا الهادوية، عن مبادئ زيد هذه ورفضوا خلافة الشيخين وتبرؤوا من عثمان وقالوا بالرجعة وعصمة الأئمة موافقة للرافضة. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٦)، الفرق بين الفرق (ص ٢٩)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٥٤)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٧)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد جلي (ص ٢٧٧ - ٢٩٦)، الموسوعة الميسرة (١/ ٧٦)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٢١٧ - ٢٢٨).
(٣) كلام الشيخ - ﵀ - عن الرافضة تجده في مبحث "الباطنية" مع التعليق عليه، يُنتقل إلى (ص ٦٨٩).
(٤) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٤).
(٥) الزرارية: فرقة من فرق الشيعة الرافضة أتباع زرارة بن أعين (ت١٥٠ هـ)، ويدعون "التيمية"، وقد كان زرارة عماريًا إلاَّ أنه سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل فلم يجبه عن بعضها فأنكر إمامته، وقال بإمامة موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يقول إن الله تعالى لم يكن عالمًا ولا قادرًا ثم خلق لنفسه علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا. ينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٠١)، الفرق بين الفرق (ص ٥٢)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٢١٦).
(٦) وهي من فرق الشيعة أفردت في المبحث الرابع " الباطنية" مع التعليق، يُنتقل إلى (ص ٦٨٩).
(٧) وهي فرقة من غلاة الشيعة أفردت في المبحث الرابع " الباطنية" مع التعليق، يُنتقل إلى (ص ٦٨٩).
[ ٦٣٩ ]
٧ - الكيالية (١) (٢).
٨ - الهشامية (٣) (٤).
٩ - النعمانية (٥) (٦).
_________________
(١) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٤).
(٢) الكيالية: فرقة من غلاة الشيعة أتباع أحمد بن الكيال، وكان من دعاة واحد من أهل البيت بعد جعفر بن محمد الصادق، وهو من الأئمة المستورين. وادعى الإمامة أولًا، ثم ادعى أنه القائم ثانيا. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢/ ١٧)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٣) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٤).
(٤) هي: فرقة من غلاة الشيعة أتباع أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية قالوا بانتقال محمد بن الحنفية: وانتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (١/ ٢٠١)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٤٨).
(٥) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عنهم في مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٤).
(٦) فرقة من غلاة الشيعة أصحاب محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول، الملقب بشيطان الطاق، وهم الشيطانية أيضًا. والشيعة تقول: هو مؤمن الطاق. وهو تلميذ الباقر محمد بن علي بن الحسيني، وأفضى إليه أسرار من أحواله وعلومه، وما يحكى عنه من التشبيه فهو غير صحيح. قيل: وافق هشام بن الحكم في أن الله تعالى لا يعلم شيئًا حتى يكون. وقال إن الله تعالى نور على صورة إنسان رباني، ونفى أن يكون جسمًا. ويحكى عن داود أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحي، واسألوني عما وراء ذلك: فإن في الأخبار ما يثبت ذلك. وذكر أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ النجم: ٤٢، قال إذا بلغ الكلام إلى الله تعالى فأمسكوا. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢/ ٢٣)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٣٢ - ٤٣٣).
[ ٦٤٠ ]
المبحث الثالث
أهل الكلام.
تمهيد
ذكر الشيخ - ﵀ - كلام ابن القيم:، والذي قال فيه: " وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى ومكابرة، ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ الذاريات: ٢١، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب - ﷿ -، ونعوته، وأسمائه؛ وهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي بها، تدل عليها، وتخبر بها بلسان الحال، كما قيل:
تأمل سطور الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطًا ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها فصامتها يهدي ومن هو قائل (١)
فلست ترى شيئًا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه. وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها؛ فهي تدل عقلًا، وحسًا، وفطرةً، ونظرًا، واعتبارًا. ا. هـ " (٢).
بين الشيخ - ﵀ - طريقة المتكلمين، ثم رد عليهم؛ بقوله: " مقابلة العقلي بالشرعي تشعر بأن رؤية الله وتنزيهه عن الشريك ونحوهما إنما ثبت بالدليل العقلي لا بدليل الشرع، وهذه طريقة كثير من المتكلمين؛ فإنهم يرون أن أدلة النصوص خطابية لا برهانية لا تكفي لإثبات القضايا العقلية والمسائل الأصولية، اللهم إلا في طريق الخبر كتابًا وسنة بعد الاستقراء، وبعد ثبوت أصل الشرع بالعقل" (٣).
_________________
(١) ذكر هذه الأبيات ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٣٥٦)، وهي من شعر عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، محدث حافظ فقيه أديب مؤرخ مفسر صوفي، ولد بدمشق عام ١٠٥٠ هـ، وبها توفي عام ١١٤٣ هـ، وهذا البيت في ديوانه. ينظر ترجمته في: سلك الدرر للمرادي (٣/ ٣٠)، والأعلام للزركلي (٤/ ٣٢).
(٢) مذكرة التوحيد (ص ٣٨)، وينظر: مدارج السالكين (٣/ ٣٥٦).
(٣) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ٣٧٠).
[ ٦٤١ ]
ويرد الشيخ - ﵀ - على هذه الطريقة، فيقول: " وهذا غير صحيح؛ فإن نصوص الشرع كما جاءت بالخبر الصادق في القضايا العقلية وغيرها جاءت بتقرير الحق في ذلك بأوضح حجة وأقوى برهان لكنها لم تجيء على أسلوب الصناعة المنطقية المتكلفة بل على أسلوب من نزل القرآن بلغتهم بأفصح عبارة وأعلى بيان وأقرب طريق إلى الفهم وأيسره لأخذ الأحكام، ومن تتبع أدلة القرآن في إثبات التوحيد والرسالة والبعث وغير ذلك من أصول التشريع واستقرأ السنة في ذلك تبين له خطأ أولئك الذين وصموا ربهم وكتابه ونبيه وسنته بما لا يصدر إلا من عدو للمسلمين يريد الكيد لهم في أصول دينهم ومصادر تشريعهم ليردهم بذلك إلى ما يزعمه أصولًا عقلية وغالبها شكوك ومحارات، وإن كان فيها شيء من الأدلة الحقة؛ فقد جاء به الشرع، فاللهم أغننا بكتابك وسنة نبيك عن موارد الوهم ومزالق الضلال" (١) (٢).اللهم آمين.
وبين الشيخ - ﵀ - في معرض الرد على من رد السنة لمخالفتها للعقل، فقال: " فيجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلًا من أن يتهم رسوله، أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله - ﷺ - أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجُرب عليه الخطأ كثيرًا، ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه.
فعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد في الرواة الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره" (٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " الواقع حقيقة أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك؛ وأما بالنسبة إلى
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ٣٧٠).
(٢) ينظر: درء التعارض (٨/ ٤٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١١٣٦).
(٣) شبهات حول السنة (ص ١٩)، ينظر: المرجع السابق (ص ٥٨).
[ ٦٤٢ ]
غيرك فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فإن لم تفعل ذلك فلست على شيء" (١).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٥).
[ ٦٤٣ ]
المطلب الأول
قول بعض الفرق في الصفات ورد الشيخ عبد الرزاق - ﵀ - عليهم (١).
تطرق الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - لبعض انحرافات الفرق في صفات الله ﷿، ومنها ما يلي:
١ - الجهمية.
بين الشيخ - ﵀ - في معرض رده على الجهمية أخطاءهم ومخالفتهم لأهل السنة؛ فمنها:
١ - مخالفتهم لما تتوارد النصوص على إثباته من غير دليل يرشد إلى ذلك؛ معتمدين في ذلك على ما أودعه الله عباده من القول؛ ومن ذلك نفيهم صفة العلو ذاتًا ومنزلة عن الله ﷿ (٢)، وزعمهم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء (٣).
٢ - قيام الجهمية بتحريف آيات الكتاب وتفسيرها بغير ما قصد منها، وهم يزعمون أنهم اضطروا إليه فرارا من تشبيه الله بخلقه، وهذا مثل التكذيب بها ومعارضتها بالشبه؛ والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن تثبت هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. كما أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ثابتة على ما يليق به فلا يلزم التشبيه (٤).
٣ - إنكارهم لصفات الله على الحقيقة ومن ذلك صفة الرضا والمحبة لله ﷿، فهذه الصفات تثبت لله بما يليق بجلاله سبحانه (٥).
٤ - إرجاعهم بعض الصفات لبعضها الآخر، تأويلًا منهم، فيثبتون لازمها الذي فسروها به، فيدل عقلًا على ثبوتها، فلزمهم ما فروا منه؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون هذه الصفات التي يرد بها الدليل لله حقيقة على ما يليق بجلاله (٦).
_________________
(١) لهذا القسم تعلق وثيق بمبحث الأسماء والصفات وقد أُفرد هنا لبيان ردود الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - على بعض نفاة الصفات.
(٢) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٩، ١٩٧).
(٣) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٤٥).
(٤) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص،٢٧، ٢١١،٢٨٠، ٢٨١).
(٥) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٨٩، ٩٦).
(٦) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٥٣،١٧١،١٩٥).
[ ٦٤٤ ]
٥ - نفيهم صفة الكلام عن الله ﷿؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون الكلام لله حقيقة على ما يليق به، ومنه أن الله تعالى نادى موسى حقيقة بكلام سمعه موسى في حينه (١).
الجهمية إحدى الفرق الكلامية التي تنتسب إلى الإسلام، بنت مذهبها على مقالات كلامية، ولها ثلاثة إطلاقات (٢).
الأول: الجهمية الأولى الغلاة، الذين ينكرون أسماء الله وصفاته وأفعاله، ويردون النصوص المتعلقة بها، أو يؤولونها، ويقولون بالإرجاء والجبر، ويسمون أيضًا بالجهمية الخالصة، أو المحضة.
الثاني: المثبتون للأسماء دون الصفات من المعتزلة ومن وافقهم، من الرافضة، والزيدية، والخوارج، والنجارية (٣)، والضرارية (٤)،
ونحوهم.
الثالث: الصفاتية، وهم الفرق الكلامية التي تثبت الأسماء الحسنى وبعض
الصفات على اختلاف بينهم فيما يثبت وما ينفى، كالكلابية (٥) والأشاعرة (٦)،
_________________
(١) ينظر: تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٢٥٢).
(٢) التسعينية لابن تيمية (١/ ٢٦٥، ٢٧٠ - ٢٧١).
(٣) النجارية: أصحاب الحسين بن محمد النجار، وهم جبرية في الأفعال، معطلة في الصفات، مرجئة في الإيمان، وأهم فرقهم ثلاث: برغوثية، زعفرانية، مستدركة. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٨)، المقالات (١/ ١٩٩)، الفرق بين الفرق (ص ٢٠٧).
(٤) الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو الكوفي، وهم يشابهون النجارية في كثير من أقوالهم، وقد عدها الشهرستاني من الجبرية، وعدها كل من ابن حزم، والسكسكي ضمن المعتزلة، وعدها الأشعري والبغدادي فرق مستقلة. ينظر: الملل والنحل (١/ ١٤٢)، الفرق بن الفرق (ص ٢١٣)، البرهان (ص ٣٩).
(٥) الكلابية: هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب من آرائهم: أن أسماء الله وصفاته لذاته لا هي الله ولا هي غيره، وأنها قائمة بالله، ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وأن الصفات لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها، وكذلك سائر الصفات، وأن الإيمان لا يتفاضل بمعنى أنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص. وأن القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وأنه لازم لذات الله. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٩ - ٢٥٣، ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧)، نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (ص ١٨١)، أصول الدين لعبد القاهر البغدادي (ص ٥٠).
(٦) الأشاعرة: هم طائفة من طوائف أهل الكلام، ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري في مذهبه الثاني بعد رجوعه عن الاعتزال، وعامتهم يثبتون سبع صفات فقط لله تعالى، ويوافقون المرجئة في الإيمان، والجبرية في القدر. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤)، خبيئة الأكوان لصديق حسن خان (ص ٥٠ - ٥١).
[ ٦٤٥ ]
والماتريدية (١)، ومن وافقه.
نسبة الجهمية ينتسبون إلى الجهم بن صفوان السمرقندي أبي محرز الراسبي، ضال مبتدع، زرع شرًا عظيمًا، كان صاحب خصومات وكلام، قتله سَلَم بن أَحْوَز (٢)
سنة ١٢٨ هـ (٣)، من بدعهم: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأن الإيمان إنما هو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وغيرها (٤).
بدع الجهمية:
١ - الإرجاء في أبواب الإيمان، فقالوا: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وأن الكفر هو الجهل فقط، فكانوا بذلك أشد الطوائف غلوًا في الإرجاء.
٢ - الجبر في أبواب القدر، فهم جبرية خالصة، ينكرون قدرة العبد على أفعاله.
٣ - القول بفناء الجنة والنار، وإنكار بعض السمعيات: كالصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة.
٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقصود به عند أهل البدع: جواز الخروج على الحاكم الجائر (٥).
_________________
(١) الماتريدية: هم طائفة من طوائف أهل الكلام، ينتسبون إلى أبي منصور الماتريدي، وعامتهم يثبتون ثمان صفات فقط لله تعالى، ويقولون: بالكلام النفسي، وأن القرآن حكاية عن كلام الله، ويوافقون الأشاعرة في كثير من أصولهم. ينظر: أصول الدين للبزدوي (ص ٢) وما بعدها، التمهيد لأبي المعين النسفي (ص ١٦) وما بعدها، الماتريدية دراسة وتقويمًا للدكتور أحمد الحربي.
(٢) سَلَم بن أَحْوَز بن أربد، من بني كابية بن حرقوص، كان على شُرْطة نصر بن سيّار بخرسان. ينظر: البداية والنهاية (١٣/ ١٤٨)، توضيح المشتبه (١/ ١٦٣).
(٣) ينظر: ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، والأعلام (٢/ ١٤١).
(٤) ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لمحمد بن أحمد الملطي (ص ١١٠)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، الملل والنحل للبغدادي (ص ١٤٥)، الفصل (٤/ ٢٠٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)، البرهان (ص ٤)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، البداية والنهاية (١٣/ ١٤٧ - ١٤٨، ١٩٩، ٢٢١).
(٥) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٨)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧، ١٦/ ١٦٥، ١٧/ ١٩٩)، منهاج السنة النبوي (٣/ ٣١ - ٣٢)، الجهمية والمعتزلة نشأتها وأصولها ومناهجها وموقف السلف منها قديمًا وحديثًا، أ. د. ناصر العقل (ص ١٢٧)، النفي في أبواب صفات الله ﷿ بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني (ص ٥٢١ - ٥٢٢).
[ ٦٤٦ ]
كانت للسلف الصالح -﵏- مواقف وجهود بارزة في محاربة البدع وأهلها عمومًا، وجهود متميزة في محاربة بدعة الجهمية وأهلها خصوصًا، وذلك لخطورة هذه المقالة وكونها أول مقالة تعارض الوحي بالرأي (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " فأما الرد على الجهمية القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن، ففي كلام التابعين وتابعيهم والأئمة المشاهير من ذلك شيء كثير، وفي مسألة القرآن من ذلك آثار كثيرة جدًا، مثل ما روى ابن أبي حاتم، وابن شاهين واللالكائي، وغيرهم من غير وجه" (٢).
وقد نُقل الإجماع عن السلف الصالح على تكفير الجهمية (٣).
_________________
(١) ينظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤١٨).
(٣) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٤٤)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، الجهمية والمعتزلة (ص ١٠٩ - ١٢٢).
[ ٦٤٧ ]
٢ - المعتزلة.
سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم:
قال كذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " واعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن وجلس إلى اسطوانة يقرئ مذهبه واجتمع إليه تلاميذ فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي من تبعه في ذلك المعتزلة، وقيل: سموا بذلك لاعتزالهم رأي الفريقين الخوارج والمرجئة وليس صحيحًا فإن أهل السنة توسطوا بين الفريقين ولا يسمون بذلك" (١) (٢).
وقد بين الشيخ - ﵀ - أصول المعتزلة في معرض رده على بعض مخالفاتهم لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فمن أصولهم (٣):
١ - قال الشيخ - ﵀ -: " استفاد المعتزلة من الفلسفة اليونانية وتمكنوا منها وصبغوها بصبغة دينية واستغلوها في الجدل والحجاج والرد على الملحدين الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا وقلوبهم تفيض كفرًا فأثاروا الفتن وولدوا الشكوك في المسائل الدينية" (٤).
٢ - قولهم في مرتكب الكبيرة أنه في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وقد خالفوا بذلك أهل السنة والجماعة من السلف فإنهم لا يحكمون بخروج المؤمن من الإيمان بارتكابه الكبيرة.
٣ - قولهم أن أخص أوصاف الله القدم وبذلك نفوا عنه الصفات، خشية تعدد القدماء، فقالوا: الله عالم لذاته قادر لذاته إلى آخره، أو عالم بعلم هو عين ذاته قادر بقدرة هي ذاته لا معنى قائم بالذات؛ وخالفوا أهل السنة الذين قالوا: إن
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢)،وينظر: (ص ٢٢).
(٢) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٥٨٨)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي (١/ ٣٩)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار ليحيى بن أبي الخير العمراني (٣/ ٧٥٥).
(٣) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢ - ٣).
(٤) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٢).
[ ٦٤٨ ]
صفات الله تعالى قائمة بالذات ملازمة لها، وليست هناك ذات مجردة عن الصفات (١).
٤ - وقالوا: إن كلام الله مخلوق في كل.
٥ - وقالوا: بأن الله لا يُرى بالأبصار يوم القيامة وتأولوا كل النصوص في ذلك.
٦ - أخضعوا العقل في ردهم لما ثبت من صفات لله قائمة بذاته مثل الرؤية وغيرها وكأنهم أخذوا ذلك من الفلاسفة.
٧ - نفوا القدر بمعنى إنكار عموم مشيئته وشمول قدرته ﷾، وقالوا: بأن العبد مريد لفعل نفسه الاختياري خالق له بقدرته التي أودعها الله فيه، وقالوا: بأن الله أراد -كونا- الخير والناس هم الذين أرادوا لأنفسهم الشر، وقد خالفوا أهل السنة في ذلك فقد أثبتوا لله عموم قدرة ومشيئته الكونية خلافًا للمعتزلة ومن ذهب مذهبهم، إذ لا يكون من الله فعل إلا بإرادته (٢).
٨ - أوجبوا على الله عقلًا أن يدخل من مات على الإيمان والطاعة والتوبة الجنة، كما يجب عليه عقلًا أن يدخل من ارتكب كبيرة النار ويخلد فيها وسموا هذا وعدًا ووعيدًا وكأنهم أخذوا هذا من الخوارج.
٩ - ومن أصولهم التحسين والتقبيح العقليان، وقالوا: بأن العقل يدرك حسن الحسن وقبح القبيح فتمكينه معرفة، وقالوا: بأنه لو لم يرد الشرع ببيان الحسن والقبيح لوجب بالعقل فعل الحسن وترك القبيح؛ وهذا أصل فاسد.
١٠ - قالوا: بأن الله حكيم فلا يفعل إلا الصلاح، وأوجبوا عليه بالعقل رعايته ذلك، أما الأصلح فقد اختلفوا في وجوبه وسموا ذلك عدلًا وكأنهم أخذوا هذا الأصل من زعماء القدرية، وهذا مبني على ما ذهبوا إليه من قولهم في التحسين والتقبيح العقليين (٣)؛ وبذلك خالفوا أهل السنة والجماعة الذين يثبتون القدر بجميع مراتبه.
_________________
(١) ينظر: فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي (١/ ١٦١).
(٢) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٢، ٣٢،٨٠، ٢٦١).
(٣) ينظر: مذكرة التوحيد (ص ٥٨).
[ ٦٤٩ ]
من أهم الفرق الكلامية التي نشأت بالتزامن تقريبًا مع نشأة الجهمية، أو بعدها بقليل، فرقة المعتزلة، وهي من أكبر الفرق الكلامية التي عُرفت بآرائها المستقلة.
المعتزلة من الفرق الكلامية العقلانية المنتسبة للإسلام، ظهرت في عصر التابعين، أواخر العصر الأموي، وانتشرت في العصر العباسي، اعتمدت النظر العقلي المجرَّد أساسًا لعقائدها وأفكارها، فخلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وهم فرق وطوائف يجمعهم غالبًا القول بالأصول الخمسة المعروفة عنهم، وهي: التوحيد (١)، والعدل (٢)، والوعد والوعيد (٣)، والمنزلة بين المنزلتين (٤)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥) (٦).
إن نشأة الاعتزال كان نتيجة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرّد في النصوص الدينية، وذلك نتيجة التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية، والعقائد اليهودية والنصرانية (٧).
وقد ارتبط هذا التطور في أصل منشئه بقصة واصل بن عطاء (٨)، مع شيخه الحسن البصري حين دخل رجل على مجلسه فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون
_________________
(١) يقصدون به سلب لمعنى الكثرة والتعدد والتركيب فنفوا عن الله جميع الصفات وأولوا كل نص متواتر جاء بإثبات شيء من ذلك.
(٢) يقصدون به نفي أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد.
(٣) يقصدون به أنه يجب على الله إنفاذ وعده ووعيده، وإلا كان مخلفًا للميعاد فرتبوا على هذا معاقبة العاصي، وعدم خروج أهل الكبائر من النار، وإنكار الشفاعة لهم.
(٤) يقصدون بها مرتكب الكبيرة فهو عندهم ليس مؤمنًا ولا كافرًا ولكنه بين الكفر والإيمان في الدنيا وخالد في النار في الآخرة.
(٥) يقصدون به نشر الأصول التي اعتقدوها والأمر بها فأباحوا قتل المخالف والخروج على الحاكم الشرعي. ينظر لتفسير معنى هذه الأصول: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (١٤١، ١٣٥ - ١٣٦، ٣٤٥ - ٣٥٥، ٦٩٧)، المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها أ. د. عوّاد المعتق (١٥١ - ٢٠٧، ٢٠٩ - ٢٥٤، ٢٥٥ - ٢٦٤، ٢٦٥ - ٢٨٢)، مقالات الإسلاميين (١/ ٤٦٦).
(٦) ينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٦٩).
(٧) ينظر: الجهمية والمعتزلة (ص ١٢٧)، الموسوعة الميسرة (١/ ٦٩).
(٨) واصل بن عطاء الغزَّال، أو حذيفة المخزومي البصري القدري، رأس المعتزلة وإمامهم، صاحب عبد الله بن محمد بن الحنفية، كان بليغًا، يلثغ في الراء فيتجنبها، توفي سنة (١٣١ هـ). ينظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٣٢٩)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٤).
[ ٦٥٠ ]
أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟
فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا، ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة (١).
وقد كان السلف يردّون على أقوالهم، وما المواقف التي اتخذها السلف أيام محنة القول بخلق القرآن إلا صورة عظيمة من صور التحدي والوقوف في وجه ترويج هذه الفرقة لمذهبها بين الناس، وبخاصة موقف الإمام أحمد: الذي كان موقفه حقيقًا بأن يجعله إمامًا لأهل السنة والجماعة في ذلك العصر وبعده (٢).
_________________
(١) ينظر: الملل والنحل (١/ ٤٢)، الفرق بين الفرق (ص ١١٨)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٤).
(٢) ينظر: البداية والنهاية (١٤/ ٣٩٣ - ٤٠٥).
[ ٦٥١ ]
٣ - الأشعرية.
بين الشيخ - ﵀ - أصول الأشعرية في معرض رده على بعض مخالفاتهم لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فمن أصولهم:
١ - ذهب الأشعرية في صفة الكلام لله بأنها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ووافقوا في ذلك مذهب الكلابية (١).
٢ - نفت الأشعرية حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديمًا (٢).
٣ - قولهم بالجبر وسموه كسبًا (٣).
٤ - قولهم إن المسببات توجد عند وجود الأسباب لا بها، والنتائج توجد عند وجود الأدلة لا بها، ومذهب أهل السنة والجماعة أنها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها أسبابًا لمسبباتها، ودلائل على نتائجها (٤).
٥ - الأشعرية يرون أن أحكام الله خطابه، وأنها قديمة غير مخلوقة، وأنها شيء واحد في نفسه، وإن تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها (٥).
إن الحديث عن الأشعرية والأشاعرة يُعَدُّ من أصعب الأمور التي تواجه الباحث في العقيدة وفي باب الصفات خصوصًا؛ للانتشار الواسع لهذا المذهب، مما يستوجب اهتمامًا خاصًا به؛ ولقربه أيضًا من معتقد أهل السنة والجماعة في العديد من أبواب المعتقد (٦)، مما
_________________
(١) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٧٧)، وتعليق الشيخ على الإحكام (٢/ ١٧٣).
(٢) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٧٧).
(٣) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٥٧).
(٤) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ٢٨٦).
(٥) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ٣١٣).
(٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنّة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدّون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل: المعتزلة والرافضة وغيرهم؛ بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم: المعتزلة والرافضة ونحوهم". ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٨٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥، ٨/ ٢٣٠)، درء التعارض (٤/ ١٠١ - ١٠٢، ٦/ ٢٩٢)، التدمرية (ص ١٩٠ - ١٩١).
[ ٦٥٢ ]
أوجد خلطًا عند الكثير ممن كتبوا عن هذا المذهب، بينه وبين مذهب أهل السنة والجماعة، فكان من الواجب الوقوف عند هذه الأمور (١).
الأشعرية فرقة كلامية واسعة الانتشار، تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري، ظهرت في القرن الرابع الهجري وما بعده.
بدأت أصولها بنَزَعات كلامية خفيفة، تلقفها الأشعري عن ابن كلاب تدور حول نفي الصفات الاختيارية، مع القول بالجبر والإرجاء، ثم تطورت وتوسعت في المناهج الكلامية حتى أصبحت في القرون المتأخرة -الثامن وما بعده- فرقة كلامية محضة، ذات منهج عقلاني فلسفي، مع خلط ذلك بالصوفية والقبورية، فاتخذت البراهين العقلية الكلامية وسيلة في محاجة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم (٢).
والأشاعرة: هم أتباع المذهب الأشعري الذين حادوا عن منهج السلف أهل السنة والجماعة في العقيدة (٣).
أهم معتقداتهم:
١ - يعتمد الأشاعرة في مصادر التلقي للعقيدة -إضافة إلى مصادر التلقي المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع- على العقل، بل هو المصدر الأساس لديهم، وهو المعوّل عليه والمقدَّم إذا وجد إيهام التعارض بينه وبين النصوص الشرعية (٤).
٢ - يقولون بأن أول واجب على المكلف هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك (٥).
_________________
(١) النفي في باب الصفات (ص ٦١٤).
(٢) ينظر: الفرق الكلامية المشبهة والأشاعرة والماتريدية أ. د. ناصر العقل (ص ٤٩)، الموسوعة الميسرة (١/ ٨٧).
(٣) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤)، خبيئة الأكوان لصديق حسن خان (ص ٥٠ - ٥١).
(٤) ينظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقادية لأبي المعالي الجويني (ص ٣٥٩ - ٣٦٠)، أساس التقديس في علم الكلام للفخر الرازي (ص ١٢٥ - ١٢٦)، شرح المواقف للجرجاني (٤/ ٥٠ - ٥٣).
(٥) ينظر: الرسالة القشيرية لعبد الكريم القشيري (ص ٤٢٦)، ميزان العمل لأبو حامد الغزالي (٤٠٥ - ٤٠٧)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٥٩٥ - ٥٩٩، ٦٣٢ - ٦٤٤، ٦٦٧ - ٦٧٠).
[ ٦٥٣ ]
٣ - لا يجعلون النصوص الشرعية هي العمدة في تلقي العقائد، بل إنهم يسلطون عليها قواعدهم العقلية ويخضعونها للتأويل والتحريف أو الرد بحجة ظنيتها عما دلالة أو ثبوتًا، إذا خالفت معقولاتهم الفاسدة، ولا يوردون النصوص إلا اعتضادًا لما قرروه سلفًا بقواعدهم العقلية (١).
٤ - التوحيد عندهم يشمل ثلاثة أمور هي: -أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. -أن الله واحد في صفاته لا شبيه له. - أن الله واحد في أفعاله لا شريك له (٢). ولا إله إلا الله عندهم معناها: لا خالق إلا الله، ويفسرون الألوهية بأنها القدرة على الاختراع (٣).
٥ - الأشاعرة مرجئة في أبواب الإيمان ومذهبهم أقرب إلى مذهب الجهمية، إذ يقولون بأنه التصديق القلبي فقط، واختلفوا في النطق بالشهادتين، أيكفي عنه التصديق القلبي أم لا بد منه؛ ولا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، كما أنهم يوجبون الاستثناء في الإيمان (٤).
٦ - يعتمدون في باب القدر على نظرية الكسب، في محاولة للتوفيق بين مذهب القدرية والجبرية، وهي تؤول في آخرها إلى الجبر، ويعجز التعبير عن تفسيرها (٥).
٧ - قالوا بأن إرسال الرسل راجع إلى المشيئة المحضة، أي: خالية من الحكمة، ولا دليل على صدق النبي إلا المعجزة؛ وينكرون صدور جميع الذنوب من الأنبياء، صغيرها وكبيرها، لمنافاتها العصمة (٦)، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها منهج أهل السنة والجماعة (٧).
_________________
(١) أساس التقديس (ص ١٢٣ - ١٣٢).
(٢) ينظر: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للباقلاني (ص ٣٣ - ٣٤)، نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (ص ٩٠).
(٣) ينظر: أصول الدين (ص ١٢٣)، شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ١٢٤).
(٤) ينظر: الإرشاد (ص ٣٩٧)، غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٣١١)، شرح المواقف (٨/ ٣٥١،٣٦٠).
(٥) ينظر: الإنصاف (ص ٤٥ - ٤٦)، أصول الدين (ص ١٣٣)، الإرشاد (ص ١٨٧ - ٢٠٣)، نهاية الإقدام (ص ٧٧).
(٦) ينظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني (ص ٣٧ - ٣٨)، نهاية الإقدام (ص ٣٧٠)، غاية المرام (٢٣٤).
(٧) ينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة د. سفر الحوالي، النفي في باب صفات الله ﷿ (ص ٦٢٠ - ٦٢٢).
[ ٦٥٤ ]
موقف أهل السنة والجماعة ممن خالفهم في بعض مسائل أصول الدين:
قال الشيخ - ﵀ -: " وهؤلاء الذين خرجوا عن أهل السنة والجماعة في مسائل من أصول الدين، ففيهم من السنة بقدر ما بقي لديهم مما وافقوا فيه الصحابة ن وأئمة الهدى من مسائل أصول الإسلام، وفيهم من البدع والخطأ بقدر ما خالفوهم فيه من ذلك قليلًا كان أو كثيرًا، وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه عقيدة واستدلالًا" (١).
قال الشيخ - ﵀ -: " وموقفنا من أبي بكر الباقلاني (٢) والبيهقي (٣)
وأبي الفرج ابن الجوزي (٤) وأبي زكريا النووي وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم ممن تأول بعض نصوص صفات الله تعالى أو فوضوا في أصل معناها، أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة ن وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي - ﷺ - بالخير،
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٥٧).
(٢) هو: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني البصري الشافعي الأصولي المتكلم المشهور، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ومؤيدًا اعتقاده وناصرًا طريقته سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة في علم الكلام وغيره، توفي - ﵀ - ببغداد سنة (٤٠٣ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٤٥٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٩٨)، والعبر للذهبي (٢/ ٢٠٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٨).
(٣) هو: الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي صاحب التصانيف، لزم الحاكم مدة فأخذ عنه وعن غيره، كتب الحديث وحفظه في صباه، وتفقه وبرع، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، توفي - ﵀ - سنة (٤٥٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: شعب الإيمان وكتاب الأسماء والصفات وكتاب البعث والنشور. ينظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢)، والعبر (٢/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).
(٤) هو: العلامة الحافظ المفسر، عالم العراق، وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق - ﵁ -، أكثر من التصنيف في أنوا ع العلوم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والتاريخ وغيرها، توفي - ﵀ - سنة (٥٩٧ هـ)، ومن مصنفاته: كشف المشكل من حديث الصحيحين، وزاد المسير في علم التفسير، وتلبيس إبليس. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٢٩).
[ ٦٥٥ ]
وأنهم أخطؤوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏ سواء تأولوا الصفات الذاتية وصفات الأفعال أم بعض ذلك" (١) (٢).
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: حكم الترحم على من مات وعنده خطأ عقدي، فأجاب بقوله: " هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع؛ لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني والنووي رحمهما الله فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحًا تامًا مطلقًا من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ فتح الباري؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح. فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله ﷾ بحوله وقوته -ولا أَتَأَلَّى على الله- قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس، ويقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتِدعان ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق فتح الباري، وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال:
أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين. وأمِّنوا على ذلك" (٣).
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: " من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٥٨).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٤) (٧/ ٣٩٢) (١٣/ ٢٢٧)، وشرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله (١/ ٥١٢).
(٣) كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "لقاءات الباب المفتوح" (٤٣/السؤال رقم ٩).
[ ٦٥٦ ]
خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله ﷺ، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم" (١).
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -: " مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من "الأشاعرة"، لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنَّة، وإنما وهِموا، وظنُّوا أنما ورثوه من العقيدة الأشعرية: ظنوا شيئين اثنين:
أولًا: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلاَّ قديمًا؛ لأنه رجع عنه.
وثانيًا: توهموه صوابًا، وليس بصواب" (٢).
٤ - الملحدون.
رد الشيخ - ﵀ - على ما يعتقده الملحدون، فيقول: " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان، وجود ذاتي ، ووجود حادث" (٣).
الإلحاد في اللغة: هو الميل، وورود هذه اللفظة يقترن بأسماء الله وآياته كما قال ﷿: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف: ١٨٠.
فالإلحاد في الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده أو عمله وهو قسمان:
أحدهما: في أسماء الله.
الثاني: في آياته.
في أسمائه: وهو العدول عن الحق الواجب فيها وهو أربعة أنواع:
١ - أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه الصفات كما فعلت المعطلة.
_________________
(١) المنتقى من فتاوى الفوزان (٢/ ٢١١، ٢١٢)، وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ٢٤٠).
(٢) من (شريط رقم ٦٦٦) "من هو الكافر ومن هو المبتدع ".
(٣) فتاوى اللجنة (٣/ ١٩٠).
[ ٦٥٧ ]
٢ - أن يجعلها دالة على تشبيه الله لخلقه كما فعل المشبهة.
٣ - أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه لأن أسماء الله توقيفية كتسمية النصارى له "أبا" وتسمية الفلاسفة له " علة فاعلة" ونحو ذلك.
٤ - أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز.
وأما الإلحاد في آياته فيكون في الآيات الشرعية -وهي ما جاءت به الرسل من الأحكام والأخبار-، وفي الآيات الكونية -وهي ما خلقه الله ويخلقه في السموات والأرض-.
فأما الإلحاد في الآيات الشرعية فهو تحريفها أو تكذيب أخبارها أو عصيان أحكامها، أما الإلحاد في الآيات الكونية فهو نسبتها إلى غير الله أو اعتقاد شريك أو معين له فيها (١).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ الأنعام: ١٢٦، وقال عن إبليس ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ ﴾ الأعراف: ١٦ - ١٧ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ سبأ: ٢٠. وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه فإنه قعد لهم على صراط الله المستقيم فصدهم عنه حتى كفروا بربهم وآمنوا أن نفوسهم هي معبودهم وإلههم" (٢).
وقال شيخ الإسلام في معرض رده على المتكلمين (٣): " صار أهل السنة يصفون الله بالوجود وكمال الوجود، وأولئك يصفون بعدم كمال الوجود، أو بعدم الوجود بالكلية؛ فهم ممثلة معطلة؛ ممثلة في العقل والشرع، معطلة في العقل والشرع" أ. هـ.
٥ - الحلولية.
يبين الشيخ - ﵀ - مذهب الحلولية، فيقول: "من اعتقد أن الله - ﷿ - بذاته في الأرض فهذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع وهو مذهب الحلولية الذين يقولون: إن الله حال في
_________________
(١) فتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين - ﵀ - (ص ٢٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٦٧).
(٣) في كتاب دقائق التفسير (٥/ ١١٠).
[ ٦٥٨ ]
٥ - الحلولية
كل مكان فمن قال بذلك عن جهل بُيِّن له الحكم، فإن أصر أو كان يقول ذلك لا عن جهل فهو كافر بالله فلا تصح الصلاة خلفه" (١).
عقيدة الحلول لا ترتبط بفرقة أو طائفة معينة بل هي معتقد طوائف عدة وفرق كثيرة أولها النصارى الذين قالوا بحلول اللاهوت -أي الله- في الناسوت -أي عيسى ابن مريم-، ثم تبعهم غلاة الروافض الذين يقولون بحلول الذات الإلهية بعلي بن أبي طالب، وجاء بعدهم طوائف من المعتزلة والجهمية سلكوا مسلك حلول الذات الإلهية في من يشاء من البشر (٢) (٣).
والحلول نوعان:
حلول خاص: وهو قول النسطورية (٤) من النصارى ونحوهم ممن يقولون إن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء وهو قول الرافضة الذين يقولون إنه حل في علي بن أبي طالب.
والحلول العام: وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والجماعة عن طائفة الجهمية المتقدمين الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان (٥) (٦).
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٣/ ٢٠١).
(٢) وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال من حلولية الجهمية، والصوفية كما جاء ذلك في "فصوص ابن عربي"، و"فتوحاته المكية"، وممن ذهب إلى ذلك -أيضا-: ابن سبعين، والحلاج، وغيرهم من أرباب أهل الحلول والاتحاد؛ ولهذا يروى عن بعضهم أنه قال: ما في الجبة إلا أنا، وما في الجبة إلا الله -تعالى الله عن ذلك-. والتفت أحدهم إلى تلاميذه، وقال: لا إله إلا أنا .. فاعبدون. -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-؛ لأنه يزعم أن الله حال في ذاته. ينظر: شرح الفتوى الحموية، د. حمد بن عبد المحسن بن أحمد التويجري (ص ٣٩٤).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٨)، الجواب الصحيح (٣/ ٣٦٦).
(٤) هي فرقة من فرق النصارى قالوا إن مريم لم تلد الإله إنما ولدت الإنسان وأن الله لم يلد الإنسان إنما ولد الإله، وموطنها في الموصل والعراق وخراسان، وهم منسوبون إن نسطور وكان بطريركا في القسطنطينية. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (١/ ٤٩).
(٥) المخالفين لمنهج السلف في مسألة العلو يقولون بأحد قولين حينما يسئلون عن علو الله ﷾، فبعضهم يقول: الله في كل مكان، وبعضهم يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه! والحقيقة أن هذين القولين باطلان، أما من يقول: إن الله في كل مكان فلا شك أن هذا القول ينبت منه الحلول الباطل وحقيقته في النهاية الانتهاء إلى إنكار وجود الله؛ لأن معنى ذلك أنه ﷾ ليس له ذات متميزة وبهذا استدل الأئمة رحمهم الله تعالى، وبينوا به بطلان مذاهب الحلول. ينظر: شرح كتاب لمعة الاعتقاد، د. عبد الرحمن المحمود (٦/ ٣) المكتبة الشاملة.
(٦) ينظر: التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية لابن مهدي (ص ٢٥٢)، والتدمرية تحقيق د. محمد السعوي (ص ١٠٧).
[ ٦٥٩ ]
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وإن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم" (١).
قال كذلك: " ليس هناك ثمة كفر أعظم من هذا الكفر، ولا إلحاد أعظم من هذا الإلحاد؛ لأن هذا الكلام، أو هذا الاعتقاد يلزم عليه .. أنه ليس هناك ثمة شرك على وجه الأرض، فكل ما عبد من دون الله فهو عبادة لله على حد قول هؤلاء، فالذين عبدوا العجل قالوا: ما عبدوا إلا الله، الذين عبدوا الأصنام، الذين عبدوا عزير، الذين عبدوا المسيح، الذين عبدوا الأشجار، والذين عبدوا الأحجار، وأي شرك أعظم من هذا الشرك؟ وأي كفر أعظم من هذا الكفر؟ يقول: وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال فزعموا أن الله -تعالى- في كل شيء بنفسه كائنا كما هو في العرش. يزعمون أن الله فوق العرش وفي كل مكان، في هذا المسجد، في السوق، في السيارة -كما سيأتي-؛ حتى في الحشوش -تعالى الله عن ذلك-" (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨١).
(٢) نقلًا عن شرح الفتوى الحموية، د. حمد التويجري (١/ ٣٩٤)، وينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٨١ - ٤٨٦).
[ ٦٦٠ ]
المطلب الثاني
قول بعض الفرق في القدر.
موضوع "القضاء والقدر" من الموضوعات الكبرى التي خاض فيها الناس، مؤمنهم وكافرهم، على مر العصور والأزمان، وقد تكلم فيها الجميع، وشغلت أذهان الفلاسفة والمتكلمين وأتباع الطوائف من أهل الملل من غيرهم.
والسبب في ذلك واضح وهو ارتباط القدر بحياة الناس وأحوالهم اليومية وما فيها من أحداث وتقلبات.
والأقوال في القدر -بإجمال- لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائمًا إلى ثلاثة أقوال:
١ - قول أهل الجبر، الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله وليس له إرادة ولا قدرة، ويمثل هذا في الفرق الإسلامية مذهب الجهمية ومن وافقهم، وهو ما يسمى في العصور المتأخرة بالمذهب الحتمي.
٢ - ويقابلهم قول أهل حرية الإرادة، واستقلال الإنسان في أفعاله عن خالقه، وأن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، كما أنه هو الذي يخلق أفعاله، ويمثل هذا المذهب المعتزلة (القدرية)، ومن وافقهم.
٣ - وهناك قول وسط بين هؤلاء وهؤلاء، يثبتون القدر وأن الله خالق كل شيء، ويقولون أيضًا: إن للإنسان إرادة ومشيئة ولكنها خاضعة لمشيئة الله، كما أن له قدرة يفعل بها فعله، لكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى. وهذا مذهب السلف وأتباع الأنبياء.
وبين هذه الطوائف - الثلاث- قد تنشأ فرق أخرى، تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها (١).
ونعرض لبعضهم فيما يلي:-
_________________
(١) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٠٨).
[ ٦٦١ ]
١ - الجبرية والمعتزلة.
قال الشيخ - ﵀ -: " القدرة نوعان: الأولى: بمعنى توفر الأسباب والآلات، وهي مناط التكليف، فيها يتمكن العبد من القيام بما كلف به، وهي موجودة في كل مكلف مسلم أو كافر مطيع أو عاص، وتكون مقارنة للفعل وقد تتقدم عليه، وبذلك يتبين أن التكليف بالفعل لا يتقدم عليها. والثانية: بمعنى التوفيق وهذه مقارنة للفعل وموجودة فيمن أطاع دون من عصى وليست مناطًا للتكليف.
وقد أثبت الجبرية القدرة بمعنى التوفيق ونفوا القدرة بمعنى توفر الأسباب والآلات، وذهب المعتزلة إلى العكس" (١).
القدرة التي يتمكن بها العبد من الفعل، تسمى بالاستطاعة، وقد عُرفت بأنها: "عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية" (٢)، وهي في عرف المتكلمين: "عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك" (٣).
وقد وقع الخلاف فيها على أقوال:
١ - قول الجهمية، وهو أنه ليس للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، بل له قدرة شكلية غير مؤثرة في الفعل أصلًا، وتسمى فعلا له تجوزًا (٤).
٢ - قول المعتزلة ومن وافقهم: وهو أن الله تعالى قد مكن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي موجبة للفعل (٥).
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ١٧٩).
(٢) التعريفات للجرجاني (ص ١٢).
(٣) التعريفات (ص ١٢).
(٤) ينظر: الملل والنحل (١/ ٨٥)، البحر الزخار لابن المترضى (١/ ١٢٢)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١١)، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (ص ٢١٥).
(٥) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠)، الفرق بين الفرق (ص ١١٦)، نظرية التكليف آراء القاضي عبد الجبار الكلامية، لعبد الكريم عثمان (ص ٣١٧) وما بعدها، شرح الأصول الخمسة للهمداني المعتزلي (ص ٣٩٨).
[ ٦٦٢ ]
٣ - قول الأشاعرة ومن وافقهم: وهو أن الاستطاعة مع الفعل لا تجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، بل هي مقارنة له، وهي من الله تعالى، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له (١).
٤ - قول أهل السنة -وهو الذي عليه محققو المتكلمون وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم- وهو التفصيل:
أ- فهناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذا لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين ومثالها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ آل عمران: ٩٧، فهذه الاستطاعة قبل الفعل ولو لم تكن إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، وهي التي يتكلم فيها الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
ب- وهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة، الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ هود: ٢٠، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ الكهف: ١٠١، "فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له" (٢)، وهي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل (٣).
_________________
(١) ينظر الإرشاد (ص ٢١٩ - ٢٢٠)، معالم أصول الدين للرازي (ص ٨٣)، المعتمد للقاضي أبي يعلى (ص ١٤٢).
(٢) درء التعارض (١/ ٦١).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٩ - ١٣٠، ٢٩٠ - ٢٩٢، ٣٧١ - ٣٧٦، ٤٤١)، ومنهاج السنة (١/ ٧ - ٨، ٣٦٩ - ٣٧٣)، درء التعارض (٩/ ٢٤١)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. المحمود (٣/ ١٣٣١ - ١٣٣٢).
[ ٦٦٣ ]
وقد توسط أهل السنة والجماعة في مسألة القدر وقدرة العباد بين المعتزلة المسمّون بـ"القدرية"، الذين انتشر على أيديهم القول بنفي القدر، وإنكار علم الله السابق بالأمور؛ وبين الجبرية الذين نفوا الفعل عن العبد وأضافوه إلى الله وقالوا بأن الله يجبر العباد على أعمالهم، والعباد مجبورون على أفعالهم وإنما تضاف الأعمال إلى العباد على جهة المجاز فقط كما تنسب للشمس ضوؤها فيقال: إنها مضيئة لأن الله جعلها كذلك؛ ومن أهم فرق الجبرية الجهمية (١).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى- فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار، وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرا، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا عرف ما في لفظ التأثير من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة، وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين" (٢) (٣).
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: " الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب في الكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مربية بإذن الله ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد
_________________
(١) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٩)، الإيمان لابن تيمية (٣٦٨)، القضاء والقدر، د. عبد الرحمن المحمود (ص ١٦٨) وما بعدها.
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٤ - ١٣٥) وينظر: نفس المرجع (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨) و(٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
(٣) ينظر غلو الجهمية في القدر: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد لأبي الحسن الخياط (٢/ ٦٧ - ٦٨)، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٢٣٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٨٨).
[ ٦٦٤ ]
إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له، بل لا بد من أن الله شاء خلقه، فتحبل المرأة وتربيه في الرحم، وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع" (١).
قال ابن عبد البر: " قال الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٩. فليس لأحد مشيئة تنفذ إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجري الخلق فيما سبق من علم الله، والقدر سر الله لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ فصلت: ٤٦" (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٠) ينظر: الجواب الكافي (ص ٣٩ - ٤١)، ولطائف المعارف لابن رجب (ص ٨٣) وما بعدها،.
(٢) التمهيد (٦/ ١٣ - ١٤)، وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٦/ ١٩٥ - ١٩٦)،.
[ ٦٦٥ ]
٢ - الأشعرية.
وقال الشيخ - ﵀ -: " متعلق القدرة الحادثة الأخذ بالأسباب وهي مؤثرة فيها بتمكين الله لها وإقداره لعبده عليها، أما ترتيب المسببات عليها فمن الله، فهو وحده سبحانه الذي يوجد المسببات بأسبابها لا عندها كما يقول الأشعرية، فمثلًا حز إبراهيم الخليل بالسكين في رقبة ولده، وضرب موسى الكليم البحر بعصاه، ورمى محمد الخليل الحصى، كل ذلك من فعل المخلوق، أما أن تنقطع الرقبة أو ينفلق البحر أو يصيب الحصى من رمي به فإلى الله إن شاء رتب ذلك فحصل كما في الأخيرين، وإن شاء لم يحصل كما في قصة الذبيح مع أبيه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخرى تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره" (٢).
ويحسن هنا أن أسوق خلاصة اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر ملخصًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
١ - القدر يشمل أربع مراتب في درجتين:
"الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ١٨٠) وينظر: نفس المرجع (١/ ١٨٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨).
[ ٦٦٦ ]
المحفوظ مقادير الخلق، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف.
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.
الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ﷾، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: الإرادة والمشيئة، والثانية: الخلق والتكوين.
٣ - أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم" (١).
_________________
(١) العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص ٢١ - ٢٢) مع تصرف يسير، وينظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ٢٩)، لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص ١٩ - ٢٠)، وشرح الطحاوية (ص ٢٧٤ - ٢٧٦) وما بعدها و(ص ٣٩٤، ٥٠٢) وما بعدها، ومعارج القبول لحافظ حكمي (٢/ ٣٢٦) وما بعدها.
[ ٦٦٧ ]
المطلب الثالث.
الإيمان عند بعض المرجئة.
قال الشيخ - ﵀ -: " الإرجاء: التأخير.
والمرجئة من المتكلمين والفقهاء أصناف منهم من قال: الإيمان مجرد التصديق.
ومنهم من قال: الإيمان مجرد النطق بالشهادتين.
ومنهم من قال: التصديق وعمل القلب.
ومنهم من قال: الإيمان التصديق وقول اللسان، وهم المرجئة الفقهاء.
وسموا مرجئة لتأخيرهم بعض مسمى الإيمان عن الدخول في مفهومه، وهناك طوائف أخرى من المرجئة" (١).
وقع الخلاف بين الطوائف في حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه وحكم مرتكب الكبيرة- على أقوال:
١ - قول أهل السنة والجماعة وجماهير السلف، إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قالوا ومرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وفي الآخرة تحت المشيئة.
٢ - قول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأما مرتكب الكبيرة:
أ- فحكمه في الدنيا عند المعتزلة أنه ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ومن ثم فليس مباح الدم. وأما عند الخوارج فهو كافر مباح الدم والمال.
ب- وأما حكمه في الآخرة فقد اتفق الخوارج والمعتزلة على أنه مخلد في النار كالكفار.
٣ - قول مرجئة الفقهاء -من أتباع أبي حنيفة- أن الإيمان قول واعتقاد، وأما الأعمال فغير داخلة فيه. وأما حكم مرتكب الكبيرة عندهم فهو موافق لمذهب أهل السنة.
٤ - قول الجهمية: أن الإيمان هو المعرفة فقط، وما عداها من تصديق القلب وإقراره، ومن القول والعمل، فغير داخل في الإيمان، وهذا قول الجهم. ولازم قوله أن إبليس وفرعون ومن
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (٢/ ٢٤٦).
[ ٦٦٨ ]
شابههم ممن عرف الله وعاند فسب الله ورسوله، وعاداهم، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وأهان المصاحف- أنه مؤمن كامل الإيمان.
٥ - قول الماتريدية: أن الإيمان هو التصديق، وأما قول اللسان فهو دليل عليه وليس داخلا فيه، وأما العمل فغير داخل فيه.
٦ - قول الكرامية: أن الإيمان قول باللسان فقط. وهذا لإثبات إيمانه في الدنيا، أما في الآخرة فمن لم يرافق قوله ما في قلبه من الاعتقاد الصحيح -كالمنافق- فهو مخلد في النار.
٧ - قول الكلابية والأشعرية: ولهم في الإيمان قولان:
أحدهما: أنه قول واعتقاد وعمل، وهذا قول موافق لأهل السنة والجماعة.
والثاني: أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا فتارة يقولون هو المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون هو التصديق (١).
أما مذهبهم في مرتكب الكبيرة فهو موافق لقول أهل السنة.
ويلاحظ أن القول الثاني هو الذي اشتهر عند الأشاعرة، وهو الذي نصره أئمتهم ممن جاء بعد الأشعري، وهو الذي استقر عليه المذهب؛ وهذه خلاصة الأقوال في الإيمان (٢).
_________________
(١) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٩ - ٢٣٩)، والتسعينية (ص ١٦٠)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٩٤).
(٢) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٤٩ - ١٣٥١)
[ ٦٦٩ ]
المبحث الرابع
الباطنية.
تمهيد
الباطنية: نسبة إلى التأويل بالباطن، تصدق على كل من يذهب إلى التأويل بالباطن في القرآن الكريم، أو الحديث الشريف.
ولقد تستروا بفكرة ضالة وخبيثة مؤداها: أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة لها ظاهر وباطن.
فالظاهر ما يفهم من النص العربي، والباطن: ما يفهمونه بوساوسهم وأوهامهم الخبيثة دون قاعدة يرجع إليها في فهم هذا الباطن، إلاَّ محض الخرافات التي تساعدهم على تحويل النص الشرعي إلى ألوان كفرهم وتحقيق غايتهم التي يرمون إليها، وهي سلخ المسلمين من عقيدتهم وتحويلهم عن دينهم.
وقد انقسم أهل هذا المذهب الباطني إلى فرق عديدة لكل منها صورة خاصة من الكفر والضلال، ويجمعها كلها هدف واحد هو هدم الإسلام، والنيل من عقيدة المسلمين (١).
وتعتبر الحركات الباطنية من أخطر الحركات في تاريخ العالم الإسلامي، وكذلك الرافضة والطائفتان متداخلتان في المنهج والاعتقاد والموقف من أهل السنة، ولا عجب؛ إذ كلها قائمة على مبدأ التشيع ومنطلقة منه، وإن كان التطور في بعضها قد يصل إلى الغلو أو الإباحة كما حدث للإسماعيلية والقرامطة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو دعوى موالاة أهل البيت والقيام بالواجب نحوهم، واستخلاص حقوقهم المغتصبة- من الإمامة وغيرها- من أعدائهم؛ وهذه الحركات لا تزال -حتى الآن- تقوم بدور خطير في عالمنا الإسلامي وتحظى -كما يحظى من يتبناها من دول وغيرها- بدعم كبير من اليهود والنصارى والملاحدة -من شيوعيين ولا دينيين-؛ إذ أدرك أعداء الإسلام أن حرب المسلمين - ويقصد
_________________
(١) ينظر لما سبق: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات للدكتور محمد مجاهد نور الدين (ص ٣١ - ٣٢).
[ ٦٧٠ ]
أهل السنة- لا تتم إلا بإحياء الطائفية بينهم ودعم تلك الفرق والحركات المناهضة للإسلام الحق (١).
وصدقت فيهم مقولة أبي حامد الغزالي - ﵀ -: " إنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم" (٢).
ومن فرق الباطنية:
١ - غلاة الرافضة
قال الشيخ - ﵀ -: " وأما الروافض فقد أبغضوا أبا بكر وعمر وعثمان وكثيرًا من الصحابة وتبرءوا منهم، وقالوا لا ولاء إلا ببراء، أي لا يصح من أحد ولاء لآل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان ومن تبعهم، وسموا رافضة، لأنهم رفضوا نصرة زيد بن علي زين العابدين من أجل موالاته أبا بكر وعمر، فسماهم رافضة وقالوا بتناسخ الأرواح" (٣).
وقال الشيخ - ﵀ -: " انتقص الله وطعن في أفعاله وشرائعه اليهود والرافضة، بخفاء الفرق بين النسخ والبداء (٤)، وتعذر الفصل بينهما عليهم؛ فمنعت اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها؛ فحكمت بأن الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفيًا عليه؛ فينقض ما أبرمه (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).
ومن تبين أمر اليهود وحسدهم لمن جاء بعد موسى من الأنبياء، وكيدهم لشرائع الإسلام، وتبين حال الرافضة، ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم؛ بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وأنهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للإسلام منهجهم؛ علم أن ما قالوه من الزور والبهتان، إنما كان عن قصد سيئ وحسد للحق وأهله، وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى
_________________
(١) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ١١٥).
(٢) فضائح الباطنية تحقيق عبد الرحمن بدوي (ص ٣٧).
(٣) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - (ص ١٩)، وينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٤)، فتاوى اللجنة (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥) (٣/ ٣٦٨).
(٤) ينظر لمعنى (النسخ والبداء) في التعليق الذي يعقب كلام الشيخ - ﵀ -.
[ ٦٧١ ]
الدس والخداع وإعمال معاول الهدم سرًا وعلنًا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السيئ" (١).
وقال الشيخ - ﵀ - مبينًا ما سبق في تعليقه على قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ الرعد: ٣٩: " بين (تعالى) في آخر الآية أن كل ما يكون منه من محو وإثبات وتبديل وتغيير واقع بمشيئته فعلًا وكونيًا أو تشريعًا، ومسطور عنده في أم الكتاب جرى به القلم؛ فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير والتبديل كل منها في وقته الذي حدد له في علمه (تعالى) وكتابه، ورهين بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والإثبات عمومًا أن يكون بدا لله أمر كان خفيًا عليه، بل كل ما كان وما سيكون من فعل أو تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه، وما جرى به قلمه في كتابه" (٢).
حدثت انقسامات داخل المذاهب الرافضية الباطنية:
ومنها: الانقسام الذي وقع حول من يكون الإمام بعد جعفر الصادق - ﵀ -.
فطائفة: قالت: الإمام بعده ابنه موسى واستمرت الإمامة بعده إلى الإمام الثاني عشر - المهدي المنتظر عندهم- وهؤلاء هم الرافضة الموسوية، والجعفرية، الاثنا عشرية، ومن يطلع على عقائدهم ومذاهبهم يرى أنه لا يمكن أن يكونوا طائفة معتدلة بحال من الأحوال، إلا حال التقية.
وطائفة: قالت: الإمام بعده أي - بعد جعفر الصادق- ابنه إسماعيل -الذي مات في عهد أبيه- وهؤلاء هم طائفة الإسماعيلية التي انبثقت منها حركة القرامطة، والدولة الفاطمية في المغرب ومصر، والإسماعيلية في بلاد فارس وغيرها (٣).
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) تعليق الشيخ على الإحكام (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (ص ١١٧).
[ ٦٧٢ ]
الرافضة: هي تلك الطائفة من الشيعة التي تعتقد بأحقية أهل البيت في الإمامة على باقي الصحابة، بمن فيهم الشيخان - ﵃ -، وأن الإمامة ركن من أركان الدين بنص النبي - ﷺ -، وأن الأنبياء والأئمة معصومون، ويشمل أيضا، كل من يقول بالبداء والرجعة والغيبة والتولي والتبري إلا في حالة التقية.
ويرجح العلماء سبب التسمية لرفضهم إمامة الشيخين وأكثر الصحابة، وقد أطلق عليهم هذا الاسم بعد رفضهم إمامة زيد بن علي، وتفرقهم عنه؛ لعدم موافقته على أفكارهم، وكانت تسمى من قبل الخشبية والإمامية، ومن أشهر فرقهم الاثنا عشرية (١).
أخطر عقائد غلاة الرافضة:
١ - التأويل الفاسد: وإنما كان فاسدًا لأنه صدر عن اعتقادهم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن المراد منه باطنه دون ظاهره، وأن علم الباطن مقصور عليهم وحدهم، فانطلق غلاة الرافضة كغيرهم من غلاة الباطنية يحرفون لفظ القرآن عن معناه إلى ما يتفق مع عقيدتهم وأهوائهم؛ وبالتأويل الفاسد تحلل الروافض من القيم الأخلاقية، والشعائر الدينية، ونشروا الإباحة والإلحاد. فالخطابية (٢) استحلوا الزنا، وشرب الخمر، وقالوا بترك الصلاة، مؤولين قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ النساء: ٢٨.
وقالوا: خففت عنا يا أبا الخطاب، وقالوا من عرف الإمام فلا حرج عليه الخ. وهذا شبيه بنهج اليهود في التأويل والتحريف، وله صلة قوية بما كان عليه المجوس من الفرس.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٣/ ٣٥ - ٣٦)، الملل والنحل (١/ ١٥٥)، مقالات الإسلاميين (ص ٦٥)، والتبصير في الدين للإسفراييني (ص ٢٩ - ٣٠)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإمام الرازي (ص ٧٧)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٦٥)، بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٤٣ - ٤٤).
(٢) هي فرقة من غلاة الشيعة، أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵁. فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه تبرأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه. وشدد القول في ذلك، وبالغ في التبرؤ منه واللعن عليه. فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه. وزعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء، ثم آلهة. وقال بألهية جعفر بن محمد، وألوهية آبائه ﵃. وهم أبناء الله وأحباؤه. والإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٢/ ١٥ - ١٧).
[ ٦٧٣ ]
٢ - التشبيه والحلول: أي القول بتشبيه الله بالإنسان، وأن له تعالى أعضاء كأعضائه، والقول بالحلول أيضًا حين اعتقد غلاتهم حلول الإله بذاته أو روحه جزء أو كلا في البشر، وهذا قوي الصلة بوثنية الفرس وتحريفات اليهود والنصارى، وهو مناف لعقيدة التوحيد، فالقول بالحلول باطل ومحال: فحلول الشيء لا يتصور إلاّ إذا كان الحال بحيث لا يتعين إلاّ بتوسط المحل، ولا يمكن أن يتعين واجب الوجود سبحانه بغيره، فحلوله في غيره محال. وأما التشبيه فقد نتج عن تأويلهم لبعض النصوص الشرعية على غير وجهها الصحيح فوصفوا الله سبحانه بما لا يليق به، وما ذلكَ إلاّ لركونهم إلى التأويل المهلك وتركهم للتفويض المدرك (١).
٣ - البداء: وهو مما قالت به اليهود (٢)، ولا يجوز على الله؛ لأنه مخالف تمامًا للنسخ المقرر شرعًا إذ أن البداء بمعنى أنه بدا لله شيء كان يجهله أو يجهل الحكمة منه، ثم بدا له أن يفعله، وهذا مفهوم يؤدي إلى جواز التغير عليه سبحانه. وهو مختلف تمامًا عن معنى النسخ.
٤ - الرجعة: وهو القول برجعة الإمام مرة أخرى إلى الحياة بعد موته ليؤدي دوره في هداية الناس إلى مذهبه، وهذه أيضًا يقول بها اليهود (٣).
٥ - التناسخ: أي القول بتناسخ الأرواح وانتقالها من جسم إلى جسم وهذا هو الثواب والعقاب، وهو معنى القيامة عندهم، ويكون ذلكَ في الدنيا فيثاب المطيع مثلًا بأن تنتقل
_________________
(١) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٤٩).
(٢) وقد أطال العلامة موسى جار الله رحمه الله تعالى النفس في بيان بطلان دعوى البداء لله تعالى، وأن الرافضة قد أخذوه من اليهود، ونقل نصوص التوراة، من سفر التكوين وغيره، فينظر الوشيعة في كشف شنائع عقائد الشيعة، د. صالح الرقب، (١١٠ - ١٢٠)، وينظر: التوراة (سفر التكوين، الفصل السادس، فقرة: ٥)، (سفر الخروج، الفصل: ٣٢ فقرة: ١٢، ١٤)، (وسفر قضاة، الفصل الثاني، فقرة: ١٨)، (وسفر صموئيل الأول، الفصل الخامس عشرة فقرة: ١٠، ٣٤)، (وسفر صموئيل الثاني، الفصل: ٢٤، فقرة: ١٦)، (وسفر أخبار الأيام الأول، الفصل: ٢١، فقرة: ١)، (وسفر أرميا، الفصل: ٤٢، فقرة: ١٠)، (وسفر عاموس، الفصل: ٧، فقرة: ٣)، (وسفر يونان، الفصل: ٣، فقرة: ١٠) وغيرها.
(٣) ينظر: العهد القديم (إصحاح الفصل:٤، فقرة: ٥).
[ ٦٧٤ ]
روحه إلى شيءٍ حسن كالطاووس مثلًا، ويعاقب المجرم العاصي بأن تنتقل روحه إلى شيء قبيح مثل الكلب أو قرد. فالجزاء في الدنيا وليس هناك حياة آخرة. يقول ابن حزم: " ويبلغ الأمر بمن ذهب منهم إلى هذا أنه يأخذ أحدهم البغل والحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أن روح أبي بكر وعمر حلت فيها" (١).
_________________
(١) ينظر لما سبق من عقائد: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٧٢)، بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٤٩)، ومجموع فتاوى العقيدة لمحمد بن صالح العثيمين (٤/ ٢٩٣)،والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة للعبد القادر بن شيبة الحمد (ص ٢٣٩ - ٢٤٥).
[ ٦٧٥ ]
٢ - الإسماعيلية.
قال الشيخ - ﵀ - في الإسماعيلية الذين يعتقدون أن الله حل في علي: " اعتقاد أن الله حل في علي أو غيره كفر محض مخرج من ملة الإسلام، وكذلك اعتقاد أن هناك أحدًا يتصرف في السماء والأرض غير الله سبحانه كفر أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ الأعراف: ٥٤" (١).
رد الشيخ - ﵀ - على من لا يرى اتباع الشريعة الإسلامية، بقوله: " من اعتقد أن هناك أحدًا يسعه الخروج من اتباع شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، وشريعته هي القرآن الذي أوحاه الله إليه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ الإسراء: ١٠٦، ومن الشريعة: السنة النبوية التي هي تبيين وتفصيل للقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ النحل: ٦٤" (٢).
أنكرت هذه الفرقة أركان الإسلام، فرد عليهم الشيخ - ﵀ -، قائلًا: " من أنكر وجحد شيئًا من أركان الإسلام أو من واجبات الدين المعلومة بالضرورة فهو كافر ومارق من دين الإسلام" (٣).
الإسماعيلية فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحية. وقد مالت إلى الغلو الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفرون أعضاءها.
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٩٣).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٩٤).
(٣) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٩٤).
[ ٦٧٦ ]
وقد تشعبت الإسماعيلية لفرق عده هي؛ الإسماعيلية القرامطة (١)،
والإسماعيلية الفاطمية (٢)، والإسماعيلية الحشاشون (٣)، وإسماعيلية الشام (٤)، والإسماعيلية البهرة (٥)،
_________________
(١) هم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة، يقال لهم الإسماعيلية، لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويقال لهم القرامطة، قيل نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار، الذي انقلب على الإسماعيلية الباطنية وقام بإنشاء مذهبًا خاصًا به؛ ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية، قالوا إن للإسلام ظاهرًا وباطنًا، حكموا في فترة من الفترات الجزيرة وبلاد الشام والعراق وما وراء النهر، وارتكبوا مجازر بحق المسلمين وهم الطائفة الوحيدة التي تجرأت على سرقة الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، وقد تميزت بالقتل والاغتيالات لأهداف سياسية ودينية متعصبة. ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤١)، البداية والنهاية (١١/ ٧١)، تاريخ ابن خلدون (٤/ ٣٠)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٣٣).
(٢) هي أهم الفرق الإسماعيلية التي بدأت سرية [وتسمي تلك الفترة بـ "دور الستر"] وتمتد مذ نشأت وحتى عبيد الله المهدي الذي نقلها من السرية إلى العلنية وأقام لدعوته الضالة دولة في غرب إفريقيا وحكمت الشمال الإفريقي والشام إلى أن أزالها صلاح الدين الأيوبي ﵀، بالتزامن - التقريبي - مع دولة شكلوها في اليمن، وقد ذهب العلماء أن مذهب هذه الفرقة شر من اليهود والنصارى بل شر من غلاة الرافضة الذين يدعون بألوهية علي بن أبي طالب.
(٣) عرفوا بالحشاشين لأنهم كانوا يكثرون من تدخين الحشيش، تواجدوا قديما بالشام وفارس وبلاد الشرق، ولازالت لهم مناطق مستقلة إلى الآن.
(٤) امتلكوا قلاعًا وحصونًا في طول البلاد وعرضها فيما مضى، وما تزال لهم بقايا في سلمية والخوابي والقدموس ومصياف وبانياس والكهف.
(٥) هم إسماعيلية الهند واليمن، وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس، وكمعظم الشيعة يجمعهم الاعتقاد بالأئمة، لكنهم خلافا للإمامية يعتقدون بأئمة "مستورين" لا يعرف عنهم أحد شيئا ولا "علماء البهرة" ذاتهم؛ ويذهب أحد الأقوال في نشأة وتطور طائفة البهرة، أنهم أصلًا من الفاطميين الشيعة الذين كانوا في مصر إبان العصر الفاطمي عندما انتهى العصر الفاطمي هاجر الكثيرون من مصر وانتقلوا من بلد إلى أخر حتى انتهى بهم المقام إلى جنوب الهند؛ زعيم فرقة الإسماعيلية البهرة ملاجي محمد برهان الدين هو الزعيم الثاني والخمسون، وقد استلم زمام الزعامة بعد وفاة الزعيم الحادي والخمسين طاهر سيف الدين، وهذا الزعيم يعد من أغنياء العالم بما يحلبه من أتباعه. ينظر كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي عنهم: فتاوى اللجنة (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، (٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠).
[ ٦٧٧ ]
والإسماعيلية الأغاخانية (١)، والإسماعيلية الواقفة (٢)، والمكارمة (٣).
ويتضح أن الإسماعيلية في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية، ولكنها غلت في أئمتها وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من حظيرة الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ وإنكارهم صفات الله ﷾، ولعدم استمدادهم عقيدتهم من خالص الكتاب والسنة (٤).
أخطر عقائد الإسماعيلية:
١ - ينفون عن الله ما وصف به نفسه، ويرون أن ذلك من مستلزمات التوحيد الخالص على غرار ما قال به أفلاطون (٥) من فلاسفة اليونان عن العلة الأولى،
_________________
(١) يسكنون نيروبي ودار السلام وزنجبار ومدغشقر والكنغو والهند وباكستان وسوريا ومركز القيادة الرئيسي لهم مدينة كراتشي؛ وهي فرقة نبعت من الإسماعيلية، ومؤسسها حسن علي شاه، الملقب هو وأبناؤه الذين خلفوه في زعامة الفرقة (آغاخان).
(٢) هي فرقة إسماعيلية وقفت عند الأمام محمد بن إسماعيل وهو أول "الأئمة المستورين" وقالت برجعته بعد غيبته. ينظر لما سبق من فرق الإسماعيلية: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٢٨)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٧، ٧٩، ١٤٩، ٢٨٠، ٣١٦، ٣٣٣)، والموسوعة الميسرة (٢/ ٤٠٣)، والموجز في المذاهب والأديان المعاصرة (ص ١٣١، ١٣٢)، موسوعة فرق الشيعة د. ممدوح الحربي (ص ٢٥٧)، التحفة المهدية لفالح بن مهدي (ص ٤٧).
(٣) المكارمة فرقة الإسماعيلية مؤسس يهودي يقال له: ميمون بن ديصاء، وهم الآن مستقرون في مدينة نجران في جنوب الجزيرة العربية، وتنتشر هذه الطائفة في قبيلة يام باليمن، ويعرفون بالمكارمة، ويقدس هؤلاء زعيمهم، ويقال: إنه ينتحل مذهب البابوات من صنع صكوك لأتباعه على قطع في الجنة! وبعض أفراد هذه الطائفة يقيمون في الهند، وباكستان. ينظر: القرامطة لطه الولي (ص ٣٥)، الموسوعة المسيرة (١/ ٣٨٩)،دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة د. أحمد جلي (ص ٣٤٠).
(٤) ينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٣٨٣ - ٣٨٩)، بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٥١)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٣).
(٥) هو: الفيلسوف المعروف أفلاطون بن أرسطون، وقد تحدر أفلاطون من سلالة ارستقراطية رفيعة، ولد في أثينا سنة ٤٢٩ ق. م، ومات في أثينا سنة ٣٤٨ ق. م، كان من فلاسفة اليونان، وكانت معظم كتابات أفلاطون عبارة عن محاورات، بطلها الرئيس سقراط، وقد اتفق النقاد على صحة نسبة ٢٨ حوار بالإضافة إلى ثلاث عشرة رسالة إلى أفلاطون. ينظر: أفلاطون، لعبد الرحمن بدوي (ص ١٧٣)، وأفلاطون للدكتور أحمد الأهواني (ص ٩ - ١٠)، الفكر اليوناني أفلاطون للدكتور حسين حرب (ص ١٩٥)، وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم (ص ٦٢)، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لموفق الدين الخزرجي (١ - ٨٠).
[ ٦٧٨ ]
وأنها واحدة من كل وجه. وبذلك لا يوصف الله بصفات تستوحى معانيها من تجارب الحس؛ لأنها إضافات لا تتفق مع الواحدة الخالصة.
وهذا ما اشترك فيه الإسماعيلية مع غيرها من الفرق الضالة التي حاولت طمس معالم الإسلام وتقويض أصوله.
٢ - بناء على عقيدتهم في (الألوهية) فإن العقل الأول هو الذي دبر الكون وأرسل الرسل والوحي إلى الأنبياء.
والناطق السابع عندهم بالوحي هو "محمد بن إسماعيل" الذي نسخ شريعة الإسلام.
٣ - الإمام وهو محور الدعوة الإسماعيلية، وهو وارث الأنبياء جميعًا، ووارث كل من سبقه من الأئمة، ويصفونه بصفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن لما له من صفات قدسية، فهو يد الله وجنب الله ووجه الله (١).
وهكذا نرى الإسماعيلية تصل إلى أخطر النتائج، وهي فتح باب النبوة وعدم إغلاقه على الإطلاق، وهذا يعني أن محمدًا - ﷺ - لم يكن خاتم النبيين، ولا برسالته أكمل الدين. فالنبوة مستمرة بصفة دورية!!.
وعلى هذه الفكرة الخبيثة قامت (دعوة القاديانية والبهائية) في العصر الحديث، وهذا القدر من عقائد الإسماعيلية كاف للحكم بكفرهم وموضح لخبث هدفهم، وسوء نيتهم، وتهافت فكرهم.
ويتبين مما سبق أن مذهب الإسماعيلية قد تأثر بعقائد الفرس القديمة، والأفكار الهندية المشوشة، والمسيحية المحرفة، وعناصر من الفلسفة اليونانية التي انصهرت كلها في عقيدة باطنية تقوم على استخلاص الباطن من الظاهر عن طريق التأويل الفاسد المهلك الذي يمكنهم من توجيه دعوتهم إلى كافة مستويات أتباعهم (٢).
_________________
(١) ينظر: دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة لعبد الله الأمين (ص ٦٧ بتصرف).
(٢) ينظر لما سبق من عقائد فاسدة: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٥٣ - ٥٨)، فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبتخي (١/ ٦٨ - ٦٩)، الفرق بين الفرق (١/ ٤٦)، الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٩١)، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية لطاهر الإسفراييني (١/ ٣٨)، فضائح الباطنية للغزالي (١/ ١٦)، منهاج النبوة لابن تيمية (٦/ ٤٣٧) (٨/ ١٢).
[ ٦٧٩ ]
٣ - النصيرية:
قال الشيخ - ﵀ -: " النصيرية والإسحاقية: من غلاة الشيعة يرون ظهور الروحانيات في صور جسمية خَيرة أو خبيثة ويزعمون أن الله يظهر في صورة إنسان وأن جزءًا من الله حل في علي به يعلم الغيب ويفصل مالا طاقة لأحد به من البشر ويرون أيضًا إباحة المحارم وإسقاط التكاليف إلا أن النصيرية أميل إلى مشاركة علي لله في الإلهية والإسحاقية أميل إلى مشاركة علي لمحمد في النبوة؛ والنصيرية نسبة إلى محمد بن نصير النميري والإسحاقية نسبة إلى إسحاق بن زيد بن الحارث" (١).
قال الشيخ - ﵀ - في رده على من قال بتناسخ الأرواح والتي هي من عقائد النصيرية: "ما ذكر من أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر ليس بصحيح، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ الأعراف: ١٧٢، وجاء تفسير هذه الآية فيما رواه مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - سُئل عن هذه الآية السابقة، فقال عمر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يُسال عنها، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) (٢)، قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث، قد صح عن النبي - ﷺ - من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة - ﵃ - أجمعين وغيرهم. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٥).
(٢) أحرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٣١١)، وأبو داود برقم (٤٧٠٣)، والترمذي برقم (٥٠٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧)، قال الألباني صحيح، إلا مسح الظهر ينظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (٤٧٠٣)، وتخريجه للطحاوية برقم (٢٦٦).
[ ٦٨٠ ]
وذكروا: أن القول بانتقال الروح من جسم إلى آخر هو قول أهل التناسخ وهم من أكفر الناس، وقولهم هذا من أبطل الباطل" (١).
النصيرية (٢): هي حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث الهجري هم أتباع محمد بن نصير النميري ويعد أصحابها من غلاة الشيعة الذين قالوا بألوهية علي بن أبي طالب - ﵁ - بناء على اعتقادهم بأن ظهور الروح بالجسد الجسماني أمر يجيزه العقل، فهو يشبه ظهور جبريل ﵇ بصورة بشر، وظهور الشيطان بصورة إنسان يتكلم بلسانه، إلى آخر ما قالوا به من معتقدات فاسدة باطلة قصدوا بها نقض عرى الإسلام وزلزلة بنيانه. فلا عجب أن تراهم مع كل غاز لأرض المسلمين. وقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم (العلويين) سترًا وتغطية لحقيقة أمرهم (٣).
أخطر عقائد النصيرية:
١ - يقولون بألوهية الإمام وعصمته: وهي ألوهية - في نظرهم- مثلثة الأجزاء متحدة الحقيقة كما هي عند النصارى. فهي عندهم: معنى واسم وباب. كما هي عند النصارى: أب وابن وروح قدس.
أما المعنى فهو: علي بن أبي طالب، وهو الله العلي القدير عندهم.
وأما الاسم فهو: محمد بن عبد الله، وهو حجابها النوراني.
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٢) النصيرية أنفسهم يرفضون هذه التسمية، ويطلقون على أنفسهم اسم "العلويين" لأنهم من الطوائف التي تؤله أو تقدس علي بن أبي طالب، وتعبده، ويذهب النصيرية إلى أن هذا هو الاسم الأصلي للطائفة ولكن الأتراك حرموهم من هذا الاسم وأطلقوا عليهم اسم النصيرية نسبة إلى الجبال التي يسكنونها نكاية بهم، واحتقارًا لهم. وأن الفرنسيين عند انتدابهم على سوريا في بداية هذا القرن، أعادوا الاسم القديم للطائفة، وأصدروا مرسومًا في ١/ ٩/١٩٢٠ م سميت بموجبه جبال النصيرية بأراضي العلويين المستقلة. ينظر: تاريخ العلويين (ص ٤٠١) وما بعدها، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (ص ٣٥٧).
(٣) ينظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد جلي (ص ٣٥٧)، الموجز في المذاهب والأديان لناصر القفاري وناصر العقل (ص ١٣٦ - ١٣٨)،موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ١١٩ - ١٢٠)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٥ - ١٦٠).
[ ٦٨١ ]
وأما الباب فهو: سلمان الفارسي الذي يوصل إلى الحجاب النوراني.
وبعد انتهاء دور النبوة أصبح هؤلاء الثلاثة يتنقلون في الأئمة الاثني عشر حتى خلفوها إلى (محمد بن نصير النميري) حسب ادعائه (١).
٢ - ويزعمون بأن للعقيدة باطنًا وظاهرًا، وأنهم وحدهم العالمون بباطن الأسرار. من ذلكَ قولهم بأن القرآن: هو مدخل لتعليم الإخلاص لعلي، وقد قام سلمان (٢) (تحت اسم جبريل) بتعليم القرآن لمحمد! (٣).
ولهم قداسات شبيهة بقداسات النصارى تدل بألفاظها على صريح كفرهم (٤).
٣ - القول بالتناسخ: قال به الغلاة في كل ملة، فهو عقيدة مشتركة بينَ أهل الديانات. ومقتضى مذهب هؤلاء الغلاة أن لا دار إلاَّ دار الدنيا، وأن القيامة إنما هي خروج الروح من البدن ودخولها في بدن آخر. إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وأنهم مسرورون في هذه الأبدان أو معذبون فيها.
والأبدان هي الجنات وهي النار، وأنهم منعمون في الأجسام الحسنة الأنيسة المنعمة، ومعذبون في الأجسام الرديئة المشوهة من كلاب وقرود وخنازير وحيات، وأن المؤمن عندهم يتحول سبع مرات قبل أن يأخذ مكانه بين النجوم (٥).
_________________
(١) ينظر: دراسات في الفرق لعبد الله أمين (ص ١٠٨).
(٢) يذهب الشيعة إلى أن لكل إمام بابًا، وأن أبواب الأئمة كانوا على النحو التالي:
(٣) علي، وبابه سلمان الفارسي.
(٤) الحسن، وبابه قيس بن ورقة المعروف بالسفينة.
(٥) الحسين، وبابه رشيد الهجري وجعلوا لكل إمام من الاثني عشر بابًا عدا محمد المهدي فلم يكن له باب. ينظر: تاريخ العلويين لمحمد أمين غالب الطويل (ص ٢٠١ - ٢٠٢، ٢٣٥)، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (ص ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٦) ينظر: الموسوعة الميسرة (ص ٥١٣ - ٥١٤).
(٧) بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٦١).
(٨) ينظر: فرق الشيعة للنوبخي (ص ٣٢).
[ ٦٨٢ ]
وعلماء الإسلام مجمعون على كفر القائلين بالتناسخ لإنكارهم معلومًا من الدين بالضرورة وهو الإيمان باليوم الآخر وما يتعلق به (١).
٤ - قال ابن نصير بإباحة المحارم وأحل اللواط بين الرجال (٢): وأسقط التكاليف الشرعية استنادًا إلى تأويلاتهم الباطنية الفاسدة التي لا تستند إلى دليل. وتلك نزعة قديمة ترتبط بالمجوسية (٣)، والزرادشتية (٤)، والمزدكية (٥)،
ذلك أن للمجوس طبقة من الكهنة كانت تبيح الزواج بالأقارب المقربين، يقول الشهرستاني: عرف عن مزدك دعوته إلى الإباحية، واستباحة أموال الناس وأنها فيء، واستحلال النساء، فقد تزوج "يزدجرد" الثاني (٦) الذي تولى الحكم في
_________________
(١) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٦١ - ٦٢).
(٢) الموسوعة الميسرة (ص ٥١٣).
(٣) المجوس: عبدة النار ويقولون: إن للعالم إلهين: النور والظلمة، والأول قديم، والثاني حادث خلافًا للثنوية الذين يقولون بأزليتهما واختلافهما في الجوهر والطبع، ونشأت المجوسية في بلاد الفرس. ينظر: رسالة إلى أهل الثغر لعلي بن إسماعيل أبو حسن الأشعري (١/ ٣١٠)، اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٦٩٥)، الفرق بين الفرق (١/ ٢٦٩).
(٤) أتباع زرادشت من أهل أذربيجان، زعموا أن لهم أنبياء وملوكا، وهم طائفة من المجوس، قالوا بأنه لا ينسب لله الظلمة، ولكن الخير والشر والفساد والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم وهما يتغالبان حتى ينتصر النور، ولهم من الاعتقادات الباطلة الأخرى. ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٧٧)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي (١/ ٨٦)، مسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٥٠).
(٥) أتباع مزدك بن نامذان من الثنوية. كان إباحيًا زنديقًا ادعى النبوة، وأظهر دين الإباحية، والمزدكية فرقة من المجوس عباد النار، وقول المزدكية كقول المانوية في الأصلين النور والظلمة إلا أن مزدك كان يقول النور يفعل بالقصد والاختيار، والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق؛ وأصل الشيوعية الحمراء من المزدكية التي نادي بها كارل ماركس واحتضنها لينين، من قولهم بأن الأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس لا يختص به أحد. ينظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي (ص ١٣٤، ١٤١)، التحفة المهدية لفالح بن مهدي (ص ٣٨٠).
(٦) هو: يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف الملك المشهور، ومن ولده كسرى نوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد الأصغر. ينظر: توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم، لمحمد عبد الله قيسي الدمشقي (٩/ ٢٢٢).
[ ٦٨٣ ]
القرن الخامس الميلادي من ابنته، كما عرف أن "بهرام جور" (١) الذي حكم في القرن السادس الميلادي قد تزوج من أخته، ويذكر أن عادة الزواج بالمحارم كانت عادة منتشرة في " الزرادشتية". وكانت أكثر شيوعًا بينَ أهل التقى - أي الكهنة- إرضاء لآلهتهم (٢).
حكم الإسلام في النصيرية:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " هؤلاء القوم الموصوفون المسمون بـ"النصرية" هم وسائر أصناف القرامطة (٣)
الباطنية: أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد - ﷺ - أعظم من ضرر الكفار المحاربين فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهاد المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا بنهي ولا بثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد - ﷺ -، ولا بملة من الملل السالفة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين ويتأولونه على أمور يقرونها، ويدعون أنها علم الباطن من ذلكَ قولهم: إن الصلوات الخمس: معرفة أسرارهم، والصيام المفروض: كتمان أسرارهم، وحج البيت العتيق: زيارة شيوخهم، وأن يدي أبي لهب هما: أبو بكر وعمر، وأن النبي العظيم
_________________
(١) هو: بهرام جور بن يزدجرد أحد ملوك الفرس، ويطلق عليه عند المؤرخين بهرام الخامس، توفي (٤٣٨ م)، وقد أطالت الأساطير حكمه وسيرته. ينظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري (١/ ٤٠٦)، تاريخ الإسلام للذهبي (٤٨/ ٧٩)، مآثر الإنافة لأحمد القلقشندي (١/ ٢٨٤).
(٢) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٤٢٤).
(٣) كان ظهور هذه الطائفة ١٧٦ هـ بظهور ميمون بن ديصان الذي نصب للمسلمين الحبائل وكان يبطن المجوسية ويظهر الإسلام، وكان يجعل لكل آية تفسيرًا ولكل حديث تأويلا، وجعل الفرائض والسنة رموزا وإشارات، وكان يخدم إسماعيل بن جعفر، وظهر أيام حمدان قرمط فاجتمعا وتساعدا على نشر هذا المذهب الشنيع، فسموا بالقرامطة؛ وأصل القرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض، يقال خط مقرمط ومشي مقرمط. واسقطوا العبادات وقالوا لا يأمر بها إلا العوام؛ والدين الحقيقي عندهم هو الدين الباطني وبذلك يسمون باطنيين ولا يؤمر به إلا الخواص منهم. ينظر: التحفة المهدية لفالح بن مهدي (ص ٤٧)، درء التعارض (٢/ ٣٠٥)، فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبتخي (١/ ٧٢).
[ ٦٨٤ ]
والإمام المبين هو علي بن أبي طالب، ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة وصنف علماء المسلمين كتبًا في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة وقد اتفق علماء الإسلام على أن مثل هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ، ولا تباح ذبائحهم، ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يصلى على من مات منهم أبدًا وأما استخدام هؤلاء في ثغر من ثغور المسلمين أو حصونهم وجندهم فهو من الكبائر بمنزلة من استخدم الذئاب في رعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمرهم، ومن أحرص الناس على إفساد الملة والدولة" (١).
وبمثل هذا قال أكثر علماء الإسلام ممن يوثق في دينهم ويعتد بآرائهم في هؤلاء المارقين الخارجين على تعاليم الدين (٢).
٤ - الدروز:
قال الشيخ - ﵀ -: " أصل الدروز فرقة سرية من فرق القرامطة الباطنية يتسمون بالتقية وكتمان أمرهم على من ليس منهم، ويلبسون أحيانًا لباس التدين والزهد والورع ويظهرون الغيرة الدينية الكاذبة، ويتلونون ألوانًا عدة من الرفض والتصوف وحب آل البيت حتى إذا سنحت لهم الفرصة وقويت شوكتهم ووجدوا من الحكام من يواليهم وينصرهم ظهروا على حقيقتهم
مبادئهم:
أ- يقولون بالحلول، فهم يعتقدون أن الله حل في علي - ﵁ - ثم حل في أولاده بعده واحدًا بعد واحد حتى حل في الحاكم العبيدي أبي علي المنصور بن العزيز، فالإلهية حلت ناسوته ويؤمنون برجعة الحاكم وأنه يغيب ويظهر.
ب- التقية، فهم لا يبينون حقيقة مذهبهم إلاَّ لمن كان منهم، بل لا يفشون سرهم إلاَّ لمن أمنوه ووثقوا به من جماعتهم.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/ ٤٧٧ - ٥٠١، ٣٥/ ٤١٥،٣، ٣/ ٣٥٦، ٣٥٧) بتصرف.
(٢) ينظر: معارج القبول (٣/ ١١٨٠)، المواقف للإيجي (٣/ ٦٨٤)، المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (١/ ٣٠٢)، زيارة القبور لابن تيمية (١/ ٦٨)، منهاج السنة (٧/ ٢١٩).
[ ٦٨٥ ]
ج- عصمة أئمتهم، فهم يرون أن أئمتهم معصومون من الخطأ والذنوب، بل ألهوهم وعبدوهم من دون الله كما فعلوا ذلك بالحاكم.
د- دعواهم علم الباطن، فهم يزعمون أن لنصوص الشريعة معاني باطنة هي المقصودة منها دون ظواهرها، وبنوا على هذا إلحادهم في نصوص الشريعة وتحريفهم لأخبارها وأوامرها ونواهيها.
هـ - يقولون بقول أهل الطبيعة، فيقولون: إن الطبائع مولدة للحياة، والموت ينشأ عن فناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج عند انتهاء الزيت إلاَّ من اعتبط- أي: قتل بحادث مثلًا.
و- النفاق في الدعوة والمخادعة فيها: فهم يظهرون التشيع وحب آل البيت لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم دعوه إلى الرفض وأظهروا له معايب الصحابة وقدحوا فيهم، فإذا قبل منهم كشفوا له معايب علي وطعنوا فيه، فإذا قبل منهم ذلك انتقلوا به إلى الطعن في الأنبياء، وقالوا: إن لهم بواطن وأسرارًا تخالف ما دعوا إليه أممهم، وقالوا: إنهم كانوا أذكياء وضعوا لأممهم نواميس شرعية ليحققوا بذلك مصالح وأغراضًا دنيوية .. إلخ" (١).
الدروز: إحدى الفرق الباطنية التي تأثرت كثيرًا بعقائد الإسماعيلية وقد اشترك في تأسيس هذه الفرق عدة شخصيات -ليس هذا المجال لبسطها- جعلت الخليفة بأمر الله محور العقيدة الدرزية (٢).
أخطر عقائد الدروز (٣):
١ - يقولون بألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي (٤)، وأن روح الإله قد حلت في جسده، وهذه العقيدة تقوم على أن للحاكم بأمر الله طبيعتين:
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٠٠ - ٤٠٥) باختصار.
(٢) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٦٦ - ٦٨).
(٣) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٦٨ - ٧٠)، والموسوعة الميسرة (ص ٢٢٤ - ٢٢٦)، ودراسات في الفرق لعبد الله الأمين (ص ١٤٤ - ١٥٧)، الحركات الباطنية في الإسلام لمصطفى غالب (ص ٢٦٣).
(٤) الحاكم الذي دارت حوله هذه الدعوة، كان ذا شخصية شاذة غريبة الأطوار فاسدة المزاج مختلطة التفكير، وقد نسب إليه من الأفعال، والتصرفات ما يدل على أن الشيطان تمكن منه ولبس عليه، وسيطر على حياته؛ وكان يقول من أرخوا له، أنه يخترع في كل وقت أمورًا، وأحكامًا يحمل الرعية عليها، وكان يفرض الشيء ثم ينقضه، توفي سنة (٤١١ هـ). ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٩ - ١٠)، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي (٤/ ١٧٦ - ١٨٥)، والحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية لمحمد عبد الله عنان.
[ ٦٨٦ ]
(أ) طبيعة لاهوتية خفيفة لأن الله ﷾ اتخذ الحاكم حجابًا له.
(ب) طبيعة ناسوتية ظهر بها بصورة الحاكم بأمر الله المتجسد أمام الناس، ليعبد الله ظاهرًا موجودًا رحمة منه بعباده.
وقد ظهر الإله في صورة إنسان؛ لأن الإنسان أفضل المخلوقات.
والحاكم بأمر الله هو الصورة الناسوتية الأخيرة لله؛ ولهذا فهم يعبدونه ويقدسونه. وحين قتل الحاكم بأمر الله سارع دعاة تأليهه إلى القول بأنه لم يقتل ولم يمت ولكنه اختفى أو رفع إلى السماء وسيرجع ويملأ الأرض عدلًا.
وإنما غاب الحاكم بأمر الله اختبارًا لهم أو غضبًا منهم، وسوف يظهر في اليوم الموعود من تحت صخرة بيت المقدس.
٢ - ويقولون بالتناسخ: فكل درزي يموت تنتقل روحه ليحل في أول مولود منهم لا من غيرهم. وهم جميعًا من أهل الجنة، والمسيئ فيهم تطهر روحه بتنقلها في أجسام فقراء أو مرضى فإذا طهرت لبست أجسام السعداء من الرؤساء والأغنياء.
والفرق بينَ تناسخ الدروز وتناسخ النصيرية يكمن في الجسم الذي تنتقل إليه الروح، فهو عند الدروز لا يكون غير جسم الإنسان بالذات بخلاف النصيرية. ويوم الحساب - عندهم- هو نهاية مراحل انتقال الأرواح وتناسخها في الأجسام، وحينئذ ينتصر التوحيد على عقائد الشرك.
وعقيدة التناسخ التي يقول بها الدروز وغيرهم من الفرق الباطنية تخالف الإسلام وإجماع علماء المسلمين.
٣ - وهم يبغضون أهل الديانات الأخرى والمسلمين على وجه الخصوص، ويستبيحون دماءهم، وأموالهم، وغشهم كلما تيسر لهم ذلك.
٤ - ويعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها، وينكرون جميع أصول الإسلام وفروعه.
[ ٦٨٧ ]
٥ - وينكرون القرآن الكريم، ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي، ولهم مصحف خاص بهم يمسى "المنفرد بذاته".
٦ - التستر والكتمان من أصول معتقداتهم وليس هذا من باب التقية وإنما هو من أصول ديانتهم.
حكم الإسلام فيهم:
يبين الشيخ - ﵀ - حكم الله فيهم، فيقول: "سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عما يحكم به في الدروز والنصيرية، فأجاب بما يأتي: وهؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى ولا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ووجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد، فهم كفار باتفاق المسلمين (١) " (٢).
وهكذا نرى أن الدروز كونوا لهم دينًا جديدًا استمدوه من بعض الوثنيات القديمة، والفلسفة اليونانية، وبعض التصورات المسيحية، وخلطوا ذلك كله، بل بنوه على بعض آراء الشيعة الإسماعيلية، ومن ثم لا ينبغي أن يعدوا من المسلمين، أو يعاملوا معاملة الفرق الإسلامية، وقديمًا قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية: "بأنهم أعظم كفرًا من الغالية، ويقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى، ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو، وأمثاله، أو مجوسًا. وقولهم مركب من قول الفلاسفة، والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقًا إن كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل هم الكفرة الضالون، فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم، فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم إلخ" (٣). كما ذكر ابن عابدين (٤)
في حاشيته أن الدروز لا ملة لهم إذ يقول: "ظهر
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦١).
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة (٢/ ٤٠٥ - ٤٣٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٢).
(٤) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره. ولد في دمشق عاصمة سورية وعرف المترجم بابن عابدين، وهي شهرة تعود إلى جده محمد صلاح الدين الذي أطلق عليه اللقب لصلاحه، من مؤلفاته الكثيرة: الحاشية: وتسمى (رد المحتار على الدر المختار) تعرف باسم حاشية ابن عابدين، رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار، العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، الرحيق المختوم في الفرائض، شرح كنز الدقائق للنسفي، وغيرها؛ توفي في ٢١ ربيع الثاني سنة ١٢٥٢ هـ. ينظر: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا البغدادي (٦/ ٣٦٧)، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر لعبد الرزاق البيطار (٢/ ٢٥)، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لإسماعيل باشا محمد أمين (٣/ ٧).
[ ٦٨٨ ]
من كلامهم -أي الفقهاء- حكم القاضي المنصوب في بلاد الدروز في القطر الشامي، ويكون درزيًا ويكون نصرانيًا، فكل منهما لا يصح حكمه على المسلمين فإن الدرزي لا ملة له كالمنافق، والزنديق، وإن سمى نفسه مسلمًا" (١).
٥ - القاديانية:
بين الشيخ - ﵀ - الحكم في الطريقة القاديانية، بقوله: " لقد صدر الحكم من حكومة الباكستان على هذه الفرقة بأنها خارجة عن الإسلام، وكذلك صدر من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة الحكم عليها بذلك، ومن مؤتمر المنظمات الإسلامية المنعقد في الرابطة في عام ١٣٩٤ هـ والخلاصة: أنها طائفة تدعي أن مرزا غلام أحمد الهندي نبي يوحى إليه وأنه لا يصح إسلام أحد حتى يؤمن به، وهو من مواليد القرن الثالث عشر، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم أن نبينا محمدًا - ﷺ - هو خاتم النبيين (٢)، وأجمع علماء المسلمين على ذلك، فمن ادعى أنه يوجد بعده نبي يوحى إليه من الله - ﷿ - فهو كافر لكونه مكذبًا لكتاب الله - ﷿ -، ومكذبًا للأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - الدالة على أنه خاتم النبيين، ومخالفًا لإجماع الأمة" (٣).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٥٥)، وينظر: مصرع التصوف لبرهان الدين البقاعي (١/ ١٨٣).
(٢) ينظر: سورة الأحزاب الآية (٤٠)، وينظر: مسند أحمد (٢/ ٣٩٨، ٤١٢)، و(٣/ ٧٩، ٢٤٨) و(٤/ ٨١، ٨٤، ١٢٧، ١٢٨) و(٥/ ٢٧٨)، والبخاري برقم (٣٥٣٥)، ومسلم برقم (٢٢٨٦، ٢٢٨٧).
(٣) فتاوى اللجنة (٢/ ٣١٢ - ٣١٤).
[ ٦٨٩ ]
قال الشيخ - ﵀ -: " روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال - ﷺ -: (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي) (١) الحديث، وفي آخر عند أحمد بلفظ: (لا نبوة بعدي إلا المبشرات) (٢) الحديث، وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة" (٣).
تنسب الطائفة القاديانية إلى مدينة (قاديان) بالهند.
وأحيانًا يطلق عليهم اسم (الأحمدية) نسبة إلى مؤسس مذهبهم "غلام أحمد"؛ ولا يخفى أن القاديانية وليدة السياسة الإنجليزية؛ وكذلك البيئة الفكرية في الهند لها دورها الفعال في ظهور نحلة القاديانية الباطلة (٤).
_________________
(١) أحرجه أحمد في مسنده برقم (١٣٤١٢)، والترمذي في جامعه في كتاب الرؤيا باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات برقم (٢٢٧٢)، وقال عنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٢٢٧٢): صحيح الإسناد.
(٢) أحرجه أحمد في مسنده برقم (٢٣٢٨٣)، قال الهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٣): رجاله ثقات.
(٣) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، ينظر: تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الأحزاب.
(٤) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٠٨ - ١١١).
[ ٦٩٠ ]
عقائد القاديانية:
١ - ادعى غلام أحمد القادياني في بادئ أمره أنه داعية إلى الإصلاح وتجديد الدين، ثم ادعى أنه المسيح الموعود والمهدي المنتظر، وأخيرًا ادعى النبوة وأفضليته على الأنبياء ﵈.
٢ - ويعتقد القاديانيون بأن الله يصوم، ويصلي، وينام، ويصحو، ويكتب، ويخطئ، ويجامع - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا-.
٣ - يعتقد القاديانيون أن (قاديان) كالمدينة المنورة ومكة المكرمة، بل أفضل منهما وأن أرض (قاديان) حرم، وأنها هي قبلتهم، وإليها حجهم.
٤ - يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات والمسكرات.
٥ - القاديانية تحرم الجهاد، وتقول بالطاعة العمياء للحكومات الإنجليزية؛ لأنهم أولو الأمر بنص القرآن حسب زعمهم، ومن لا يلتزم بتعاليم القاديانية فهو كافر! (١).
حكم الإسلام فيها:
يقول الإمام الغزالي: إن الأمة قد فهمت بالإجماع من هذا اللفظ (لا نبي بعدي)، ومن قرائن أحواله عدم وجود نبي بعده أبدًا، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، ومنكر هذا يكون منكرًا للإجماع (٢).
والقاديانية كشفت عن وجهها حين أنكرت الجهاد لتصبح الشعوب الإسلامية بقرة حلوبًا للمستعمرين يأخذون لبنها، ويظلمونها في علفها .. وقد قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ آل عمران: ١٤٩، كما أن للقاديانية علاقات وطيدة مع إسرائيل، فقد فتحت لهم إسرائيل المراكز والمدارس ومكنتهم من إصدار مجلة تنطق باسمهم وطبع الكتب والنشرات لتوزيعها في العالم (٣).
_________________
(١) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١١١ - ١١٣)، التصريح بما تواتر في نزول المسيح لمحمد أنور شاه الكشميري (١/ ٣٨، ٧٨)، الموسوعة الميسرة (١/ ٤١٦ - ٤٢٠).
(٢) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ١١٣).
(٣) بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١١٣).
[ ٦٩١ ]
وكان قرار (١) مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمر الثاني بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٦ هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٥ م، عند استفتائه عن القاديانية والفئة المتفرعة عنها التي تدعي اللاهورية، من حيث اعتبارهما في عداد المسلمين أو عدمه، قالوا: " إن ما ادعاه ميرزا غلام أحمد من النبوة والرسالة ونزول الوحي عليه إنكار صريح لما ثبت من الدين بالضرورة ثبوتًا قطعيًا يقينيًا من ختم الرسالة والنبوة بسيدنا محمد - ﷺ -، وأنه لا ينزل وحي على أحد بعده. وهذه الدعوى من ميرزا غلام أحمد تجعله وسائر من يوافقونه عليها مرتدين خارجين عن الإسلام. وأما اللاهورية فإنهم كالقاديانية في الحكم عليهم بالردة، بالرغم من وصفهم ميرزا غلام أحمد بأنه ظل وبروز لنبينا محمد - ﷺ - " (٢).
ويتضح مما سبق وبعد أن أفتى علماء الإسلام بكفرهم، أن القاديانية دعوة ضالة، ليست من الإسلام في شيء، وعقيدتها تخالف الإسلام في كل شيء، ويتضح تأثرهم بالمسيحية واليهودية والحركات الباطنية في عقائدهم وسلوكهم على الرغم من ادعائهم الإسلام ظاهريا.
٦ - البهائية:
قال الشيخ - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٣ - ١٤: "إن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم.
وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.
وقال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)﴾ الإسراء: ١٠٣.
_________________
(١) قرار رقم: ٤ (٤/ ٢).
(٢) مجلة المجمع (العدد الثاني، ١/ ٢٠٩).
[ ٦٩٢ ]
وقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة.
فتارة يسمون (بالدهريين): وأخرى (برجال الحقيقة، ووحدة الوجود) وأحيانًا (بالشيوعيين)، وأخرى (بالوجوديين). - اللقب الجديد - وآونة (بالبهائيين).
إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها، وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلي غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يعبد ويقصد.
وبما تقدم (١) من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده - تعالى - يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما يصدق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع" (٢).
البهائية:
فرقة ضالة مؤسسها الميرزا حسين علي البهاء، وقد ادعى النبوة والرسالة ثم الألوهية وزعم أن الله حل فيه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-؛ وتقطن الغالبية العظمى من البهائيين في إيران وقليل منهم في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة وغير ذلك (٣).
بعض أفكارهم ومعتقداتهم (٤):
١ - يعتقد البهائيون أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جمع الأشياء.
٢ - يقولون بالحلول والاتحاد والتناسخ وخلود الكائنات، وأن الثواب والعقاب إنما يكونان للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال.
_________________
(١) ينظر: مذكرة التوحيد (ص ١٦ - ٢٨).
(٢) مذكرة التوحيد (ص ٢٤ - ٢٥).
(٣) ينظر: البهائية وسائل وغايات، د/ طه الدسوقي (ص ٥٣)، الموسوعة الميسرة (ص ٤٠٩ - ٤١٥).
(٤) ينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٤١٢ - ٤١٣)، البهائية أضواء وحقائق، لإحسان إلهي ظهير، البهائية تاريخها وعقيدتها، لعبد الرحمن الوكيل، الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ١٦٠ - ١٦٤).
[ ٦٩٣ ]
٣ - يوافقون اليهود والنصارى في القول بصلب المسيح.
٤ - يؤولون القرآن تأويلات باطنية ليتوافق مع مذهبهم.
٥ - ينكرون معجزات الأنبياء وحقيقة الملائكة والجن، كما ينكرون الجنة والنار.
٦ - يحرمون الحجاب على المرأة، ويحللون المتعة، وشيوعية النساء والأموال.
٧ - تحريم الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الأعداء خدمة للمصالح الاستعمارية.
٨ - ينكرون أن محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين، مدعين استمرار الوحي.
وغير ذلك من هذه المعتقدات الفاسدة
ولا شك أن الحركات الباطنية كانت هي الأصل الذي نشأت عنه البهائية بل الكثير من الفرق المنحرفة والإلحادية، وقد ركزت البهائية بل الكثير من الفرق المنحرفة، منذ تاريخها الأول على محاربة الإسلام من خلال التأكيد على أنه دين قديم يحتاج إلى التجديد والتطوير؛ والبهائية هي نحلة أساسها فكر شيعي تنقلت مع الدعوة الباطنية عبر التاريخ وظهرت بوضوح في القرن الثالث عشر الهجري (١).
حكم الإسلام فيهم:
أفتى علماء المسلمين بكفر البهائيين وخروجهم عن الإسلام وأن من اعتنق مذهبهم من المسلمين صار مرتدًا عن الإسلام، كما قرر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة عام ١٣٩٨ هـ (٢).
_________________
(١) ينظر: البابية، د/محمد عبده يماني (ص ٤٢)، البهائية والقاديانية، د/أسعد السمحراني (ص ١٢٥)، البهائية صليبية الغرس إسرائيلية التوجيه لمحمود ثابت الشاذلي (ص ٦١).
(٢) ينظر: العقيدة والأديان والاتجاهات المعاصرة للشيخ محمد صالح العثيمين (ص ٩٠)، والعقيدة، لعمر سليمان الأشقر (١٩٥ - ١٩٦)، والبهائية والقاديانية (ص ١٣١).
[ ٦٩٤ ]
المبحث الخامس
الصوفية.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " جماعة الطرق الصوفية مبتدعة وهم ضالون مضلون" (١).
وقال الشيخ - ﵀ -: " يغلب على الطرق الصوفية البدع" (٢).
وقال الشيخ - ﵀ -: " إن القول بسقوط التكاليف أو بوحدة الوجود يؤمن به بعض الصوفية لا كلهم" (٣).
ثم بين الشيخ - ﵀ - سبب تسمية الصوفية، فقال: " قيل: إن الصوفية نسبوا إلى الصِفة لشبههم بجماعة من الصحابة - ﵃ - فقراء كانوا يأوون إلى صفة في المسجد النبوي، وهذا ليس بصحيح، فإن النسبة إلى الصِفة صفّي بتشديد الفاء وياء النسب دون واو، وقيل: نسبوا إلى صفوة؛ لصفاء قلوبهم وأعمالهم، وهذا خطأ أيضًا؛ لأن النسبة إلى (الصفوة) صفوي، ولأنهم تغلب فيهم البدعة وفساد العقيدة، وقيل: نسبوا إلى الصوف؛ لأنه كان شعارًا لهم في اللباس، وهذا أقرب إلى اللغة وإلى واقعهم" (٤).
قال الشيخ - ﵀ -: " الطرق الصوفية طوائف شتى منها: التجانية، والقادرية، والخلوتية الخ ولا تخلو طائفة منها من البدع، وإن تفاوتت في ذلك، فمنها المقل ومنها المكثر" (٥).
تعريف الصوفية:
التصوُّف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقا
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٧)، (٢/ ٢٦٥).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٢٦٨)، ينظر: المرجع السابق (٢/ ٢٦٩ - ٢٨٢، ٢٩٥، ٢٩٦،٢٩٨،٣٠٠ - ٣٠٤).
(٣) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٢٢٠).
(٤) فتاوى اللجنة (٢/ ٢٦٦).
(٥) فتاوى اللجنة (٢/ ٢٩٩).
[ ٦٩٥ ]
مميزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخّى المتصوفة تربية النفس، والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف (١)
والمشاهدة لا عن طريق اتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقًا جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها: أن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطَّه أهل السنة والجماعة؛ وقد اختُلف في مرجع تسميتها بالصوفية كما ساق الخلاف الشيخ - ﵀ - في كلامه السابق، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وابن خلدون (٣) وطائفة كبيرة من العلماء من أنها نسبة إلى الصُّوف، إذ كان شعار رهبان أهل الكتاب الذين تأثر بهم الأوائل من الصوفية، وبالتالي فقد أبطلوا كل الاستدلالات والاشتقاقات الأخرى على مقتضى قواعد اللغة العربية، مما يبطل محاولة نسبة الصوفية أنفسهم لأهل الصفة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أو محاولة نسبة أنفسهم إلى علي بن أبي طالب والحسن البصري، وسفيان الثوري - ﵃ - وهي نسبة تفتقر إلى الدليل ويعوزها الحجة والبرهان؛ أما تعريف التصوف في الاصطلاح فقد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا،
_________________
(١) الكشف: في المصطلح الشرعي هو كرامة من الكرامات للمؤمن الصالح الملتزم بالكتاب والسنة غير المبتدع، هو أن يحصل للولي من العلم ما لا يحصل لغيره أو يكشف له من الأمور الغائبة عنه ما لا يكشف لغيره كما حصل لعمر بن الخطاب حين كُشف له من الأمور الغائبة عنه ما لا يكشف لغيره كما حصل لعمر بن الخطاب حين كُشف له وهو يخطب في المدينة عن إحدى السرايا المحصورة في العراق فقال لقائدها واسمه "سارية بن زنيم" الجبل يا سارية فسمعه القائد فاعتصم الجبل؛ وفي المصطلح الصوفي: تعني رفع الحجب عن قلب الصوفي وبصره بعد اتحاده مع الله، ليعلم صاحب الكشف بعد ذلك كل ما يجري في الكون، أو أن يكشف للصوفي عن معان جديدة في القرآن والسنة والآثار فيما يعرف بعلم الحقيقة التي لا يعلمها علماء الشريعة أو علماء الظاهر، ويقال عن الكشف في الاصطلاح أهل الحقيقة: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية وجودًا وشهودًا، ويزعمون أنهم يتلقون الكشف عن الخضر، أو عن ملك الإلهام، أو أنهم يتلقونه عن الله تعالى رأسًا وبلا واسطة. ودرجات الكشف النهائية عندهم تتحقق بشهود أحدية الذات في صور الصفات، في مقام البقاء بعد الفناء، والكشف بهذا المعنى الصوفي ما هو في الحقيقة إلا إيحاءات شيطانية ووساوس نفسية ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ الأنعام: ١٢١. ينظر: مجموع فتاوى العقيدة لابن عثيمين (٤/ ٣١٠)، الموسوعة الميسرة (٢/ ١١٣٠).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦ - ٢٤)، تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ١٦١).
(٣) ينظر: مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٧).
[ ٦٩٦ ]
فقيل: الإعراض عن الاعتراض، وقيل: هو صفاء المعاملة مع الله، وقيل: الأخذ بالحقائق، والكلام بالدقائق، والإياس مما في أيدي الخلائق.
وبالجملة فالصوفية كانت بداية للزهد ثم تطورت وصارت مذاهب شتَّى وطرائق قددا منها ما يقرب من السنة ومنها ما يَبْعُد، بل منها ما يصل حدَّ الزندقة (١).
"ولا شك أن ما يدعوا إليه الصوفية من الزهد، والورع والتوبة والرضا إنما هي أمور من الإسلام، وأن الإسلام يحث على التمسك بها والعمل من أجلها، ولكن الصوفية في ذلك يخالفون ما دعا إليه الإسلام، إذ ابتدعوا مفاهيم وسلوكيات لهذه المصطلحات مخالفة لما كان عليه الرسول - ﷺ -، وصحابته.
لكن الذي وصل إليه بعضهم من الحلول والاتحاد والفناء، وسلوك طريق المجاهدات الصعبة، إنما انحدرت هذه الأمور إليهم من مصادر دخيلة على الإسلام" (٢).
ومن أشهر الطرق الصوفية المعاصرة:
١ - القادرية.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " والشيخ عبد القادر الجيلاني وإن كان رأيه في استواء الله على عرشه ونحوه من صفات الله سديدًا، لا يلزم أن يكون رأيه في سائر ما يراه في الدين سديدًا، فقد عرف عنه أنه قال: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله (٣)؛ وروي عنه ذلك من طرق عدة وتأوله له من يحسن الظن به، من ذلك ما ذكره الشيخ
_________________
(١) ينظر: تعريفات الجرجاني (ص ٥٩ - ٦٠)، وهذه هي الصوفية، لعبدالرحمن الوكيل، الموسوعة الميسرة (١/ ٢٤٩) وما بعدها، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٢٦٠ - ٢٦١).
(٢) الموسوعة الميسرة (١/ ٢٧٠).
(٣) بهجة الأسرار ومعدن الأنوار لنور الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن جرير اللخمي الشطنوفي (ص ١١).
[ ٦٩٧ ]
أبو حفص السهروردي (١) في عوارفه. أنه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها ولا يقدح في مقاماتهم ولا منازلهم فكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم - ﷺ -.
وقد قيل إن أبا الفرج ابن الجوزي صنف كتابًا ينقم فيه على الشيخ عبدالقادر أشياء كثيرة فإذا كان هذا حاله ففي الإفراط في الثناء عليه تغرير بالناس وحث لهم على التزام طريقته وقراءة كتبه، وأكثر الناس لا يميز بين الحق والباطل والسنة والبدعة، فيقع بذلك فيما لا يحمد عقباه" (٢).
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -، كذلك: " الشيخ عبد القادر الجيلاني تنسب له طريقة القادرية وهو برئ من قصيدة كفرية براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأتباعه يكذبون عليه كثيرًا وينسبون إليه ما هو بريء منه" (٣).
_________________
(١) هو: عمر بن محمد بن عبد الله القرشي، التيمي، البكري، السهروردي، البغدادي، صوفي شافعي، من مؤلفاته: عوارف المعارف، والمشيخة، وأعلام الهدى، وعقيدة أرباب التقى وغيرها، توفي سنة ٦٣٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٧٥)، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٣٨).
(٢) مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٨١)، ينظر: ترجمة الجيلاني في طبقات الحنابلة لابن رجب (ص ٢٩٠ - ٢٩٩).
(٣) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٥٧).
[ ٦٩٨ ]
- التعريف بالشيخ عبد القادر الجيلاني:
هو: الشيخ العالم الزاهد محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله ابن جنكي دوست الجيلي الحنبلي شيخ بغداد، ولد بجيلان، سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (٤٧١ هـ)، عاش الشيخ عبد القادر تسعين سنة وانتقل إلى الله في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة (٥٦١ هـ)، وشيعه خلق لا يحصون ودفن بمدرسته في بغداد رحمه الله تعالى (١).
كان يفتي على المذهبين: الشافعي والحنبلي، وكانت فتواه محل رضا العلماء بالعراق، فقد كان متبحرًا في علوم الشريعة وعلوم اللغة، حتى ذاع صيته بين معاصريه واتسعت شهرته، فكثر أتباعه ومريدوه، وتخرج على يديه الكثير؛ وقد كان عبد القادر الجيلاني كثير الذرية أنجب تسعًا وأربعين ولدًا؛ حمل أحد عشر منهم تعاليمه وطريقته، ونشروها ما بينَ غرب آسيا والإقليم المصري، ثم اتسعت طريقته وانتشرت حتى شملت في نهاية القرن التاسع عشر حدود العالم الإسلامي ما بين مراكش وجزر الهند الشرقية. ويقصد إلى مقامه كل عام جموع هائلة من أتباعه للزيارة والتبرك (٢).
قال عنه السمعاني - ﵀ -: "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة" (٣).
-أقوال أهل العلم في الشيخ عبد القادر:
قال الإمام الذهبي خاتمًا ترجمة الشيخ عبد القادر بقوله: "وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللهُ الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه" (٤).
وقال عنه الحافظ ابن كثير - ﵀ -: "كان له سمت حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه زهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه
_________________
(١) ينظر: طبقات الحنابلة لابن رجب (ص ٢٩٠ - ٢٩٩)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٣٩ - ٤٥١).
(٢) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٤٢ - ١٤٣)،.
(٣) ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٤١)، شذرات الذهب (٤/ ٢٠٠).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٥١).
[ ٦٩٩ ]
وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالًا وأفعالًا، ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحًا ورعًا، وقد صنف كتاب (الغنية)، و(فتوح الغيب)، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ، توفي وله تسعون سنة ودفن بالمدرسة التي كانت له" (١).
قال ابن السمعاني - ﵀ -: "إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة" (٢).
وقال الحافظ ابن رجب معتذرًا لما صدر من الشيخ عبد القادر: "ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصري وأصحابه مثلًا من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخوف والخشية، وإظهار الذل والحزن والانكسار، والازدراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف والمحبة والشوق ونحو ذلك، فلا ريب أنه يزدري المتأخرين، ويمقتهم، ويهضم حقوقهم، فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا. ولما كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي عظيم الخبرة بأحوال السلف والصدر الأول، قل من كان في زمانه يساويه في معرفة ذلك، وكان له أيضًا حظ من ذوق أحوالهم، وقسط من مشاركتهم في معارفهم، كان لا يعذر المشايخ المتأخرين في طرائقهم المخالفة لطرائق المتقدمين ويشتد إنكاره عليهم؛ وقد قيل: إنه صنف كتابًا ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياء كثيرة -إلى أن قال- وللشيخ عبد القادر ﵀ كلام حسن في التوحيد والصفات، والقدر، وفي علوم المعرفة موافق للسنة.
وله كتاب "الغنية لطالبي طريق الحق"، وكتاب "فتوح الغيب"، وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيرًا، وكان متمسكًا في مسائل الصفات والقدر ونحوها بالسنة، بالغًا في الرد على من خالفها" (٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٢/ ٢٥٢).
(٢) نقلًا عن: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١١٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٣٩/ ٨٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٤١).
(٣) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٧٠٠ ]
وقد يُنقل عن الجيلاني من الكرامات وخوارق العادات ما لم ينقل عن غيره، لكثرة ما نَسب إليه أتباعه من ذلك؛ والنقاد من أهل الرواية لا يحفلون بهذه النقول إذ لا أسانيد لها يحتج بها (١).
القادرية:
تنسب القادرية إلى عبد القادر الجيلاني.
أما بالنسبة لفرقة القادرية والتي هي فرقة من فرق الصوفية، فمن أهم عقائدهم:
١ - يؤمن أتباع الطريقة القادرية بعقيدة وحدة الوجود التي تدين بها الصوفية، وقد ورد ذلك في ثنايا بعض مؤلفات شيخها الجيلاني، منها قوله: "الحمد لله الذي وُجد في كل شيء، وحضر عند كل شيء" (٢)، وقوله: "ومعنى الوصول إلى الله ﷿ خروجك عن الخلق، فإذا وصلت إلى الحق ﷿ - على ما بيّنا - فكن آمنًا أبدًا من سواه ﷿، فلا ترى لغيره وجودًا ألبته" (٣).
٢ - الاعتقاد بأنه بإمكان الصوفي رؤية الله في الدنيا، وذلك برفع حُجُب الكائنات عن قلبه. يقول عبد القادر: "المؤمن العارف له عينان ظاهرتان، وعينان باطنتان، فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله ﷿ في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله ﷿ في السماوات، ثم يرفع الحجب عن قلبه، فيراه، فيصير مقرّبًا" (٤).
٣ - ذم الآخرة وطلاّبها، بزعم أن مقصود الصوفية هو الوصول إلى الامتزاج بالوجود الإلهي، إذ يقول الجيلاني: "شجاعة الخواص (أي الصوفية) في الزهد في الدنيا والآخرة" (٥). ويقول أيضا "اخلع نعليك: دنياك وآخرتك، وتجرد عن الأكوان، وافن عن الكل، وتطيب بالتوحيد" (٦).
_________________
(١) دائرة المعارف الإسلامية (١١/ ١٧١).
(٢) عقيدة الصوفية للقصير (ص ١٨٧)، نقلًا عن الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية لإسماعيل محمد القادري.
(٣) عقيدة الصوفية للقصير (ص ١٨٨)، نقلًا عن فتوح الغيب لعبد القادر الجيلاني.
(٤) عقيدة الصوفية للقصير (ص ١٨٩)، نقلًا عن الفتح الرباني لعبد القادر الجيلاني.
(٥) عقيدة الصوفية للقصير (ص ١٨٩)، نقلًا عن فتوح الغيب لعبد القادر الجيلاني.
(٦) عقيدة الصوفية للقصير (ص ١٨٩)، نقلًا عن فتوح الغيب لعبد القادر الجيلاني.
[ ٧٠١ ]
٢ - النقشبندية.
قال الشيخ - ﵀ -: " تكثر البدع عند جماعة الطرق الصوفية عمومًا كالذكر الجماعي في صفوف أو حلقات بصوت واحد وذكرهم الله بالاسم المفرد بصوت واحد مثل: الله الله، حي حي، قيوم قيوم وذكرهم بضمير الغائب مثل: هو، هو .. وذكرهم بكلمة آه، وفي نشيدهم على الأذكار شر كثير، مثل: الاستغاثة بغير الله وطلب المدد من الأموات مثل: البدوي (١)،
والشاذلي (٢)، والجيلاني، وغيرهم، وفي كتبهم بدع كثيرة وشر مستطير، ويخص النقشبندية وذكرهم الله بلفظ الجلالة في الورد اليومي بحركات قلبية مع نفس تشبه حركة اللسان بالكلام دون تحريك للسان واستحضار المريد شيخه وورده اليومي مع اعتقاد وساطته في نجاته يوم القيامة، وهذه الأمور كلها من البدع المنكرة؛ لأن تلك الأذكار لم يثبت منها شيء عن النبي - ﷺ - فيما أوحي إليه من الكتاب والسنة، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣)، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٤) " (٥).
_________________
(١) هو: أحمد بن علي بن إبراهيم الحسيني، أبو العباس البدوي، المتصوف، صاحب الشهرة في الديار المصرية. أصله من المغرب، ولد بفاس سنة (٥٩٦ هـ)، وطاف البلاد وأقام بمكة والمدينة. ودخل مصر في أيام الملك الظاهر بيبرس، فخرج لاستقباله هو وعسكره، وأنزله في درا ضيافته. وزار سورية والعراق سنة ٦٣٤ هـ وعظم شأنه في بلاد مصر فانتسب إلى طريقته جمهور كبير بينهم الملك الظاهر. وتوفي ودفن في طنطا سنة (٦٧٥ هـ)، حيث تقام في كل عام سوق عظيمة يفد إليها الناس من جميع أنحاء القطر المصري احتفاءً بمولده. من مؤلفاته: حزب، وصايا، صلوات، وقد أفرد بعضهم سيرته في كتب، منها كتاب السيد البدوي لمحمد فهمي عبد اللطيف. ينظر: شذرات الذهب (٥/ ٣٤٥)، الأعلام (١/ ١٧٥).
(٢) هو: علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف ابن هرمز الشاذلي المغربي، أبو الحسن: رأس الطائفة الشاذلية، من المتصوفة، وسكن " شاذلة " قرب تونس، فنسب إليها، ولد سنة (٥٩١ هـ)، وتوفي سنة (٦٥٦ هـ)، من مؤلفاته: الأوراد المسماة حزب الشاذلي، والسر الجليل في خواص حسبنا الله ونعم الوكيل. ينظر: الأعلام (٤/ ٣٠٥).
(٣) أحرجه مسلم في صحيحة كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).
(٤) أحرجه مسلم في صحيحة كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).
(٥) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).
[ ٧٠٢ ]
النقشبندية: تنسب إلى (بهاء الدين محمد بن محمد البخاري) المعروف بشاه نقشبند (١) المولود سنة ٦١٨ هـ بقرية قرب بخارى والمتوفى (٧٩١ هـ).
وهي فرقة صوفية فيها انحرافات كثيرة منها: زعمهم أن الله يُرى في الدنيا، والاستعانة بمشايخهم من دون الله وقولهم بفناء النار ووحدة الوجود وزعمهم معرفة علم الغيب وكثير من البدع (٢).
وأصول الطريقة النقشبندية متوافقة في كثير من تفاصيلها مع الطرق الصوفية الأخرى. فإن فيها من البدع والشركيات والقول بوحدة الوجود وما يحكونه عن أحوال مشايخهم وخصائصهم وتصرفهم المطلق في ذرات الكون، ما لا يشك معه أحد في أن هذه الطريقة إحدى طرق الصوفية الغلاة، الخارجين على الكتاب والسنة، مع إصرار أصحابها بأنها طريقة سنية لا تخرج عن أهل السنة والجماعة شبرا واحدا (٣).
_________________
(١) ولقب بنقشبند، قيل: لانطباع صورة لفظ الله على ظاهر قلبه من كثرة ذكر الله، وقيل: سمي نقشبند، لأن رسول الله - ﷺ - وضع كفه الشريف على قلب الشيخ محمد بهاء الدين الاويسي نقشبند، فصار نقشا في القلب. ينظر: تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب لمحمد أمين الكردي الإربلي (ص ٥٣٩).
(٢) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٤٧)، معجم البدع لرائد صبري (ص ٦٥٤)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٣٨).
(٣) ينظر: المواهب السرمدية لمحمد أمين الكردي (ص ٣)، الأنوار القدسية (ص ٥) والحدائق الوردية (ص ٣) لعبد المجيد الخاني. وكتاب البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية لمحمد بن عبد الله الخاني (ص ٩).
[ ٧٠٣ ]
٣ - التيجانية:
يبين الشيخ - ﵀ - ضلال هذه الفرقة، فيقول: " أحمد التيجاني وأتباعه الملتزمون لطريقته، من أشد خلق الله غلوًا وكفرًا وضلالًا وابتداعًا في الدين، لما لم يشرعه الله سبحانه ولا رسوله - ﷺ - " (١).
قال كذلك - ﵀ -: " الطريقة التيجانية طريقة منكرة لا تتفق مع هدي رسول الله - ﷺ - وسنته، بل فيها بدع شركية تخرج من يعتقدها أو يعمل بها من ملة الإسلام والعياذ بالله " (٢).
وقد أفرد الشيخ - ﵀ - بحثًا كاملًا (٣) مع اللجنة الدائمة للإفتاء في الطريقة التيجانية، وتَضَمن هذا البحث التالي:
١ - كلمة عن أحمد التيجاني، ومنشئ هذه الطريقة، ومصدرها.
٢ - نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه.
٣ - حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة.
التيجانية: هي إحدى الفرق الصوفية التي تشترك مع غيرها في الإيمان بمعتقدات الصوفية ويزيدون على هذه المعتقدات شيئًا خاصًا بهم كالاعتقاد بإمكانية مقابلة النبي - ﷺ - والالتقاء به التقاء ماديًا في هذه الدنيا، وأن النبي - ﷺ - قد خصهم بصلاة (الفاتح لما أغلق) دون سواهم من المسلمين، وتنسب فرقة التيجانية إلى مؤسسها: أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد سالم التيجاني (١١٥٠ - ١٢٣٠ هـ) المولود بقرية تسمى (عين ماضي) من القرى الصحراوية الجزائرية.
وقد أنشأ طريقه عام (١١٩٦ هـ) في قرية أبي سمغون، وصارت مدينة فاس المركز الأول لهذه الطريقة وبها زاويته التيجانية، ومنها انطلقت دعوته إلى طريقته، فانتشرت في القارة الإفريقية بوجه عام، وصار لهذه الطريقة أتباع ودعاة (٤).
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٣٢٣).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ٣١٨)، ينظر: فتاوى اللجنة (٢/ ٣٢٤، ٣٤٣).
(٣) حاشية فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ٣٢٤ - ٣٤١).
(٤) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٤٨)، الموسوعة الميسرة (١/ ٢٨١)، والاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لأحمد بن خالد الناصري (٣/ ٨٣، ١٠٥، ١٣٠).
[ ٧٠٤ ]
أهم أفكارهم وعقائدهم (١):
١ - هم مؤمنون بالله سبحانه على نحو صوفي، فهم يؤمنون بوحدة الوجود، كما يؤمنون بالفناء الذي يطلقون عليه اسم (وحدة الشهود).
٢ - الغيب - عندهم - قسمان:
"غيب مطلق": استأثر الله بعلمه.
"غيب مقيد": يغيب عن بعض المخلوقين دون بعض، وهم يزعمون أن مشايخهم يعلمون الغيب.
٣ - يدعي زعيمهم ومؤسس مذهبهم "أحمد التجاني" أنه قد التقى بالنبي - ﷺ - لقاءً حسيًا ماديًا، وأنه كلمة مشافهة، وتعلم من النبي - ﷺ - "صلاة الفاتح لما أغلق" التي تكفر الذنوب وتضاعف الثواب أكثر من ثواب قراءة القرآن آلاف المرات! وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فتورهم وكسلهم في أداء العبادات والتهاون بها، وهذا مخالف لما يأمر به الدين ويحث عليه.
٤ - يقولون: إن أحمد التجاني هو (خاتم الأولياء) كما أن النبي - ﷺ - (خاتم الأنبياء).
والواضح أن هذه الطريقة قد تأثرت بما ذهب إليه بعض أعلام الصوفية كابن عربي، والحلاج، وغيرهما. وقد ساعد على تقبل هذه الأفكار وانتشارها جهل العامة بالدين الصحيح، وانتشار البدع والخرافات في البيئة الإسلامية، حتى أن عدد التيجانيين في نيجيريا وحدها بلغ عشرة ملايين نسمة!.
_________________
(١) ينظر في أفكارهم وعقائدهم: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٤٩)، الموسوعة الميسرة (١/ ٢٨١).
[ ٧٠٥ ]
٤ - البريلوية.
يرد الشيخ - ﵀ - على دعوى فرقة (البريلوية) الذين يعتقدون أن النبي - ﷺ - لا ظل له، فيقول: " هذا القول باطل مناف لنصوص القرآن والسنة الصريحة الدالة على أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر لا يختلف في تكوينه البشري عن الناس وأن له ظلًا كما لأي إنسان، وما أكرمه الله به من الرسالة لا يخرجه من وصفه البشري الذي خلقه الله عليه من أم وأب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الكهف: ١١٠، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إبراهيم: ١١؛ أما ما يروى من أن النبي - ﷺ - خلق من نور الله (١) فهو حديث موضوع" (٢).
البريلوية: هي فرقة صوفية نشأت في الهند أيام الاستعمار البريطاني.
ومؤسسها: أحمد رضا خان بن تقي علي خان (١٢٧٢ - ١٣٤٠ هـ) والذي سمى نفسه عبد المصطفى.
ولد أحمد رضا خان في بلدة "بريلي" بولاية "اترابرديش"، وتتلمذ على المرزا غلام قادر بيك الشقيق الأكبر للميرزا غلام أحمد القادياني، كما زار مكة (١٢٩٥ هـ) وقرأ على بعض المشايخ فيها. كان نحيل الجسم مصابًا بأمراض مزمنة فكان حاد المزاج، شديد الغضب، بذيء اللسان. له عدد من المؤلفات منها "أنباء المصطفى"، و"خالص الاعتقاد"، و"مرجع الغيب"، وله ديوان شعر "حدائق بخشش" (٣).
_________________
(١) ورد في الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للكنهوي من حديث عبد الله بن جابر بن عمرو الأنصاري (ص ٤٢)، قال الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوى (١/ ٣١٢): "ليس له إسناد يعتمد عليه" اهـ، وهو حديث موضوع جزمًا، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وهذا الحديث هو عمدة الصوفية فيما زعموه واعتقدوه ونشروه أن الرسول هو قبة الكون، وهو أول الوجود، وأنه جزء من نور الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا، وأن كل المخلوقات خلقت بأجزاء منه.
(٢) فتاوى اللجنة (١/ ٤٦٤).
(٣) بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٥٠).
[ ٧٠٦ ]
أهم أفكارهم وعقائدهم:
يميز هذه الفرقة عن غيرها مغالاة أفرادها في محبة وتقديس الأنبياء والأولياء بصفة عامة، وخاصة نبينا محمد - ﷺ - الذي وصفوه بما يرفعه فوق خصائص البشر.
فهم يعتقدون أن محمدًا - ﷺ - والأولياء من بعده لديهم قدرة على التصرف في الكون، حتى رفعوا النبي - ﷺ - إلى قريب من مرتبة الألوهية، يقول أحمد رضا خان في ديوانه (حدائق بخشش) (١): "أي يا محمد - ﷺ - لا أستطيع أن أقول لك الله، ولا أستطيع أن أفرق بينكما، فأمرك إلى الله هو أعلم بحقيقتك ".
كما زعموا أن النبي - ﷺ - والأولياء يعرفون ما استأثر الله بعلمه (٢)؛ والنبي في نظرهم حاضر بعد موته، وناظر لأفعال الخلق في كل زمان ومكان، فهم ينكرون بشرية النبي - ﷺ -، ويجعلونه نورًا من نور الله؛ وهم كذلك يستغيثون بالأنبياء والأولياء، ويشيدون القبور ويجصصونها، وينذرون لها النذور ويتبركون بها، إلى آخر ما وقعوا فيه من أمور الشرك ومخالفة الشرع بالغلو في الدين أحيانًا، والتهجم والافتراء على العلماء العاملين من أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب، والإمام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، وكل من دعا إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك والشركاء (٣).
_________________
(١) (٢/ ١٠٤).
(٢) ينظر: خالص الاعتقاد لأحمد رضا خان (ص ٥٣ - ٥٤).
(٣) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ١٥٠ - ١٥٢)، البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير.
[ ٧٠٧ ]
المبحث السادس
القومية.
تمهيد
لقد عاشت الأمة الإسلامية ردحًا طويلًا من الزمان تتقدم المجتمعات الإنسانية وتملك زمام القيادة العالمية، فصنعت للإنسانية تاريخًا مجيدًا يغتبط به كل إنسان وتقر به عينه.
حتى انغمس الكثير من المسلمين في الترف المادي والعقلي وضيعوا الأوقات فيما لا فائدة فيه، فصار العالم الإسلامي فريسة للحضارة الأوربية "غربية وشرقية" على حد سواء، حيثُ التقى الفكر الغربي والشرقي في انتكاس الفطرة الإنسانية فكان أساس فلسفتها "لا موجود إلا المادة"، وانطلق الغزو الفكري الأجنبي يعربد في بلاد الإسلام يحاول السيطرة عليها، وفرض وصايته الكاملة على أهلها، فألغيت الخلافة الإسلامية سنة ١٣٤٢ هـ، وأصاب العالم الإسلامي ما أصابه من آثار سيئة نتيجة هذا الغزو الفكري المادي الملحد، وما زال يعاني من هذه الآثار حتى الآن.
ومن هذه الآثار:
أولًا: أثر الغزو الفكري الغربي في العالم الإسلامي:
١ - الاستشراق.
أ- إثارة الشبهات.
ب- تشجيع الفكر الفاسد.
ج- تحريف الكلم عن مواضعه.
د- اعتدادهم بكتبهم وأبحاثهم وإيهام بعض الدارسين بدقتها وصحتها.
٢ - التبشير- التنصير.
أ- مدارس التبشير.
ب- تهيئة الفرصة أمام البعثات من الدول الإسلامية إلى الدول الغربية.
[ ٧٠٨ ]
٣ - فصل الدين عن الدولة.
٤ - إحياء القوميات وإسقاط الخلافة الإسلامية.
ثانيًا: أثر الغزو الفكري الماركسي في العالم الإسلامي.
ثالثًا: أهم العوامل الداخلية التي مكنت للتيارات الفكرية الضالة.
١ - الجهل بالدين.
٢ - انتشار البدع والخرافات.
٣ - نشاط الأقليات غير المسلمة (١).
وليس هذا مجال البسط فيما سبق ذكره من آثار إلا أني أحببت أن آتي بإلماحه بسيطة عن فكرة الغزو الفكري للعالم الإسلامي وأن القومية ضمن هذا الغزو.
وإن لم يكن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - تحدث مباشرة عن القومية (٢) إلا أنه تحدث عن العلمانية والتي تعود لثلاث حركات منها، حركة القومية التي هي مجال حديثنا، وحركة البعث (٣)، وحركة الناصرية (٤) (٥).
_________________
(١) ينظر لما سبق: التغريب أخطر التحديات في وجه الإسلام لأنور الجندي (ص ١٧)، التغريب طوفان من الغرب للواء أحمد عبد الوهاب (ص ١٥)، واقعنا المعاصر لمحمد قطب (ص ١٩٨ - ٢٠٤)، الإسلام والحضارة العربية لمحمد محمد حسين (ص ١٨)، فتياتنا بين التغريب والعفاف، د. ناصر العمر (ص ٣٣).
(٢) لم أجد فيما قرأت ووقع بين يدي من تراث الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - حديثًا له عن القومية.
(٣) حزب البعث العربي الاشتراكي" حزب ولد عام (١٩٤٣ م)، وهو حزب قومي علماني، يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وهي رسالة الحزب، أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية. ينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٤٧٠)، حزب البعث تاريخه وعقائده، لسعيد بن ناصر الغامدي.
(٤) الناصرية حركة قومية عربية، نشأت في ظل حكم جمال الدين عبد الناصر -رئيس مصر عام ١٩٥٤ - ١٩٧٠ م- واستمرت بعد وفاته، واشتقت اسمها من اسمه، وتبنت الأفكار التي كان ينادي بها وهي: الحرية والاشتراكية والوحدة، وهي نفس أفكار الأحزاب القومية اليسارية العربية الأخرى. ينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٤٨٥)، الناصرية في قفص الاتهام، لعبد المتعال الجبري، الناصرية وثنية سياسية، د. فهمي الشناوي.
(٥) (١ - فصل الدين عن الدولة.
(٦) منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين.
(٧) إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب). وهي المبادئ العلمانية التي هي من المبدأ الأساسي السادس في عقيدة فكر القومية، كما بين ذلك صاحب كتاب المحاضرات العشر لأنطون سعادة -مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي- (ص ٩٤).
[ ٧٠٩ ]
- القومية:
هي حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين. وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوربا (١).
يصفها سماحة الشيخ ابن باز - ﵀ - بأنها: " دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه". ويقول عنها: " وقد أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول فاعتنقها كثير من العرب من أعداء الإسلام، واغتر بها كثير من الأغمار ومن قلدهم من الجهال، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان". ويقول، أيضًا: " هي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله" (٢).
تطلق هذه الكلمة "القومية" ويراد بها أن أبناء الأصل الواحد واللغة الواحدة ينبغي أن يكون ولاؤهم واحدًا، وإن تعددت أرضهم وتفرقت أوطانهم، كما يراد بها أيضًا: السعي للوصول إلى توحيد الوطن بحيث تجتمع القومية الواحدة في وطن شامل، فيكون الولاء للقومية مصحوبًا بالولاء للأرض، ولكن يظل الولاء للقومية هو الأصل حتى وإن لم تتحقق وحدة الأرض (٣).
تاريخها:
إن مفهوم القومية في هذا العصر يقوم على (العصبية) التي لم تخل من بعض أنواعها عصور الجاهلية عبر تاريخ الإنسانية الطويل، فعصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية اللغة، وعصبية الدين، كلها تدل على أن القومية نزعة جاهلية قديمة لم تبتكرها جاهلية القرن العشرين.
_________________
(١) الموسوعة الميسرة (١/ ٤٤٤).
(٢) نقد القومية العربية للشيخ ابن باز - ﵀ - والكتاب موجود بكاملة في فتاويه (١/ ٢٨٠ - ٣١٨).
(٣) بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٧٣).
[ ٧١٠ ]
كان مولد القوميات في أوربا حركات إصلاحية مبتورة غير ناضجة استغلها أصحاب الأطماع والأهواء وحولوها إلى شؤم وشرور.
إن فكرة "القومية" تقوم على أمور لا خيار للإنسان فيها، من المولد في أرض معينة، والكلام بلغة الأرض والمجتمع الذي ولد فيه، وعلى المصالح المادية البحتة إلخ.
وفي الوقت نفسه تنبذ ما للإنسان فيه اختيار كالإيمان بالله وما جاء على لسان رسله.
ورغم هذه الآثار السيئة الناتجة عن نعرة القومية والوطنية في أوربا فقد قامت أوربا بتصدير دعاوي القومية والوطنية إلى الشرق الإسلامي؛ لتحارب المسلمين من داخل نفوسهم، وتزعزع العقيدة في قلوبهم.
وهكذا فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عام من المحتوى الإسلامي (١).
وقد شجعت الدول الأوربية الكبرى على ظهور القومية العربية - والتي نشأت من الثورة العربية (٢) - في صورتها العلمانية؛ لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلامي (٣).
موقف الإسلام من الدعوة القومية:
الإسلام يحارب القومية باعتبارها عصبية جاهلية، أنكرها الإسلام وحذر منها، وسد منافذها، فلا بقاء للدين العالمي والأمة الواحدة مع هذه العصبية الممقوتة. ومصادر الشريعة الإسلامية زاخرة برفض هذه العصبية الجاهلية وتشنيعها، بل ترفضها الأديان السماوية الصحيحة كلها، النصوص الواردة في ذلك أكثر من أن تستقصى.
_________________
(١) ينظر لما سبق من تاريخ القومية: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٧٣ - ٢٧٩).
(٢) الثورة العربية التي انفجرت عام ١٩١٦ لتحرير الأمة العربية وتوحيدها وكانت باسم الحرية والديمقراطية وأحدثته هذه الدعوات فجوة بين الحكام العثمانيين والرعية. ينظر: الخديعة حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي، لمحمد الغزالي (ص ١٥٥)، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير - الاستشراف - الاستعمار، دراسة وتحليل وتوجيه (ودراسة منهجية شاملة للغزو الفكري)، لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (ص ٢١٤).
(٣) أساليب الغزو الفكري للدكتور علي جريشة (ص ٧٧، ٧٨).
[ ٧١١ ]
إن الإسلام لا يمنع الناس من الانتماء لوطنهم وحبهم له فهذا أمر فطر عليه الحيوان فضلًا عن الإنسان، فالحيوان يحب جحره ويدفع عنه، والطير يألف عشه ويحافظ عليه، فكيف بالإنسان؟!
ولكن الإسلام ينكر أن تكون رابطة الدم أو اللغة أو الأرض أو المصالح المشتركة أقوى من رابطة الإسلام أو أعلى من رابطة الدين والعقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ التوبة: ٢٤.
والقوميون العرب يوالون كل عرب أيًا كانت ديانته، فهم ينحون الدين جانبًا ويفصلونه عن الدولة، ويتجمعون تحت لواء القومية العربية، معتقدين أن قوميتهم العربية تحقق لهم من المنافع ما يعجز الإسلام عن تحقيقه، وهذا جهل فاضح، ومخالفة صريحة لنصوص القرآن الكريم التي تدل على وجوب بغض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم (١).
ذكر الشيخ - ﵀ - العلمانية والتي تعد من الأحزاب والحركات والاتجاهات المعاصرة، والتي تهدف لهدم الإسلام، فآثرت أن أُدرجها هنا للترابط بينها وبين القومية.
- العلمانية.
سُئل الشيخ - ﵀ - عن الحكومة العلمانية، فقال: " إذا كانت تحكم بغير ما أنزل الله فالحكومة غير إسلامية" (٢).
_________________
(١) ينظر لما سبق من موقف الإسلام من الدعوة القومية: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٧٩ - ٢٨٦)، فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٢) فتاوى اللجنة (١/ ٧٨٩).
[ ٧١٢ ]
جاء في القاموس الإنجليزي أن كلمة "علماني" معناها: دنيوي، أو مادي، أو ليس بديني، فالمقصود من الكلمة هو إقامة الحياة بعيدًا عن الدين، أو الفصل الكامل بين الحياة والدين (١).
وجاء في معجم ألفاظ العقيدة أن العلمانية: تأتي لمعان منها: العالمية، ومنها اللادينية، ومنها فصل الدين عن الدولة وعن الحياة. وكلمة العلمانية اصطلاح جاهلي غربي يشير إلى انتصار العلم على الكنيسة التي حاربت التطور باسم الدين (٢).
نشأة العلمانية:
كانت أوربا في العصور الوسطى غارقة في بحر من الظلمات تعيش في ظروف دينية متردية للغاية، فقد عبثت الكنيسة بدين الله المنزل وحرف القساوسة ديانة المسيح، وعملوا على تشويهها، وقدموها للناس في صورة منفردة تمجها العقول ويرفضها الشعور.
فتعارض هذا الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم ومعاملاتهم، وفي نفس الوقت تعارض مع حقائق العلم الثابتة.
فكان لا بد من التمرد على دين يحارب العلم ويناصر المجرمين، فما كان من الأوربيون إلا أن قاموا بإبعاده وطرده من كافة جوانب الحياة، ولكنهم أعلنوا حربا على الدين كله حتى الإسلام.
وفكرة العلمانية وسمتُها المميزة هي الإلحاد؛ ولقد أصبح الطابع المميز للفكر العلماني هو التمرد على الدين المنزل من عند الله (٣).
موقف الإسلام والمسلمين منها:
لا يمكن التعايش السلمي بين العلمانية والإسلام؛ لأن الدين الحق لا يمكن أن يكون عقيدة مفصولة عن الشريعة فالعقيدة أصل يدفع إلى الشريعة، والالتزام بالشريعة هو مقتضى
_________________
(١) ينظر: معجم أكسفورد (ص ١٣٧١)، Oxford ADVANCED LEARNERS Dictionary ٧ th adition (page ١٣٧١) .
(٢) (ص ٣٠٠)، وينظر: جذور العلمانية للدكتور السيد أحمد فرج (ص ١٠٥).
(٣) ينظر: العلمانية نشأتها وتطورها للدكتور سفر الحوالي (ص ١٢٨ - ١٣٦)، بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٦٣ - ٢٦٦).
[ ٧١٣ ]
العقيدة ذاتها، مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بحيث لا تكون الشهادة صحيحة وقائمة إن لم تؤد عند صاحبها هذا المعنى وهو الالتزام بما جاء من عند الله. والتحاكم إلى شريعة الله ورفض التحاكم إلى أي شريعة سوى شريعة الله، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥ (١).
قال الإمام ابن تيمية - ﵀ -: " فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل ذلك على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل الوعيد" (٢).
وانطلاقًا من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الله في العلمانية بسهولة ووضوح أنها باختصار: نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع لا إله إلا الله من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:
أولا:- من ناحية كونها حكمًا بغير ما أنزل الله.
إن العلمانية تعني - بداهة - الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضًا- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ المائدة: ٤٤.
ثانيا:- من ناحية كونها شركًا في عبادة الله.
فمن نواقض الإسلام العشرة - غير الشرك الذي هو الناقض الأكبر والذي لا شك أن العلمانية نوع منه كما سيأتي ناقضان:
١ - من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
٢ - من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى -﵇- فهو كافر (٣).
_________________
(١) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٦٣ - ٢٦٦)، تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٢٠).
(٢) كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٣).
(٣) ينظر: مجموعة التوحيد، ابن عبد الوهاب وابن تيمية، وغيرهما من العلماء (٣٧ - ٣٨).
[ ٧١٤ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١، وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه (١).
_________________
(١) ينظر: العلمانية نشأتها وتطورها للدكتور سفر الحوالي (ص ٦٦٩ - ٦٩٨).
[ ٧١٥ ]
المبحث السابع
مذاهب وفرق معاصرة.
لعلي أُقسم ما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - من فرق وأديان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأديان الشرقية.
١ - البراهمة.
قال الشيخ - ﵀ -: "البراهمة: قيل: إنهم جماعة من حكماء الهند تبعوا فيلسوفا يسمى "برهام" فنسبوا إليه، وقيل: إنهم طائفة عبدت صنمًا يسمى "برهم" فنسب إليه.
وتطرف البراهمة فأحالوا أن يصطفي الله نبيًا، ويبعث من عباده رسولًا، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتمادًا على العقل في التمييز بين المفاسد والمصالح، واكتفاء بإدراكه ما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد. وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلي أعمالهم، خيرًا كانت أم شرًا، إذ هو - سبحانه - لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضرر لمعصيتهم.
وقد تقرر عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد وحاجة العالم إلى الرسالة تحقيقًا لمصالحهم، مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم، فليس إرسالهم عبثًا بل هو مقتضى الحكمة، وموجب فضله وإحسانه ورحمته بعباده، والله عليم حكيم.
إن إرسال الله الرسل ليس مستحيلًا في نفسه، ولا عبثًا حتى يجافي حكمة الله؛ بل هو جائز عقلًا، داخل في نطاق قدرة الله الشاملة وإرادته النافذة؛ مع أن بعض البراهمة قد اعترف برسالة آدم، وآخرين منهم اعترفوا برسالة إبراهيم - ﵇ -، وعندهم من البدع الشركية ووسائل الشرك والخرافات الشيء الكثير" (١).
_________________
(١) ينظر: مذكرة التوحيد (ص ٥٨ - ٥٩)، مجموعة ملفات الشيخ (ص ١٦٥ - ١٦٦)، فتاوى اللجنة (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)، تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ١١٣)، الحكمة من إرسال الرسل (ص ١٦).
[ ٧١٦ ]
البراهمة: هم الذين يزعمون أن العقل يُغني عن الوحي.
وفي القرن الثامن قبل الميلاد أطلق على الديانة الهندوسية اسم "البرهمية" نسبة إلى "برهمًا" وهو في اللغة السنسكريتية (١)
معناه "الله"-وهذا أحد الأقوال وسبق في كلام الشيخ - ﵀ - بعض الأقوال الأخرى- ورجال دين الهندوس يعتقدون أنه الإله الموجود بذاته الذي لا تدركه الحواس وإنما يدرك بالعقل وهو الأصل الأزلي المستقل الذي أوجد الكائنات كلها ومنه يستمد العالم وجوده؛ ويعتقد الهندوس أن رجال هذا الدين يتصلون في طبائعهم بعنصر "البرهم" ولذلك أطلق عليهم اسم "البراهمة" (٢).
ومن أبرز زعمائهم زعيم الهند غاندي، يقول مفاخرًا: "عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيوانًا لأنني أعبد البقر وسأدافع عن عبادتهم أمام العالم أجمع" ولقد قاده عقله إلى تفضيل أمه البقرة على أمه التي ولدته (٣).
والبرهمية -الهندوسية- ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند (٤).
وعندهم من البدع الشركية ووسائل الشرك والخرافات الشيء الكثير فمنها:
أن مصير الإنسان عندهم بعد الموت - كما يقولون - لا تؤمن بحياة أخرى فيها جنّة ونار وثواب وعقاب، وإنَّما يرتبط مصير النفس بموضوع التناسخ، حيث تنتقل الأنفس من بدن إلى آخر، وأعمال الإنسان هي التي تحدِّد مصير النفس، فإذا سلك سبيل الخير واتّبع
_________________
(١) السنسكريتية هي: لغة قديمة في الهند وهي لغة طقوسية للهندوسية، والبوذية، والجانية. لها موقع في الهند وجنوب شرق آسيا مشابه للغة اللاتينية واليونانية في أوروبا في القرون الوسطى، ولها جزء مركزي في التقليد الهندوسي. السنسكريتية هي إحدى الاثنتين وعشرين لغة رسمية للهند. تدرس في الهند كلغة ثانية. كما أن بعض البراهمية -وهم الوعاظ من الطبقة العالية- يعتبرونها لغتهم الأم. لقد كانت اللغة السنسكريتية وما زالت في الهند في المعابد فيسمح فقط لكهنة البراهما بقراءة النصوص السنسكريتية، أما في الماضي فتواجدت في الأدب الهندي: أدب لغتي البالي والبراكريت، الأدب الدرافيدي الباكر، الأدب البنغالي. وغيره ينظر: مادة (السنسكريتية) الموسوعة الحرة ويكيبيديا، ar.wikipedia.org.
(٢) الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة لعبد القادر شيبة الحمد (ص ٥٩ - ٦٨).
(٣) ينظر: الرسل والرسالات، عمر الأشقر (ص ٣٧)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٦٩).
(٤) الموسوعة الميسرة (٢/ ٧١٢، ٩٨٥).
[ ٧١٧ ]
الفضائل انعتقت نفسه من دورة الحياة في الأبدان واتحدّت بالروح الكلية، وإلاَّ تبقى في هذه الدورة متنقلة من بدن إلى آخر.
وعندهم ما يسمى بالطبقات الأربع: فيتكون المجتمع حسب الهندوسية من أربع طبقات هي: البراهمة، الكشاتريا، الويشاش، الشودر.
ومزاعم الهندوسية تصل إلى حدِّ التمييز في مصدر ما يتكوّن منه أهل كلّ طبقة، فيقولون: لسعادة العالم خلق برهما البراهمة من وجهه، والكشتريين من ذراعيه، والويش من فخذيه، والشودر من قدميه.
كذلك فالزواج عندهم يربط المرأة بزوجها رباطًا أبديًا، لذلك انتشر عندهم إذا مات الزوج قبل الزوجة أن تحرق الأرملة مع جثمان زوجها لأنَّه خير لها أن لا تبقى بعده (١).
_________________
(١) ينظر لما سبق: الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، لعبد القادر شيبة الحمد (ص ٥٩ - ٦٨)، دائرة المعارف (٥/ ٣٧٤)، (٣، ٣٧٥ - ٣٧٧)، (٩، ٥٤٨)، والفكر الشرقي القديم، جون كولر، ترجمة كامل يوسف حسين، مراجعة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام، (ص ٧٨، ٧٩، ٩٧، ١٦٢)، وأديان الهند الكبرى، الدكتور أحمد شلبي (ص ١١٤، ١٢٥، ١٢٦، ١٣٥، ١٣٦).
[ ٧١٨ ]
٢ - الثنوية.
قال الشيخ - ﵀ -: " الثنوية: طائفة تزعم أن النور والظلمة أزليان قديمان فنسبت إلى الاثنين" (١).
التثنية والثنوية: عقيدة للمجوس -يعتقدون- أن العالم له إلهين الظلمة والنور. ويعتقدون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام وبتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح (٢).
والثنوية مذهب ديني فلسفي قديم يمثل أحد أطوار الديانة المجوسية، شاع في بلاد فارس قبل النصرانية وبعدها، وانتسبت إليه فرق تحمل أسماء أصحابها، ومن أقدمها الزرادشتية والديصانية والمانوية والمزدكية.
ويقوم مذهب الثنوية على أساس أن العالم مركب من أصلين قديمين أزليين وممتزجين هما: النور والظلمة، ويختلفان في الجوهر والطبع والصفات والفعل، فجوهر النور: الصفاء والنقاء والجمال، وجوهر الظلمة: القبح واللؤم. وفعل النور: الخير والصلاح، وفعل الظلمة: الشر والفساد والفوضى.
إلا أن طوائف الثنوية تختلف في تقرير طريقة هذا الامتزاج، ولم يتأثر من المسلمين بالثنوية إلا قلة اتهمت بالزندقة (٣).
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ١١٣).
(٢) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٨٥)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٨٤).
(٣) ينظر: الموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٣٢)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٩٠ - ٢٩٩).
[ ٧١٩ ]
القسم الثاني: ما تفرع عن اليهودية.
١ - الماسونية.
تكلم الشيخ - ﵀ - عن الماسونية، وأسوق كلامه مع شيء من التقسيم: "
أولًا: تعريفه لها:
الماسونية: هي جمعية سرية سياسية تهدف إلى القضاء على الأديان والأخلاق الفاضلة وإحلال القوانين الوضعية والنظم غير الدينية محلها، وتسعى جهدها في إحداث انقلابات مستمرة وإحلال سلطة مكان أخرى بدعوى حرية الفكر والرأي والعقيدة.
ثانيًا: بيانه لأهدافها ونظرياتها:
ويؤيد ذلك ما أعلنه أحد الماسونية في مؤتمر الطلاب الذي انعقد في ١٨٦٥ م في مدينة لييج التي تعتبر أحد المراكز الماسونية من قوله: يجب أن يتغلب الإنسان على الإله، وأن يعلن الحرب عليه، وأن يخرق السموات ويمزقها كالأوراق.
ويؤيده ما ذكر في المحفل الماسوني الأكبر سنة ١٩٢٢ م ما نصه: سوف نقوي حرية الضمير في الأفراد بكل ما أوتينا من طاقة، وسوف نعلنها حربًا شعواء على العدو الحقيقي للبشرية الذي هو الدين.
ويؤيده أيضًا قول الماسونيين: إن الماسونية تتخذ من النفس الإنسانية معبودًا لها، وقولهم: إنا لا نكتفي بالانتصار على المتدينين ومعابدهم، إنما غايتنا الأساسية إبادتهم من الوجود.
وقولهم: ستحل الماسونية محل الأديان وأن محافلها ستحل محل المعابد إلى غير هذا مما فيه شدة عداوتهم للأديان وحربهم لها حربًا شعواء لا هوادة فيها.
ثالثًا: بيانه - ﵀ - لنشأتها:
والجمعيات الماسونية من أقدم الجمعيات السرية التي لا تزال قائمة ولا يزال منشؤها غامضًا وغايتها غامضة على كثير من الناس، بل لا تزال غامضة على كثير من أعضائها. لإحكام رؤسائها ما بيتوا من مكر سيء وخداع دفين ولشدة حرصهم على كتمان ما أبرموه من تخطيط، وما قصدوا إليه من نتائج وغايات.
[ ٧٢٠ ]
رابعًا: الأسس التي استقت منها الماسونية نظرياتها:
وقد وضعت أسس الماسونية على نظريات فأخذت من مصادر عدة، أكثرها التقاليد اليهودية
ويؤيد أيضًا ما ذكر في سجلات الماسونية من قولهم: لقد تيقن اليهود أن خير وسيلة لهدم الأديان هي الماسونية، وأن تاريخ الماسونية يشابه تاريخ اليهود في الاعتقاد
خامسًا: حقيقة الماسونية:
وعلى أن الماسونية في ظاهرها دعوة إلى الحرية في العقيدة والتسامح في الرأي، والإصلاح العام للمجتمعات، ولكنها في حقيقتها ودخيلة أمرها دعوة إلى الإباحية والانحلال وعوامل هرج ومرج وتفكك في المجتمعات
سادسًا: حكم من هو عضو فيها:
وعلى هذا فمن كان من المسلمين عضوًا في جماعة الماسونية وهو على بينة من أمرها، ومعرفة بحقيقتها ودفين أسرارها، أو أقام مراسمها وعني بشعائرها كذلك، فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل، وإن مات على ذلك فجزاؤه جزاء الكافرين.
ومن انتسب إلى الماسونية وكان عضوًا في جماعتها وهو لا يدري عن حقيقتها ولا يعلم ما قامت عليه من كيد للإسلام والمسلمين وتبييت الشر لكل من يسعى لجمع الشمل وإصلاح الأمم، وشاركهم في الدعوة العامة، والكلمات المعسولة التي لا تتنافى حسب ظاهرها مع الإسلام فليس بكافر، بل هو معذور في الجملة لخفاء واقعهم عليه، ولأنه لم يشاركهم في أصول عقائدهم ولا في مقاصدهم لكن يجب عليه أن يتبرأ منهم إذا تبين له أمرهم ويكشف للناس عن حقيقتهم ويبذل جهده في نشر أسرارهم وما بيتوا للمسلمين من كيد وبلاء ليكون ذلك فضيحة لهم ولتحبط به أعمالهم" (١).
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٢/ ٤٤٠ - ٤٤٥).
[ ٧٢١ ]
الماسونية: تطلق كلمة " الماسونية" ويراد بها "البناؤون الأحرار" الذين بنوا هيكل سليمان، فهم أصحاب حرف مختلفة لا تربطهم نقابة أو رابطة رسمية، فكونوا لأنفسهم جمعية أُطلق على كل عضو فيها كلمة "أخ" وفي هذا إشعار بأنها قامت على الإخاء والمحبة والمساواة بينَ أفراد البشرية كلها! فهي دعوة لخير البشرية كما يزعمون.
ولو كانَت هذه حقيقتها فعلًا فلماذا تختفي في الظلام لتعمل فيه وترهب النور وتخشاه؟ المعروف أن الماسونية تهدد كل من يبوح برموزها، أو يحاول الكشف عن طلاسمها بالقتل والإبادة! (١).
يقول أحد المؤرخين المحدثين: " الماسونية آلة صيد بيد اليهود يصرعون بها كبار الساسة، ويخدعون الأمم الغافلة والشعوب الجاهلة" (٢).
الأفكار والمعتقدات:
·يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات ويعتبرون ذلك خزعبلات وخرافات.
·العمل على إسقاط الحكومات الشرعية وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية في البلاد المختلفة والسيطرة عليها.
·إباحة الجنس واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة.
·العمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم متنابذة تتصارع بشكل دائم.
·بث سموم النزاع داخل البلد الواحد وإحياء روح الأقليات الطائفية العنصرية.
·تهديم المبادئ الأخلاقية والفكرية والدينية ونشر الفوضى والانحلال والإرهاب والإلحاد.
·استعمال الرشوة بالمال والجنس مع الجميع وخاصة ذوي المناصب الحساسة لضمهم لخدمة الماسونية، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.
إحاطة الشخص الذي يقع في حبائلهم بالشباك من كل جانب لإحكام السيطرة
عليه وتسييره كما يريدون ولينفذ صاغرًا كل أوامرهم.
·الشخص الذي يلبي رغبتهم في الانضمام إليهم يشترطون عليه التجرد من كل رابط ديني أو أخلاقي أو وطني وأن يجعل ولاءه خالصًا للماسونية.
_________________
(١) ينظر: بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٢٠٩).
(٢) المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها للدكتور عبد الرحمن عميرة (ص ٢٥).
[ ٧٢٢ ]
·كل شخص استفادوا منه ولم تعد لهم به حاجة يعملون على التخلص منه بأية وسيلة ممكنة.
·العمل على السيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية.
·السيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة.
السيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإعلام واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية.
دعوة الشباب والشابات إلى الانغماس في الرذيلة وتوفير أسبابها لهم، وإباحة الاتصال بالمحارم، وتوهين العلاقات الزوجية وتحطيم الرباط الأسري.
· السيطرة على المنظمات الدولية بترؤسها من قبل أحد الماسونيين كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ومنظمات الأرصاد الدولية، ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم (١).
موقف الإسلام من الماسونية:
نبهت الهيئات الإسلامية على خطر الماسونية، وخداعها، وأهدافها، وحذرت المسلمين من الوقوع في شباكها.
ففي عام ١٩٧٤ م أصدر المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة التحذير التالي:
(الماسونية: جماعة سرية هدّامة لها صلة وثيقة بالصهيونية العالمية التي تحركها وتدفعها لخدمة أغراضها، وتتستر تحت شعارات جذابة كالحرية والإخاء والمساواة، وما إلى ذلكَ مما أوقع في شباكها كثيرًا من المسلمين وقادة البلاد وأهل الفكر الخ) (٢).
وأصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بيانًا بهذا الصدد جاء فيه:
_________________
(١) ينظر لما سبق من أفكار ومعتقدات: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد (ص ١١٠ - ١٢٠)، المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي (١/ ٤٩٤) وما بعدها، الموجز في الأديان والمذهب المعاصرة (ص ٤٧ - ٥٥).
(٢) ينظر: العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية للدكتور سعد الدين السيد صالح (ص ٢٣٤)، اليهودية للدكتور أحمد شلبي (ص ٢٤٩)، رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد (ص ١٢٢).
[ ٧٢٣ ]
(أما بعد فإن الإسلام والمسلمين يحاربهم الأعداء العديدون من كل جانب وبكل الأسلحة من مادية وأدبية، يريدون بذلك الكيد للإسلام والمسلمين، ولكن الله ناصرهم ومعزهم) (١).
وكذلك فتوى اللجنة الدائمة التي سقناها في أول هذه الجزء.
٢ - والعيسوية:
قال الشيخ - ﵀ -: " والعيسوية: فرقة من اليهود تنتسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، ادعى النبوة وبدأ دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب أصحاب المنصور بالري" (٢).
العيسوية: طائفة من اليهود أتباع أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ابتدع دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد، وادعى أنه نبي وأنه المسيح المنتظر، وكان يعترف بالتلمود، ويقول بنبوة عيسى ومحمد إلى العرب، فتبعه كثير من اليهود وادعوا له آيات ومعجزات، وقد قتل مع أصحابه من قبل جنود المنصور (٣).
_________________
(١) ورد هذا البيان في مجلة الأزهر (١٠/ ٥٧)، عدد شوال ١٤٠٥ هـ.
(٢) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ١٤٣)، ينظر ترجمهم ومذاهبهم في: كتاب الملل للشهرستاني، والفصل لابن حزم.
(٣) ينظر: الملل والنحل (١/ ٥٠٦)، الفصل الملل والنحل لابن حزم الظاهري (١/ ١٧٩)، رسالة الرد على الرافضة لأبو حامد المقدسي (ص ١٤٤)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٠٣).
[ ٧٢٤ ]
القسم الثالث: من ينكرون المحسوسات.
- السوفسطائية.
قال الشيخ - ﵀ -: " السوفسطائية: قيل إنها ثلاث فرق:
الأولى: عنادية، وهي التي تنكر حقائق الأشياء الحسية والعقلية وتكذب حسها وعقلها وترى ذلك وهمًا وخيالًا.
الثانية: اللاأدرية: وهي التي تشك في حقائق الأشياء وتتردد فيها وتقول: لا أدري ألها وجود أو لا.
الثالثة: عندية: وهي التي ترى أن ليس للأشياء حقيقة ثابتة في نفسها، بل تتبع إدراك من أدركها وعقيدة من خطرت بباله، وهذه مذاهب باطلة بضرورة الحس والعقل، ومعنى السفسطة: الحكمة المموهة.
وتطلق على نوع من الأدلة، وهو ما كانت مقدماته وهمية كاذبة أو شبيهة بالحق وليست به" (١).
وقال الشيخ - ﵀ -: " ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه؛ فعميت عليه الحقائق، واشتبه عليه الأمر الواضح؛ فأنكر البديهيات، ورد الآيات البينات، بل منهم من انتهى به انحراف مزاجه وضعف عقله إلى أن ينكر ما تدركه الحواس؛ كالسوفسطائية" (٢).
والسفسطائيون فرقة ينكرون المحسوسات، وهم من أصناف الكفرة الذين قبل الإسلام، وهم فلاسفة اليونان وزعيمهم "بروتاجوراس" ولد سنة ٤٨٠ق. م، ونظريتهم تقوم على أنه ليس هناك وجود خارجي مستقل عما في أذهاننا، فيما يظهر للشخص أنه الحقيقة يكون هو الحقيقة له، فإذا رأى السراب ماء فهو عنده حقيقة ماء (٣).
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (٢/ ٢٦)، ينظر: فتاوى بن تيمية (ج١٩)، وكتاب التوحيد (ص ٤٧).
(٢) الحكمة من إرسال الرسل (ص ١٧)، وينظر: مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - (ص ١٦٦).
(٣) ينظر: التعريفات (ص ٦٣)، وكشاف اصطلاح الفنون، لمحمد علي التهانوي (٣/ ١٧٣)، والمعجم الفلسفي، لمجمع اللغة العربية القاهرة (١/ ٦٥٨)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٢٢٨ - ٢٢٩)، الموسوعة المسيرة (٢/ ١٧٠).
[ ٧٢٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " الفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة، والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة، ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة، ثم كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة، وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي مقالات الناس إن في العالم رجلا كان اسمه "سوفسطا" وأنه كان هو وشيعته ينكرون الحقائق كلها؛ وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق، وطائفة تجزم بنفي العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء، وطائفة واقفة يقولون لا ندري تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية، وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد، فكل من اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد، فهذا النقل على ظاهره باطل ليس في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه "سوفسطا"، ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٤، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ الأنعام: ٣٣ " (١).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - رأي في السفسطة يقول فيه: "وإنما المقصود أن الناقلين للمقالات وأهل الجدل صاروا يعتبرون باللفظة المعربة (سوفسيقيا) وهي (سوفسطا) عن هذا المعنى الذي يتضمن إنكار الحق وتمويه بالباطل، وظن من ظن أن هذا قول ومذهب عام لطائفة في كل حق، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عارض النبي آدم في كثير من أمورهم، فكل من جحد حقًا معلوما وموَّه ذلك بباطل فهو مسفسط في هذا الموضع وإن كان مقرًا بأمور أخرى" (٢).
_________________
(١) الصدفية (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢٤).
[ ٧٢٦ ]
الفصل الثالث: جهوده في الرد على الأعلام
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث
[ ٧٢٧ ]
المبحث الأول
جهوده في الرد على المخالفات العقدية في تفسير الجلالين.
تمهيد
التعريف بالكتاب ومؤلِّفَيه.
تفسير الجلالين: سُمِّي هذا التفسير بـ " الجلالين " نسبة إلى مؤلِّفَيه الجليلين: جلال الدين المحلَّي، وجلال الدين السيوطي؛ وهو من التفاسير القيِّمة المفيدة، التي لاقت انتشارًا واسعًا بين المسلمين، وعمَّ النفع به ديار المسلمين كافة، لما امتاز به من عبارة وجيزة، وأسلوب واضح بيِّن، ليس فيه تعقيد ولا غموض (١).
بداية التأليف: بدأ الإمام جلال الدين المحلَّي - ﵀ - بتأليف هذا التفسير في القرن الثامن الهجري من سورة الكهف وانتهى به إلى سورة الناس، وعندما شرع في تفسير سورة الفاتحة وما بعدها وافته المنيَّة قبل أن يُتمَّ كتابة تفسير النصف الأول من القرآن؛ ثم جاء الإمام السيوطي بعده - وهو من علماء القرن التاسع الهجري - فقام بإتمام تفسير ما لم يتمكن الإمام المحلَّي من تفسيره، سائرًا على نهج الأول؛ فشرع في تفسير سورة البقرة، وأتم التفسير إلى نهاية سورة الإسراء. وبعمل هذين الإمامين اكتمل هذا التفسير، الذي كان له من القبول الكثير (٢).
_________________
(١) ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني (٢/ ٤٨ - ٤٩).
(٢) ينظر: كشف الظنون لمصطفى عبد الله (١/ ٤٤٥)، خلاصة الأثر للمحبي (٤/ ١٥٢)، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لإسماعيل باشا بن محمد أمين (٣/ ٣٠٤)، وينظر لمقدمات تفسير الجلالين فقد طبع طبعات كثيرة متنوعة طبع مرة وحده مجردًا وأخرى بحاشية المصحف وثالثة مع حاشية الصاوي ورابعة مع حاشية الجمل وأوسع حواشيه حاشية الجمل.
[ ٧٢٨ ]
وقد اشترك في تأليفه الشيخان:
- "جلال الدين المحلي" (١)
واسمه: محمد بن أحمد، ولد سنة ٧٩١ هـ، وتوفي سنة ٨٦٤ هـ.
- "جلال الدين السيوطي" واسمه: عبد الرحمن بن أبي بكر، ولد سنة ٨٤٩ هـ، وتوفي سنة ٩١١ هـ.
ومنهج المؤلِّفَين:
١ - كان يقوم على ذِكْرِ ما تدل عليه الآيات القرآنية، وما يُفهم منها، ومن ثَمَّ اختيار أرجح الأقوال وأصحها. ويقوم كذلك على إعراب ما يحتاج إلى إعراب، دون توسُّع أو تطويل يُخرج عن القصد، بل في حدود ما يفي بالغرض، ويوضح المقصود والمطلوب.
٢ - وكان من منهج المؤلِّفَين التنبيه على القراءات القرآنية المشهورة على وجه لطيف، وبتعبير وجيز، والإعراض عن القراءات الشاذة غير المرضيَّة.
_________________
(١) هو: العلامة المحقق جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي، والمحلى نسبة إلى مدينة المحلة الكبرى، التي ولد بها في سنة (٧٩١ هـ) وتوفى سنة (٨٦٤ هـ) عن عمر ٧٣ سنة. قال عنه العلامة الصاوي: "كان على غاية من العلم والعمل والزهد والورع والحلم حتى كان من أخلاقه أنه يقضى حوائج بيته بنفسه مع كونه كان عنده الخدم والعبيد." أهم أعماله ومؤلفاته تفسير القرآن الكريم من أول سورة الكهف حتى آخر القرآن العظيم مع تفسير سورة الفاتحة في النهاية. وقد اعتمد على التفسير على إعراب ما يحتاج والتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة على وجه لطيف وتعبير وجيز مع ترك التطويل. وجاء تلميذه جلال الدين السيوطي بعده بست سنوات فتمم هذا التفسير على أسلوب ومنهاج معلمه جلال الدين المحلي من البقرة حتى آخر سورة الإسراء وبذلك سمى تفسيرهما "تفسير الجلالين" وذاعت تسميته بهما واشتهرت على أوسع نطاق وصار من أتى بعدهما في تفسير القرآن يهتدي بأسلوبهما ويسترشد بعملهما فكانا رائدين عظيمين لكثير من أهل العصر. ينظر: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي (١/ ١٤٨)، أبجد العلوم للقنوجي (٢/ ١٨٦)، طبقات المفسرين للداودي، لأحمد بن محمد الأدنوي (١/ ٣٣٦).
[ ٧٢٩ ]
جهود العلماء: ونظرًا لأهمية هذا التفسير، وما امتاز به عن غيره من التفاسير، فقد اتجهت إليه هِمَمُ كثيرٍ من العلماء؛ فوضعوا عليه التعاليق المفيدة، وكتبوا عليه الحواشي الشارحة، وكان من أهم الحواشي التي كُتبت على هذا التفسير، حاشية الجمل (١)، وحاشية الصاوي (٢)، وحاشية الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - التي بدأت من سورة غافر إلى الناس (٣).
المآخذ على هذا التفسير: ومما يُؤخذ على هذا التفسير أنَّ مؤلِّفيه لم يلتزما منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات، التي أجمع السلف على إثباتها، دون تحريف، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل؛ بل سارا المؤلِّفين رحمهما الله فيه على منهج الأشاعرة في تأويل الصفات، ووقعت لهما بعض الإسرائيليات.
وعلى الرغم من المآخذ التي أخذت على هذا التفسير، بيد أنه بقي يحتفظ بمكانته في المكتبة الإسلامية، جنبًا إلى جنب مع كتب التفسير الأخرى، وقد اعتبر أحد الكتب التي يُرجع إليها في فهم الكتاب العزيز.
_________________
(١) هو: سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل: فاضل من أهل منية عجيل (إحدى قرى الغربية بمصر) انتقل إلى القاهرة. له مؤلفات منها: الفتوحات الإلهية -أربع مجلدات-، حاشية على تفسير الجلالين، والمواهب المحمدية بشرح لشمائل الترمذية، وفتوحات الوهاب حاشية على شرح المنهج، في فقه الشافعية. ينظر: الأعلام (٣/ ١٣١).
(٢) هو: أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي: فقيه مالكي، نسبته إلى (صاء الحجر) في إقليم الغربية، بمصر. توفي بالمدينة المنورة. من مؤلفاته: حاشية على تفسير الجلالين، وحواش على بعض كتب الشيخ أحمد الدردير في فقه المالكية، والفرائد السنية، وشرح همزية البوصيري. ينظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية للمخلوف (ص ٣٦٤)، الأعلام (١/ ٢٤٦).
(٣) ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني (٢/ ٤٨ - ٤٩).
[ ٧٣٠ ]
منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - في تعليقه على الجلالين.
بين الشيخ - ﵀ - منهجه في تعليقه على تفسير الجلالين (١):
١ - أن يكون التعلق موجزًا.
٢ - يُبين فيه مذهب السلف إجمالًا في آيات الأسماء والصفات.
٣ - يُبين تحريف المتأولين، وغلو أهل البدع في الصالحين.
٤ - إضافة مسائل توحيد العبادة عند الكلام على الآيات التي تتصل بذلك.
تعقيب الشيخ على الجلالين:
١ - علق الشيخ - ﵀ - مسألة خلق القرآن وبين الصواب في تفسير الآية، وذكر بعض المفسرين الذين ذهبوا مذهب السلف.
فقال الشيخ - ﵀ - رادًا على تفسير "الجعل: بالإيجاد" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ الزخرف: ٣: " تفسير الجعل بالإيجاد مبني على القول بخلق القرآن لفظًا فقط أو لفظًا ومعنى، ذلك خطأ والصواب تفسير الجعل بالإنزال أو الوصف والتسمية أو البيان، كما ذكر ابن جرير والبغوي وغيرهما ممن يذهب مذهب السلف من المفسرين" (٢).
٢ - بين الشيخ - ﵀ - في معرض رده مسألة الغلو في الصالحين التي ظهرت في تفسير الجلالين.
فقال الشيخ - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ الأحقاف: ١٣: " هذا إنما يتحقق يوم القيامة، أما الدنيا فيخاف فيها الأنبياء ويحزنون، فقد خاف موسى وهارون أن يطغى عليهما فرعون، وأوجس موسى في نفسه خيفة حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فكان منها ما كان، وخاف يعقوب على يوسف أن يأكله الذئب، وحزن على
_________________
(١) ينظر: مقدمته على تفسير الجلالين (ص ٥).
(٢) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٤١).
[ ٧٣١ ]
غيبة ولديه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وحزن الرسول - ﷺ - على عدم إيمان قومه وكاد يهلك أسفًا لعدم استجابتهم له، وحزن على موت ولده إلى غير ذلك، فمن جعل ذلك جزاء من الله للصالحين في الدنيا فقد حرف كلام الله عن مواضعه وجعله عرضة للكذب وخلف الوعد، وكان من الغلاة في الأنبياء والصالحين، وصدق فيه حديث: (هلك المتنطعون) (١) " (٢).
٣ - أوضح الشيخ - ﵀ - منهج الجلالين في نصوص الأسماء والصفات بأنه منهج الجهمية والمعطلة الذين نفوا علو الله بذاته على خلقه، ونفوا عنه نسبة المجيء، وبين الشيخ - ﵀ - الصواب في ذلك.
فقال الشيخ - ﵀ - في رده على تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الملك: ١٦: بـ (سلطانه وقدرته): " اتبع الشارح - في تأويل الآية - الجهميةَ الذين نفوا عُلو الله بذاته على خلقه والصواب أن السماء، بمعنى العلو، والمعنى: أأمنتم الله الذي في العلو أو في معنى على، والتقدير: أأمنتم الله الذي على السماء" (٣).
وقال الشيخ - ﵀ - في رده كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ الفجر: ٢٢ بـ (أمره): "العدول عن نسبة المجيء لله إلى نسبته لأمره ونحوه من تأويل الجهمية الذين يحيلون أن يكون من الله نفسه مجيء، والصواب أن الله بنفسه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، كما نصت عليه الآية وبينته الأحاديث الصحيحة وهو مذهب السلف" (٤).
٤ - بين الشيخ - ﵀ - خطأ الجلالين في إرجاع بعض الصفات إلى بعضها الآخر، وأن ذلك من تأويلهم لنصوص الأسماء والصفات.
_________________
(١) أحرجه مسلم في كتاب العلم باب هلك المتنطعون برقم (٢٦٧٠).
(٢) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٦٩ - ٧٠).
(٣) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٩٧، ٢١١).
(٤) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٢٨٠).
[ ٧٣٢ ]
فقد رد الشيخ عليهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ المجادلة: ١:عالم، فقال الشيخ - ﵀ -: " الصواب أن العلم غير السمع والبصر، فالسمع تدرك به الأصوات جهرًا كانت أم سرًا، والبصر تدرك به المرئيات، والعلم محيط بذلك وبغيره من أحوال العلم، وكل من السمع والبصر والعلم من صفات الله التي تثبت بالسمع والعقل، فيجب الإيمان بها جميعها دون إرجاع بعضها إلى الآخر" (١).
٥ - بين الشيخ خطأ الجلالين في أخذهم لتأويل الجهمية، وأن لازم الصفة التي فسروا بها تدل عقلًا على ثبوت الصفة التي نفوها، وبين منهج السلف في إثبات الصفات.
فقد رد الشيخ - ﵀ - على المفسر لما فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ الصف: ٤بـ (ينصر ويكرم)، فقال: " هذا من تأويل الجهمية نفاة الصفات الذين يحيلون أن يتصف الله بالمحبة حقيقة، فيؤولون ما ورد من ذلك بالنصر والإحسان، أما السلف فيثبتون المحبة صفة لله حقيقة على ما يليق بجلاله، ويتبع ذلك النصر ونحوه من آثارها، بل ثبوت لازمها الذي فسروها به يدل عقلًا على ثبوتها، فلزمهم ما فروا منه" (٢).
٦ - نقد الشيخ على المفسر التأويل لصفة اليد وبين الصواب في ذلك.
فقال الشيخ - ﵀ - في رده على تفسير قوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ الملك: ١ بـ (السلطان والقدرة): " ها هنا أمران: الأول عموم قدرة الله وكمال تصرفه في الكون بيسر وسهولة، وهذا مستفاد من كون الملك بيد الله، والثاني ثبوت صفة ذات لله تعالى، وهذا مستفاد من إضافة اليد إليه تعالى، فكل من الأمرين حق مستفاد من الآية، أما ما ذكر الشارح فمع ما فيه من تأويل اليد فرارًا من إثباتها صفة لله فيه اضطراب في العبارة، إذ تقدير الكلام على تفسيره تنزه عن صفات المحدثين الذي في تصرفه السلطان والقدرة، ولا شك أن السلطان والقدرة ليسا في التصرف" (٣).
_________________
(١) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٥٣).
(٢) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٧١).
(٣) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ١٩٥).
[ ٧٣٣ ]
٧ - بين الشيخ - ﵀ - أن من حجج النفاة، أنهم اضطروا لذلك التأويل (١) فرارًا من تشبيه الله بخلقه - وهذا هو حقيقة التعطيل، لأن التعطيل هو نفي الصفات وجحودها-، فبين خطأهم في ذلك، وأثبت صفة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
فقال في رده على الشارح لما فسر قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ الفجر: ٢٨ بـ (يقال لها ذلك عند الموت، أي: ارجعي إلى أمره وإرادته): " هذا من التأويل الذي يزعم نفاة الصفات أنهم اضطروا إليه فرارًا من تشبيه الله بخلقه، والصواب أن الرجوع إلى الله لقاؤه يوم القيامة والوقوف بين يديه للحساب والجزاء على ما يليق بجلاله. كما أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ثابتة على ما يليق به فلا يلزم التشبيه، أو المراد بالنفس الروح ولقاؤها ربها حين خروجها من الجسد ساعة الموت" (٢) (٣).
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في بيان نموذج لمقالات هؤلاء الذين فتحوا باب التأويل: " ولهذا قال كثير منهم -كأبي الحسين البصري، ومن تبعه كالرازي واللآمدي وابن الحاجب- أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين، جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين. فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أنزل الآية، وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر. وهم لو تصوروا هذه المقالة لم يقولوا هذا فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة" ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٩).
(٢) تعليق الشيخ على تفسير الجلالين (ص ٢٨١).
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن المحمود حفظه الله: "ابتدع المتأخرون معنى للتأويل لم يكن معروفا عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقالوا: هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، وقد أولى شيخ الإسلام هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، وعرض لها في مناسبات عديدة من كتبه، وانطلق في ذلك من بيان معاني التأويل الواردة في الكتاب السنة وأقوال السلف، حيث أوضح من خلال التتبع الدقيق لموارد لفظه -التأويل- في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأئمة السلف وانتهي من ذلك إلى أن التأويل ورد عندهم بمعنيين:
(٤) أنه بمعنى المرجع والمصير، والحقيقة التي يؤول إليها الشيء،٢ - أنه بمعنى التفسير؛ أما المعنى الثالث فليس معروفًا عندهم" موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١١٤٤)، وينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٦٤ - ٣٧٢)، الدرء (١/ ١٤ - ١٥).
[ ٧٣٤ ]
المبحث الثاني
جهوده في الرد على الآمدي.
تمهيد
التعريف بالكتاب ومؤلفه.
الإحكام في أصول الأحكام: كتاب في أصول الفقه الإسلامي يبحث في الألفاظ وما يتعلق بها، والأدلة الشرعية القرآن والسنة، والكلام في الأخبار وأحكامها في فصل مطول، وعرض للأوامر والنواهي الواردة في القرآن والسنة والعموم والخصوص، والجمع والاستثناء والكناية بالضمير والإشارة والإعجاز والتشبيه، والنسخ والمتشابه، ثم تكلم في ختام الكتاب عن مبحث الإجماع (١).
المؤلف (٢):
هو أبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الآمدي، ولد بآمد عام ٥٥١ هـ، وتوفي ليلة الاثنين وقت صلاة المغرب ثاني صفر سنة ٦٣١ هـ بدمشق.
ومن تصانيفه: أبكار الأفكار في أصول الدين ثلاث مجلدات، واختصره في كتاب منائح القرائح مجلد، مجلد لطيف في أصول الفقه، الإحكام في أصول الأحكام في مجلدين، كتاب منتهى السول في علم الأصول مجلد، كتاب رموز الكنوز مجلد، لباب الألباب مجلد في المنطق، فرائد الفوائد في الحكمة مجلد، الغرائب وكشف العجائب في الاقترانات الشرطية مجلد، شرح جدل الشريف مجلد، غاية الأمل في الجدل، الباهر في الحكم الزواهر، حكمة ثلاث مجلدات، غاية المرام في علم الكلام مجلدتان، ثلاث تعاليق خلاف، كشف التمويهات
_________________
(١) ينظر: مقدمة كتاب الإحكام (١/ ١٥ - ١٧)، كشف الظنون (١/ ١٧)، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا (٥/ ٧٠٧).
(٢) ينظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٢١/ ٢٢٥ - ٢٣٠)، كشف الظنون (١/ ١٧).
[ ٧٣٥ ]
على الإشارات والتنبيهات مجلدة كبيرة، مآخذ على المحصول مجلدة، المآخذ الجلية في المواخذات الجدلية جزء.
قال فيه الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " إن الآمدي درس الفلسفة بأقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشبعت بها روحه حتى ظهر أثر ذلك في تأليفه، ومن قرأ كتبه وخاصة ما ألفه في علم الكلام وأصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها أنه كان قوي العارضة كثير الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر والتقسيم في الأدلة إلى درجة قد ينتهي بالقارئ أحيانًا إلى الحيرة وما الآمدي إلا عالم من البشر يخطئ ويصيب؛ فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه، ولنستغفر الله له، وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين" (١).
منهج الشيخ عبد الرزاق في تعليقه على الإحكام (٢):
١ - عدم الوقوف من الكتاب موقف الشارح، لأنه غني بوضوحه عن شرحه كما ذكر:، لكنه وقف وقفة المدقق لما فيه من أخطاء عقدية.
٢ - اقتصر الشيخ - ﵀ - على نقد الدليل، والتنبيه على خطأ في رأي وتأويلٍ لنص، وبيان لضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الأصول التي طبع عليها.
٣ - الاكتفاء أحيانا عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث بالإشارة إلى مراجع معتمدة.
_________________
(١) ينظر: مقدمة كتاب الإحكام في أصول الأحكام بتعليق الشيخ عبد الرزاق - ﵀ - (ص ١٣ - ١٤).
(٢) ينظر: مقدمة كتاب الإحكام في أصول الأحكام بتعليق الشيخ عبد الرزاق - ﵀ - (ص ١٠ - ١١).
[ ٧٣٦ ]
رد الشيخ على الآمدي:
١ - بين الشيخ خطأ الآمدي إذ اعتذر لليهود والرافضة، ووضح الشيخ - ﵀ - بأن مبادئ الرافضة موروثة من اليهود.
فقال الشيخ - ﵀ - في معرض رده على الآمدي: " اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في أفعاله وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء (١)،
وتعذر الفصل بينهما عليهم؛ فمنعت اليهود النسخ حماية لجانب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها (٢)؛
_________________
(١) البداء له معانٍ: البداء في العلم: وهو أن يظهر له ما علم، ولا أظن عاقلًا يعتقد هذا الاعتقاد في الله ﷿. والبداء في الإرادة: وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر: وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف لك. ومن لم يُجَوِّز النسخ ظنّ أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة. والفرق بين النسخ والبداء من وجهين: أحدهما: أن البداء: هو أن يأمر بالأمر والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال. والنسخ هو: أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا، ولا بدَّ قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه. والثاني: أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأوّل، والبداء يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأوّل. مثل: أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبًا، فيتبيّن أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٤٨)، نواسخ القرآن لابن الجوزي (ص ٨٣)، وكلام الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ١٣٦).
(٢) اقر كبار علماء الرافضة بأنواع النسخ، ومن علماء الرافضة الذين اقروا بالنسخ:
(٣) الشيخ أبو علي الفضل الطبرسي، "صاحب كتاب مجمع البيان في تفسير القران" وذكر النسخ حين شرح آية النسخ آيه ١٠٦ سورة البقرة.
(٤) أبو جعفر محمد الطوسي الملقب عند الرافضة بشيخ الطائفة، وذكر أنواع النسخ في كتابة التبيان في تفسير القران (١ - ١٣) مقدمة المؤلف، وأيضا كتابه العدة في أصول الفقه (٢/ ٥١٦).
(٥) كمال الدين عبد الرحمن العتائقي الحلي في كتابه الناسخ والمنسوخ (ص ٣٥).
(٦) محمد علي في كتابه لمحات من تاريخ القران (ص ٢٢٢).
(٧) العلامة محسن الملقب بالفيض الكاشاني فقد اقر بنسخ التلاوة حين شرح آية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ البقرة: ١٠٦، قال: " ما ننسخ من آية بأن نرفع حكمها أو ننسها بأن نرفع رسمها"، في كتابه شرح الكاشاني والمعروف أن نرفع رسمها أي نرفع خطها وهذا يعني رفع تلاوتها.
(٨) الفقيه حمزة بن علي بن زهرة الحلبي جوز أنواع النسخ، في كتابة غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٩) السيد المرتضي الملقب علم الهدى جوز أنواع النسخ، في كتابة الذريعة آلة أصول الشريعة (١/ ٤٢٨).
[ ٧٣٧ ]
فحكمت بأن الله يبدوا له من المصالح والمفاسد ما كان خفيًا عليه؛ فينقض ما أبرمه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-؛ ومن تبين أمر اليهود وحسدهم لمن جاء بعد موسى من الأنبياء، وكيدهم لشرائع الإسلام، وتبين حال الرافضة، ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم؛ بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وإنهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للإسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتان، إنما كان عن قصد سيئ وحسد للحق وأهله، وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى الدس والخداع وإعمال معاول الهدم سرًا وعلنًا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السيئ" (١).
٢ - أوضح الشيخ - ﵀ - منهج الآمدي في العقيدة بأنه منهج الأشاعرة، وبين تناقضه.
قال الشيخ - ﵀ -: " لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه؛ لقلنا: إنه بنى تعبيره على مذهبه من أن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه؛ لكن الآمدي أشعري يرى أن أحكام الله خطابه، وأنها قديمة غير مخلوقة، وأنها شيء واحد في نفسه، وإن تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها (٢)؛
فكيف يقول هنا: إن أحكام الله من صنعه؛
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) قال الشيخ د. عبد الرحمن المحمود وفقه الله: " وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:
(٣) قول من نفى الحكمة وأنكر التعليل، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة، وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله. - ينظر: الإرشاد للجويني (ص ٢٦٨) وما بعدها، ونهاية الأقدام (ص ٢٩٧)، ومحصل أفكار المتقدمين للرازي (ص ٢٠٥)، الفصل (٣/ ١٧٤) - ط دار المعرفة. الأحكام لابن حزم (٨/ ١١١٠) وما بعدها.-
(٤) إن الله فعل المفعولات وخلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولكن هذه الحكمة مخلوقة، منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم. - ينظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل، لعبد الجبار الهمذاني (٦/ ٤٨، ١١/ ٩٢ - ٩٣).-
(٥) قول من يثبت حكمة وغاية قائمة بذاته تعالى، ولكن يجعلها قديمة غير مقارنة للمفعول.
(٦) إن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، وهذه الحكمة تعود إلى الرب تعالى، لكن بحسب علمه، والله تعالى خلق الخلق ليحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه، فهذه حكمة مقصودة واقعة، بخلاف قول المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد. وهذا قول الكرامية الذين يقولون: من وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخوقه له. - ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩).-
(٧) قول أهل السنة وجمهور السلف وهو أن الله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة.- ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٥ - ٣٦)، شفاء العليل لابن القيم (ص ٤٠٠ - ٤٣٤).- هذه خلاصة الأقوال في هذه المسألة، ويلاحظ أنها تنتهي إلى قولين. أحدهما: نفاة الحكمة، وهو قول الأشاعرة ومن وافقهم. والثاني: قول الجمهور الذين يثبتون الحكمة. وهؤلاء على أقوال: أشهرها قول المعتزلة الذين يثبتون حكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الرب، وقول جمهور السلف الذين يثبتون حكمة تعود إلى الرب تعالى. - ينظر: أقوم ما قيل في القضاء والقدر - مجموع الفتاوى (٨/ ٨٣ - ٩٣، ٩٧ - ٩٨)، منهاج السنة (١/ ٩٧ - ٩٨) ط دار العروبة المحققة، والاستغاثة (ص:٢/ ٢٧)، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/ ١٩٨ - ٢٠٣)، درء التعارض (٨/ ٥٤)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٧ - ٣٨١)، ومنهاج السنة (١/ ٩٤ - ٩٥) ط دار العروبة المحققة.- ويلاحظ أن من نفي الحكمة والتعليل - كالأشاعرة - دفعه ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب القدرة غير المؤثرة للعبد. ومن أثبت حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة. أما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر - كما سيأتي أن شاء الله -" ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٥/ ٢٧٠).
[ ٧٣٨ ]
فكان ينبغي أن يقول: أحكام الله من شرعه، إحقاقًا للحق، وأدبًا مع الله في نسبة صفاته إليه، وليسلم من التناقض" (١).
_________________
(١) تعليق الشيخ على الإحكام (٣/ ٣٥٨).
[ ٧٣٩ ]
المبحث الثالث
جهوده في الرد على آخرين.
- جمال الدين الأفغاني.
قال الشيخ - ﵀ -: " جمال الدين الأفغاني من الرجال الذين اشتهروا بين الناس بالإصلاح والنهوض بالأمم الإسلامية وبعث الوعي فيهم وإيقاظهم من رقدتهم وقد اختلف الكاتبون من حياته في تقديره ذمًا ومدحًا وثناءً وقدحًا فمنهم من أحسن الظن به فأثنى عليه وأعلى من شأنه وعده من كبار المصلحين المخلصين للإسلام والمسلمين الذين أيقظوا الشعوب ليحرروا بلادهم من براثن الاستعمار وذل الاستعباد، ومنهم من أساء الظن به فرماه بالماسونية والمكر والخداع ووصمه بالكفر والإلحاد والسعي في تفويض العروش والكيد للإسلام والقضاء على الخلافة الإسلامية شأنه في ذلك شأن غيره ممن حظي بشهرة في جانب الحياة من أنصاره ومن يواليه وخصومه ومن يناوئه ويعاديه " (١).
فالشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - لم يجزم في كلامه السابق بمدح جمال الدين الأفغاني ولا ذمه، لأن ما استند عليه في الحكم على الأفغاني بالماسونية، فيه تردد وشكوك وتخمين وظنون لا تنهض للقطع بالحكم على الرجل.
_________________
(١) مجموعة مؤلفات الشيخ (ص ٢٠٨).
[ ٧٤٠ ]
التعريف به:
هو محمد بن صفدر (١) المازندراني الشيعي الرافضي الحسيني (٢)،
المشهور بجمال الدين الأفغاني، ولد بأسد آباد من مازندران في همدان ببلاد إيران (٣) عام (١٢٥٤ هـ) (١٨٣٨ م)، وتوفي في استنبول عام (١٨٩٧ م) على إثر مرض السرطان الذي ظهر في فكه السفلي (٤).
الحكم عليه:
يحتل جمال الدين الأفغاني مكانًا مرموقًا في نهضة العرب الحديثة، ولا سيما في مصر، ولكنه لم يرتبط بمصر وحدها، وإنما توزعت حياته بين إيران وأفغانستان وتركيا والهند وفرنسا وإنجلترا وروسيا، وكان شخصًا غير مرغوب فيه في كثير من البلاد التي نزل بها، ومع هذا نظر إليه المؤرخون نظرة فيها الكثير من التباين والتعارض، وكان سبب هذا هو نقص المعلومات التي تتعلق بحياته وغموضها (٥).
_________________
(١) وهو اسم إيراني شيعي يعني: البطل ممزق الصفوف.
(٢) وقد اختلف المترجمون في نسبه لأنه كان يظهر في كل أرض باسم جديد وشخصية مختلفة، ومن هذه الأسماء: جمال الدين الإستانبولي، جمال الدين الأسد آبادي، جمال الدين الحسيني، جمال الدين الأفغاني الكابلي، جمال الدين الطوسي، جمال الدين الرومي. ينظر: لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث لعلي الوردي (٣/ ٣١٣)، جمال الدين الأفغاني للدكتور علي عبد الحليم محمود (ص ٢٧).
(٣) وقيل: ولد بأفغانستان وكان لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي - ﵁ -، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان، وأنه سني المذهب. ينظر: فيمن يرى أنه مفترى عليه: جمال الدين الأفغاني المفترى عليه، د. محمد عمارة، وجمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة، للسيد يوسف.
(٤) ينظر: جمال الدين الأفغاني بين دارسيه، لعلي شلش (ص ٢٣١ - ٢٣٤)، وتاريخ الآداب العربية لرزق الله بن يوسف (١/ ١٦٣).
(٥) ينظر: جمال الدين الأفغاني بين دارسيه، لعلي شلش (ص ٥ - ٦)، وللتوسع يراجع الكتاب السابق والواقع في (٢٤٤) صفحة، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث، لعلي الوردي (٣/ ٣١١)، ومنهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي (ص ١٥٥) ..
[ ٧٤١ ]
يقول مصطفى فوزي غزال (١)
بعد بحث طويل في سيرة جمال الدين الأفغاني: "تشير الروايات أن الأفغاني كان في عقيدته خللٌ فالظاهر أنه شيعي إمامي اثنا عشري على مذهب الإيرانيين، كما أنه يؤمن بصحة نظرية دارون (٢)،
بل إنه يعتبر هذه النظرية هي من مفاخر المسلمين، وأنهم السابقون إليها، كما أنه يؤمن بوحدة الوجود على الطريقة الفلسفية التي تقول بأن الوجود المحسوس وغير المحسوس يشكل مجموعة الذات الإلهية، كما أنه يرى أن النبوة مكتسبة يمكن الوصول إليها بالمجاهدة والرياضة، عدا على التلاعب بالنصوص القرآنية وتكييفها لتنسجم مع العلوم العصرية التي لا زالت في نطاق التجربة والاختبار ويجب أن لا ننسى أن بين التقية والعمل في السر تلازمًا وكلاهما من بدع الشيعة وهو قائم على الكذب والخداع" (٣).
قال عنه الشيخ سفر الحوالي: " أما الأفغاني فهو رجل رافضي تلبس بلباس السنة، وسمى نفسه الأفغاني رغم أنه إيراني الأصل، وهو رجل باطني يقول بوحدة الأديان، كما أنه
_________________
(١) الدكتور مصطفى فوزي بن عبد العزيز غزال، له من المؤلفات: دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام، والحيل والأساليب في الدعوة إلى التبشير، وأفول شمس الحضارة من نافذة الخمور، وأفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم، وفضائح الكنائس والباباوات والقسس والرهبان والراهبات، وغيرها ..
(٢) تقول نظرية دارون: أن أصل المخلوقات كائن صغير تطور مع مرور السنين إلى سلالات أخرى أرقى إلى أن وصلنا إلى الإنسان، وبما أن الأديان السماوية تقول، أن الله خلق الإنسان مباشرة، وأنه لم يتطور من قرد فإن هذا يخالف نظرية دارون، إذن الأديان خاطئة والله غير موجود، ونقول إن نظرية دارون وخاصة تكون الإنسان من قرد عملية لم تثبت علميًا أبدًا بل هي نظرية أي رأي ووجهة نظر، قال الأستاذ وحيد الدين خان " فقبل كل شيء يجب ألا يفوتنا أن الداروينية لا تزال نظرية غير ثابتة كليًا حتى الآن، أن نظرية الارتقاء لا تثبت شيئًا أكثر من أن الأنواع المختلفة لم توجد في وقت واحد "، وقال آرثر كيث " الارتقاء غير ثابت ولا يمكن إثباته "، وقال الأستاذ وحيد الدين خان " إن محامي نظرية الارتقاء لم يتمكنوا حتى الآن من تمكيننا من مشاهدة أو تجربة أي أساس تقوم عليه مزاعمهم فعلى سبيل المثال ليس بوسعهم أن يثبتوا لك بالرؤية المباشرة في معمل ما، كيف توجد الحياة من مادة لا حياة فيها"، وقال الأستاذ محمد علي يوسف " هل يمكن أن تكون الطفرات حقيقة وسيلة للتطور، أن الدراسة الطويلة المتصلة لهذه الطفرات في كثير من الكائنات وخاصة ذبابة الفاكهة المسماة دورسوفيلا ميلانوجستر تدل على أن الغالبية العظمى من الطفرات تكون من النوع المميت، أما الأنواع غير المميتة منها فإن التغيرات المصاحبة لها تكون من النوع الذي يؤدي إلى التشويه، أو على الأقل من النوع المتعادل الذي يحدث تأثيرات فسيولوجية تضعف من قوة الفرد ". ينظر: المفصل في شرح آية لا إكراه في الدين، جمع وإعداد، علي بن نايف الشحود (٣/ ٥٤).
(٣) دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام (ص ٣٨٤ - ٣٨٧).
[ ٧٤٢ ]
عميل للسياسة الإنجليزية، وتلقن علومه في بلاطات ملوك أوروبا، فهو رجل -نستطيع أن نقول- لا صلة له بالإسلام" (١).
_________________
(١) ينظر: عقيدة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، موقع الشيخ سفر الحوالي http://www.alhawali.com.
[ ٧٤٣ ]