الفصل الأول: تعريف رشيد رضا الإيمان ومباحثه
المبحث الأول: تعريف الإيمان
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة:
يكون من الخطأ أن نلجأ إلى المعاجم اللغوية لنبحث فيها عن معنى حقيقة من حقائق الدين، مثل البحث عن معنى كلمة إيمان أو عبادة أو دعاء، إنه يجب أن نتنبه إلى أن المعاجم اللغوية وضعت لأهداف محددة، حتى لا نطلب منها فوق ما تستطيعه، هذه الأهداف هي: ضبط الألفاظ لا تحديد المعاني. وإذا تقدمت هذه المعاجم بعض الشيء وأرادت أن تساعد الباحث فتحدد وتعرف له بعض التحديد، فإنها لا تبالي بأن تعرف الشيء بنفسه أو بأنه غير ضده. فيقال: البلاغ ما يتبلغ به، والدواء ما يتداوى به، والدين هو الملّة، والحلال ضد الحرام، وإذا أردت أن تعرف موقع مكة أو صفتها، فإنك لن تجد هناك إلا قولهم: بلد معروف. وعند تفسير الدعاء، يقال: النداء، وإن لم يكن كل نداء دعاء، كما سوف يأتي في موضعه إن شاء الله، وعند البحث عن كلمة عبادة ستجد أنها - في المعجم ـ: الخضوع والتذلل، ولكن ليس كل خضوع وتذلل عبادة - كما سوف ترى ـ.
وفيما يتعلق بكلمة: "الإيمان" فإن المعاجم اللغوية تقول: " إنه
[ ٢١٣ ]
التصديق"١، ولكن هل التصديق مطابق للفظ الإيمان؟ وهل كل تصديق إيمان؟ أي ألا يوجد فرق بين التصديق والإيمان؟
الحق أن ثمة فروق بين "آمن " و" صدق" فالأول مثلًا يتعدى بالحرف، إما بالباء وإما باللام، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ٢، وكما قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٣. أما "صدق" فإنه يصح تعديته بنفسه فيقال: صدقه.
وكذلك فإنه من حيث الاشتقاق اللغوي نجد أن الإيمان مشتق من الأمن٤، الذي هو ضد الخوف، فآمن: أي صار داخلًا في الأمن. فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما قال: أخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٥ أي: لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، فالتصديق وحده لا يدل على ذلك. ٦.
وأيضًا فإن الإيمان لا يقال إلا في الأمور الغيبية التي تعتمد على أمانة المخبر، أما المشاهد المحسوس فيقال فيه: صدوق. كما أن مقابل الإيمان: الكفر، ومقابل التصديق: الكذب.
فالخلاصة إذن أن الإيمان تصديق وزيادة، وهو للإقرار أقرب منه إلى التصديق ٧.
_________________
(١) ١ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة (١٥/ ٥١٣، ٥١٤) ط. شركة ومطبعة البابي الحلبي، مصر، الثانية، ١٣٨٩هـ، ت: عبد السلام هارون، والفيروزآبادي: القاموس المحيط (٤/ ١٩٩) ط. المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت. وابن منظور: لسان العرب (٥٤/٢١) مادة أمن، ط. دار صادر ودار بيروت. وابن فارس: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣) والرازي: مختار الصحاح (ص:١١) ط. مكتبة لبنان. ٢ سورة العنكبوت: الآية (٢٦) ٣ سورة البقرة: الآية (٢٨٥) ٤ انظر: الراغب: المفردات (ص: ٩٠ـ ٩١) ٥ سورة يوسف: الآية (١٧) ٦ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٢) ٧ ولقد بسط شيخ الإسلام هذا المعنى في عدة مواضع. انظر: مجموع الفتاوى (كتاب الإيمان الكبير: ٧/ ١٢٢) وما بعدها، و(ص:٢٩٠) وما بعدها.
[ ٢١٤ ]
وهذا هو ما لاحظه وأكد عليه الشيخ رشيد، فإنه لم يذهب إلى أن الإيمان - لغة - هو التصديق فقط، بل قرر في تعريفه اللغوي، أنه تصديق وإذعان، أو تصديق مع ثقة وركون، وقد صرح بذلك في عدة مواضع، فقد قال في موضع: "الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها، وآيته العمل" ١ وقال في موضع آخر: "الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه.." ٢. وقال في موضع ثالث:"إن الإيمان يتعدى باللام إذا أراد بالتصديق الثقة والركون، أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا.." ٣.
وكون الإيمان يتضمن التصديق وزيادة هي الإقرار والاطمئنان أو كما يقول رشيد رضا: الثقة والركون والإذعان، هو الصحيح، وهو مبطل لاستدلال المرجئة باللغة على مذهبهم في تعريف الإيمان الشرعي، بأنه " التصديق" لأنه كذلك في اللغة ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ١٢٧) ٢ المصدر نفسه (٢/ ٢٥٨) ٣ المصدر نفسه (٣/ ٣٣٤) ٤ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص:٣٨٩)
[ ٢١٥ ]
المطلب الثاني: تعريف الإيمان في الشرع:
لقد اتفق أهل السنة على أن الإيمان: قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان الجوارج. ٥.
_________________
(١) ٥ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١١٩) ط. الأولى، باكستان، ت: حامد الفقي، واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩١١) . ط. دار طيبة، الثالثة، ت: أحمد سعد حمدان، وابن منده: الإيمان (١/ ٣٤١) ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، ت: علي ناصر فقيهي، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٣٣٢) ط. المكتب الإسلامي، التاسعة، ت: الألباني. والسفاريني: لوامع الأنوار (١/٢٤٦) ط. المنار، الأولى، سنة ١٣٢٣هـ بمصر. وانظر: أيضًا: أبو بكر بن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٥٠) ط. المكتب الإسلامي، الثانية،١٤٠٣هـ، ت: الألباني، وأبو عبيد: الإيمان (ص: ١٩) ط. المكتب الإسلامي، الثانية، ت: الألباني.
[ ٢١٥ ]
قال الإمام مالك: "الإيمان قول وعمل" ١، وورد هذا القول عن الإمام الشافعي ٢، والإمام أحمد ٣، ﵏، وهو قول الصحابة، منهم: ابن مسعود وحذيفة وعمر وعلي ومعاذ وابن عباس وأبو الدرداء ٤، ومن التابعين: الحسن ٥، وعمر بن عبد العزيز ٦، وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ٧، ومجاهد ٨، ومن الفقهاء: عبد العزيز بن أبي سلمة ٩، والليث ١٠، والأوزاعي ١١ ١٢، والثوري ١٣، وابن عيينة ١٤، وفضيل بن
_________________
(١) ١ انظر: أبو عبيد: الإيمان (ص: ٣٥) ط. المكتب الإسلامي، الثانية، ١٤٠٣هـ، واللالكائي: شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩١٣)، والآجري: الشريعة (ص:١١٨) وعبد الله بن أحمد: السنة (٣١٧) ط. دار رمادي والمؤتمن، الثانية، ت: محمد سعيد القحطاني. ٢ انظر: البيهقي: مناقب الشافعي (١/ ٣٨٥) ط. مكتبة دار التراث، مصر الأولى ١٣٩١هـ، ت: السيد صقر. ٣ انظر: عبد الله بن أحمد: السنة (١/٣٠٧) ٤ انظر: اللالكائي: شرح الأصول (٤/ ٩١٣) ٥ هو البصري: انظر: اللالكائي: المصدر السابق، وابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٣٨) ٦ اللالكائي: شرح الأصول (٤/ ٩١٣) وابن أبي شيبة: المصدر السابق (ص: ٤٨) ٧ اللالكائي: المصدر السابق، والصفحة نفسها. ٨ المصدر السابق والصفحة. ٩ هو الماجشون: انظر: اللالكائي: المصدر نفسه والصفحة. ١٠ اللالكائي المصدر نفسه، وانظر: عبد الله بن أحمد: السنة (ص: ٣١٨) ١١ هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، عالم أهل الشام، أبو عمرو، ولد في حياة الصحابة ﵃. انظر: الذهبي: السير (٧/١٠٧ـ ١٣٤) ١٢ انظر: اللالكائي: المصدر نفسه، وأبو عبيد: الإيمان (ص:٣٥) ١٣ أبو عبيد: المصدر نفسه. والثوري، هو سفيان بن سعيد بن مسروق، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، أبو عبد الله، ولد سنة ٩٧هـ وتوفي سنة ١٢٦هـ. السير (٧/٢٣٠) ١٤ اللالكائي: مصدر سابق.
[ ٢١٦ ]
عياض ١ وجماعة ٢.
فأهل السنة متفقون على هذا المعنى مع اختلاف عباراتهم فيه ٣، واتبع الشيخ رشيد رضا أهل السنة في ذلك فإنه ربط بين الإيمان والعمل برباط وثيق، ولا يزال يبدي ويعيد في هذا المعنى "لعل التكرار في المقامات المختلفة يؤثر في صخرة التقليد الصماء فيفتتها أو ينسفها نسفًا، فيعود المسلمون إلى إيمان القرآن الذي كان عليه السلف وصفوة الخلف " ٤. وأما إيمان القرآن فهو كما يقول: " والقرآن لا يكاد يذكر الإيمان إلا مقرونًا بذكر العمل الصالح، وورد في السنة الصحيحة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ٥، وهذه السنة مؤيدة بخمس وسبعين آية من القرآن" ٦.
ويردد رشيد رضا هذه العبارات بقوة ليحطم الجدار الذي ضربه الإرجاء بين الناس وبين الإيمان الشرعي، فصار الإيمان عندهم - كما يقول ـ: "قولًا باللسان ورسمًا يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالى " ٧.
وأما الإيمان الصحيح المقبول عند الله تعالى، فهو كما فهمه السلف من الكتاب والسنة "وقد فهم السلف الصالح من الكتاب والسنة: أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وله شعب كثيرة" ٨، ويحكي رشيد رضا
_________________
(١) ١ عبد الله: السنة (ص:٣١٥ـ ٣١٧) ٢ انظر: عبد الله: المصدر السابق (ص: ٣١٥ـ ٣١٨) واللالكائي (٤/ ٩١٣) وابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٣٨) وما بعدها. ٣ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ١٦٢) ط. المكتب الإسلامي، الثانية ١٣٩٢هـ. ٤ رشيد رضا: تفسير المنار (٣/ ٢٥١) ٥ روي هذا المعنى مرفوعًا ولا يصح لفظه، وإنما دلت السنة على معناه. انظر: اللالكائي: شرح الأصول (٤/ ٩٢١ - ٩٢٢) وانظر: الهيثمي مجمع الزوائد (١/٣٥) ٦ مجلة المنار (٥/ ٤٣٧) ٧ تفسير المنار (١/ ٣٧٩) ٨ المصدر السابق (٤/ ٥٤)
[ ٢١٧ ]
إجماع السلف على ذلك، فيقول: "ولإجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد" ١. وعلى هذا يحمل قول رشيد رضا "الإيمان الصحيح يقتضي العمل" ٢، وقوله "العمل الصالح أثر لازم للإيمان "٣، ولأنه يصرح بتعريف الإيمان شرعًا فيقول: "ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه" ٤، ويقول: "وهذا هو الإيمان الصحيح المرضي عند الله تعالى" ٥. إذن فلا يلتبس قول رشيد رضا بقول مرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن العمل لازم للإيمان وليس داخلًا في تعريفه ٦.
ويبقى أن نشير إلى أن رشيد رضا قد استقى مذهبه هذا من كتابات ابن تيمية والشاطبي، فيقول: "الإيمان الصحيح يقتضي العمل.. وقرره الأئمة المحققون كحجة الإسلام الغزالي ٧ وشيخ الإسلام ابن تيمية ٨ والمحقق الشاطبي ٩ والأستاذ الإمام ١٠." ١١.
ومهما يكن من شيء فإن هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ رشيد رضا من تعريف الإيمان موقف صحيح، دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ وأجمع عليه السلف.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٢٥١) ٢ المصدر السابق (٢/ ٤٠٥) ٣ الوحي المحمدي (ص: ١٨٥) ٤ تفسير المنار (٩/ ٥٩٠) ٥ المصدر نفسه (١/ ٣٣٥) ٦ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ١٨٤) ٧ انظر: إحياء علوم الدين (١/ ١٠٩ - ١١١)، ط. دار القلم بيروت، الثالثة. ولم يظهر لي ما ظهر لرشيد رضا بل إن الغزالي يقول: إن الإيمان تصديق والعمل مكمل أو متمم. ولا يسلم بأن الغزالي هو حجة الإسلام، بل هو لقب خلعه عليه أنصار الصوفية. ٨ وهذا القول مشهور في كتبه كلها، اظر مثلًا: الإيمان (ص: ١٤٩ و١٥٢) وما بعدها. ٩ انظر: الموافقات (١/ ٦٦) ط. دار المعرفة، بيروت. وانظر: تفسير المنار (٢/ ٢٥٨) ١٠ انظر: تفسير المنار (٣/ ٢٥٠ - ٢٥١) ١١ تفسير المنار (٢/ ٤٠٥) وانظر أيضًا (٢/ ٢٥٨و ٣/ ٢٥١)
[ ٢١٨ ]
المطلب الثالث: أدلة أهل السنة على خصال الإيمان الثلاثة:
يستدل أهل السنة على أن الإيمان يشمل القول والاعتقاد والعمل، بالكتاب والسنة، فأما دليلهم على أن الإيمان قول باللسان فقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١ الآية. وقول الرسول ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٢. وأما دليلهم على أنه اعتقاد بالقلب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤. وقول النبي ﷺ: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه" ٥. وأما دليلهم على أنه عمل بالجوارح فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧. فأهل السنة يعتمدون في مذهبهم على الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية (١٣٦) ٢ رواه بهذا اللفظ أبو داود. ك: الجهاد. باب: على ما يُقاتل المشركون (٣/ ٤٤) ورواه بنحوه البخاري: الصحيح. ك: الزكاة، باب: وجوب الزكاة. ح: ١٣٩٩ (٣/ ٣٠٨) ٣ سورة المائدة: الآية (٤١) ٤ سورة الحجرات: الآية (١٤) ٥ رواه أبو داود: ك: الأدب، باب: في الغيبة (٤/ ٢٧٠) ٦ سورة الحج: الآية (٧٧) ٧ سورة التوبة: الآية (١١٢)، وانظر: أبو عبيد: الإيمان (ص:١١) وما بعدها، واللالكائي: شرح الأصول (٤/ ٩١١) وما بعدها.
[ ٢١٩ ]
المبحث الثاني: الصلة بين "الإيمان" و"الإسلام":
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في هذه المسألة نظرًا لاختلافهم في فهم بعض النصوص. وأقوالهم فيها ثلاثة:
الأول: الترادف: فذهب فريق من أهل العلم ﵏ إلى أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد وأنهما مترادفان، وممن قال بهذا القول: البخاري في صحيحه ١، ومحمد بن نصر المروزي ٢، فقد بسط القول في هذه المسألة واختار هذا الرأي وعزاه إلى جمهور أهل السنة ٣، وكذلك الحافظ ابن منده ٤، رحمهم الله تعالى، واحتج هؤلاء بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ
_________________
(١) ١ انظر: الصحيح: ك: الإيمان، باب: سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ١٤٠) ٢ هو محمد بن نصر بن الحاج، الحافظ الإمام، كان من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، وكان ذا عبادة. ت: ٢٩٤هـ. انظر: ترجمته: السير (١٤/ ٣٣ـ ٤٠) والبداية والنهاية (١١/١٠٢) ط. دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ. ٣ انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦ـ ٥٣١) وانظر أيضًا: (١/ ٤١٨) ٤ هو محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الإمام الحافظ، محدث الإسلام من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا، ت: ٣٩٥هـ. انظر: السير (١٧/ ٢٨ـ ٤٣) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٦)، وانظر: الإيمان له (١/ ٣٣١ـ ٣٣٢)
[ ٢٢٠ ]
مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، وبقوله ﴿.. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٢ مع قوله: ﴿.. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٣، ففي هذين الدليلين سوّى الله تعالى بين اسم الإسلام واسم الإيمان فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم، وأن من استحق أحد الاسمين فقد استحق الآخر ٤.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٥، والذي يدل بظاهره على الفرق بينهما، بأن الإسلام المذكور ليس على الحقيقة، وإنما كان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وكذا أجابوا على كل دليل ظاهره الفرق ٦.
القول الثاني: التباين: فقال فريق من أهل العلم أن الإسلام يباين الإيمان ويفترق عنه، وممن قال به: الزهري ٧ وحماد بن زيد ٨ وأحمد بن حنبل، ومن التابعين: الحسن ومحمد بن سيرين ٩ ومن الصحابة عبد الله بن عباس ١٠، واستدل هؤلاء بآية الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١١ على أن الإيمان المنفي هو الإيمان الكامل الذي يمدح
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: الآيتان (٣٥ و٣٦) ٢ سورة البقرة: الآية (١٣٧) ٣ سورة آل عمران: الآية (٢٠) ٤ انظر: ابن منده: الإيمان (١/٣٣٢) ٥ سورة الحجرات: الآية (١٤) ٦ انظر: البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.. (١/ ٩٩) ٧ هو محمد بن مسلم بن شهاب القرشي الفقيه الحافظ، الإمام العلم، متفق على جلالته وحفظه، ت: ١٢٤هـ. السير (٥/٣٢٦) (والتقريب: ٨٩٦) ٨ حماد بن زيد بن درهم، ثقة ثبت فقيه مات ١٧٩هـ (تقريب: ٢٦٨) ٩ هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر: تقة عابد كبير القدر، ت: ١١٠هـ (تقريب: ٨٥٣) ١٠ انظر: ابن منده: الإيمان (١/ ٣٢١) وابن رجب: جامع العلوم والحكم (ص: ٢٦ـ ٢٧) ط. الحلبي بمصر، الرابعة ١٣٩٣هـ ١١ سورة الحجرات الآية (١٤)
[ ٢٢١ ]
به ١. وبحديث سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﷺ أعطى رجلًا ولم يعطِ رجلًا منهم شيئًا فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا - وهو مؤمن - فقال رسول الله ﷺ أو مسلم.." ٢.
القول الثالث: وفي الحقيقة إن هذا القول يجمع بين القولين اللذين قبله وهو الذي تجتمع عليه النصوص، وملخصه: أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا مع افتراق اسميهما كالروح والبدن، ليس أحدهما الآخر وإن كان لا يوجد بدن حي إلا مع روح، فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن أحدهما هو الآخر، فإسلام المنافقين كالبدن الميت جسد بلا روح ٣، كإسلام الأعراب في آية الحجرات.
وعلى هذا الرأي الأخير مشى رشيد رضا، فإنه قرر أولًا تباين مسمى "الإسلام" و" الإيمان" ففسر الإيمان بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" ٤. وفسر الإسلام بما جاء في الحديث نفسه من الأعمال أو الأركان الخمسة ٥.
وقال رشيد رضا: ".. الصواب أن مفهومي الإسلام والإيمان في اللغة متباينان، فالإسلام الدخول في السلم وهو يطلق على ضد الحرب وعلى السلامة والخلوص وعلى الانقياد.. والإيمان التصديق ويكون بالقلب.. ويكون باللسان.." ٦.
ولكن وعلى رغم هذا التباين اللغوي فإن اسم الإيمان والإسلام يتواردان على معنى واحد. هذا ما يقرره الشيخ رشيد بعد أن يبين المعنى القرآني للإيمان والإسلام فيقول: "وقد أطلق كل من الإيمان والإسلام في
_________________
(١) ١ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٣٤٩) ٢ رواه البخاري: الصحيح. ك: الإيمان: باب: إذا لم يكن الإيمان على الحقيقة.. ح: ٢٧ (١/ ٩٩) ٣ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ٣٥٠ـ ٣٥١) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: سؤال جبريل.. ح: ٥٠ (١/١٤٠) ٥ انظر: مجلة المنار (١٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣) ٦ تفسير المنار (٣/ ٣٥٩)
[ ٢٢٢ ]
القرآن على إيمان خاص جُعل هو المنجي عند الله تعالى، وإسلام خاص هو دينه المقبول عنده. أما الأول فهو التصديق اليقيني بوحدانية الله وكماله وبالوحي والرسل وباليوم الآخر بحيث يكون له السلطان على الإرادة والوجدان فيترتب عليه العمل الصالح. ولذلك قال بعد نفي دخول الإيمان في قلوب أولئك الأعراب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١، وأما الثاني فهو الإخلاص له تعالى في التوحيد والعبادة والانقياد.." ٢.وبعد هذا التمهيد يصل إلى الرأي الذي يجمع به بين نصوص الكتاب فيقول: "فالإيمان والإسلام على هذا يتواردان على حقيقة واحدة يتناولها كل واحد منهما باعتبار، ولذلك عدا شيئًا واحدًا في الآيات التي ذكرت ٣ آنفًا وفي قوله تعالى بعد ما ذكر عن إيمان الأعراب وإسلامهم في (٤٩/١٥) ٤ ثم بيان حقيقة الإيمان الصادق: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥ فهذا هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح وهما المطلوبان لأجل السعادة.." ٦.
إذن فالإيمان والإسلام - عند رشيد رضا - وإن كانا متباينين في التعريف اللغوي، وكذلك المعنى الشرعي إلا أنهما يتواردان على معنى واحد هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح المقبول عند الله تعالى، لأنه - عند الله تعالى - لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان - ٧. ولذلك
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية (١٥) ٢ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ٣ يريد قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ وبقوله بعدها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ آل عمران (٧٨ ـ٧٩)، وآيات الحجرات كذلك. انظر: تفسير المنار (٣/ ٣٥٦) ٤ سورة الحجرات، الآية (١٤ و١٥) ٥ سورة الحجرات، الآية (١٦) ٦ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ٧ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ١٧٧ وص: ٢٢٥)، وخليل هراس: شرح الواسطية (ص: ٢٣٦) ط. دار الهجرة، الثالثة ١٤١٥هـ.
[ ٢٢٣ ]
فإن رشيد رضا يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ أي: "أنقذنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية" ٢ أي أنه ليس على الحقيقة المقبولة عند الله تعالى والتي تتوارد مع اسم الإيمان باعتبارهما الإسلام الصحيح والإيمان الصادق. وعلى ذلك يكون رشيد رضا قد جمع بين الآيات التي تثبت إسلامًا بلا إيمان والآيات التي تعتبرهما حقيقة واحدة.
ويرى رشيد رضا أنه كما يطلق اسم الإسلام في القرآن على ما ليس على الحقيقة فكذلك اسم الإيمان قد يطلق على مجرد الدعوى الظاهرة، فيقول: "وقد يطلق كل من الإيمان والإسلام على ما يكون منهما ظاهرًا سواء كان ذلك عن يقين أو عن جهل ونفاق. فمن الأول: الشق الأول من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية ٣ فالمراد بالذين آمنوا في أول الآية الذين صدقوا بهذا الدين في الظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ ألخ هو الإيمان الحقيقي الذي عليه مدار النجاةومن الثاني قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤ أي: دخلنا في السلم الذي هو مسالمة المؤمنين بعد أن كنا حربًا لهم، وليس معناه الإخلاص والانقياد مع الإذعان وإلا لما نفى عنهم إيمان القلب. وهذا هو التحقيق في المسألة ولله الحمد.." ٥.
والذي أراه أن الشيخ رشيد قد أصاب كبد الحقيقة وهذا من تحقيقاته الدقيقة ﵀ التي وافق فيها مذهب السلف.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية (١٤) ٢ تفسير المنار (٢/ ٢٥٤) ٣ سورة البقرة، الآية (٦٢) ٤ سورة الحجرات، الآية (١٤) ٥ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ولا بد أن رشيد رضا قد استفاد في هذا التحقيق من السفاريني الذي نقل كلام شيخ الإسلام. انظر: السفاريني: لوامع الأنوار (١/٣٦٨) وما بعدها، ط. المنار. وقارن مع ابن تيمية: الإيمان (ص: ٢٢٥) وما بعدها. وانظر أيضًا (ص: ١٥٢ و١٧٧و ٢٤٠)
[ ٢٢٤ ]
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه
نطقت آيات الكتاب العزيز بزيادة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١ وقال: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ ٢ وتدل هذه لآيات أيضًا على النقصان لأن ما زاد كان قبل الزيادة ناقصًا، وكل ما كان قابلًا للزيادة فهو قابل للنقصان.
وهذا القول - زيادة الإيمان ونقصانه - هو قول أهل السنة والجماعة، ويروى عن الصحابة، فقد قال أبو هريرة: "الإيمان يزداد وينقص" ٣، وقال عمر ابن حبيب ٤: "الإيمان يزيد وينقص" ٥، وممن قال به من الأئمة: مالك ٦، والشافعي ٧، وأحمد ٨، وهو قول الثوري وابن عيينة ٩ وابن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (٢) ٢ سورة آل عمران، الآية (١٨٣) ٣ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١١١)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣١٤) ٤ أبو حفص القاضي القاصّ المكي نزيل اليمن، ثقة حافظ. التقريب (ص٤١٠ـ عوامة) . ٥ انظر: ابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٢٠)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣١٥) وعمر بن حبيب: ٦ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١١٧) ٧ انظر: البيهقي: مناقب الشافعي (١/ ٣٨٥) ٨ عبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣٠٧) ٩ هو سفيان بن عيينة: ابن أبي عمران، الإمام الكبير حافظ عصره أبو محمد الهلالي، الكوفي، ولد سنة ١٠٧هـ وتوفي سنة ١٩٨هـ وله ٩١سنة. السير (٨/٤٥٤)
[ ٢٢٥ ]
جريج ووكيع ١ ٢ والبخاري ٣ وقد لقي أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار كلهم متفقون على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ٤.
فأهل السنة متفقون على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
رأي الشيخ رشيد:
ولقد قرر الشيخ رشيد مذهب أهل السنة في ذلك، فيبين في أكثر من موضع أن الإيمان يزيد وينقص واستدل على ذلك بآيات القرآن المصرحة بذلك، وبالأحاديث الصحيحة المشيرة إلى هذا المعنى.
فعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥ قال: "أي: إذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه ﷺ زادتهم إيمانًا أي: يقينًا في الإذعان وقوة في الاطمئنان، وسعة في العرفان، ونشاطًا في الأعمال، ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه" ٦.
ويستدل الشيخ رشيد بالسنة على هذا فيقول: "وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحيهما شواهد صريحة في ذلك ومن أهمها أحاديث أقل الإيمان المنجى في الآخرة ٧ وحديث "الإيمان بضعة
_________________
(١) ١ هو ابن الجراح بن مليح، كان من بحور العلم، وأئمة الحفظ، ولد سنة ١٢٩هـ وتوفي آخر سنة ١٩٦هـ. السير (٩/١٤٠) ٢ انظر: الآجري: الشريعة (ص:١١٧)، وأبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٤)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/٣١٠ - ٣١١) ٣ انظر: الصحيح: ك: الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٢٧) مع الفتح. ٤ انظر: اللالكائي: شرح الأصول (١/ ١٩٣)، وصحيح البخاري: ك: الإيمان، باب: قول النبي "بني الإسلام على خمس"، وانظر أيضًا: فتح الباري (١/ ٦١) ط. الريان. ٥ سورة الأنفال، الآية (٢) ٦ تفسير المنار (٩/ ٥٩٠) ٧ يعني حديث "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.." انظر: البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب (١٥): تفاضل أهل الإيمان، ح: ٢٢ (١/ ٩١ مع الفتح) وأيضًا: ح: ٤٤ (١/١٢٧)
[ ٢٢٦ ]
وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ١، ولهذا حمل الناس زيادة الإيمان على زيادة العمل اللازم له، وبعضهم على زيادة ما يتعلق به الإيمان الذي فسروه بالتصديق القطعي، والحق أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضًا، فإن إبراهيم ﷺ كان مؤمنًا بإحياء الله للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييهم ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالًا" ٣.
والذي ذهب إليه الشيخ رشيد من أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص هو الحق، وهو ما يشعر به كل فرد من نفسه. "فمن يقول إن الإيمان النفسي لا يزيد ولا ينقص فقد نظر إلى الاصطلاحات اللفظية لا إلى نفسه في إدراكها وشعورها وقوتها في الإذعان وضعفها" ٤.
ويبين الشيخ رشيد بعض أوجه هذه الزيادة، وهي العلم التفصيلي، فمن كان علمه تفصيليًا كان إيمانه أشد ممن عنده علم إجمالي. وضرب الشيخ لذلك مثالين:
الأول: الإيمان بتوحيد الله تعالى فهو لا يكمل إلا بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله.
الثاني: الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بالمعلومات وحكمته التي قام بها نظام الأرض والسماوات، علمًا إجماليًا، لا يوزن إيمانه بإيمان ذي العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات وعجائب صنعه فيها ٥.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: أمور الإيمان، ح: ٩ (١/ ٦٧)، ومسلم: ك: الإيمان، ح: ٣٥ و٥٨ و٥٩ (١/ ٦٣) ٢ سورة البقرة، الآية (٢٦) ٣ تفسير المنار (٩/ ٥٩١) ٤ نفس المصدر (٤/ ٢٤٠)، وانظر: أبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٥) ٥ تفسير المنار (٩/ ٥٩١) وقارن مع ابن تيمية: الإيمان (ص: ٢٢١) وما بعدها.
[ ٢٢٧ ]
قال الشيخ رشيد: "وجملة القول أن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذه الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا لله والرسول إذا دعاهم إلى القتال بعدما أصابهم القرح ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ٢ وعطف التسليم هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل" ٣ يعني أن الزيادة كانت فيما في القلب لا في العمل كما قال بعضهم.
ويكون الشيخ رشيد بذلك قد وافق السلف في مسألة زيادة الإيمان ونقصه، وقد استدل بما استدلوا به من الكتاب والسنة ٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (١٧٣) ٢ سورة الأحزاب، الآية (٢٢) ٣ تفسير المنار (٩/٥٩٢) وانظر أيضًا (٤/ ٢٤٠) وما بعدها و(١١/ ٨٥ - ٨٦) ومجلة المنار (٩/ ١٩٦ - ٢٠٤) ٤ انظر: أبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٤)، وابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٥٠)، وابن تيمية: الإيمان (ص: ٢١٥)
[ ٢٢٨ ]
*
المبحث الرابع: الكبائر
أشارت آيات الكتاب العزيز إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ١ وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "وكيف ينكر أحد انقسام الذنوب إلى كبائر وغير كبائر وقد صرح بذلك القرآن وهو من ذاته بديهي فإن المنهيات أنواع لها أفراد تتفاوت في أنفسها وفي الداعية النفسية التي تسوق إليها" ٣.
وقد ورد في السنة إشارة لبعض هذه الكبائر - في عدة أحاديث - وفي عددها. قال الشيخ رشيد: "أقول: أشهر هذه الأحاديث ما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٤. ومنها أيضًا من
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٣١) ٢ سورة الكهف، الآية (٤٩) ٣ تفسير المنار (٥/ ٤٨) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى..﴾ ح: ٢٧٦٦ (٥/ ٤٦٢ مع الفتح)
[ ٢٢٩ ]
حديث أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس - وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" ١ وكان ﷺ يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة، فلم يرد شيء من ذلك في مقام الحصر والتحديد، ولكن الأحاديث صريحة في إثبات الكبائر ويقابلها الصغائر والظاهر منها أن كبرها في ذواتها وأنفسها لما فيها من المفسدة والضرر، والموبقات أكبر الكبائر.."٢.
وفي ذهاب الشيخ رشيد إلى أن الكبائر وصفت بذلك لشيء في ذاتها، مخالفة لشيخه "محمد عبده" الذي يذهب إلى أن الكبائر هي كذلك بحسب قصد فاعلها، أي لسبب خارجي غير ذاتي ٣.
ويظهر أيضًا من هذا النفي أن الشيخ رشيد يرى أن الكبائر لم تحصر في عدد معين، وكما قال أيضًا: "وقال بعضهم: إن الله تعالى أبهم الكبائر لتجتنب كل المعاصي، فإن عرضت له كل معصية لم يعلم أنها من الكبائر التي يعاقب عليها أو من الصغائر التي يكفرها الله عنه بترك الكبائر، فالاحتياط يقضي عليه بأن يجتنبها.."٤.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح: ك: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، ح: ٢٦٥٤ (٥/ ٤٦٢ مع الفتح) ٢ تفسير المنار (٥/ ٤٧) ٣ انظر: المصدر نفسه (٥/ ٥٠ـ ٥١) ٤ المصدر نفسه (٥/٤٩)
[ ٢٣٠ ]
المطلب الأول: تعريف الكبيرة وحكم مرتكبها:
اختلف العلماء ﵏ في تعريف الكبيرة على أقوال كثيرة تزيد على عشرين قولًا، وأكثرها متقاربة وبعضها ضعيف ٥. وأقرب الأقوال
_________________
(١) ٥ انظر هذه الأقوال عند النووي: شرح مسلم (٢/٨٥ـ٨٧) ط. الريان، وابن القيم: مدارج السالكين (١/٣٢١ـ ٣٢٧)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٤١٧ـ ٤١٨) ط. المكتب الإسلامي، وابن حجر العسقلاني: فتح الباري (١٠/ ٤١٠ـ ٤١١) وابن حجر الهيتمي: الزواجر (١/٥ـ١٠) .
[ ٢٣٠ ]
إلى الصواب هو قول ابن عباس ﵄ أنها: "كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" ١. وممن قال بهذا القول أيضًا: سعيد بن جبير ٢، ومجاهد ٣ والحسن٤، والضحاك ٥، ٦. ورجح شيخ الإسلام هذا القول٧.
وأما الشيخ رشيد فإنه ذكر الأقوال في تعريف الكبيرة ومال إلى أحدها فقال: "..اختلفوا في تعريف الكبيرة فقيل هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل ما نص الكتاب على تحريمه ووجب في جنسه حدّ، وقيل: كل محرم لعينه لا لعارض أو لا لسد الذريعة، وضعفوا هذه الأقوال، وأقوالًا أخرى كثيرة، وقال بعض العلماء: إن الكبائر كل ما توعد الله عليه، قيل: في القرآن، وقيل: وفي الحديث أيضًا، وقال بعضهم:.. إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، وهو قول مقبول قريب من المعقول.." ٨.
وهذا القول وإن كان مقبولًا وجائزًا إلا أنه غير منضبط، والأولى منه هو ما روي عن السلف وقد ذكرته أول البحث.
_________________
(١) ١ الطبري: التفسير (٨/ ٢٤٦) ٢ سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، أبو محمد الحافظ المقرئ المفسر من كبار التابعين قتله الحجاج سنة ٩٥هـ (السير ٤/ ٣٢١ـ ٣٤٣ وتهذيب التهذيب: ٤/ ١١ـ ١٤) ٣ مجاهد بن جبر ثقة إمام في التفسير والعلم صاحب ابن عباس (التقريب: ٩٢١) ٤ الحسن هو البصري: ثقة فقيه فاضل مشهور. توفي ١١٠هـ (تقريب: ٢٣٦) ٥ الضحاك هو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، ت: ١٠٢هـ (الذهبي: السير: ٤/ ٥٩٨، وابن كثير: البداية والنهاية: (٩/ ٢٢٣) ٦ انظر: الطبري: التفسير (٨/٢٤٦) ط. دار المعارف، مصر، ت: محمود وأحمد شاكر. ٧ انظر: مجموع الفتاوى (١١/٦٥٤ـ ٦٥٦) ٨ تفسير المنار (٥/ ٤٩)
[ ٢٣١ ]
المسألة الثانية: حكم مرتكب الكبيرة عند السلف:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن من ارتكب كبيرة - خلا الشرك - ولم يستحلها، فإنه لا يكفر، بل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته - وأن التوبة تجبها - وإن مات مصرًّا عليها فهو في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدرها، ولا يخلد في النار.
قال أحمد:"والكف عن أهل القبلة، ولا نكفر أحدًا منهم بذنب ولا نخرجه من الإسلام" ١،وقال البخاري: "..المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك" ٢.
وقال الطبري: "إن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله" ٣.
المسألة الثالثة: رأي الشيخ رشيد في حكم مرتكب الكبيرة:
يرى الشيخ رشيد أن من قواعد أهل السنة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب خلافًا للخوارج ٤والمعتزلة ٥، وهو في رأيه هذا متبع لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد نقل عنه نصًا طويلًا في شرح هذه القاعدة السلفية، كما نقل عنه حكم المجتهد المخطئ في الأصول والفروع ٦.
_________________
(١) ١ السنة (ص: ٧٢) ت: إسماعيل الأنصاري، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء، بالسعودية. ٢ الصحيح: ك: الإيمان (١/ ١٣) مع الفتح ٣ التفسير (٨/ ٤٥٠) وانظر: ابن تيمية: العقيدة الواسطية (ص:٢٣٣ـ ٢٣٥) مع شرح محمد خليل هراس. ٤ الخوارج: إحدى الفرق المبتدعة، أشغلت الدولة الإسلامية فترة من الزمان، تكفر بالكبيرة. انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٥٤) ومصطفى الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية (ص: ٤١) وغالب العواجي: فرق معاصرة (١/٦٥) ٥ أتباع واصل بن عطاء ويسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، والعدل عندهم إنكار القدر، والتوحيد: إنكار الصفات. انظر: البغدادي الفرق بين الفرق (ص: ٩٣) ومصطفى الغرابي تاريخ الفرق الإسلامية (ص:٤١)، وغالب العواجي: فرق معاصرة (٢/٨٢١) ٦ انظر: مجلة المنار (٢٢/ ١٢١)، وانظر: شيخ الإسلام في: منهاج السنة (٥/ ٨١) وما بعدها.
[ ٢٣٢ ]
فقد ذكر الشيخ رشيد هذه القاعدة " لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب" وقال: "هذه القاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة الذين يصدق عليهم هذا القول - لا من يسمون أنفسهم بهذا الاسم ليتميزوا من المعروفين بأسماء أخرى.." ١. ونقل عن شيخ الإسلام أن ذلك مبني على مسألتين:
" إحداهما: أن الذنب لا يوجب كفر صاحبه كما تقوله الخوارج، بل ولا تخليده في النار ومنع الشفاعة فيه كما تقوله المعتزلة.
الثانية: أن المتأول الذي قصد متابعة الرسول ﷺ لا يكفر، ولا يفسق إذا اجتهد وأخطأ.. ٢.
وعند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، قال: "..ومهما أذنب الموحدون فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، وظلمتها لا تعم قلوبهم، لأنهم بتوحيد الله ومعرفته وعز الإيمان ورفعته يغلب خيرهم على شرهم، ولا يطول الأمد في غفلتهم عن ربهم، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤ يسرعون إلى التوبة، واتباع الحسنة السيئة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فإذا ذهب أثر السيئة من النفس كان ذلك هو الغفران، فكل سيئات الموحدين قابلة للمغفرة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سنته.. وأما سنته تعالى فيما لا يغفره من الذنوب فتظهر من المقابلة وتلك هي الذنوب التي لا يتوب منها صاحبها ولا يتبعها بالحسنات" ٥.
ولكن المذنب الذي لا يتوب من ذنبه ويموت عليه هو في مشيئة الله
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٢/ ١٢١)، وانظر: العقيدة الواسطية (ص: ٢٣٣) ٢ مجلة المنار نفس الصفحة. ٣ سورة النساء، الآية (٤٨، ١١٦) ٤ سورة الأعراف، الآية (٢٠١) ٥ تفسير المنار (٥/ ١٤٩ - ١٥٠)
[ ٢٣٣ ]
تعالى، كما ذكرت عن أهل السنة، وكما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو ما يحكيه الشيخ رشيد عن أهل السنة الذين يقولون: "إنه لا يخلد في النار إلا من مات كافرًا وأما من مات عاصيًا فأمره إلى الله وهو بين أمرين: إما أن يعفو الله عنه ويغفر له، وإما أن يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ٢". وهذا القول هو في مقابل قول المعتزلة ومن على رأيهم، "وهؤلاء يقولون: إن مرتكب المعصية القطعية الكبيرة يخلد في النار" ٣.
واحتجت المعتزلة على مذهبها بآيات منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ ٤. قال الشيخ رشيد عندها: "قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: واستدلت المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة حتى كأنها لم تعمل، وأجيب عن الآية بأن المراد بها لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يُحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة.." ٥. ثم قال الشيخ رشيد: "والذي تزعمه المعتزلة هو ان ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه.." ٦.
وبيّن الشيخ رشيد اضطراب أصحاب المذاهب والمقالات في فهم قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فقال:"وقد اضطرب في فهم الآية على بلاغتها وظهورها أصحاب المقالات والمذاهب الذين جعلوا القرآن عضين فلم يأخذوا بجملته ويفسروا بعضه
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٤٨، ١١٦) ٢ تفسير المنار (٤/ ٤٣٢) ٣ نفس المصدر والصفحة. ٤ سورة البقرة، الآية (٢٦٤) ٥ تفسير المنار (٣/ ٦٥) ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٢٣٤ ]
المطلب الثاني: التكفير:
التكفير بما دون الشرك من الذنوب هو مذهب الخوارج ٣.
وقد لاحظ الشيخ رشيد أن المتأخرين قد تجرأوا على التكفير بما لا يكفر، وحتى بعض المصنفين قد زادوا من هذه الجرأة لدى الناس على تكفير من يخالف مذهبهم ٤، ويقرر الشيخ رشيد أن - بدعة التكفير قد أحدثها غلاة المبتدعة بتكفيرهم من يخالف بدعتهم وأن مما امتاز به أهل
_________________
(١) ٣ انظر: الأشعري: المقالات (١/١٦٨) ط. المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١١هـ ت: محيي الدين عبد الحميد. ٤ انظر: مجلة المنار (٣٤/ ٣٥٧) والتفسير (١/ ١٣٩ - ١٤٠)
[ ٢٣٥ ]
السنة عدم "تكفير أحد من اهل القبلة" وقد اشتهر أن العمدة عندهم في التكفير هو جحود شيء مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة ممن نشأ بين المسلمين ولم يكن حديث عهد بالإسلام، أي يجحده عالمًا به أو جاهلًا غير معذور بجهله، واشترطوا أيضًا أن يكون غير متأول، فإن من جحد ذلك الشيء بتأويل ظهر له لا يكون كافرًا.." ١.
ويفصل الشيخ رشيد هذه المسألة ويبين ما يُكفِّر وما لا يُكفِّر، فيقول: "فالمعنى العام الجامع لكل ما ينافي ملة الإسلام هو تكذيب رسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس أو تكذيب شيء مما علم المكذب أنه جاء من أمر الدين، وهو قسمان: الأول: المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، ككون القرآن كلام الله تعالى، وتوحيد الله وتنزيهه عن النقص والولد والشريك في تدبير الكون أو العبادة كالدعاء والذبح والنذر له ألخ. وكون محمد هوخاتم النبيين.. فهذا لا يعذر أحد بجهله إلا من كان حديث العهد بالإسلام لم يمض عليه زمن كاف لتعلم هذه الضروريات منه، ومن كان في حكمه كرجل أسلم في مكان أو بلد ليس فيه من المسلمين من يعلمه ذلك كله وطال عليه الزمن، وهو لا يعلم أن عليه واجبات أخرى ولا أنه يجب عليه الهجرة مثلًا.
والقسم الثاني: ما كان غير مجمع عليه أو مجمعًا عليه غير معلوم من الدين بالضرورة كبعض محرمات النكاح وأحكام المواريث مثلًا مما لا يعرفه إلا العلماء فهذا يعذر من جهله، فإن علم شيئًا منه أنه من دين الله قطعًا صار حكمه حكم القسم الأول بالنسبة إليه.."٢.
ومن هذا النص الطويل يظهر أن الشيخ رشيد يذهب إلى أن العذر بالجهل يكون لحديثي العهد بالإسلام، أما من يعيش بين المسلمين وولد لأبوين مسلمين فإنه لا يعذر لجهله بالتوحيد ووقوعه في الشرك إذ أن ذلك هو أصل دين الإسلام.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٤/ ٦٢٥) . ٢ مجلة المنار (٣٤/ ٣٥٧)
[ ٢٣٦ ]
ويرى الشيخ أيضًا العذر بالتأويل فهو كما يقول: لا يكفر "أحدًا بخصوصه ما لم أر أو أسمع منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح بالتصريح الذي لا يحتمل التأويل.." ١. وكما يظهر أيضًا من قوله: "فإن من جحد ذلك الشيء بتأويل ظهر له لا يكون كافرًا" وكما أنه ليس كل جهل عذرًا فليس كل تأويل عذرًا كذلك.
والشيخ رشيد في موقفه هذا متأثر بعلماء الدعوة في نجد فإنه في ذهابه إلى الاحتياط في التكفير بما لا يكفر، مع تكفيره من أشرك بالله وهو في دار الإسلام، يتبع في الحقيقة علماء نجد الموحدين، وقد نشر رسائل لبعضهم وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إمام نجد في عصره، وقال: "ومنها يعلم ما عليه علماء نجد في مسألة تكفير المخالفين واحتياطهم فيها" ٢.
ومن هذا الاحتياط والتثبت ننتقل إلى فتوى الشيخ رشيد في نازلة حادثة، وهي: التجنس بجنسية غير إسلامية، وقد أفتى فيها الشيخ بالكفر والردة.
المسألة الأولى: التجنس:
التجنس نازلة من النوازل أي من الحوادث التي لم تكن على عهد السلف، وقد وقع ما يشبه حكمها في الأندلس ثم في بلاد نجد ثم وقعت في العصر الحديث ودار حولها الجدل ٣.
وأما معنى التجنس لغة: فالجنس هو كل ضرب من الشيء، فالبُر مثلًا جنس من أجناس الحبوب، ويجمع على أجناس وجنوس. والجنس أعم من
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢/ ٤٦٢) ٢ انظر: مجلة المنار (٢٧/ ٥٠٥ و٥٨٥ وأيضًا ٣٢/ ٥٤٥) والرسالة المشار إليها: في الدرر السنية (١/ ٤٦٦) وما بعدها. ٣ محمد بن عبد الله السبيل: مجلة المجمع الفقهي (٢/ ٤/١٠٣)، والشاذلي النيفر: المصدر نفسه (٢/ ٤/ ١٩٧)
[ ٢٣٧ ]
النوع، فالحيوان جنس والإنسان نوع منه ١.
ويطلق الجنس في اصطلاح عصري على نوع بشري خاص يقابله نوع آخر لكل منهما مميزات خاصة عرقية أو اجتماعية تفرق بين صنف وصنف. وبناءً على ذلك: فالجنسية هي الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة.. مثل تونسي أو عربي.
فالجنسية هي هوية قانونية لكل دولة ٢، وتكتسب هذه الهوية إما بالأصالة كالنسب والولادة، أو بالاكتساب الناشئ عن طلب التجنس ٣، والتجنس هو: طلب انتساب إنسان إلى جنسية دولة من الدول، وموافقتها على قبوله في عداد رعاياها، وينشأ عن ذلك التجنس خضوع المتجنس لقوانين الدولة التي تجنس بجنسيتها وقبوله لها طوعًا أو كرهًا والتزام الدفاع عنها في حال الحرب، بما أنه أصبح أحد مواطنيها، ويترتب على تجنسه خضوعه لنظام هذه الدولة في المواريث وسائر الأحكام ٤.
والتعريف القانوني للجنسية هو أنها "رابطة سياسية وقانونية تنشئها الدولة بقرار منها تجعل الفرد تابعًا لها أي: عضوًا فيها" ٥، والفرق - عند القانونيين - بين الجنسية - بمعناها الاصطلاحي - والجنس هو أن الجنسية تفيد انتساب الشخص إلى دولة معينة - وهو انتساب سياسي قانوني كما سبق - أما الجنس فيفيد انتساب الشخص إلى سلالة بشرية معينة ٦.
والجنسية علاقة تعاقدية بين الدولة والفرد، فعلى الدولة واجب حماية
_________________
(١) ١ محمد الشاذلي النيفر: المصدر السابق والصفحة. ٢ محمد الشاذلي النيفر: المصدر السابق (٢/ ٤/ ١٧١) ٣ أ. د. صوفي أبو طالب: الوجيز في القانون الدولي الخاص (ص: ١٦١) ط. دار النهضة العربية، بيروت ١٩٧٢م. ٤ انظر: محمد الشاذلي النيفر: المصدر السابق (٢/ ٤/١٦٩) وصوفي أبو طالب: الوجيز (ص: ٦٧) ٥ د. صوفي أبو طالب: المصدر السابق (ص: ٦٧) ٦ المصدر نفسه (ص: ٧٠)
[ ٢٣٨ ]
الأفراد الداخلية تحت جنسيتها، وعلى الأفراد - في مقابل ذلك واجب الطاعة واحترام القوانين، والمساهمة في التكاليف العامة التي تفرضها الدولة، كالخدمة العسكرية ودفع الضرائب، ويكون تعبير الأفراد عن إرادتهم في هذا العقد صريحًا فيما إذا طلب الفرد جنسية دولة ما، وقد يكون ضمنيًا في حالة سكوته عندما تعرض عليه الجنسية بخيار الرد "لأن السكوت في معرض الحاجة بيان" وقد يكون التعبير مفترضًا كما في حالة عديمي الإرادة كالطفل ١.
ولأن الجنسية بناءً على ما سبق تفرض على الفرد أن يلتزم أحكام دولة جنسيته فقد أفتى الشيخ رشيد وآخرون بأن الداخل تحت جنسية غير إسلامية كفرنسا وغيرها هو كافر كفر ردة، خارج عن الملة ولا يدفن في مقابر المسلمين ٢. وزاد الشيخ رشيد على غيره من المتقدمين أنه بنى على ذلك أصلًا في مسألة استحلال الحرام، فإن الشيخ يرى أن من فَعَل الحرام فِعْل الحلال والمباح أي بغير حرج ولا مبالاة، وهو يعتقد أنه حرام شرعًا ولو لم يكن مجمعًا عليه، فإن كان المستحل متأولًا بنص أو قاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعًا لم يحكم بردته وإلا كان مرتدًا ٣. وهذا التأصيل في الحقيقة هو أكبر من أصل المسألة - مسألة التجنس - لذا فإنني سأناقش المسألتين كلًاّ على حدة.
مستند الشيخ رشيد في كفر المتجنس:
استند الشيخ رشيد في حكمه على المتجنس بالكفر إلى أن "قبول المسلم لجنسية ذات أحكام مخالفة لشريعة الإسلام خروج من الإسلام فإنه ردّ له، وتفضيل لشريعة الجنسية الجديدة على شريعته، ويكفي في هذا أن يكون عالمًا بكون تلك الأحكام التي آثر غيرها عليها هي أحكام الإسلام "٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٨٤ - ٨٥) ٢ مجلة المنار (٢٥/ ٢٨) وأيضًا (٣٣/ ٢٢٤ و٣٤/ ٣٥٧) ٣ المصدر نفسه (٢٥/٢٤) ٤ المصدر نفسه (٢٥/ ٢٧)
[ ٢٣٩ ]
وأيضًا:"..إن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك جنسية يتبدل أحكامها بأحكام القرآن فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان، فلا يعامل معاملة المسلمين، وإذا وقع من أهل بلد أو قبيلة وجب قتالهم عليه حتى يرجعوا.." ١.
واستدل الشيخ رشيد من القرآن بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ٢. قال الشيخ رشيد: "الطاغوت مصدر الطغيان ومثاره، ويدخل فيه كل ما خالف ما أنزله الله، وما حكم به رسول ﷺ فإنه جعل مقابلًا له هنا وفي آيات أخرى، ومنه بعض أحكام القانون الفرنسي كإباحة الزنا والربا، دع ما يستلزمه اتباع أي جنسية سياسية غير إسلامية من قتال المسلمين وسلب بلادهم منهم.." ٣.
والشيخ رشيد لا يفرق هنا بين حالة وحالة مع أنه فرق في الحكم بغير ما أنزل الله، وعذر هناك بالإكراه والاضطرار، ولم ير أن الشخص في مسألة الجنسية يكون مضطرًا ولا يكون مختارًا ٤ وهذا لا يسلم له.
كما ذكرت - قبلًا - أن آخرين معاصرين للشيخ أفتوا بمثل ما أفتى به منهم الشيخ علي محفوظ ٥، والشيخ يوسف الدجوي ٦، واستندوا إلى مثل ما استند إليه الشيخ رشيد ٧.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢٥/ ٢٩) ٢ سورة النساء، الآية (٦٠) ٣ مجلة المنار (٢٥/ ٢٧) ٤ المصدر نفسه (٢٥/٢٨) ٥ من كبار علماء الأزهر: فقيه واعظ، له مؤلفات. الأعلام (٤/٣٢٣) ومعجم المؤلفين (٧/١٧٥) ٦ مدرس من علماء الأزهر: فقيه مالكي، مفتي مجلة الأزهر، له مؤلفات. الأعلام (٨/٢١٦) ومعجم المؤلفين (١٣/٢٧٢) ٧ انظر: مجلة المجمع الفقهي (٢/ ٤/ ١٤٩و١٥٥)
[ ٢٤٠ ]
وإذا كان "التجنس بجنسية دولة غير إسلامية" نازلة من النوازل، فإننا - مع ذلك - لا بدّ أن نجد لها حكمًا في كتاب الله - وكما يقول الشافعي ﵀ "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" ١. فيقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
حكم التجنس:
في ضوء الآية السابقة لا نستطيع أن نعطي المتجنسين بجنسيات الكفر حكمًا واحدًا، لأن حال المكره أو المضطر غير حال الراضي أو المختار، فمن المسلمين من دخل في جنسيات الكفر مكرهًا غير راضٍ بها كحال المسلمين الذين دخلوا في حكم الاتحاد السوفياتي قسريًا، وكالذين يفرون من الموت في دار الخوف إلى دار الأمان فرارًا بدينهم وأرواحهم، فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يختارون هذه الجنسية حبًا لها ورضى بها، وتفضيلًا لقانونها على شريعة الإسلام ٣.
ولقد سلك الشيخ رشيد هذا المسلك في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ففرق بين حال الاختيار وحال الاضطرار، وهما من باب واحد أي الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم، فليكن الأمر هنا كذلك، طردًا للباب
_________________
(١) ١ الشافعي: الرسالة (ص:٢٠) ط. دار الكتب العلمية. بيروت/ ت: أحمد شاكر. ٢ سورة النحل، الآيات (١٠٦ـ ١١٠) ٣ انظر: محمد بن عبد الله السبيل: مجلة المجمع الفقهي (٢/٤/ ١٦٤) ومحمد الشاذلي النيفر: المصدر نفسه (٢/٤/٢٣٧)
[ ٢٤١ ]
وعملًا بأدلة الكتاب والسنة التي تقرن بين الحالين وتجيز للمضطر والمكره ما لا تجيز للراضي المختار ١.
وفي كل حال هناك أمور لا تجوز بحال كقتال المسلمين في صفوف الجنسية الجديدة، فإن قتل المسلم لا مندوحة فيه بحال ٢.
وعلى هذا تحمل فتاوى المتقدمين ٣.
المسألة الثانية: الاستحلال:
بعد بيان حكم "التجنس" قعّد الشيخ رشيد رضا قاعدة بناها على حكم التجنس، وهي قاعدة "الاستحلال العملي" لقد أشار رشيد رضا إلى قاعدة أهل السنة وما أجمعوا عليه من عدم التكفير بالمعاصي العملية إذا لم تجحد أو تستحل وإن كانت مجمعًا عليها من الدين بالضرورة ٤. وأشار في ذلك إلى قول صاحب الجوهرة: فلا نكفر مسلمًا بالوزر ٥.
كما أشار أيضًا إلى قوله:
" ومن لمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفرًا ليس حد" ٦
ثم قال: "فإن هذه القاعدة وقع فيها اللبس والاشتباه حتى بين المشتغلين بالعلم، وفي أحد فروعها وهو استحلال الحرام فإنه إذا كان من المجمع عليه من الدين بالضرورة كان ردة بلا خلاف، ولكن بعض المشتغلين بقشور العلم والمجادلين في ألفاظ الكتب من يظنون أن الجحد والاستحلال من أعمال القلب فجاحد الصلاة ومستحل شرب الخمر والزنا عندهم هو من يعتقد أن وجوب الصلاة وتحريم الخمر والزنا ليسا من دين الإسلام، فلا الصلاة فريضة
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٢٥/ ٢٨) وأيضًا (٧/ ٥٧٧) والتفسير (٦/ ٤٠٥) ٢ محمد الشاذلي النيفر: المصدر السابق (٢/٤/ ٣٣٢ـ ٣٣٣) ٣ انظر: محمد بن عبد الله السبيل: المصدر السابق (٢/٤/١٣٥) والشاذلي النيفر: المصدر نفسه (٢/ ٤/ ١٩٧) . ٤ انظر: مجلة المنار (٢٥/ ٢٣) ٥ انظر: جوهرة التوحيد (مع شرح البيجوري) (ص: ٢٢٨) ٦ المصدر السابق (ص:٢٤٢)
[ ٢٤٢ ]
ولا الزنا حرام. وفي هذا الظن من التناقض والتهافت ما هو صريح، فإن فرض المسألة: أن الذي يستحل مخالفة ما يعلم أنه من الدين علمًا ضروريًا غير قابل للتأويل سواء كان فعلًا أو تركًا يكون به مرتدًا عن الإسلام، والعلم: الاعتقاد القطعي، فكيف يفسر الاستحلال بعدم الاعتقاد، وهو جمع بين النقيضين" ١. ثم قال معرفًا الجحد: " إن حقيقة الجحد هو إنكار الحق بالفعل، واشترط أن يكون المنكر معتقدًا له بالقلب.. قال الراغب في مفردات القرآن ٢ الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جحد جحودًا وجحدًا، قال عزوجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٣، وحسبنا الآية نصًا في الموضوع.." ٤. ثم قال: " وكذلك الاستحلال أو الاستباحة أن يفعل الشيء فعل الحلال والمباح أي بغير حرج ولا مبالاة وهو يعتقد أنه حرام شرعًا ولو لم يكن مجمعًا عليه، فإن كان المستحل متأولًا لنص أو قاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعًالم يحكم بردته، وإلا كان مرتدًا، ويصدق في ادعائه الجهل بحرمته إلا إذا كان مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة" ٥.
ثم وجه رشيد رضا حكمه هذا بقوله:"والوجه في ذلك أن الإسلام هو الإذعان بالفعل لما علم أنه من دين الله في جملته هو الإيمان، إذا الاعتقاد القلبي وحده لا يكون به المعتقد مسلمًا ولا يكون الاعتقاد إيمانًا حتى يكون نازعًا، ولهذا قالوا بترادف الإيمان والإسلام فيما يصدقان عليه وإن اختلفا في المفهوم.."٦.
هذا هو تصوير مذهب الشيخ رشيد رضا في هذه المسألة، وخلاصته: أنه يكفر من فعل المعاصي واستحلها عملًا بها وإن كان يعتقد أنها محرمة
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٥/٢٣ـ ٢٤) ٢ المفردات (ص: ١٨٧) ٣ سورة النحل: الآية (١٤) ٤ مجلة المنار (٢٥/٢٤) ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٢٤٣ ]
في الشرع، واحتج بآية سورة النحل وبمذهب من جعل الإيمان والإسلام يتواردان على حقيقة واحدة، وإن اختلف مفهومهما، أما الآية: فمعناها أنهم جحدوا بالآيات في ظاهر الأمر ظلمًا من أنفسهم وعلوًا واستكبارًا عن اتباع الحق، ولم يقروا بها والحال أنهم تيقنوا أنها من عند الله ١. أي أنهم رفضوا الدخول في الإيمان أصلًا لهذا السبب.
وأما القياس الذي ذهب رشيد رضا من الاتفاق على كفر من جحد معلومًا من الدين بالضرورة، فهو كما قال: متفق عليه ٢، ولكن قياسه ذلك غير صحيح فإنه قياس مع الفارق بين المستحل وغيره، فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تابعة لها، فمعنى "يستحله": لا بد أن يضمن معنى يعتقده أو نحو ذلك، والاعتقاد والاستحلال بهذا المعنى لا يعرف من الشخص بمجرد العمل، فإن العاملَين قد يكونا فعلا المعصية الواحدة ولكل واحد منهما حكم، باعتبار الاستحلال وعدمه. فمعتقد حل الزنا يكفر ولو لم يزنِ. والزاني لا يكفر بزناه وإن تكرر ما لم يستحله، والاستحلال لا يعرف بمجرد الفعل ولا بد في معرفته من أن يعرب عنه لسانه ٣. ولا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا ٤.
_________________
(١) ١ انظر: الزجاج: معاني القرآن (٤/١١١٤) ط. عالم الكتب، الأولى ١٤٠٨هـ، وابن كثير: التفسير (٣/٣٤٥)، وأبو السعود: إرشاد العقل السليم (٦/ ٢٧٥) ط. دار إحياء التراث، بيروت. والجمل: الفتوحات الإلهية (٣/ ٣٠١) ط. دار إحياء التراث، بيروت، وصديق حسن خان: فتح البيان (٧/ ٧١) ٢ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٥) ٣ استفدت هذا من مناقشة مع فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد وابنه وتلميذه أستاذي الدكتور عبد الرزاق العباد. وانظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٣١٧) ٤ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٣١٦ - ٣١٧)
[ ٢٤٤ ]
المسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله:
لم يتبع رشيد رضا في هذه المسألة أسلوب التعميم كما فعل في مسألة "التجنس" بل إنه هنا فصل تفصيلًا. وقبل أن أبين مذهب رشيد رضا في هذه المسألة، أود أن أشير إلى ملاحظة تتعلق بمسألتنا، وبغيرها من مسائل هذا الباب، وهي مسألة الأسماء كالكفر والظلم والفسق وتحديد معانيها ومدلولاتها. يرى رشيد رضا أن هذه الأسماء الثلاثة تتوارد على حقيقة واحدة في كتاب الله كما أنها ترد بمعاني مختلفة. بينما اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين الله الحق، دون لفظي الظلم والفسق. وإن كان القرآن يطلق لفظ الكفر على ما ليس بكفر في اصطلاحهم كما أنه يطلق لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم ١. كما أنه يشير إلى أن لفظ الفسق هو أعم هذه الألفاظ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس ٢.
وفيما يتعلق بمسألتنا يتحدث رشيد رضا عن الآيات التي هي الأصل فيها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣. فيقول إن هذا الكلمات الثلاث "وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء. ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملًا على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثرًا لغيره عليه، فهو الكافر به، وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المنار (٦/ ٤٠٣) ٢ نفس المصدر (٦/ ٤٠٥) ولقد فصل شيخ الإسلام هذا المعنى جدًا. انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص:٥٥ وص: ٥٨) وما بعدها. ٣ سورة المائدة، الآيات (٤٤ و٤٥ و٤٧)
[ ٢٤٥ ]
إلى الله وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان وترجمان الدين، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة، فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر. وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته لا بحسب ظواهر الألفاظ فقط، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها فهم الفاسقون بالمعصية والخروج عن محيط تأديب الشريعة " ١.
وبناء على ذلك يخلص الشيخ رشيد رضا إلى الحكم الذي يراه صحيحًا في هذه المسألة، وهو تفصيل الأحوال، فيقول: "فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله: فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعًا. ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذا الألفاظ ٢ وهذا التفصيل في الحكم هو المذهب الموافق للسلف ٣ فلا نستطيع أن نصدر حكمًا واحدًا على الجميع أو في جميع الأحوال.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥) ٢ المصدر نفسه. ٣ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (١/٣٦٦ - ٣٣٧) وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٤٤٦) ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الثالثة، ١٤٠٨هـ ومحمد بن إبراهيم: تحكيم القوانين (ص:٩ - ١٠) ط. الجامعة الإسلامية، ومحمد الأمين الشنقيطي: أضواء البيان (٢/١٠٤)
[ ٢٤٦ ]
الفصل الثاني: منهج رشيد رضا في إثبات الربوبية
مدخل
في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا
مدخل: في تقسيم التوحيد عند رشيد رضا:
تقسيم التوحيد هو تقسيم نظري شرعي دليله الاستقراء، وسار عليه السلف والخلف ١، فبعضهم قسمها إلى قسمين، الأول: توحيد المعرفة والإثبات، والثاني: توحيد القصد والطلب ٢. وأكثرهم قسمه إلى ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الأسماء والصفات، والثالث: توحيد الألوهية ٣. وكل هذه الأقسام متلازمة في الشرع لا يكون المرء موحدًا حتى يأتي بها جميعًا وتتحقق فيه. قال المقريزي ٤: ".. فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد ربوبيته،
_________________
(١) ١ انظر: ابن منده (ت: ٣٩٥): التوحيد (١/ ٦١ ـ١١٦) ط. الجامعة الإسلامية، الأولى ١٤١٣هـ. وقد روى عن أبي يوسف ﵀ أثرًا فيه هذا التقسيم. انظر: التوحيد (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٦)، والمقريزي (ت: ٨٥٤): تجريد التوحيد ط. الجامعة الإسلامية، الثالثة ١٤٠٩هـ. (ص: ٧ و٨ و٩)، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٦٨ـ٦٩) ط. الخامسة ٢ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩) ط. دار الفكر، بيروت، الأخيرة ١٤٠٨هـ ت: حامد الفقي ٣ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٧٨) وما بعدها ط. المكتب الإسلامي. ٤ هو: تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر، ولد بالقاهرة، وولي حسبتها عدة مرات، وكان على مذهب السلف، حسن المعتقد ﵀ ت: ٨٥٤. انظر: الزركلي: الأعلام (١/ ١٧٧)
[ ٢٤٩ ]
فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق ولهذا كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، ولو قال: لا رب إلا الله لما أجزأه عند المحققين " ١.
وسار الشيخ رشيد في هذا على مذهب أهل السنة في تقسيم التوحيد إلى ربوبية، وألوهية، وصفات. واطرد ذلك في كلامه. ولا بد أن الشيخ رشيد - وقد وقف على مؤلفات شيخ الإسلام - وابن القيم والمقريزي قد وجد فيها هذا التقسيم فمشى عليه باعتباره مذهب السلف.
ففي الخلاصة الإجمالية لسورة "هود" يلخص الشيخ رشيد هذه الخلاصة ستة أبواب: الأول: في توحيد الله تعالى؛ ويجعل تحته فصولًا، الأول: في توحيد الربويبية والألوهية، والثاني: في صفاته تعالى ٢. ويعرف توحيد الألوهية قائلًا: " الإله هو المعبود الذي يتوجه إليه بالدعاء والتأله والخشوع الخاص " ٣، ويقول إنه: "أول ما دعا إليه محمد رسو ل الله ﷺ وخاتم النبيين وأول ما دعا إليه جميع من قبله من رسل الله عزوجل "٤.
وأما توحيد الربوبية فيقول عنه: "والرب هو الخالق المربي والمدبر لعباده، والمتصرف فيهم بذاته ومقتضى حكمته ونظام سننه وكان أكثر مشركي العرب ومن قبلهم من أقوام الأنبياء يؤمنون بأن الرب الخالق المدبر واحد، وإنما يقولون بتعدد الآلهة التي يتقرب إليها توسلًا إلى الله وطلبًا للشفاعة عنده، وكانت الأنبياء تقيم الحجة عليهم بأن توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، إذ العبادة لا تصح ولا تنبغي إلا للرب وحده " ٥.
ومن الأصول والأسس التي بينتها آيات القرآن - كما يقول الشيخ
_________________
(١) ١ تجريد التوحيد (ص: ٨) ٢ انظر: تفسير المنار (١٢/ ١٩٨) وما بعدها وقد كرر الشيخ رشيد ذلك عدة مرات في عدة سور. انظر: تفسير المنار (٩/ ٥٥٩ و١٠/ ١١٨ و١١ / ٩٨و ١١/ ٤٩٤ وما بعدها) ٣ تفسير المنار (١٢/ ١٩٩) ٤ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٨) ٥ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)
[ ٢٥٠ ]
رشيد ـ: "توحيد الألوهية بعبادة الله تعالى وحده، مع ملاحظة توحيد الربوبية.." ١. وأما تعريف الشيخ لهذين النوعين فسيأتي في موضعه إن شاء الله وإنما الغرض الآن بيان تقسيمه للتوحيد.
وعند قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "أقول: المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء "٣. ويقول في موضع آخر مصرحًا بهذه القسمة: "ولما كان التوحيد الذي هو لباب الدين وروحه نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية بين كلًا منهما بالآيات والبراهين " ٤.
ودليل هذا التقسيم كما هو واضح من كلام الشيخ رشيد عند تفسيره للآيات وذكره لخلاصة السور هو استقراء آيات القرآن الكريم. وإذًا فهو تقسيم شرعي لأن مستنده الشرع، وليس مجرد اصطلاح ٥. وقد أشار إليه - أعني هذا التقسيم - علماء السلف وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والمقريزي ٦. ومع ذلك فقد رفض هذا التقسيم قوم من أهل البدع وأنصارها وادعوا أنه تقسيم مبتدع - رغم وجوده في الكتاب العزيز - ومن هؤلاء: الخصم الأول للشيخ رشيد رضا: وهو الشيخ يوسف الدجوي مفتي مجلة الأزهر "نور الإسلام" فقد انتقد على الشيخ رشيد تقسيمه هذا وحمل عليه في مجلته ٧.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ١٨٣) ٢ سورة آل عمران، الآية (٦٤) ٣ تفسير المنار (٣/ ٣٢٥) ٤ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٢) ٥ انظر: عبد الرزاق العباد: القول السديد (ص: ١٨) وما بعدها. ٦ انظر: الفتاوى (١: ٢٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٤٤٩) . وقد سبق النقل عن المقريزي وابن القيم. ٧ انظر: الدجوي: مجلة نور الإسلام (الأزهر): السنة الرابعة (ص: ٢٥٥) وقد رد الشيخ عبد الرزاق العباد على إنكار تقسيم التوحيد ببحث نفيس. انظر: القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد ط. دار ابن عفان، الأولى ١٤١٧هـ.
[ ٢٥١ ]
المبحث الأول: تعريف الربوبية
المطلب الأول: معنى كلمة "رب" في اللغة
المطلب الأول: معنى كلمة "رب" في اللغة:
ويحسن بنا - قبل الشروع في معنى الربوبية - أن نقف على معنى أصل هذه المادة، وهو كلمة "رب".
قال ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرب: المالك، والخالق، والصاحب. والرب: المصلح للشيء. يقال: ربَّ فلان ضيعته؛ إذا قام على إصلاحها. وهذا سقاء مربُوبٌ بالرُّبِّ. والرُّبّ للعنب وغيره، لأنه يُرَبُّ به الشيء. وفرس مربوب. قال سلامة ١:
ليس بأسقى ولا أَقْنَى ولا سَغِلٍ يُسْقى دواءَ قَفِيِّ السَّكنِ مَرْبُوبِ
والربُّ: المصلح للشيء. والله جل ثناؤه الرَّبُّ، لأنه مصلح أحوال خلقه.
_________________
(١) ١ هو ابن جندل، والبيت في المفضليات (ص: ١٢١) ط. دار المعارف، مصر، ت: أحمد شاكر وعبد السلام هارون.
[ ٢٥٢ ]
والرِّبِّيُّ: العارف بالرب. ورببتُ الصَّبيَّ أَرُبُّه، وربَّبْتُه أربِّبُه. والرَّبيبة: الحاضنة. وربيب الرجل: ابن امرأته. والرَّابُّ: الذي يقوم على أمر الربيب" ١.
وفي اللسان: ".. الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، قال الله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ٢أي: سيده، ويكون الرب: المصلح: ربَّ الشيء إذا أصلحه وفي حديث ابن عباس مع ابن الزبير ﵃: "لأن يربني بنو عمي أحبُّ إليّ من أن يربّني غيرهم" ٣ أي: يكونون عليّ أمراء وسادة..، وربّ ولده والصبي يربُّه ربّا، وربّته تربيبًا وتَرِبَّة، عن اللحياني: بمعنى ربّاه. وفي الحديث: "لك نعمة تربّها" ٤ أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، كما يربي الرجل ولده " ٥.
فالرب - إذن - مصدر مستعان للفاعل ٦ فمعنى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رابُّ العالمين ٧.
فالمعاني اللغوية لكلمة "رب" هي: المصلح للشيء، القائم عليه، المنمي له حتى يبلغ كماله، وأيضًا: صاحبه وسيده.
وهذه المعاني اللغوية باقية على أصلها في الشرع، لم تتحول عنه،
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨١ ـ٣٨٢) ٢ سورة يوسف، الآية (٤١) ٣ البخاري (٨/ ١٧٧)، تفسير سورة براءة، ح: ٤٦٦٦ (٨/١٧٧) ٤ مسلم: الصحيح (١٦/ ١٢٤) مع شرح النووي. ٥ لسان العرب (١/ ٤٤٠ - ٤٠١)، وأيضًا الطبري: التفسير (١/ ١٤١ـ ١٤٢) ت: شاكر، والبيهقي: الاعتقاد (ص: ٣٠) ت: محمد موسى. والنقل بعد ذلك سيكون عن طبعة أحمد عصام الكاتب. ٦ الراغب: المفردات (ص: ٣٣٦) ٧ المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٤ - ٥)، والنحاس: معاني القرآن (١/ ٦٠) ط. جامعة أم القرى، ت: الصابوني.
[ ٢٥٣ ]
فإن الربّ تعالى: هو الخالق المالك القائم بأمر عباده وتربيتهم خلقًا وشرعًا.
ولقد عرّف الشيخ محمد رشيد هذه الكلمة عدة مرات، فقال: "..والرب هو السيد المالك والمربي والمدبر والمتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء في كل زمن وكل حال وملكه حقيقي تام، وملك غيره عرفي ناقص موقوت " ١.
وقال في موضع آخر: "ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره" ٢.
وقال إن كلمة "رب" هي: "التي تفيد عنايته تعالى بعبيده وتربيته لعقولهم وأرواحهم بالمعارف " ٣.
واسم الرب "هو الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والإحسان خاصة" ٤
و"رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه، ويربيهم بفضله وإحسانه "٥.
ويفصل هذا التعريف، وينبه أيضًا فيقول: "ولفظ "رب" ليس معناه المالك السيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عزوجل، فليس في الكون متصرف بالإيجاد ولا بالإشقاء والإسعاد سواه" ٦.
وهذه التعريفات التي ذكرها الشيخ رشيد ﵀ هي تعريفات لغوية شرعية، إذ - وكما ذكرت قبل ذلك إن معاني هذه الكلمة العالية
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٥٦٨) وأيضًا (١٢: ١٩٩) ٢ المصدر السابق (١/ ٥٠) ٣ المصدر السابق (٣/ ٥٣) ٤ المصدر السابق (٧/ ٢٥٣) ٥ المصدر السابق (٦/ ٣٤٣) ٦ المصدر السابق (١/ ٣٦)
[ ٢٥٤ ]
الشريفة بقيت على أصلها اللغوي فهي صحيحة في حقه تعالى، على ما يليق بكماله وجلاله.
تربية الله تعالى لخلقه نوعان:
وهذه المعاني التي اشتملت عليها كلمة "رب" وهي تربية الله تعالى لخلقه وإصلاحه لأمرهم وإحسانه إليهم ليبلغوا كمالهم بمقتضى خلقه وملكه لهم، تظهر في أمرين: خلقي وشرعي.
فالناحية الأولى خَلقية أي تربية بمقتضى الخلق والفطرة، وهي خلقه تعالى لهم في أحسن صورة وأقومها. وتربية شرعية دينية تعليمية.
وفي هذا؛ يقول الشيخ رشيد: "وربوبية الله للناس تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية تعليمية، وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ١ ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به.." ٢ "فإنزاله الوحي وبعثه الرسل وتأييدهم وهداية الخلق بهم من مقتضى ربوبيته "٣.
إطلاق اسم الرب على غيره تعالى:
وهذه المعاني العالية التي اشتملت عليها هذه الكلمة، وكما قال الشيخ رشيد، تكون حقيقية وتامة وكاملة في حقه تعالى، وإذا ما أضيفت إليه، وهي في حق غيره عرفية وعلى ما يليق به.
ولذلك فإن إطلاق هذا الاسم على غيره تعالى غير جائز إلا أن يضاف.
ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي
_________________
(١) ١ هم الأنبياء كما لا يخفى. ٢ تفسير المنار (١/ ٥١) ٣ المصدر نفسه (٧/٣٠١)
[ ٢٥٥ ]
عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ١ فقوله تعالى: "عند ربك: يعني الملك، وقوله: فأنساه الشيطان ذكر ربه: يعني يوسف".
وكذلك ما ورد في السنة من ذلك كقوله ﷺ: "إن ربي ﵎ قد قتل ربك" ٢.
وأما ورد من كلام العرب من اطلاق هذا الاسم، كقول الحارث بن حلزة ٣:
وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بلاء ٤
يريد المنذر بن ماء السماء، ولم يذكر مطلقًا في غير الشعر ٥. وهو بيت جاهلي.
وأما ما ورد في الكتاب والسنة فعلى ما كان متعارفًا عندهم وعلى ما كانوا يسمونهم به. ومنه قوله للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٦ ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا الحكم قائلًا: "فأما العرب فكانت تطلق لفظ "رب" على الناس: يقولون: رب الدار، ورب هذه الأنعام - لا رب الأنعام مطلقًا - قال عبد المطلب في يوم الفيل (أما الإبل فأنا ربها وأما البيت فإن له ربًا يحميه) ٨ ويرى بعض العلماء أن هذا الاستعمال ممنوع في الإسلام،
_________________
(١) ١ انظر: الطبري: التفسير (١٦/ ١٠٩ - ١١١) (١٢/ ٢٤٧) ط. الحلبي بمصر، الثالثة ١٣٨٨هـ، الآلوسي: روح المعاني (ص: ٣٣) ط. دار إحياء التراث. مصورة عن ط. إدارة الطباعة المنيرية. ٢ انظر: أحمد بن حنبل: المسند (٥/ ٤٣) ٣ هو: الحارث بن حِلِّزة بن مكروه اليشكري الوائلي، شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، أحد أصحاب المعلقات. الزركلي: الأعلام (٢/ ١٥٤) ٤ البيت في معلقته. انظر: شرح القصائد السبع الطوال: الأنباري (ص: ٢٧١) ط. دار المعارف. ٥ ابن منظور: لسان العرب (١/ ٤٠٠) ٦ سورة طه، الآية (٩٧) ٧ ابن منظور لسان العرب (١/ ٤٠) . ٨ ابن هشام: السيرة النبوية (١/ ٦١) ط. دار الفكر، القاهرة.
[ ٢٥٦ ]
واستدل بالنهي في الحديث عن قول المملوك لسيده ربي ١. والصواب: أنه يمنع ما ورد به النص كهذا الاستعمال وما من شأنه ألا يقال إلا في الباري تعالى كلفظ الرب بالتعريف مطلقًا، ولفظ رب الناس، ورب المخلوقات، رب العالمين، وما أشبه ذلك" ٢.
المقارنة بين اسم "الرب" واسم "الآب":
ولم تسلم هذه المعاني العالية الشريفة من الاعتراض، فاعترض عليها أجهل الخلق بربهم وأسمائه وصفاته، وقالوا: إن المسلمين لم يعلمهم نبيهم من صفات الخالق إلا القهر والسلطان والغضب، وأن ربهم قد أوجب عليهم الفتح من أجل قهر الأمم لا من أجل تربيتها وترقيتها. بينما يدل اسم الآب على الرحمة والرأفة والعطف ٣. ويجيب الشيخ رشيد على هذا الاعتراض " السخيف" قائلًا: "وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الإسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار، ودينهم دين رعب وخوف، بخلاف دين النصرانية الذي يسمي الرب أبا للإعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده وثبت في الحديث الصحيح أن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع ٤ وأن جميع ما أودعه الله في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته ﵎.." ٥.
وكذلك فإن تكرار قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة الكتاب بعد قوله تعالى ﴿.. رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن "البعض يفهم من معنى الرب الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه، ليجمعوا بين
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح: ك: الألفاظ من الأدب وغيرها، ح: ١٤ (٢٢٤٩) [٤/ ١٧٦٤] وانظر: النووي شرح مسلم (١٥/ ٦ـ ٧) ٢ تفسير المنار (١/ ٥٣ - ٥٤) ٣ انظر: تفسير المنار (١/ ١٢) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ح:٥٩٩٩ (١٠/ ٤٤٠) ٥ تفسير المنار (١/ ٧٦)
[ ٢٥٧ ]
اعتقاد الجلال والجمال "١.
وأما اسم الآب، فإنه لا يليق بالله تعالى لاشتماله على معان باطلة، كطلبه للولد بمقتضى شهوته لا محبته ٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (١/ ٥١) ٢ المصدر نفسه (١/ ١٢)
[ ٢٥٨ ]
المطلب الثاني: المعنى الشرعي لتوحيد الربوبية:
وأما التعريف الشرعي للربوبية، فقد عرّفه الشيخ رشيد بقوله: "هو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني" ٣.
وهذا التعريف دلت عليه نصوص الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ أي: "ألا إن لله الخلق فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات، وله فيها الأمر وهو التشريع والتكوين والتصرف والتدبير.." ٥.
وأما التقدير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧ أي: "بسنن ثابتة، وتقدير منظم لم يكن شيء منه جزافًا" ٨.
وأما التدبير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ٩ أي: "..يدبر أمر ملكه، بما اقتضاه علمه من النظام وحكمته من الأحكام والتدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها، وأدبارها وعواقبها، بحيث
_________________
(١) ٣ الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) ٤ سورة الأعراف، الآية (٥٤) ٥ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٨/ ٤٥٤) ط. دار المعرفة، بيروت الثانية. ٦ سورة الفرقان، الآية (٢) ٧ سورة القمر، الآية (٤٩) ٨ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٨/ ٤٤٧) ٩ سور: يونس، الآية (٣) والرعد، الآية (٢) والسجدة، الآية (٥)
[ ٢٥٨ ]
تكون المبادي مؤدية إلى ما يريد من غاياتها " ١.
وأما التشريع الديني، فدل عليه آيات في كتاب الله؛ منها:
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿.. وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ قال الشيخ رشيد: "إن الآية قررت وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية.. وأما وحدانية الربوبية فهي قوله ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فالرب هو السيد المربي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، والمراد هنا من له حق التشريع والتحليل كما ورد في حديث عدي بن حاتم ٤.." ٥.
ومثله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦ "أي: اتخذ اليهود أحبارهم وربانيهم، والنصارى قسوسهم ورهبانهم أربابًا غير الله وبدون إذنه بإعطائهم حق التشريع الديني لهم وبغير ذلك مما هو حق الرب تعالى" ٧.
واشتراط "الديني" هام جدًا، وكذا اشتراط أن يكون "بغير إذنه تعالى" حتى يكون شركًا، فإن من التشريع ما ليس شركًا لأنه ليس دينيًا، وما ليس شركًا لأنه بإذنه تعالى ورضاه.
ويفصل الشيخ رشيد هذا فيقول: "لأن التحريم ٨ حق للرب الخالق للعباد وللأقوات جميعًا، فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكًا له تعالى، ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه ﷾..
_________________
(١) ١ رشيد رضا: تفسير المنار (١١/ ٢٩٥) ٢ سورة الشورى، الآية (٢١) ٣ سورة آل عمران، الآية (٦٤) ٤ انظر: الترمذي: السنن: ك: تفسير القرآن، سورة براءة، ح: ٣٠٩٥ (٥/٢٧٨) ٥ تفسير المنار (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧) ٦ سورة التوبة، الآية (٣١) ٧ تفسير المنار (١٠/ ٣٦٤) ٨ يعني والتحليل أيضًا.
[ ٢٥٩ ]
وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعًا شرعيًا أي تحريمًا كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره.. والتحريم ليس تشريعًا من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار.. وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة.. ولكن مثل هذين ليس تحريمًا ذاتيًا لما ذكر يدوم بدوامه بل مؤقت بدوام سببه ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئًا بمحض إرادته وإنما هو مكلف شرعًا بصيانة المصالح ودرء المفاسد، فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه وعليه الرجوع إلى الحق" ١.
فإذن - ما يقرره السلطان من سياسة ليس شركًا - لأنه بإذن الله تعالى والسلطان "ظل الله في الأرض" ٢ وأما إنكار الأمة عليه، فله نظام دقيق في الشريعة، وتوزيع على الأمة فيجب على العلماء ما لا يجب على العامة من ذلك٣.
العلاقة بين الربوبية والإلهية:
وبين الربوبية والإلهية علاقة وثيقة، هي علاقة المقدمة بالنتيجة، والربوبية تستلزم الإلهية، والإلهية تتضمن الربوبية، لذلك فإننا كثيرًا ما نستدل بالآيات التي نصبها الله تعالى على وحدانيته على غير ما وضعت له وهو وجوده تعالى وربوبيته وإلا فإن هذه الأخيرة لم تكن محلًا للاستدلال في القرآن الكريم كما سوف ترى.
يقول الشيخ رشيد: "لأن الربوبية والألوهية متلازمان، فالآيات الدالة
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ١٣٥) ٢ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (٢/ ٤٩٢) وحسنه الألباني. ط. المكتب الإسلامي، الأولى ١٤٠١هـ. ٣ انظر: في تفصيل هذه المسألة: ابن تيمية: الحسبة (٦٥و ٦٦ ٨٠و ٨١ - ضمن مجموع الفتاوى جـ ٢٨)
[ ٢٦٠ ]
على أن الرب واحد، دالة أيضًا على أنه الإله وحده.." ١ "وتوحيد الربوبية دال على وجوب توحيد العبادة للرب وحده" ٢ ويقرر الشيخ رشيد أن توحيد الربوبية هو البرهان الأعلى لتوحيد الألوهية ٣ ويبين ذلك قائلًا: "..فإذا كان تعالى هو الخالق المقدر وهو السيد المالك المدبر، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وفضل بعض المخلوقات على بعض ولكنها بالنسبة إليه على حد سوى، فكيف اسفه نفسي وأكفر ربي بجعل المخلوق المربوب مثلي ربًا لي.." ٤.
ويحاول الشيخ رشيد إبراز هذه العلاقة في كل مناسبة تسمح وعند كل فرصة تسنح.
ففي فاتحة الكتاب، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ يقول: "إن عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر لأنه الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية. ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم، واسم الرب الأكرم، إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللّف.
والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة. ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٣٠١) ٢ تفسير المنار (٩/ ٢٠٤) وانظر: الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) ٣ المصدر السابق (٨/ ٢٤٥) ٤ المصدر السابق، الموضع نفسه. ٥ سورة الفاتحة: الآية (٥) ٦ سورة هود: الآية (١٢٣)
[ ٢٦١ ]
فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص الله بالعبادة.. إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة، وهي أن الثانية ثمرة للأولى، ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله.. فالعبادة تكون سببًا للمعونة من وجه، والمعونة تكون سببًا للعبادة من وجه آخر.. فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة" ١.
العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات:
وننتقل من هذه العلاقة بين الربوبية والإلهية والتلازم والتضمن إلى العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات الإلهية.
فإنه وإن كانت الربوبية صفة من صفات الله تعالى إلا أنها - كما يقول: رشيد رضا - هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات جميعًا ٢.
وتحتمل صفة الربوبية أن تكون صفة ذات، على معنى أنه السيد والمالك، أو صفة فعل على أنه تعالى المبلغ كل ما أبدعه حد كماله ٣.
وترتبط الصفات الإلهية بعلاقات التضمن والالتزام، فبينما تدل كل صفة على نفسها وعلى الذات بالمطابقة، فإنها تدل على الصفات الأخرى باللزوم.
فالسميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده، بالتضمن ويدل على اسم "الحي" وصفة الحياة بالالتزام. ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٦٠ـ ٦١) وقارن مع: ابن القيم: إغاثة اللهفان (١/ ٢٧) ت: حامد الفقي، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٦٤ـ ٦٥) ٢ تفسير المنار (١/٥١) ٣ انظر: البيهقي: الاعتقاد (ص: ٦٧) ت: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق، بيروت، الأولى ١٤٠١هـ ٤ ابن القيم: مدارج السالكين (١/ ٣٠)
[ ٢٦٢ ]
وإذا كان ذلك، فإن الأصول التي ترجع إليها سائر معاني الأسماء والصفات اربعة: صفتان للذات، وصفتان للفعل. قال رشيد رضا:" وبتعبير أظهر أو أصح: اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق واثنان منهما يتعلقان به " ١.
فأما الذاتيان فهما "الحي القيوم" وأما الفعليان فهما الرب والرحمن الرحيم ٢.
وتدل صفتا الربوبية والرحمة على "أن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها ٣. والمالك صفة ذات.
ويشرح الشيخ رشيد دلالة صفتي الربوبية والرحمة على صفات الأفعال فيقول: "وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر، فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى، كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق، الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصي المبديء المعيد المحيي المميت المقدم المؤخر المغني المانع الضار النافع وأمثالها.." ٤.
وهكذا فإذا كانت صفات الجلال والجمال أخص باسم "الله" فإن صفات الفعل والقدرة والتفرد بالضرر والنفع والعطاء والمنع وتفرد المشيئة وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة: أخص باسم الرب ﵎ ٥.
الإجماع على توحيد الربوبية:
ورغم هذا الارتباط الوثيق بين الربوبية والألوهية وبين الربوبية وسائر
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٧٢) ٢ المصدر نفسه (ص: ٧٣) ٣ المصدر السابق (١/ ٧٤) وانظر: ابن القيم: مدارج السالكين (١/٣٤) ٤ تفسير المنار (١/٧٥) ٥ ابن القيم مدارج السالكين (١/٣٣)
[ ٢٦٣ ]
الصفات، حتى إن الربوبية هي البرهان الأعلى للألوهية، والدليل الأول عليها، إلا أن الإجماع وقع عل هذه"المقدمة" دون النتيجة، والدليل دون المدلول.
فاجتمع الخلق جميعًا على الإقرار بربوبية الله تعالى، وافترقوا في ألوهيته، والعجب الذي لا ينقضي هو من هذه التفرقة بين المقدمة ونتيجتها، والإقرار بالدليل دون المدلول.
يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ..﴾ ١.
ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣، وأيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٤.
ويوجد لدينا قانون عقلي مستقر متى فهم على وجهه الصحيح، وصل بنا إلى عقيدة التوحيد، وعليه فإن الشرك والوثنية تكون وليدة ضرب من الغفلة أو الكسل العقلي وهذا القانون العقلي هو قانون السببية، وهو يعني ببساطة: أنه لا يوجد شيء من لا شيء ٥.
ويقرر الشيخ رشيد رحمه الله تعالى هذه الحقائق في مواضع كثيرة، أقتصر على بعضها. يقول: "أكثر الناس قد أرشدتهم الفطرة - أو هداهم النظرـ إلى أنه لا بد لهذا الكون المحكم الصنع البديع الإتقان من فاعل
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: الآية (٦١) ٢ سورة العنكبوت: الآية (٢٩) ٣ سورة الزخرف، الآية (٨٧) ٤ سورة يونس، الآية (٣١) ٥ انظر: عبد الله دراز: الدين (ص: ٨٣ـ ٨٥)
[ ٢٦٤ ]
مدبر له، ثم أخطأوا في تعيينه لما عنّ لهم من الشبه في ذلك، فبعضهم زعم أنه الشمس أو كوكب آخر، وتخيل بعضهم أن صانع العالم هو جوهر النار.. وبعضهم أسند الألوهية إلى بعض الحيوانات، ومنهم من ارتقى به هذا الوهم فأضافها إلى بعض البشر، إلى غير ذلك من النحل التي لا تحصى.."١.
وعن العرب يقول: "ولم يكن أحد من العرب الذين سموا أصنامهم وغيرها من معبوداتهم آلهة يعتقد أن اللات أو العزى أو هبلًا خلق شيئًا من العالم أو يدبر أمرًا من أموره، وإنما تدبير أمور العالم يدخل في معنى لفظ الرب. والشواهد على هذا في القرآن كثيرة ناطقة بأنهم كانوا يعتقدون ويقولون: إن خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما هو الله تعالى، وأن آلهتهم ليس لها من الأمر والخلق والتدبير شيء" ٢.
ويقول مستشهدًا بالقرآن على ذلك: "وتشهد لهذا آيات القرآن الكثيرة. اقرأ إن شئت قوله تعالى في مشركي العرب ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤ وفي هذا المعنى آيات كثيرة.. فالشرك في العبادة هو الذي كان فاشيًا في الأمم بألوان مختلفة وأسماء متعددة وصور متنوعة فجاء القرآن ينعى عليهم هذا ويحاجهم فيه ويمحو شبههم في آيات تعد بالمئات، وكان هذا أهم أصول الدين وأركانه.. وإن كانت الكتب التي بين أيدينا قلما تبحث في هذا النوع من التوحيد، وما أزاله من الشرك" ٥. ويتعجب من الرازي - وهو من هو
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/ ٤٠٤) ٢ تفسير المنار (٩/ ١١٢) ٣ سورة الزخرف، الآية (٩) ٤ سورة يونس، الآية (٣١) ٥ مجلة المنار (٢/ ٦٣٠)
[ ٢٦٥ ]
في علم الكلام ١ - أذ يخطئ في فهم هذا المعنى، "معنى الإله"، فيقول تعليقًا على كلام نقله له: "أقول: من العجب أن يقع إمام النظار في علم العقائد على طريقة الفلسفة والكلام في مثل هذا الخطأ في أسئلته وأجوبته، والتناقض في كلامه ومنشأ هذا الخطأ: الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن الكريم في اللغة العربية واستعمالها بلوازم معناها العرفية كلفظ "الإله" فإن معناه في اللغة المعبود مطلقًا لا الخالق ولا المدبر لأمر العالم كله ولا بعضه.." ٢.
وهذا تحقيق دقيق من الشيخ رشيد ﵀ وهو موافق فيه لأهل السنة، ومؤيد فيما ذهب إليه من هذا الإجماع على الربوبية بالبحوث والاكتشافات العلمية التي تؤكد أنه قد وجدت أمم بلا حضارة وبلا أدب وبلا ثقافة ولكنها لم تكتشف أمة بلا معبود ٣.
أثر هذه الصفة على العبد:
لكل اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته أثر من العبودية يترتب عليها، فكل اسم من أسمائه الحسنى وصفة من صفاته العليا مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين ٤، فما هو حظ العبد من صفة الربوبية يقول الشيخ رشيد: "وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن يحمده تعالى عليه ويشكره له باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن بتربية نفسه.. وألا يبغي كما بغى فرعون فيدعي أنه رب الناس وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن الحسين الرازي، فيلسوف متكلم نظار على مذهب الأشعرية. انظر: وفيات الأعيان (٤/٢٤٨) وطبقات الشافعية (٨/٨١ - ٩٦) ط. دار إحياء الكتب العربية، مصر. ت: محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو. والأعلام (٦/٣١٣) ٢ تفسير المنار (٩/ ١١٢) ٣ انظر: عبد الله دراز: الدين (ص: ١١٣) ٤ انظر: ابن القيم: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٥)، ط. مكتبة الأوس بالمدينة النبوية، والفوائد (ص: ٨٠) ط. دار الكتاب، بيروت.
[ ٢٦٦ ]
يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها الله تعالى، وبقولهم هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١ وفسر النبي ﷺ اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا بمثل هذا" ٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية (٢١) ٢ تفسير المنار (١/ ٥٢ - ٥٣)
[ ٢٦٧ ]
المبحث الثاني: منهج رشيد رضا في أدلة معرفة الله تعالى
تمهيد
تمهيد:
مسألة "إثبات وجود الله تعالى" لم تكن موضع استدلال في القرآن الكريم، بل كانت هي نفسها دليلًا - في هذا الكتاب العزيز - استدل به على ألوهية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة.
فمسألة وجود الله تعالى مسألة بدهية، ونجد هذه البداهة متقررة حتى عند ذوي العقول المنحرفة من المشركين، يقول الله ﵎ عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١ ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، وأما الآيات التي يستدل بها على هذه المسألة وأنها نزلت لإثبات وجود الله تعالى، فليست من ذلك في قليل أو كثير، وإنما نزلت تقريرًا لتوحيد الله تعالى وألوهيته وصفاته العليا.
كذلك لم تظهر هذه المسألة في القرون المفضلة التي كانت امتدادًا للعصر النبوي الذي كان هو بالأحرى عصر الإيمان بصفات الله وتوحيده، ولم تطرح فيه هذه المسألة على هذا النحو أبدًا.
ثم كانت الفلسفة اليونانية وانتقالها إلى عالمنا الإسلامي، ونشأت مباحث محدثة في العلم لم تكن من قبل، ومنها مسألة النقاش والاستدلال
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية (٨٧) ٢ سورة لقمان، الآية (٢٥)
[ ٢٦٨ ]
على وجود الله تعالى، وكان المتكلمون المسلمون هم الطرف الإسلامي في هذا النقاش.
"وأما في هذا العصر فقد كثرت فيه الملاحدة والمعطلة، وتجددت للكفار على اختلاف فرقهم شبهات جديدة يتوكؤون على مسائل من العلوم العصرية لم تكن معروفة عند الأقدمين، وحدثت للناس آراء ومذاهب في الحياة فيها الحسن والقبيح، والنافع والضار، بل منها ما يفضي إلى فساد العالم وتقويض دعائم العمران، ومثار ذلك كله ذيوع التعاليم المادية وفوضى الآداب وتدهور الأخلاق وتغلب الرذائل على الفضائل.." ١. لقد وقف الإنسان في هذا العصر على شيء من الأسباب التي قام عليها نظام الخلق، فكان ذلك فتنة له، وانشغل بهذه الأسباب عن الفكر في خالقها، حتى ملكت عليه نفسه، فأنسته إياها، ودفعت به إلى إنكار خالقه وخالقها ﵎.
ولذا فإن علماء المسلمين - في هذا العصر أيضًا - كانوا مضطرين للخوض في هذه المسألة والجواب على أسئلة المؤمنين الذين شوشت عليهم أفكار وأقوال الملحدين المعطلين.
ولم يلتفت العلماء إلى الرأي القائل بطرح هذه المسألة من مباحث العقيدة لأنها بدهية ٢، وخاضوا فيها ولسان حالهم وقالهم، يقول: "لولا كثرة الضعفاء مع كثرة الدخلاء فينا الذين نطقوا بألسنتنا، واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر وإظهار البارز" ٣.
وكان من هؤلاء العلماء الذين تلقوا أسئلة المؤمنين والملحدين، وأجاب عن هذه ورد هذه، وبحث في هذه المسألة: الشيخ محمد رشيد ﵀، فنريد أن نعرف منهجه في ذلك.
وقبل هذا نود أن نعرف المنهج الذي سلكه المتكلمون والفلاسفة قديمًا في نفس الموضوع.
_________________
(١) ١ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٩/ ٣٠٩) ٢ انظر: عبد الحليم محمود: الإسلام والعقل (ص: ٤٨) ٣ محمد جمال الدين القاسمي: دلائل التوحيد (ص: ٧٥) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى ١٤٠٥هـ.
[ ٢٦٩ ]
ثم نرى إن كان الشيخ رشيد قد انتهج منهج أحد الفريقين أو سلك طريقًا آخر.
أولًا: منهج المتكلمين:
ذهب المتكلمون إلى أن مسألة المعرفة نظرية، وبنوا على ذلك نظرية جدلية، ذات مقدمات طويلة، معتاصة، ثم اختلفوا في هذه المقدمات، ولم يتفقوا على شيء منها، فقد ذهبوا إلى أن العالم حادث، ودليل حدوثه حدوث ما فيه من الجواهر والأعراض. قال الرازي ١: "قد عرفت أن العالم إما جوهر أو أعراض، وقد يستدل بكل واحد منها على وجود الصانع، إما بإمكانه أو حدوثه، فهذه وجوه أربعة.." ٢.
وهذا هو المقصود بالنظر عند المتكلمين، وظاهر أنه نظر عقلي جدلي، وهذا النظر هو اصطلاح لهم، وإلا فإن النظر الذي دعا إليه القرآن، ليس محله القضايا المنطقية الجدلية، وإنما محله الكون والإنسان.
وبعد ما ذكر الرازي القانون السابق طفق يستدل على كل جزئية من جزئياته، وما تفرع منها كذلك، ورغم أن منها ما هو بدهي لا يحتاج إلى إثبات كحدوث العالم بعد أن لم يكن.
ثانيًا: منهج الفلاسفة:
وافق الفلاسفة المتكلمين في "نظرية المعرفة" وإن كانوا خالفوهم في الطريق. فقد سلك الفلاسفة طريقًا آخر هو طريق الإمكان والوجوب، فقد قسموا العالم إلى ممكن وواجب بدلًا من قديم وحادث، قال ابن سينا: "ما
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته (ص: ٣٤١) ٢ المحصل (ص:٣٣٧) ط. دار التراث، وانظر أيضًا الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر (ص: ٨١ - ٨٣)، ط. الجامعة الإسلامية، والباقلاني: التمهيد (ص: ٤٣)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ٦٨)، والإيجي: المواقف (ص: ٢٦٦)، والبيجوري: شرح جوهرة التوحيد (ص: ٤٨) ومصطفى صبري: موقف العقل (٢/ ١٦٥) وما بعدها، وانظر أيضًا: ابن تيمية: النبوات (ص: ٧٢ و٧٧) ط. دار العلم، بيروت. ودرء التعارض (٧/ ٣١١)
[ ٢٧٠ ]
حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودًا من ذاته، فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى فلحضور شيء أو غيبته. فوجود كل ممكن هو من غيره" ١. ثم قال: "إما أن يتسلسل ذلك إلى غير نهاية فيكون كل واحد من آحاد السلسلة ممكن في ذاته، والجملة متعلقة بها، فتكون غير واجبة أيضًا وتجب بغيرها" ٢. ففي الفقرة الأولى أشار إلىأن الممكن لا يوجد إلا لعلة تغايره. وتقريره أن الممكن إما أن تحتاج ذاته في أن تكون موجودة إلى غيرها أو لا تحتاج، والثاني باطل لاستحالة الترجيح بلا مرجح. إذن الأول حق. وفي الفقرة الثانية يريد إثبات واجب الوجود لذاته. وتقرير الكلام بعد ثبوت احتياج الممكن إلى الغير - أن ذلك الغير إما واجب وإما ممكن. والكلام في ذلك الممكن كالكلام في الممكن الأول، فأما أن ينتهي إلى واجب أو يدور ٣ أو يتسلسل ٤ إلى غير نهاية فتبين أن سلسلة الممكنات - على فرض وجودها - محتاجة إلى شيء خارج عنها ٥. وهذه الطريقة كما هو ظاهر هي عقلية نظرية جدلية، ومبنية على مقدمات منطقية أعقد وأطول من مقدمات المتكلمين في مسألة "حدوث العالم" وهي مع ذلك أشد فسادًا منها وأسوأ لازمًا ٦.
_________________
(١) ١ الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٠ - ٢١) . ٢ المصدر نفسه. ٣ الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، فإذا قيل إن ممكنًا هو (أ) متوقف وجوده على ممكن آخر هو (ب) ثم قيل إن (ب) الذي يتوقف وجود (أ) عليه متوقف في وجوده على (أ) آل الأمر إلى أن (أ) متوقف في وجوده على نفسه. ومعنى توقف وجوده على نفسه أن وجوده من ذاته ووجود الممكن من ذاته مستحيل كما هو الفرض. انظر: سليمان دنيا: مقدمة الإشارات (١/ ٣١) والجرجاني: التعريفات (ص: ٩٤) ٤ التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية وأقسامه أربعة. انظر: سليمان دنيا: مقدمة الإشارات (١/ ٣٣) وما بعدها، والجرجاني: التعريفات (ص: ٤٩) ٥ انظر: الطوسي: شرح الإشارات حاشية الإشارات والتنبيهات، وانظر: سليمان دنيا: مقدمة الإشارات (١/ ٢٨) وما بعدها. ٦ وانظر لتفصيل نقد هذه الطريقة: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٨) وما بعدها، والنبوات (ص: ٧٣ ـ٨٤)، ومنهاج السنة (١/ ٩٦) ط. جامعة الإمام، الأولى، ١٤٠٦هـ، ت: رشاد سالم.
[ ٢٧١ ]
وهدفنا فيما يلي إن شاء الله الوقوف على تقرير الشيخ رشيد لأدلة المعرفة: الفطرية والنظرية، ومنهجه في تقريرها والاستدلال بها في معرفة الله ﵎.
وإذا كان المتكلمون يذهبون إلى أن معرفة الله تعالى نظرية، وينكرون المعرفة الفطرية الضرورية ١، فإن أهل السنة من السلف فمن بعدهم يذهبون إلى أن معرفة الله تعالى فطرية، وهم مع ذلك لا ينكرون النظر وأهميته في معرفة الله تعالى، ولكنهم يقولون بالنظر الشرعي الذي أمر به الله تعالى، لا النظر الجدلي الذي اخترعه المتكلمون وأطلقوا عليه هذا الاسم من باب المغالطة.
فلدينا - إذن - مذهبان في المعرفة: مذهب المعرفة الفطرية، ومذهب المعرفة النظرية.
ويعرض الشيخ رشيد هذين المنهجين ويجمع بينهما، قائلًا: "إن المسألة فطرية في الحقيقة، وإن إقامة الأنبياء والحكماء الحجج عليها هي لإصلاح فطرة من عرضت لهم الشبه فيها، كما تعرض في غيرها من الأمور الفطرية والضرورية،.. لذلك قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾ ٢ فأشار أولًا إلى أن الإيمان به أمر ثابت في الفطرة لا موضع للشك فيه، ثم ذكر بعض صنعه الدال على قدرته وانفراده بالتأثير والتدبير وهو كونه فاطر السماوات والأرض، أي: شق وفصل بعضها من بعض.." ٣.
على أن النظر الذي يؤيده الشيخ رشيد رضا، مخالف لنظر المتكلمين وموافق للنظر القرآني، كما سوف يتبين إن شاء الله.
_________________
(١) ١ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص:٤٨ و٥٢ - ٥٤) ط. مكتبة وهبة، الأولى ١٣٨٤هـ ت: عبد الكريم عثمان. ٢ سورة إبراهيم، الآية (١٠) ٣ مجلة المنار (٧/ ١٣٩)
[ ٢٧٢ ]
المطلب الأول: الفطرة عند الشيخ رشيد رضا:
الفطرة وإن كانت شيئًا ضروريًا نجده في نفوسنا، يدفعنا لا سيما وقت الشدة واليأس من الأسباب، إلى التوجه إلى القوة العليا التي وإن كنا لا نراها بأعيننا إلا أننا جازمون بوجودها وقدرتها على مساعدتنا.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١. حتى أولئك الذين ضلوا طريق الحق وانحرف بهم السبيل، وزاغت قلوبهم وخفت عقولهم، كانت تدفعهم فطرهم إلى التوجه إلى الإله الحق عندما يمسهم الضر ويعوزهم المنقذ، وقد يئسوا من الأسباب.. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢، وذلك وكما يقول الشيخ رشيد: "لأن الفزع إليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر" ٣.
ومع ذلك كله، فإننا بحاجة للوقوف على معناها لغة وشرعًا لنتصورها تمام التصور، فيتيسر لنا الحكم عليها.
معنى الفطرة لغة:
قال الراغب: "أصل الفَطْر الشق طولًا، يقال: فَطَرَ فلان كذا فطْرًا، وأفْطَرَ هو فُطُورًا، وانفَطَرَ انفِطارًا، قال تعالى ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ ٤ أي: اختلال ووهي فيه،.. وفطَرْت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه الفِطْرة، وفَطْر الله الخلقَ، وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال، فقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية (٦٧) ٢ سورة الأنعام، الآية (٦٣ و٦٤) ٣ تفسير المنار (٧/ ٤٠٩) ٤ سورة الملك، الآية (٣)
[ ٢٧٣ ]
عَلَيْهَا﴾ ١ إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي: أبدع وركز في الناس حق معرفته تعالى.. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢ وقال: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ ٣ ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ٤ أي: أبدعنا وأوجدنا.. وقيل للكمأة فُطْرٌ، من حيث أنها تُفطِرُ الأرضَ فتخرج منها" ٥.
وقال الرازي ٦: "الفِطْرَة هي الخِلْقة" ٧.
وقال الجرجاني: "والفِطْرَة الجِبِلَّة المتهيئة لقبول الدين" ٨. وقال الضحاك "وكل شيء في القرآن الكريم: فاطر السماوات والأرض فهو خالق السموات والأرض" ٩.
معنى الفطرة شرعًا:
وأشار الشيخ رشيد إلى أنها وردت كذلك في السنة المطهرة "كما في حديث الصحيحين وغيرهما الناطق بأن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ١٠ وفي بعض رواياته: يولد على فطرة الإسلام ١١،وفي بعضها: على الملة ١٢، ومنها حديث عياض بن حمار
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية (٣٠) ٢ سورة فاطر، الآية (١) ٣ سورة الأنبياء، الآية (٥٦) ٤ سورة طه، الآية (٧٢) ٥ مفردات القرآن الكريم، للراغب (ص: ٦٤٠) ط. دار القلم، بيروت. ٦ هو محمد بن أبي بكر الرازي، ت: ٦٦٠هـ انظر: الزركلي الأعلام (٦/٥٥) ٧ مختار الصحاح (ص: ٢١٢) ط. مكتبة لبنان، بيروت. ٨ التعريفات (ص: ١٤٧) ط. الحلبي، مصر. ٩ ابن كثير: التفسير (٣/ ٥٢٤) ط. دار الحديث، مصر. ١٠ البخاري: الصحيح: ك: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات.. ح: ١٣٥٨ ـ١٣٥٩ - مع الفتح ـ، ومسلم: الصحيح: ح: ٢٦٥٨ (ج: ٤/ ٢٠٤٧) ت: عبد الباقي. ١١ لم أجده مرفوعًا، وانظر: البخاري: المصدر السابق: ك: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات (٣/ ٢٦٠) مع الفتح، ومسلم: الصحيح، ك: القدر ح: (٢٢) وما بعده ١٢ مسلم: الصحيح: ك: القدر، ح: ٢٣ (٢٦٥٨) ج:٤ /٢٠٤٨ ط. عبد الباقي.
[ ٢٧٤ ]
المجاشعي المرفوع عند محمد بن إسحاق الذي ذكر فيه آدم فقال ﷺ: "إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالًا لا حرام فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حرامًا وحلالًا" ١ وفي معناه آثار" ٢.
فاختلف السلف ﵏ في التعبير عن معنى الفطرة في ذلك، وهذا الاختلاف في الحقيقة يرجع إلى تنوع التعبير، فهو اختلاف تنوع لا تضاد، ولا تعارض بين ما ذهب إليه كل واحد منهم.
فعن أحمد: أنه الدين أو الإسلام، وهو المعروف عند عامة السلف ٣.
وقيل: هي الخلقة على معرفة الله تعالى والإيمان به ٤.
وقيل: هي ما خلقهم عليه من السعادة والشقاء ٥.
وقيل: هي الميثاق الذي أخذ عليهم في عالم الذر ٦.
قال شيخ الإسلام، نافيًا التعارض بين هذه الأقوال: "..وأما قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام، أو على الإقرار بالصانع، وإن لم يكن ذلك وحده إيمانًا، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ عليهم الميثاق، فهذه الثلاثة لا منافاة بينها، بل يحصل بها المقصود.." ٧.
وعن القول الرابع، وكان يقول به أحمد ثم تركه، وهو ظاهر مذهب مالك، يقول شيخ الإسلام مفسرًا له: "أئمة السنة مقصودهم من ذلك أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر وليس إذا
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح: ك: الجنة، ح: ٦٣و٦٤ (٤/ ٢١٩٧) وليس في طرقه ابن إسحاق. ٢ تفسير المنار (٧/ ٦٠٨) ٣ ابن عبد البر: التمهيد (١٨/ ٧٢)، والبخاري: الصحيح: ك: التفسير، باب: لا نبديل لخلق الله (٨/٣٧٢) مع الفتح. ٤ ابن عبد البر: التمهيد (١٨/ ٦٨) ٥ المصدر نفسه (١٨/ ٧٨) ٦ المصدر السابق (١٨/ ٩٠) ٧ درء التعارض (٨/ ٤٥٤)
[ ٢٧٥ ]
كان الله قد كتبه كافرًا يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير" ١.
تعريف الشيخ رشيد للفطرة:
ولقد عرّف الشيخ رشيد الفطرة لغة وشرعًا، في عدة أماكن من المجلة والتفسير وغيرهما من مؤلفاته.
فمن التعريف اللغوي لها؛ قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٢: "..المراد بخلق الله دينه لأنه دين الفطرة وهي الخلقة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٣ ٤.
وأيضًا فسرها بالصبغة، فعند قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ٥ قال: "أي: صبغتنا بما ذكر من ملة إبراهيم، صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، وهي ما صبغ به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة" ٦.
وعند قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٧ قال: "إلا على الذي خلقني على الفطرة السليمة من هذه البدع الوثنية التي ابتدعها قوم نوح" ٨.
وقال: "فطر السماوات والأرض: أي ابتدأ خلقها" ٩.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (٨/ ٣٨٩) ٢ سورة النساء، الآية (١١٩) ٣ سورة الروم، الآية (٣٠) ٤ تفسير المنار (٥/ ٤٢٨) وقارن مع البخاري: الصحيح، ك: التفسير، باب: لا تبديل لخلق الله (٨/ ٣٧٢) مع الفتح. ٥ سورة البقرة، الآية (١٣٨) ٦ تفسير المنار (١/ ٤٨٦) ٧ سورة هود، الآية: (٥٢) ٨ تفسير المنار (١٢/ ١١٥) ٩ المصدر السابق (٧/ ٥٦٣)
[ ٢٧٦ ]
وفسرها أيضًا بالجبلة: فقال: "وفطرة الله التي فطر الناس عليها هي الجبلة الإنسانية.." ١.
ومن ذلك يتبين لنا أن هذه الكلمات: فطرة الله وصبغة الله، وخلقة الله، والجبلة، كلها بمعنى واحد، وهي معنى الفطرة اللغوي.
وأما تعريفه الشرعي لها، فيذهب الشيخ رشيد إلى تفسير الفطرة في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وفي الأحاديث الواردة فيها، كحديث "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث ٢، بأنها الفطرة على المعرفة بالله تعالى وتوحيده، فقال بعد أن ذكر الآية والحديث بألفاظ مختلفة: "..إن الله تعالى فطر آدم عل معرفته وتوحيده وشكره وعبادته.." ٣.
ويقرر في موضع آخر أن التوحيد هو "مقتضى الفطرة" ٤ " ويمكن استنباطه بالفطرة" ٥ وكما أن الله تعالى خلق آدم على هذه المعرفة، فقد خلق بنيه كذلك، فيقول الشيخ ﵀: "خَلْقُ بني آدم مستعدين لمعرفة الله تعالى وإشهاد الرب إياهم على أنفسهم أنه ربهم، وشهادتهم بذلك بمقتضى فطرتهم، وما مُنِحُوه من العقل والفكر.." ٦.
ونلاحظ من هذا النص ربط الشيخ رشيد بين الفطرة والميثاق الأول، وسيأتي - إن شاء الله - مزيد بيان لهذا الربط.
ونفهم من نصوص أخرى للشيخ رشيد، أنه يفسر الفطرة بمعنى الدين والإسلام، ولكنه دين وإسلام فطري مطلق، ويفرق بينه وبين الدين التعليمي الذي مصدره الوحي.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٣٨) ٢ سبق تخريجه. ٣ تفسير المنار (٧/ ٦٠٨) ٤ المصدر السابق (٩/ ٥٦٠) ٥ المصدر نفسه (٨/٢٧٣) ٦ المصدر السابق (٩/ ٥٧٤)
[ ٢٧٧ ]
أما تفسيره للفطرة بأنها الدين، وأن تغييرها هو تغيير الدين فأخذته من قوله: "وتغيير خلق الله وسوء التصرف فيه عام يشمل التغيير الحسي كالخصاء، ويشمل التغيير المعنوي، وقد روي عن ابن عباس وغيره أن المراد بخلق الله دينه، لأنه دين الفطرة، وهي الخلقة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١".
وأيضًا يفهم ذلك من قوله تعليقًا على قول شيخه "محمد عبده":"تغيير الفطرة الإنسانية بتحويل النفس عما فطرت عليهمن الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق الله ويطمسون عقول الناس"
" أقول: إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين لأن من قالوا: إنه تغيير الدين استدلوا بآية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ كما ذكرنا آنفًا.." ٢. فالفطرة هي الدين عند الشيخ رشيد، وتحويلها وتغييرها هو تغيير للدين.
وأما تعريف الشيخ محمد عبده للفطرة وتغييرها فسنرجع له بعد قليل.
وأما تفسير الشيخ رشيد للفطرة بأنها الإسلام فيؤخذ من قوله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، قال: "أي بمقتضى الفطرة" ٤.
وعند قوله تعالى: " ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ٥، فقد فسر الشيخ محمد عبده إسلام الكره بأنه إسلام الفطرة
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٥/٤٢٨) ٢ المصدر السابق (٥/٤٢٩) ٣ سورة آل عمران: الآية (٨٠) ٤ المصدر السابق (٣/ ٣٩٤) ٥ سورة آل عمران: الآية (٨٣)
[ ٢٧٨ ]
فأريد هنا أن أنبه على أمرين: أحدهما: مسألة فطرية الاستدلال، فإن الشيخ محمد عبده، شارح العقائد العضدية، إن كان يريد بالاستدلال نظم الأدلة المنطقية على طريقة المتكلمين، فيقال له: إن هذا ليس فطريًا، بل لا يحسنه إلا من يحسن الجدل، وما هو إلا بالتعلم.
وإن كان يريد به:"نفس طلب العلم بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه ما منهم أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن نوع الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك" ١.
والذي يرجح عندي أنه إنما يقصد النظر والاستدلال بالمعنى الثاني، أي الفطري، قوله: "إن لم يكن ظاهر البداهة" فإن المتكلمين إنما يستدلون على ما هو ظاهر بالبداهة كحدوث الإنسان والعالم.
وأما الأمر الثاني: فهو أن الاستدلال على النحو الذي فصل قبل، هو دين الفطرة، ولا ريب، إلا أنه ليس هو الفطرة كلها، وكما نقلنا عن السلف والخلف قبل قليل، أن الفطرة التي أشارت إليها آية سورة الروم، وحديث الصحيحين وغيرهما هي الدين أو الإسلام أو المعرفة بالله تعالى والإيمان به.
وكما أن للفطرة سننًا أخرى جبل عليها الإنسان، وما إليها بفطرته وطبعه، فالإنسان " مدني بالطبع، ومتدين بالطبع، وبالفطرة كما يقول الإسلام" ٢.
تفسير آخر للفطرة عند الشيخ رشيد:
وإن كنا قد رأينا الشيخ رشيد قد وافق السلف في تفسير الفطرة الشرعي، إلا أنه كان له رأي قديم، وقد عاد إليه وذكره، وقال إنه لا يخالف ما ذهب إليه في الجديد، إلا أنني رأيت من واجبي أن أقف قليلًا
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٧٤٣٩) ٢ رشيد رضا: الوحي المحمدي (ص:٢١)
[ ٢٨٠ ]
عند هذا الرأي لأنه يحتاج إلى تفصيل وتوضيح. قال الشيخ رشيد ﵀:
"وفسر كثير من العلماء الفطرة بالاستعداد للخير والشر والحق والباطل، ورواية مسلم هكذا: "كل مولود تلده أمه على الفطرة فأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم" وهو الذي جرينا عليه في كتابنا الحكمة الشرعية ولا تنافي.."١.
والذي أريد أن أقوله: إن ظاهر كلام الشيخ يد ل على أن الناس خلقوا مستعدين للأمرين دون ميل إلى أحدهما، فإذا كان الخير وهو معرفة الله تعالى وما يتبعها، والشر هو إنكار ذلك وما يتبعه من الكفر كان الناس مخلوقين خالين من هذين، كالصفحة البيضاء التي تقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وحينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والتمجيس والإسلام، وهذا يقتضي أنها - أي الفطرة - لا تذم ولا تمدح، وهذا القول غير صحيح، فالآية تشعر بمدح هذه الفطرة، والأمر بلزومها، فلا بد أن يكون في هذه الفطرة الممدوحة ميل إلى الحق والمعرفة بالله ومحبته وعبادته، لولا المعارض المانع من ذلك، وإلا لما استحقت المدح والأمر بلزومها.
"وأما إذا كان المراد بهذا القول أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإن صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان.."٢.
ويتضح من هذا النقل أن الفطرة لا بد أن تكون ميلًا إلى الحق والمعرفة حتى تكون ممدوحة، مأمورًا بلزومها، وإلا لو كانت مستوية الأجزاء لامتنع مدحها لاستواء نسبتها حينئذ إلى ما استعدت إليه دون ميل منها إلى أحد أفراده. ومهما يكن من شيء فإن التعريف الصحيح هو ما
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٨/ ٢١) وانظر: أيضًا التفسير (٩/ ٥٧٤) وانظر: مسلم: الصحيح، ك: القدر، ح: ٢٥ (٢٦٥٨) (٤/٢٠٤٨) ٢ ابن تيمية: درء التعارض (٨/ ٤٤٥) .
[ ٢٨١ ]
ذهب إليه الشيخ رشيد بوضوح، لا سيما في آخر مؤلفاته - الوحي المحمدي - بأنها الدين.
مفسدات الفطرة:
إذا كان التوحيد هو من مقتضى الفطرة، كما أن من مقتضاها الميل إلى النظر والاستدلال، وطلب الحق بالدليل، فإن الشيخ رشيد يعتبر الشرك والتقليد من أكبر المفسدات لهذه الفطرة، فيقول:
"ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكننناه حقيقتها العقول، أي لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها - وهو الله عزوجل - وكأن أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الإنسان ويعيا في فهم حقيقتها بادئ الرأي،.. وهذا هو أصل الشرك.. ويتلو هذا الفساد والإفساد: التقليد الذي يمده ويؤيده ويحول بينه وبين العقول التي كمل الله بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير.." ١.
والحق أن المشركين الذين فسدت فطرتهم إنما استندوا إلى التقليد في قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢.
ويرى الشيخ رشيد أن هذا الفساد الذي يعرض للفطرة فيغيرها ويبدلها، من الممكن أن يعالج، وتعود الفطرة لسلامتها واستقامتها، وذلك باتباع دين الإسلام الذي هو دين الفطرة. ٣.
الفرق بين الدين الفطري والدين التشريعي:
وإذا قيل الدين الفطري، وأن الإنسان يولد على الفطرة، فليس معناه أن الإنسان يولد عالمًا بالشريعة، فإن هذا مما ينافيالفهم الصحيح
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٥/ ٤٢٩) ٢ سورة الأحزاب: الآية (٢٣) ٣ الوحي المحمدي (ص:٢٤١)
[ ٢٨٢ ]
لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ١.
فيفرق الشيخ رشيد بين الدين الفطري والدين التعليمي الذي مصدره الوحي.
"فالدين الفطري هو خلق الله وآثار قدرته، وليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ﵈ فإن هذه الأحكام من كلام الله الذي أوحاه إليهم ليبلغوه وليبينوه للناس، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه.."٢.
ويسميه أيضًا الدين المطلق ويشرحه قائلًا: "والدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون، والسنن والأسباب التي قام بها نظام كل شيء في العالم، فربُّ هذا السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري، وطلب العرفان الغيبي المودعين في الغريزة.."٣.
ونقف هنا عند قول الشيخ:"المصدر الذاتي للنفع الضر المحركين لشعور التعبد الفطري" ففيه إشارة هامة إلى أن اعتقاد النفع والضر هو المحرك للعبادة، ويجب أن نكون على ذكر منه لأننا سنرجع إليه عند الكلام عل الشرك في العبادة لا سيما الدعاء، وسنرجع أيضًا بعد قليل إلى التعبد الفطري والعبادة الفطرية، ونرى شرح الشيخ رشيد لها، وقبل ذلك نقف على العلاقة بين الدين الفطري والدين التعليمي. (أو الشرعي)
العلاقة بين الدين الفطري والدين الشرعي:
ويقابل هذا الدين الفطري الدين التعليمي أو التشريعي، ويعرفه الشيخ رشيد بأنه "وضع إلهي يوحيه الله إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم في العمل بمقتضى غريزة الدين.."٤.
_________________
(١) ١ سورة النحل: الآية (٧٨) ٢ تفسير المنار (٥/ ٤٢٩) ٣ الوحي المحمدي (ص:٢٣) ٤ المصدر نفسه (ص: ٢٤٠ـ ٢٤١)
[ ٢٨٣ ]
وعن العلاقة بينهما يقول الشيخ رشيد إن الدين التعليمي: "شرع لتكميل استعداد البشر للرقي في العلم والحكمة ومعرفة الله عزوجل المعدة إياهم لسعادة الآخرة، فليس فيه شيء يصادمها، فهذا الدين التعليمي حاجة من حاجّ الفطرة البشرية لا يتم كمالها بدونه، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده.."١. ويقول:
" إن الدين الفطري هو الأصل الذي بني عليه الدين التشريعي ٢. فالإسلام - مثلًا - ومثله كل دين ورسول أرسله الله تعالى قد "شرع لمساعدة العقل على حفظ مواهب الله تعالى في الفطرة ومنع الهوى من إفسادها وصدها عن الوصول إلى كمالها، ولذلك سمي دين الفطرة.."٣.
ثم يشرح لنا هذا المعنى - كون الإسلام دين الفطرة - قائلًا: "..هو أنه موافق لسنن الله تعالى في الخلقة الإنسانية لأنه يعطي القوى الجسدية حقوقها والقوى الروحانية حقوقها ويسير مع هذه القوى على طريق الاعتدال حتى تبلغ كمالها.."٤.
وإن كان هذا هو شأن الإسلام، ومثله كل دين صحيح أنزله الله، فإن الأديان المحرفة المطورة "المجددة" تبدو - بعد التحريف - وكأنها شرعت لتقاوم الفطرة الإنسانية، وتسير في اتجاه معاكس لخلقة الله تعالى، لذلك فإنها قد وجدت ردّ فعل يناسب هذا الاتجاه، وهو انصراف أصحابها عنها لا سيما ذوي العقول العصرية منهم.
لقد بدل الإسلام الاعتقاد السائد بأن الأديان شرعت "لمقاومة مقتضى الخلقة وأن أصوله فوق قضايا العقول وأحكامه وراء مدى الأفهام، وأن الغرض منه تعذيب النفس وحرمانها نعيم الدنيا، وأنه لا حق لصاحب الدين في طلب الدليل.. أما القرآن فقد أتى على مثل هذه القواعد التقليدية فنسفها نسفًا وبين للناس أن الدين مع الفطرة في قرن، ارتقاؤه هو ارتقاء الفطرة،
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه. ٣ تفسير المنار (٨/ ٢٥٣) ٤ مجلة المنار (٨/ ١٨ـ ٢١)
[ ٢٨٤ ]
وضعفه هو ضعف الفطرة، وفساده هو فساد الفطرة.." ١.
وكذلك فإن معنى ولادة كل مولود عل الفطرة " أنه يولد مستعدًا للارتقاء بالإسلام الذي يسير به على سنن فطرته التي خلقه الله عليها.. وإن كان له أبوان على غير ملة الإسلام يطبعان في نفسه التقاليد التي تحيد به عن صراط الفطرة.."٢، ويعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه دينًا محرفًا منسوخًا بدلًا من إكمالها" ٣.
العبادة الفطرية:
وإذا كان الدين التعليمي التشريعي يشتمل على عبادات تشريعية الوضع، فهل يشمل الدين الفطري على عبادة فطرية كذلك؟ وما هي العبادة الفطرية؟
ويجيب الشيخ رشيد عن هذين السؤالين بالإثبات، فيرى أن الدين الفطري الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبي فوق الكون.. يشتمل على عبادة فطرية هي: "التوجه الوجداني إلى هذا الرب الغيبي في كل ما يعجز الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه، ويعجز عنه بكسبه ودفع ضر يمسه، أو يخافه، ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته، وفي كل ما تشعر فطرته باستعداده لمعرفته، والوصول إليه مما لا نهاية له.. وإنما روح العبادة الفطرية ومخها هو دعاء ذي السلطان العلوي، والقدرة الغيبية التي هي فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله في عالم الأسباب، ولا سيما الدعاء عند العجز وفي الشدائد، قال ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ٤ هكذا بصيغة الحصر، أي هو الركن المعنوي الأعظم منها.."٥.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه، نفس الموضع. ٢ المصدر السابق: نفسه. وقارن مع: ابن تيمية: درء التعارض (٨/ ٤٦١) ٣ الوحي المحمدي (ص:٢٤١) ٤ الترمذي: السنن: ك: التفسير، ح: ٢٩٦٩ وقال: هذا حديث حسن صحيح (٥/ ٢١١) وابن ماجه، ك: الدعاء، باب١، ح: رقم: ٣٨٢٨، (٢/ ١٢٥٨) وقال الألباني: صحيح. ٥ الوحي المحمدي (ص:٢٣٩ـ ٢٤٠) .
[ ٢٨٥ ]
ولذلك - وكما يقول الشيخ رشيد ـ: "فقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة، بل زهاء سبعين بعد سبعين مرة، لأنه روح العبادة ومخها، بل هو العبادة التي هي دين الفطرة كله، وما عداه من العبادات فوضعي تشريعي من تعليم الوحي، فهو يغذيها وينقيها من شوائب الآراء وينفي عنها تقاليد الأهواء.." ١.
فوظيفة العبادة التشريعية هي ما ذكر الشيخ رشيد، من تقوية الشعور الفطري، وتنقية العبادة الفطرية مما قد يشوبها من الآراء والتوجهات الفاسدة المفسدة لها، بسبب الجهل أو التقليد الأعمى.
ونلاحظ في تعريف الشيخ رشيد للدين المطلق أو الفطري، أنه يفسر لنا سبب هذا التوجه الفطري بالدعاء إلى فاطر السماوات والأرض، بأنه الاعتقاد بأنه المصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري، وهو الدعاء ٢.
وهي ملاحظة هامة، سنرجع إليها إن شاء الله تعالى عند الكلام على مباحث الألوهية.
ويؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد من تقرير هذه العبادة الفطرية، ما ذكره الله تعالى في كتابه عن الناس عامة وعن المشركين أيضًا، من أنهم يلجأون إليه عند يأسهم من الأسباب، وقربهم من الهلاك ٣.
الفطرة والميثاق:
ويربط الشيخ رشيد بين الفطرة والعهد الإلهي، أو الميثاق الأول، الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، بربوبيته تعالى لهم، وإقرارهم بذلك.
فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ..﴾ ٤ قال:
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٧١) ٢ راجع (ص:٤٤٥) من هذا البحث. ٣ انظر مثلًا: سورة الإسراء، الآية (٦٧) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٧)
[ ٢٨٦ ]
"..هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي، وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني المكمل الذي هو الدين، فالعهد فِطري خَلقي، وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول؛ وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعًا.. والله تعالى وثق العهد الفطري بجعل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك السنن الإلهية في الخلق، ووثق العهد الديني بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات.. وقد وثق العهد الأول بالعهد الثاني أيضًا.." ١.
وقد فسر الشيخ رشيد هذا العهد الفطري على البشر بقوله: "فعهد الله هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس بالنظر والاعتبار والتجربة والاختبار أو العقل والحواس ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالًا صحيحًا.." ٢.
فعهد الله هو العقل والحواس السليمة التي وهبها الله تعالى للناس ليفهموا بها سننه في الخلق والكون فيهتدوا بسببها، إلى الإيمان، وليس قولًا وردًا وقبولًا.
ويتضح لنا ذلك الرأي أكثر، عند تفسير آية سورة الأعراف الآتية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣،
قال الشيخ رشيد: "هذه الآيات سياق جديد في شؤون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرهم وركب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره.." ٤.
ويشرح الشيخ رشيد هذا الميثاق الفطري فيقول: "والمعنى: واذكر أيها
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٢٤٢) ٢ المصدر نفسه (١/ ٢٤٢) ٣ سورة الأعراف، الآيات (١٧٢، ١٧٣) ٤ تفسير المنار (٩/ ٣٨٦)
[ ٢٨٧ ]
الرسول.. ما أخذه الله من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطنًا بعد بطن، فخلقهم على فطرة الإسلام، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أن كل فعل لا بد له من فاعل، وكل حادث لا بد له من محدث، وأن فوق العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات سلطانًا أعلى على جميع الكائنات، هو الأول والآخر، وهو المستحق للعبادة وحده.." ١.
ويبدو واضحًا أن الشيخ يرى أن هذا الميثاق كان إرادة كونية وخِلقة طبيعية، خلق عليها الناس، وفطروا على إقرارها، كقانون السببية، الذي هو أساس الاعتقاد البشري الفطري بوجود الخالق.
وليس هذا الميثاق والحوار والسؤال والجواب وحيًا قوليًا، ولا كان الجواب بلسان المقال، بل بلسان الحال، ويصرح الشيخ بذلك قائلًا: "أي: أشهد كل واحد من هذه الذرية المتسلسلة على نفسه بما أودعه في غريزته واستعداد عقله قائلًا قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتلقين، ألست بربكم؟ فقالوا كذلك بلغة الاستعداد ولسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا" ٢.
وبهذا يميل الشيخ رشيد إلى أحد القولين في تفسير هذا الميثاق، وهو الرأي القائل، بأن استخراج الذرية، هو خلقه تعالى لها جيلًا بعد جيل، على ترتيبهم في الوجود، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، ودلهم بخلقه على أنه خالقهم فقامت هذه الدلالة مقام الإشهاد، فتكون هذه الآية من باب التمثيل ٣.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٣٨٧) ٢ المصدر نفسه (٩/ ٣٨٧) ٣ انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٣/ ٢٩٠)، وصديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ٤٥٢)، وناصر السعدي: تيسير الكريم الرحمن (٣/ ٥٦)، ومحمد الأمين الشنقيطي: أضواء البيان (٢/٣٠٠)، النسفي: مدارك التأويل (٢/ ٨٥) ط. دار إحياء الكتب العربية، مصر.
[ ٢٨٨ ]
وأما الرأي الثاني، وهو المؤيد بالأحاديث المرفوعة والموقوفة فهو: "أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق.." ١.
وهذا الرأي الذي مال إليه الشيخ رشيد قائلًا: "هذا ما يتبادر فهمه من الآيات لذاتها.." ٢ قد قال به من قبله بعض السلف، ومن القائلين به: شيخ الإسلام ابن تيمية ٣ وابن القيم ٤.
والعلة من هذا الإشهاد عند الشيخ رشيد - ومعه أصحاب هذا الرأي - "..أي: فعلنا هذا منعًا لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا إذا أنتم أشركتم: إنا كنا غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الإلهية بعبادة الرب وحده والمراد أن الله تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد آبائهم وأجدادهم كما أنه لم يقبل منهم الاعتذار بالجهل، بعدما أقام عليهم من حج الفطرة والعقل" ٥.
ولقد ذكر الشيخ رشيد الرأي الثاني، وأشار إلى أن الأحاديث التي تؤيده موقوفة، وأنها "كانت موضوع بحث ومناقشة بين علماء المعقول والمنقول.." ٦.
ومن واجبي الآن أن أبين للقراء، أن الرأي الثاني هو الصواب، وهو
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٨/ ٤٨٢)، وحاشية محمد رشاد سالم (٨/ ٤٨٢) و٤٨٣)، وانظر: أحمد شاكر: المسند (٤/ ١٥١) بالحاشية. وانظر: الطبري: جامع البيان (١٣/ ٢٢٢) ت: محمود وأحمد شاكر، وصديق حسن خان: المصدر السابق، وأبو السعود: المصدر السابق، والجمل: الفتوحات الإلهية (٢/ ٢٠٧)،والنسفي: المصدر السابق، ومحمد الأمين الشنقيطي: المصدر السابق. ٢ تفسير المنار (٩/ ٣٨٨) ٣ درء التعارض (٨/ ٤٨٢ - ٤٨٥) ٤ الروح (ص: ٢٥٠ - ٢٦٥) ٥ تفسير المنار (٩/ ٣٨٧ - ٣٨٨) ٦ المصدر السابق، وانظر: مصادر حاشية رقم (٢) في الصفحة السابقة.
[ ٢٨٩ ]
الذي يدل عليه ظاهر القرآن، وتؤيده الأحاديث الصحيحة، المرفوعة والموقوفة، ومنها وأصرحها حديث ابن عباس ١ وقد صح مرفوعًا، فوجب المصير إليه وطرح ما سواه.
ومما يؤيد المرفوع الآثار الموقوفة ٢ وعدم بيان الميثاق في بعض الأحاديث ليس مستلزمًا لعدمه، وعليه فإن قوله تعالى ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ مسقط لعذر الغفلة والنسيان، لأنه متعلق بفعل مضمر يقتضيه الكلام، والمعنى: فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيان كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة إنا كنا عن ذلك الميثاق غافلين لم ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه ٣، وأما سبب نسيانه، فلأن "تلك البنية قد انقضت وتغيرت أحوالها بمرور الزمان عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات.." ٤.
وقد روي عن بعض السلف، أنه كان يذكر ذلك العهد والميثاق ٥.
استدلال الشيخ رشيد بالفطرة:
واستدل الشيخ رشيد - بعد تعريفه للفطرة، وتفسيره لها، بالفطرة، على وجود الله تعالى ومعرفته، واعتبرها دليلًا أصيلًا يحال عليها في هذه المسألة، وأجاب عن الاعتراضات الواردة على هذا الدليل.
فاستدل أولًا لها من الكتاب العزيز؛ فقال: "..ويدل عليه ما جاء في القرآن من محاجة الأنبياء لأقوامهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ
_________________
(١) ١ انظر: تعليق أحمد شاكر على الطبري (١٣/ ٢٢٢) حاشية، وتعليقه على المسند (١/ ١٥١) حاشية ٢ انظر هذه الآثار عند الطبري: جامع البيان (١٣/ ٢٢٢ - ٢٥٠) وتعليق الشيخ أحمد شاكر ﵀ عليها. ٣ أبو السعود: المصدر السابق (٣/ ٢٩١) ٤ انظر: الجمل: الفتوحات الإلهية (٢/ ٢٠٩) . ٥ الجمل: المصدر نفسه، وصديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ٤٥٧)
[ ٢٩٠ ]
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ..﴾ ١ فجواب الأمم لأنبيائهم عن قولهم ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بقولهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يدل على أنهم لميكونوا شاكين في وجود الله تعالى وإنما شكهم في النبوات.." ٢.
ويستدل الشيخ أيضًا بالاستقراء التاريخي، "فإنه لم توجد أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب إلا وهو يعتقد بإله للكون وموجد للعالم" ٣.
وبناءً على ذلك "فقد ذهب بعض العلماء والحكماء إلى أن معرفة الله تعالى فطرية في البشر لا حاجة بهم إلى الاستدلال عليها، لولا ما أحدثته اصطلاحات العلوم والفنون من البحث في الضروريات والبدهيات" ٤.
فإذا قيل: إذا كان الدين ومعرفة الله تعالى ضرورية فطرية، فكيف وجد من الناس من أنكر وجود الخالق، فلو كان هذا الاعتقاد فطريًا ضروريًا في البشر لما وجد من ينكره، ويجيب الشيخ قائلًا:
"والجواب الصحيح: أن هؤلاء الشّذاذ قد أصابهم مرض في عقولهم خرج بهم عن مزاج الفطرة المعتدل بالنسبة لهذه العقيدة، والعقول تمرض كما تمرض الأجسام" ٥. ".. ويحال شذوذهم على مرض عرض لهذا الشعور الفطري كما يعرض للإحساس بالحلاوة مرض يمنع من إدراكها" ٦.
وإذا كان الإيمان بالله تعالى فطريًا، فالدين حاجة من حاجات البشر الضرورية، وأما الإلحاد والتعطيل فهو "نقص في الفطرة والخلقة، أليس يولد
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآيات (٩ـ ١٠) ٢ مجلة المنار (٢/ ٥٢٣) ٣ المصدر نفسه. ٤ مجلة المنار (٧/١٣٨) ٥ المصدر نفسه (٢/٥٢٣) ٦ المصدر نفسه (٧/١٣٨)
[ ٢٩١ ]
المطلب الثاني: النظر في الملكوت:
لقد دعا الله ﵎ عباده إلى النظر وإعمال الفكر والعقل، لكي يتوصلوا إلى الحقائق العليا في هذه الحياة.
[ ٢٩٢ ]
فالنظر والتأمل والفكر من وسائل المعرفة وطرائقها، "ألا وإن أعلى العلوم العقلية والمعارف الروحية في هذه الدنيا هو معرفة الله ﷾ والعلم بمظاهر أسمائه وصفاته في خلقه والوقوف على سننه وأسراره فيها، وكشف الحجب عما أودع الله فيها من الجمال والجلال " ١.
ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز، وهو آياته المنزلة، شيئًا كثيرًا من آياته المخلوقة في الكون والإنسان، وبين ما فيها من سنن وآيات ترشد إلى معرفة الله تعالى بصفاته العليا، من قدرة وحكمة وعلم وإرادة..
" وما زال أصحاب الهمم العالية من العلماء والحكماء يستدلون بما ظهر لهم من تلك السنن والآيات على كمال مبدعها ومبدئها ومصرفها، وتتطلع عيون عقولهم إلى كيفية صدور الوجود الممكن الحادث (وهو مجموع هذه العلوم العلوية والسفلية) عن الوجود الأزلي الواجب.." ٢.
ولقد نعى الله تعالى على الذين لا يستخدمون حواسهم من سمع وبصر، في التأمل والتدبر، وفهم آيات الله الكونية والشرعية.
قال تعالى عن هؤلاء الغافلين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣.
" أي لهم أبصار وأسماع لا يوجهونها إلى التأمل والتفكر فيما يرون من آيات الله في خلقه، وفيما يسمعون من آيات الله المنزلة على رسله.. فيهتدوا بكل منها إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ أي: عن آيات الله في الأنفس والآفاق التي تهدي إلى معرفة العبد نفسه وربه" ٤.
_________________
(١) ١ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٩/ ١٥٠) ٢ المصدر نفسه. ٣ سورة الأعراف: الآية (١٧٩) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٢٦)
[ ٢٩٣ ]
ولكن ما حقيقة النظر الذي يدعو إليه ربنا ﵎، وما الفرق بينه وبين النظر الذي أوجبه المتكلمون، وقالوا: إنه الطريق الوحيد لمعرفة الله تعالى؟
تعريف الشيخ رشيد للنظر والفكر:
أما الفكر فيقول عنه:"وأكثر ما استعمله التنزيل في آيات الله ودلائل وجوده ووحدانيته، وحكمته ورحمته" ١، قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ ٢.
وأيضًا فإن استعمال القرآن لكلمتي الفكر والتفكير يدل "على أنهما في العقليات المحضة أو في العقليات التي مبادئها حسيات" ٣.
أما عن النظر فيقول: ".. واستعمال القرآن يدل على أن النظر العقلي مبدأ من مبادئ الفكر والتفكير، كما أن مبدأه هو النظر الحسي في الغالب كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٤. إلخ. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ ٥إلخ. ومنه النظر في عاقبة الأمم برؤية آثارها في عدة آيات.."٦.
فالفكر يكون في العقليات المحضة أو التي مبدأها الحس، أما النظر فمبدأه هو النظر الحسي في الملكوت والآيات فهذا هو النظر وهذا هو محله، وليس القضايا الجدلية، والأقيسة المنطقية الجافة، والفروض الذهنية المجردة، والذين يذهبون إلى هذا النظر معتقدين أنه يؤدي إلى معرفة الله واهمون، يقول الشيخ رشيد واصفًا هؤلاء بأنهم "الواهمون أن معرفة الله
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٤٦٠) ٢ آل عمران، الآية (١٩١) ٣ المصدر نفسه. ٤ سورة الغاشية: الآيات (١٧ـ ٢٠) ٥ سورة: ق الآية (٦) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٦٠ـ ٤٦١)
[ ٢٩٤ ]
تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا لكان الله سبحانه قد استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر الدور والتسلسل وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة، وغير ذلك من المخلوقات التي ارشدا القرآن إلى النظر فيها.."١.
وهذا هو النظر الشرعي، فإنه إذا قيل: هل النظر واجب، قلنا النظر الواجب هو النظر الشرعي، أي الذي أمر به الشرع وليس النظر الاصطلاحي الذي اصطلح عليه المتكلمون ٢.
فالنظر القرآني نظر عقلي يخاطب العقول السليمة المنتجة، وهو نظر شرعي لأن الشرع أرشد إليه وأمر به ٣.
ومحل هذا النظر الشرعي هو الكون وما فيه من مخلوقات متنوعة برية ومائية وسماوية وأرضية، ليلية ونهارية، مما لا ينقضي العجب من تنوعها وتعددها، ولكل خلق منها نظام وقوانين وأعراف: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٤.
فهذا هو محل النظر والاعتبار وليس القضايا المنطقية الجافة. "نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٥ وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢/ ٦٤) ٢ انظر: ابن تيمية: النبوات (ص:٧٠) ٣ المصدر نفسه (من ص: ٧٠ـ ٧٣) ٤ سورة الأنعام: الآية (٣٨) ٥ سورة الكهف: الآية (١٠٩)
[ ٢٩٥ ]
أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ١.فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال.. ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك.." ٢. لذلك - وكما يقول رشيد رضا - " إن أجدر الناس بقوة الإيمان بالله تعالى علماء الطبيعة الواقفون على ما لا يعرفه غيرهم من علماء الدين بنظام الكون وآيات الله تعالى فيه. وهم العلماء المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ٣ فلا ريب أن المراد هنا العلماء بآياته تعالى وحكمه في نظام هذه الكائنات المذكورة في الآيات" ٤. وكانت القسمة التي ذكرها رشيد رضا من أن لله كتابين أحدهما كتاب الكون المخلوق والآخر الكتاب المنزل غير المخلوق، تقتضي أن يدخل في هذه الآية أيضًا علماء الدين الذين يرشدون علماء الكون إلى آيات الله تعالى كما قال رشيد رضا: "إنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك" ٥.
وينتقل بنا القرآن الكريم من هذا الإجمال والأمر العام بالنظر والفكر، إلى تفصيلات وجزئيات في الخلق، مما نلمسه ونشاهده في حياتنا اليومية، من آياته تعالى في الآفاق وفي أنفسنا، مما قد نغفل عنه لتكراره أمام عيوننا، فيدفعنا إلى النظر فيه ويلفت انتباهنا إلى ما أودع فيه من الآيات التي تُورث الناظر فيها اليقين التام والمعرفة الحق بالخالق ووحدانيته وربوبيته
_________________
(١) ١ سورة لقمان: الآية (٢٧) ٢ تفسير المنار (٢/ ٦٤) وقارن مع ابن الوزير: البرهان الساطع (ص: ٧٠ وما بعدها) ٣ سورة فاطر، الآية (٢٧ و٢٨) ٤ مجلة المنار (١٣/ ٩١٤) وانظر أيضًا: مجلة المنار (٢/ ٤٠٤) وهذا الحصر غير مسلم، يدخل معهم العلماء بآيات الله المنزلة، وقد كان الصحابة أكمل الناس إيمانًا ولم يكونوا من علماء الكون. ٥ تفسير المنار (٢/ ٦٤)
[ ٢٩٦ ]
ورحمته وحكمته وسائر صفاته، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١ ويفسر لنا رشيد رضا هذه الآية قائلًا: "هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتًا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى ٢ على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها.. وهذه الآيات أجناس:
(الأول والثاني) منها: خلق السماوات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها.." ٣.
ثم يفصل القول في السماء وحدها فيقول: "تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عم بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كامل محكم، ولا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظامًا عامًا واحدًا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره وحكمته وتدبيره.." ٤.
ثم يتحول إلى الأرض وآياتها فيقول: "هذه هي السماوات نشير إلى آياتها عن بعد ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ٥ ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها.." ٦.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (١٦٤) ٢ يعني قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ سورة البقرة، الآية (١٦٣) ٣ تفسير المنار (٢/ ٥٧ - ٥٨) ٤ المصدر السابق والصفحة. ٥ سورة الذاريات، الآية (٢٠) ٦ تفسير المنار (٢/ ٥٧ - ٥٨)
[ ٢٩٧ ]
ثم ينتقل إلى بقية الآيات، المذكورة في الآية، قائلًا: " (والجنس الثالث) قوله ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وهو أن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك.. وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل. وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول من آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المفرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره ١.
وفي اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة ما ذكره الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ ٢ وفي معناها آيات أخرى.
وإلى المنافع الدينية أشار قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ٣.
(الجنس الرابع) قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ .. وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في أسفارهم وتجاراتهم.. فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم.
(الجنس الخامس) قوله ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ .. ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ .. وقد وصف الله
_________________
(١) ١ المصدر السابق والصفحة. ٢ سورة الإسراء، الآية (١٢) ٣ سورة الفرقان، الآية (٦٢)
[ ٢٩٨ ]
تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة.. فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات.. الظاهر والمراد أولًا بالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١.
وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائمًا فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٢..فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصل الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواعهذا هو الماء في كونه مطرًا وفي كونه سببًا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه، فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضًا، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متفاوتتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة.. فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة، وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.. هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿آيَاتٌ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية (٣٠) ٢ سورة الحج، الآية (٥)
[ ٢٩٩ ]
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الاتقان والإحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكته وفضله ورحمته، وعلى استحقاق العبادة دون غيره من بريته.. وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا، وأكثرهم جهلًا.." ١.
وقد أطلت النقل هنا عن الشيخ رشيد رضا لشيئين: الأول: لتعرف الفرق بين النظر الذي أرشد إليه القرآن وبين نظر المتكلمين. والثاني: الوقوف على قدرة الشيخ رشيد في إيضاح ذلك، وبلاغته وحسن بيانه.
ولم يترك الشيخ رشيد الفرصة ههنا، فينعى على المسلمين، لا سيما علماء الدين منهم، تقصيرهم في دراسة العلوم المتصلة بهذه الآيات ٢.
وكل ما ذكر في هذه الآية وتفصيل شرحها، وهو يتضمن نوعين من الدلالات، دلالة الاختراع أو الخلق، ودلالة العناية.٣. ولا تنحصر طرق القرآن في هاتين الدلالتين كما زعم بعضهم ٤.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥.قال الشيخ رشيد: "الملكوت الملك الأعظم.. والمراد بملكوت السماوات والأرض مجموع العالم، لأن الاستدلال به على قدرة الله وصفاته ووحدانيته أظهر، فإن العالم في جملته لا يمكن أن يكون قديمًا أزليًا، ولا نزاع بين علماء الكون في إمكانه ولا في حدوث كل شيء منه وإنما يختلفون في مصدره وهو لا يمكن أن يكون من عدم محض، لأن العدم المحض لا حقيقة له في الخارج بل هو أمر فرض فلا يعقل أن يصدر عنه وجود - ولا يمكن أن يكون بعضه قد أوجد البعض الآخر، وهذا
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٢/ ٥٩ - ٦٣) ٢ المصدر نفسه (٢/ ٦٤) . ٣ ابن رشد: مناهج الأدلة (ص: ١٥٠) الأنجلو مصرية، ت: د. محمد قاسم. ٤ انظر: رد هذا القول عند ابن تيمية: درء التعارض (٩/ ٣٣٠) ٥ سورة الأعراف، من الآية (١٨٥)
[ ٣٠٠ ]
بديهي، ولذلك لم يقل به أحد، فلا بد إذًا من أن يكون صادرًا عن وجود آخر غيره وهو اله واجب الوجود" ١.
وإذا كانت البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، أفلا يدل هذا الملكوت العظيم على أن "مصدره واحد وتدبيره راجع إلى علم عليم واحد وحكمة حكيم واحد، ﷾، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ٢ ٣.
وتكرر الأمر بالنظر أيضًا، مع توجيهه إلى آيات الكون، في سورة أخرى، هي سورة يونس، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ٤ والمعنى، كما يشرحه رشيد رضا: "..انظروا بعيون أبصاركم وبصائركم ماذا في السماوات والأرض من آيات الله البينات والنظام الدقيق العجيب في شمسها وقمرها وكواكبها ونجومها وبروجها ومنازلها وليلها ونهارها وسحابها ومطرها وهوائها ومائها وبحارها وأنهارها وأشجارها وثمارها.. ففي كل من هذه الأشياء التي تبصرون آيات كثيرة تدل على خالقها وقدرته ومشيئته وحكمته، ووحدة نظامه في جملتها وكل نوع منها هو الآية الكبرى على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته.." ٥.
هذه آيات الله فيما حولنا، من أجزاء الكون وظواهره، وأما أنفسنا التي بين جنوبنا، فلها شأن آخر، فيقول السيد رشيد بعد كلامه السابق مباشرة: ".. ثم انظرو ماذا في أنفسكم منها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٦ ٧ وقد تعرض آفات للناظر في هذه الآيات، الآفاقية والنفسية، فتحول بينه وبين النتيجة المطلوبة من هذا
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٥٧) ٢ سورة الطور، الآيتان (٣٥ و٣٦) ٣ تفسير المنار (٩/٤٥٧) ٤ سورة يونس، الآية (١٠١) ٥ تفسير المنار (١١/ ٤٨٦) ٦ سورة الذاريات، الآية (٢٠) ٧ تفسير المنار (١١/ ٤٨٦)
[ ٣٠١ ]
النظر، منها: أن الناظر قد تشغله الصنعة الجميلة الدقيقة، فيذهب في مسالكها وطرقها حتى تأخذ به إلى مكان بعيد، فينسى صانعها سبحانه، ويذهل عن صفاته ووحدانيته.
لذلك فإن الله تعالى قرن في سورة آل عمران بين النظر والفكر والذكر، حتى تكمل الفائدة. وهو ما أشار إليه الشيخ رشيد ١.
ومنها أيضًا: الاشتغال بالانتفاع بها في هذه الحياة الدنيا من غير ملاحظة كونها آيات دالة على أن لها ربًا خالقًا مدبرًا عليمًا حكيمًا.. ٢.
فهذه آفات قد تعرض للناظر، الذي تجاوز الغفلة، ولكن يقعد به الشيطان في بعض الطريق ليصده عن السبيل؟
هذا وقد قام ابن القيم - رحمه الله تعالى - ببيان حكمة الله تعالى في الخلق، في الأنفس والآفاق، وعجائب المخلوقات، وأسرارها، بيانًا دقيقًا مستوعبًا، فتناول أعضاء الإنسان عضوًا عضوًا، وأطوار خلقه، ثم عجائب خلق السماوات وما فيها من مخلوقات، وسائر آيات الله في الكون ٣، وما لم نعلمه من ذلك أكثر ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه «٤/ ٢٩٩) ٢ المصدر السابق نفسه (٩/ ٤٢٨) ٣ انظر: ابن القيم: مفتاح دار السعادة (١/٢٤٣) وما بعدها ٤ سورة الإسراء، من الآية (٨٥)
[ ٣٠٢ ]
المطلب الثالث: الرسل وآياتهم:
ومن أدلة معرفة الله تعالى، دليل "تصديق الأنبياء" أو دليل "المعجزة".
وهذا الدليل مما يفارق به أهل السنة المتكلمين في أدلة معرفة الله تعالى، فبينما يعتمده أهل السنة ٥، يرفضه المتكلمون الفلاسفة، لأنه دليل
_________________
(١) ٥ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٧/ ٣٠٢) و(٩/ ٤١ـ ٤٥)، وابن القيم: مختصر الصواعق: (ص: ١٦٠)، ط. دار الكتب العلمية، وابن الوزير: إيثار الحق (ص: ٥٣ - ٥٥)، والبرهان القاطع (ص: ٣٦ ـ٣٧) ط. المطبعة السلفية، مصر ١٣٤٩هـ
[ ٣٠٢ ]
سمعي ١ ولأن الله تعالى قبل معرفته يجوز أن يظهر المعجزة على يد الكاذب ٢.
والحق أنه دليل صحيح، دل عليه الكتاب العزيز في مواضع، وعليه آمن أكثر البشر.
يقول ابن الوزير ٣: "..فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الظاهرة وخوارقها الدامغة؛ أمر كبير وبرهان منير ما طرق العالم له معارض البتة، خصوصًا مع قدمه وتواتره،.." ٤.
ويُستدل لصحة هذا الدليل من الكتاب العزيز، بقصة موسى مع فرعون، فقد كان فرعون منكرًا للرب تعالى، إما حقيقة، أو ادعاءً، وطلب آية من موسى، فأخرج له موسى آيته دليلًا على ربوبية الله تعالى وتصديقًا لرسالته جميعًا ٥.
وأيضًا يستدل لصحة هذا الطريق، بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ٦.
"فهؤلاء لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الأنبياء.. بل بادروا وسارعوا إليه.. ويحتمل أن يكونوا سمعوا دعوة الرسول وآمنوا به ثم نظروا وتفكروا.." ٧.
_________________
(١) ١ انظر: ابن رشد: مناهج الأدلة (ص: ١٣٤) ٢ انظر: ابن الوزير: البرهان القاطع (ص: ٣٨) ٣ هو: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، من المجتهدين من أعيان اليمن. الزركلي (٥/ ٣٠١) وانظر: البدر الطالع (٢/ ٨١ ـ٩٣) ٤ إيثار الحق (ص: ٥٣) ٥ ابن تيمية: درء التعارض (٩/ ٤١) وابن الوزير: البرهان (ص: ٣٧) ٦ سورة آل عمران: الآية (١٩٣) ٧ تفسير المنار (٤/ ٣٠٢)
[ ٣٠٣ ]
وفي هذه الآية هذا الدليل بعد الإشارة، إلى النظر والفكر في ملكوت السموات والأرض، وأن خلقهما لا يكون باطلًا ولا عبثًا، فهذا ذكر للدليل السمعي بعد الدليل العقلي ١.
وتقرير هذا الدليل: أن تصديق الرسل بالمعجزات وغيرها من قرائن الأحوال وثبوت رسالتهم يتضمن إثبات المرسل لهم، وأنه أحدث هذه الآيات تصديقاُ لهم، وذلك أن هذه الآيات تدل على خالقها كدلالة سائر الآيات الكونية، فانقلاب العصا حية، والإتيان بكتاب خارج عن قدرة الجن والإنس على رجل أمي، أعظم من دلالة المشاهد المعتاد، كخلق الإنسان من نطفة ٢.
ونقول: بالمعجزة وغيرها، لئلا يلزمنا ما اعترض به المتكلمون على هذا الدليل، فإن النبوة إنما تثبت بها وبغيرها ٣.
ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل السمعي، وذهب إليه وقرره في عدة مواضع.
فبشكل عام يقرر الشيخ رشيد: " أن الله تعالى لم يؤيد رسله بما أيدهم به من معجزات إلا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهتدي بها المستعدون للهداية، وتحق بها الكلمة على المعاندين" ٤. ثم ينتقل إلى تفصيل أكثر، وأصرح، فعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٥ يقرر أن الآيات هنا "بمعنى الدلائل والبينات من براهين عقلية نظرية كانت أو علمية أو كونية كآياته تعالى في الأنفس
_________________
(١) ١ انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٢/ ١٣١ـ ١٣٢) ٢ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٧/ ٣٠٧) و(٩/ ٤١ـ٤٥) وابن الوزير: إيثار الحق على الخلق (ص: ٥٣ـ ٥٥) وابن القيم: مختصر الصواعق (ص:١٦٠) ٣ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٩/ ٤٠)، وابن الوزير: البرهان الساطع (ص:٥١) وما بعدها. ٤ الوحي المحمدي (ص: ٢١١و ٨١) ٥ سورة الأعراف، الآية (١٤٦)
[ ٣٠٤ ]
والآفاق، ومنها معجزات الأنبياء ﵈، وأظهرها وأقواها القرآن العظيم، من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة.." ١.
ويولي الشيخ رشيد نبوة نبينا ﷺ أكبر قدر من العناية في هذه الناحية، وكما أنه يعتبر القرآن، الآية الكبرى الباقية على عين الدهر إذ يقول:
"وجملة القول: أن نبوة نبينا محمد ﷺ قد ثبتت بنفسها، أي بالبرهان العلمي والعقلي الذي لا ريب فيه، وأن هذا البرهان قائم ماثل للعقول والحواس في كل زمان ومكان وأنه لا يمكن إثبات آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته وهذا القرآن الذي جاء به.." ٢.
والقرآن الكريم هو أعظم الآيات وأبقاها، وهو في حقيقة الأمر يشتمل على آيات كثيرة.
"فالقرآن في جملته آية علمية وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلًا، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول.. وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية.. فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان هو وقومه أبعد الناس عن كل علم، بعبارة أعجزت بلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم.. أدل على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من عصا موسى.." ٣.
والحق أن القرآن الكريم هو آية علمية، عقلية، كونية، خارق للعادة المألوفة من البشر، فإن هذا الكتاب المشتمل على هذه العلوم والمعارف والحقائق قد جاء به رجل أميّ لم يجلس إلى معلم، ولا اطلع على شيء من الكتب، هو ولا قومه من قبل هذا، بل كان لا يقرأ ولا يكتب، فالعقل
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ١٩٩) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٨٣) ٣ تفسير المنار (٧/٣٨٨) وقارن مع ابن القيم: مختصر الصواعق (ص: ١٦١)
[ ٣٠٥ ]
يجزم بأن هذا القرآن إنما كان بوحي من الله، لأنه خارق للعادة، يقول الشيخ رشيد بعد أن بسط هذه المقدمات:
"راجع هذا كله وتأمله جملة واحدة، تجد عقلك مضطرًا إلى الجزم بأن هذا في جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أميّ أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكونوحيًا من الله تعالى اختصه به.." ١.
"فمن كان يؤمن بأن للعالم ربًا عليمًا حكيمًا رحيمًا مريدًا فاعلاَ مختارًا فلا مندوحة له ولا مناص عن الإيمان بأن هذا القرآن وحي من لدنه عزوجل.. ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق، بكونه ليس من المعهود في الخلق، وبما اشتمل عليه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق.." ٢.
فإن قيل:" دلائل النبوة ومعجزات النبي ﷺ ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر والحجة لا تقوم بنقل الآحاد لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها.." ٣.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن القرآن الكريم وهو الآية الكبرى، الثابتة بنفسها المثبتة لغيرها، هو متواتر مشاهد فيدفع به هذا الاعتراض.
ثانيًا: "أن خبر الواحد من عامة الناس إذا انضمت إليه قرائن قوية أفاد العلم وقام مقام التواتر، فهذا في خبر آحاد الناس فكيف بخبر أفضل الأولين والآخرين.." ٤.
ثالثًا: أن كثرة الرسل قد تواترت لأهل العلم بتواريخ العالم مع تفرق
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٣٤٣) وقارن مع ابن الوزير: ترجيح أساليب القرآن (ص: ٨١) ط. دار الكتب العلمية، الأولى ١٤٠٤هـ ٢ الوحي المحمدي (ص: ١٣٨ - ١٣٩) ٣ انظر: درء التعارض (٧/ ٣١٥) ٤ انظر: ابن الوزير: البرهان (ص: ٣٦ - ٣٧)
[ ٣٠٦ ]
أوطانهم وأزمانهم، واتفاقهم على أمر واحد، يصدق فيه الآخر الأول والأول الآخر، يدل على صدق ما ادعوه وتواتره ١.
وهذا الدليل السمعي قد خالف فيه الشيخ رشيد المتكلمين والفلاسفة الذين لا يعتبرون إلا الدليل العقلي النظري ٢، ويقولون بوجوبه، ونحن لا ننكر النظر الشرعي ولكن ننكر أنه الدليل الوحيد أو الواجب على معرفة الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: ابن الوزير: إيثار الحق (ص:٧٣) ٢ انظر: ابن رشد: مناهج الأدلة (ص: ١٣٠)
[ ٣٠٧ ]
المطلب الرابع: الاحتياط الواجب:
وهذا دليل آخر لا يوافق عليه المتكلمون ٣، على أنه عقلي شرعي.
وتقريره:
" أن الإيمان بالله تعالى مأمون العاقبة ولا ضرر فيه، والكفر به تعالى مخوف أشد الخوف وضرره عظيم، فالمصير إلى الإيمان به واجب احتياطًا".
وهذه المسألة العقلية، نجد لها إشارات في القرآن الكريم:
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ ٤.
والتحري: طلب الأحرى، أي: الأولى ٥.
وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٦.
_________________
(١) ٣ انظر: مصطفى صبري: موقف العقل (٢/ ٥) ٤ سورة الحديد، الآية (١٤) ٥ النسفي: مدارك التأويل (٤: ٣٠٠) ٦ سورة النساء، الآية (٣٩)
[ ٣٠٧ ]
ففيه "تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى" ١.
واستدل بهذه الآية على جواز إيمان المقلد، لأنها تشعر بأن الإيمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال واجبًا لكان في غاية الصعوبة ٢.
وقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ٣.
والمعنى: "أي: كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق ولا يبصر ولا يسمع ولا يقدر شيئًا.. والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله وهو الضار النافع الخالق الرازق. أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصًا ولا تحولًا.." ٤.
وتلك حجتنا: أي: وتلك الحجة الدامغة التي تضمنها البيان السالف المثبتة للحق المزيفة للباطل هي الحجة التي أرشدنا إليه إبراهيم وأعطيناه إياها ليلزم قومه ويقنعهم بها" ٥.
ومن ذلك قول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ٦.فقد أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط ٧.
_________________
(١) ١ أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٢/ ١٧٧)، الآلوسي: روح المعاني (١٥/ ٣١) ٢ الرازي: مفاتح الغيب (١٠/ ١٠٠) ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، الثالثة ٣ سورة الأنعام، الآيات (٨١ـ ٨٣) ٤ صديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ١٩١) ٥ المراغي: التفسير (٧/ ١٧٩) ٦ سورة غافر، الآية (٢٨) ٧ أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٧/ ٢٧٤)
[ ٣٠٨ ]
وفي معناه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ "وهو بين في هذا المعنى لأن السلامة تتحقق في الإيمان والخطر مأمون فيه، والمهالك مخوفة في مخالفته" ١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
والمعنى: "كما أنكم قضيتم بأنه ليس من عند الله وليس ذلك معلومًا بالضرورة فكذلك كونه من عند الله فتعالوا فتأملوا في الدلائل.. فاستدعاهم الله إلى النظر بطريق تجويز أن يكون من عند الله فإنه إذا جاز ذلك وكانوا قد كفروا به دون تأمل كانوا قد قضوا على أنفسهم بالضلال الشديد.." ٤.
وأما دلالة العقل: فالعقل يتفق مع السمع على حسن السعي في دفع المضار المخوفة المجوزة التجويز المستوي الطرفين، ووجوب السعي في دفع المضار المطلوبة ووجوب السعي في الاحتياط في ذلك ٥.
ومن القياس: أيضًا قياسًا على إيمان المقلد دون أن ينظر في الأدلة وكذلك من يقول: إن معرفة الله ضرورية دون استدلال ولهم أدلة في ذلك ٦.
وتقرير النبي ﷺ للعامة وقبول الشهادة منهم، وما اشتهر في أحاديث
_________________
(١) ١ ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٩) ٢ سورة فصلت، الآية (٥٢) ٣ سورة الأحقاف، الآية (١٠) ٤ ابن عاشور: التحرير والتنوير (٢٠/ ١٦) ط. دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس. ٥ انظر: ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٨) ٦ انظرها عند ابن الوزير: المصدر نفسه (ص: ١٩)
[ ٣٠٩ ]
الشفاعة من تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى من ذلك ١.
ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل وأقره، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ٢. "..ولو نظروا في توقع قرب أجلهم لاحتاطوا لأنفسهم ورأوا أن من العقل والروية أن يقبلوا إنذاره ﷺ لهم لأن خبريته لهم في الدنيا ظاهرة لم يكونوا ينكرونها، وأما خيريته في الآخرة فهي أعظم إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء وهو صدق وحق وإن صح إنكارهم له وما هو بصحيح فلا ضرر عليهم من الاحتياط له، كما قال الشاعر:
قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
فالمجنون إذًا من يترك ما فيه سعادة الدنيا باعترافه وسعادة الآخرة ولو على احتمال ضرر تخلفه، لا من يدعو إلى السعادتين أو إلى شيئين يجزمون بأن أحدهما نافع قطعًا والآخر إما نافع وإما غير ضار.
هذا ما دعاهم إليه صاحبهم بكتاب ربهم مؤيدًا بالبراهين العقلية العلمية، لعلهم يعقلون ويعلمون.. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
ومثل هذه الآية التي فسرها الشيخ رشيد على هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ سورة الأعراف، الآية (١٨٥) ٣ تفسير المنار (٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٨)
[ ٣١٠ ]
فهذا تخويف بالموت الضروري والمعاد إليه النظري ١ فالعاقل إذا تأمل هذا رجح كفة الإيمان ولولم يكن لديه إلا هذا البرهان، كيف وقد قامت قبل ذلك براهين لا تدفع وحجج لا تمنع.
وفي نهاية كتاب الوحي المحمدي، وقد أورد فيه الشيخ رشيد كل ما استطاع من حجة، على ثبوت نبوة نبينا، ﷺ، ودعا العالم أجمع إلى الإيمان به، ختمه بهذه الآية:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٢ ٣.
وهذا ذهاب منه إلى أن هذا الدليل هو الأخير بعد كل ما أورد من الأدلة وتقرير له. فهذا الدليل قد قامت عليه شواهد من العقل والشرع واعتبره الكتاب العزيز، وذهب إليه وقرره بعض أهل العلم وإن رفضه المتكلمون، فإننا نقبله ونعتبره دليلًا صحيحًا معتبرًا في معرفة الله تعالى والإيمان به.
وقد تبين من خلال عرض آراء الشيخ رشيد في المعرفة أنه قد خالف المتكلمين في إيجابهم المعرفة النظرية الجدلية، وأنه أقر النظر الشرعي البسيط المستطاع للكافة وهو النظر القرآني.
وأنه خالفهم في عدم وجوب النظر العقلي المجرد، وخالفهم في إقراره للمعرفة الفطرية التي لا يقرها المتكلمون ٤، وفي تعدد طرق المعرفة، مخالفة للمتكلمين الذين يوجبون طريقًا واحدًا لمعرفة الله تعالى،
_________________
(١) ١ ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٩) ٢ سورة فصلت، الآيات (٥٢ - ٥٤) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٣٥٦) ٤ راجع عن موقف السلف والمتكلمين من هذه المسألة: "فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها" د. أحمد سعد حمدان.
[ ٣١١ ]
وقد ذكرت انتقاد الشيخ رشيد لطريقتهم وفي هذا الفصل دليل آخر على التطور الفكري للشيخ رشيد - فإنه في الأعداد الأولى من المجلة - وبالتحديد في العدد الثاني كان قد شرع في شرح العقيدة في دروس مسلسلة وبدأ يشرح أدلة المعرفة بناءً على نظرية المتكلمين، معتمدًا على مراجعه كالمواقف للإيجي، والمقاصد للسعد التفتازاني وشرحه لها ١.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) و(٢/ ٥٢٢)
[ ٣١٢ ]
المطلب الخامس: موقف رشيد رضا من مسألة "حدوث العالم":
ذكرت قبل ذلك أن مسألة "حدوث العالم" دليل عقلي شرعي، فيستدل بها على قدرة الله تعالى وحكمته ووحدانيته، وهي ترتبط بطريقة النظر في المخلوقات، فإن كانت طريقة النظر في الملكوت تدل على معرفة صفات الله تعالى بواسطة النظر في خلقه ودقته وإتقانه ونظامه، فإن حدوث العالم يدل على ذلك بواسطة النظر إلى إيجاده من بعد عدمه، وإبرازه للوجود بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا.
ونحن نتفق مع المتكلمين على "حدوث العالم"، ولكن لا نسلم لهم هذه المقدمات التي رتبوها، والنتائج التي التزموها بناء على تلك المقدمات.
فالعلم بحدوث العالم مشاهد محسوس بدهي، لا يحتاج إلى استدلال بحدوث الأعراض، ولا أنها لا تبقى زمانين، إلى آخر ما ذكر المتكلمون من مقدمات.
" فإن من الصعوبة بمكان تقرير المقدمات التي يتركب منها هذا الدليل، من إثبات الجواهر الفردة التي تتركب منها الأجسام أولًا، ثم إثبات الأعراض التي هي صفات الأجسام ثانيًا، ثم إثبات حدوث تلك الأعراض بإبطال ظهورها بعد الكون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ثالث، ثم إثبات امتناع حوادث لا أول لها، وإنّ ما لا يخلو عن الحوادث جنسًا أو
[ ٣١٢ ]
عينًا فهو حادث، إلى غير ذلك مما في مقدمات هذا الدليل من طول وخفاء وتفصيل يتعذر معه ثبوت المدعى.." ١.
أما قانون السببية وهو أن " المحدث لا بد له من محدِث، أو لا شيء يكون من لا شيء" فهو أمر بدهي وعلم فطري ضروري.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "..إن العلم بالمحدَث لا بد له من محدِث علم فطري ضروري، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢"٣. ويقول أيضًا: "..إن إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدلال بالحدوث على المحدِث، وهذا يكفي فيه حدوث الإنسان نفسه، أو حدوث ما يشاهد من المحدثات، كالنبات والحيوان وغير ذلك، ثم إنه يعلم بالضرورة أن المحدَث لا بد له من محدِث.." ٤.
لكن المتكلمون أفسدوا هذا الدليل بما وضعوا له من مقدمات، اختلفوا حول أكثرها، وأكثرها لا يسلم لهم، ومن العجب الذي لا ينقضي أن هذه الطريقة التي شرعها المتكلمون لإثبات وجود اله تعالى قد أفضت بهم بعد التزامهم لوازمها، إلى وصف الله تعالى بصفات العدم، الغير موجود، فأفضى بهم إلى التعطيل والإلحاد، على تفاوت منهم في ذلك ٥.
وصار هذا هو الأصل الذي يبنون عليه مذهبهم في إنكار وجحد صفات الله تعالى ٦.
والمقصود الآن الوقوف على رأي الشيخ رشيد في هذه المسألة، ليتم
_________________
(١) ١ محمد خليل الهراس: ابن تيمية السلفي (ص: ٦٨) ٢ سورة الطور، الآية (٣٥) ٣ الجواب الصحيح (٢/ ١٠١) ٤ درء التعارض (٣/ ٩٨) ٥ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٤٤، ٤٥٤) ٦ انظر في تفصيل ذلك: د. عطا صوفي: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات (١/٣١٧) وما بعدها. ط. مكتبة الغرباء، الأولى ١٤١٨هـ.
[ ٣١٣ ]
لنا تصور كامل لمنهجه في إثبات ربوبية الله تعالى. فنقف على موقفه من أصل هذا الدليل ثم من طريقة المتكلمين واستدلالهم بقصة الخليل ﵇ ورأيه في إيجاب هذا الطريق دون غيره.
معنى حدوث العالم:
وقبل أن نخوض في هذه المسألة نتبين معنى "حدوث العالم" فإن هذا المصطلح قد اعتورته أفهام مختلفة.
فالذي يظهر ويهدي إليه الفهم بادئ الرأي من هذه الكلمة أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي ليس معه شيء قديم تقدمه بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن.
ولكن يذهب المتكلمون مذهبًا آخر في فهم هذا المصطلح "حدوث العالم" فمعناه عندهم أن الله تعالى لم يزل لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بمشيئة، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويبنون على ذلك نفي أفعال الله تعالى وصفاته الاختيارية.
ويذهب الفلاسفة إلى فهم آخر، فيرون - إذا قالوا إن العالم محدث - أنه معلول لعلة قديمة أزلية، أوجبته، فلم يزل معها، وهذا هو ما يسمونه الحدوث الذاتي١ حكما سوف نفصل فيما يأتي بإذن الله.
فهذا الاصطلاح قد أتت عليه هذه التفسيرات وذهب فيه المتكلمون مذهبًا، وسلك الفلاسفة طريقًا آخر في تفسيره.
وأما ما دل عليه القرآن وجاء به نبينا - بل والنبيون جميعًا - فهو المعنى الأول ٢.
أـ موقف الشيخ رشيد من قول المتكلمين:
نرى الشيخ رشيد بادئ الرأي لا يوافق المتكلمين على طريقتهم في
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ١٢٥ - ١٢٦) ٢ المصدر نفسه
[ ٣١٤ ]
عرض هذا الدليل ويرجح عليها طريقة القرآن الكريم. فيقول:
"المسلم لا يحتاج إلى الاستدلال على وجود الله تعالى بالطريقة الكلامية، وإن الدلائل التي تبنى على خلاف المطلوب قد يكون إثمها أكبر من نفعها، وإنما الطريقة المثلى لذلك طريقة القرآن الكريم وهي عرض محاسن الخليقة وأسرارها على العقل وتذكيره بحكمة مبدعها البالغة وقدرته العظيمة وعلمه والواسع وتفرده بالخلق والتكوين والرحمة والإحسان.." ١.
ويقول عن استدلالهم بالمقدمات المنطقية، والاصطلاحات الكلامية، كالدور والتسلسل:
"لماذا تقول للمسلم الخالي الذهن من الشبهات والشكوك: لو لم يكن للعالم إله للزم الدور والتسلسل، وكل منهما باطل فما أدى إليه وهو عدم وجود إله: باطل، فثبت نقيضه وهو أن للعالم إله، ثم نحاول أن نفهمه معنى الدور والتسلسل والبرهان على بطلانهما.. وقد رأينا كثيرًا من المتصدرين لتدريس علم الكلام يذكرون ما كتب من الاستدلال على بطلان الدور والتسلسل وهم لا يفهمون ما يقولون" ٢.
وأما عن وجوب اعتقاد واتباع هذه الطريقة، وما يتبعها من قضايا، كالحدوث بالذات أو بالزمان ٣، فهل يجب ذلك أولا يجب، فيجيب الشيخ رشيد بقوله: "الصواب في الرأي الثاني. وما كان دين الفطرة مقرر الحنيفية السمحة الذي ظهر في الأميين، ودعا إليه المتوحشين والممدنين، أن يكلف كل فرد في تصحيح الإيمان بنظريات فلاسفة اليونان، والتمييز بين تلك الخلافات في الحدوث بالزمان أو الحدوث بالذات، ثم خلافات الفلاسفة مع أهل الكلام في أصل وجود الزمان.." ٤.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١١/٩٤٢) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ الحدوث الزماني: هو السبق بالعدم سبقًا زمانيًا، والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًافي وجوده إلى الغير. انظر: د. جميل صليبا: المعجم الفلسفي (١/٤٣٣ـ ٤٣٤) ٤ مجلة المنار (٥/ ٥٨١ - ٥٨٢)
[ ٣١٥ ]
والدليل على بطلان هذا الرأي - أي القائل بالوجوب - أن القرآن الكريم، وهو الكتاب الذي أنزله الله لهداية عباده، وإرشادهم للطريق التي هي أقوم، لم يذكر هذه المسائل والخلافات الفلسفية. فـ "المقصد الأول من مقاصد القرآن المبين تقرير عقائد الدين، ثم هو لم ينطق بكلمة من مادة الحدوث للأعيان لا بحسب الذات ولا بحسب الزمان.." ١.
رد الشيخ رشيد على المتكلمين في استدلالهم بقصة الخليل:
وقد ذهب المتكلمون يبحثون عن مستند لهم في الكتاب العزيز يؤيد طريقتهم في هذا الدليل أعني دليل الأعراض وحدوث الأجسام، فاستدلوا بقصة الخليل إبراهيم مع قومه عندما ناظرهم لإثبات بطلان ألوهية الأصنام التي كانوا يعبدونها.
وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ٢ فقالوا الأفول هو الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، وزعموا أن هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث والإمكان ٣.
وأرادوا بذلك تصحيح طريقة الأكوان وحدوث الأجسام.
والحق أن هذا الاستدلال باطل فإن مقام الخليل مع قومه لم يكن مقام نظر بل مقام مناظرة لإبطال ألوهية ما يعبدون من دون الله وإثباتها لله تعالى.
وقد رد الشيخ رشيد ﵀ استدلالهم هذا باللغة والعقل، وبيان المعنى الصحيح للآية فقال:
"وقد فسر بعض النظار وعلماء الكلام الأفول بالانتقال من مكان إلى مكان وجعلوا هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث أو الإمكان. وهو تفسير للشيء بما قد يباينه فإن المحفوظ عن العرب أنها استعملت
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ سورة الأنعام، الآية (٨٦) ٣ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/١٠٠ـ ١٠١ و١٠٣)
[ ٣١٦ ]
الأفول في غروب القمرين والنجوم وفي استقرار الحمل وكذا اللقاح في الرحم، فعلم أن مرادها من الأول عين مرادها من الثاني وهو الغيوب والخفاء. وقد يتحول الشيء وينتقل من مكان إلى مكان آخر وهو ظاهر غير محتجب، وفسره بعضهم بالتغير ليجعلوه علة الحدوث المنافي للربوبية أيضًا وهو غلط كسابقه لأن الشمس والقمر والنجوم لا تتغير بأفولها١.
ويستعين الشيخ رشيد بعلم الفلك الحديث أيضًا في رد هذا القول وبيان بطلان هذا الاستدلال فيقول: "ومذهب المتأخرين من علماء الفلك - وهو الصحيح - أن أفولها إنما يكون بسبب حركة الأرض لا بحركتها هي، وأن حركتها على محاورها وحركة السيارات من المغرب إلى المشرق ليست من سبب أفولها المشاهد في شيء.." ٢.
ثم بين المعنى الصحيح للآية، والذي يبطل أيضًا تفسيرهم لها، فيقول:
" ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي: فلما غرب هذا الكوكب واحتجب، قال لا أحب من يغيب ويحتجب، ويحول بينه وبين محبه الأفق أو غيره من الحجب.. والعاقل السليم الفطرة والذوق لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه، ويوحشه فقد جماله وكماله، حتى في الحب الذي هو دون حب العبادة،.. وأما حب العبادة الذي هو أعلى الحب وأكمله لأنه من مقتضى الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فلا يجوز أن يكون إلا للرب الحاضر القريب السميع البصير القريب، الذي لا يغيب ولا يأفل ولا ينسى ولا يذهل" ٣.
وقال: "وفي الكلام تعريض لطيف بجهل قومه في عبادة الكواكب بأنهم يعبدون ما يحتجب عنهم، ولا يدري شيئًا من أمر عبادتهم، وهو يقرب من قوله لأبيه بعد ذلك ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٥٥٩) وقارن مع ابن تيمية: المصدر السابق (١/١١١) ٢ المصدر نفسه والصفحة، ولا يعني ذلك أن الرشيد رضا ينكر حركة الشمس. ٣ تفسير المنار (٧/ ٥٥٨)
[ ٣١٧ ]
شَيْئًا﴾ ١ ولا يظهر هذا التعريض على قول النظار في تفسير الأفول فإن قوم إبراهيم لم يكونوا على شيء من هذه النظريات الكلامية بل كانوا يعبدون الأفلاك قائلين بربوبيتها وبقدمها مع حركتها.." ٢.
ثم يلخص الشيخ رشيد كل ذلك بقوله: "ما ذكره الرازي وغيره من مفسري المتكلمين في هذه المحاجة تكلف لا تدل عليه العبارة ولا يقتضيه العقل ولا تتوقف عليه الحجة.." ٣.
الحل الصحيح لمسألة حدوث العالم:
هذا هو موقفنا من طريقة المتكلمين في مسألة حدوث العالم، ورفض مسألة الأكوان وحدوث الأجسام ولوازمها، إلا أننا نقرر أن أصل هذا الدليل صحيح، وكما ذكرت قبل، ولقد كان استدلال القرآن بحدوث الإنسان هو المصحح له، ولكن استدلال القرآن كان استدلالًا بسيطًا غير مركب، وسهلًا غير معقد، من درجة واحدة وبلا مقدمات.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٤
فالفرق كبير بين الاستدلال بحدوث الإنسان والاستدلال على حدوثه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق ﷾، فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له،.. والفرق بين الاستدلال بحدوثه والاستدلال على حدوثه بيّنٌ والذي في القرآن الأول لا الثاني.." ٥.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية (٤٢) ٢ تفسير المنار (٧/ ٥٥٩) ٣ المصدر نفسه (٧/ ٥٧٠) ٤ سورة الإنسان، الآيتان، (١ ـ٢) ٥ درء التعارض (٧/ ٢١٩)
[ ٣١٨ ]
ويضع الشيخ رشيد هذه المسألة في وضعها الصحيح فيقول: "إن هذه الكائنات في جملتها حادثة لم يكن شيء منها كما نعرفه الآن وفيها من الإبداع والنظام ما يستحيل أن يكون حصل بالمصادفة أو يكون مصدره العدم المحض، بل يجب عقلًا أن يكون هذا الإبداع والنظام العجيب في العوالم العلوية والأرضية مصدر وجودي.." ١.
"فللناظر أن يقول: إن اطراد مسألة السنن الإلهية في العوالم العلوية والسفلية، ووحدة النظام مع الإتقان في جميع هذه الأكوان، يدلان على أن لها خالقًا عليمًا قادرًا حكيمًا حيًا قيومًا، لا راد لإرادته ولا معقب لحكمه وحكمته، وبهذا يكون مؤمنًا بالبرهان متبعًا لطريقة القرآن وإن لم يخطر بباله حدوث الذات وحدوث الزمان" ٢. وهذا هو الصواب فالقائل بهذه الطريقة مؤمن بالعقل وبالشرع، لأنها على هذا الوضع تكون طريقة عقلية شرعية، "فإن الفاضل إذا تأمل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية.." ٣.
والذي حدا بالشيخ رشيد إلى اعتبار هذه الطريقة على هذا النحو هو أنه وجدها "..أقرب الدلائل تنبيهًا وإقناعًا لعقول المشتغلين بالعلوم العصرية كما ثبت بالتجربة والمناظرات معهم هو أن جميع ما نعرفه من الموجودات حادث عندهم حتى أنهم ليقدرون للأرض والشمس والكواكب أعمارًا لقطعهم بحدوثها، ثم إنهم قاطعون بأن الموجود لا يصدر عن نفسه ولا عن معدوم كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٤.
فتعين أن يكون لهذه الموجودات كلها مصدر وجودي.." ٥.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٣/ ٩١٣) ٢ المصدر نفسه (٥/ ٥٨٢) ٣ ابن تيمية: الأصفهانية (ص: ٣٣) ٤ سورة الطور، الآية (٣٥) ٥ مجلة المنار (٧/ ١٣٩ - ١٤٠)
[ ٣١٩ ]
موقف الفلاسفة من حدوث العالم:
وأما الفلاسفة فالمشهور عنهم القول بقدم العالم، والحق أنهم مختلفون في ذلك فليسوا جميعًا على قول واحد.
فالقدماء منهم قائلون بحدوث صورة العالم، ولهم في المادة كلام فيه اضطراب ١.
وأول من قال بقدم العالم من الفلاسفة هو أرسطو، وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صورة العالم، وإن كان لهم في مادته أقوال. فجمهور الفلاسفة مع عامة المشركين من الهند والعرب وغيرهم والكتابيين، متفقون على أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن.
فهو مذهب جماهير الفلاسفة، لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة - أي التي خلق منها العالم - قديمة أزلية. وهذا رأي باطل أيضًا ٢.
ويحكى القول بحدوث العالم عن أفلاطون، وأما ابن سينا فقد تبع أرسطو في ذلك ٣.
والحق أن الفلاسفة اتفقوا في أمرين واختلفوا في الثالث:
فالأمر الأول الذي اتفقوا عليه هو:
١ـ حدوث العالم بأسره بمعنى حدوثه الذاتي واستناده إلى العلة الفاعلة. فهذا مجمع عليه عندهم.
٢ـ والأمر الثاني: هو اتفاقهم على عدم الحدوث الزماني، بمعنى أن يكون لوجوده - أي العالم - بدء زماني مسبوق بزمن سابق وعدم مستمر، فهذا مما لا خلاف بينهم في عدم جوازه.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٨/ ٢٨٦) ٢ المصدر نفسه (١/١٢٢ - ١٢٣) ٣ انظر: محمد رمضان عبد الله: الباقلاني وآراؤه الكلامية (ص: ٣٥٧) ط. الأولى، مطبعة الأمة، بغداد ١٩٨٦م.
[ ٣٢٠ ]
وأما الخلاف ففي أمر ثالث هو الحدوث الدهري أي قبل خلق الأفلاك، والاستناد إلى المبدع الصانع المخرج لنظام العالم بجملته من العدم الصريح إلى الوجود في الدهر. فأفلاطون قائل بهذا النوع من الحدوث بخلاف أرسطو وأتباعه١.
"والذي جاء به القرآن والتوراة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله.. كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والشمس والقمر هما من السماوات والأرض وحركتهما بعد خلقهما، والزمان مقدر بحركتهما - وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما - إنما حدث بعد خلقهما.. فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخرى غير حركة الشمس والقمر" ٢.
وهذا العرض السابق هو ما يقرره الشيخ رشيد إذ يعرض رأي الفلاسفة قديمًا وحديثًا ثم يعقب ذلك بالرأي الصحيح - في نظره - إذ يقول: "أما مسألة حدوث العالم في نظر الفلاسفة فالمتفق عليه عند فلاسفة هذا العصر أن كل ما نراه ونحس به من هذه العوالم الأرضية والسماوية فهو حادث بمعنى أنه لم يكن كما هو الآن ثم كان.
ولكن عضلة العقد عند المتقدمين والمتأخرين هي مسألة منشأ التكوين، وهم متفقون على أن الوجود المطلق قديم وأن العدم المطلق لا حقيقة له ولا يتصوره العقل، وأنه لا يحدث شيء من لا شيء.. ونحن نقول إنها الطريقة التي جرى عليها القرآن وقررها الإسلام، فليس في كتاب الله آية تدل على أن الوجود الحقيقي صدر عن العدم الخيالي، بل قال ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣ والخلق لغة: الترتيب وهو لا يكون في العدم. بل قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ٤ وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٣٥٥ـ ٣٥٦) ٢ ابن تيمية: درء التعارض (١/ ١٢٢ - ١٢٣) ٣ سورة الفرقان، الآية (٢) ٤ سورة الأنبياء، الآية (٣٠)
[ ٣٢١ ]
أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١.." ٢.
فإذا كان هذا هو الذي جاء به القرآن وقد جاء أيضًا بحدوث العالم فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا..﴾ ٣، فما هو وجه الجمع بين الرأيين؟ يجيب الشيخ رشيد على تساؤلنا هذا قائلًا: "وحل المسألة بطريقة إسلامية؛ أن هذا الوجود الذي كله ممكن ٤ حادث ٥، وأنه صدر عن وجوب واجب قديم، لا تعرف حقيقته ولا كيفية صدوره عنه، وإنما قام البرهان بأنه صدر بإرادة وقدرة وعلم وحكمة.." ٦.
فيرى الشيخ رشيد أن هذا الوجود الحادث صدر عن إرادة قديمة وعلم قديم وحكمة قديمة ولا يكون ذلك إلا صدروه عن إرادة الله تعالى وحكمته وقدرته وعلمه وهذا في رأيه هو حل المسألة الفلسفية.
وهو بهذا يحاول أن يوفق بين ما جاء به القرآن مع ما ذهب إليه الفلاسفة ما عدا أرسطو وأتباعه من الكفار ولا يكون هناك مناقضة بين ما ذهب إليه الحكماء وما جاء به القرآن من حقائق الخلق والتكوين.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية (١١) ٢ مجلة المنار (٥/ ٥٨٢) ٣ سورة الإنسان، الآية الأولى. ٤ التقسيم إلى ممكن وواجب هو اصطلاح الفلاسفة. ٥ التقسيم إلى حادث وقديم هو اصطلاح المتكلمين. ٦ مجلة المنار (٥/ ٥٨٢)
[ ٣٢٢ ]
المبحث الثالث: بدء الخلق:
اتفقت الكتب السماوية على أن الله تعالى خلق آدم من تراب وخلق منه زوجه وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ٢.
وعلى هذا كتب أهل الكتاب ٣، وهذه النصوص تفيد أن الله تعالى خلق الإنسان نوعًا مستقلًا، لا بطريق النشوء والارتقاء والتطور والاشتقاق من نوع آخر، وهي نظرية "الخلق الدفعي"، أو " تعاقب الخلق" في مقابل النظرية المادية التي تقول: بـ" الخلق المتمهل" أو "المتطور"، وهذه النظرية الأخيرة ظهرت في القرن التاسع عشر، وإن كانت في الحقيقة قد دلت أفكارها قبل ذلك، إلا أنها أخذت دفعة قوية إلى الأمام، فظهرت وانتشرت على أنها حقيقة علمية على يد "داروين" الذي قام عليه رجال الدين في أوربه، وحكموا بكفره وزندقته، لأنه خالف الكتب المقدسة، لأنه لا يمكن
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية (٥٩) ٢ سورة النساء: الآية (١) ٣ انظر: سفر التكوين: ١/ ١ـ٣٠
[ ٣٢٣ ]
التوفيق بين نظرية النشوء والارتقاء وبين ما جاء في الكتب المنزلة عن بدء خلق الإنسان، إلا أن رجلًا واحدًا ألف كتابًا ليقول:
"إن مذهب دارون - عند ثبوته - لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله الخالق" ١، هذا الرجل هو حسين الجسر الشيخ الأول لرشيد رضا ٢. في "الرسالة الحميدية" ٣، وقال: إن الله تعالى هو الخالق بقدرته وعلمه "سواء أكان هو الذي نوّع تنوعات المادة وطوّرها، أو أنه أوجد المادة الصالحة لتلك التنوعات والتطورات بموجب النواميس التي وضعها فيها، وبحركة أجزائها.. فكلا الأمرين يدل دلالة قاطعة على كمال قدرته.. " ٤.
إن الجسر كان يري أن مذهب النشوء والارتقاء وما جاء فيه عن أصل نوع الإنسان والحياة، لا ينطوي على أمور بعيدة عن الحقيقة، أو متعارضة مع أحكام الدين تعارضًا قطعيًا ٥. وبناء على قانون التأويل الشهير، ومسألة تعارض العقل والنقل، يرى الجسر أن الذي ورد في الشريعة من النصوص المتواترة القطعية بشأن خلق الأكوان وتنوع الأنواع، إنما هي نصوص لم يبين فيها تفاصيل الخلق، ولم يرد في النصوص ما يدل على نفي أو إثبات الخلق الدُّفعي، أو التطوري، فيجب التوقف مطلقًا ٦، لأن النصوص في ذلك ليست نصًا في هذا أو ذاك، فهذه النصوص يحتمل أن تفسر على مذهب الخلق أو مذهب النشوء ٧، وحاول الجسر بيان تطبيق هذه النظرية على الآيات التي تشير إلى هذا المعنى ٨.
_________________
(١) ١ انظر: نديم الجسر: قصة الإيمان (ص: ١٩٤) ٢ انظر: المصدر نفسه والصفحة، وألف الجسر كتابه سنة ١٨٨٨هـ ٣ انظر: حسين الجسر: الرسالة الحميدية (ص:٢٢٠) ط. إدارة الطباعة المنيرية، ١٣٥٢هـ. ٤ نديم الجسر: قصة الإيمان (ص: ٢٠٨) ٥ المصدر نفسه ٦ المصدر نفسه (ص: ٢٠٤) ٧ المصدر نفسه (ص: ٢١٣، ٢١٥) ٨ المصدر نفسه (ص٢١٣)
[ ٣٢٤ ]
وبمثل هذا الرأي قال محمد عبده الشيخ الأخير لرشيد رضا "إن الأستاذ الإمام لم ينف كون آدم أبا البشر كلهم ولا قال: إن القرآن ينبغي أن يؤول ليوافق دارون أو غيره، ولا قال: إنه قد ثبت رأي الذين ينفون كون آدم أبًا لجميع البشر ثبوتًا قطعيًا.. وإنما قصارى رأيه أنه إذا ثبت ما يقولون لم يكن ذلك مخالفًا للقرآن فيكون شبهة على الإسلام.. وإنما فهم الآية وأمثالها فهمًا لا يرد عليه اعتراض ولا مجال له للطعن في القرآن في هذه المسألة.." ١. يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ٢.
فإذا كان هذا رأي هذين الشيخين لرشيد رضا فهل تابع هو أيضًا شيخيه في ذلك؟ لقد اتهم رشيد رضا بمحاولة تطبيق القرآن على مذهب دارون وإنكار أبوة آدم ﵇ للبشر وتأويل الآيات التي تشير إلى هذا المعنى لأجل إثبات رأيه ٣.
عند قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٤، نقل رشيد رضا تفسير محمد عبده لها، وهو قوله:"ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول: إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش، فإذا صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنو قريش، أن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا كان الخطاب للعرب عامة جاز أن يفهموا منه أن المراد بالنفس الواحدة: يعرب أو قحطان، وإذا قلنا: إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام، أي لجميع الأمم فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن جميع البشر من سلالة آدم يفهمون أن المراد بالنفس الواحدة آدم، والذين يعتقدون أن لكل صنف من أصناف البشر
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٣/ ٢٢ـ ٣٢) وقد قال: ذلك جوابًا لمعترض على تفسير محمد عبده في سورة النساء: الآية الأولى منها. ٢ سورة النساء، الآية (١) ٣انظر: مجلة المنار (٣٣/٥٨ـ ٦٤) ٤ سورة النساء، الآية (١)
[ ٣٢٥ ]
أبًا يحملون النفس على ما يعتقدون " ١ ثم قال: "وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ لا ينافي هذا ولا يعد نصًا قاطعًا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم.." ٢.
ثم قال رشيد رضا موضحًا لكلام أستاذه:"إذا كان جماهير المسلمين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها، بل من المسألة المسلمة عندهم وهي أن آدم أبو البشر، وقد اختلفوا في مثل هذا التعبير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ ٣.." ٤، وعند تفسيره لهذه الآية قال: "أي خلقكم من جنس واحد أو حقيقة واحدة، صورها بشرًا سويًا ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٥، سكونًا زوجيًا، أي جعل لها زوجًا من جنسها فكانا زوجين ذكر وأنثى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٦، كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الأحياء زوجين اثنين، قال عزوجل: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٧. وإننا نشاهد أن كل خلية من الخلايا التي ينمى بها الجسم تنطوي على نويّتين: ذكر وأنثى، يقترنان فيولد بينهما خلية أخرى، وهلم جرًا ولكننا لا ندري كيف ازدوجت النفس الأولى بعد وحدتها، فكانت ذكرًا وأنثى، قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٨ " ٩.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٤/٣٢٣) ٢ المصدر نفسه (٤/٤٢٤) ٣ سورة الأعراف: الآية (١٨٩) ٤ تفسير المنار (٤/٣٢٥) ٥ سورة الأعراف، الآية (١٨٩) ٦ سورة الحجرات، الآية (١٣) ٧ سورة الذاريات، الآية (٤٩) ٨ سورة الكهف، الآية (٥١) ٩ تفسير المنار (٩/ ٥١٧)
[ ٣٢٦ ]
وفسر رشيد رضا رأي أستاذه فقال:"للأستاذ الإمام في هذا المقام رأيان: أحدهما: أن ظاهر هذه الآية يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم، أي سواء كان هو الأب لجميع البشر أم لا. لما ذكره من معارضة المباحث العلمية والتاريخية له..وثانيها أنه ليس في القرآن نص أصولي قاطع على أن جميع البشر من ذرية آدم.." ١.
وبناء على ذلك فإن المتبادر من " لفظ النفس بصرف النظر عن الروايات والتقاليد المسلمات أنها هي الماهية أو الحقيقة أي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة، ولا فرق في هذا بين أن تكون هذه الحقيقة بدئت بآدم كما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين أو بدئت بغيره وانقرضوا أو بدئت بعدة أصول كما عليه بعض الباحثين، ولا بين أن تكون تلك الأصول مما ارتقى عن بعض الحيوانات أو خلق مستقلًا.." ٢.
وأما قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ "فمعناه على الوجه الذي قررناه يظهر بطريق الاستخدام بحمل النفس على الجنس وإعادة الضمير عليه بمعنى أحد الزوجين أو يجعل العطف على محذوف يناسب ذلك كما قال الجمهور أو وحد تلك الحقيقة أولًا ثم خلق لها زوجها من جنسها " ٣.
وعلى رأي شيخيه مشى رشيد رضا: "إنه ليس بين نظرية الخلق التدريجي ونصوص الإسلام تعارض حقيقي كما يوجد بينها وبين نصوص التوراة " ٤.
ويصرح رشيد رضا بأن هذا كان رأيه الذي استفاده من شيخه الأول حسين الجسر: "وأؤكد أن مذهب داروين لا ينقض - إن صح وصار يقينًا - قاعدة من قواعد الإسلام، وأعرف من الأطباء وغيرهم من يقول بقول داروين وهم مؤمنون إيمانًا صحيحًا" ٥.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٤/٣٢٦) ٢ المصدر نفسه (٤/٣٢٧) ٣ تفسير المنار (٤/ ٣٣٠) ٤ مجلة المنار (٣٠/ ٥٩٦) ٥ مجلة المنار (٣٣/ ٦٤ و١٢/ ٦٣٥ بالحاشية)، وانظر: مجلة المنار (٣٠/ ١١٣ - ١١٤)
[ ٣٢٧ ]
وعلى كل حال لم يكن رشيد رضا مسلمًا نظرية داروين فقد كان يجيب عن شبهاتها ويفند آراء أصحابها والمتمسكين بها. ولكنه أيضًا يجيب عنها على فرض صحتها ١، وهو في هذا الموقف لا ينكر أبوة آدم، بل يقف الموقف نفسه الذي وقفه شيخه الأول والأخير، وهو التوقف في نظرية داروين. وكان رشيد رضا يفسر الآيات التي تشير إلى هذا المعنى - بعد وفاة شيخه وانفراده بالتفسير - على أن آدم هو أبو البشر وأنه خلق من طين ٢. فيكون هذا هو رأيه مع توقفه في نظرية داروين وعدم معارضتها - لو صحت - للقرآن.
والحقيقة أن نظرية داروين كانت أساسًا للإلحاد في الدين - فإن كان داروين لا ينكر بنظريته هذه قضية الخلق الإلهي، إلا أن نظريته كانت أساسًا لمن جاء بعده من الفلاسفة فجعلوا هذه النظرية حجة لهم في إلحادهم، وقولهم بالتولد الذاتي، وهذا هو أساس الإلحاد، وليس مجرد قول داروين بالتطور، وليس هو القول بخلق الحياة من الجماد فإن الله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ٣ ولكنه القول بالتولد الذاتي ٤.
ومهما يكن من شيء: فإن تطبيق نظرية النشوء والارتقاء على الإنسان والقول باشتقاقه من حيوان آخر كالقرد، لا يأتلف قطعًا مع خلقهم من نفس واحدة أيًا كانت النفس الواحدة، إذا ليس معنى تطبيق تلك النظرية على البشر أن يشتق إنسان واحد من قرد واحد ثم ينتشر فيرجعوا إلى أصل واحد، بل أساس النظرية يأبى رجوع أصل الأنواع إلى الواحد الشخصي، والآية تأبى تلك النظرية بمجرد تعبير ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ عن الأصل الذي خلق منه البشر كائنًا ما كان المراد من تلك النفس الواحدة فقول القائل: "إن
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٨/ ٩٢٠ و٩/ ١٤١ و٣٠/ ٥٩٧ - ٦٠٠) ٢ انظر: تفسير المنار (٧/ ٢٩٦ و٨/ ٣٢٨) وكان يسارع بنشر كل ما يبطل هذه النظرية. انظر: مجلة المنار (٣١/ ١٣٠) ٣ سورة الأنعام، الآية (٩٥) ٤ انظر: نديم الجسر: قصه الإيمان (ص: ٢١٧)
[ ٣٢٨ ]
النفس الواحدة في الآية لا تنص على آدم" لا يجديه لأنه إن لم تنص عليه فلا شك في نصها على "نفس واحدة" فإن كانت هي عبارة عن آدم فهو خلاف المفروض عند القائل، وإن كانت عبارة عن "قرد واحد" فهو خلاف نظرية النشوء والارتقاء ١. هذا مع ما في الآيات الأخر من التصريح بخلق آدم من تراب وخلقه من غير أب وأم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٣.
وأما ما يتعلق بالنظرية نفسها فإن هذه الفترة التي تبحث فيها "بدء الخلق" قد اعتبرها العلم شقة حرامًا حظرها على نفسه وأعلن في صراحة كاملة خروجها عن حدود علمه وعمله، فاقتحامها الآن باسم العلم تعامل بصك مزيف، وتستر بثوب مستعار، وكل حكم يصدر تحت هذا الاسم يكون صادرًا عن قاضٍ معزول، فاقدًا للركن الأول من سلطته الشرعية، ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون بأن الآثار الخاصة بديانات العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلًا تامًا، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب ٤، ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: مصطفى صبري: موقف البشر (ص: ٨ - ٩) وانظر له: موقف العقل والعلم (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٣) ٢ سورة آل عمران، الآية (٥٩) ٣ سورة ص، الآية (٧١ـ ٧٢) ٤ انظر: دراز: الدين (ص:١١٣) وانظر: داروين: أصل الأنواع (٢/١٢٩، ٢/ ١٢٨) ط. دار العصور، القاهرة. ١٩٢٨م. ٥ سورة الكهف: الآية (٥١)
[ ٣٢٩ ]
الفصل الثالث: منهج رشيد رضا في إثبات الأسماء والصفات
تمهيد
تمهيد:
ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. إذ لا تخلو سورة من سور القرآن الكريم ولا صفحة من صفحاته بل ولا تكاد تخلو آية من آياته من ذكر اسم له تعالى أو صفة من صفاته، وفيه آيات بأسرها ليس فيها إلا ذكر أسماء الله وصفاته، تسردها سردًا وتفصلها تفصيلًا.
وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ متواترة في صفات الله موافقة لكتاب الله، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان والتسليم. وآمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وكتابه وما فيه من آيات الأخبار والأحكام والأسماء والصفات. وقد نقل لنا الرواة خلافهم في التفسير وفي الأحكام، كما نقلوا لنا أسئلتهم لنبيهم عما أشكل عليهم من آيات الكتاب ١، ولكن لم ينقل عنهم خلاف في باب الأسماء والصفات، ولا استشكال ما ورد فيه من الآيات٢.
وما زالت الكلمة زمن الصحابة والتابعين مجتمعة على ذلك حتى ظهرت بدعة نفي الأسماء والصفات، وكان بدء ظهورها آخر عصر التابعين
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: ظلم دون ظلم، ح: ٣٢ [١/ ١٠٩] وك: التفسير، تفسير سورة البقرة، ب: "وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه.."، ح: ٤٥٤٥ [٨/٥٣ - ٥٤] ٢ انظر: ابن القيم/ الصواعق المنزلة ٠١/ ١٠٢)، والمقريزي: الخطط (٢/ ٣٥٦) ط. مؤسسة الحلبي، مصر.
[ ٣٣٣ ]
وأول من تكلم بهذا الجعد بن درهم ١.
وقد تأثر "الجعد بن درهم" في هذا بأهل بلدِه "حران" ٢ وكانوا من الصابئة ٣ الذين لا يصفون الرب إلا بالصفات السلبية أو الإضافية أو ما تركب منهما ٤.
والجعد هو شيخ الجهم بن صفوان ٥ الذي نسبت إليه "الجهمية" ٦،وقد زاد الطين بلة تعريب الكتب اليونانية في حدود المائة الثانية ٧. وفي المائة الثالثة
_________________
(١) ١ هو مؤدب مروان الحمار، أول من ابتدع الكلام في الصفات، مات سنة نيف وعشرين ومائة، عداده في التابعين، مبتدع ضال ذبحه خالد القسري ﵀ بسبب مقالته في الصفات. انظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٢٥)، وابن تيمية: الفتوى الحموية (١٣ـ١٤) ط. السلفية، بمصر، وهي ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١٢١)، والذهبي: السير (٥/ ٤٣٣)، وابن كثير: البداية والنهاية (١٠/ ٣٥٠) ٢ هي مدينة على طريق الموصل والشام، موطن الصابئة. انظر: ياقوت: معجم البلدان (٢/ ٢٣٥) . ٣ قيل لهم صابئة لأنهم زاغوا ومالوا عن نهج الأنبياء، من صبا الرجل إذا مال وزاغ، وهم كانوا على دين نوح ثم مالوا عنه، ويرى بعض العلماء أن الله تعالى أرسل إليهم إبراهيم ﵇. وانظر في تفسير هذا الاسم وعقائد هذه الديانة: الشهرستاني: الملل والنحل (٢/ ٢٨٩) وما بعدها. ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الثانية ١٤١٣هـ. ٤ الصفات السلبية هي التي تدل على أمر مسلوب أي منفي، فصفة العلم مثلًا تدل عندهم على انتفاء الجهل لا ثبوت العلم، والإضافية تعني: أنها تدل على صفة مضافة للغير، فصفة الخلق مثلًا تعني وجود مخلوق له، لا ثبوت صفة الخلق لله. والتي تتركب منهما هي: ما كانت سلبية باعتبار وإضافية باعتبار آخر، مثل: الأول فمعناه السلبي الحدوث والإضافي وجود الأشياء بعده. انظر: ابن عثيمين: فتح رب البرية (ص:٦٣) ٥ هو الراسبي الترمذي، رأس البدعة نسب إليه نفي الصفات والقول بالجبر، وفناء النار وغير ذلك، قتل سنة ١٢٨هـ. انظر: الأشعري: المقالات (١/٣٣٨)، والشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٧٣)، والذهبي: السير (٦/٢٦) والطبري: التاريخ (٧/٢٢٠) ط. دار المعارف، مصر، الثانية. ٦ نسبة إلى الجهم، إحدى الفرق الضالة. انظر: الأشعري: المقالات (١/٣٣٨)، والشهرستاني: الملل والنحل (١/٧٣)، والبغدادي: الفرق بين الفرق (ص:٢١١)، ط. محمد علي صبيح / مصر، ت: محيي الدين عبد الحميد. ٧ انظر: ابن تيمية: الحموية (ص:٢٢) ضمن مجموع الفتاوى (ج: ٥)
[ ٣٣٤ ]
انتشرت هذه المقالة بسبب "بشر بن غياث المريسي" ١ وطبقته وتوفي المريسي سنة ٢١٨هـ. إلا أن تأويلاته وشبهاته لم تمت بموته، بل بقيت حية في كتب المتكلمين من بعده.
وقد صنف الأئمة ﵏ في الرد على المريسي وطبقته وأشهر مصنف في ذلك ولا زال موجودًا إلى الآن هو ما صنفه: عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٨هـ ٢، ولقد حكم كثير من السلف بكفر المريسي ٣.
لقد بقيت أكثر شبهات وتأويلات المريسي وتناولها المتكلمون في مؤلفاتهم، ويتضح ذلك بالمقارنة بين ما ذكره الدارمي منها مع ما هو موجود في كتب القوم اليوم ٤، وما دام الأمر كذلك فلا بد أن تتواصل جهود العلماء في رد هذه الشبهات، وهو ما حدث فعلًا فقد قام العلماء من السلف فمن بعدهم بالتأليف للرد على أصحاب هذه التأويلات ٥. إلى أن
_________________
(١) ١ هو بشر بن غياث بن أبي كريمة مولى زيد بن الخطاب، أخذ الفقه عن أبي يوسف، وروى عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة، مات سنة ٢١٨هـ. انظر: الذهبي: السير (١٠/١٩٩) وانظر اللالكائي: شرح الأصول (٣/ ٤٢٥) ٢ هو عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد: الإمام العلامة الحافظ الناقد صاحب المسند والتصانيف، ولد قبل المائتين بقليل، صنف "الرد على المريسي"، وطبعه: محمد حامد الفقي تلميذ رشيد رضا، وصنف أيضًا "الرد على الجهمية"، كان لهجًا بالسنة بصيرًا بالمناظرة، مات سنة ٢٨٠هـ. انظر: الذهبي: السير (١٣/ ٣١٩ـ ٣٢٧) ٣ انظر: أسماء من حكم عليه بذلك عند اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٢٦) ٤ انظر: مثلًا: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٩و ٢٥و ٥٩) وقارن مع الرازي: أساس التقديس (ص: ٢و ١٠٢و ١٠٨و ١٠٩و ١٢٥) ط. كردستان العلمية بمصر. ١٣٢٨هـ. وقارن أيضًا مع عبد الجبار شرح الأصول الخمسة (ص:٢٢٦و ٢٢٧و ٢٣٢) ط. مكتبة وهبة بمصر، وانظر: عبد الجبار: "فصل الإعتزال" (ص: ٣٤٦) ط. الدار التونسية وقارن مع: الدارمي: الرد على المريسي (ص:١٣)، وقد رد على أساس الرازي ابن تيمية في مؤلف حافل طبع بعضه باسم: نقض تأسيس الجهمية. ط. مطبعة الحكومة بمكة بأمر من الملك فيصل ﵀ ٥ انظر: بعض هذه المؤلفات عند: ابن تيمية: الحموية (ص: ٢٤) ضمن مجموع الفتاوى جـ ٥.
[ ٣٣٥ ]
جاء عصر ابن تيمية، وكان صوت السنة قد خفت وعلت أصوات المتكلمين، فجاء ابن تيمية ونصر مذهب السلف وأعلنه بقوة وأتى من ذلك بشيء عجيب. وانتشرت أقواله ابن تيمية وفتاواه في كل مكان وظهر مذهب السلف بعد ما كاد أن يندثر، ولقد اطلع الشيخ رشيد رضا على كتب ابن تيمية وعرف منها مذهب السلف بعدما كان نشأ على كتب المتكلمين المشتملة على آراء المريسي، واقتنع رشيد رضا بمذهب السلف وتقريرات ابن تيمية وكان حريصًا على مطالعة كتب ابن تيمية ومدرسته، ويقول عن نفسه: "إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف إلا بممارسة هذه الكتب" ١.
وفيما يلي أصور المذهب الذي استقر عليه رشيد رضا مبينًا مدى تأثره بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي كان هو السبب في تعرف رشيد رضا واقتناعه بهذا المذهب، وقد قسمت هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث: الأول: في الأسماء الحسنى، والثاني: في الصفات الإلهية، والثالث: في مفردات الصفات التي تكلم عنها رشيد رضا وتحت كل مبحث مطالب.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٢٥٣)
[ ٣٣٦ ]
المبحث الأول: إثبات الأسماء الحسنى
تمهيد
تمهيد:
لقد ورد إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى في القرآن الكريم مجملًا ومفصلًا. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١. وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢ وورد ذكر هذه الأسماء تفصيلًا، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
ويختم الله ﷾ في كتابه العزيز كثيرًا من الآيات بأسمائه الحسنى كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٥، وقوله ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦، وفي السنة
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية (١٨٠) ٢ سورة طه: الآية (٨) ٣ سورة الحشر الآية (٢٢ـ ٢٤) ٤ سورة البقرة الآية (٢٦٣) ٥ سورة النساء الآية (٢٤) ٦ سورة المائدة: الآية (٣٤)
[ ٣٣٧ ]
مثل ما في القرآن من نسبة الاسم لله تعالى وذكر الأسماء له ﷿، منها قوله ﷺ: "اللهم باسمك أموت وأحيا" ١. وقوله: "باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء.." ٢ وقوله: "إن الله هو السلام" ٣ ومع ذلك فقد اختلفت مواقف الناس في أسماء الله تعالى من مثبت ونافي وملحد فيها وفي معانيها، كما وقع خلاف في عددها وتعيينها وفي الاسم الأعظم، وفي معنى إحصائها، وفيما يلي نتعرف على موقف رشيد رضا من هذه المسائل.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح: ك: الدعوات: باب: ما يقول إذا قام، ح: ٦٣١٢ (١١/١١٧) ٢ الترمذي السنن: أبواب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى، ح: ٣٣٨٨ (٥/٤٦٥) وقال: حسن صحيح غريب. ٣ البخاري: الصحيح، ك: الأذان: باب التشهد في الآخرة، ح: ٨٣١ (الفتح ٢/ ٣٦٣)
[ ٣٣٨ ]
المطلب الأول: موقف الناس من الأسماء الإلهية:
كان الواجب أن لا يقع خلاف حول ثبوت الأسماء الحسنى لله تعالى، وقد تواتر على ثبوتها الكتاب والسنة، ولا معارض لذلك من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ولا صارف لها يصرفها عن ظاهرها، ولكن الأمر جرى على غير سنته، فلقد نفت "الجهمية" ٤ الأسماء وما دلت عليه من معان وأحكام.
وأثبت "المعتزلة" ٥ الأسماء دون معانيها، فقالوا: عليم بلا علم، سميع بلا سمع.. ألخ ٦.
ونفاة الأسماء لا ينكرون إطلاق الأسماء على الله تعالى، إلا أنهم
_________________
(١) ٤ سبق تعريفها، انظر (ص:٣٠٨) ٥ أتباع واصل بن عطاء، نسب إليهم القول بإنكار القدر، ونفي الصفات والقول بخلق القرآن. انظر: الملل والنحل (١/ ٣٨)، والفرق بين الفرق (ص: ٢٠ - ٢١) ٦ انظر: ابن ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩)، ط. دار الكتاب العربي اللبناني، بيروت، وانظر أيضًا: الرازي: شرح الأسماء الحسنى (ص: ٢٩)، والرد على المريسي للدارمي (ص: ٧)، وعبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٠٠) وما بعدها، ط. الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٦هـ.
[ ٣٣٨ ]
يقولون إن إطلاقها عليه تعالى مجازي لا حقيقي ١.
وفي مقابل هؤلاء النفاة وقف فريق المثبتين لأسماء الله الحسنى، وما دلت عليه من الصفات العليا، وهم أهل السنة والجماعة من السلف الصالح ومن تبعهم. ومذهبهم في ذلك: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ لا يتجاوزون فيها التوقيف ٢.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "..وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل.." ٣.
وكان الشيخ محمد رشيد رضا من فريق المثبتين، أهل السنة والجماعة، فأثبت الأسماء لله تعالى وأثبت ما دلت عليه من معان وأحكام، وبيّن أنواع الإلحاد فيها.
فيقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤
"..والمعنى: ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات" ٥.
_________________
(١) ١ الأشعري: المقالات (١/ ٢٦١)، ابن تيمية: درء التعارض (٥/ ١٨٦)، وابن القيم: ببدائع الفوائد (١/ ١٦٤)، وأحمد بن عطية الغامدي: البيهقي (ص: ١٢٢) ط. مكتبة العلوم والحكم، الثالثة ١٤١٢هـ. ٢ انظر مثلًا: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٧)، والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٥)، ط. دار الكتاب العربي، الأولى ١٤٠٥هـ وابن منده: التوحيد ومعرفة أسماء الله (٢/ ١٤)، والخطابي: شأن الدعاء (ص:١١١)، ط. دار المأمون للتراث، دمشق، الأولى ١٤٠٤هـ. وابن القيم: بدائع = = الفوائد (١/ ١٧٠) ٣ بدائع الفوائد (١/ ١٧٠) ٤ سورة الأعراف، الآية (١٨٠) ٥ تفسير المنار (٩/ ٤٣١)
[ ٣٣٩ ]
ويقول في موضع آخر: "وأسماء الله كثيرة وكلها حسنى بدلالة كل منها على منتهى كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم" ١.
فمع إثباته للأسماء يرى الشيخ رشيد أن معنى الحسن فيها يرجع إلى أمرين:
أحدهما: دلالتها على المعاني والصفات الكاملة.
الثاني: علوها وفضلها ومفارقتها في الحقيقة لما يطلق منها على المخلوق.
فوافق الشيخ رشيد في ذلك أهل السنة وخالف فريقين:
الأول: من قال إن أسماء الله جامدة لا تدل على معنى، بل هي أعلام محضة كحروف المعجم في دلالتها على مسمياتها دون ملاحظة معنى زائد ٢.
الثاني: من نفى الأسماء فرارًا من التشبيه، ونفى لذلك أن يسمى الله بهذه الأسماء، ونفى حتى أن يقال إنه شيء، حتى لا يشبهه بالأشياء ٣.
فبين الشيخ رشيد أن ما أطلق على المخلوقين من هذه الأسماء لا يقتضي تشبيهًا ولا تمثيلًا، لأن أسماء الله تعالى وصفاته تعلو وتشرف على صفات المخلوقين، وتدل على أكمل المعاني وأصدقها بخلاف صفات المخلوقين. فيقول في ذلك: "فحاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق إذ لو وضع لصفات الله تعالى ألفاظًا خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئًا..
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٤٣٢) ٢ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٨)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٧٠) ٣ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٢٣)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٢٧) ط. دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨هـ ت: خليل هراس، والأشعري: المقالات (١/ ٢٥٩)
[ ٣٤٠ ]
وقد جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئًا ولا يماثله شيء، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات.. لا ينافي أصل التنزيه.." ١.
وننتقل من هذا الإثبات الإجمالي إلى تفصيل مذهب الشيخ رشيد في أسماء الله تعالى.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٢٠١)، وأيضًا: المجلة (١٥/ ٩٠٦ - ٩٠٧)، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (ص: ٢٧)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٤) وما بعدها.
[ ٣٤١ ]
المطلب الثاني: مسألة الاسم والمسمى
أولًا: تعريف الاسم:
الاسم مشتق من السمو - على الراجح - وكما هو مذهب البصريين، والأصل فيه: سَمَو كـ جَمَل، والجمع: أسماء كقنو وأقناء ٢.
والاسم في اصطلاح النحاة هو: "اللفظ الذي وضع دلالة على المعنى" ٣.
وبمثل هذا التعريف عرّف الشيخ رشيد الاسم فقال: "الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات من الذوات كحجر، وخشب، وزيد، أو معنى من المعاني كالعلم والفرح.." ٤.
_________________
(١) ٢ انظر: الزجاج: معاني القرآن (١/ ٤٠)، والأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٦ـ١٦) ط. دار إحياء التراث العربي، (مصورة عن المكتبة التجارية بمصر) ٣ السهيلي: "نتائج الفكر في النحو": (ص: ٣٨) ط. دار الرياض للنشر والتوزيع، ت: محمد إبراهيم البنا. ٤ تفسير المنار (١/ ٤٠)
[ ٣٤١ ]
ثم ينتقل الشيخ رشيد إلى الكلام على الأسماء الحسنى فيعرفها ويبين أقسامها من حيث دلالتها ومن حيث اشتقاقها، فيقول: "الأسماء جمع اسم؛ وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة من صفاتها، سواء كان مشتقًا كالرحمن الرحيم، الخالق الرازق، أو مصدرًا كالرب والسلام والعدل.." ١.
ثم يقسم أنواع دلالات الأسماء الحسنى قائلًا: "وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معًا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة وحدها بالتضمن، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام.." ٢. وهذا الموقف صحيح موافق لما ذهب إليه أهل العلم ٣.
ثانيًا: الاسم والمسمى (العلاقة بين الاسم والمسمى)
كان السلف ﵏ يكرهون الخوض في هذه المسألة - وفي كل مسألة لم يرد ذكرها في الكتاب والسنة - لأنها من الأمور المحدثة ٤.ولكن - ولأن البحث فيها لم يتوقف - اضطر علماء السنة إلى الخوض فيها وبيان وجه الحق من الأقوال ورد الباطل منها ٥.
وقد تعددت الأقوال في هذه المسألة ٦ ويمكنني أن ألخصها في ثلاثة أقوال، هي الأقوال الرئيسة في هذه المسألة:
أحدها: أن الاسم هو المسمى: وأن أسماء الله تعالى هي هو. وهو
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٤٣١) ٢ المصدر نفسه (١/ ٤٦) ٣ انظر: ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٢) وقد اطلع عليه رشيد رضا. انظر (ص: ١٨٠) من هذا البحث. ٤ انظر: الطبري: صريح السنة (ص: ١٧) ت: بدر المعتوق، ط. دار الخلفاء الأولى ١٤٠٥هـ. ٥ انظر مثلًا: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٢/ ٢٢٨) ٦ انظر: الأشعري: المقالات (١/ ٢٥٢)، وابن تيمية: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٦)
[ ٣٤٢ ]
قول أهل الحديث وكثير من المنتسبين إلى السنة. مثل اللالكائي ١ والبغوي ٢، ومن غيرهم: أبو عبيدة معمر بن المثنى ٣.
الثاني: أن الاسم غير المسمى وأسماء الله تعالى غيره. وهو قول الجهمية والمعتزلة وكثير من الزيدية، وكثير من الخوارج.
الثالث: أن الاسم للمسمى: أو الإمساك والتفصيل، وهو القول الحق، وممن قال به: الطبري ٤، وأحمد بن حنبل ٥، وابن تيمية ٦، وابن القيم ٧. وأكثر المنتسبين إلى السنة ٨.
وهذا القول هو الموافق للكتاب والسنة ولفظهما، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٩ وقال النبي ﷺ: "لي خمسة أسماء.." ١٠ هو الموافق أيضًا لمنهج أهل السنة والجماعة في موقفهم من الألفاظ والعبارات المجملة، وعدم إطلاقها، والاستفصال عن معناها والتقيد بالألفاظ والتعبيرات الواردة في الكتاب والسنة ١١. ويتلخص هذا المذهب في نقطتين:
_________________
(١) ١ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٢٨)، وهو: أبو القاسم هبة الله، ابن الحسن، الحافظ، الإمام، ت ٤١٨هـ. السير (١٧/ ٤١٩) ٢ معالم التنزيل (١/ ٣٨)، وهو: الحسن بن مسعود الفراء، الإمام العالم، محيي السنة، ت: ٥١٦هـ. السير (١٩/ ٤٣٩) ٣ مجاز القرآن (١/ ١٦) وهو: من صفرية الخوارج. المقالات (١/ ١٩٨) والسير (٩/ ٤٤٥) ٤ صريح السنة (ص: ٢٦ ـ٢٧) وهو أبو جعفر محمد بن جرير العالم المجتهد ت: ٣١٠هـ. السير (١٤/ ٢٦٧) ٥ طبقات الحنابلة (٢/ ٢٧٠) ٦ مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٦) ٧ بدائع الفوائد (١/ ١٦ ـ١٧) ٨ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠١) ٩ سورة الأعراف، الآية (١٨٠) ١٠ البخاري: ك: المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله (، ح: ٣٥٣٢ (٦/٦٤١) ١١ انظر: ابن تيمية: التدمرية (ص:٢٢)، وابن عثيمين: تقريب التدمرية (ص: ٥٢)، وفالح بن مهدي: النحفة المهدية (١/ ١٣٦) وما بعدها، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٧)
[ ٣٤٣ ]
أولًا: التقيد بتعبير الكتاب والسنة وعدم إطلاق ما لم يرد فيهما أو أحدهما.
ثانيًا: الاستفصال عن معنى "الغير" إذ هو مجمل يجب التفصيل فيه ١.
فإذا كان المقصود أن الاسم الذي هو اللفظ الدال على المعنى، غير هذا المعنى وهو الشيء الموجود في العيان، بحسب اللفظ والوضع اللغوي، فصحيح ٢.
وإن كان المراد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسمًا أو سماه خلقه بأسماء من عندهم، فهذا هو الباطل وهو قول الجهمية، وهو مرادهم بأن الاسم غير المسمى، وهو قول فاسد لأن أسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق فأسماؤه هي منه وهي غير مخلوقة، سمى بها نفسه ٣.
قال ابن القيم ﵀: "..منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين صحيح وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها، ولا ريب أن الله تبارك تعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه.. وبلاء القوم من لفظة الغير فإنها يراد بها معنيان: أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٧)، ومختصر الصواعق (٢/ ٤٢٠) ٢ ابن القيم: المصدر السابق (١/ ١٦)، وشفاء العليل (ص: ٣٩٠ - ٣٩١) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى ١٤٠٧هـ، وابن حجر: فتح الباري (١١/ ٢٢٥)، والسهيلي: نتائج الفكر (ص: ٣٩) . ٣ ابن القيم: المصدر السابق (١/ ١٧)، وانظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٧ - ٨)،وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٤٥٧)، وانظر أيضًا: د. محمد بن خليفة التميمي: معتقد أهل السنة في أسماء الله الحسنى (ص: ٣٩٠ـ ٣٩١) ط. دار إيلاف، الأولى ١٤١٧هـ، وعبد الله بن صالح الغصن: أسماء الله الحسنى (ص: ٣٣ - ٣٤) ط. دار الوطن، الأولى ١٤١٧هـ.
[ ٣٤٤ ]
بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل: علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحًا ولكن الإطلاق باطل.."١.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال ويتبين الصواب، فأسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق، ولا يقال هو غيره ولا هو هو.
ويؤيد مذهب السلف علماء النحو، إذ يقول إمامهم وهو سيبويه ٢ في كتابه الشهير: "هذا باب اللفظ للمعاني" ٣ وهو معنى قول السلف: الاسم للمسمى.
وأما الشيخ رشيد رضا فيوافق مذهب السلف في هذه المسألة فيقرر أنه بحسب الوضع اللغوي فإن الاسم غير المسمى فيقول: "فالاسم غير المسمى في اللغة وقد أخطأ من نسب إلى سيبويه غير هذا" ٤.
وقد نقلت قبل قليل عن سيبويه ما يوضح مذهبه في ذلك.
ويفرق الشيخ رشيد بين المعاني المشتبهة ويبين ما فيها من الإجمال فيقول: "الاسم هو اللفظ الذي ينطق به لسانك ويكتبه قلمك، كقولك: شمس أو زيد أو مكة، والمسمى هو الكوكب المعروف أو الشخص المعين أو البلد المحدد.. ولفظ "اسم" اسم لهذا النوع من اللفظ الذي يدل على الجواهر والأعراض دون الأحداث التي تسمى في النحو أفعالًا.." ٥.
ويُخَطِّئُ الشيخ رشيد - تبعًا لابن القيم - من قال إن الاسم عين المسمى، فهذا "لم يقله نحوي ولا عربي قط" ٦.
ويبين الشيخ رشيد وجه الشبهة عند من قال: إن الاسم هو المسمى
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد (١/ ١٧ - ١٨) وانظر أيضًا: شفاء العليل (ص: ٤٥٧) ٢ هو: إمام النحو، حجة العرب، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر. السير (٨/ ٣٥١) ٣ الكتاب (١/ ٢٤) ط. الهيئة العامة للكتاب، ت: عبد السلام هارون. ٤ تفسير المنار (١// ٤٢) وقارن مع ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦) ٥ المصدر نفسه (١/ ٤٠) ٦ المصدر نفسه (١/ ٤٠ـ ٤١) وقارن مع ابن القيم: بدائع الفوائد (ص:١٧)
[ ٣٤٥ ]
ويجيب عنها فيقول: "ومنشأ الغلط عند بعضهم أن الله تعالى أمرنا بذكره وتسبيحه في آيات وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى.. رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى.. وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى. كما يذكر من الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن ماء لا يحصل مسمى هذا اللفظ فينقع غلته.." ١
وإذا كان الشيخ رشيد يرى أن الاسم غير المسمى بحسب الوضع اللغوي، فهل يذهب مذهب الجهمية الذين اتكأوا على هذه الحقيقة اللغوية وألبسوها ثوب الباطل؟ والجواب: أن لا.
وهو الواضح من النصوص التي نقلتها عنه في إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى مثل قوله: "ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات" ٢. وقوله: "وأسماء الله كثيرة وكلها حسن بدلالة كل منها على منتهى كمال معناه.. كالرحيم والحليم والحفيظ والعليم.." ٣. فهذا الموقف من الشيخ رشيد صحيح موافق لما عليه أهل السنة. وقد اعتمد فيه على ابن القيم ﵀.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ٤٤) وقارن مع ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٨ - ١٩) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٣١) ٣ المصدر نفسه (٩/ ٤٣٢)
[ ٣٤٦ ]
المطلب الثالث: مصادر معرفة أسماء الله تعالى:
مذهب أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية، وكذا صفاته ﵎، وإن كان يجوز من باب الإخبار عنه تعالى أن يقال قديم وشيء وموجود ونحوه، إذ أن باب الإخبار عنه ليس توقيفيًا ٤ قال الإمام
_________________
(١) ٤ انظر: ابن منده: التوحيد (٢/ ١٤)، والخطابي: شأن الدعاء (ص: ١١١)،والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٥)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٢)
[ ٣٤٦ ]
الخطابي ١ ﵀: "ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف ولا يستعمل فيها القياس.." ٢.
وقد خالف في هذا المعتزلة البصريون فقالوا بإثبات الأسماء بالقياس وما دل عليه العقل ولو لم يرد به النص وخالفهم البغداديون ٣.
أما الشيخ رشيد فيرى رأي أهل السنة من أن أسماء الله تعالى توقيفية. فيقول: "وقد اتفق أهل الحق على أن أسماءه وصفاته توقيفية، ونصوا على إثبات كل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة.. وعلى منع كل ما دل على منعه وجوز المعتزلة ما صح معناه ودل الدليل على اتصافه به.."٤.
وأما الأسماء التي يطلقها المتكلمون على الله تعالى مثل: واجب الوجود، أو الواجب والصانع والقديم ٥ فيرى الشيخ رشيد أنها لا تثبت أسماءً لله تعالى، وإنما هي من اصطلاح المتكلمين، فيقول:" ويقتصر فيها كلها على التوقيف وليس منه الواجب والصانع والموجود، ولكن يجوز الإخبار بهذه الصفات عنه تعالى فيقال: إن الله موجود، وواجب وهو صانع كل شيء، والمتقن لكل ما خلقه، ولا يقال في الدعاء والنداء يا واجب أو يا صانع اغفر لي، مثلًا. وبهذا القدر يصحح كلام المتكلمين.." ٦.
وكما أطلق المتكلمون أسماء لم ترد في الكتاب والسنة، وإن صحح ذلك من جهة الأخبار، فلقد أطلق الصوفية على الله تعالى أسماء لا تصح بوجه من الوجوه.
_________________
(١) ١ هو: الإمام العلامة الحافظ اللغوي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم، صاحب التصانيف، ت: ٣٨٨هـ السير (١٧/ ٢٣ـ ٢٨) ٢ شأن الدعاء (ص: ١١١) ٣ المقالات (٢/ ٢٠٦ـ ٢٠٧) والرازي: شرح الأسماء (ص:٣٦) والبغدادي: الفرق بين الفرق (ص٣٣٧) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣ـ ٤٤٤) ٥ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص: ٤٣) وما بعدها، والبغدادي: أصول الدين (ص:٦٨) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣ـ ٤٤٤) وقارن مع ابن القيم بدائع الفوائد (١/ ١٦١)
[ ٣٤٧ ]
فادعى بعضهم أن الضمير "هو" من أسمائه تعالى، فيدعونه ويذكرونه به، وادعى بعضهم كذلك: أن "آه" من أسمائه تعالى، بل ذهب بعضهم إلى أن "هو" هو الاسم الأعظم ١.
ويرد الشيخ رشيد على هؤلاء أيضًا فيقول:"والضمير "هو" ليس من أسماء الله تعالى ولا يدل بنفسه على ذات الله تعالى ولا على صفة من صفاته، وإنما يدل على ذلك كما يدل على غيره إذا وقع في الكلام ضميرًا راجعًا إليه.."٢.
وأما " أه" التي يرددونها على أنها ذكر لله تعالى، فإنها وكما ينقل الشيخ رشيد:"بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقًا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على معنى التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلًا عن أن يكون من أسماء الله الحسنى.."٣.
وأما الدعاء بالأسماء المقيسة والمخترعة على غير قياس، مثل: يا سخي، قياسًا على يا جواد، فلا يجوز ٤. قال الشيخ رشيد:"ومثله يا هو فإنه لم يقله أحد من السلف الصالح ولا جائز في لغة الدين، وأولى منه بالإنكار"أه" فإنه ليس من هذه اللغة "٥. ويجوز الإخبار عنه تعالى ببعض الأسماء المقيسة كما سبق لأن باب الإخبار عنه تعالى أوسع من باب الصفات وباب الصفات أوسع من باب الأسماء ٦. أي أننا نخبر عنه تعالى
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٢/ ٥١ـ ٥٣) وانظر: عبد الرحمن الوكيل: "هذه هي الصوفية" (ص: ١٤٤ـ ١٤٥) ط. دار الكتب العلمية. بيروت، الرابعة ١٩٨٤م. ٢ المصدر نفسه (٢٢/ ١٥١) ٣ مجلة المنار (٢٢/ ٤٩) ٤ انظر: الخطابي: شأن الدعاء (ص: ١١١) ٥ مجلة المنار (٢٢/ ١٥٤) ٦ انظر: ابن تيمية درء التعارض (٤/ ١٤٠)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، ورشيد رضا: تفسير المنار (٩/٤٤٣)
[ ٣٤٨ ]
بأخبار ولكن لا نشتق له منها صفات: كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا ١.
وأيضًا فباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فليس كل ما صح صفة صح اسمًا: كالمتكلم والمريد والمستوي والنازل والضاحك مع أنها صفات وُصِف بها الرب تعالى ٢.
وهذا ما يقرره الشيخ رشيد إذ يقول: "ولا يجوز أن يشتق له تعالى أسماء من كل ما أخبر به عن نفسه ولو بصيغة اسم الفاعل، فلم يقل أحد بإطلاق اسم الزارع عليه تعالى من قوله ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٣، ولا الماكر من قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٤، ولا المخادع أو الخادع من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٥.." ٦.
ومن هذا يتبين لنا أن الشيخ رشيد يقول بالتوقيف كأهل السنة وهو الصحيح.
_________________
(١) ١ ابن القيم: بدائع الفوائد (١/١٦١) ٢ ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ١٩) ٣ سورة الواقعة، الآية (٦٤) ٤ سورة المائدة، الآية (٥٤) ٥ سورة النساء، الآية (١٤٢) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣)
[ ٣٤٩ ]
المطلب الرابع: عدد أسماء الله تعالى:
فإذا كان توقيف الشرع هو مصدر العلم بأسماء الله تعالى، وكان العلم بها أصل للعلم بكل معلوم ٧، فما هو الوارد منها في الكتاب والسنة من حيث العدد ومن حيث تعيينها، وما ثواب وفائدة حفظها وإحصائها؟
_________________
(١) ٧ ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٣)
[ ٣٤٩ ]
فقد جاء في الصحيح ١ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لله تسعة وتسعون اسمًا - مائة إلا واحد - لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
وفي رواية في غير الصحيح ٢ ورد ذكر هذه الأسماء التسعة والتسعين، على خلاف شديد في سردها مع الزيادة والنقص ٣.
ففي هذا الحديث مسائل: الأولى: عدد أسماء الله تعالى، فقد انقسم الناس فيها إلى فريقين، الأول: ومعه الحق، على أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عدد معين. وهو قول جمهور العلماء ٤. وحكى النووي الاتفاق عليه ٥،
وذهب الفريق الثاني: إلى أن أسماء الله تعالى معروفة العدد، ولكنهم اختلفوا في هذا العدد.
فيذهب ابن حزم إلى أنه تسعة وتسعون، تمسكًا بظاهر الحديث السابق، وقد أجيب بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد ٦. وحديث "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ٧ يشهد للفريق الأول.
_________________
(١) ١ البخاري: ك: الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحد ح: ٦٤١٠ (١١/٢١٨) ٢ انظر: الترمذي، ك: الدعوات، باب: ٨٣، ح: ٣٥٠٧ (٥/ ٥٣٠)، وابن ماجه: ك: الدعاء، باب أسماء الله ﷿، ح: ٣٨٦١. ٣ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٢١٩) ٤ انظر: البيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٧ - ٢٨)، والخطابي: شأن الدعاء (ص: ٢٤ ـ٢٥)، وابن= = تيمية: درء التعارض (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣) والفتاوى له (٢٢/ ٤٨٢)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٦)، وابن حجر: الفتح (١١/ ٢٢١) ٥ شرح مسلم (١٧/ ٥) ط. دار الريان. ٦ انظر: الفتح (١١/ ٢٢١) والمراجع في الحاشية رقم (٩) (ص:٣٢٢) ٧ أحمد: المسند (١/ ٣٩١)، والحاكم في المستدرك: ك: الدعاء (١/ ٥٠٩)
[ ٣٥٠ ]
والذي ذهب إليه الشيخ رشيد في هاتين المسألتين، عدد أسماء الله وتعيينها، هو الراجح وهو قول الجمهور كما سبق ذكره.
[ ٣٥٢ ]
المطلب الخامس: معنى إحصاء أسماء الله تعالى:
المسألة الثالثة في هذا الحديث هي معنى إحصاء أسماء الله تعالى الموعود عليها بالجنة. وقد اختلفت آراء وأقوال العلماء في معنى هذا الإحصاء. ذكر الخطابي منها أربعة أقوال:
أحدها: حفظها، ويدل له رواية: "لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة" ١، ورواية: "من حفظها دخل الجنة" ٢.
الثاني: الطاقة: ومعنى أن يطيقها أن يقوم بحقها ويعمل بمقتضاها فيعتبر بمعانيها ويلزم نفسه بها كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٣.
الثالث: أنه فهم معانيها ومعرفتها.
الرابع: أن يقرأ القرآن فيستوفي هذه الأسماء في أضعاف التلاوة، والمراد حفظ القرآن فمن حفظه دخل الجنة ٤.
والذي يترجح أن الإحصاء يشمل أمورًا ثلاثة:
أحدها: إحصاء ألفاظها وعددها.
الثاني: فهم معانيها ومدلولها.
الثالث: دعاء الله تعالى بها ٥.
_________________
(١) ١ هي رواية البخاري القريبة. ٢ مسلم: الصحيح، ك: الذكر والدعاء، ح: ٤ [٢٦٧٧] (٤/ ٢٠٦٢) ط: عبد الباقي. ٣ سورة المزمل، الآية (٢٠) ٤ انظر: شأن الدعاء (ص: ٢٦ - ٢٩) بتصرف. ٥ انظر: ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٤)
[ ٣٥٢ ]
وينقل الشيخ رشيد هذه الآراء في معنى الإحصاء فيقول: "أي من أحصاها حفظًا لمعانيها وعلمًا بها وإيمانًا، أو من استخرجها من كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﷺ لأجل أن يزداد بها إيمانًا ومعرفة بربه عزوجل، ويدعوه بها، أو من أطاق العمل بما تهدي إليه من الكمال والبر، أو من أخطرها بباله وتفكر في معانيها عند ذكرها بتلاوة القرآن والأذكار المأثورة خاشعًا معتبرًا متدبرًا راغبًا راهبًا ولك أن تقول به كله " ١.
ويخص الشيخ رشيد مسألة دعاء الله بها بمزيد من العناية، ويميل إلى القول بها مستدلًا بالكتاب والسنة، فيورد أدلة الكتاب والسنة التي تشير إلى هذا المعنى. فيقول: "وقد ورد في بعض روايات الحديث الضعيفة "وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة" رواه الديلمي ٢ من حديث عليّ كرم الله وجهه. وفي أخرى "من دعا بها استجاب الله له" رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ٣، وليس فيها ذكر الإحصاء وعندنا فوق ذلك كله قول الله عزوجل في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ فهو تعالى يهدينا إلى أن ندعوه ونتضرع إليه بهذه الأسماء الحسنى لاشتمالها على أحسن المعاني الدالة على منتهى الكمال والفضل " ٤.
ويقول: "ولم يقل أحد ممن يعتد بعلمه وفهمه أن المراد عدها بالأرقام أو إحصاؤها على السبح" ٥.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٧/ ٧٣٨) ٢ الحديث لم أجده في مسند الفردوس بهذا اللفظ. انظر: فردوس الأخبار (١/٢٣١) ط. الريان، ولكن ذكره السيوطي في الجامع الكبير، إلى أبي نعيم وابن عساكر عن علي بن أبي طالب. وهو في ضعيف الجامع الصغير برقم: (١٩٤٤) وقال الألباني: ضعيف، وانظر: الجامع الكبير (١٩/١/ ص٢٣٧٠) ط. مجمع البحوث بالأزهر، الأولى ١٣٩٥هـ. وقوله: كرم الله وجهه ليس من منهج السلف بل يترضون عنهم كلهم كسائر الصحابة ﵃. ٣ هذا اللفظ ليس عند ابن ماجه، ولكن عزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى ابن مردويه عن أبي هريرة، وهو في ضعيف الجامع الصغير برقم (١٩٥٣) وقال الألباني: ضعيف وانظر: الجامع الكبير (١٩/١/٢٣٧٠) ٤ مجلة المنار (١٧/٧٣٩) ٥ مجلة المنار (١٧/ ٧٣٨)
[ ٣٥٣ ]
فيميل الشيخ رشيد إلى معنى الدعاء بها ويرد القول بعدها عدًا مجردًا عن الفهم والتدبر.
[ ٣٥٤ ]
المطلب السادس: اسم الله الأعظم:
أسماء الله تعالى كلها عظيمة، لكن منها واحد هو أعظمها، من دعا به استجيب له. كما قال ﷺ: "..لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب" ١.
ورغم ذلك فقد أنكر بعضهم أن يكون في أسماء الله تعالى اسم أعظم من اسم، واختلفت مآخذهم في ذلك، فالأشعرية يرجعون مذهبهم هذا إلى أصلهم في كلام الله تعالى وأنه معنى واحد في النفس لا يتبعض ولا يتفاضل. والحق أن كلام الله يتفاضل، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٢.
وذهب جمهور أهل السنة إلى إثبات الاسم الأعظم تمسكًا بالحديث المشار إليه، وإلى أن كلام الله تعالى يتفاضل من جهة موضوعه وإن تشابه من جهة مصدره ٣.
والذين أثبتوه اختلفوا في تعيينه اختلافًا كثيرًا وتعددت أقوالهم وأوصلها بعضهم إلى أربعة عشر قولًا ٤، وبعضهم إلى عشرين قولًا ٥، وبعضهم إلى أربعين قولًا ٦.
_________________
(١) ١ الترمذي، ك: الدعوات، باب: ٦٤، ح: ٣٤٧٥ (٥/ ٥١٦) وقال: حسن غريب، والحاكم: المستدرك (١/ ٦٨٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر: الطبراني: الدعاء (٢/ ٨٣١ - ٨٣٥) ت: محمد سعيد البخاري. ٢ سورة البقرة، الآية (١٠٦)، وانظر ابن تيمية: درء التعارض (٧/ ١٢، ٢٧١) ٣ ابن تيمية: المصدر نفسه (٧/ ٢٧٣) ٤ ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٢٢٧) ٥ السيوطي: الدر المنظم مع الحاوي للفتاوي (١/ ٣٩٤ - ٣٩٧) ٦ الشوكاني: تحفة الذاكرين (ص: ٧١) ط. مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الأولى ١٤٠٨هـ
[ ٣٥٤ ]
وأقوى هذه الأقوال قولان:
الأول: أنه الحي القيوم ١.
الثاني: أنه الله ٢.
وأما الشيخ رشيد فله رأي يجمع بين هذين الرأيين فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو "الله الحي القيوم" يقول الشيخ رشيد: "وبجمع هذين الاسمين ٣ الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة ما يعبر عنه بالاسم الأعظم هو القول الراجح المختار عندنا" ٤.
ويقول: "وهذا الذي قلناه في بيان معنى الحي القيوم يجلي لمن وعاه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم"٥.
ويستدل الشيخ رشيد على ذلك من السنة فيقول: "وقد أخرج أحمد ٦ وأبو داود ٧ والترمذي ٨ وابن ماجه ٩ عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ
_________________
(١) ١ روي هذا القول عن ابن عباس. انظر الرازي: شرح الأسماء الحسنى (ص: ٣٠ - ٣١)، وابن القيم: مختصر الصواعق (١/ ١٠٠)، وزاد المعاد له (٤/ ٢٠٥) ط. مؤسسة الرسالة، ت: شعيب الأرناؤوط، ومدارج السالكين (١/ ٤٤٨) وذكر أنه رأي شيخ الإسلام، وابن حجر: فتح الباري (١١/ ٢٢٧) ٢ يروى عن جابر بن زيد والشعبي. انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١١)، وهو رأي الخطابي: شأن الدعاء (ص: ٢٥) ٣ يعني "الحي القيوم". ٤ تفسير المنار (١/ ٧٤) ٥ المصدر نفسه (٣/ ٢٨) ٦ المسند (٦/ ٤٦١) ٧ السنن: كتاب الصلاة، باب: الدعاء، ح: ١٤٩٦ (٢/١٦٧) ٨ الجامع الصحيح: ك: الدعوات، ح: ٣٤٧٨، وقال: حسن صحيح (٥/٥١٧) ٩ السنن: ك: الأدب، باب: اسم الله الأعظم، ح: ٣٨٥٥.
[ ٣٥٥ ]
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١ وفاتحة آل عمران ﴿ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢ " ٣.
ويعلل الشيخ رشيد اختياره هذا - بعد استدلاله بالسنة - إلى ما فيهما من المعاني العالية، فيقول عن لفظ الجلالة: "إن اسم الجلالة "الله" هو اسم الذات الجامع لمعاني الصفات العليا" ٤.
وقد أطال في شرح الاسمين "الحي القيوم" وما فيهما من المعاني وبيّن إنه يرجع إليهما - مع الرب الرحمن الرحيم - جميع معاني الأسماء والصفات ولو بطريق اللزوم. ثم قال: "ولجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها كان القول بأنهما مع اسم الجلالة - ما يعبر عن بالاسم الأعظم - " ٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٢٥٥) ٢ سورة آل عمران، الآية (١، ٢) ٣ تفسير المنار (٣/ ٢٨) ٤ المصدر نفسه (١/ ٧٢) ٥ المصدر نفسه (١/ ٧٤)
[ ٣٥٦ ]
المطلب السابع: الإلحاد في أسماء الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦، ومعنى فادعوه بها: أي سموه بها وأجروها عليه واستعملوها فيه دعاء ونداءً ٧.
والإلحاد في أسمائه تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق
_________________
(١) ٦ سورة الأعراف، الآية (١٨٠) ٧ انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٣/ ٢٩٦)، والسيوطي: تفسير الجلالين مع حاشية الجمل (٢/ ٢١٣)، وصديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ٤٦٥)
[ ٣٥٦ ]
الثابت لها ١. وأصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشيء ٢، واللحد حفرة مائلة عن الوسط ٣، وألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل ٤.
وعرّف رشيد رضا الإلحاد لغة بمثل ذلك فقال: "وأما الإلحاد فمعناه العام: الميل والازورار ٥ عن الوسط حسًا أو معنى ومنه: لحد القبر للميت: وهو ما يحفر في جانب القبر من جهة القبلة مائلًا عن وسطه ويسوى ببناءٍ ونحوه ويوضع فيه الميت.. ومن كلامهم: ألحد السهم الهدف أي مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه" ٦.
ويعرّف الشيخ رشيد رضا الإلحاد في أسماء الله تعالى تعريفًا شرعيًا فيقول: "الإلحاد في أسمائه تعالى التكذيب بها، وإنكار معانيها وتحريفها بالتأويل ونحوه، وتسميته تعالى بما لم يسمِ به نفسه وبما لا يليق بكماله وجلاله، وإشراك غيره به فيها - وهذان قسمان: إشراك في التسمية: وهو يقصر على الأسماء الدالة على معاني الألوهية والربوبية وخصائصها. وإشراك في المعاني وهي قسمان: معانٍ خاصة بالإلهية والربوبية، ومعانٍ غير خاصة في نفسها وإنما الخاص به تعالى كمالها.." ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا المعنى مع التمثيل ليزداد وضوحًا، فقد بيّن سبعة أنواع من الإلحاد في أسمائه تعالى هي كما يلي ٨:
الأول: التغيير فيها لوضعها لغيره تعالى مما عبد من دون الله كما قالوا
_________________
(١) ١ ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩) ٢ ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٣٦) ٣ الراغب: المفردات (مادة لحد، ص: ٧٣٧) ٤ الرازي: مختار الصحاح، لحد (ص: ٢٤٧) ٥ ازورّ عن الشيء ازورارًا أي: عدل عنه وانحرف. انظر: الرازي: مصدر سابق (ص: ١١٧) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤١) ٧ تفسير المنار (٩/ ٤٤٢) ٨ المصدر نفسه (٩/ ٤٤٢ - ٤٤٨) وقد نقلت ذلك بتصرف واختصار، وقارن مع ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩ - ١٧٠)
[ ٣٥٧ ]
في "اللات" فإنهم أنثوا به اسم الجلالة "الله" و"العزى" أنثوا به "العزيز" و"مناة" أنثوه من اسمه "المنان".
الثاني: تسميته بما لم يسمِ به نفسه في كتابه أو ما صح من حديث رسول الله ﷺ أو ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا بد من مستند منهما ١.
الثالث: ترك تسميته بما سمى به نفسه أو وصفه بما وصفها به، أو ترك إسناد ما أسنده لنفسه من الأفعال - بناءً على أن ذلك لا يليق به تعالى - كأن هؤلاء الملحدين أعلم منه تعالى ومن رسوله كامتناع بعض المبتدعة من ذكر بعض الآيات والأحاديث في صفات الله تعالى التي زعموا وجوب عدم ذكرها في عقائدهم إلا مقرونة بالتأويل.
الرابع: تحريف أسمائه وصفاته تعالى عما وضعت له بضروب من التأويل تقتضي التشبيه أو التعطيل.
الخامس: إشراك غيره بما هو خاص به من أسمائه باللفظ كاسم الجلالة "الله" و"الرحمن" و"رب العالمين"، وما في معناه من الإضافات كرب السموات والأرض ورب الكعبة. وهذا النوع إشراك في اللفظ ويستلزم الإشراك في المعنى.
السادس: إشراك غيره تعالى في معاني أسمائه دون ألفاظها، وذلك بأن يكون لهذا المعنى الخاص بالله تعالى لفظ يدل عليه، فيحيدون ويلحدون عن هذا اللفظ إلى آخر مع إثبات معناه لغيره تعالى، ومثّل له رشيد رضا بلفظ "الوسيلة" فهو يطلق على بعض الصالحين الذين يقصدون لقضاء الحاجات من دون الله تعالى أو معه سبحانه، فالوسيلة هنا بمعنى الإله، إذ معناه المعبود، والدعاء مخ العبادة، أو بمعنى الرب المدبر للأمر، فهذا "الوسيلة" يدعى من دون الله فيأخذ معنى اسم من أسمائه تعالى، ويطلق عليه اسم آخر زيادة في الإلحاد والتمويه. وقد أشار الشيخ محمد بن
_________________
(١) ١ انظر ابن عبد البر: جامع بيان العلم (٢/ ٩٦)
[ ٣٥٨ ]
عبد الوهاب إلى هذا المعنى في بعض رسائله، ولكنه مثل بكلمة "السيد" ١. فهذا إلحاد في معاني الأسماء دون ألفاظها.
السابع: إشراك غيره في كمال أسمائه أو تفضيله على اسمه تعالى، كمن يزعم أن لغيره تعالى رحمة كرحمته أو أشد، أو سمعًا كسمعه، وإجابة كإجابته للداعين أو أشد، كالذين يدعون غير الله تعالى من الموتى، ويعتقدون أنهم اقرب وأسرع في إجابتهم من الله تعالى، فيجمعون بين شركين: شرك دعاء غير الله تعالى، والكفر به بتفضيل غيره عليه سبحانه في سرعة الإجابة ٢.
هذه هي الأوجه التي بينها رشيد رضا في أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وهو في ذلك متأثر بابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب ٣، كما أن في تفصيله ذلك تحقيقات لم يسبق إليها على هذا النحو من البيان رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: محمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (١/ ٧٠) ط. الخامسة، سنة ١٤١٣هـ=١٩٩٢م. وانظر أيضًا: محمد بن عبد الوهاب: تفسير كلمة التوحيد (ضمن الجامع الفريد/ ص:٢٥٤) ٢ وأورد الشيخ مثلًا وهو حكاية وقعت له مع امرأة عامية مصرية كانت تدعو وتستغيث بأحد المقبورين فتقول: يا متبولي يا متبولي، فقال لها: لماذا تدعين المتبولي، ولا تدعين الله، فقالت بالعامية: المصرية: "المتبولي ما يستناش" أي لا يمهل ولا يتأخر في إجابة من دعا. انظر: تفسير المنار (٩/٤٤٨) ٣ وقد أشرت في الحواشي إلى مقارنة كلام رشيد رضا بكلام ابن القيم الذي اطلع رشيد رضا على كتابه " بدائع الفوائد" كما أنه اطلع على كتاب كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب. انظر: (ص: ١٨٢) من هذا البحث.
[ ٣٥٩ ]
المبحث الثاني: قواعد الصفات
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات وتقرير الشيخ رشيد له جملة
المطلب الأول: منهج السلف في الصفات وتقرير الشيخ رشيد له جملة:
إن الأخبار في الصفات جاءت متواترة عن النبي ﷺ موافقة لكتاب الله عزوجل، نقلها الخلف عن السلف على سبيل المعرفة والإيمان والإثبات والتسليم مع اجتناب التأويل ١ والجحود ٢ ٣.
والذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، هو: الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها والتصديق بذلك وترك تحديد الكيفية في شيء منه ٤.
_________________
(١) ١ التأويل لغة: الترجيح، واصطلاحًا: صرف اللفظ عن معناه إلى معنى يحتمله. التعريفات (ص:٤٣) ٢ الجحود: الإنكار مع العلم. والمراد به هنا إنكار الأخبار الواردة في الصفات. انظر: مختار الصحاح: جحد (ص: ٤٠)، والمفردات: جحد: (ص: ١٨٧) ٣ ابن منده: التوحيد (٣/ ٧) ت: د. علي ناصر الفقيهي. ٤ ابن عبد البر: التمهيد (٧/ ١٤٨)
[ ٣٦٠ ]
يقول ابن خزيمة ١ [ت:٣١١]: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا وتصدق ذلك قلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين.."٢.
ويقول الآجري ٣: ﵀ [ت: ٣٦٠]:"اعلموا - وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل - أن أهل الحق يصفون الله عزوجل بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وبما وصفه به الصحابة ﵃ وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به " ٤. ومن هذه النقول يتبين لنا أن مذهب السلف يقوم على ثلاثة أسس:
الأول: الإيمان بالصفات الواردة؛ وأعني به؛ إثباتها على حقيقتها لا على المجاز ٥.
يقول الإمام الأوزاعي ﵀[ت: ١٥٦]: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات" ٦.
ففي هذا تصريح من هذا الإمام يدل على إجماع التابعين على الإيمان بالصفات.
_________________
(١) ١ شيخ الإسلام إمام الأئمة صاحب التصانيف سمع من إسحاق بن راهويه وحدث عنه خلق كثير، وحدث عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين [السير:١٤/٣٦٥ـ ٣٦٦] ٢ التوحيد وإثبات صفات الرب (ص: ١٠ - ١١) ت: د. محمد خليل هراس. ٣ هو الإمام المحدث القدوة شيخ الحرم الشريف محمد بن الحسين. [السير:١٦/١٣٣ـ ١٣٤] ٤ الشريعة (ص:٢٧٧)، وانظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ١١١) ٥ انظر: ابن عبد البر: التمهيد (٧/ ١٤٥)، وقوام السنة: الحجة (١/ ٢٨٧) ط. دار الراية، الأولى ١٤١١هـ. ت: محمد ربيع ومحمد أبو رحيم. ٦ رواه البيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ١٥٠) ت: د. عماد الدين حيدر، وصحح ابن تيمية إسناده: الحموية (ص: ٢٣)
[ ٣٦١ ]
وقد سئل الإمام مالك ﵀[ت: ١٧٩] عن الاستواء، فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " ١. فهذا تصريح أيضًا بوجوب الإيمان بالصفات، فما يقال في الاستواء يقال في غيره من الصفات.
الثاني: التنزيه: وأعني به تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه في أسمائه وصفاته.
فقد قرأ رجل عند أحمد قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢، ثم أومأ بيده، فقال له أحمد: قطعها الله قطعها الله ثم حرد ٣وقام ٤.
وروي نحو ذلك عن مالك ﵀ ٥.
قال نعيم بن حماد ٦ [ت: ٢٢٨]: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه ٧.
الأساس الثالث: التفويض: وأعني به تفويض الكيفية لا تفويض المعنى.
قال سفيان: "كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا
كيف ولا مثل" ٨.
_________________
(١) ١ اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٤١)، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ١٥٠)، والذهبي: السير (٨/ ١٠٠) ٢ سورة الزمر، الآية (٦٧) ٣ حرد: أي غضب. مختار الصحاح: حرد (ص: ٥٥) ٤ اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٧٩) ٥ انظر: ابن عبد البر: التمهيد (٧/ ١٤٥) ٦ هو: ابن معاوية: الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله المروزي، صاحب التصانيف، أول من كتب المسند. السير (١٠/ ٥٩٥ - ٦١٢) ٧ اللالكائي: مصدر سابق (٣/ ٥٨٧) ٨ الدارقطني: الصفات (ص: ٧٠) ت: علي ناصر فقيهي، واللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٧٨)، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ٦٢، ١٥١)
[ ٣٦٢ ]
وقال الأوزاعي: "كان الزهري ومكحول ١ يقولان: أمرّوا الأحاديث كما جاءت" ٢ يعني أحاديث الصفات. وروي نحوه: عن وكيع ٣ ومالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم ٤.
ولا ريب أن السلف يريدون بذلك تفويض الكيفية، إذ أن المعنى في هذا لا يفوض لأنه مفهوم بالضرورة من لغة العرب ٥. فكانوا يفهمون معنى استوى على العرش، واستوى إلى السماء وغيره ويفرقون بين هذه المعاني ٦. وأيضًا لو كان مذهب السلف نفي معنى الصفة لما قالوا: بلا كيف، فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضًا قولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني ٧.
ومن قواعد السلف في الإيمان والتنزيه وتفويض الكيفية، قاعدتان كبيرتان:
أولاهما: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات وإنما أثبتناها لأن التوقيف ورد بها ٨.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله من أقران الزهري، عالم أهل الشام، ت: ١١٣هـ. السير (٥/١٥٥) . ٢ اللالكائي (٣/ ٤٣١)، والبيهقي (٢/ ١٩٨)، وابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٦) ٣ أخرج قوله: عبد الله بن أحمد في السنة (١/٢٦٧) ٤ انظر: البيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ١٩٨)، وابن عبد البر: جامع بيان العلم (٢/ ٩٦)، والآجري: الشريعة (ص: ٣١٤) ٥ انظر: ابن منده: التوحيد (٣/ ٧) . ٦ انظر: اللالكائي: مصدر سابق (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣) ٧ انظر: ابن تيمية: الحموية (ص: ٢٥)، وسيبويه: الكتاب (١/ ٢٤)، وأحمد عبد الرحمن: مذهب التفويض (ص: ٣٨٨) ٨ انظر: قوام السنة: الحجة (١/ ١٧٥)، والخطيب البغدادي: رسالة في الكلام على الصفات (ص:٢٠) ت: عمرو عبد المنعم، نشر مكتبة العلم بجدة، وهذا الموضع منها تجده في السير (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وانظر: شرح هذه القاعدة عند ابن تيمية: التدمرية (ص: ١٥ - ١٦) وفالح آل مهدي: التحفة المهدية (١/ ٨٨)
[ ٣٦٣ ]
الثانية: قولهم: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، ويلزم بها من أثبت شيئًا من الصفات ونفى شيئًا آخر أو من أثبت الأسماء ونفى الصفات ١.
ويتضح لنا من هذا أن مذهب أهل السنة مذهب وسط بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة ٢. وقد سلك هذا السبيل المستقيم جمع كبير من العلماء الراسخين ٣.
وممن سلك هذا المسلك الشيخ محمد رشيد ﵀:
وأرى أنه من المناسب أن أذكِّر - وباختصار - بالحقيقة التي بسطتها
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: التدمرية (ص: ١١ـ ١٢) وصالح آل مهدي: التحفة (١/ ٦٦)، وابن عثيمين: تقريب التدمرية (ص: ٣٧)، وانظر أيضًا: ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٢٥) ٢ انظر: ابن تيمية: الحموية الكبرى (ص: ١٧) . ٣ منهم: أبو الحسن الأشعري [ت: ٣٣٠] في "الإبانة" ط. الجامعة الإسلامية (ص: ٥٢ - ٥٤)، وط. دار الأنصار (ص: ٧٠) وما بعدها، ت: فوقية حسين محمود. ومحمد بن إسحاق بن منده [ت:٣٩٥] في "التوحيد" المجلد الثالث، والرد على الجهمية، ت: على ناصر فقيهي، ط. الأولى ١٤٠١هـ. والدارمي [ت: ٢٨٠] في "الرد على الجهمية" و"الرد على المريسي". وعبد الله بن أحمد [ت: ٢٩٠] في "السنة" المجلد الأول. ابن خزيمة [ت: ٣١١] في "التوحيد"، ت: د. محمد خليل هراس. ابن بطة [ت: ٣٨٧] في "الإبانة" المجلد الثالث "الرد على الجهمية". الآجري [ت: ٣٦٠] في "الشريعة" (ص: ٢٥١) وما بعدها. والبيهقي [ت:٤٥٨] في " الأسماء والصفات. واللالكائي [ت: ٤١٨] في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة". وابن عبد البر [ت: ٤٦٣] في التمهيد (٧/ ١٤٥) . وقوام السنة [ت:٥٣٥] في الحجة (١/ ١٧٤)، ت: محمد ربيع بن هادي. وابن تيمية [ت: ٧٢٨] الفتوى الحموية، والرسالة التدمرية، وبيان تلبيس الجهمية. وابن القيم [ت:٧٥١] في= = مختصر الصواعق. وابن الوزير [ت:٨٤٠] في إيثار الحق على الخلق. ومرعي بن يوسف الكرمي في أقاويل الثقات، ط. مؤسسة الرسالة، الأولى ١٤٠٦هـ (١/١٢٨) وما بعدها. والسفاريني [ت:١١٨٨] في لوامع الأنوار. والمقريزي [ت: ٨٤٥] في الخطط (٢/ ٣٥٦) وما بعدها. ومحمد صديق حسن خان [ت: ١٣٠٧] في قطف الثمر (ص: ٣١ - ٣٢)، ت: د. عاصم القريوتي. ط. أولى ١٤٠٤هـ
[ ٣٦٤ ]
في المقدمة ١، وهي أن الشيخ محمد رشيد نشأ - حين نشأ - على ما ينشأ عليه لداته من طلبة العلم، على كتب الأشعرية وشروحها ٢، وكان يظن - كغيره - أن هذه الكتب "هي وحدها منبع الدين وطريق اليقين" ٣ و"أن مذهب السلف ضعيف"٤ وأنه "أسلم ومذهب الخلف أعلم" ٥ ثم بعد اطلاعه على الكتب التي تبين مذهب السلف حق البيان " لاسيما كتب ابن تيمية علم عِلْم اليقين أن مذهب السلف هو الحق الذي ليس وراءه غاية ولا مطلب وأن كل ما خالفه فهو ظنون وأوهام لا تغني من الحق شيئًا ٦. وإذا بهذه الكتب "هي الكتب التي تجلي للمسلمين طريقة السلف المثلى وتورد الناس موردهم الأصلي، وإذا بقارئها يشعر ببشاشة الإيمان، ويحس بسريان برد الإيقان، وإذا الفرق بينها وبين كتب الأشاعرة كالفرق بين من يمشي على الصراط السوي وبين من يسبح في بحر لجي، تتدافعه أمواج الشكوك الفلسفية وتتجاذبه تيارات المباحث النظرية" ٧.
وتبين للشيخ رشيد أن "مذهب السلف الصالح أسلم وأعلم وأحكم" ٨ على خلاف ما يقوله متكلمو الأشعرية من أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم ٩.
ونبدأ بكلام الشيخ رشيد الذي يبين به أهمية العلم بصفات الله تعالى وفائدته فيقول: "أما العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله فهو معراج الكمال الإنساني " ١٠. ويقول عن فائدة العلم بهذه الصفات: "حسبكم من
_________________
(١) (ص:١٥٦) ٢ انظر: تفسير المنار (٣/ ١٩٦) ٣ مجلة المنار (٨/ ٦١٤) ٤ تفسير المنار (٣/ ١٩٧) ٥ المصدر السابق (٣/ ١٩٦) ٦ المصدر نفسه (٣/ ١٩٧) ٧ مجلة المنار (٨/ ٦١٤) ٨ المصدر نفسه والصفحة. ٩ انظر: البيجوري: تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ١٠٨) ط. المعاهد الأزهرية. ١٠ تفسير المنار (٧/ ٥٠٠)
[ ٣٦٥ ]
فائدتها أن تفيض على الأرواح من خشية الله وقوة الإيمان بعظمته وسلطانه ما يطهرها من الرجس ويجذبها إلى عالم القدس، ويبغض إليها الرذائل ويحبب إليها الفضائل تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لما عنده" ١.
وبعد بيانه لأهمية العلم بالله تعالى وصفاته وفائدة ذلك يعرّف الشيخ رشيد ما هو مذهب السلف بشكل عام، وما يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم، فليس كل رأي ينقل عن واحد من أهل العلم يكون مذهبًا لأهل السنة، فيقول رشيد رضا في هذا: "وإنما مذهب أهل السنة والجماعة ما كان عليه السواد الأعظم من الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه ممن تبعهم في الاعتصام بنصوص الكتاب والسنة من غير تحريف ٢ ولا تكلف بإرجاع ظواهرها إلى ما ابتدع من البدع والآراء التي أحدثها أهل الأهواء" ٣. ويمثل رشيد رضا للسلف بفقهاء الأمصار كالشافعي ومالك وأحمد وسفيان والأوزاعي وداود بن علي ٤.
ثم يذكر الشيخ رشيد مذهب السلف وقاعدتهم العامة في الإيمان بصفات الله تعالى - والتي ذكرت ونقلت عنهم آنفًا - أنها تقوم على الإثبات والتنزيه، وتفويض الكيفية، فيقول: "فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق، الثابت عقلًا ونقلًا بقوله عزوجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥، فنقول: إن لله علمًا حقيقيًا هو وصفٌ له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعًا حقيقيًا هو وصف له لا يشبه
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/ ٦٠٦) ٢ التحريف لغة: التغيير، وفي الاصطلاح: تغيير النص لفظًا أو معنى، وتحريف أسماء الله وصفاته هو: تغيير ألفاظها وتغيير معانيها إلى معان باطلة لا يدل عليها الكتاب والسنة. انظر: فالح آل مهدي: التحفة المهدية (١/ ٢٦) . ٣ تفسير المنار (٧/ ٥٥٢) ٤ المصدر نفسه، وداود: هو ابن علي الظاهري، الإمام البحر الحافظ العلامة، المعروف بالأصبهاني، رئيس أهل الظاهر. السير (١٣/ ٩٧) ٥ سورة الشورى، الآية (١١)
[ ٣٦٦ ]
سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين العقل والنقل.." ١.
ويكرر الشيخ رشيد هذا المعنى مؤكدًا عليه وعلى أن طريقة السلف في الإيمان بالصفات مع التنزيه هي التي تجمع بين العقل والنقل فيقول: "وإنما الطريقة المثلى في الجمع بين العقل والنقل في الصفات أن يقال: إنه قد ثبت بهما أن الله تعالى ليس كمثله شيء وثبت عقلًا أن خالق العالم لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، وثبت نقلًا عن الوحي الذي جاء به الرسل وصفه تعالى بالعلم والقدرة والرحمة والمحبة، والعلو فوق الخلق والاستواء على العرش وتدبير أمر العالم كله، فنحن نتخذ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ قاعدة ومرآة لفهم جميع ما وصف الله به تعالى نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ، وهو أنه ليس كمثله شيء وأنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، ويبصر ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم، ورحيم برحمة ليست كرحمتهم، ويحب بمحبة ليست كمحبتهم، ومستوٍ على عرشه استواء ليس كاستواء ملوكهم على عروشهم، وتدبير أمورهم تدبيرًا ليس كتدبير ملوكهم ورؤسائهم لما يدبرونه إلخ " ٣.
ومن ذلك يتبين لنا أن الشيخ رشيد يرى أن مذهب السلف - الذي يجمع بين الإثبات والتنزيه - قد دل عليه النقل والعقل كما أثبته ابن تيمية في درء التعارض وغيره. ولقد اتّهِم ابن تيمية ومدرسته بابتداع هذا المذهب - أعني مذهب إثبات الصفات - وأنهم لم يسبقوا إليه، وقد رد رشيد رضا على أحد الرافضة الذين رددوا هذه الدعوى بقوله: "وهذا كذب وافتراء وتضليل لعوام أهل السنة، وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الذي من أصوله
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٧٧) ٢ سورة الشورى، الآية (١١) ٣ مجلة المنار (٢٨/ ٢٧٠)
[ ٣٦٧ ]
تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل وجعله عزوجل كالعدم - تعالى الله عما يقول المبتدعون علوًا كبيرًا. فما من صفة من تلك الصفات إلا وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، ولعل كل قارئ للقرآن أو سامع له من المسلمين قد قرأ أو سمع وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢..وسمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وما في معناها، وقوله تعالى في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٥ وقوله عزوجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٦ إلخ، وليعلم القارئ أن ما عزاه هذا الرافضي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأعلام ثم إلى الوهابية مما ليس في القرآن فهو في الأحاديث الصحيحة " ٧.
فهذا التدليل من الشيخ رشيد على صفات الله تعالى يبين أن هذه الصفات ثابتة إما في الكتاب والسنة أو في أحدهما.
ويقرر الشيخ رشيد أن السلف يجمعون بين الإثبات والتنزيه - الثابت شرعًا وعقلًا - فيقول: "والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل العقل والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك، وعدم التحكم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام " ٨.
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية (١٠) ٢ سورة "ص"، الآية (٧٥) ٣ سورة طه، الآية (٥) ٤ سورة النحل، الآية (٥٠) ٥ سورة الفجر، الآية (٢٢) ٦ سورة البقرة، الآية (١٨٦) ٧ مجلة المنار (٢٩/ ٥٩٥) ٨ المصدر نفسه (٢٩/ ٥٣٦)
[ ٣٦٨ ]
ونستطيع ومن خلال هذا النص أن نتتبع تقرير رشيد رضا للقاعدة الثانية التي اعتمد عليها أهل السنة في إثبات الصفات، وهي أن "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" ١.
ولقد صرح رشيد رضا بنقل هذه القاعدة عن السفاريني في لوائح الأنوار، وسيأتي. كما أنه نقل القاعدة الأخرى، صنو هذه، وهي أن القول في الصفات كالقول في الذات، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح حديث النزول" ٢. وهاتان القاعدتان هامتان في تقرير مذهب السلف في الصفات.
ولا يقتضي إثبات الصفات لله تعالى تشبيهًا له بالمخلوق، إذ أن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك في الحقائق، وهذا ما يقرره الشيخ رشيد إذ يقول: " وأن هذا وغيره مما وصف به نفسه في كتابه لا ينافي كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده، ولا تقتضي مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال، فإن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك في المسميات، وأسماء الأجناس المقولة بالتشكيك في الممكنات تختلف من وجوه كثيرة، منها النقص والكمال، فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات، فذاته تعالى أكمل من ذواتهم، ووجوده تعالى أعلى من وجودهم، وصفاته تعالى أسمى من صفاتهم، وهو ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله " ٣.
ويقودنا هذا إلى البحث عن شبهة المعطلة التي عطلوا صفات الله تعالى بسببها، والحق أن هذه الشبهة عامة في كل أهل البدع، وهي واحدة، عند الذين أنكروا الأسماء والصفات جميعًا، وعند من أثبت الأسماء دون الصفات، وعند من أثبت بعض الصفات دون بعض، ألا وهي: نفي
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: التدمرية (ضمن مجموع الفتاوى): (٣/ ١٧) ٢ انظر: مجلة المنار (٣٤/ ٢٨١) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٤٦ - ٤٧)
[ ٣٦٩ ]
التشبيه ١. يقول الشيخ رشيد ﵀: "وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرها من لوازم الأجسام، فبهذه الشبهة عطلوا أكثر صفات الله تعالى حتى صارت عندهم في حكم العدم. والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص وبما يجب الإيمان به وأشد منهم تنزيهًا للرب ﵎ " ٢.
وبناءً على هذه الشبهة أنكر المتكلمون حقيقة الصفات الإلهية فصرفوها إلى معان مجازية، أو أولوها فأرجعوها إلى القدرة أو الإرادة فيقولون: الرحمة هي الإحسان بالفعل، أو إرادة الإحسان. كما يحكي عنهم رشيد رضا ٣.
والحق أنهم - لجهلهم بطريقة القرآن - قد وقعوا فيما أرادوا أن يفروا منه فإنه يلزمهم فيما تأولوه مثل ما يلزمهم فيما أخرجوه عن ظاهره.
يقول الشيخ رشيد مبينًا ذلك: "ذلك أن المبتدعة يقيسون الخالق على المخلوق، فيزعمون أن المعاني الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلًا ونقلًا، فوجب إخراج الألفاظ الدالة عليها عن مدلولها وحملها على معاني مجازية ليتفق العقل مع النقل، وفاتهم أن تلك المعاني المجازية هي مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية، فالذين أولوا رحمة الله تعالى بإحسانه إلى خلقه فاتهم أن الإحسان المستعمل في اللغة تعبيرًا عن صفات المخلوقين وأعمالهم محال على الله تعالى أيضًا كما يلزم ذلك متكلمي الأشعرية الذين وافقوا المعتزلة والجهمية والرافضة في تأويل ما عدا الصفات الثمانية التي يسمونها صفات المعاني " ٤.
_________________
(١) ١ انظر: البيجوري: تحفة المريد (ص: ١٠٨) وابن خزيمة: كتاب التوحيد (ص: ٢٧ - ٢٨) ت: محمد خليل هراس. ٢ مجلة المنار (٢٩/ ٥٣٤) ٣ تفسير المنار (٣/ ١٩٨)، وانظر: الباقلاني: التمهيد (ص: ٢٩٩) ٤ مجلة المنار (٢٩/ ٥٣٦)
[ ٣٧٠ ]
ويرى الشيخ رشيد أن الذي يهدم هذه الشبهة المبتدعة هو القول بمذهب السلف الجامع بين الإثبات والتنزيه، ويسلم من التعطيل والتشبيه ويبرأ من تكذيب الكتاب العزيز والسنة الصحيحة. فيقول: "ومذهب سلف الأمة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها وخلاصته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته لعباده ليستا كمحبة المخلوقين ورحمتهم فيما بينهم، كما أن علمه تعالى ليس كعلمهم " ١.
وبهذا الحل الصحيح والسلفي، يزول الإشكال الذي وقع فيه المتكلمون وجعلهم يفرقون بين المتماثلات، فيؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض مع أنها جميعًا من باب واحد وطريق ثبوتها واحد. يقول الشيخ رشيد: "ومن عجيب صنع بعضهم أنهم ذكروا السمع والبصر والكلام وعدوها من الصفات التي عليها مدار الإيمان بالألوهية على أنهم سموها صفات سمعية، ولم يذكروا الحكمة والرحمة والمحبة مع أن السمع ورد بها والدلائل العقلية عليها أظهر وإنني أنقل في هذا المقام جملة من كلام أهل الأثر وتابعي السلف في معنى ما تقدم من عدم التفرقة بين صفات الله تعالى " ثم نقل الشيخ رشيد - عن التدمرية - قاعدة السلف الهامة والتي يرتكز عليها إثبات السلف للصفات وهي أن "القول في بعض الصفات كالقول في البعض" ٢.
وبهذه القاعدة يجاب عدة من الطوائف المنحرفة من الذين يفرقون بين المتماثلات ويجمعون بين المتناقضات كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية ٣.
وبعد ذلك العرض لشبهة المتكلمين ونقدها ودحضها، حتى لم يبق لهم
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢٩/ ٥٣٦) ٢ تفسير المنار (٣/٢٠٢) وما بعدها، وقارن مع السفاريني: لوائح الأنوار (١/ ١٨٥) ط. المنار. ٣ انظر: ابن تيمية: الرسالة التدمرية (ص: ١١) وما بعدها، وفالح بن مهدي: التحفة المهدية (١/ ٦٥) وما بعدها.
[ ٣٧١ ]
حجة في نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، يلخص الشيخ رشيد هذه المسألة بقوله: "وحاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق عل الله تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق إذ لو وضع لصفات الله تعالى ألفاظ خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١، وقد جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئًا ولا يماثله شيء، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات كالقدرة والرحمة على الأفعال والحركات كالخلق والرزق والاستواء على العرش وعلى الإضافة ككونه فوق عباده لا ينافي أصل التنزيه، بل يجب الإيمان بها وبما تدل عليه مع التنزيه " ٢.
وأما الأساس الثالث من أسس المنهج السلفي الذي بني عليه مذهبهم في الصفات، وهو تفويض الكيفية فيقول عنه الشيخ رشيد - في سياق بيان الواجب على المسلم في باب الصفات ـ: "فعليك أن تؤمن بما صحّ عنهما أي عن الله ورسوله من إثبات ونفي، من غير زيادة ولا نقص، بلا تعطيل ولا تمثيل، ولا تأويل وليس عليك ولا لك أن تحكم رأيك وعقلك في كنه ذاته ولا صفاته، ولا في كيفية مناجاته وتكليمه لرسله، ولا في كنه ما هو قائم به وما يصدر عنه. على هذا كان أصحاب الرسول وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه قبل ظهور بدعة المتكلمين" ٣.
وعند كلامه على صفة الاستواء يقول: "ومن جملة الصفات التي أمرها
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية (٤) ٢ تفسير المنار (٣/ ٢٠١) وقول رشيد رضا: "أطلق قبل ذلك على الخلق" لا يعني - كما قد يتوهم - أن صفات الخلق أقدم من صفات الخالق، إذ أنها أطلقت قبل ذلك، والصواب أن قبل هنا تفيد قبلية مقيدة غير مطلقة، كقولك: حضرت قبل مجيء القطار، أي كان حضورك سابقًا على مجيء القطار، متقدمًا بالنسبة لهذا المجيء المعين، فسبق الحضور هنا ليس سبقًا مطلقًا عامًا، وكذلك هنا فالقبلية هنا مقيدة بقوله قبل ذلك، أي قبل إطلاقها ‘لى الله تعالى في الشرع، إذ أنها لم تعرف إلا بالشرع. وانظر: عباس حسن: النحو الوافي (٣/١٤٤) ط. دار المعارف، مصر. السادسة ٣ الوحي المحمدي (ص: ٤٦ - ٤٧)
[ ٣٧٢ ]
السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل: صفة الاستواء.." ١.
ويقول أيضًا:" على هيئة لا يعلمها إلا هو، وفي كيفية لا يدري بها سواه" ٢. ثم يعلق على هذا في الحاشية قائلًا: "إنما يذكر لفظ الهيئة والكيفية في هذا المقام كما يذكر لفظ الصفة بناء على أن ما يستعمل في الكلام عن الباري تعالى من الألفاظ إنما يشار به إلى المعنى الشريف الذي يعرفه الخلق أنفسهم مع نفي التشبيه والتمثيل من كل وجه بناء على ما ثبت من التنزيه عقلًا ونقلًا، ومن العلماء من يعبر عن مذهب السلف بنفي الكيفية لا بإثباته مع نفي العلم به، وهو ما عبروا عنه بالبلكفة، المنحوتة من قولهم بلا كيف"٣.
ويصرح أيضًا بلفظ التفويض فيقول:"استواء يليق بالرب ويفوض إليه علم كنهه.."٤. أي تفويض الكنه والكيفية.
ويقول: "فالسلف يتبعون في آيات الصفات التفويض"٥. ولا ريب أنه يريد تفويض الكيفية، كما هو مذهب السلف، فالشيخ رشيد ﵀ قد نهج في هذا الباب نهج السلف، وأقام مذهبه على نفس الأسس التي أقاموا عليها مذهبهم في الصفات من الإيمان بها وإثبات معانيها، مع تنزيه الخالق تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويض كيفية صفاته إليه تعالى.
موقف رشيد رضا من طائفتي المعطلة المشبهة ورده عليهم وبيانه وسطية أهل السنة:
اختلف الناس في باب الصفات فكانوا ثلاث طوائف:
الأولى: أهل التعطيل: وهم الذين نفوا أسماء الله وصفاته، وبعضهم
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٧/ ٨٢٧) ٢ المصدر نفسه (١٧/٨٢٧) ٣ المصدر نفسه بالحاشية. ٤ المصدر نفسه: هامش. ٥ مجلة المنار (٢٨/ ٢٦٩) وأيضًا: تفسير المنار (٢/ ٢٦٣و٦/ ٤٥٣ - ٤٥٤) فقد ذكر فيها لفظ التفويض.
[ ٣٧٣ ]
أثبت الأسماء دون الصفات، وبعضهم أثبت الأسماء وبعض الصفات.
الثانية: أهل التمثيل: ومالوا إلى ضروب من التشبيه والتمثيل فشبهوا الخالق بالمخلوق.
ثالثًا: أهل سواء السبيل: وهم أهل السنة والجماعة ١، وقد وقفت على مذهبهم قريبًا، وعرفت تقرير الشيخ رشيد لهذا المذهب.
ومن المناسب الآن أن نعرف موقف الشيخ رشيد من هذه الفرق المخالفة لهذا المنهج.
يبين الشيخ رشيد أن المشبهة والمعطلة الجهمية قد ألحدت في أسماء الله تعالى بضروب من التأويل تقتضي التشبيه أو التعطيل ٢، فيقول: " فالمشبهة ذهبت إلى جعل الرب القدوس الذي ليس كمثله شيء كرجل من خلقه زاعمة أنه وصف نفسه بصفات يدل مجموعها على ذلك كالسمع والبصر والكلام والوجه واليد والرجل والضحك والرضا والغضب.
والجهمية ذهبت إلى تأويل جميع صفات الله حتى جعلته كالعدم " ٣. ويقول عن الأشعرية: "وقد غلا بعض الأشعرية في القرون الوسطى في التأويل غلو الجهمية والمعتزلة أو أشد.." ٤. ويذكر بعض مظاهر هذا الغلو فيقول: "كامتناع بعض المبتدعة من ذكر بعض الآيات والأحاديث في صفات الله تعالى التي زعموا وجوب تأويلها في عقائدهم ودروسهم وعدم ذكرها في مجالسهم إلا مقرونة بالتأويل، وادعاء أن معناها غير مراد وإن ادعاء أن بعض كلام الله وحديث رسوله مما يجب كتمانه واستبدال نظريات بعض المتأخرين أمثالهم به لمطعن كبير في الدين وفي سلف الأمة الصالحين " ٥. ويرد رشيد رضا على أحد مظاهر هذا الغلو في التأويل الذي بلغ مبلغه حتى ادعي أن الإيمان بظاهر القرآن ككونه تعالى في السماء
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ٢٤٥)، وانظر أيضًا: د. محمد با كريم با عبد الله: وسطية أهل السنة (ص: ٣٠٧) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٤٦) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٣٧٤ ]
كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١:كفر، فيقول: "الإيمان بظاهر القرآن واجب بالإجماع فإن أوهم تشبيهًا جزمنا بأن التشبيه غير مراد بدليل العقل والنقل وفوضنا الأمر في كيفية ذلك وتأويله: أي ما يؤول إليه إلى الله عزوجل وهو ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث والفقه المجتهدين فعلم منه أن ما كفَّرهم به هو صحيح الإيمان، وأن ما يدعو الناس إليه هو عين الكفر والابتداع "٢.
وأود أن أشير إلى قوله: " وتأويله أي ما يؤول إليه فإنه يبين معنى صحيحًا من معاني التأويل ٣ وهو خلاف تأويل المتكلمين الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى آخر مرجوح أو غير مراد ٤، وإذا ضممنا لهذا اعتبار الشيخ أن التأويل هو نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته وقعت فيه بسبب التأويل الجهمية والمشبهة والأشعرية نستطيع أن نتبين بوضوح الموقف النهائي للشيخ رشيد من التأويل المذموم.
_________________
(١) ١ سورة الملك، الآية (١٦) ٢ مجلة المنار (٣٣/ ٣٨٠ - ٣٨١) ٣ انظر: ابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ٧٧ـ ٨١) . ٤ المصدر نفسه (ص: ٧٩)
[ ٣٧٥ ]
المطلب الثاني: موقف الشيخ رشيد من قواعد المتكلمين:
إن للمتكلمين - كما لأهل السنة - قواعد وأصول بنوا عليها مذهبهم في الصفات. ومن المناسب بعد أن تعرفنا موقف الشيخ من قواعد السنة، أن نعرف موقفه من قواعد المتكلمين. ونأخذ من هذه القواعد مسألتين:
الأولى: قانون التأويل، والثانية: المحكم والمتشابه.
أولًا: قانون التأويل:
نستطيع أن نقول: إن تأويل النصوص الدينية، لتتفق وبعض الأفكار
[ ٣٧٥ ]
الفلسفية، ظاهرة تاريخية في التفكير الديني ١. إلا أن المتكلمين المسلمين لم يقنعوا بتأويلاتهم الباطلة فأرادوا أن ينسجوا من خيوطها البالية ثوبًا منطقيًا، موشى بزخرف القول، يواروا به سوءتهم العقلية، ومن أحجارها المتنافرة بيتًا "مجازيًا" يستظلون به من شمس الحقيقة المشرقة، ولكن الخيوط البالية صنعت لهم ثوب سوء لا يستر شيئًا، وإذا البيت الذي أرادوه كبيت العنكبوت، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. وضع المتكلمون قانونًا ٢ للتأويل: وهو: قاعدة عامة يؤولون على أساسها نصوص الكتاب والسنة التي لا تقبلها عقولهم ٣. وبُني هذا القانون على فرض محال هو: تعارض العلوم الضرورية، ثم وجوب تقديم العقلي منها على السمعي ونص هذا القانون: "إن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن تصديقهما ولا تكذيبهما، لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ولا تصديق النقل وتكذيب العقل لأن العقل أصل النقل، فتكذيبه - أي العقل - لتصديقه - أي النقل - يوجب تكذيبهما، فتعين تصديق العقل وتفويض علم النقل إلى الله أو الاشتغال بتأويل الظواهر"٤.
وهذا القانون قد جعله المتكلمون قانونًا كليًا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه ﵈ وما لا يستدل به، وردوا به نصوص الصفات التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ٥. وأصبح العقل هو الأصل فيما يثبت من صفات الله تعالى وما لا يثبت.
وقد بني هذا القانون - كما يظهر من نصه السابق - على افتراضات ومقدمات جدلية: ثلاثة: وهي:
_________________
(١) ١ انظر: د. محمد يوسف موسى: بين الدين والفلسفة (ص: ١١١)، وابن القيم: الصواعق (١/ ١٩٧) . ٢ القانون: أمر كلي منطبق على جميع جزئياته التي يتعرف أحكامها منه. التعريفات (ص: ١٤٩) ٣ ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٥) وسيأتي تعريف التأويل قريبًا. ٤ الرازي: أساس التقديس (ص: ١٧٢)، والمحصل (ص: ٣١) ٥ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٥)
[ ٣٧٦ ]
ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
وانحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه.
وبطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع: وهو تقديم العقل ١.
وقد قام علماء السنة بدحض هذه المقدمات وكشف زيغها فتهدم البيت من قواعده على رؤوس المتكلمين، وأكتفي هنا بذكر أمرين أساسيين في الرد على هذا القانون من مئات الأوجه التي ذكرها أهل السنة: وهما:
أولًا: منع الأساس لهذا القانون، وهو تعارض العقل والنقل: فإن العلوم الضرورية لا تتعارض، فلا يمكن إثبات أن نقلًا صحيحًا عارض عقلًا سليمًا ٢.
ثانيًا: أن القسمة لا تنحصر فيما ذكروه - على تقدير المحال - فيقال: يمكن تقديم الدليل العقلي تارة والسمعي أخرى فأيهما كان قطعيًا كان مقدمًا.
ثم إنه يجب تقديم الشرع، لأن العقل شهد له وصدقه، فلو قدم حكم العقل لكان ذلك قدحًا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قوله، ففي تقديمه طعن فيه وفي الشرع ٣.
وكان الشيخ رشيد ﵀ على منهج السلف في موقفه من قانون التأويل، وكان بوجه خاص متأثرًا بشيخ الإسلام في هذا الموقف من هذا القانون الباطل، فيقول عن شيخ الإسلام بمناسبة الكلام عن نصره لمذهب السلف ومخالفته لجمهور المتكلمين.
"فالرجل ليس صاحب مذهب مخترع تعارضت أدلته مع أدلة هذه الفرق واشتبه عليه الأمر حتى نرجح قوله على كل منها أو نرجح غيره عليه،
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٧٨)، وابن القيم: الصواعق المنزلة (٢/ ٥٢١) . ٢ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٧٩)، وشرح الأصفهانية (ص: ٨٠)، وابن القيم: الصواعق المنزلة (٢/ ٥٢١)، وابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٢٣) ٣ انظر: ابن القيم: الصواعق المنزلة (٢/ ٥٢٢، ٥٢٨)، وابن الوزير: إيثار الحق (ص: ١٢٣)
[ ٣٧٧ ]
بل هو ناصر مذهب جمهور السلف الصالح بالأدلة العقلية التي انخدع بنظرياتها كل من خدعته قليلًا أو كثيرًا ونحمد الله أن سخر لها من هدم كل ما خالف السلف من تلك النظريات بأدلة من جنسها هي أقوى منها، وأثبت بالبرهان أن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول.." ١.
ويقول عنه أيضًا: "وقد استوفى الرد على أولئك المخالفين للسلف من المنتسبين إلى مذاهب السنة والمبتدعة من الفلاسفة في كتابه "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" وإنني أنقل عنه هنا ما ختم به الوجه السابع من الوجوه التي تكلم فيها على تقديمهم العقل على النقل عند التعارض وهو: تفنيد ابن تيمية لقول المتكلمين بتقديم النظريات العقلية على النصوص السمعية" ٢. ثم نقل نقلًا طويلًا عن شيخ الإسلام في رد هذا التقديم ٣ ثم يعلق قائلًا: "كل مؤمن سليم الفطرة صحيح العقل إذا قرأ هذا جزم بأنه الحق وأنه يجب على المسلمين ألا يغتروا بشهرة أحد من المتكلمين ولا الصوفية ولا الفقهاء الذين خالفوا السلف " ٤.
ويبين الشيخ رشيد وجهًا من أوجه الرد على أصحاب هذا القانون الفاسد وهو أن إحالتهم الناس على العقل دون الشرع إحالة على شيء لا ينضبط، وكان ينبغي أن يحالوا على الشرع لأنه معلوم ومقطوع بصدقه، وهو أمر منضبط.
يقول الشيخ رشيد: "ثم إن عقول الناس تختلف اختلافًا كثيرًا فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به، وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم - إن صح أن يسمي اتباعهم لها دينًا وهو لا يصح - فتحكيم العقل
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٢/ ١٩) ٢ المصدر نفسه (٢٢/ ١٩١) ٣ وهو في درء التعارض، ت: رشاد سالم (١/ ١٦٨) وذكره شيخ الإسلام في ختام الوجه التاسع لا السابع كما ذكر الشيخ رشيد. ٤ مجلة المنار (٢٢/ ١٩٢)
[ ٣٧٨ ]
في كل مسألة من مسائل الدين مخالف لحكم العقل الصحيح، وإنما المعقول أن يطلب العاقل الدليل على أصل الدين فمتى ثبت عنده وجب عليه أن يتبع كل ما علم أنه منه " ١.
ويبين الشيخ رشيد خطرًا من مخاطر التأويل، وهو تعلق أصحاب كل مذهب مبتدع به ليستدل على بدعته بتأويله النصوص وما جاز التأويل لقوم إلا وقد جاز للجميع، فليس تأويل فريق منهم بأولى من تأويل الآخر، يقول الشيخ: "وليعلموا أنه لا يوجد كلام قط لا يمكن حمله على غير المراد منه حملًا يقبله الكثير من الناس المشتغلين بالعلم، وليطالعوا كتاب "حجج القرآن" ٢ ويتأملوا كيف استدل جميع أصحاب المذاهب المبتدعة في الإسلام بآياته التي هي في منتهى البلاغة في البيان على تلك المذاهب المتناقضة ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ ٣ "٤
وموقف أهل السنة من قانون التأويل الذي يجعل العقل هو الأصل، ليس عداءً للعقل، بل هو الموقف الذي يقره العقل ويقضي به.
فأهل السنة لا ينكرون النظر العقلي، فإن القرآن قد هدى الناس إلى الدلائل العقلية واستدل بالمعقول. وكما يقول الشيخ رشيد، مبينًا موقف أهل السنة من العقل: " وإنما أنكر بعض العقلاء وأهل البصيرة على أمثاله ٥ من المتكلمين جعل العقائد الدينية، والصفات الإلهية، وأخبار عالم الغيب محلًا لنظريات فلسفية، وموقوفًا إثباتها على اصطلاحات جدلية ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستفد أصحابها منها غير تفريق الدين، واختلاف المسلمين، والبعد عن حق اليقين، ويرى هؤلاء أن كون القرآن من عند الله قد ثبت
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٤/ ٧٥٨ - ٧٥٩) ٢ قد سبق التعريف بهذا الكتاب. انظر (ص: ٩٩) من هذا البحث. ٣ سورة البقرة، الآية (٢٦) ٤ مجلة المنار (١٣/ ٤٢١) وانظر أيضًا: تفسير المنار (٣/ ١٧٥) وقارن مع ابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ١٩٣) وما بعدها. ٥ يعني: الرازي، فقد اتهم أهل السنة بإنكار النظر العقلي وسماهم حشوية، انظر: مفاتح الغيب (١٤/١٩)
[ ٣٧٩ ]
ثبوتًا عقليًا من وجوه كثيرة فوجب اتباعه حتى يتلقى العقائد والأحكام منه مع اجتناب التأويل للصفات الإلهية والأمور الغيبية بالنظريات الكلامية كما كان عليه السلف الصالح.." ١.
وقانون التأويل، بعد أن يفترض افتراضًا مستحيلًا هو تعارض العلوم الضرورية، أعني العقل والنقل، فيقدم العقل، ملقيًا النص الشرعي وراءه ظهريًا، ثم يعبث به، إما بالتأويل أو بالتفويض وهم - أي المتكلمين - لا يعرفون معنى التأويل ولا التفويض.
وفي هذا يقول الشيخ رشيد: "وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف ومعاني التفويض والتأويل كما أخطأ من قالوا إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد إليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقًا، والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن كلًا من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما علىالآخر، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقًا، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منهما رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام الله ورسوله أولى بالاتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جدًا " ٢.
وقد بين الشيخ رشيد ﵀ هذا الغلط في معنى التأويل الذي اعتبره المتكلمون فقال: " إنما غلط المفسرون في تفسير التأويل في الآية لأنهم جعلوه بالمعنى الاصطلاحي، وإن تفسير كلمات القرآن بالمواضعات الاصطلاحية قد كان منشأ غلط يصعب حصره. ذكر التأويل في سبع سور من القرآن "٣. ثم أورد الشيخ المواضع التي ذكر فيها التأويل وفسرها جميعًا ثم خلص إلى أن معنى التأويل في دلالة القرآن مخالف لما حمله
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٣٠٩ - ٣١٠) ٢ تفسير المنار (١/ ٢٥٣) ٣ المصدر نفسه (٣/ ١٧٢)
[ ٣٨٠ ]
عليه المتكلمون، فقال: "فتبين من هذه الآيات أن لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعنى الأمر العملي الذي يقع في المآل تصديقًا لخبر أو رؤيا أو لعمل غامض يقصد به شيء في المستقبل فيجب أن تفسر آية آل عمران ١ بذلك، ولا يجوز أن يحمل التأويل فيها على المعنى الذي اصطلح عليه قدماء المفسرين، وهو جعله بمعنى التفسير كما يقول ابن جرير: القول في تأويل هذه الآية كذا، ولا على ما اصطلح متأخروهم من جعل التأويل عبارة عن نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، ومثله قول أهل الأصول: التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل " ٢.
والمعنى الذي ذهب إليه المتكلمون وغيرهم وحملوا عليه لفظ التأويل ليس فقط مخالفًا لدلالة اللفظ في القرآن، بل مخالف لدلالته اللغوية مطلقًا، وهي قريبة جدًا من دلالة اللفظ في القرآن.
فالتأويل في اللغة تفسير ما يؤول إليه الشيء ٣، وهو من الأوْل: أي الرجوع إلى الأصل، ومنه: الموئل للموضع الذي يرجع إليه ٤.
قال الأعشى:
على أنها تأوّلُ حب
_________________
(١) ها تأوّلَ رِبْعيّ السِّقابِ فأُصْحَبَا فقوله تأول حبها: تفسيره ومرجعه، أي أنه كان صغيرًا في قلبه فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديمًا ٥. ١ يريد قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ الآية (٧) ٢ تفسير المنار (٣/ ١٧٤) وانظر الأصفهاني: شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٤١٥)، والجرجاني: التعريفات (ص: ٤٣) ٣ الرازي: مختار الصحاح: "أول" (ص: ١٣) . ٤ الراغب: المفردات (ص: ٩٩) . ٥ انظر: أبو عبيدة معمر بن المثنى: مجاز القرآن (١/ ٨٦ - ٨٧) ط. مؤسسة الرسالة. ت: سزكين، وانظر: ديوان الأعشى الكبير (ص: ١١٣) بشرح: د. محمد محمد حسبن، والطبري: التفسير (٣/ ١١٣) ت: محمود وأحمد شاكر.
[ ٣٨١ ]
وبعد؛ فهذا الموقف من الشيخ رشيد تجاه التأويل عمومًا، وقانونه الذي وضعه المتكلمون خصوصًا، هو الحق الموافق لمنهج أهل السنة والجماعة، ويكون إذًا ما ذهب إليه صاحب "أصول المبتدعة" ١، من حشر اسم الشيخ رشيد ضمن أسماء أنصار هذا القانون بعد اسم شيخه، هو بسبب الاستقراء الناقص، فإن هذا الذي ذكرته عن الشيخ هو الموقف الذي استقر عليه، وقد كان أول أمره يردد العبارات المشتهرة على الألسنة آنذاك، ومنها عبارات هذا القانون الفاسد ٢. ولكن ها أنت ترى هذا الموقف المؤيد لمذهب السلف، والذي ينقل فيه الشيخ عن شيخ الإسلام نقولًا طويلة تصل إلى عشرات الصفحات لتقريره، وهو الموقف الأخير والصحيح أيضًا.
انتقاد على الشيخ رشيد:
فإن قيل: إنه قد وجد في كلام الشيخ بعض تأويل ٣، فكيف يتفق هذا مع ما ذكرته عنه من موقفه العام من رفض للتأويل؟
قلت: الجواب ما يقوله الشيخ رشيد نفسه.
يقول الشيخ: "إن ما أدين الله تعالى به في صفات الله تعالى وأخبار عالم الغيب وغيرهما من كل ما كان عليه السلف من أمر الدين هو اتباع جمهورهم في إثبات ما أثبته الله تعالى ورسوله، ونفي ما نفياه من غير تعطيل ولا تأويل، وإنني إن ذكرت لبعض الآيات في ذلك تأويلًا فإنما أذكره لما أعلم بالاختبار من أن من الناس من لا يقتنع بحقية النص بدونه،
_________________
(١) ١ هو أخي الدكتور عبد القادر عطا صوفي - متخرج في قسم العقيدة - الجامعة الإسلامية ومؤلفه هذا من أحسن ما كتب. وانظر الموضع المنتقد في (١/ ١٦٧) ط. الأولى ١٤١٨هـ. وأرجو أن يتم التصحيح في الطبعات التالية إن شاء الله ويحذف اسم الشيخ رشيد منها. ٢ انظر: مجلة المنار (١/ ٢٩٣ـ ٢٩٤ و٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨ و٢/ ٦٠٣ و٥/ ٨٠٩ و٦/ ٢٥٢ و٧/ ٣٩٠) وكل هذه المواضع لم يتجاوز " عام التمييز" وهو العام السابع للمنار. ٣ أحمد بن عبد الرحمن القاضي: مذهب أهل التفويض (ص: ٢٧٦) ط. دار العاصمة الرياض، الأولى ١٤١٦هـ.
[ ٣٨٢ ]
مع العلم بأن علماء السنة قد صرحوا في القديم والحديث بأن من خالف ظواهر النصوص متأولًا لا يكفر، وإنقاذ كثير من الناس من الكفر بضرب من التأويل الذي ينافيه أمر عظيم " ١.
ويقول أيضًا: ".. ولأن يكون أحدهم متدينًا مؤولًا خير من أن يكون زنديقًا معطلًا" ٢.
ويقول في موضع آخر: " وإن ما نذكره أو ننشره لنا أو لغيرنا من تفسير أو تأويل مخالف لمذهب السلف فغرضنا منه إما دفع شبهة عن الدين، وإما تقريب مسألة من مسائله لعقول بعض المرتابين " ٣.
وأيضًا يقول ناصحًا لقرائه: " وينبغي أن تعلم أيها القارئ المؤمن أن من الخير لك أن تطمئن قلبًا بمذهب السلف ولا تحفل بغيره، فإن لم يطمئن قلبك إلا بتأويل يرضاه أسلوب اللغة العربية فلا حرج عليك، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وأئمة السلف قد تأولوا بعض الظواهر كما فعل الإمام أحمد وغيره في آيات المعية وآخرون في غيرها" ٤.
ففي هذه النقول ما يدل على عذره للمتأولين وتجويزه للأسباب التي ذكرها، وربما دفعه إلى هذا الحالة التي كان يمر بها عصره، كما بينته في التمهيد من ظهور أفكار إلحادية بسبب التقدم العلمي.
غير أن الشيخ في ذلك يفرق بين التأويل الذي تسيغه اللغة وبين تأويل الباطنية الجهمية الأول، فيقول: "تأويل غلاة المبتدعة؛ كالباطنية وقدماء الجهمية المعطلين المخرج للكلام عن مدلولات اللغة وهذا لا يجوز بحال من الأحوال ولا هو بالذي يعد عذرًا للمتأول " ٥.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣١/ ٦٩) ٢ المصدر نفسه (١٨/ ٦٠٣) ٣ المصدر نفسه (٢١/ ٤٩٠) ٤ تفسير المنار (١/ ٢٥٣) ٥ مجلة المنار (٣١/ ٦٩)
[ ٣٨٣ ]
فليس كل تأويل يعذر صاحبه، وأما ما ذكره الشيخ عن أحمد وغيره في كلامهم عن المعية فسيأتي في موضعه.
ومهما يكن من شيء فإن التأويل لا يجوز بحال، وأعني به التأويل المذموم الذي لا يدل عليه النص الشرعي، ولو كان بحجة إنقاذ شخص من عثرة قد تؤدي به إلى الكفر، فإنني لا أرى التأويل بعيدًا عن الكفر ١.
ثانيًا: المحكم والمتشابه:
ومن الأصول التي بنى عليها المتكلمون مذهبهم في الصفات - وهو مما له ارتباط وثيق بمسألة التأويل - إدخالهم أسماء الله وصفاته أو بعضها في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى تمسكًا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
فجعل المتكلمون أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، فكأن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم أحد معناه ٣.
وإنما أنزل تعالى القرآن، ليفهم ويتدبر، بلسان عربي مبين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
_________________
(١) ١ وللاستزادة في هذا الموضوع انظر: البحث القيم الذي كتبه الدكتور محمد لوح للدكتوراه: "جناية= = التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية". وقد طبعته دار ابن عفان، الخبر، ط. أولى ١٤١٨هـ. وانظر أيضًا: ابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ٨٤) ٢ سورة آل عمران، الآية (٧)، وانظر ابن القيم: الصواعق المنزلة (٢/ ٥٢٠) . ٣ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص: ١١٢)، والشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٩٣)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ١٠٨)، ومن كتب أهل السنة: ابن تيمية: الإكليل (ص:٣٣) ط. المطبعة السلفية ومكتبتها، مصر ١٣٩٤هـ. وابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ١٠٤ و٢٤٩) ٤ سورة الزمر، الآية (٢٧ - ٢٨)
[ ٣٨٤ ]
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١ فأخبر تعالى أنه أنزله ليعقلوه ٢.
وأيضًا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن - الصفات وغيرها - وفسروها بما يوافق دلالتها ٣.
فليس في القرآن شيء لا يعلم معناه. ولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء، لم يقل: الاستواء متشابه أو مجهول، بل قال: الاستواء منه غير مجهول. يعني أنه معلوم المعنى، وقال: الكيف غير معقول. يعني الكيفية ٤.
والذي استأثر الله بعلمه في الآية ليس علم المعنى ولكن علم التأويل وفرق بين المعنى والتأويل.
وقد فرق الله في القرآن بين هذين المعنيين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ ٥، فقد أخبر الله في هذه الآية أنه فصّل الكتاب، أي بينه وميزه بحيث لا يشتبه. ثم قال: هل ينتظرون إلا تأويله: وإنما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها فمع علم معناه وتفصيله لم يعلم تأويله، فعلم أن فرقًا بين علم المعنى وعلم التأويل ٦.
ومثل هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٧ ففرق بين الإحاطة بعلمه وبين إتيان تأويله، ومفهومه أنه يمكن أن
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية (١ـ ٢) ٢ ابن تيمية: الإكليل (ص: ٤٧) ٣ المصدر نفسه (ص: ٤٨)، والصواعق (١/ ١٠٠ - ١٠١) ٤ انظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٤١)، وانظر: ابن تيمية: الإكليل (ص: ٥٠) ٥ سورة الأعراف، الآية (٥٢ـ ٥٣) ٦ ابن تيمية: الإكليل (ص: ١٢) ٧ سورة يونس، الآية (٣٩)
[ ٣٨٥ ]
يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ولما يأتهم تأويله، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام، وإتيان تأويله نفس وقوع المخبر به، فالخبر له صورة علمية في الذهن، وله حقيقة ثابتة في الخارج، فمعرفة معناه هو معرفة الصورة العلمية في الذهن، وتأويله هو الحقيقة الخارجية ١، فإن كان أمرًا فتأويله هو نفس الفعل المأمور به، وإن كان خبرًا فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع ٢.
وأما الشيخ رشيد رضا فإنه قد عرّف المحكم والمتشابه فقال: "المحكمات من أحكم الشيء بمعنى وثقه وأتقنه، والمعنى العام لهذه المادة: المنع، فإن كل محكم يمنع بإحكامه تطرق الخلل إلى نفسه أو غيره والمتشابه: يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضًا، وعلى ما يشتبه من الأمر أي: يلتبس وقد وصف القرآن بالإحكام على الإطلاق في أول سورة هود بقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ٣، وهو من إحكام النظم وإتقانه أو من الحكمة التي اشتملت آياته عليها. ووصف كله بالمتشابه في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ ٤ أي: يشبه بعضه بعضًا في هدايته وبلاغته وسلامته من التناقض والتفاوت والاختلاف " ٥.
ثم ذكر أقوال المفسرين في المحكم والمتشابه، ثم أقوال شيخه، ولم يقنع بشيء إلا بما كتبه شيخ الإسلام في تفسيره لسورة الإخلاص، فقال عنه: " فإذا هو منتهى التحقيق والعرفان، والبيان الذي ليس وراءه بيان " ٦.ثم لخصه فقال: "أثبت فيه أن ليس في القرآن كلام لا يفهم
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الإكليل (ص: ١٨) ٢ المصدر نفسه (ص: ١١) ٣ سورة هود، الآية (١) ٤ سورة الزمر، الآية (٢٣) ٥ تفسير المنار (٣/ ١٦٣) ٦ المصدر نفسه (٣/ ١٧٢)، وانظر: ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص (ضمن مجموع الفتاوى (١٧/٣٧٢) وما بعدها)، ونقل عنها رشيد رضا (٢٢) صفحة من (ص: ١٧٥ـ ١٩٦) . انظر: تفسير المنار (٣/ ١٧٥ - ١٩٦)
[ ٣٨٦ ]
معناه، وأن المتشابه إضافي إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ، وأن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى هو ما تؤول إليه تلك الآيات في الواقع، ككيفية صفات الله تعالى وكيفية عالم الغيب من الجنة والنار وما فيهما، فلا يعلم أحد غيره تعالى كيفية قدرته وتعلقها بالإيجاد والإعدام وكيفية استوائه على العرش مع أن العرش مخلوق له وقائم بقدرته، ولا كيفية عذاب أهل النار، ولا نعيم أهل الجنة وإننا نبين ذلك بالإطناب مستمدين من كلام هذا الحبر العظيم، ناقلين بعض ما كتبه فنقول: إنما غلط المفسرون في تفسير التأويل في الآية لأنهم جعلوه بالمعنى الاصطلاحي " ١.
ثم ذكر معاني التأويل كما نقلت عنه قبل قليل، وخلص إلى أن "لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعنى الأمر العملي " إلى آخره ٢، ثم قال بناءً على ذلك أنه "يجب أن تفسر آية آل عمران بذلك ولا يجوز أن يحمل التأويل فيها على المعنى الذي اصطلح عليه " ٣.
لقد اعتمد رشيد رضا على شيخ الإسلام تمامًا في تحقيقه هذه المسألة وقد نقل عنه نقلًا طويلًا فيها هو كما قال: "هو منتهى التحقيق والعرفان والبيان الذي ليس وراءه بيان" ولكن لم يكن هذا موقف رشيد رضا من المتشابه قبل اطلاعه على كتب ابن تيمية، بل كان له موقف قديم رجع عنه بعد ذلك ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ١٧٢) ٢ المصدر نفسه (٣/ ١٧٢ـ ١٧٥) ٣ المصدر نفسه. ٤ انظر: هذا الموقف القديم في مجلة المنار (١/ ٧٧٢ - ٧٧٣ و٢/ ٦٠٥ - ٦٠٧ و٦/ ٢٥٢)
[ ٣٨٧ ]
المبحث الثالث: الصفات التي تكلم عليها رشيد رضا
تمهيد
تمهيد:
نستطيع أن نقسم الناس - حيال نصوص الصفات - إلى خمسة أقسام:
الأول: أهل التمثيل الذين يفهمون من الصفات ما تدل عليه اللغة، ويجرونها على ظاهرها، ويجعلون هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين.
الثاني: أهل النفي والتعطيل والتحريف: وهم من يحملها على المجاز ويتأولونها، ويعينون المراد منها، ممن ينفون نصوص الصفات عن ظاهرها نفيًا كليًا أو جزئيًا.
الثالث: أهل الوقف ويرون السكوت عن الصفات مطلقًا ويتوقفون فيها.
الرابع: أهل التفويض الذين يسكتون عنها بعد نفي إرادة الظاهر.
الخامس: أهل الإثبات والتنزيه، وهم يثبتون الصفات بلا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل ١.
_________________
(١) ١ هذا التقسيم مستفاد من كلام أهل العلم، وهم مع اختلاف عباراتهم يتفقون حول هذا المعنى. انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٨) وما بعدها، وابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ٢٤٥) وما بعدها، والمقريزي: الخطط
[ ٣٨٨ ]
وإذا أردنا أن نحدد المواقف بصورة أدق فإننا نستطيع النظر من جهة أخرى، إلى مواقف الناس من الصفات، من حيث رأي الفرق المشهورة، وهم: الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية ومن وافقهم.
أولًا: مذهب الفلاسفة:
يرى الفلاسفة أن الله تعالى واجب الوجود بذاته - كما رأينا في الفصل الثاني - بناءً على طريقتهم في التقسيم إلى ممكن وواجب - ويرون أنه واحد من كل وجه. قال ابن سينا:
"إن واجب الوجود واحد بحسب تَعيُّن ذاته، وإن واجب الوجود لا يقال على كثرة أصلًا" ١. وقال: "واجب الوجود لا يشارك شيئًا من الأشياء في ماهية ذلك الشيء، وأما الوجود فليس بماهية لشيء" ٢. وقوله: "وأما الوجود فاحتراز لئلا يقال هو مشارك للإنسان في صفة الوجود. وبناءً على ذلك قال ابن سينا: "الأول لا ند له ولا ضد ولا جنس له ولا فصل له ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان العقلي" ٣. وأيضًا: "الأول معقول الذات قائمها، فهو قيوم بريء من العلائق والعُهَد والمواد، وغيرها مما يجعل الذات بحال زائدة. وقد علم أن ما هذا حكمه فهو عاقل لذاته، معقول لذاته " ٤ ولأنه"لا واجب وجود غيره" ٥ نفوا عنه الصفات وقالوا إنه عالم بذاته، ليس زائدًا على ذاته ٦. وله إرادة لا تزيد على ذاته ٧. وحتى نستطيع أن نفهم ذلك جاءت الآيات على وجه التمثيل
_________________
(١) ١ الإشارات (٣/ ٤٤) ٢ المصدر نفسه (٣/ ٤٩ - ٥٠) ٣ المصدر نفسه (٣/ ٥٣) ٤ المصدر نفسه (٣/ ٥٣) ٥ المصدر نفسه (٣/ ٣٦) ٦ انظر: الغزالي: مقاصد الفلاسفة (ص: ٢٢٥) ط. دار المعارف، الثانية، ت: سليمان دنيا. ٧ انظر: الغزالي: المصدر نفسه (ص: ٢٣٥)
[ ٣٨٩ ]
والتخييل وتشبيه الغائب بالشاهد، ليفهم الجمهور ذلك ١. وصفات الله عندهم سلبية محضة أو إضافية محضة أو مؤلفة منهما، لأن السلوب والإضافات لا توجب كثرة في الذات ٢.
ثانيًا المعتزلة:
ورغم أن واصل بن عطاء ٣ قد جرى في نفيه للصفات على أمر بسيط هو استحالة وجود إلهين قديمين أزليين ٤، إلا أن من جاء بعده قد تأثروا بالفلاسفة وركبوا هذه الفكرة واعتمدوا على نفس شبهة الفلاسفة ووصلوا إلى نفس النتيجة، فقالوا: إن الله عالم بذاته قادر بذاته لا بعلم ولا قدرة هي صفات قديمة ومعانٍ قائمة به ٥. فالمعتزلة ينكرون كالفلاسفة صفات أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، وإن كانوا يثبتون أحكام هذه الصفات لذاته تعالى ٦، قال عبد الجبار وهو يحكي ما أجمع عليه أصحابه: "أجمعوا على أن الله تعالى واحد فمرادهم أنه واحد في صفاته التي يبين بها عن سائر الموجودات وقالوا: قادر بذاته وقالوا: عليم بذاته.. ليبين من القادر بقدرة" ٧. والفرق بين صفة القدرة والعلم لله تعالى وللمخلوق أن الله تعالى "قادر بذاته عالم بذاته بخلاف الإنسان فإنه عالم بعلم وقادر
_________________
(١) ١ انظر: الغزالي: المصدر نفسه (ص: ٢٥٠)، وابن تيمية: درء التعارض (١/٨ - ٩) ٢ انظر: الشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ١٨٢) ت: ألفريد جيوم. ٣ هو: واصل بن عطاء البصري الغزال، مؤسس مذهب الاعتزال، كان يجالس الحسن البصري ثم اعتزله بسبب قوله في المنزلة بين المنزلتين، وجلس إليه عمرو بن عبيد وعدد، فقيل لهم معتزلة. انظر: أبو القاسم البلخي: مقالات الإسلاميين (ص: ٩٠) [ضمن مجموعة في فضل الاعتزال]، وعبد الجبار: فضل الاعتزال (ص:٢٣٤) [ضمن المجموع السابق]، وابن حجر: لسان الميزان (٦/ ٢١٤) ط. مؤسسة الأعلمي، بيروت، الثانية،١٣٩٠هـ. ٤ الشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٤٠)، ٥ وانظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ١٩٥ - ١٩٦)، وفضل الاعتزال (ص: ٣٤٧) . ٦ انظر: الشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ١٩٩) ٧ فضل الاعتزال (ص: ١٤٦) ط. الدار التونسية.
[ ٣٩٠ ]
بقدرة" ١. قال عبد الجبار: "والأصل في ذلك أنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه لكونه قديمًا، ثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق تقع بها المماثلة عند الاتفاق، وذلك يوجب أن تكون هذه المعاني مثلًا لله تعالى، حتى إذا كان القديم تعالى عالمًا لذاته وقادرًا لذاته وجب في هذا المعاني مثله، ولوَجب أن يكون الله تعالى مثلًا لهذه المعاني لأن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات " ٢. وهذه الحجة داحضة، فالعلم صفة قديمة بقدم موصوفها، فهناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة بقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلهًا وصفة الإنسان إنسانًا وهو ظاهر البطلان ٣. وأما الصفات الخبرية فإن المعتزلة تنفيها وتتأولها لأنها تقتضي التجسيم بزعمهم ٤.
ثالثًا: الأشعرية:
كان الأشعرية المتقدمون أكثر إثباتًا للصفات من المتأخرين، فبينما نرى الأشعري يثبت صفات الاستواء والعلو والوجه واليدين والعينين مع العلم والسمع والبصر والكلام ٥، اقتصر المتأخرون منهم على صفات سبع هي صفات المعاني، وهي: العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، واختلفوا في البقاء وأثبتوها أزلية قديمة، زائدة على الذات، ومعانٍ قائمة بذاته، فهو سميع بسمع بصير ببصر مريد بإرادة ألخ ٦. ونفوا الصفات
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة (ص: ١٦٢ و١٦٣) ٢ المصدر نفسه (ص: ١٩٥ - ١٩٦) ٣ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٤/ ١٩٠ و٢٢٧ و٥/ ٥٠) ٤ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢١٧) ٥ انظر: الإبانة (ص: ٢٠ - ٢٢) ت: فوقية حسن، وانظر أيضًا: الباقلاني: التمهيد (ص: ٢٩٥ و٢٩٨ ـ٢٩٩) . ٦ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص: ٩٠)، والشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ١٨١)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ٧٦) وما بعدها.
[ ٣٩١ ]
الخبرية لأنها تقتضي الجهة أو الجسمية، وتأولوها كالمعتزلة ١.
وأما أهل السنة فقد ساروا في ذلك مذهبًا وسطًا بين التشبيه والتعطيل، فأخذوا بنصوص الإثبات ونصوص التنزيه، فكان مذهبهم عدلًا في ذلك. فهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. ﷺ وقد سبق تفصيل ذلك. والمقصود الآن معرفة المنهج الذي سار عليه الشيخ رشيد رضا في هذا الباب، وأي السبل قد سلك.
_________________
(١) ١ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص: ٧٣ - ٧٤ وص: ١٠٩) وما بعدها، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ١٠٧) وما بعدها.
[ ٣٩٢ ]
المطلب الأول: تقسيم الصفات:
الصفات الإلهية التي وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكني سأقتصر هنا على تلك التي تناولها الشيخ رشيد ﵀ في كتاباته.
وقبل ذلك - وهو المناسب أيضًا - أبين تقسيم السلف لصفات الله تعالى وتقسيم الشيخ رشيد لها:
فأما السلف فيقسمون صفات الله تعالى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، ومن حيث طريقة ثبوتها إلى عقلية وسمعية.
فأما الصفات الذاتية: فهي الصفات المتعلقة بذاته المقدسة التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه، بل هي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ولا تتعلق بها مشيئته وقدرته. وهي - من حيث ثبوتها - قسمان: عقلية: وهي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي والدليل العقلي والفطرة، كصفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والعزة والملك والعظمة والكبرياء والمجد والجلال والسمع والبصر ألخ.
_________________
(١) ١ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص: ٧٣ - ٧٤ وص: ١٠٩) وما بعدها، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ١٠٧) وما بعدها.
[ ٣٩٢ ]
وخبرية: وهي التي لا سبيل للعقل على انفراده إلى إثباتها وإنما ثبتت بطريق السمع والخبر عن الله: كصفة الوجه واليدين والعين
أما الصفات الفعلية: فهي المتعلقة بمشيئته وقدرته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، وهي قسمان أيضًا:
سمعية عقلية: كالخلق، والرزق، والإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، وأنواع التدبير المختلفة.
وخبرية: كالاستواء على العرش، والمجيء والإتيان، والنزول إلى السماء الدنيا، والرضا والمحبة والغضب ١
ومن الصفات ما هو ذاتي فعلي باعتبارين، كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية، لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متصفًا بصفة الكلام، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية. لأن الكلام متعلق بمشيئته عزوجل. فيتكلم بما شاء متى شاء ٢.
وقد قسم الشيخ رشيد ﵀ الصفات من حيث طريق ثبوتها إلى ما يعرف بالنظر والاستدلال، وما لا يعرف إلا بالوحي، فقال:
"إن صفات الربوبية منها ما يعرف بالنظر والاستدلال كعلمه تعالى وقدرته ومشيئته وحكمته ووحدته. ومنها ما لا يعرف به بل يتوقف على الوحي كخبر المعصوم عنه، ومنها ما جعله المتكلمون من المتشابهات كالرضا والغضب والوجه واليد، وسيأتي بيانه في محله " ٣.
ويقسمها أيضًا إلى ذاتية وفعلية: فيقول: "إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصفه تعالى في أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين
_________________
(١) ١ انظر هذا التقسيم: عند: البيهقي: الأسماء والصفات (١/ ١٨٨)، ومحمد خليل هراس: شرح الواسطية (ص: ٨٩ - ٩٩)، ومحمد أمان الجامي: الصفات الإلهية (ص: ٢٠٦ - ٢٠٩) ٢ محمد أمان الجامي: الصفات الإلهية (ص: ٢٠٦) بتصرف. ٣ تفسير المنار (١/ ١٣٥)
[ ٣٩٣ ]
على جميع صفات الأفعال، دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات " ١.
وعن الفرق بينهما يقول: "فما له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها جدير بأن يسمى صفة ذاتية، وما ليس كذلك حقيق بأن يسمى صفة فعل" ٢.
وأما تقسيم المتكلمين فلا يرضاه الشيخ رشيد لأنه: "اصطلاح ما أنزل الله به من سلطان" ٣، ويقول: "إنما نختار طريقة السلف الصالحين فهي باتفاق الخلف أسلم وأحكم، ونقول أيضًا إنها أعلم خلافًا لكثيرين يتوهمون أن هذه الاصطلاحات في علم العقائد تعطي الباحث بصيرة " ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ٧٥) ٢ مجلة المنار (٣/ ٤٤١) ٣ المصدر نفسه (٣/ ٣٩٨) ٤ المصدر نفسه (٣/ ٣٩٩)
[ ٣٩٤ ]
المطلب الثاني: صفات الذات العقلية:
عرّف الشيخ رشيد صفات الذات بأنها "ما له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها.." ٥، ومثّل للعقلية منها بصفات العلم والقدرة والمشيئة والحكمة والوحدة ٦.
وسأتناول من هذا القسم من الصفات الذاتية العقلية ما تكلم عنه الشيخ رشيد وهي الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام.
أولًا: الحياة:
ولا يعزب عن ذكرك أن الجهمية لا يصفون الله تعالى بأنه حي، لأن ذلك - زعموا - تشبيه له بالأحياء ٧.
_________________
(١) ٥ مجلة المنار (٣/ ٤٤١) ٦ المصدر نفسه (١/ ١٣٥) ٧ انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٢١١ـ ٢١٢)، والأشعري: المقالات (١/ ٣٣٨)
[ ٣٩٤ ]
وأن المعتزلة يجعلونها صفة غير زائدة عن الذات فهو حي بحياة، وحياته ذاته، أو عالم لذاته، قادر لذاته ١.
وأما الشيخ رشيد ﵀ فأثبت لله تعالى صفة الحياة صفة ذاتية، وجعلها من أصول الصفات التي يرجع إليها غيرها، ولو بطريق اللزوم، فيقول: "فالحي ذو الحياة، وهي بأعم معانيها: الصفة الوجودية التي هي الأصل في معقولنا لجميع صفات الكمال في الوجود من صفات ذات أو صفات أفعال كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وكمال الحياة يستلزم الاتصاف بهذه الصفات وبغيرها من صفات الكمال " ٢.
ويستدل الشيخ رشيد ﵀ على صفة الحياة لله تعالى بالكتاب العزيز، فيقول عن قوله تعالى: ﴿ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣ أنها: "تثبت له مع الوحدانية الحياة التي تشعر بكمال الوجود وكمال الإيجاد بإفاضة الحياة على الأحياء " ٤.
ويستدل عليها الشيخ رشيد أيضًا من العقل، من وجهين: "أحدهما: أنه تعالى عليم مريد، قدير: وهذه الصفات لا تعقل إلا للحي، وفيه انه من قياس الغائب على الشاهد كما يقولون، أو من قياس الواجب على الممكن.
وثانيهما أن الحياة كمال وجودي، وكل كمال لا يستلزم نقصًا يستحيل على الواجب فهو واجب له " ٥ ويقول عن صفة الحياة: "فهي كمال وجودي ويمكن أن يتصف به الواجب ٦ وكل كمال وجودي يمكن أن يتصف به وجب أن يثبت له ولو لم يتصف بهذه الصفة لكان في
_________________
(١) ١ انظر: القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ١٨٢) ٢ تفسير المنار (١/ ٧٣) ٣ سورة آل عمران، الآية (١ـ٢) ٤ تفسير المنار (٣/ ٢٨ - ٢٩) ٥ تفسير المنار (٣/ ٢٤) ٦ الواجب ليس من أسماء الله تعالى، وإنما يطلق عليه تعالى من باب الخبر، فلا يسمى الواجب ولا يدعى به فيقال: "يا واجب". وانظر (ص:٣٢٠) من هذا المبحث.
[ ٣٩٥ ]
الممكنات ما هو أكمل منه وجودًا - وقد تقدم أنه أعلى الوجودات وأكملها فيه - والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه، فكيف لو كان فاقدًا للحياة يعطيها؟ فالحياة له كما أنه مصدرها" ١.
ويفرق الشيخ رشيد بين حياة الخالق تعالى وحياة المخلوق، فلا يفهم من القياس السابق، وهو قياس الأولى الذي اعتمد عليه في الدليل العقلي، أن حياة الخالق تشبه حياة المخلوق، فيقول: "حياة الخالق تعالى أعلى وأكمل من حياة جميع خلقه من الجن والإنس والملائكة، وهي لا تشبهها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢ وإنما نفهم من إطلاقها اللغوي مع التنزيه أنها الصفة الذاتية الأزلية الأبدية التي يلزمها اتصافه بما وصف به نفسه من صفات الكمال بدونها، فهي لا يتوقف تعلقها على غيرها من الصفات ويتوقف تعقل الصفات عليها " ٣.
العلم:
أثبت أهل السنة "العلم" لله تعالى. صفة من صفات ذاته تعالى ٤.
وقد أنكرها الجهمية ٥ وأثبت المعتزلة الاسم ونفوا الصفة كمذهبهم في سائر الصفات الإلهية، لأن إثباتها يوجب - زعموا - تعدد القدماء عندهم، فقالوا: إن الله عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة ٦، وقد تأثر المعتزلة في ذلك بالفلاسفة.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٢٥ - ٢٦) ٢ سورة الشورى؛ الآية (١١) ٣ المصدر نفسه (١/ ٧٣) ٤ انظر: الدارمي: الرد على الجهمية (ص: ٥٨)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٩)، والبيهقي: الأسماء = = والصفات (١/ ١٩٥)، وابن منده: التوحيد (٢/ ٦٤) ٥ ابن خزيمة: التوحيد (ص: ٩)، وانظر: البغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٢١١)، والشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٧٣) ٦ انظر: القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص:١٦٢ـ ١٦٣)، وانظر: الأشعري: المقالات (١/ ٢٤٤ـ ٢٤٧) والشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ٩٠ - ٩١، ١٠٠) .
[ ٣٩٦ ]
وأثبت الشيخ رشيد صفة العلم لله تعالى كأهل السنة مستندًا في إثباته إلى كتاب الله تعالى.
يقول: "أما الذي قام عليه البرهان من علم الله تعالى فهو أنه بكل شيء عليم، وأن هذا العلم ثابت له أزلًا وأبدًا، فهو المحيط بجميع المعلومات قبل وجودها وبعده، وعلمه بها قبل وجودها يسمى علم الغيب، وبعد وجودها يسمى علم الشهادة، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة " ١.
وعن الأدلة التي يستند إليها في ذلك يقول: "أما البرهان على علمه تعالى فحسبك ما أرشد إليه الكتاب العزيز بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ٢ بلى، فإن العقل لا يتصور أن صانع آلة الساعة ومبدعها غير عالم بها، وبكل ما يتوقف عليه اختراعها وعملها من الفنون الأخرى " ٣.
ويقول أيضًا مستشهدًا على ثبوت صفة العلم لله تعالى: " ورد وصفه تعالى بعالم الغيب والشهادة في الأنعام ٤، والتوبة ٥، والرعد ٦، والمؤمنون ٧، وألم السجدة ٨، والحشر ٩، والتغابن ١٠، ووصف بعالم فقط في سور أخرى ١١ " ١٢.
وعن إطلاق الاسم عليه يقول: "وأما لفظ عليم فهو الذي كثر إطلاقه عليه
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/ ٤٤١) ٢ سورة الملك، الآية (١٤) ٣ مجلة المنار (٣/ ٤٤١) ٤ الآية (٧٣) ٥ الآية (٩٤) ٦ الآية (٩) ٧ الآية (٩٢) ٨ الآية (٦) ٩ الآية (٢٢) ١٠ الآية (١٨) ١١ مثلًا: سورة الجن: الآية (٢٦) ١٢ مجلة المنار (١٢/٧٨٠)
[ ٣٩٧ ]
تعالى بصيغتي التعريف والتنكير، لأن وزن فعيل يدل على الصفات الثابتة.. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ١ وقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
ويقول: "ولم يرد إطلاق لفظ العالم على الله تعالى في القرآن إلا مضافًا إلى المعلوم، كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣، وورد: علام الغيوب ٤.. " ٥.
وبهذا يكون الشيخ رشيد قد وافق السلف في إثبات هذه الصفة لله تعالى مع إطلاق الاسم عليه عزوجل.
صفة القدرة:
والأقوال فيها كالأقوال في سابقتيها، فأثبتها أهل السنة ٦، وأنكرها المعتزلة والفلاسفة، إلا أن الجهم أثبتها لأنها عنده لا تقتضي التشبيه بالمخلوق لأنه يقول: إنه لا قدرة له ٧.
وأثبت الشيخ رشيد القدرة صفة لله تعالى فقد عرف القدرة بأنها: "الصفة التي يكون بها الفعل والتأثير والتحويل والتغيير" ٨.
وأما أدلتها فيستدل الشيخ رشيد على إثبات هذه الصفة بالكتاب وبالعقل.
فأما الكتاب فإنه استدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٩
_________________
(١) ١ سورة يس: الآية (٨١) ٢ سورة البقرة الآية (٢٩) ٣ سورة الرعد، الآية (٩) ٤ انظر:: سورة المائدة: الآية (١٠٩)، والآية (١١٦) ٥ مجلة المنار (٣/٤٤١) ٦ انظر: البيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٠٨)، والخطابي: شأن الدعاء (ص: ٨٥ - ٨٦)، وابن تيمية: درء التعارض (٣/ ٢١ و١٢٣) ٧ الشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٧٣) ٨ مجلة المنار (٣/ ٤٦٥) ٩ سورة البقرة، الآية (١٩)، وانظر: تفسير المنار (١/ ١٧٩، ٤٢١، ٢/ ٢٢)، ومجلة المنار (٣/٤٦٥)
[ ٣٩٨ ]
واستدل أيضًا بالعقل فقال: " ودليلها: ما بيناه أولًا من أن جميع الممكنات صادرة عن الواجب تعالى ثم ما بينّاه أخيرًا من أن صدورها عنه إنما هو بتخصيصه المطابق لعلمه، وهل يعقل أن الفاعل بإرادة عن علم لا يكون قادرًا؟ كلا " ١.
ويقول عن القدرة مبينًا لبعض أحكامها: "إن قدرة الله تعالى إنما تجري بما خصصته إرادته واقتضته مشيئته" ٢.
صفة الإرادة:
وأثبت الإرادة صفة لله فيقول: "ما تقدم من البحث في العلم من حيث كونه صفة يأتي في الإرادة وفي غيرها من الصفات الذاتية " ٣. وتنقسم الإرادة إلى كونية وشرعية، وسيأتي عند الكلام عن القدر أن رشيد رضا فرق بين الكونيات والشرعيات.
ويعرف رشيد رضا الإرادة قائلا: "الإرادة صفة يخصص بها الفاعل في فعله بعض الوجوه الممكنة المتقابلة على بعض " ٤.
ويبين الشيخ رشيد موقف الفرق من هذه الصفة، من المؤولين لها والمشبهين لها بإرادة الإنسان، فيقول: "وقد اشتبه على كثير من الناس فهم الإرادة، فمن الناس من يظن أنها بمعنى المحبة، والرضا، ولذلك قالوا إن ضدها الكراهية. والصواب أن ضدها "عدم الإرادة" ومنهم: من لا يفرق بين إرادة الله وإرادة الإنسان " ٥.
ويورد الشيخ رشيد دليلًا عقليًا فيقول: "الدليل على إثبات الإرادة للباري تعالى فهو لازم لدليل إثبات العلم أن الإرادة هي التي رجحت
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/ ٤٦٥) ٢ تفسير المنار (٧/ ٤٧٦) ٣ مجلة المنار (٣/ ٤٦٤) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٣٩٩ ]
بحسب العلم ما كان على ما لم يكن من الوجوه الممكنة " ١. كما أن الشيخ رشيد يثبت الإرادة عند تفسيره لآيات القرآن، فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢: "أي: إن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له " ٣. وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ٤ يقول: "أي: يمنع ما أراد منعه وإرادته تكون على حسب علمه المحيط وحكمته البالغة " ٥. وإثبات هذه الصفة هو مذهب أهل السنة ٦.
السمع والبصر:
تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة أن الله سميع بصير، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٨ وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٩، وأما السنة النبوية فأحاديث، منها: قوله ﷺ على المنبر: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٠ ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه" ١١. وقصده ﷺ تحقيق اتصاف الله
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ سورةالبقرة، الآية (٢٥٣) ٣ تفسير المنار (٣/ ٨) ٤ سورةالمائدة، الآية (٢) ٥ تفسير المنار (٦/ ١٢٤) ٦ انظر: البيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٣٠)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٤٦) ط. مكتبة الرشد الرياض، الأولى، ١٤١٥هـ. ٧ سورة طه، الآية (٤٦) ٨ سورة آل عمران، الآية (٧٥) ٩ سورة الشورى، الآية (١١) ١٠ سورة النساء، الآية (٥٨) ١١ أبو داود: السنن، ك: السنة، باب في الجهمية، ح: ٤٧٢٨ (٥/ ٩٦) ت: الدعاس، وقال الحافظ: سنده قوي على شرط مسلم. الفتح (١٣/ ٣٨٥)
[ ٤٠٠ ]
بهاتين الصفتين. ودل العقل أيضًا على ذلك ١، وبناءً على ورود هذه الصفة في الكتاب والسنة أثبتها السلف على طريقتهم في إثبات ما ورد فيهما ٢.
ونفت المعتزلة هاتين الصفتين، وأرجع بعضهم معناها إلى الحياة وبعضهم إلى العلم ٣.
وأما الأشعرية فإنهم يجعلون السمع متعلقًا بجميع الموجودات لا المسموعات فقط، وكذلك البصر عندهم يتعلق بجمبع الموجودات لا المبصرات فقط ٤. وفي هذا إخراج لهاتين الصفتين عن حقيقتهما إلى حقيقة العلم، وبعضهم يثبتهما متعلقتين بالمسموعات والمبصرات ٥.
وتبعًا لمذهب السلف يثبت الشيخ رشيد هاتين الصفتين لله تعالى، مستندًا في ذلك إلى الكتاب والسنة، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة سمع المخلوقين وبصرهم.
وينتقد الشيخ رشيد المتكلمين في تحكمهم وتكلفهم في الكلام على هاتين الصفتين، ويرده مبينًا أن الاعتقاد الصحيح هو ما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ انظر: ابن خزيمة: التوحيد (ص: ٤٦ - ٤٧)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص:١٠٣ - ١١٩) ٢ انظر: ابن خزيمة: التوحيد (ص: ٤٤)، والأشعري: الإبانة (ص: ٢٢) ت: فوقية حسين، والدارمي: الرد على الجهمية (ص: ٢)، والرد على المريسي (ص: ٤١)، والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٩٣)، وابن منده: التوحيد (٣/ ٤٣) ٣ البغدادي: أصول الدين (ص: ٩٦)، والشهرستاني: المل والنحل (١/ ٤٩)، ونهاية الإقدام (ص:٣٤١)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ١٠٣)، وانظر أيضًا: الدارمي: الرد على المريسي (ص:٤١ - ٤٣)، والأشعري: المقالات (١/ ٢٥٥) ٤ انظر: السنوسي: أم البراهين (ص: ٤) [ضمن مهمات المتون]، ط. الحلبي، مصر. والبيجوري: تحفة المريد (ص: ٨٨) ٥ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص: ٩٧) ٦ سورة الشورى، الآية (١١)
[ ٤٠١ ]
فيقول الشيخ رشيد أولًا مبينًا ما يجب اعتقاده في مسألة السمع والبصر: "الواجب اعتقاده هو الوقوف عند ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وهو: أن الله ﵎ سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم، وأحوالهم من غير بحث عن كنه هذا السمع وهذا البصر وكيف يحصلان ومن غير مقارنة بينهما وبين العلم ولا البحث في النسبة بينهما " ١.
ثم يقول: "لكن الذين ساروا في تقرير العقائد على طريقة قياس الغائب على الشاهد والقديم على الحادث أوجبوا على الناس أن يعتقدوا بهذه الفلسفة الدينية والتحكم النظري، وإن كان لم يشهد له كتاب ولا سنة ولا لغة، ولم يقل بها أحد من سلف الأمة " ٢.
ويقول جوابًا لمن زعم أن السمع يتعلق بجميع الموجودات: "وذهب بعض من كتب في علم الكلام إلى سمع الباري ﵎ يتعلق بجميع الموجودات، لا يختص بالكلام أو بالأصوات، وهو رأي تنكره اللغة ولا يعرفه الشرع وليس للرأي أو العقل أن يتحكم في صفات الله ﵎ بنظرياته وأقيسته " ٣.
وبوضوح يثبت الشيخ رشيد هاتين الصفتين لله تعالى، مع التنزيه اللائق به سبحانه.
فيقول عند قوله عزوجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ٤: "أي: كان السمع والعلم ولا يزالان من صفاته الثابتة فلا يفوته تعالى قول من أقوال من يجهر بالسوء، ولا يعزب عن علمه السبب الباعث له عليه " ٥. ويتضح لنا من هذا النقل عن الشيخ رشيد تفرقته بين السمع والعلم مخالفًا بذلك من أرجع السمع للعلم.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/ ٦٤٧) ٢ المصدر نفسه (٣/ ٦٤٥) ٣ تفسير المنار (٤/ ٢٦٢)، وقارن مع مجلة المنار (٣/ ٦٤٥) ٤ سورة النساء، الآية (٥٨) ٥ تفسير المنار (٦/ ٦)
[ ٤٠٢ ]
ويقول في موضع آخر مثبتًا لهاتين الصفتين ومفرقًا بينهما وبين العلم: " إن لله علمًا حقيقيًا هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعًا حقيقيًا هو وصف له لا يشبه سمعنا وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى " ١.
ويقول أيضًا في موضع آخر: " إنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، وبصير ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم " ٢.
ويحسن أن نختم هنا بكلام الشيخ رشيد عن أثر الإيمان بهاتين الصفتين إذ يقول إنه: " ينبه النفوس إلى الحياء من الله تعالى أن يراها حيث نهاها، فيكون عندها أهون الناظرين، وأن يسمع منها ما لا يرضاه فإنه لا يحب الجهر بالسوء من القول وهذا هو التأثير الذي كان يودعه في قلوبهم، وهذا الذي يليق بحكمة الله تعالى وجلاله، ويجعل دينه مصلحًا للنفوس، ومثقفًا للعقول، بتذكيرها بمراقبته، وحملها على خشيته، ولم يكن بناء دينه على نظريات أرسطو وأفلاطون" ٣.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ٧٧) ٢ مجلة المنار (٢٨/ ٢٧٠) ٣ المصدر نفسه (٣/ ٧٤٧) وانظر: تفسير المنار (٤/ ٢٦٢)
[ ٤٠٣ ]
المطلب الثالث: صفات الفعل العقلية:
والقسم الثاني من الصفات هو صفات الفعل العقلية، وهي التي دل عليها العقل، وعلى اتصاف الرب بها مع ورود السمع بها.
وقد سبق أن ذكرت تعريف الشيخ رشيد لصفة الفعل، بأنه ما ليس له مبدأ خاص في النفس واستقرار فيها على العكس من صفة الذات ٤.
وفي موضع آخر مثل الشيخ رشيد لصفات الفعل في سياق بيانه لدلالة صفة الربوبية على صفات الأفعال فقال:"وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة
_________________
(١) ٤ انظر: (ص:٣٦٣) من هذا البحث.
[ ٤٠٣ ]
على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر، فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط، الخافض الرافع المعز المذل، الحكم العدل اللطيف الخبير " ١.
فالشيخ رشيد يستدل عليها بربوبية الله تعالى فإنها تدل دلالة عقلية على هذه الصفات.
ولم يتكلم ﵀ عن صفات الفعل العقلية بأكثر من هذا، إلا صفة "الكلام" والتي ذكرت قبل أنها صفة ذات باعتبار وصفه فعل باعتبار آخر ٢ لذا فإنني أجعل الكلام عليها هنا مرة واحدة، وأجعلها مثالًا لصفات الفعل العقلية التي تكلم عليها الشيخ رشيد ﵀.
صفة الكلام:
يثبت السلف الكلام صفة لله تعالى مستندين إلى العقل والنقل. فيقولون: إن الله تعالى متكلم بكلام حقيقي، قائم بنفسه، يسمعه المخاطب بصوت وحرف، ولا يبحثون في كيفية تكلمه تعالى به ٣.
وأما الأدلة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٧٥) ٢ انظر: (ص:٣٦٣) من هذا البحث. ٣ ابن تيمية: شرح الأصفهانية (٧٣ و٨٧)، وانظر: ابن أبي عاصم: السنة (١/ ٢٢٥)، ابن خزيمة: التوحيد (ص: ١٣٦)، والدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٠٦)، والرد على الجهمية (ص: ٧١ ـ٧٢)، وابن منده: التوحيد (٣/ ٥١)، والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٩٧)، وانظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ١٧٤) ط. التركي والأرناؤوط، والأشعري: الإبانة (ص: ٨٧) ت: فوقية، والسجزي: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٤٥) وما بعدها، تحقيق أستاذي الدكتور: محمد با كريم با عبد الله، ط: الجامعة الإسلامية، الأولى ١٤١٣هـ. ٤ سورة النساء، الآية (١٦٤)
[ ٤٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١، وفي هذه الآية دليل واضح على أن الله تعالى يتكلم بكلام يسمع.
ومن السنة: أحاديث؛ منها قوله ﷺ: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب " ٢، وقوله: "بصوت يسمعه " صريح في إثبات الصوت في كلامه تعالى وأنه يُسمع، وفيه بيان البون البعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق إذ أن صوته تعالى يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب بخلاف أصوات المخلوقين، وأما إثبات الحرف ففي قوله ﷺ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: آلم حرف، ولكن: ألف: حرف، ولام: حرف، وميم: حرف" ٣.
أما الخلف فإنهم وإن تباينت آراؤهم في الظاهر إلا أنهم في الحقيقة متفقون على إنكار كلام الله تعالى الحقيقي، وأنه لا يتكلم بكلام يسمع، بل بكلام يخلقه في غيره، وينسب إليه على سبيل المجاز، وهو عرض مخلوق ٤.
وحقيقة قول هؤلاء أن الله تعالى لم يتكلم إذ لم يقم به كلام، ولا
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (٦) ٢ رواه البخاري معلقًا، ك: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ ﴾ الآية، (١٣/٤٦١) ورواه: أحمد: المسند (٣/ ٤٤٩٥)، والحاكم: المستدرك (٢/ ٤٣٧ و٤/ ٥٧٤) مرفوعًا موصولًا. ٣ رواه الترمذي: ك: فضائل القرآن، باب: فيمن قرأ حرفًا من القرآن..، ح: ٢٩١٠ (٥/١٧٥) وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وانظر: السجزي: مصدر سابق (ص: ١٥٤ - ١٥٥) ٤ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٢٠)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٨٧) ومن كتب القوم: المغني في أبواب العدل والتوحيد (٧/ ٨٤)، وشرح الأصول الخمسة (ص: ٥٢٨) كلاهما للقاضي عبد الجبار. ومن كتب الأشعرية: البغدادي: أصول الدين (ص: ١٠٦ - ١٠٨)، والشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ١٠٦ و٣١٠)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ٨٦)،
[ ٤٠٥ ]
يكلم كذلك، وهذه كانت بداية مقالتهم كما حكي عن الجعد بن درهم ١، فكل من قال القرآن مخلوق فحقيقة قوله أن الله لم يتكلم ولا يكلم ولا يأمر ولا ينهى، ولما رأوا ذلك مخالفًا للقرآن، وإجماع المسلمين قالوا إنه يتكلم مجازًا يخلق شيئًا يعبر عنه لا أنه في نفسه يتكلم، فلما شنع عليهم المسلمون قالوا: يتكلم حقيقة ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام وفعله ولو في غيره، لا من قام به الكلام، وهو الذي استقر عليه قول المعتزلة. وهذه مغالطة كلامية، فإن المتكلم هو من قام به الكلام، وإليه ينسب لا إلى غيره ويشتق له اسم المتكلم ولا يسمى غيره بما قام به من الكلام متكلمًا ٢.
ويلزم من قول المعتزلة: أن الله لم يكلم موسى وإنما كلمته الشجرة فقالت: يا موسى إني أنا الله رب العالمين ٣.
وأما الأشعرية فإنهم يتفقون مع المعتزلة في خلق القرآن، ويقولون: إن كلام الله واحد، لا تعدد فيه وله أقسام اعتبارية هي: الأمر من حيث تعلقه بفعل الصلاة مثلًا، ونهي من حيث تعلقه بطلب ترك الزنا، وخبر من حيث تعلقه بالأخبار، فالأقسام اعتبارية في متعلقه لا فيه. وأنه تعالى لم يزل متكلمًا ولا يسكت، ليس بحرف ولا صوت ٤، ويلزم من ذلك أن معنى: أقيموا الصلاة هو معنى لا تقربوا الزنا، وأنه تعالى لم يزل متكلمًا بلا سكوت يقول: يا موسى، يا موسى ٥.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته، وانظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٠٨، ١١٨)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٨٧) ٢ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٢٠)، وابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٨٩) . ٣ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٢٠ - ١٢١)، وابن تيمية: درء التعارض (٢/ ٢٥٣) ٤ انظر: الشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ٢٩١ - ٢٩٢)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ٨٥)، وانظر: السجزي: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٣٧ - ١٣٨) ٥ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ١٨٧ وأيضًا ١٨٩ - ١٩٠) ط. التركي.
[ ٤٠٦ ]
والذي أوقع الأشعرية في هذا أن المعتزلة ألزمتهم بأن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا يدخله التعاقب والتأليف، وهذا لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان كذلك لا يجوز أن يكون صفات ذات الله، فالتزموا ذلك وقالوا - خرقًا للإجماع - أن ذلك ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي كلامًا على المجاز لكونه حكاية عنه أو عبارة عنه، وأما الكلام الحقيقي فمعنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يسمع! ١.
وأما الشيخ رشيد فإن له منهجًا في "الكلام" موافقًا لأهل السنة، فإنه يثبت الكلام صفة لله تعالى من صفاته لا تشبه صفة كلام المخلوقين، وإن كان بحرف وصوت، وهو كلام يسمع، وينسب إلى الله تعالى حقيقة لا مجازًا كما ينسب كل كلام إلى قائله. ويرد الشيخ رشيد نظريات المتكلمين الفلسفية في هذا البحث.
فيرى أن " كلام الله تعالى صفة من صفاته تتعلق بجميع ما في علمه " ٢ وأنه تعالى: "متصف في الأزل بالكلام أي: بالصفة التي يكون بها التكليم متى شاء كما أنه متصف في الأزل بالقدرة التي بها يكون الخلق والتقدير متى شاء" ٣.
ويرى الشيخ رشيد أن هذا هو معنى "الكلام النفسي" أي أن له صفة ذاتية بها يعلم من يشاء من عباده بما شاء من علمه متى شاء وهذا الإعلام هو التكليم والوحي " ٤.
_________________
(١) ١ انظر: الشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ٢٨٨ - ٢٩٩) والسجزي (ص: ١٦٧) . ٢ تفسير المنار (٣/ ٤) ٣ المصدر نفسه والصقحة. ٤ المصدر نفسه والصفحة، وقد اعترض سلفي على تعبير الشيخ فأجابه الشيخ رشيد بأن مراده بيان متعلق الكلام وغاية التكليم الذي يفهمه الرسول من الخطاب، وليس معناه أن الكلام والتكليم هو العلم، قال: "وهذا بدهي في نفسه" المجلة (٣٤/ ٢٢٢ ـ٢٢٤) واحترز الشيخ رشيد عمومًا بقوله: "فإن وقع في كلامنا ما يوهم خلاف هذه العقيدة السلفية فهو من عثرات القلم الضعيف في البيان تفسير المنار (٣/٤)
[ ٤٠٧ ]
ويقول مثبتًا مذهب أهل السنة في كون الكلام يكون صفة فعل باعتبار تجدد أفراده: " إنه تعالى يخاطب من شاء بما شاء متى شاء وأن خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور " ١.
ويرى الشيخ رشيد أن كلام الله تعالى يسمع، وقد سمعه موسى من وراء الشجرة، قائلًا: "وفيه التصريح بأن موسى ﵇ سمع نداء الله تعالى له من وراء الشجرة، وإثبات الكلام والتكليم والنداء لله تعالى " ٢.
ويثبت الشيخ رشيد الصوت في كلامه تعالى فيقول بعد نقله بعض نصوص عن السلف في إثبات الصوت: "فهذه النقول من أحفظ الحفاظ صريحة في أن إثبات هذا الصوت لكلام الله المنزه عن مشابهة أصوات الخلق هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأتباعه وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت وكل منهما ثابت للبشر، وكذلك السمع والبصر " ٣.
ويذكر شبهة المنكرين له ويجيب عنها فيقول: "وأما الصوت فمن منع قال: أن الصوت هو الهواء المتقطع المسموع من الحنجرة، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك، فلا يلزم المحذور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه " ٤.
ويثبت الشيخ رشيد السكوت لله تعالى، لأنه يتكلم حسب مشيئته تعالى، ويسكت من غير نسيان ٥. خلافًا لمن يقول: إنه لم يزل متكلمًا أزلًا وأبدًا منزهًا عن السكوت ٦.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٤/ ٢٢٢) ٢ المصدر نفسه (ص: ٢٢٣) ٣ مجلة المنار (٢٩/ ٥٩٦) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ تفسير المنار (٢/ ١٧٩) ٦ انظر: البيجوري: تحفة المريد (ص: ٨٥)
[ ٤٠٨ ]
وأما القرآن فيرى الشيخ رشيد أنه كلام الله المسموع، فيقول: " والقرآن كلام الله تعالى نسب إليه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١ وفي أحاديث متعددة وأجمع على ذلك المسلمون " ٢.
ويرد على الأشعرية في قولهم إن القرآن المكتوب في المصاحف ليس هو كلام الله على الحقيقة، فيقول: " لو كان ما تلقاه النبي ﷺ من كلام الله تعالى هو معاني القرآن دون عبارته لكان القرآن كلامه ﷺ لا كلام الله تعالى، لأن الكلام هو العبارة التي تتجلى فيها المعاني من علم المتكلم " ٣. ويقول: " وينسب كل كلام إلى من صدر منه وكان مجلى كلامه النفسي فالجملة من كلام زيد من الناس يتناقلها الناس بألسنتهم وأقلامهم وبآلات التلغراف والتلفون وكل منهم يقول إنها كلام زيد " ٤.
ويتخذ الشيخ رشيد موقفًا صحيحًا من مسألة خلق القرآن فيقول: "إن هذا القرآن المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور المتلو بالألسنة هو كلام الله تعالى المنزل على قلب رسوله محمد ﷺ المبلغ عن الله تعالى ليس فيه صنع ولا عمل. والقول بأنه مخلوق على الإطلاق أو باعتبار قراءته أو كتابته من البدع المذمومة التي لم يأذن بها الله ولا قال بها رسول ولا أصحاب رسوله ولا التابعون لهم في هدايتهم ولا هي مما تحتاج إليه الأمة في حفظ دينها ولا مصلحة دنياها، ومن البدع أيضًا أن يقال أن حروفه مخلوقة، وأن قراءتي له مخلوقة وربما كان ذريعة إلى ما هو شر منه " ٥.
وهذا هو الموافق لما عليه السلف إذ كانوا يشددون في هذه الألفاظ البدعية ٦.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (٦) ٢ مجلة المنار (٢١/ ٤٧٣) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ المصدر نفسه والصقحة. ٥ المصدر نفسه (١٢/ ١٨٢) ٦ انظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٢/ ٣٤٦ـ ٣٥٩)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/ ١٠٢) وما بعدها.
[ ٤٠٩ ]
وأخيرًا يبين الشيخ رشيد موقفه من الفرق المختلفة في كلام الله تعالى، فيقول: "ولا يغترن أحد بتلك النظريات التي بنى عليها الجهمية والمعتزلة وبعض الأشاعرة والكلابية وغيرهم أقوالهم في الكلام النفسي واللفظي وجعل بعضه حقيقيًا وبعضه مجازًا، ووصف بعضه بالقديم وبعضه بالحادث أو تسميته مخلوقًا - فكل ذلك مبني على الهرب من وصف الخالق بصفات المخلوقين لئلا يكونوا مشبهين له بخلقه. ومذهب السلف بني على وصفه تعالى بكل ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ وإسناد ما أسنده إليه كلامه وكلام رسوله مع الجزم بالتنزيه وكونه ليس كمثله شيء كما نزه نفسه. وقامت البراهين العقلية على تنزيهه ولا تنافي بين الأمرين ولا تناقض " ١.
وهذا الموقف الذي اتخذه الشيخ رشيد في مسألة القرآن موقف سديد، موافق لما كان عليه السلف وصالحو الخلف، وهذا هو ما استقر عليه الشيخ رشيد ٢.
وقبل أن أختم هذا المبحث أريد أن أقف قليلًا لأبين موقف الشيخ رشيد في مسألة هامة في "علم الكلام". ذلك أن قول الشيخ رشيد ﵀ عن الله: "أنه تعالى يخاطب من شاء بما شاء ومتى شاء، وأن خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور " ٣ يشير إلى مسألة هامة؛ وهي مسألة "حلول الحوادث بذاته تعالى".
مسألة "حلول الحوادث بذاته تعالى ":
هذه المسألة من المسائل الهامة التي شغلت وقتًا كثيرًا في النقاش بين السلف والمتكلمين. وقد بنى المتكلمون فيها مذهبهم على مسألة "حدوث
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢١/ ٤٧٣) ٢ وقارن مع: مجلة المنار (١/ ٨٥١ - ٨٥٤) وأيضًا (٣/ ٨١٠) لتعرف الموقف القديم. ٣ مجلة المنار (٣٤/ ٢٢٢)
[ ٤١٠ ]
العالم" والتي اتخذوها أصلًا فيإثبات "وجود الله تعالى" ١ وبناءً على ذلك نفوا صفات الفعل الاختيارية لله تعالى. لأنهم يقولون إنها سمة الحدوث ولا يجوز أن تحل الحوادث بذاته تعالى، لأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ٢. وسلكوا في هذه الصفات مسلكين:
الأول: أنها صفات أزلية قديمة مع الله تعالى لا تتعلق بمشيئة الله وإرادته، فلا يتجدد له فيها حال كما يشاء.
الثاني: جعل مقتضى الصفة مفعولًا منفصلًا عن الله لا يقوم بذاته، فالخلق - مثلًا - عندهم هو المخلوق فالله تعالى لم تحل بذاته حوادث لم تكن، وكذا الاستواء فإنهم يقولون فعل فعلًا في العرش سماه استواء من غير أن يستوي بذاته. فالفعل هو المفعول ٣.
ولما كانت آيات القرآن الكريم تثبت في صراحة ووضوح تجدد صفات الفعل لله تعالى وحدوث أفرادها شيئًا بعد شيء كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٥ والمعدوم لا يرى موجودًا قبل وجوده فإذا وجد رآه موجودًا وسمع كلامه، وهذا يدل على حصول أمر وجودي لم يكن من قبل ٦ لذا فإن المتكلمين - مع قولهم بنفي تجدد هذه الصفات، وتسليمًا منهم بما دل عليه القرآن، فروا وهربوا إلى تسمية هذا الحدوث والتجدد بأسماء أخرى، كالتعلق والإضافات والأحوال ٧.
_________________
(١) ١ انظر: (ص:٣٨٨) من هذا البحث. ٢ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص: ٤١ - ٤٢)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ٥٩ـ ٦٠، ١٠٦) ٣ انظر: البيهقي: الاعتقاد (ص:٣٢) وانظر: الباقلاني: التمهيد (ص:٢٤٤ـ ٢٤٥)،وانظر أيضًا ابن تيمية: شرح حديث النزول (ضمن مجموع الفتاوى:٥/٤١١ـ ٤١٢) ٤ سورة التوبة، الآية (١٠٥) ٥ سورة يونس: الآية (١٤) ٦ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) ٧ انظر: البيجوري: تحفة المريد (ص:٧٦) وما بعدها، و(ص:٨١) وما بعدها، و(ص: ٩٢) وما بعدها.
[ ٤١١ ]
والحق أن صفات الله تعالى منها ما هو قديم لازم للذات أزلًا وأبدًا كالحياة، ومنها ما هو قديم الجنس ولكن تحدث آحاده، كالإرادة والعلم والكلام، فالإرادة مثلًا قديمة الجنس ولكن هناك إرادات جزئية تحدث، ولولا ذلك لم يحدث شيء لأن الإرادة القديمة نسبتها إلى جميع الوجوه الممكنة واحدة، وإلا لوجب وجود المراد معها في الأزل. وكذلك العلم، منه ما هو قديم وهو انكشاف جميع الأشياء له تعالى في الأزل، لا يشذ عن علمه منها شيء، ولكن منه ما يحدث بحدوث المعلومات وتجددها، كما قال تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١،وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢. ومثل ذلك يقال في السمع والبصر والكلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٣. ٤.
فالشيخ رشيد عندما يذهب إلى أن "خطابه لموسى في مصر في شأن فرعون كان بعد خطابه له في الطور.." ٥. وقوله عن الله تعالى أنه "متصف في الأزل بالكلام، أي بالصفة التي يكون بها التكليم متى شاء، كما أنه متصف بالأزل بالقدرة التي بها يكون الخلق والتقدير متى شاء " ٦، يذهب إلى ما ذهب إليه السلف في أفعال الله تعالى الاختيارية، ولا بد أنه بذلك متأثر بابن تيمية الذي فصل هذه المسألة تفصيلًا في كتبه التي اطلع عليها رشيد رضا ٧.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية (١٤٠) ٢ سورة آل عمران: الآية (١٤٢) ٣ سورة الأعراف: الآية (١٤٣) ٤ ولقد فصل ابن تيمية هذه المعاني كثيرًا، انظر مثلًا: درء التعارض (٢/ ٣ـ ١٥٦ و٤/٣) وما بعدها ٥ مجلة المنار (٣٤/ ٢٢٢)،ويلاحظ أن هذا الجزء هوقبل الأخير فلم يكتب رشيد رضا في الجزء الخامس والثلاثين إلا قليلًا. ٦ تفسير المنار (٣/ ٤) ٧ انظر: مبحث: موارد رشيد رضا (ص: ١٧٤) من هذا البحث، ومنها درء التعارض، وشرح حديث النزول.
[ ٤١٢ ]
ويستعمل رشيد رضا أيضًا لفظ "الحدوث" عند حديثه عن صفات الفعل، فيقول في سياق حديثه عنها وعن الفرق بينها وبين صفات الذات:"..هناك فرق بين الصفة كرحيم وقريب ومجيب وسميع وبصير، وبين الفعل الحادث كاستوى على العرش ونزل إلى السماء الدنيا" ١.
وهذا يدل على فهمه لمذهب السلف فيها، كيف لا وقد وقف على "شرح حديث النزول لابن تيمية؟ ٢.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٩/٦١٥) ٢ انظر: (ص:١٧٧) من هذا البحث
[ ٤١٣ ]
المطلب الرابع: صفات الذات الخبرية:
يقصد بالصفات الخبرية أو السمعية؛ ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول دون استناد إلى نظر عقلي ٣. ومنها صفات ذاتية كالوجه واليد والعين والقدم، ومنها صفات فعلية كالاستواء والنزول والمجيء والمحبة والرضا والسخط والغضب. وغير ذلك مما جاء به الكتاب الكريم واستفاضت به السنة النبوية.
ولقد اتحد موقف المتكلمين من هذه الصفات، إذ نفوها جميعًا، معتزلة وأشعرية، باعتبار أنها من سمات الأجسام، فتقتضي التشبيه والتجسيم، كما أن الفعلية منها تقتضي حلول الحوادث بذاته تعالى - كما مر قبل قليل ٤. وقد أشرت قبلًا إلى أن متقدمي الأشعرية كأبي الحسن الأشعري وأبي بكر الباقلاني كانا يثبتان من هذه الصفات الكثير. وأول من اشتهر عنه نفيها من الأشعرية هو إمام الحرمين الجويني ٥ وتبعه على ذلك
_________________
(١) ٣ انظر: محمد خليل هراس: ابن تيمية السلفي (ص: ١٣٥)، ومحمد أمان الجامي: الصفات الإلهية (ص: ٢٠٧) ط. الجامعة الإسلامية، الأولى، سنة ١٤٠٨هـ. ٤ انظر: الرازي: أساس التقديس (ص: ٢) مطبعة كردستان بمصر، وعبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢١٧ و٢٣٠)، وانظر: (ص:٣٦٢) من هذا البحث. ٥ هو: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، ت: ٤٧٨هـ. [السير: ١٨/٤٦٨ـ ٤٧٧]
[ ٤١٣ ]
جميع متأخري الأشعرية ١. وأما السلف ﵏ فلم يختلف منهجهم في إثبات الصفات، فقد مشوا على صراط مستقيم، هو إثبات ما أثبته الله لنفسه دون تحريف أو تعطيل أو تمثيل، وتنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، كما مر تفصيله.
والمقصود الآن معرفة المنهج الذي سار عليه الشيخ رشيد رضا في هذا الباب.
أولًا: الوجه:
صفة الوجه من صفات ذات الله تعالى ٢ ثبتت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٣ وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٤.
وقد استعاذ النبي ﷺ بوجه الله تعالى ٥ وفي الحديث: " لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره" ٦.
وبناءً على ذلك أثبت أهل السنة هذه الصفة ٧. وتأولها المتكلمون ٨.
_________________
(١) ١ انظر: محمد خليل هراس: ابن تيمية السلفي (ص: ١٣٩)، ومحمد أمان الجامي: الصفات الإلهية (١٥٧ـ ١٧١) ٢ انظر: ابن خزيمة: التوحيد (ص: ١٠) ت: خليل هراس. ٣ سورة الرحمن، الآية (٢٧) ٤ سورة القصص، الآية (٨٨) ٥ انظر: البخاري: الصحيح: ك: التوحيد، باب: قوله الله (:: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، ح: ٧٤٠٦ (١٣/٤٠٠) وانظر: ابن القيم: "مختصر الصواعق للموصلي" (ص: ٣٣٧) ٦ رواه مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٢٩٣ (١٧٩) [١/١٦١] ط. عبد الباقي. ٧ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (١/ ٢٢٨)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ١٠)، وابن منده: التوحيد (٣/ ٣٦)، والدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٥٧)، وأثبتها الأشعري: الإبانة (ص: ٢٢) ت: فوقية حسن، والباقلاني: التمهيد (ص: ٢٩٥)، وانظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٠) ٨ انظر:: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٢٧)، والرازي: أساس التقديس (ص: ١١٧ - ١١٩)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ١٠٩)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ١١٠)
[ ٤١٤ ]
وورد ذكر الوجه في آيات من الكتاب العزيز ولم يختلف السلف في شيء منها، إلا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ فقد ورد عن بعض السلف تفسيرها بقبلة الله ٢. ولكن هذا لا يعني إلا أنه قد وقع بينهم نزاع في معنى هذه الآية ولا يعني ذلك إنكارهم للصفة لأنها ثابتة في آيات أخر وأحاديث صحيحة ٣.
والذي ظهر لي أن رشيد رضا قد أثبت صفة الوجه لله تعالى. وسوف أتناول نصوصه في ذلك متدرجًا من الواضح للأوضح من خلال تفسيره للآيات. فعند قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ٤ فسر رشيد رضا الآية بما يدل على أنه لا يعدها من آيات الصفات، ولكنه بين لنا في تفسيره لها مذهب السلف والخلف في الصفات، وإن كان رأى أنه لا يظهر لها معنى على المذهبين. قال: "إذا فهمت هذا علمت أنه لا حاجة هنا إلى إيراد طريقتي السلف والخلف في المتشابهات وآيات الصفات، كأن نقول: إن الوجه صفة لله تعالى، أوأنها كناية عن الذات، حتى يكون المعنى على الأول: وما تنفقون إلا ابتغاء صفة الله تعالى التي سماها وجهًا، وآمنا بها مع تنزيهه تعالى عن صفات المحدثين - وعلى الثاني: وما تنفقون إلا ابتغاء ذات الله تعالى. هذا ما لا يظهر معه للآية معنى، وكل ما ذكرناه في تفسيرها أظهر منه وأجلى، وقد رأيت أن الأستاذ الإمام اكتفى كالمفسرين بجعله معنى مرضاة الله، وهو صحيح" ٥. وكما هو واضح أن تفسير رشيد رضا لهذه الآية في حياة "الأستاذ الإمام"، وقد رأيت حكاية رشيد رضا لتفسيره الآية. ولم يكن من السهل الإعلان بمخالفة الأستاذ الإمام. إلا أنني أشير إلى بيان رشيد رضا لمذهبي السلف والخلف وفهمه لهما وقوله: "صفة الله تعالى التي سماها وجهًا وآمنا بها مع تنزيهه تعالى عن صفات
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (١١٥) ٢ انظر: ابن كثير: التفسير (١/ ١٥٠)، وابن القيم: "مختصر الصواعق" (ص: ٣٣٩) ٣ انظر: ابن القيم: مختصر الصواعق (ص: ٣٩١ - ٣٩٢) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٧٢) ٥ تفسير المنار (٣/ ٨٥)
[ ٤١٥ ]
المحدثين" وذكره لتأويل المتكلمين لها بالذات. مما يدل على فهم رشيد رضا للمذهبين، ولا أشك في أنه يرجح مذهب السلف وإن لم يصرح به، نظرًا لما اختاره الأستاذ الإمام. ومهما يكن من شيء فلو لم يكن لله وجه على الحقيقة لما جاء استعمال هذا اللفظ في معنى الذات؛ فإن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه ١. ويؤيد رأيي في ترجيح رشيد رضا لمذهب السلف، موقفه الذي يعلنه دائمًا من اختياره لمذهب السلف وحياته عليه وموته عليه، لولا ما يجعله يشير إلى غيره أحيانًا لعوارض ومناسبات أخرى ٢.
النص الثاني الذي يلي هذا في الوضوح - حسب ما يظهر لي - تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣ فقد قال: " وقد ورد في الأحاديث الكثيرة من الطرق العديدة أن هذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعلى مراتب الكمال الروحاني الذي لا يصل إليه المتقون المحسنون العارفون إلا في الآخرة " ٤. ولا يخفى أن هذا التفسير كان في أثناء سورة يونس، أي بعد وفاة "الأستاذ الإمام" بزمن بعيد ٥.
وفسر رشيد رضا حديث "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ٦ فقال: "..ومعنى الجملة: أنه تعالى لو كشف عن وجهه حجاب النور المخلوق لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره منهم " ٧.
_________________
(١) ١ انظر: محمد خليل هراس: شرح الواسطية (ص: ١١٤) . ٢ انظر: (ص: ٣٥٤) من هذا البحث. ٣ سورة يونس، الآية (٢٦) ٤ تفسير المنار (١١/ ٣٥٠) ٥ وانظر: (ص:٥٨) من هذا البحث. ٦ سبق تخريجه قريبًا ٧ تفسير المنار (٩/ ١٤١)
[ ٤١٦ ]
والنص الثالث؛ فعند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ١ قال: " أي يدعون ربهم بالغداة والعشي مريدين بهذا الدعاء وجهه ﷾ كما قال تعالى حكاية عن المطعمين الطعام على حبه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ ٢، وكما قال في حق الأتقى الذي ينفق ماله ليتزكى به عند الله تعالى ويكون مقبولًا مرضيًا لديه: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٣ ولعل أصل ابتغاء الوجه بالعمل هو أن يعمل ليواجه به من عمل لأجله فيعتني بإتقانه وأعلى الثواب رضوان الله تعالى، وكمال العرفان والعلم به المعبر عنه في الأحاديث الشريفة برؤية وجهه الكريم، بلا كيف ولا تشبيه ولا تمثيل " ٤.
وأما قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٥ فيرى رشيد رضا تبعًا لشيخه، أنها ليست من آيات الصفات ٦. وهو رأي قد قال به بعض السلف ﵏ وقد ذكرت قبل قليل أن ذلك يعني أنهم مختلفون في دلالة هذه الآية على الصفة، ولا يعني نفي الصفة، فإنهم يثبتونها بآيات وأدلة أخرى.
والخلاصة أن رشيد رضا يثبت "وجه الله تعالى"" صفة لهمن غير تشبيه ولا تمثيل، ولا كيف، مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، وأن إثباته للصفة بعد وفاة شيخه كان أشد وأوضح. والله أعلى وأعلم.
ثانيًا: العين الإلهية:
قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٧ وقال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٨،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (٥٢) ٢ سورة الإنسان، الآية (٩) ٣ سورة الليل، الآية (٢٠) ٤ تفسير المنار (٧/ ٤٣٧) ٥ سورة البقرة، الآية (١١٥) ٦ تفسير المنار (١/ ٤٣٤) ٧ سورة هود، الآية (٣٧) ٨ سورة القمر، الآية (١٤)
[ ٤١٧ ]
وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ١. وبناء على هذه الآيات يجب إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من العين لا سيما وقد جاءت السنة موافقة للكتاب في ذلك. فقد قرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢ ثم وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه ٣ تحقيقًا للصفة. وفي أحاديث صفة الدجال "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور" ٤ وفي أحد رواياته "إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه" ٥ وكان هذا كافيًا عند أهل السنة لإثبات هذه الصفة ٦. وتأولها الجهمية ٧.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ذهب الشيخ رشيد إلى إثبات هذه الصفة وما تلزمها من لوازم كالحفظ والعناية، فقال: " أي واصنع الفلك الذي سننجيك ومن آمن معك فيه حال كونك ملحوظًا ومراقبًا بأعيننا من كل ناحية، وما يلزمه من حفظنا في كل آن وحالة " ٨.
_________________
(١) ١ سورة الطور، الآية (٤٨) ٢ سورة النساء، الآية (٥٨) ٣ رواه أبو داود: ك: السنة، باب في الجهمية، ح: ك ٤٧٢٨ (٥/ ٩٧ - الدعاس)، وعثمان الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٥٢)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٤٢ ـ٤٣) ت: هراس. ٤ ورد هذا المعنى في عدة أحاديث، انظر: البخاري: الصحيح: ك: الفتن، ح: ٧١٢٧ و٧١٣١ (١٣/ ٩٦ ـ٩٧) مع الفتح، ومسلم: الصحيح: ك الفتن، ح: ١٠٠ و١٠١ (٢٩٣٣) [٤/ ٢٢٤٧ - ٢٢٤٨] ٥ انظر: البخاري: الصحيح: ك: التوحيد، باب قول الله ﴿ولتصنع على عيني﴾ ح: ٧٤٠٧. [١٣/٤٠١] ٦ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٤٢ - ٤٣ و٤٨ و١٥٢)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٤٢)، والبخاري: الصحيح: ك: التوحيد، باب قول الله ﴿ولتصنع على عيني﴾ (١٣/ ٤٠١) مع الفتح، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ٤٢) ٧ انظر: الرازي: أساس التقديس (ص: ٢)، وعبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٢٧) ٨ تفسير المنار (١٢/ ٧٣)
[ ٤١٨ ]
ويشير رشيد رضا إلى نكتة جمع العين في الآية على أن المراد به شدة العناية بالمراقبة والحفظ. قال: " جمع الأعين هنا لإفادة شدة العناية بالمراقبة والحفظ فإن العرب تعبر برؤية العين الواحدة عن العناية وبالأعين عن المبالغة فيها " ١. ثم قال: "وهذا التفسير هو الظاهر بل المتبادر من هذا التعبير، وليس تأويلًا صرف به عن الظاهر لإيهامه التشبيه، فإنما مرادهم بالتأويل حمل اللفظ على المعنى المرجوح من معنييه أو معانيه لمانع من حمله على المعنى الراجح، وهو لا ينحصر في الحقيقة اللغوية " ٢.
والحق أن الله تعالى له عينان لا أعين كثيرة ٣، وقد شنع الجهمية على أهل السنة بمثل ذلك في اليد الإلهية، وربما أراد رشيد رضا الاحتراز عن ذلك، فذهب في مسألة الجمع هذا المذهب، مع إثباته للعين ولوازمها من الحفظ والعناية. هذا خلاف ما ذهب إليه المغراوي من أن رشيد رضا لم يثبت هذه الصفة ٤.
ومما يؤكد ما ذهبت إليه من إثبات رشيد رضا لهذه الصفة قوله بعد أن نقل كلامًا للسعد في تأويل بعض الصفات منها العين والوجه واليد، قال: "ومثل هذه الصفات التي هي في الحادث أعضاء وحركات أعضاء، الصفات التي هي في الحادث انفعالات نفسية كالمحبة والرحمة والرضا والغضب والكراهة فالسلف يمرونها على ظاهرها مع تنزيه الله تعالى عن انفعالات المخلوقين والخلف يؤولون ما ورد من النصوص في ذلك والحق أن جميع ما أطلق على الله تعالى فهو منقول مما أطلق على البشر، ولما كان العقل والنقل متفقين على تنزيه الله تعالى عن مشابهة البشر تعين أن نجمع بين النصوص فنقول: إن لله تعالى قدرة حقيقية ولكنها ليست
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه. ٣ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٤٨)، والأشعري: الإبانة (ص: ٢٢)، وابن القيم: الصواعق المنزلة (١/ ١٣٥ - ١٣٧) ٤ انظر: المغراوي: المفسرون (ص: ٢٧١)
[ ٤١٩ ]
كقدرة البشر، وأن له رحمة ليست كرحمة البشر، وهكذا نقول في جميع ما أطلق عليه تعالى جمعًا بين النصوص، ولا ندعي أن إطلاق بعضها حقيقي والبعض الآخر مجازي " ١.
وتعليق رشيد رضا هذا على كلام السعد التفتازاني المتضمن كلامه على الاستواء والوجه واليد والتي أثبتها جميعًا رشيد رضا، وفي ضمنها أيضًا الحديث عن العين الإلهية وأدلتها، وسياق الكلام عليها سياقًا واحدًا لهو دليل على إثباته هذه الصفة كما أثبت ما معها من الصفات وما أضافه في التعليق عليها كالرحمة.
ثالثًا: النفس الإلهية:
ذكر الله تعالى في غير ما آية في كتابه أن له نفسًا، وكذلك جاء في السنة النبوية.
قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢ وقال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٣ وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٤ وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٥. وفي الحديث: "يقول الله: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" ٦. وفي الحديث أيضًا: " سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضا نفسه وزنة عرشه" ٧.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ١٩٧ - ١٩٩) ولم يهتد المغراوي إلى هذا الموضع أيضًا فقال ما قال. ٢ سورة الأنعام، الآية (٥٤) ٣ سورة طه، الآية (٤١) ٤ سورة آل عمران، الآية (٣٠) ٥ سورة المائدة، الآية (١١٦) ٦ البخاري: الصحيح، ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾، ح: ٧٤٠٥ (١٣/٣٩٥) ٧ مسلم: الصحيح، ك: الذكر، ح: ٧٩ (٢٧٢٦) (٤/ ٢٠٩٠) ط. عبد الباقي.
[ ٤٢٠ ]
ويقول أهل السنة: إن نفس الله تعالى لا تشبه نفس المخلوقين، كما ينزهونه عن ألا تكون له نفس كالعدم ١.
وكفرت الجهمية بهذه الآي والسنن، وزعم بعضهم أن الله تعالى أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه وزعم أن نفسه غيره كما أن خلقه غيره فهل يجوز على هذا التأويل أن يقال: كتب ربكم على نفسه الرحمة أي كتب ربكم على غيره الرحمة؟! وهل يجوز: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، أي: ولا أعلم ما في غيرك؟! وهل يجوز أن يقول: واصطنعتك لنفسي: أي لغيري؟! ٢ وقال بعضهم: نفسه ذاته ٣.
وأثبت الشيخ رشيد النفس الإلهية مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة نفسه لأنفس المخلوقين. وأنكر تأويلات المتأولين. فقال عند قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ٤: " قيل إن إضافة كلمة نفس إلى الله تعالى من باب المشاكلة، على أنها وردت بغير مقابل يسوغ ذلك كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٥ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٦ وقيل: إنها بمعنى الذات وتنزيه الله عن مشابهة نفسه لأنفس خلقه معروف بالنقل والعقل، فاستشكال إطلاق الوحي للأسماء مع هذا ضرب من الجهل " ٧.
وعند قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٨ قال: " وذكر النفس
_________________
(١) ١ انظر: ابن خزيمة: التوحيد (ص: ٥ - ٦)، وانظر: ابن أبي عاصم: السنة (١/ ٢٧٠) ٢ انظر: ابن خزيمة: المصدر السابق (ص: ٨)، وابن حجر: الفتح (١٣/ ٣٩٦) ٣ انظر: الرازي: أساس التقديس (ص: ٩٣)، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ١١)، والراغب: المفردات (ص: ٨١٨) ٤ سورة المائدة، الآية (١١٦) ٥ سورة الأنعام، الآية (٥٤) ٦ سورة آل عمران، الآية (٢٨، ٣٠) ٧ تفسير المنار (٧/ ٢٦٦) ٨ سورة آل عمران، الآية (٢٨، ٣٠)
[ ٤٢١ ]
ليعلم أن الوعيد صادر منه، وهو القادر على إنفاذه " ١.
ومن هذين النقلين يتضح لنا رأي الشيخ رشيد في النفس، فقد جرى فيه على منهج السلف الذي أعلن مرارًا وتكرارًا أنه عليه يحيا وعليه يموت ٢.
رابعًا: يد الله تعالى:
ورد لفظ "اليد" في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع؛ ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية من الطي ٣ والقبض ٤ والبسط ٥ والخلق باليدين ٦ والإمساك ٧ والحثيات ٨ والكتابة بها ٩، وغرس جنة عدن بها ١٠ واختيار آدم لليمين منها ١١ وكلتا يديه تعالى يمين مباركة ١٢. وإن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف الاستعمال يمنع المجاز ١٣.
وبناءً على ذلك أثبت أهل السنة صفة اليد لله تعالى، على ما يليق به
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٢٨٢) ٢ انظر: المصدر نفسه (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣) ٣ سورة الزمر، الآية (٦٧) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٤٥) وسورة الزمر، الآية (٦٧) ٥ سورة البقرة، الآية (٢٤٥) وسورة المائدة، الآية (٦٤) ٦ سورة ص، الآية (٧٥) ٧ مسلم: الصحيح، ك: صفات المنافقين، ح: ١٩ (٢٧٨٦) [٤/ ٢١٤٧] ط. عبد الباقي. ٨ الترمذي: صفة القيامة، باب: ١٢، ح: ٢٤٣٧، وابن ماجه: السنن، ك: الزهد، باب: صفة أنه محمد (، ح: ٤٢٨٦، وصححه الألباني. ٩ البخاري: ك: القدر، باب: تحاج آدم وموسى، ح: ٦٦١٤ (١١/ ٥١٣) . ١٠ الحاكم: المستدرك (٢/ ٣٩٢)، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ٤٧) ١١ الترمذي: ك: التفسير، باب: ٩٥، ح: (٣٣٦٨) (٥/ ٤٥٣) وقال: حسن غريب، وابن أبي عاصم: السنة (١/ ٩١)، والحاكم: المستدرك (١/ ٦٤) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ١٢ ابن القيم: الصواعق "المختصر" (ص: ٣٣٤) ١٣ المصدر نفسه (ص: ٣٢٣)
[ ٤٢٢ ]
تعالى ١، وأولها المتكلمون بالقدرة أو القوة أو النعمة ٢.
ولقد سار رشيد رضا في هذه الصفة على منهج أهل السنة، فقد أثبتها مستدلًا بالكتاب والسنة. فيرد الشيخ رشيد على المنكر لهذه الصفة بقوله: "ولعل كل قارئ للقرآن أو سامع له من المسلمين، قد قرأ أو سمع قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ " ٥. ويحدد رشيد رضا الألفاظ الواردة في إثبات هذه الصفة، ويرد ما لم يرد منها في الكتاب والسنة، فيقول: "وإنما ثبت فيهما لفظ اليدين ولفظ اليمين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٦ وثبت في حديث مسلم ٧ والنسائي ٨: "وكلتا يديه يمين" والحديث في إثبات الشمال لا يصح " ٩.
وعند قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١٠ قال: "أي بل هو صاحب الجود الكامل، والعطاء الشامل، عبر عن ذلك ببسط اليدين لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه" ١١ ثم
_________________
(١) ١ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٢٥)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٦٧)، والآجري: الشريعة (ص: ٣٢٠)، وابن منده: التوحيد (٣/ ١١٨)، والبيهقي: الأسماء والصفات (٢/ ٤٣)، وقد أثبتها الأشعري: الإبانة (ص: ٢٢)، والباقلاني: التمهيد (ص: ٢٩٥) ٢ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٢٨)، والرازي: أساس التقديس (ص: ١٢٥) = =والبغدادي: أصول الدين (ص: ١١٠)، وانظر: الأشعري: المقالات (١/ ٢٩٠) ٣ سورة الفتح، الآية (١٠) ٤ سورة ص، الآية (٧٥) ٥ مجلة المنار (٢٩/ ٥٩٥) ٦ سورة الزمر، الآية (٦٧) ٧ الصحيح: ك: الإمارة، ح: ١٨ (١٨٢٧) [٣/١٤٥٨] . ٨ السنن: ك: آداب القضاة، باب: فضل الإمام العادل (٨/ ٢٢١) ط. دار الكتب العلمية، بيروت. ٩ مجلة المنار (٢٩/ ٥٩٥)، وانظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٨) ط. الريان، مصر. ١٠ سورة المائدة، الآية (٦٤) ١١ تفسير المنار (٦/ ٤٥٥)
[ ٤٢٣ ]
قال: "نعم إن التثنية ليست بمعنى الجمع، واليد واليدين لم يقصد بلفظهما النعمة ولا القوة ولا الملك. وإنما الاستعمال في الموضعين من الكناية ١، ونكتة التثنية إفادة سعة العطاء ومنتهى الجود والكرم " ٢ وفي مسألة "الكناية" يرى رشيد رضا: أن الكناية لا تنافي الحقيقة كما ينافيها المجاز ٣.
ورغم أن رشيد رضا يوافق ابن جرير الطبري ٤ على إثبات هذه الصفة لله تعالى وأنها يد إلهية ليست بجارحة ٥ ويقول:: "ونحن معه في إثبات الصفات، ننعى على المؤولين النفاة " ٦ إلا أنه لم يوافق ابن جرير في استدلاله على هذه الصفة بالتثنية الواردة في الآية ٧، ويذهب إلى أن التعبير من باب الكناية ولكنه يقول: "ليس في هذا القول المروي عن ابن عباس ٨، تأويل ولا نفي لما أثبته البارئ لنفسه من صفة اليد واليدين والأيدي في آيات أخرى " ٩.
والذي يظهر من هذا أن رشيد رضا يثبت الصفة بلا ريب ولكنه يخالف في الاستدلال بالتثنية الواردة في الآية عليها. كما أنه استدل على هذه الصفة بآيات أخرى. ولا يعني ذلك إنكاره للصفة. على أن الاستدلال بالتثنية على عدم إرادة المجاز في الآية هو استدلال صحيح، استدل به غير واحد من أهل السنة وليس ابن جرير منفردًا في ذلك ١٠.
_________________
(١) ١ سيأتي تعريف الكناية والفرق بينها وبين المجاز. انظر (ص:٤٠٩) من هذا البحث. ٢ تفسير المنار (٦/ ٤٥٦) ٣ انظر: مجلة المنار (١٧/ ٨٢٧) و(ص:٤٠٩) من هذا البحث. ٤ هو: محمد بن جرير بن يزيد، الإمام العالم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، كان من أفراد الدهر علمًا ولقي النبلاء والفضلاء. قل أن ترى العيون مثله، ت: ٣١٠هـ. انظر: الذهبي: السير (١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢) ٥ تفسير المنار (٦/ ٤٥٦) ٦ المصدر نفسه (٦ /٤٥٥) ٧ المصدر نفسه. ٨ انظر: ابن كثير: التفسير (٢/ ٧١ - ٧٢) . ٩ تفسير المنار (٦/ ٤٥٦) ١٠ انظر: ابن خزيمة: التوحيد (ص: ٨٦)، والأشعري: الإبانة (ص: ١٢٦ - ١٢٧)، والبيهقي: الاعتقاد (ص: ٨٨) ت: أحمد عصام، وابن تيمية: "الرسالة المدنية" [ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦)]، وابن القيم: الصواعق "المختصر" (٢/ ٣٢٤)
[ ٤٢٤ ]
وليس صحيحًا ما ذكره المغراوي من أن رشيد رضا ذهب في هذه الآية مذهب المؤولة، وأنه اختلط عليه الإثبات والتفويض ١.
خامسًا: الصورة الإلهية:
الصُورة - بالضم - الشكل، جمعها: صُور وهي الشكل، والهيئة والحقيقة ٢.
وكل موجود من الموجودات له صورة في الخارج، كما أن له صورة ذهنية ٣. والصورة الإلهية وردت في أحاديث كثيرة لا يمكن دفعها - وإن لم ترد في الكتاب - إلا أنها وردت في السنة واشتهرت. منها حديث:
"خلق الله آدم على صورته" ٤، وفي رواية: "على صورة الرحمن" ٥، وصححه الأئمة ٦.
وحديث: "رأيت ربي في أحسن صورة" ٧.
وقد أثبت أهل السنة ما دلت عليه هذه الأحاديث دون التصرف فيها بالتأويل فالصورة كالصفات الأخرى، ثبتت لله تعالى بالوحي فوجب الإيمان بها، مع التنزيه وعدم التشبيه ٨.
_________________
(١) ١ انظر: المغراوي: المفسرون بين التأويل والإثبات (١/ ٢٦٦) . ٢ انظر: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٢٠)، والزبيدي: تاج العروس (٣/ ٣٤٢) ٣ ابن تيمية: نقض التأسيس (٣/ ٢٤٥ و٢٧٥) [مخطوط] ٤ البخاري: الصحيح، ك: الاستئذان، باب: بدء السلام، ح: ٦٢٢٧ (١١/ ٥) ٥ ابن أبي عاصم: السنة (١/ ٢٢٩)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٣٨) ت: هراس. ٦ انظر: ابن تيمية: نقض التأسيس (٣/ ٢٢٢) [مخطوط] وابن حجر: فتح الباري (٥/٢١٧) ٧ الترمذي: السنن: ك: التفسير، تفسير سورة "ص"، ح:٣٢٨٨، (٥/ ٣٦٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ونقل عن البخاري تصحيحه. ٨ انظر: ابن تيمية نقض التأسيس [ج: ٣ مخطوط (ص: ٢٠٦ - ٢٥٥)]، وانظر: ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث (ص: ٢٢١)
[ ٤٢٥ ]
وأولها الجهمية بالصفة، كما أنهم تلاعبوا في إرجاع الضمائر في الروايات المتقدمة ١.
وأما الشيخ رشيد فقد أشار إلى حديث البخاري: "خلق الله آدم على صورته" وقال: "قيل إن الضمير في صورته لآدم أي: صورته المعهودة لم يتغير من طور إلى طور آخر وقيل إنه قاله لمن ضرب عبده فالضمير للعبد، ولكن ورد في رواية أخرى "على صورة الرحمن"" ٢.
فالشيخ رشيد قد أورد بعض التأويلات المذكورة، ثم أورد رواية أخرى تردها ولكنه لم يعلق عليها بشيء.
كما أنه أورد روايات أخرى فيها ذكر الصورة ونقل كلام الشراح عليها ثم قال: "ذكر النووي في شرحه لحديث أبي هريرة من صحيح مسلم مذهب السلف في أمثال هذه الألفاظ والصفات وهو الإيمان بها وحملها على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته وتنزيهه كما تقدم " ٣.
وأما مذهب السلف فهو ما ذكرته قبل قليل من الإيمان بالصورة ومعناها اللغوي - مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه - وإمرار الأحاديث على ظاهرها، وتفويض الكيفية لا المعنى، وأرجو أن يكون هذا هو مراد الشيخ رشيد. وهذا هو مذهب السلف في كل الصفات وكما قرره الشيخ رشيد غير مرة، ومن الممكن أن نتأول على ذلك قوله في معنى الصورة:
"وقد اختلفوا في معنى الصورة وأولوها أيضًا، والأظهر أنها عبارة عما يقع به التجلي من حجاب ومنه رداء الكبرياء الذي سبق الكلام فيه " ٤.
_________________
(١) ١ انظر: الرازي: أساس التقديس (ص: ٨٣) وما بعدها، وانظر: ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٥) ٢ تفسير المنار (٧/ ٤٧٤) بالحاشية. ٣ المصدر نفسه (٩/ ١٤٦) ٤ المصدر نفسه والصفحة، إلا إن كان الشيخ رشيد يريد بالتجلي أنه يتجلى في صورة كما ورد في بعض الروايات، يتجلى وتبدى. انظر: مسلم: الصحيح: ك: الإيمان، ح: ٣١٦ (١٩١) [١/ ١٧٧ - ١٧٨]، والترمذي: السنن: ك: صفة الجنة، باب: ما جاء في أسواق الجنة، ح: ٢٥٤٩، وقال: هذا حديث غريب (٤/ ٦٨٦)، وابن ماجه: السنن: ك: الزهد، باب: صفة الجنة، ح: ٤٣٣٦، وضعفه الألباني.
[ ٤٢٦ ]
وإن كان قوله "عبارة عن " هو التأويل الذي رفضه السلف وأقرهم على ذلك الشيخ رشيد.
سادسًا: الرؤية:
زعمت الجهمية والمعتزلة أن الله تعالى لا يُدرك ولن يُدرك بشيء من الحواس الخمس ١. ولذلك فقد نفوا رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ٢. وأما أهل السنة فإنهم يقولون بجواز الرؤية في الدنيا عقلًا ولكنها لم تقع لأحد قط، لا نبي ولا غير نبي، ولم يختلفوا في ذلك، إلا في نبينا ﷺ، وجوازها في الآخرة عقلًا، ووقوعها قطعًا ٣. واستدلوا بالكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٥. ومن السنة: أحاديث بلغت مبلغ المتواتر ٦. منها قوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" ٧، وهذا دليل واضح وضوح الشمس والقمر. وعلى ذلك مضى السلف. قال الإمام الدارمي: "فهذه الأحاديث كلها وأكثر
_________________
(١) ١ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ١٣ - ١٤)، وعبد الجبار: فضل الاعتزال (ص: ٣٤٦)، وشرح الأصول (ص: ٣٤٨)، وابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ٣١٥ و٣٦٣)، والأشعري: المقالات (١/ ٢٣٨)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٢٠٧) ٢ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٣٢) وما بعدها و(ص: ٣٤٨) . ٣ انظر: الدارمي: الرد على الجهمية (ص: ٥٤)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ١٨٥ وص: ١٩٧) وما بعدها. وابن أبي عاصم: السنة (ص: ١٩٣)، وابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ٣٢٩) وما بعدها، وابن القيم: حادي الأرواح (ص: ٢٢٣) ط. مطبعة المدني، بمصر. ٤ سورة القيامة، الآية (٢٢ـ ٢٣) ٥ سورة المطففين، الآية (١٥) ٦ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٥٩)، والآجري: الشريعة (ص: ٥٧)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٢١٥) ط. التركي. ٧ رواه البخاري: الصحيح، ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾، ح: ٧٤٣٤، (١٣/ ٤٢٩) مع الفتح، وانظر: الدارمي: الرد على الجهمية (ص: ٤٦)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ١٧٨) وما بعدها، وابن أبي عاصم: السنة (ص: ١٩٣)
[ ٤٢٧ ]
منها قد رويت في الرؤية، على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والنظر من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يروونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا ينكرونها " ١.
وأما رؤية النبي ﷺ ربه بعيني رأسه على ثلاثة أقوال، ثالثها التوقف ٢. والحق أنه لم يرد في شيء من الأحاديث أنه ﷺ رآه يقظة بعينه ٣. وقد ورد النفي في حديث أبي ذر ﵁ قال: "قلت يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه" ٤ واختاره أحمد ٥ والدارمي ٦ الذي علل ذلك بضعف قدرة الإنسان على ذلك في الدنيا وأن الله تعالى ينشئهم نشأة أخرى في الآخرة تقوى على ذلك ٧.
وقد اتخذ الشيخ رشيد موقفًا سديدًا في هذه المسألة، فقد أثبت رؤية الله تعالى في الآخرة. وذكر الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه تعالى في الدنيا وذهب إلى القول بالنفي.
فأما رؤية الله تعالى في الدنيا، فيقول بنفيها عمومًا، للنبي ﷺ، ولغيره بطريق الأولى، فيقول: "اختلف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج بين إثبات ونفي ووقف، واختلف المثبتون في الرؤية هل هي بعين البصر أم بعين القلب والبصيرة؟ والتحقيق أنه قد وردت أحاديث مرفوعة صحيحة في النفي دون الإثبات، كحديث: "نور أنى أراه" ٨ وكحديث: "واعلموا أنكم
_________________
(١) ١ الرد على الجهمية (ص: ٥٤) ٢ انظر: القاضي عياض: الشفاء (١/ ١٥٢ - ١٥٦) ط. مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الأولى ١٤١٦هـ. ٣ انظر: عياض: الشفاء (١/ ١٥٢)، وابن تيمية: درء التعارض (٢/ ١٠٦)، ومنهاج السنة (٢/ ٣١٦ و٦٣٦ - ٦٣٧) ٤ مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٢٩١ (١/ ١٦١) ٥ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ٦٣٧) ٦ الرد على الجهمية (ص: ٥٥) ٧ المصدر نفسه (ص: ٥٥ ـ٥٦)، وانظر: ابن تيمية: المنهاج (٢/ ٣٣١ - ٣٣٣) ٨ سبق تخريجه.
[ ٤٢٨ ]
لن تروا ربكم حتى تموتوا" ١" ٢ ويرجح رشيد رضا رأي أم المؤمنين عائشة في النفي ٣ لأنه " أصح سندًا وأقوى دليلًا" ٤ وأما رأي ابن عباس ٥ ﵄ فهو بالاستنباط من الأدلة ولم يكن عنده حديث مرفوع ٦.
وهذا الذي ذهب إليه في رؤية النبي ﷺ ربه بعين رأسه يقظة في الدنيا هو الراجح عند جمهور أهل السنة كما سبق. وهو مذهب أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة ﵄ ٧.
وأما الرؤية في الآخرة، فبعد أن ذكر الشيخ رشيد تعارض أدلة المثبتين والنافين لها من القرآن يقول: "وإذا كانت الآيات التي استدل بها كل فريق ليست نصًا قاطعًا في مذهبه ففي الأحاديث المتفق عليها ما هو نص قاطع لا يحتمل التأويل في الرؤية وتشبيهها برؤية البدر والشمس في الجلاء والظهور وكونها لا مضارة فيها ولا تضام ولا ازدحام " ٨.
غير أن الشيخ رشيد لا يترك الاستدلال بأدلة القرآن بل يستدل بها ويبين وجه دلالتها، فلقد ذكر استدلال أهل الإثبات بقوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٩، وقال: ".. فنفي الإدراك يستلزم إثبات رؤية لا إدراك فيها، فكأنه قال: لا تدركه الأبصار التي تراه وهو يدرك الأبصار التي يراها ويحيط بها. ونظيره قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
_________________
(١) ١ رواه مسلم: الصحيح: ك: الفتن وأشراط الساعة، ح: ٩٥ (٢٩٣٠) [٤/ ٢٢٤٥]، وانظر: ابن ماجه: السنن، ك: الفتن، باب: فتنة الدجال، ح: ٤٠٧٧. ٢ تفسير المنار (٩/ ١٤٧) ٣ انظر: مسلم: الصحيح: ك: الإيمان، ح: ٢٨٧ (١٧٧) وما بعده (١/ ١٥٩) ٤ تفسير المنار (٩/ ١٤٧) ٥ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٢٨٥ (١٧٦) (١/ ١٥٨)، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (١/٧٩) ٦ تفسير المنار (٩/ ١٤٨) ٧ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٢٨٣ (١٧٥) وح:٢٨٧ (١٧٧) [١/ ١٥٨ - ١٥٩] ٨ تفسير المنار (٩/١٥٢) ٩ سورة الأنعام: الآية (١٠٤)
[ ٤٢٩ ]
وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ١ أي هو يحيط بهم علمًا لأنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ٢، وهم لا يحيطون به علمًا لأن إحاطة المحاط به بالمحيط محال، وهو يستلزم إثبات أصل العلم به لا نفيه كآية نفي الإدراك بالأبصار، وكل منهما جار على قاعدة معروفة في اللغة؛ وهي أن نفي المقيد يقصد به إلى القيد، وإن نفى وصف خاص لمعنى عام يستلزم إثبات ذلك العام، كقولك: فلان لا يشبع - فإنه إثبات للأكل ونفي للشبع.." ٣.
وأما ما يستدل به النفاة من كلام السيدة عائشة ﵂، فيجيب عنه الشيخ بما يأتي: "وأحسن ما يجاب به عن استنباط عائشة وأقواه عن المثبتين، أن يقال: إنها تريد نفي الرؤية في الدنيا، كما قال بذلك الجمهور، ولا تقاس شؤون البشر في الآخرة على شؤونهم في الدنيا، لأن لذلك العالم سننًا ونواميس تخالف هذا العالم.." ٤.
ويلخص الشيخ رشيد رأيه في هذه المسألة فيقول: "خلاصة الخلاصة أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أعلى وأكمل النعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان، وأنها أحق ما يصدق عليه قوله تعالى في كتابه المجيد: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٥،.. وأن هذا وذلك مما يدل على مذهب السلف الذي عبر بعضهم عنه بأوجز عبارة اتفق عليها جميعهم، وهي: "رؤية بلا كيف" ٦".
وما ذهب إليه الشيخ رشيد في هذه المسألة أيضًا هو اعتقاد أهل السنة ﵏ ٧.
_________________
(١) ١ سورة طه: الآية (١١٠) ٢ سورة البروج: الآية (٢٠) ٣ تفسير المنار (٩/١٣٦) ٤ المصدر نفسه (٩/ ١٥٤) ٥ سورة السجدة: الآية (١٧) ٦ تفسير المنار (٩/ ١٧٧) وانظر: المجلة (١٩/٢٨٢) والوحي المحمدي (ص:١٨٣) ٧ كما أثبتها: الأشعري: الإبانة (ص: ٣٥) والباقلاني: التميهد (ص:٣٠١)
[ ٤٣٠ ]
الفصل الرابع: منهج رشيد رضا في إثبات الألوهية ونفي الشرك والبدع
تمهيد
تمهيد
إثبات الألوهية لله تعالى، أو: توحيد الألوهية، أو: توحيد العبادة، أو: توحيد القصد والطلب والإرادة، هي كلها أسماء لمسمى واحد.
وهذا الفصل قسيم الفصلين السابقين من أقسام الإيمان بالله تعالى إذ الإيمان به تعالى يتضمن الإيمان بربوبيته وصفاته وألوهيته، ومعنى الإلهية: كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبا مألوها ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والتوكل والطلب١.
وبعبارة أخرى نقول: إن توحيد الألوهية -يعني- وهو ما تدل عليه مسمياته السابقة-: إفراد الله تعالى بأفعال عباده وأقوالهم التي تعبدهم بها من عبادات قلبية: كالخوف والحب والرجاء، أو بدنية: كالصلاة والطواف، أو مالية: كالزكاة وسائر الصدقات أو ما يجمع ذلك أو بعضه كالحج.
فهذه العبادات لا تصرف إلا لله تعالى وحده، فإن صرفت لغيره كانت شركا لا يغفر.
والأدلة على وجوب إفراد الله تعالى بأنواع العبادات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ ٢. وقوله ﷿: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا
_________________
(١) ١ المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٥) . ٢ سورة الانعام، الآية (١٦٢-١٦٣)، وقال الشيخ رشيد: "هذا بيان إجمالي لتوحيد الألوهية بالعمل.." تفسير المنار (٨/٢٤١)
[ ٤٦٥ ]
هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣. وقوله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٤.
وغير ذلك من الآيات الكريمة التي تقرر أن الله هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والفعلية وليس لأحد سواه، كائنا من كان، أي شيء من أنواع العبادة.
ولقد قرر الشيخ رشيد – رحمه الله تعالى – هذا المعنى أتم تقرير، وبينه أوضح البيان، فلقد فسر الإله بالمعبود، وبين معنى العبادة وحقيقتها وذكر بعض أنواعها وكيف تسرب الشرك إليها، وذكر الشرك ومعناه ومظاهره، والبدعة وأنوعها وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الفصل.
وفيما يلي نعرض لآرائه في مسائل هذا الفصل لتقف على منهجه التفصيلي فيه، والله تعالى ولي التوفيق.
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية (٦٥) . ٢ سورة البينة، الآية (٥) . ٣ سورة الإسراء، الآية (٢٣) . ٤ سورة النساء، الآية (٣٦) .
[ ٤٦٦ ]
المبحث الأول: إثبات الألوهية
المطلب الأول: تعريف الإله
المطلب الأول: تعريف الإله
لقد وقع خطأ كبير – وكان له أثر بعيد – في معنى الإله، وأقول – وبكل لأسى – إن هذا الخطأ لم يقع فيه عامة الناس فقط، بل وقع فيه النظار في علم العقائد على طريقة الفلسفة والكلام والجدل، ومنشأ هذا الخطأ هو الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن الكريم واستعمالها بلوازم معناها، وسبب آخر: هو امتلاء الرؤوس بالأفكار والنظريات والاصطلاحات الفلسفية الحادثة١.
لقد وقع الخلط بين معنى "الرب" و"الإله". هذا ما بينه الشيخ رشيد ﵀ وبين معنى "الإله" الذي تدل عليه ألفاظ القرآن ولغة العرب، فقال مبينا منشأ هذا الخطأ:
" ومنشأ هذا الخطأ هو الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن في اللغة العربية، واستعمالها بلوازم معناها العرفية كلفظ "الإله" فإن معناه في اللغة: المعبود مطلقا لا الخالق ولا المدبر لأمر العالم كله ولا بعضه، ولم يكن
_________________
(١) ١ محمد رشيد رضا: تفسر المنار (٩/١١٢-١١٣) بتصرف.
[ ٤٦٧ ]
أحد من العرب الذين سموا أصنامهم وغيرها من معبوداتهم آلهة يعتقدون أن اللات أو العزى أو هبلًا خلق شيئا من العالم أو يدبر أمرا من أموره، وإنما تدبير أمور العالم يدخل في معنى لفظ الرب، ولذلك يحتج القرآن عليهم في مواضع بأن غير الخالق المدبر لا يصح أن يكون إلهًا يعبد مطلقا وهو معنى قول بعض المحققين إنه يحتج بما يعترفون به من توحيد الربوبية، على ما ينكرونه من توحيد الألوهية فإن الإله في هذه اللغة هو المعبود بالذات أو بالواسطة وإن كان مصنوعًا "١.
فيقرر الشيخ رشيد أن الإله هو المعبود مطلقا، أي بحق أم بغير حق، وكل معبود هو إله- وليس معناه الخالق. ~أو القادر على الاختراع. ويكرر الشيخ رشيد هذا المعنى كثيرا.
فعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ٢.
قال: "الرب هو السيد والمالك والمدبر المربي، والإله هو المعبود، أي: الذي يتوجه إليه الإنسان عند الشعور بالحاجة إلى ما يعجز عنه بكسبه ومساعدة الأسباب له، فيدعوه لكشف الضر أو جلب النفع، ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه وبالنذر له والذبح باسمه أو لأجله، سواء كان الرجاء فيه خاصا به أو مشتركا بينه وبين معبود آخر هو فوقه أو دونه "٣.
وفي هذا النص أيضا يقرر الشيخ رشيد معنى الإله مفرقا بينه وبين معنى الرب، إذ أنه المعبود المتقرب إليه والملتجأ إليه، وحده أو مع غيره. فهذا هو معنى الإله مطلقا.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/١١٢-١١٣) وقارن مع: ابن تيمية: درء التعارض (١/١٧٤)، وابن القيم: مدارج السالكين (٣/١٩)، والمقريزي: تجريد التوحيد (ص:٨)، ومحمد بن عبد الوهاب: كشف الشبهات (ص:٢١٩) ضمن الجامع الفريد. ٢ سورة الأعراف، الآية (٥٤) . ٣ تفسير المنار (٨/٤٤٤-٤٤٥) .
[ ٤٦٨ ]
ويقول في موضع آخر: "ظاهر ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم ﷺ أن قومه كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أربابا ويتخذون الكواكب أربابًا آلهة، فالإله هو المعبود، فكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلهًا فإن العبادة هي التوجه بالدعاء وكل تعظيم قولي أو عملي "١.
وإذا كان ذلك صحيحا فكيف يدخل الشرك في عبادة الله تعالى؟ هذا ما يبينه الشيخ محمد رشيد بقوله: "والأصل في اختراع كل عبادة لغيره تعالى أمران:
أحدهما: أن بعض ضعفاء العقول رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق ووثنية هؤلاء هي الوثنية السافلة.
ثانيهما: اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر وسيلة إلى الرب الإله الحق، تشفع عنده وتقرب إليه "٢.
فبين الشيخ هنا أن دخول الشرك في العبادة من هاتين الجهتين، التعظيم، والواسطة. وأن الأولى هي عبادة بعض المخلوقات نفسها كوثنية: من يعبد الكواكب أو النار لذاتها، وهي وثنية متأخرة سافلة، والثانية: وثنية من يعبدها أو يعبد الأنبياء أو الملائكة لتقربه إلى الله زلفى، وهي وثنية أرقى من تلك، ومثالها وثنية العرب زمن بعثة النبي ﷺ.
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد في معنى "الإله" من أنه "المعبود" هو الصحيح بإجماع أهل العلم. فمن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًاُ من دون الله٣. فتوحيد الألوهية: هو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، كالدعاء والرجاء والخوف والخشية إلخ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٧/٥٦٨) . ٢ تفسير المنار (٧/٥٦٨) . ٣ انظر: المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٥)، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/١٠٣-١٠٤) . ٤ محمد بن عبد الوهاب: المصدر السابق (٢/٦٧-٦٨) .
[ ٤٦٩ ]
فيقوم هذا التوحيد على صرف جميع العبادات لله تعالى والإخلاص له فيها، فتوحيد الله معناه: اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له والتوجه إليه وحده بالعبادة١. يقول الشيخ رشيد: "فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدًا، وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوة الباطلة التي يثيرها الوهم"٢.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ٣ – كما يقول الشيخ رشيد -: " وإلهكم الحق الحقيق بالعبادة إله واحد لا إله مستحق لها إلا هو، فلا تشركوا به أحدًا"٤.
والشرك في الألوهية أو في العبادة -معناه- وكما يقول الشيخ رشيد: "عبادة غير الله تعالى بالدعاء ونحوه "٥.
وفي معنى قوله تعالى: ﴿ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦: قال: "كائنين من دون الله أو: حال كونهم متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة سواء اعتقد المشرك أن هذا المتخذ ينفع ويضر بالاستقلال – وهو نادر – أو اعتقد أنه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه "٧.
ويقرر الشيخ رشيد أن هذا المعنى لتوحيد الألوهية هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٨، فيقول: "فالتوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية هو غاية ما يرتقي إليه عرفان البشر،
_________________
(١) ١ محمد خليل هراس: دعوة التوحيد (ص:١١) . ٢ تفسير المنار (٣/٢٣) . ٣ سورة البقرة، الآية (١٦٣) . ٤ تفسير المنار (٢/٥٥) . ٥ مجلة المنار (١١/٩٤٣) . ٦ سورة المائدة، الآية (١١٦) . ٧ تفسير المنار (٧/٢٦١) . ٨ سورة الذاريات، الآية (٥٦) .
[ ٤٧٠ ]
وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ على القول بأن اللام للغاية، وهو لا يقتضي حصوله لكل فرد منهم "١.
ويبين الشيخ رشيد أهمية هذا التوحيد، وأثره في النفس فيقول: "إن عقيدة التوحيد القرآني هي أعلى المعارف التي ترقي الإنسان إلى أعلى ما خلق مستعدا من الكمال الروحي والعقلي والمدني، وقد صرح كثير من العلماء الإفرنج بأن سهولة فهم هذه العقيدة وموافقتها للعقل والفطرة هما السبب الأكبر لقبول الأمم لها قد كان توحيد المسلمين الأولين لله ومعرفتهم به وحبهم له وتوكلهم عليه هو الذي أزكى أنفسهم وأعلى هممهم وكمّلهم بعزة النفس وشدة البأس وإقامة الحق والعدل، ومكنهم من فتح البلاد وسياسة الأمم "٢.
ولكن –ومع الأسى أيضا – إن وضوح هذه العقيدة وسهولتها قد طمسته فلسفة المتكلمين حتى في معاهد التعليم الكبرى، يقول الشيخ رشيد: "أليس من البلاء أن يكون فساد التعليم الإسلامي قد أفضى بالمسلمين إلى إخفاء عقيدة التوحيد بالإعراض في بيانها عن آيات القرآن النيرة الواضحة إلى اصطلاحات علماء الكلام المعقدة؟ "٣. ويضرب الشيخ رشيد مثالًا على ذلك بتفسير التوحيد بأنه نفي الكموم الخمس: الكم المتصل، والكم المنفصل في صفاته تعالى، والكم المنفصل في أفعاله ثم يقول: "إن هذه الكموم الخمسة فلسفة كلامية ما أنزل الله بها في كتابه من سلطان "٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/١٠٨) وقارن مع ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٦/٤٠-٤١) وانظر: عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:١٩-٢٠) ط. دار الكر، ١٤٠٩هـ، ت: حامد الفقي. ٢ الوحي المحمدي (ص:١٧٤) . ٣ مجلة المنار (٣٣/١٢٤) . ٤ المصدر نفسه والصفحة. والكم هو المقدار، وهو ما قبل القياس. وقال: إنه عرض يقبل لذاته القسمة والمساواة واللامساواة والزيادة النقصان، وهو: إما متصل، وإما منفصل. فالمتصل هو: الذي يوجد لأجزائه بالقوة حد مشترك تتلاقى عنده وتتحدد به كالنقطة للخط، والمنفصل هو: الذي لا يوجد لأجزائه بالقوة ولا بالفعل حد مشترك، كالعدد، فإنك إذا انتقلت من عدد إلى آخر يليه لم تجد بينهما حدًا مشتركًا، بخلاف النقطة في الخط فإنها مشتركة بين قسميه. انظر: جميل صليبا: المعجم الفلسفي (ص:٢٤٠/٢٤١) .
[ ٤٧١ ]
ويدل على أهمية هذا التوحيد أن مسائله أكثر المسائل تكرارًا في القرآن الكريم، وأن ما يذكره الله تعالى فيه من دلائل ربوبيته إنما هو للاستدلال على ألوهيته.
يقول الشيخ رشيد: "لذلك كان أكثر المسائل تكرارًا في القرآن مسألة توحيد الله ﷿ في ألوهيته بعبادته وحده، واعتقاد أن كل ما سواه من الموجودات سواء في كونهم ملكًا وعبيدًا به، لا يملكون من دونه نفعًا ولا ضرًا لأحد ولا لأنفسهم إلا فيما سخره الله من الأسباب المشتركة بين الخلق "١.
ويقرر الشيخ رشيد أن توحيد الألوهية هو الأساس الأعظم للدين فيقول: "ثم ذكر الأساس الأعظم للدين وهو: توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق سبحانه بالعبودية، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٢ وقرن ذلك بالتذكير بآياته الكثيرة الدالة عليه في السماوات والأرض وما بينهما ثم ذكر ما يقابل هذا التوحيد مقابلة التضاد، وهو الشرك باتخاذ الأنداد والاعتماد فيه على تقليد الآباء والأجداد "٣.
ومما يدل على مكانة هذا التوحيد كذلك – أنه أول شيء دعا إليه الرسل جميعًا، فكانت دعوتهم دائمًا تبدأ بقولهم: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤ يقول الشيخ رشيد: "وبدء الدعوة بالأمر بعبادة الله تعالى وحده هو سنة جميع المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) . ٢ سورة البقرة، الآية (١٦٣) . ٣ تفسير المنار (١/١٠٨) . ٤ انظر: سورة هود، الآية (٥٠ و٦١ و٨٤) .
[ ٤٧٢ ]
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق وهو ربهم ومدبر أمورهم، وإنما كان كفرهم الأعظم بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذي هو ركن العبادة الأعظم في وجدان جميع البشر، وبغير الدعاء والاستعانة من العبادات العرفية كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين أو الطواف أو التمسح به لما كانوا كذلك احتج على دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بالتعبير بلفظ "رب" مضافا إليهم فقالوا: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يعني: إذا كان ربكم هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم فيجب أن تعبدوه وحده ولا تشركوا بعبادته أحدًا "٢.
ويقول أيضا: "وأما تكرار توحيد الربوبية –وهو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير، فليس لإقناع المشركين بربوبيته تعالى فقط – بل أكثره لإقامة الحجة على بطلان شرك العبادة "٣.
وما ذهب إليه الشيخ هو الحق، فتوحيد الربوبية هو الذي اتفقت عليه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الألوهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين ولهذا كانت كلمة الإسلام "لا إله إلا الله" فتوحيد الإلهية هو المطلوب من العباد، وأما المشركون فكانوا مقرين بربوبية الله تعالى، لذلك احتج عليهم بها دائما كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ٤.
وعمومًا: فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية بإثباتهم الربوبية٥.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية (٣٦) . ٢ تفسير المنار (١/١٨٤) . ٣ الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) . ٤ سورة النمل، الآية (٥٩-٦٠) . ٥ انظر: المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٨ و٩) .
[ ٤٧٣ ]
المطلب الثاني: العبادة
أولًا: تعريف العبادة:
إذا كان معنى توحيد الألوهية هو: عبادة الله وحده وهو ما قرره الشيخ رشيد موافقا لمنهج السلف١ فما هي العبادة؟
لقد تنوعت أقوال السلف في التعبير والتعريف بالعبادة، ولكن أشمل تعريف لها هو تعريف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذ يقول: "العبادة اسم جامع لما يحبه اله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه إخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة"٢.ويعرف الشيخ رشيد العبادة تعريفًا لغويًا فيقول: "العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود "٣.
فإذا كان معنى العبادة لغة: الخضوع والتذلل٤، فإنها في الشرع يضاف إليها عنصر آخر هو "التعظيم الناشئ عن الشعور بأن للمعظم سلطة
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/٤٤٢) . ٢ العبودية (ص:٣٨) ط. المكتب الإسلامي، الخامسة، ١٣٩٩هـ، وانظر: المقريزي تجريد التوحيد (ص:٢٢)، وعبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:١٤) . ٣ تفسير المنار (١/٥٦) . ٤ انظر: الراغب: المفردات (ص/٥٤٢)، والرازي: مختار الصحاح (ص: ١٧٢) .
[ ٤٧٤ ]
غيبية وأسرارًا معنوية وراء الأسباب الظاهرة "١. والدليل على ذلك: "أنهم لا يطلقون لفظ العبادة على الخضوع والتذلل للملوك والأمراء مهما بولغ فيهما ولا يسمون تذلل العاشق المستهتر لمن يعشقه عبادة وإن غلا فيه أشد الغلو "٢.
وهذه ملاحظة دقيقة من الشيخ رشيد، فإن العبادة شيء زائد عن مجرد الخضوع والتذلل، وأما المعنى الشرعي للعبادة، فيعرفها الشيخ رشيد أكثر من مرة وفي غير مناسبة، فيقول: "إن العبادة هي التوجه بالدعاء وكل تعظيم قولي أو عملي إلى ذي السلطان الأعلى على عالم الأسباب وما هو فوق الأسباب "٣. ويقول في موضع آخر: " وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية أي: ليس له هذا السلطان الذي اعتقده له العابد لا بالذات ولا بالتوسط "٤.
ويفصل الشيخ هذا المعنى أكثر فبقول: " ذلك أن عبادة الشيء عبارة عن اعتقاد أن له سلطة غيبية يترتب عليها الرجاء بنفعه لمن يعبده أم دفع الضرر عنه، والخوف ممن لا يعبده أو لمن يقصر في تعظيمه، سواء كانت هذه السلطة ذاتية لذلك الشيء المعبود، مستقل بالنفع والضرر أو كانت غير ذاتية له، بأن يعتقد أنه واسطة بين من لجأ إليه وبين المعبود الذي له سلطة ذاتية "٥.
وقد ذكرت قبلًا - نقلًا عن الشيخ رشيد - تقسيم الشرك في العبادة من جهتين: التعظيم والواسطة وأن الأول هو ما سماه الوثنية السافلة، ومثلت لها بقوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الكواكب لذاتها، وأن الثاني: هو الوثنية
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٦٢٧٢) . ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ تفسير المنار (٧/٥٦٨) . ٤ تفسير المنار (٣/٢٣) . ٥ مجلة المنار (١٦/٦٧٧) .
[ ٤٧٥ ]
الراقية التي كان عليها العرب زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم١. فهذا تأييد لما هناك.
وعن صور هذه العبادة المجملة ومفرداتها، يقول الشيخ - رحمه الله تعالى - مبينا بعض هذه الصور: "وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافا عظيما، وأعلاها عند المسلمين: الأركان الخمسة والدعاء. وقالوا: كل عمل غير محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة. كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته
والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية والتأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادًا "٢.
ونأخذ من هذا النص أن عند الشيخ رشيد مفهومين للعبادة، أحدهما أوسع من الآخر. فالأول: هو الأركان الخمسة: الشهادة والصلاة والصيام والحج والزكاة والدعاء، وهي عبادات مطلوبة شرعًا، والآخر وهو الأوسع: أنها تشمل كل حركة أو فعل أو قول يقوم به الإنسان ابتغاء وجه الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
ومن هذا النص أيضا يظهر رأي الشيخ في أن صور العبادة التي شرعت لله، إذا صرفت لغيره كانت شركا ولو تغير اسمها٤.
ثانيًا: شرط صحة العبادة:
ولا تقبل العبادة إلا بشرطين مجتمعين، إذا فقد أحدهما أو كلاهما، لم تقبل العبادة، هما: الإخلاص والمتابعة٥.
_________________
(١) ١ انظر: (ص ٤٦٩) من هذا البحث. ٢ تفسير المنار (١! /١٨٩) . ٣ سورة الأنعام، الآية (١٦٢) . ٤ وانظر: المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٢١-٢٣)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٤١١) . ٥ انظر: ابن القيم: إعلام الموقعين (١/٨٣)، ط. دار الكتب الحديثة، مصر. ت: عبد الرحمن الوكيل. ابن رجب: جامع العلوم (ص:١١)، والمقريزي: تجريد التوحيد (ص:٤٢) .
[ ٤٧٦ ]
ولقد قرر الشيخ رشيد ﵀ هذين الشرطين، فقال عن الشرط الأول وهو الإخلاص:
" العبادة الصحيحة لله تعالى لا تتحقق إلا إذا خلصت له وحده فلم تشبها شائبة ما من التوجه إلى غيره كما قال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٢ والآيات في هذا المعنى كثيرة ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ٣ الآية ويدل عليها أيضا قوله ﷺ: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه - وفي رواية - فأنا منه بريء، هو للذي عمل له " ٤.
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ مستدلًا بالكتاب والسنة هو الحق، فكل عمل من الأعمال وطاعة من الطاعات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية لا اعتداد بها ولا التفات إليها.
الشرط الثاني لصحة العبادة: المتابعة للرسول ﷺ. وفي هذا الشرط يقول الشيخ رشيد: "اعلم أيها الأخ المستفهم أن أصول دين الله تعالى وفروعه مبنية على أساسين: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله تعالى. وثانيهما: ألا يعبد إلا بما شرع فعبادات الدين لا تثبت إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وليس لأحد أن يزيد فيها برأيه شيئًا فإن الله تعالى قد أكمل دينه على لسان رسوله بنص الآية المشهورة٥ "٦.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية (١٤) . ٢ سورة البينة، الآية (٥) . ٣ سورة الزمر، الآيتين (٢ و٣) . ٤ مسلم: الصحيح، ك: الزهد، ح: ٤٦ (٢٩٨٥) (٤/٢٢٨٩) . ٥ يعني قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ سورة المائدة، الآية (٣) . ٦ مجلة المنار (٢٣/٤٧٦) .
[ ٤٧٧ ]
وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١ قال الشيخ: "قوله هنا ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أعم من قوله في الآية التي قبلها ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ ٢ فتلك في اتباع القرآن خاصة وهذه تشمل اتباعه ﷺ فيما شرعه من الأحكام من تلقاء نفسه، على القول بأن الله تعالى أعطاه ذلك وأذن له به، واتباعه في اجتهاده واستنباطه من القرآن إذا كان تشريعًا "٣.
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد هنا أيضا هو الصواب، فيجب أن تكون العبادة موافقة لسنة النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (١٥٨) . ٢ سورة الأعراف، الآية (١٥٨) . ٣ تفسير المنار (٩/٣٠٣) . ٤ سورة الحشر، الآية (٧) . ٥ سورة آل عمران، الآية (٣١-٣٢)، وانظر: ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم (ص:٥٦-٥٧)، والمقريزي: تجريد التوحيد (ص:٤٢) .
[ ٤٧٨ ]
المطلب الثالث: بعض أنواع العبادة التي ذكرها رشيد رضا
لقد سبق أن ذكرت تعريف الشيخ رشيد للعبادة، حقيقتها، وصورها، وذكرت أن له مفهومين للعبادة، أحدهما أوسع من الآخر.
وهنا أود أن أقف عند بعض العبادات التي تكلم عنها الشيخ رشيد –﵀- وأبين منهجه فيها، فمنها:
[ ٤٧٨ ]
أولًا: الدعاء:
يقرر الشيخ رشيد أن الدعاء صورة من صور العبادة١، بل هو أعظم مظاهر العبادة٢، وهو العبادة الفطرية الوحيدة، وما سواه فعبادات تشريعية وضعية٣.
لقد عرف الشيخ رشيد الدعاء لغة فقال: "وأصل الدعاء: النداء والطلب مطلقا أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه "٤.
ولكن ليس كل نداء وطلب عبادة، إلا "إذا لوحظ معه تعظيم المدعو واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة أو طلب منه ما لا ينال بالكسب، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى. ولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء " كما يقول الشيخ رشيد –﵀٥.
ويستدل الشيخ رشيد على كون الدعاء عبادة بالكتاب والسنة، فيقول: "وقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة، بل زهاء سبعين مرة بعد سبعين مرة "٦.
وهذه الآيات الكثيرة جاءت على صور مختلفة يبينها الشيخ بقوله: "بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى وحده٧، وبعضها نهي عن دعاء غيره مطلقًا٨، ومنها حجج على بطلان الشرك أو على إثبات التوحيد٩، ومنها أمثال تصور
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/٦٣٢) . ٢ المصدر نفسه (١٢/٣٩٥) . ٣ الوحي المحمدي (ص:١٧١ وص: ٢٣٩-٢٤٠) . ٤ مجلة المنار (٢/٦٣٢) . ٥ المصر نفسه. ٦ الوحي المحمدي (ص:١٧١) . ٧ انظر: مثلًا: سورة الأعراف، الآية (٥٥ و٨٠ و١٣١) . ٨ انظر: سورة يونس، الآية (١٩٧) . ٩ انظر: مثلًا: سورة الأعراف، الآية (١٩٧) .
[ ٤٧٩ ]
كلا منها بالصور اللائقة المؤثرة١، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا يستجاب٢، وأن كل ما يدعى من دونه تعالى فهو عبد له٣، وأن أفضلهم وخيارهم كالملائكة والأنبياء يدعونه هو ويبتغون الوسيلة إليه٤ "٥.
كما أن الشيخ يستدل بالسنة كذلك فيورد بعض الأحاديث التي تدل على أن الدعاء عبادة. فيقول: و"الدعاء هو العبادة" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم٦ والمعنى أنه الركن الأعظم في العبادة على نحو "الحج عرفة" ٧ وفي معنى هذا التفسير حديث أنس عند الترمذي مرفوعًا "الدعاء مخ العبادة" ٨ وإسناده ضعيف يقويه تفسير للصحيح، وقد يفسرونه بالعبادة في جملتها دون أفرادها "٩.
أنواع الدعاء:
يقسم الشيخ رشيد الدعاء إلى قسمين: اضطراري واختياري. فالاضطراري هو ما يكون من الإنسان حال الضرورة وشدة الفزع واشتداد
_________________
(١) ١ انظر: سورة الحج، الآية (٧٣) . ٢ انظر: سورة فاطر، الآية (١٣/١٤) . ٣ انظر: سورة الأعراف، الآية (١٩٤) . ٤ انظر: سورة الإسراء، الآية (٥٦-٥٧) . ٥ الوحي المحمدي (ص: ١٧١) . ٦ رواه أبو داود: الصلاة، باب: الدعاء، ح: ١٤٧٩ (٢/١٦١) والترمذي: التفسير، باب: ومن سورة المؤمن، ح:/ ٣٢٤٧ (٥/٣٧٤) وقال: حسن صحيح، والحاكم في المستدرك (١/٤٩١) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. ٧ رواه الترمذي، ك: التفسير، باب: سورة البقرة، ح: ٢٩٧٥ (٥/٢١٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه: ك: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، ح: ٣٠١٥ (٢/١٠٠٣)، ورواه أبو داود: ك: المناسك، باب: من لم يدرك عرفة، ح: ١٩١٤ (٢/٤٨٥) . ٨ الترمذي: الدعوات، باب:؛ فضل الدعاء، ح: ٣٣٧١ (٥/٤٥٦) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. قلت: وابن لهيعة صحيح الحديث. انظر: أحمد شاكر: شرح الترمذي (١/١٦) حاشية. ٩ تفسير المنار (/٤٥٨) .
[ ٤٨٠ ]
البأس والإشراف على البأس، ويعتبر الشيخ رشيد أن هذا النوع هو مقياس ومعيار الإيمان والاعتقاد بالإله. فيقول: "وهذا الفرع من الدعاء هو ميزان الإيمان ومعيار التوحيد الخالص، وإنما كان الدعاء في حالة الاضطرار معيارًا للإيمان لأن من يعتقد بقوة غيبية وراء الأسباب لغير الله تعالى فهو يلجأ إليها في تلك الحالة بطبعه وينطق لسانه بدعاء صاحبها وندائه، ولا توجد إمارة على الشرك أظهر من هذه الإمارة "١.
ومن هذا يتبين أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك الأولين، لأن الأولين كانوا إذا مسهم الضر والخوف دعوا الله تعالى مخلصين له الدين، وإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى شركهم. فهم لا يشركون في حالة البأس، وإنما يشركون حال الرخاء.
أما المتأخرون فإنهم يدعون الأموات حال البأس وحال الرخاء جميعًا٢.
وأما القسم الثاني من الدعاء فهو الاختياري، فيقول عنه الشيخ رشيد: " فإنه من الأعمال التي تزيد في الإيمان وتمده وتدعمه كسائر العبادات المطلوبة في الدين "٣. وهذا النوع من الدعاء هو الذي يسميه السلف دعاء العبادة٤.
الشرك في الدعاء:
ويقرر الشيخ رشيد أن دعاء غير الله تعالى شرك، وأن المدعو بهذا الدعاء قد اتخذ إلهًا من دون الله.
فيقول: "وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٦/٤٠٨) . انظر: محمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٢٤-٢٦)، وعبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:١٧٥) ٣ مجلة المنار (٦/٤٠٨-٤٠٩) . ٤ عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد.
[ ٤٨١ ]
ليشفع عنده، لأن الحنيف من يدعو الله تعالى وحده، فلا يدعو معه غيره، كما قال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ١ أي لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار، فقد اتخذه إلهًا لأن الإله هو المعبود، والدعاء هو العبادة "٢. ويقول: "وكل من يدعى مثل هذا الدعاء فقد اتخذ معبودًا وإلهًا "٣.
ومن هذا الشرك ما نراه كثيرا من دعاء الأموات والمقبورين، زطلب الحاجات منهم، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولا ريب أن ذلك شرك صريح، يقول الشيخ رشيد مبينا هذه البلوى: " وهل يكابر أحد في دعاء الألوف والملايين من عامتنا للموتى من الصالحين، إلا إذا كان لا يخجل من إنكار المحسوسات، ألا إنهم لا ينكرونه ولكنهم يؤولونه لهم بأنهم لا يقصدون به العبادة وإنما يقصدون التوسل!! ألفلظ يلوكونها ولا يفهمونها. الرسول ﷺ يقول: "الدعاء هو العبادة" ٤ أي هو الفرد الأعظم من أفرادها والركن ال: مل من أركانها، كقوله: "الحج عرفة" ٥ فتجويز دعاء غير الله كتجويز الصلاة لغير الله بدعوى عدم قصد العبادة وتسميتها توسلًا أو ما يشاء أهل التأويل من الأسماء "٦
ولا ريب أن هذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد رأي سديد لا يخالفه فيه أحد من أهل السنة٧.
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآية (١٨) . ٢ تفسير المنار (٨/٤٨٥) . ٣ المصدر نفسه (٨/٤٤٢) . ٤ سبق تخريجه. ٥ سبق تخريجه. ٦ مجلة المنار (١٢/٣٩٥) . ٧ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص:٩٥ وص٢٨٦) ط. الدار العلمية، الهند، والتوسل، له (ص:٢٦٤)، والعبودية، له (ص: ٤) ط. مكتبة المعارف بالرياض، ١٤٠٢هـ، والمقريزي: تجريد التوحيد (ص:٢٢)، وعبد الرحمن حسن: فتح المجيد (ص: ١٧٦) .
[ ٤٨٢ ]
ثانيًا: التوكل:
التوكل عمل كمن أعمال القلب، ليس بقول لسان ولا عمل جوارح. وورد في تعريفه أقوال متعددة١. والحق: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وأول درجاته: معرفة الرب بصفاته. فمن كان بالله وصفاته أعلم كان توكله أصح وأقوى٢.
والتوكل من خصائص الإلهية، فمن توكل على غير الله فقد شبه هذا المتوكل عليه بالله تبارك وتعالى٣.
وقد فرض الله ﷿ هذه العبادة على عباده فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقال: ﴿عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥ وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ٦.
وقد تناول الشيخ رشيد هذه العبارة في تفسيره وبين علاقة التوكل بالأسباب، وبين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
فعند قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٧ وقال: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ولا يتوكلوا على غيره، لأن النصر بيده وهو الموفق لأسبابه "٨ وقال مبينا أن التوكل عمل قلبي: " فالتوكل محله القلب"٩.
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (٢/١١٤-١١٧) . ٢ المصدر نفسه (٢/١١٧) . ٣ المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٢٧)، وعبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:٣٦١) . ٤ سورة المائدة، الآية (٢٣) . ٥ سورة آل عمران، الآية (١٢٢) . ٦ الفرقان: من الآية٥٨. ٧ سورة آل عمران، الآية (١٢٢) . ٨ تفسير المنار (٤/٢٠٧) . ٩ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٤٨٣ ]
وعند قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ١ قال: "أي إليه وحده وكلنا أمرنا مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا وذلك أن من أصول المعرفة بالله ﷿ التي يعرفها جميع رسله أن من توكل على الله كفاه ﴿مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ "٣.
والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، كما يظهر - بادئ الرأي - بل إن التوكل من أقوى الأسباب لحصول المتوكل فيه، كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به٤.
فيربط الشيخ رشيد بين التوكل والأخذ بالأسباب، ولا يرى تعارضا بين الأمرين لأنه كما يقول: "فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح "٥. ويقول الشيخ رشيد: " وإن من شروط التوكل الصحيح في الأمر القيام بكل ما أوجبه الله تعالى فيه من الأحكام الشرعية ومراعاة ما اقتضته حكمته فيه من الأسباب والسنن الكونية والاجتماعية. فمن يترك العمل بالأسباب فهو جاهل مغرور، لا متوكل منصور ولا مأجور "٦.
والأخذ بالأسباب هو هدي القرآن وسنة الأنبياء. وهذا ما يبينه الشيخ رشيد مستدلًا بآيات منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ٧. وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ٨. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٩. وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٨٩) . ٢ سورة الطلاق، الآية (٣) . ٣ تفسير المنار (٩/٧-٨) . ٤ ابن القيم: مدارج السالكين (٢/١١٨) . ٥ تفسير المنار (٤/٢٠٧) . ٦ المصدر نفسه (٩/٨٠) . ٧ سورة النساء، الآية (٧١) . ٨ سورة الأنفال، الآية (٦٠) . ٩ سورة البقرة، الآية (١٩٧) .
[ ٤٨٤ ]
وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ١. قال الشيخ رشيد: "فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه، فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا ينافي بينهما "٢.
ويستدل الشيخ رشيد أيضا بالسنة على وجوب التوكل، وعلى عدم منافاته للأسباب. فيقول: "وأما الأحاديث الشريفة فأصح ما ورد في التوكل منها حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب وقد روي بعدة ألفاظ منها "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ٣ وأنت ترى أنه قرن التوكل بترك الأعمال الوهمية دون غيرهما ويلي هذا الحديث حديث "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا وتروح بطانًا" ٤ وقد استدل به على أن التوكل يكون مع السعي لأنه ذكر أن الطير تذهب صباحا في طلب الرزق وهي خماص البطون لفراغها وترجع ممتلئة البطون، ولم يقل أنها تمكث في أعشاشها وأوكارها فيهبط عليها الرزق من غير أن تسعى إليه وفي الباب حديث الرجل الذي جاء النبي ﷺ وأراد أن يترك ناقته، وفي رواية أنه قال: أأعقلها وأتوكل؟ أم أطلقها وأتوكل؟ فقال النبي ﷺ: "اعقلها وتوكل" ٥ "٦.
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية (٦٧) . ٢ تفسير المنار (٤/٢٠٨) . ٣ البخاري: الصحيح، ك: الطب: باب: من اكتوى ، ح: ٥٧٠٥ (١٠/١٦٥) مع الفتح. ٤ ابن ماجه: ك: الزهد، باب: التوكل واليقين، ح:٤١٤٦ (٢/١٣٩٤) عبد الباقي، وصححه الألباني. ٥ الترمذي: ك: صفة القيامة، باب: ٦٠، ح: ٢٥١٨ (٤/٦٦٨) وقال: "هذا حديث غريب" وفي الباب عن عمرو بن أمية، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (١٠/٢٩١)، وقال: رواه الطبراني بإسنادين وفي أحدهما عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. ٦ تفسير المنار (٤/٢٠٩) .
[ ٤٨٥ ]
وثمرة التوكل على الله تعالى هي الرضا وهي أعظم فوائده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي بعده فقد قام بالعبودية١.
ثالثًا: الحب:
حب الله تعالى هو حقيقة "لا إله إلا الله"٢، ومن محاسن دين الإسلام - أن حب الله تعالى فيه عبادة، يتقرب بها إليه ﷿ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٣.
فأثبتت هذه الآية حب المؤمنين لربهم، وأن من أحب شيئًا من دون الله كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا في المحبة يحبهم كحبه تعالى٤. ولقد بسط الشيخ رشيد القول في المحبة عند تفسير هذه الآية. فبين أن للمحبة أسباب منها: اعتقاد المحب في المحبوب صفات عالية تجذبه إليه، فيحب المؤمنون ربهم لما فيه من صفات الكمال والجلال والجمال كالقوة والقدرة والرحمة الشاملة. يقول: الشيخ رشيد: " فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك"٥.
ويبين أن هذا الحب لا ينبغي إلا لله تعالى، فلا يلجأ إلا إليه فيقول: "ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه.."٦.
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (٢/١٢٢) . ٢ انظر: ابن تيمية: العبودية (ص:٤، ٦) وما بعده وابن القيم: مدارج السالكين (٣/١٨) والمقريزي: تجريد التوحيد (ص:٢٥، ٢٦) . ٣ سورة البقرة، الآية (١٦٥) . ٤ ابن القيم: مدارج السالكين (٣/٢٠) . ٥ تفسير المنار (٣/٦٨) وقارن: المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٨) وانظر: ابن تيمية: العبودية (ص:٦) وما بعدها. ٦ تفير المنار (٢/٦٩) .
[ ٤٨٦ ]
ويبين الشيخ الفرق بين حب المؤمنين لله تعالى وحب المشركين لأندادهم، فحب المؤمنين ثابت كامل لأنه متعلقة هو الكمال المطلق، وأما حب المشركين فموزع مزعزع لا ثبات ولا استقرار.
،أيضا فإن المؤمن الموحد محبوبا واحدا فقلبه مجتمع عليه، وشمله مؤتلف على هذا المحبوب المتصف بصفات الكمال والجلال، وأما المشرك – فيقول الشيخ رشيد عنه: "وللمشرك أنداد متعددون وأرباب متفرقون إذا حزبه أمر أو نزل به ضر لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد أو عمرو، ولا يدري أيهم يسمع ويسمع ويشفع فيشفع، فهو دائما مبلل البال، لا يستقر من القلق على حال "١.
ويشهد لهذا الكلام قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. أي مثل المشرك حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء لمعبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويعاورونه في تحييره وتوزع قلبه بينهم، أما الموحد فهو الخالص لمعبوده فقلبه مجتمع عليه"٣.
ومن أسباب المحبة التي يشير إليها الشيخ رشيد: الإحسان السابق، وأكبر نعمة وأعظم إحسان منّ الله به على الإنسان هي نعمة الدين، والوحي الهادي لأقوم طريق، يقول الشيخ رشيد: "فيجب أن يحب صاحب هذا الإحسان ﷾ حبا لا يشرك به معه أحد "٤.
والمؤمنون يخصون الله تعالى بهذا الحب أيضا، بينما يشرك به المشركون أندادهم فيه، كما أشركوا به في الحب الذي سببه الإحسان
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢/٦٩) . ٢ سورة الزمر، الآية (٢٩) . ٣ انظر: أبو مسعود: إرشاد العقل السليم (٧/٢٥٣) . ٤ تفسير المنار (٢/٧٠) .
[ ٤٨٧ ]
اللاحق١. وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد هو المذهب الحق وعليه أهللعبادة محبة الله، بل إفراده تعالى بالمحبة، فلا يحب معه سواه وإنما يحب ما يحبه لأجله وفيه.."٢.
رابعا: الذبح:
الذبح لله تعالى عبادة، وهو من خصائص الإلهية، فمن ذبح لغير الله تعالى فقد شبهه به وأشرك معه غيره في عبادته٣. ولقد دلت على ذلك نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، فهذه الآية تعبد الله تعالى عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكًا في عبادته ولذلك قال: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ٥.
يقول الشيخ رشيد عند تفسيره لهذه الآية: "والعبادات إنما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تقربًا إليه وتعظيمًا له وطلبا لمثوبته ومرضاته، وكل من يتوجه إليه المصلي أو الذابح بذلك ويقصد به تعظيمه فهو معبود له "٦. ويقول مبينا كيفية تسرب الشرك في هذه العبادة، إلى أهل الكتاب والمسلمين: "وقد كانت الذبائح عند الوثنيين من العبادات يقربونها لآلهتهم ويهلون بها، ثم سرى ذلك إلى بعض أهل الكتاب فخرجوا
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢م٧٠) وقارن: المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٦١-٦٢) وعبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:٣٣٩) وعبد الرحمن بن ناصر السعدي: القول السديد (ص:٩٥) . ٢ المقريزي: تجريد التوحيد (ص:٦١) ولنظر: أيضا: ابن تيمية: العبودية (ص:٦ و٣٥) . ٣ المقريزي: تجريد التوحيد،) ص: (ص:٢٨) . ٤ سورة الأنعام، الآيتان (١٦٢ و١٦٣) . ٥ عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:١٤٨) ( ٦ تفسير المنار (٧/٢٤٣) .
[ ٤٨٨ ]
بقرابينهم مما شرعت له من كفارة يتقرب بها إلى الله وحده فصاروا يهلون بها للأنبياء والصالحين وينذرونها لأولئك القديسين، وذلك كله من عبادة الشرك فمن فعلها من المسلمون١ فله حكم من فعلها من أولئك المشركين"٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٣، قال: "وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أهل لغير الله على ذبيحة فإنه يتقرب إلى من أهل باسمه تقرب عبادة، وذلك من الإشراك "٤.
وقد يتوهم البعض أن النهي عن الذبح لتعظيم معاهد الجاهلية لا يقتضي التحريم للذبح تعظيما لأولياء المسلمين. وجواب هذه الشبهة من وجوه: أحدها: أن ما كان يذبح في الجاهلية أنواع: منها ما يذبح عند الأصنام، ومنها ما يذبح عند النصب، وهي حجارة مجتمعة ليس لها صورة، ومنها ما يذبح بعيدًا عنها. يقول الشيخ رشيد في ذلك: "فعلم من هذه النصوص أن ما ذبح على النصب هو من جنس ما أهل به لغير الله من حيث أنه يذبح بقصد العبادة لغير الله.. خص ما ذبح على النصب بالذكر لإزالة وهم من توهم أنه قد يحل بقصد تعظيم بيت الحرام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وحسبك أنه من خرافات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها "٥.
وبين الشيخ رشيد وجها آخر يرد به على هذه الشبهة فيقول: "الفقهاء أجمعوا على أنه لا يجوز الذبح لغير الله كالأنبياء والكعبة ثانيًا: أن حكمة ذلك تطهير القلوب من التوجه إلى غير الله تعالى "٦. يعني
_________________
(١) ١ كذا والصواب: المسلمين. ٢ تفسير المنار (٨/٢٤٣) . ٣ سورة البقرة، الآية (١٧٣) . ٤ تفسير المنار (٢/٩٨) . ٥ المصدر نفسه (٦/١٤٦) . ٦ مجلة المنار (٨/١٩٣) .
[ ٤٨٩ ]
وذلك موجود في الذبح للأولياء وغيرهم، وهو ينافي هذه الحكمة وهذا الإجماع.
ويستدل الشيخ رشيد رحمه الله تعالى بالأحاديث النبوية على ذلك فمنها حديث "لعن الله من ذبح لغير الله" ١، وحديث ثابت بن الضحاك ﵁ أن رجلًا جاء للنبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: "كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوفِ بنذرك فإن لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢.
وفي هذا الحديث زيادة هي بيان عدم مشروعية الذبح في مكان كان يذبح فيه لغير الله تعالى سدًا لذريعة الشرك٣.
ويعد الشيخ رشيد الذبح باسم الرسول أو الولي داخلا في هذا الشرك فيقول: " وقع كثير من المسلمين فيما كان عليه أولئك الضالون من مشركي العرب وغيرهم حتى الذبح لبعض الصالحين، وتسييب السوائب لهم كعجل البدوي المشهور أمره في أرياف مصر "٤. ويقول أيضا: "وعد منه الأستاذ الإمام ما يجري في الأرياف كثيرا من قولهم عنه الذبح –لا سيما النذور- باسم الله، الله أكبر ياسيد، يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه ومثل ذلك السيد ذكر الرسول أو المسيح إذا لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه "٥.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٨/١٩١) والحديث رواه مسلم: الصحيح: ك: الأضاحي، ح: ٤٣ (١٩٧٨) (٣/١٥٦٧) . ٢ مجلة المنار (٨/١٩١) والحديث رواه أبو داود: ك: الأيمان والنذور، باب: ما يؤمر به من الوفاء بالنذر، ح: ٣٣١٣ (٣/٦٠٧) وصححه الحافظ في التلخيص الحبير (٤/١٨٠) ط. شركة الطباعة، القاهرة، ت: عبد الله اليماني، ١٣٨٤هـ. ٣ انظر: عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص:١٦١) . ٤ تفسير المنار (٨/١٨) . ٥ المصدر نفسه (٣/٩٨) وأيضا (٦/١٣٧) .
[ ٤٩٠ ]
وقد قرن الله تعالى ذكر الصلاة والأمر بها والإخلاص فيها بذكر النسك وهو الذبح واقتصر على ذلك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ﴾ ١ وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢، وجمع بينهما واقتصر عليه والسبب في ذلك –كما يقول الشيخ رشيد-: "هو كونها أعظم مظاهر العبادة التي فشا فيها الشرك فأما الصلاة فروحها الدعاء والتعظيم توجه القلب إلى المعبود، والخوف منه والرجاء فيه؟، وكل ذلك مما يقع فيه الشرك ممن يغلون في تعظيم الصالحين وما يذكر بهم كقبورهم أو صورهم وتماثيلهم وأما الحج والذبائح فالشرك فيهما أظهر إن كون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين لله وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين "٣.
وأما أحسن ما قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى فلا ريب أن الصلاة والذبح لا يكونان في الدين الحق –إلا لله وحده- فلا جرم أن يكون إخلاصهما توحيدا والشرك فيهما هو الشرك.
خامسا: التوسل.
معنى الوسيلة:
تدل الواو السين واللام على الرغبة والطلب٤ والحاجة٥
قال عنترة: إن الرجال لهم إليك وسيلة، أي: حاجة٦.
وقال لبيد: بلى كل ذي دين إلى الله واسل٧، أي: راغب.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٦٢) . ٢ سورة الكوثر، الآية (٢) . ٣ تفسير المنار (٨/٢٤٢-٢٤٣) . ٤ ابن فارس: معجم مقاييس اللغة (٦/١١٠) ت: عبد السلام هارون. ٥ انظر: أبو عبيدة معمر بن المثنى: مجاز القرآن (١/١٦٥) ت: سزكين. ٦ نسب هذا البيت لعنترة: انظر: ديوانه: ضمن أشعار الستة الجاهليين (ص:٣٩٦)، وأبو عبيدة (١/١٦٥) . ٧ البيت للبيد: ديوان لبيد (ص:٢٨) ط. ١٨٨١ واللسان: وسل (٤٨/٧٢٤) .
[ ٤٩١ ]
وتوسل إليه بوسيلة: إذا تقرب إليه بعمل. وتوسّل إليه بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرةٍ تعطفه عليه ١، والجمع: وسائل. قال:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل ٢
والوسيلة: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به ٣. فعيلة من الوسل ٤.
وقد ورد هذا اللفظ: "الوسيلة" في القرآن الكريم في آيتين منه: الأولى: قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥
ومعنى الآية: اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه ٦.
الثانية: قوله تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ ٧.
والمعنى: يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله، أي: يتقرب إليه بالعمل الصالح ٨.
فالوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها هي ما يتقرب به إليه من العبادات، واجبات أو مستحبات ٩.
_________________
(١) ١ ابن منظور: اللسان (٤٨/ ٧٢٤) ٢ لم يعرف قائله. انظر: محمود شاكر: حاشية الطبري (١٠/ ٢٩٠) ٣ ابن الأثير: النهاية (٥/ ١٨٥)، والراغب: وسل (ص: ٨٧١) ٤ انظر: الطبري: التفسير (١٠/ ٢٩٠) ٥ سورة المائدة، الآية (٣٥) ٦ الطبري (١٠/ ٢٩٠) ت: محمود شاكر، والنحاس: معاني القرآن (٢/ ٣٠٣)، والزجاج: معاني القرآن (٢/ ١٧١) ٧ سورة الإسراء، الآية (٧٥) ٨ انظر: الزجاج: معاني القرآن (٣/ ٢٤٦)، وابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٧٩) ٩ ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٧٩) ت: د. ربيع بن هادي.
[ ٤٩٢ ]
وكان الصحابة ﵃ يستخدمون هذا اللفظ بهذا المعنى، كما في قول حذيفة يصف ابن مسعود ﵄: أنه أرقب إلى الله عزوجل وسيلة ١. وفي رواية زلفى ٢، وهما بمعنى واحد.
فالوسيلة إذن هي ما يتقرب به إلى الله تعالى من أنواع العبادات المشروعة، الواجبات والمستحبات، وهذا هو ما دل عليه الكتاب وهو المعروف من لغة العرب ولغة أصحاب النبي ﷺ. ولكن لقد وقع غلط وتعبير في هذا الاستعمال واصطلح فيه على معنى جديد لم يكن معروفًا عند العرب لا قبل الإسلام ولا بعده. فلقد اختصر هذا المعنى الذي دل عليه الكتاب واصطلح على أن يكون بمعنى التوسل بذات النبي ﷺ والقسم به علىالله تعالى، وبغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيهم الصلاح، من الأحياء وحتى من الموتى ٣.
وهذا المعنى الجديد لم يكن معروفًا عند الصحابة ﵃ وإنما كانوا يفهمون من التوسل بالنبي ﷺ التوسل بدعائه وشفاعته ٤.
فقد وقع في هذا اللفظ "التوسل" و"الوسيلة" إجمال واشتباه، نتيجة لهذا الاصطلاح الجديد، ووقع اشتراك في معناه بين ما كانت تفعله الصحابة وتفهمه، وبين ما لم يكونوا يفهمونه منه، ولا يفعلونه من هذا الاصطلاح الحادث ٥.
وبناءً على ذلك قسم التوسل إلى مشروع، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة من الأعمال التي يتوسل بها إلى الله تعالى، وممنوع وهو ما يأذن به الله ولا رسوله مما ابتدع ولم يرد فيه نص.
فالتوسل يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ومعنى ثالث لم ترد
_________________
(١) ١ أحمد: المسند (٥/ ٣٩٥) ٢ المصدر نفسه (٥/ ٣٨٩) ٣ انظر: ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٨٠، ١٥٢، ١٥٨، ١٩٧) ٤ المصدر نفسه (ص: ٨٠، ٢٩٧) وانظر أيضًا (ص: ١١٨) ٥ انظر: ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٧٩ و١٥٢ و٢٩٧)
[ ٤٩٣ ]
به السنة: الأول: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به ﷺ وبطاعته. وهو أصل الدين.
والثاني: دعاؤه وشفاعته كما في قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ١ أي بدعائه وشفاعته ٢.
وأما القسم الثالث: وهو الممنوع، وهو الإقسام على الله تعالى بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم وذواتهم، فلا يدل عليه دليل من الكتاب ولا من السنة. فالقسم على الله تعالى بالمخلوق غير جائز ٣. والسؤال من غير قسم ترده أدلة الكتاب والسنة ٤.
تعريف الشيخ رشيد للوسيلة لغة وشرعًا:
ولقد عُني الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى بمسألة التوسل - كل العناية - وبين وفصّل معانيها المشروعة والممنوعة، وأجاب على شبهات المتوسلين التي تمسكوا بها واستدلوا بمعناها على توسلهم المصطلح عليه.
فعرف الشيخ رشيد الوسيلة في اللغة مستندًا لأقوال أهلها ومحتجًا بشواهد من شعر العرب، وكلام السلف.
فعند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥ قال الشيخ رشيد: "والوسيلة إليه هي ما يتوسل به إليه، أي ما يرجى أن يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه واستحقاق المثوبة في دار كرامته. ولا يعرف ذلك على الوجه الصحيح إلا بتعريفه تعالى، وقد تفضل علينا بهذا التعريف بوحيه إلى رسوله ﷺ " ٦.. ونقل المعنى اللغوي
_________________
(١) ١ البخاري: ك: الاستسقاء، باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء ، ح: ١٠١٠. ٢ ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٨١) ٣ المصدر نفسه (ص: ٨٤، ٢١٢) وما بعدها. ٤ المصدر نفسه (ص: ٢١٢) ٥ سورة المائدة، الآية (٣٥) ٦ تفسير المنار (٦/ ٣٦٩)
[ ٤٩٤ ]
عن المفردات ولسان العرب، بنحو ما نقلت في أول المبحث، وذكر المعاني التي أوردوها ومنها القربة والمنزلة عند الملك والحاجة وأورد ما استدلوا به من الشعر. ثم قال: "وإنما يؤخذ عن أهل اللغة أصل المعنى ويرجح به بعض التفسير بالمأثور على بعض" ١.
وذكر الشيخ معنى آخر للوسيلة، الوارد في حديث الأذان من قوله ﷺ: "فمن سأل الوسيلة حلت عليه الشفاعة" ٢ وقال: "وتفسير النبي ﷺ للوسيلة يؤيده قول نقلة اللغة. أن من معانيها المنزلة عند الملك. فيظهر أن هذه الوسيلة الخاصة هي أعلى منازل الجنة " ٣. ثم بين الفرق بين معنى الوسيلة في القرآن ومعناها في السنة فقال: "فالوسيلة في الحديث اسم لمنزلة في الجنة معينة وفي القرآن اسم لكل ما يتوصل به إلى مرضاة الله من لعم وعمل" ٤.
وربط الشيخ رشيد المعاني التي أوردها علماء اللغة بالمعاني الشرعية التي رويت عن السلف. وبين أنه لا تعارض بين الروايات المروية عن السلف في هذا. فقال معلقًا على قول الشاعر: إن الرجال لهم إليه وسيلة - السابق ـ: " واستدل بالبيت على تفسير الوسيلة بالقربة وإرادة القربة من البيت أظهر من إرادة الحاجة. على أنه لا ينافيه، كما لا ينافيه تفسيرها بالمحبة، فإن طلب الحاجة من الله ومحبة الله مما يتقرب به إليه. وتفسير الوسيلة بما فسرناها به أعم وهو المطابق للغة " ٥.
الانحراف في معنى الوسيلة والتوسل:
وبعد ما بين الشيخ رشيد المعنى الصحيح للوسيلة لغة وشرعًا أشار
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٦/ ٣٧٠)، وانظر: المفردات: للراغب (ص: ٨٧٠)، ولسان العرب لابن منظور (٤٨/ ٧٢٤) ٢ انظر: البخاري: ك: الأذان، باب: الدعاء عند النداء، ح: ٦١٤ (٢/ ١١٢) مع الفتح. ٣ المصدر نفسه (٦/ ٣٧٠) ٤ تفسير المنار (٦/ ٣٧٠) ٥ المصدر نفسه (٦/ ٣٦٩)
[ ٤٩٥ ]
إلى أنه قد وقع في تفسير هذا المعنى بدءًا من القرون الوسطى - وإن لم يحدد لنا متى حدث ذلك بالتحديد - إلا أنه قال: " وقد حدث في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين المتقين، أي: تسميتهم وسائل إلى الله تعالى، والإقسام على الله بهم، وطلب الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو في حال البعد عنها. وشاع وكثر حتى صار كثير من الناس يدعون أصحاب القبور في حاجاتهم مع الله تعالى أو يدعونهم من دون الله تعالى والدعاء هو العبادة " ١.
ويعتبر الشيخ رشيد هذا المعنى إلحاد في أسماء الله تعالى من جهة المعنى، إذ أن الوسيلة هنا - في هذا الاصطلاح - بمعنى الإله؛ إذ معناه المعبود، أو بمعنى الرب المدبر للأمر، ويقول: فهذا إلحاد في معاني أسماء الله تعالى لا في ألفاظها " ٢.
ويبين الشيخ أيضًا انحراف العامة في معنى التوسل فيقول: " المعروف عند عامة أهل عصرنا من معنى التوسل أن يعتمد المرء في قضاء حاجاته من جلب نفع أو دفع ضر أو نجاة في الآخرة من عذاب الله أو فوز بنعيم على أشخاص الأنبياء والصالحين، وسؤالهم ذلك أو سؤال الله تعالى بأشخاصهم أن يعطيه إياه دون العمل بما جاء به الرسل عن الله من علم اعتقادي وعمل صالح وهذا التوسل مخالف لأصول الإسلام وهداية القرآن، وجارٍ على قواعد الوثنية " ٣.
ثانيًا: في بيان الشيخ رشيد للتوسل المشروع:
ويبين الشيخ رشيد التوسل المشروع بقوله: "وإنما التوسل الصحيح هو التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من العلم والعمل الصالح، والتوسل بالصالحين من سلف الأمة باتباع طريقتهم في الورع والتقوى، وتحري العمل
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٦/ ٣٧١) ٢ المصدر نفسه (٩/ ٤٤٨) ٣ مجلة المنار (٢٧/ ٤٢١)
[ ٤٩٦ ]
بالكتاب والسنة " ١.
ويقول في موضع آخر: "وجملة القول أن التوسل هو التقرب، وإنما يتقرب إلى الله بما شرعه على ألسنة رسله لا بأشخاصهم، وباتباع الصالحين في ذلك لا بذواتهم، وأن غير ذل غير مشروع ومنه ما هو شرك بالله كدعاء غيره بما لا يدعى به غيره ومنه ما هو ذريعة للشرك، ومنه ما هو معصية " ٢.
ويعتمد الشيخ رشيد على شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه المعاني المرادة بلفظ التوسل، وما هو صحيح منها وما هو باطل، فينقل عن قاعدة جليلة - والذي طبعه الشيخ مرتين ٣ - نقلًا طويلًا أقتصر منه على قوله: "فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معانٍ:
أحدها: التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياتهن ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه ولا في حياته ولا بعد مماته؛ لا عند قبره ولا عند غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة " ٤.
وننتقل من قول شيخ الإسلام في أدلة وشبهات المجوزين للتوسل الممنوع، إلى عرض الشيخ رشيد لهذه الشبهات وجوابه عليها.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٦/ ٩٠٧) ٢ المصدر نفسه (٢٧/ ٤٢١) ٣ انظر: تفسير المنار (٦/ ٣٧١) وأيضًا: مجلة المنار (١٢/ ٦٢٤) ٤ تفسير المنار (٦/ ٣٧٢) وقارن مع ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٨١) وما بعدها.
[ ٤٩٧ ]
ثالثًا: حجج المتوسلين:
اعتمد أهل التوسل الممنوع على شبهات وروايات إما صحيحة لا تدل على ما ذهبوا إليه، أو تدل عليه ولكنها ضعيفة لا تقوم بها حجة. ومن هذه الأحاديث:
حديث عثمان بن حنيف؛ "أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ن ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ وشفعني فيه. قال: ففعل الرجل، فبرأ" ١. فاستدلوا به على التوسل بالذوات ٢.
وقد أجاب الشيخ رشيد عن هذا الاستدلال بعد أن ذكر مخرجيه، فقال: " والتحقيق أن هذا توسل بدعائه ﷺ لا بشخصه ولا يتأتى مثله لأحد بعد وفاته، فغير مشروع أن يطلب منه ﷺ بعد وفاته دعاء لم يصح عند أحد من الصحابة ذلك، بل صح في حديث توسلهم بالعباس في الاستسقاء ما يدل على امتناع التوسل بمثل ذلك بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، إذ قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ٣ ولو كان التوسل بشخصه ﷺ أو بدعائه بعد موته مشروعًا معروفًا عندهم لما عدلوا عن الاستسقاء به ﷺ إلى الاستسقاء بدعاء العباس ﵁ " ٤.
_________________
(١) ١ أحمد: المسند (٤/ ١٣٨)، والحاكم: المستدرك (١/ ٣١٣)، والترمذي: ك: الدعوات، باب: ١١٩، ح: ٣٥٧٨، وقال: حسن صحيح غريب. ٢ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ١٢٩و ٢٦٢)،وقاعدة جليلة (ص: ١١٥ و٢٥٨) ٣ سبق تخريجه (ص:) من هذا البحث. ٤ مجلة المنار (٣٠/ ١١٠)
[ ٤٩٨ ]
وهذا الجواب جواب صحيح، فالمراد من حديث الأعمى هو المراد في حديث الاستسقاء بالعباس، وهو التوسل بالدعاء، وهو من التوسل الجائز المشروع. قال شيخ الإسلام: " إنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء وقال في آخره: اللهم فشفعه فيّ، فعلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته "١.
ولو كان التوسل بالنبي ﷺ جائزًا بعد موته لما عدل الصحابة عن التوسل به إلى التوسل بمن دونه كالعباس وغيره. فعلم أنهم إنما كانوا يتوسلون بدعاء النبي وشفاعته، ولذلك فإنه يجوز التوسل بدعاء من دون النبي ﷺ من الصحابة ومن بعدهم.
حديث خطيئة آدم:
ومن الحجج التي يرددها أهل التوسل الممنوع، الحديث الموضوع الذي يروى أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة وجرى ما جرى استشفع بالنبي ﷺ إلى الله الحديث ٢.
والحق أن هذا الحديث موضوع ولم يخرج في كتب السنة التي تعتمد الصحيح أو ما يقاربه، وإنما روي وحكم عليه المحدثون بالوضع.
وهذا ما قاله الشيخ رشيد فيه: " منها الحديث الموضوع الذي يتخذه هذا الشيخ ٣ وأمثاله من القبوريين حجة على ما يسمونه التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وسؤال الله تعالى بحقهم عليه وبأشخاصهم وهو ما رواه الحاكم في مستدركه عن عمر ﵁ مرفوعًا أنه "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي،
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص: ٢٦٣) ٢ المصدر نفسه (ص ٤) وما بعدها، وانظر: مجلة المنار (٣٢/ ٣١٢) ٣ يريد أحد المشايخ المجيزين للتوسل وقد أشار إليه السائل.
[ ٤٩٩ ]
قال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" ١.
وقد أطال الشيخ رشيد في الرد على من احتج بهذا الحديث وزعم صحته، بناءً على تصحيح الحاكم له، وإن تعقبه الذهبي وحكم بوضعه. فقال: "قال الدجوي ٢ إن الذهبي في التلخيص لم يزد على قوله: "بل هو موضوع وعبد الرحمن بن زيد واه" وأقول: بل زاد على ذلك أن قال بعده: رواه عبد الله من مسلم الفهري ولا أدري من ذا؟" ٣.
وقال أيضًا: " ذكر الدجوي أهون ما قال أهل الجرح والتعديل في جرح عبد الرحمن بن زيد واحتج به على أن حديثه غير موضوع، وأنه قد يكون صحيحًا إذ قال: معلوم أن الذي يغلب عليه الوهم قد يصح حديثه إلخ، وأقول في تفنيد قوله هذا: إن عبد الرحمن ليست علة ضعفه غلبة الوهم عليه كما زعم، بل أهون ما قالوا فيه أنه واه وضعيف جدًا وأنه لا يعقل ما يروي، وكان الشافعي يهزأ بخرافاته عن أبيه ويجعلها مضرب المثل في الكذب " ٤.
وأيضًا من أوجه الطعن التي ذكرها الشيخ رشيد في سند هذا الحديث قوله: "إن القاضي عياض ٥قد ذكر حديث آدم هذا في الفصل الأول من
_________________
(١) ١ الحاكم: المستدرك ()، وانظر: مجلة المنار (٣٢/ ٣١٠ ـ٣١١) ٢ هو الشيخ يوسف الدجوي، محرر باب الفتوى في مجلة الأزهر "نور الإسلام". ٣ مجلة المنار (٣٢/ ٣١٢) ٤ المصدر نفسه (٣٢/ ٣١٣) ٥ هو: عياض بن موسى اليحصبي، الإمام العلامة شيخ الإسلام، توفي: ٥٤٤هـ. انظر: السير (٢٠/ ٢١٢)
[ ٥٠٠ ]
الجزء الأول من الشفاء ١ حكاية عن أبي محمد المكي ٢ وأبي الليث السمرقندي ٣ وهما من الذين يكثرون من حكاية الموضوعات لم يروه عن أحد من أهل الحديث ولا عزاه إلى كتبهم." ٤.
والطعن في سند هذا الحديث - بحق - هو أحد السبل في الجواب عما ادعاه المتوسلون، وفي الجواب عنه أيضًا أوجه أخرى منها: أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي التي تيب عليه بها كما قال تعالى:
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ ٥ الآية.
وقد قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ﴾ الآية ٦.فأخبر الله تعالى أنه أمرهم بالهبوط بعد هذه الكلمات التي تيب بها عليه، فمن ذكر أو ادعى أن هذه الكلمات غير التي ذكرها الله في القرآن لم يكن معه حجة في خلاف ظاهر القرآن ٧.
ووجه آخر وهو: أن قولهما ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٨ يتضمن الإقرار والاستغفار ومن ندم واستغفر وتاب غفر له وإن كان دون آدم ﵇. فحصل بها المقصود ولم
_________________
(١) ١ انظر: الشفا: الجزء الأول (ص: ١٣٨) وهو في الباب الثالث. ط. مؤسسة الكتب الثقافية، الأولى، ١٩٩٥م. ٢ ٣ الإمام الفقيه المحدث الزاهد: نصر بن محمد بن إبراهيم، توفي ٣٧٥هـ. السير (١٦/ ٣٢٢) ٤ مجلة المنار (٣٢/ ٣١٣) ٥ سورة البقرة، الآية (٣٧) ٦ سورة الأعراف، الآية (٢٣) ٧ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ١٠) ٨ سورة الأعراف، الآية (٢٣)
[ ٥٠١ ]
يحتج لغيرها ١.
حديث آخر وجواب الشيخ رشيد عليه:
ومما احتج به أهل التوسل الممنوع - ولا حجة لهم فيه - الحديث الذي رواه أحمد ٢ وابن ماجه ٣ وفيه: "من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا " الحديث.
وهذا الحديث ضعيف الإسناد ٤ كما أن لفظه ليس فيه حجة على ما ادعوه، فإنه سؤال بحق السائلين، وحقهم على الله تعالى أن يجيب من سأله ودعاه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٥ فهذا حقهم أوجبه الله تعالى على نفسه.
وأما حق المشي إلى الصلاة فهو حق العابدين على الله تعالى أن يثيبهم، فهذا سؤال وتوسل بالعمل الصالح وهو جائز لا ريب، فهو من التوسل المشروع لا الممنوع ٦.
ولقد أجاب الشيخ رشيد عن هذا الحديث نحو ما ذكرته فقال بعد ذكره للفظ الحديث: " وهو من طريق عطية العوفي ٧ وقد ضعفه أ؛ مد والجمهور على أن معنى الدعاء المذكور لو صح لا يدل على توسل بالأشخاص، فإن حق السائلين على الله تعالى أن يستجيب دعاءهم كما وعد بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٨ فكأنه يقول: أسألك بوعدك
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ١٠ـ ١١) ٢ المسند (٣/ ٢١) ٣ ابن ماجه: السنن، ك: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة، ح: ٧٧٨ (١/ ٢٥٦) عبد الباقي، وضعفه الألباني: الضعيفة (ص: ٢٤) ٤ انظر: ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٢١٥) ت: د. ربيع المدخلي. ٥ سورة البقرة، الآية (١٨٦) ٦ انظر: ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٢١٥، ٢٧٧) وما بعدها. ٧ انظر ترجمته في تقريب التهذيب (٢/ ٢٤)، والميزان (٣/ ٧٩ - ٨٠) ٨ سورة غافر، الآية (٦٠)
[ ٥٠٢ ]
الحق أن تستجيب دعائي، وحق الصالحين عليه ١ أن يثيبهم على صلاحهم كما وعد في آيات كثيرة ومنه توسله بممشاه إلى الصلاة بالصفة التي ذكرها فهو توسل بعمل صالح من أعماله لا بشخص عامل آخر" ٢.
وهذا الحديث هو كحديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله تعالى بصالح عملهم بعدما أطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار ٣ فكل توسل بعمل صالح عَمِلَه، وهو جائز لا ريب.
التوسل بجاه النبي ﷺ:
ويحتج المتوسلون بحديث موضع آخر هو "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" ٤ ومع أن جاهه ﷺ أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، إلا أن هذا الحديث كذب وليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث. قال شيخ الإسلام - بعد إثباته وجاهة النبي وقدره ﷺ: " ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه " ٥.
قال الشيخ رشيد: "هذا الحديث موضوع لا أصل له، ولا يمكن أن تجده في شيء من دواوين السنة لا الصحاح ولا السنن ولا المسانيد، ويذكر بلفظ "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة وغيره: هذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث "
_________________
(١) ١ ليس هذا في روايتي أحمد ولا ابن ماجه، وإنما هو لفظ السؤال الموجه إلى الشيخ رشيد فلعله أجاب عنه احتمالًا وردًا لكل وجه. ٢ مجلة المنار (٢٧/ ٤٢٣) ٣ انظر: البخاري، ك: الإجارة، باب: من استأجر أجيرًا فترك أجره، ح: ٢٢٧٢. ٤ لا يوجد هذا الحديث في شيء من كتب السنة. انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ١١ وص: ٤٥) ٥ قاعدة جليلة (ص: ٢٥٤)
[ ٥٠٣ ]
ونقل الشيخ رشيد النص الذي نقلته آنفًا عن شيخ الإسلام ١.
ومثل السؤال بجاه النبي ﷺ السؤال بحقه، فلا حق لأحد على الله تعالى إلا ما كتبه على نفسه، وهذا ما يقرره الشيخ رشيد: فعند قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: " وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون: إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها وشذ بعضهم فقال: إنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة والإنجيل - فكانوا ينصرون وفيه روايات ضعيفة عن ابن عباس ٣ لم يعرج ابن كثير على شيء منها ولعله لأنها على ضعف روايتها ومخالفتها للروايات المعقولة شاذة المعنى بجعل الاستفتاح دعاء بشخص النبي ﷺ وفي بعض الروايات بحقه وهذا غير مشروع ولا حق لأحد على الله فيدعى به " ٤.
ومن الجهود التي بذلها الشيخ رشيد - رحمه الله تعالى - في محاربة التوسل الممنوع، نشر الكتب السلفية التي تتناول هذه المسألة معتمدة على الكتاب والسنة، ولقد سبق أن ذكرت أن الشيخ رشيد طبع كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لشيخ الإسلام مرتين، وطبع أيضًا سنة ١٣٢٤هـ الموافق ١٩٠٦م كتاب "فصل المقال في توسل الجهال" الذي ألفه الشيخ الموحد أبو بكر خوقير الكتبي أحد علماء مكة المكرمة ٥.
وكذلك طبع الشيخ رشيد كتابًا لأحد الطلبة النجديين بالأزهر يرد فيه
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٧/ ٤٢١) ٢ سورة البقرة، الآية (٨٩) ٣ انظر: الدر المنثور () ٤ تفسير المنار (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) ٥ انظر: مجلة المنار (٩/ ٨٢٤)، وللشيخ أبي بكر خوقير جهاد معروف في سبيل دعوة التوحيد، أوذي بسببها وأودع السجن بسبب مؤلفاته التي تنشر دعوة التوحيد وتؤيدها. انظر: مجلة المنار (٣١/ ٢٤٠ و٣٢٠)
[ ٥٠٤ ]
على أحد كبار علماء الأزهر المجيزين للتوسل، واسم الكتاب "البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية" لمؤلفه الشيخ عبد الله بن علي النجدي القصيمي. وطبع سنة ١٣٥٠هـ.
ويتكون من مقدمة وأربعة أبواب، وفي المقدمة تعريف كلمة الوسيلة، وتقسيم التوسل إلى ممنوع ومشروع، وهو أحد عشر نوعًا.
والباب الأول في الرد على ما استدل به المتوسلون التوسل الممنوع من أدلة القرآن. والثاني: في إبطال ما ادعي من أدلة السنة، والثالث: في الأدلة العقلية، والرابع: في أقوال العلماء ١.
وبهذا يكون الشيخ رشيد قد أحسن في بيان توحيد الألوهية عمومًا ووضّح العبادة وحقيقتها ووجوب إخلاصها لله تعالى وحده، ومن أهم مظاهرها الدعاء والتوسل. وقد سلك كل سبيل لنشر هذه الدعوة معتمدًا على كتب السلف لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٣٢/ ٣٠٨) وما بعدها.
[ ٥٠٥ ]
المبحث الثاني: نفي الشرك ومظاهره
تميهد
تمهيد:
الشرك بالله تعالى جامع المساوئ وكلية الرذائل، فهو معصية لا تجدي معها طاعة، ومنقصة لا يجزي عنها كمال، وضعة لا يقوم منها عز وسفه لا ترشد به النفس، ولولا الجهل ما نجم له قرن، ولولا الوهم ما قام له عود.
والباحث في أسباب رقي الأمم وانحطاطها، لن يجد كالتوحيد أطهر للقلوب وأرشد للعقول وأقوم للأخلاق، وأحفظ للحياة وأضمن للسيادة، وأقوى على حمل منار المدنية الطاهرة وتحقيقًا للمدنية الفاضلة.
ولن يجد كالشرك أدل على ظلمة النفوس والقلوب وسفه الأحلام وفساد الأخلاق، ولا شيء كهذه النقائص أذهب للبأس، وأضر بالاتحاد وأضعف للقوة وأذل للشعوب.
ولن أحيلك في المثال على الماضي البعيد أو القريب ولكن أحيلك على الواقع المشاهد، حيث أصاب الأمة ما أصابها، بسبب الشرك وانتشاره، فتداعت عليها الأمم، وأطبقت عليها الظُلَم، ولم يسلم منها إلا الأرض التي خلت من الشرك فعزت، وقامت بالتوحيد فبزت ١.
_________________
(١) ١ عز فبز: أي غلب فسلب. مختار الصحاح (ص: ٢١)، وأشير بذلك إلى جزيرة العرب.
[ ٥٠٦ ]
ولذلك فقد بين الله تعالى لنا في كتابه أن أول ما يدعو إليه الأنبياء والمرسلون هو توحيد الله، وأول ما ينكرونه على قومهم الشرك ومظاهره.
وبيان العلماء لمسائل الشرك آداء للأمانة، ورجاء لصلاح حال المسلمين، وفائدة ذلك للموحدين مخافة أن يدركهم، فهو من النصيحة المفيدة الحميدة، وليس الإرشاد إلى الخير بأولى من التنبيه على الباطل الضار، وبضدها تتبين الأشياء، والضد يظهر حسنة الضد.
ولقد نهى الله ﷾ عن الشرك به في كثير من الآيات كقوله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١ أي: شيئًا من الأشياء أو شيئًا من الإشراك ٢.
وقوله سبحانه:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
فبيان العلماء للشرك ومظاهره، من الميثاق الذي أخذه الله عليهم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ﴾ ٤.
وكان من هؤلاء العلماء الذين بينوا الشرك وخطورته وعرفوا حقيقته وحذروا من مظاهره الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٣٦) ٢ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٥/ ٨٢) ٣ سورة الكهف، الآية (١١٠) ٤ سورة آل عمران، الآية (١٨٧)
[ ٥٠٧ ]
والشرك: كالشريك، والجمع: أشراك وشركاء" ١.
ويطلق أيضًا على النصيب، قال الأزهري: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب، وجمعه: أشراك، كشبر وأشبار" ٢.
وقال الراغب: "الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشيء أو معنى " ٣.
وكما لا تقتضي الشركة لغة تساوي الشركاء في الحصص، لا يقتضي الشرك شرعًا مساواة الشريك في جميع صفاته أو في صفة منها، بل يكون الشرك بإثبات الشريك لله تعالى ولو كان دونه في القدرة والعلم مثلًا ٤.
وشرعًا هو: صرف شيء من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله تعالى ٥.
حقيقة الشرك:
ويبين الشيخ رشيد حقيقة الشرك بأنه: "الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن المعروفة في الخلق بأن يرجى صاحبها ويخشى منه ما يعجز المخلوقات عن مثله، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه " ٦.
ويفرق الشيخ رشيد بين الشرك والتعطيل، أي الإلحاد، فالشرك بالله يكون مع الإيمان به تعالى: أما التعطيل فهو إنكار وجود الإله أصلًا، والنهي عن الشرك يستلزم النهي عن التعطيل بطريق الأولى ٧.
_________________
(١) ١ ابن منظور: لسان العرب (١٠/ ٤٤٨) مادة: شرك. ٢ تهذيب اللغة (١٠/ ١٧) مادة: شرك. ٣ المفردات (ص: ٤٥١) مادة: شرك. ٤ الميلي: الشرك ومظاهره (ص: ٦٤) ٥ انظر: المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٢٧) ٦ تفسير المنار (٥/ ٨٢) ٧ المصدر نفسه والصقحة، وقارن مع المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٢٤ - ٢٥)
[ ٥٠٨ ]
ويبين الشيخ رشيد حقيقة الشرك في موضع آخر فيقول: "حقيقة الشرك في الألوهية وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى، وكل قول أو عمل ينشأ عن ذلك الشعور. والشرك في الربوبية: وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي " ١.
ومن هذا النص نأخذ - مع بيان حقيقة الشرك مطلقًا - تقسيم الشيخ رشيد للشرك إلى قسمين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية. وهو ما أبينه بتوسع في الفقرة التالية.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٥/ ١٤٨) وانظر أيضًا (٥/ ٢٧٧)
[ ٥٠٩ ]
المطلب الأول: تعريف الشرك:
يطلق الشرك في اللغة على المخالطة والمصاحبة، قال في اللسان: "الشِرْكة والشَرِكة سواء مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والشريك: المشارك،
[ ٤٠٧ ]
المطلب الثاني: أقسام الشرك:
لقد بين الشيخ رشيد ﵀ مرات بعد مرات أن الشرك ينقسم إلى قسمين أساسين: شرك في الربوبية وشرك في الألوهية، وأن كلا القسمين وقع فيه الناس. وقد تكرر هذا كثيرًا من الشيخ رشيد كما ذكرت، وأقتصر هنا على ما يدل على ذلك دون استقصاء:
يقول الشيخ رشيد: "والشرك به نوعان: أحدهما يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه. كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم أعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة، لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابه، وهذا مخ العبادة " ٢.
ثم يبين النوع الثاني من أقسام الشرك فيقول:
" وثانيهما: يتعلق بالربوبية وهو: إسناد الخلق والتدبير إلى غيره
_________________
(١) ٢ تفسير المنار (٢/ ٥٥) وقارن مع المقريزي (ص: ١٤) وما بعدها.
[ ٥٠٩ ]
معه، أو أن تأخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم من غيره أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ " ٢.
ويبين الشيخ رشيد أن الشرك في الربوبية كان قليلًا - وإن كان موجودًا - إلا أن الشرك في الألوهية كان هو الكثير الفاشي وعليه سواد الجاهلية ٣.
وذلك على عكس ما يتوهم بعضهم من أن الشرك الذي نعاه الله تعالى في القرآن كثيرًا هو إنكار وجود الله تعالى. أو اعتقاد أن في الكون آلهة يخلقون كما يخلق الله ويرزقون كما يرزق الله تعالى، يقول الشيخ: " إن هذين القسمين من الناس كانوا أقل الكفار والمشركين في كل زمان ومكان " ٤.
وأم شرك العرب فبينه الشيخ رشيد بقوله عنهم: "كانوا يعتقدون - كما يعتقد أكثر البشر - أن مبدع الكون وخاقه واحد، ولكنه لما كان مطلقًا، جعلوا وجهتهم في عبادته بعض مظاهر قدرته الباهرة من خلقه من جماد وحيوان وإنسان، وزعموا أن تلك المظاهر هي الواسطة بين الله وبين عباده في نفعهم وضرهم ويُعلِّل علماؤهم ذلك بأن عامة الناس من الخطاة والمذنبين، لا يليق بخستهم أن يخاطبوا الجناب الإلهي الرفيع بحاجتهم، فلا جرم كانوا في حاجة إلى واسطة بينهم وبينه هذا وإن كان في ظاهره تعظيمًا لله تعالى فقد عده القرآن شركًا وذكر شبهة ذويه في معرض التشنيع والإنكار حيث قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (٣١) ٢ تفسير المنار (٢/ ٥٥) ٣ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٢) ٤ مجلة المنار (٢/ ٢١٣)
[ ٥١٠ ]
إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١ " ٢. ويقول الشيخ رشيد: " فالشرك في العبادة هو الذي كان فاشيًا في الأمم بألوان مختلفة وأسماء متعددة، وصور متنوعة " ٣.
ولا يرى الشيخ رشيد فرقًا بين صور الشرك المختلفة، ما دام أن حقيقة الشرك موجودة، فالصور المختلفة تكون أوجهًا لعملة واحدة، أو بمثابة الأعراض العديدة للمرض الواحد، فيقول: " أما من يتوهم أن عند الله فرقًا بين المشركين باختلاف من أشركوهم معه في الدعاء أو غيره من خصائص الألوهية والربوبية فهو.. جاهل أحمق إذ العبرة بحقيقة الشرك لا بأصناف الشركاء، فلا فرق بين من أشرك به ملكًا أو نبيًا ومن أشرك به كوكبًا أو حجرًا أو شيطانًا " ٤.
ويزيد هذا المعنى وضوحًا فيقول: " والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعًا دينيًا، ويدل عليه الآيات الآتية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ. ..إلخ﴾ ٥ فالمراد إذًا من الند من يُطلب منه ما لايطلب إلا من الله عزوجل، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا من الله تعالى " ٦.. فهذا يشمل الشرك في الألوهية والشرك في الربوبية، ثم يخص الشيخ رشيد شرك الألوهية ببعض بيان فيقول: "وهذا الذي يُلجأ إليه من إنسان مكرم، كالأنبياء والصالحين، أو ملك من الملائكة المقربين، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة، أو صنم أو تمثال - جعل تذكارًا لشيء من هذه - يسمى
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية (٢، ٣) ٢ المصدر نفسه والصفحة، وأيضًا (٢/ ٦٣٠)، وأيضًا التفسير (٢/ ٦٥)، والمجلة (١٠/ ٢٨٥ـ ٢٨٦) ٣ مجلة المنار (٢/ ٦٣٠) ٤ مجلة المنار (١٦/ ٤٣٠) ٥ سورة البقرة، الآية (١٦٦، ١٦٧) ٦ تفسير المنار (٢/ ٦٨)
[ ٥١١ ]
ندًا لله وشريكًا له ووليًا من دونه " ١.
وهذه الأنداد تنقسم إلى قسمين - بحسب اعتقاد الناس فيهم - قسم يتصرف وحده، وقسم إنما هو واسطة وشفيع ٢.
ويقسم الشيخ رشيد الشرك في الألوهية إلى قسمين: أكبر: وهو: "التوجه إلى غيره من عباده المكرمين كالملائكة والرسل والصالحين، وإلى ما وضع للتذكير بهم من الأصنام والقبور وغيرها " ٣. وإلى شرك أصغر: وهو: "الرياء وحب اطلاع الناس على عبادتكم والثناء عليكم بها والتنويه بذكركم فيها " ٤.
ويقودنا هذا البيان من الشيخ إلى معرفة سبب الشرك ومنشئه.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ تفسير المنار (٢/ ٦٨) ٣ المصدر نفسه (٨/ ٣٧٥) ٤ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٥١٢ ]
المطلب الثالث: منشأ الشرك:
نستطيع أن نقول أن الغلو هو سبب كل شرك وبدعة وقع فيهما أهل الأديان جميعًا. فهو الذي أهلك الأمم قبلنا، ومن جهته دخل الشرك في دين التوحيد ٥.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ ٦
_________________
(١) ٥ انظر: ابن تيمية: قاعدة جليلة (ص: ٧٧)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩) ت: ناصر العقل، والرد على البكري (ص: ١٠٤ - ١٠٥)، والجواب الباهر (ص: ١٢)، وابن القيم: إغاثة اللهفان (١/ ١٦٦، ١٣١)، والمقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٢٣)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٥٦)، سليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ٣١٤، ٣٤٥) ٦ سورة المائدة، الآية (٧٧)
[ ٥١٢ ]
وقال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ١.
وهذا النهي عام عن جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ٢.
قال الشيخ رشيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٣: "الغلو الإفراط وتجاوز الحد في الأمر، فإذا كان في الدين فهو تجاوز حد الوحي المنزل إلى ما تهوى الأنفس، كجعل الأنبياء والصالحين أربابًا ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم فوق سنن الله في الأسباب والمسببات الكسبية، واتخاذهم لأجل ذلك آلهة يعبدون فيدعون من دون الله أو مع الله تعالى، سواء أطلق عليهم لقب الرب والإله كما فعلت النصارى أم لا " ٤.
ويقول الشيخ أيضًا مبينًا نتيجة الغلو في الدين: "ومن أهل الأديان من انتهى به الغلو في الدين إلى الخروج منه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٥ ومن هؤلاء الغالين من عظم رؤساء الدين من الأنبياء والصلحاء تعظيم إطراء فزعم أنهم عند الله كالحجاب والوزراء عند السلاطين، يتوسلون إليه بإيذاء من يغاضبهم أو يناصبهم أو يقصر في تعظيمهم وينفع من يتقرب منهم ويتخذهم شفعاء أو نصراء " ٦.
وأول شرك وقع في الأرض كان بسبب الصالحين، كما قال تعالى - حكاية عن قوم نوح - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا
_________________
(١) ١ ابن ماجه: السنن، ك: المناسك، باب: قدر حصى الرمي، ح: ٣٠٢٩، وصححه ابن تيمية على شرط مسلم: الاقتضاء (١/ ٢٨٩) ٢ ابن تيمية: اقتضاء الصراط (١/ ٢٨٩) ٣ سورة المائدة، الآية (٧٧) ٤ تفسير المنار (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩) ٥ سورة المائدة، الآية (٧٧) وسورة النساء، الآية (١٧١) ٦ مجلة المنار (٣/ ٦٦٣)
[ ٥١٣ ]
سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ ١فإن هؤلاء - يغوث ويعوق ونسرًا - كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم، كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم ٢.
ثم إن هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح صارت في العرب بعد ذلك، فكانت ود في كلب بدومة الجندل، وسواع كانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ٣.
قال الشيخ رشيد - بعد نقله لبعض هذه الروايات ـ: "ومعنى قول إبليس وحيه ووسوسته، وكانت العبادة لهم توسلًا بهم واستشفاعًا وتقربًا إلى الله وذبائح تذبح لهم منذورة أو غير منذورة وطوافًا بتماثيلهم ونحو ذلك مما يفعل الآن كثير من أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فإن المسلمين لا يتخذون للأنبياء والصالحين صورًا ولا تماثيل يعظمونها ويطوفون بها ويذبحون عندها وإنما استبدلوا القبور المشيدة وما يضعونه عليها بالتمثيل " ٤.
وقال: "ومنه تعلم أن أصل بلية الشرك الغلو في تعظيم الصالحين وتعظيم ما يذكر بهم أو ينسب إليهم، وقد ينسى المذكر بهم فيعتقد أنه ينفع ويضر بنفسه " ٥.
ومن هذا يتضح أن الشيخ رشيد يرى أنه لا فرق بين من عبد الصور
_________________
(١) ١ سورة نوح، الآيات (٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤) ٢ انظر: الطبري: التفسير (٢٩/ ٩٨ - ٩٩) ط. الباجي الحلبي بمصر. ٣ انظر: البخاري: الصحيح، ك: التفسير، باب: تفسير سورة نوح، ح: ٤٩٢٠ (٨/ ٥٣٥) مع الفتح. ٤ تفسير المنار (٨/ ١٤٦) ٥ مجلة المنار (١٦/ ٤٣١)
[ ٥١٤ ]
والتماثيل، وبين من عبد القبور، لوجود معنى العبادة، وإن لم تسمّ بهذا الاسم، أو أنكر تسميتها بهذا الاسم، يقول الشيخ: " وأما مشركو العرب في زمن البعثة فلم يكونوا يجهلون أن هذا كله يسمى عبادة، لأن اللغة لغتهم ولم يكن لهم عرف ديني مخصص لعموم العبادة اللغوي، ولا باعث على التأويل أو التحريف، فكانوا يصرحون بأنهم يعبدون أصنامهم ويسمونها آلهة لأن الإله هو المعبود وإن لك يكن ربًا خالقًا، ويقولون كما أخبر الله عنهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ ويسمونهم أولياء أيضًا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ الآية، وقد فعل أهل الكتاب ومن اتبع سنتهم من المسلمين مثل ذلك، ولكن سموه توسلًا وأنكروا تسميته عبادة، والتسمية لا تغير الحقائق، وكذلك تعبير المعبودات من البشر والملائكة وما يذكر بها من صورة وتمثال أو قبر أو تابوت فكل تعظيم ديني لهذه الأشياء أو الأشخاص بما ذكر أو غيره مما لم يرد به شرع؛ عبادة لها وإشراك مع الله عزوجل " ٣.
فلا فرق بين معبود ومعبود، والأسماء لا تغير الحقائق، والعبرة بحقيقة العمل، لا باسمه، وقد ورد في السنة ما يشير إلى أن ناسًا سوف يرتكبون الحرام ويغيرون اسمه ٤.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية (١٨) ٢ سورة الزمر، الآية (٣) ٣ تفسير المنار (٨/ ١٤٧) ٤ انظر: البخاري: الصحيح، ك: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، معلقًا، وأبو داود: السنن، ك: الأشربة، باب في الداذي، ح: ٣٦٨٨، وح: ٣٦٨٩، وابن ماجه: السنن، ك: الفتن، باب: العقوبات، ح: ٤٠٢٠.
[ ٥١٥ ]
المطلب الرابع: مفاسد الشرك ومساوئه:
إذا كان التوحيد هو أول الواجبات وأهمها، فإن الشرك هو أكبر المحرمات وأشدها. لذا فإن الشرك ذنب لا يغفر أبدًا، إلا بالتوبة منه،
[ ٥١٥ ]
خلاف جميع الذنوب التي يقترفها العبد ١.
يقول الله تعالى - مبينًا وصاياه لعباده - مبتدئًا بأشدها حرمة وهو الشرك: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ ٢.
قال الشيخ رشيد: "بدأ تعالى هذه الوصايا بأكبر المحرمات وأفظعها وأشدها فسادًا للعقل والفطرة وهو الشرك بالله تعالى سواء كان باتخاذ الأنداد له أو الشفعاء المؤثرين في إرادته وما يذكر بهم من صور وتماثيل وأصنام أو قبور وتقدير الكلام: أول ما أتلوه عليكم في بيان هذه المحرمات وما يقابلها من الواجبات - أو - أول ما وصاكم به تعالى من ذلك هو: أن لا تشركوا بالله شيئًا من الأشياء وإن كانت عظيمة في الخلق كالشمس والقمر والكواكب أو عظيمة في القدر كالملائكة والأنبياء والصالحين " ٣.
ومفاسد الشرك ومخاطره كثيرة، بل إن الشرك كله مفاسد ومخاوف، وأول هذه المفاسد وأخطرها هو تسببه في حبوط عمل المشرك؛ فإنه مفسدة بالغة بحيث لا ينفع معها عمل صالح. يقول الشيخ رشيد: " أما الدليل على الحبوط فآيات صريحة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٤ ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٦ ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ٧ " ٨.
_________________
(١) ١ انظر: عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد (ص: ٧٨)، وانظر أيضًا: المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٢٤) وما بعدها. ٢ سورة الأنعام، الآية (١٥١) ٣ تفسير المنار (٨/ ١٨٤) ٤ سورة الزمر، الآية (٦٥) ٥ سورة الأنعام، الآية (٨٨) ٦ سورة المائدة، الآية (٥) ٧ سورة الكهف، الآية (١٠٥) ٨ مجلة المنار (٣١/ ٥٠)
[ ٥١٦ ]
ويستدل الشيخ رشيد أيضًا بالمعقول على إفساد الشرك لصاحبه وعمله، فيقول: "وأما من جهة المعقول: فهو أن الشرك بالله والكفر بأصول الدين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر يفسد الأنفس البشرية ويدنسها دنسًا لا تؤثر معه الأعمال البدنية في إزالته وتزكية الأنفس منه بل تكون كقليل الماء أو نقط من العطر تلقى في مجتمع القذر " ١.
فلا يكون غريبًا إذًا أن الله تعالى لا يغفر هذا الذنب لأنه مفسدة للنفس البشرية - أي مفسدة - بحيث لا يرجى من صاحبه صلاح البتة، وسيأتي في هذا المعنى مزيد بيان.
ومن مساوئ الشرك كذلك ومفاسده أنه سبب للخوف ومضيعة للأمن - في الدنيا والآخرة - أما في الآخرة فالأمن يكون للموحدين دون المشركين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، والظلم في هذه الآية - وكما يقرر الشيخ رشيد - هو: "الشرك في العقيدة أو العبادة كاتخاذ ولي من دون الله يدعى معه أو من دونه، ولو لأجل التقريب إليه والشفاعة عنده، ويحب كحبه ويعظم من جنس تعظيمه " ٣.
وهذا الخوف يكون في الآخرة كما يقول الشيخ رشيد: "والذي نراه أن الأمن في هذا الكلام يقابل الخوف فيه، وهو الأمن من عذاب الرب المعبود لمن لا يرضى إيمانه وعبادته " ٤.
ومعنى الآية في رأي الشيخ رشيد: "الذين آمنوا بالله تعالى ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك به سبحانه؛ أولئك لهم الأمن دون غيرهم من العقاب الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب، وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء " ٥.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ سورة الأنعام، الآية (٨٢) ٣ تفسير المنار (٧/ ٥٨٠) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه (٧/ ٥٨١)
[ ٥١٧ ]
ولا يقتصر خوف المشرك على العقاب الأخروي، بل إن خوفه - من قبل ذلك - ممتد في حياته الدنيا، وهو أثر سيء - كذلك - بالغ السوء، فإنه يلقي في قلوب المشركين: "الرعب وهو شدة الخوف التي تملأ القلب بسبب إشراكهم بالله أصنامًا ومعبودات لم ينزل بها سلطانًا " ١.
وإنك لن تبذل جهدًا كبيرًا حتى ترى أثر ذلك الخوف في من يشرك بالله تعالى - فإنك - وكما يقول الشيخ رشيد: "ترى أصحاب النزعات الوثنية في خوف دائم مما لا يخيف، لأنهم يعتقدون بثبوت السلطة الغيبية القاهرة لكل ما يظهر لهم من عمل لا يهتدون إلى سببه، ولا يعرفون تأويله، للدجالين والمشعوذين، ويرتعدون من حوادث الطبيعة الغريبة، إذا لاح لهم مذنب تخيلوا أنه منذر يهددهم بالهلاك، وإذا أصابتهم مصيبة بما كسبت أيديهم من الفساد توهموا أنها من تصرف بعض العباد، وتراهم في جزع وهلع من حدوث الحوادث، ونزول الكوارث، لا يصبرون في البأساء والضراء ولا يتقون في الرخاء والسراء " ٢.
فلهذه الأسباب كلها، ولهذه المفاسد التي تجتمع في المشرك - وما هو وفقها - فإن الشرك ذنب لا يغفر كما قلت سابقًا، كما أكد الله تعالى ذلك بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ يقول الشيخ رشيد: " أكد الله للناس أنه لا يغفر لأحد شركه به البتة وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين ما دون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه " ٤.
وأرى أنه لا يعسر عليك الآن أن تدرك السبب في ذلك، وهو الفرق بين أثر الشرك وأثر الذنب دونه - وهو - وكما يقول الشيخ رشيد: "ذلك
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٤/ ١٧٧) ٢ المصدر نفسه (١/ ٤٢٦) ٣ سورة النساء، الآية (٤٨) ٤ تفسير المنار (٥/ ٤٢٠)
[ ٥١٨ ]
بأن الشرك في نفسه هو منتهى فساد الأرواح وسفاهة الأنفس وضلال العقول، فكل حق أو خير يقارنه لا يقوى على إضعاف شروره ومفاسده والمذنب قد يكون في إيمانه وسريرته خالصًا لله عبدًا له وحده، فالعبد المملوك قد يعصي وقد يأبق فلا العصيان والإباق يخرجانه عن كونه عبدًا لسيد واحد، ولسيده أن يعاقبه أو يعفو عنه، ولا يغفر له أن يجعل نفسه عبدًا لغيره لا قنًا ١ ولا مبعضًا ٢ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣ " ٤.
وهذه المفاسد والمساوئ وأكثر منها في الشرك، ومع ذلك، فإنه بعدما طمست آثاره، ومحيت آياته، بدعوة الأنبياء الصادقين، ودعاة التوحيد الصابرين، قد عاد وأطل برأسه من جديد، وها نحن نرى - وكما يقول الشيخ رشيد ـ: " الملايين منهم يدعون المسيح ويوجهون كل عبادتهم إليه وحده تارة، ويذكرون اسم الله مع اسمه تارة أخرى، وتجد الملايين من دونهم يدعون وينادون من دون المسيح من الأولياء، ويعمدون إلى قبورهم أو إلى الصور والتماثيل التي اتخذها قدماء المفتونين بهم تذكارًا لهم ومن الناس من يسمون أنفسهم موحدين، وهم يفعلون مثلما يفعل جميع المشركين، ولكنهم يفسدون في اللغة كما يفسدون في الدين، فلا يسمون أعمالهم هذه عبادة، وقد يسمونها توسلًا وشفاعة " ٥.
ومن هذا المعنى، نتحول إلى المسألة التالية وهي: مظاهر الشرك، التي تناولها الشيخ محمد رشيد في كتاباته
_________________
(١) ١ القن: العبد الذي لا يجوز بيعه ولا اشتراؤه. الجرجاني: التعريفات (ص: ١٥٧) ٢ المبعض: ٣ سورة الزمر، الآية (٢٩) ٤ تفسير المنار (٥/ ٤٢٠ - ٤٢١) ٥ المصدر نفسه (٥/ ٤٢١ - ٤٢٢)
[ ٥١٩ ]
المطلب الخامس: مظاهر الشرك:
وقد تناول الشيخ رشيد ﵀ في كتاباته مظاهر الشرك في القديم والحديث - وقارن بينها، ودعا إلى نبذها، والعودة إلى التوحيد الخاص لأنه أساس الإصلاح ١، وحارب الشيخ الوثنية الحديثة بكل مظاهرها.
ونأخذ من هذه المظاهر التي تكلم عليها الشيخ ما يلي:
أولًا القبور:
تقدم قبل قليل أن أصل الشرك وسببه هو الغلو في الصالحين، وقد رأينا الدليل على ذلك حتى من كتاب الله تعالى، وكيف أنه - كذلك - نهى عن الغلو. ومن هذا الغلو: الاعتكاف على قبور المشهورين بالنبوة أو الصحبة أو الولاية، وشد الرحل إلى زيارتها لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه وتارة يسألون الله عنده، وتارة يصلون ويدعون الله عند قبره ٢.
ولما كان هذا بدء الشرك سد النبي ﷺ هذا الباب، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن تشييد القبور والمبالغة في تعظيمها واتخاذ السرج عليها.
ولكن - وبكل أسى - فقد وقع في الإسلام من ذلك ما وقع وعمت به البلوى، فاتخذت القبور مساجد وقصد أصحابها، واعتقد أنهم ينفعون ويضرون، ويحج إليها. ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينته أو قريته فإنهم بركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه ٣.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ٥٥) ٢ المصدر نفسه. ٣ ومع ذلك فإن بلاد المسلمين - والتي لا تكاد تخلو من هذه البوى - قد وقعت جميعًا طعمة سائغة في أيدي أعدائها - ولم تسلم من ذلك إلا الأرض التي خلت من هذه القبور. انظر: ابن تيمية: الرد على الأخنائي (ص: ٨١) والرد على البكري (ص: ٣٧٦ - ٣٧٧)
[ ٥٢٠ ]
وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله. فمنهم من يقصد قضاء حاجته وإجابة سؤاله. وهو يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم وهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي، وقد ينذر لهم ليرضيهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا ١.
وقد نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد، وتواتر هذا المعنى عنه ﷺ ومن الأحاديث التي وردت في النهي عن ذلك؛ قوله ﷺ:
"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢. وقوله: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ٣.
وقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وغيرها من الأحاديث التي لا تحتمل ولا التشكيك، ومع ذلك فقد وقع في الأمة ما حذر منه النبي ﷺ.
يقول الشيخ رشيد عن القبور مقارنًا بينها وبين أصنام وأوثان الجاهلية: " وقد يظن من أشرك بعض الأولياء مع الله تعالى هذا النوع من الإشراك أن هذا التوبيخ لا يوجه إليهم، وأن هذه الحجة لا تقوم عليهم، لأن أولئك كانوا يدعون جمادًا وشجرًا لا يعقل، وهم يدعون أولياء وصلحاء، لأمواتهم حكم الشهداء في الحياة، وهم يقصدون قبورهم ويعظمونها، لأن لأرواحهم
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الرد على الأخنائي (ص: ٩٠ - ٩١) ٢ البخاري: الصحيح، ك: الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ح: ١٣٣٠ (٣/ ٢٣٨) ٣ مسلم: الصحيح، ك: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، ح: ٥٢٨، (١/ ٣٧٥) ٤ أحمد: المسند، ح:٧٣٥٢ (٢/ ٢٤٦) ط. وقال القاضي أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند (١٣/ ٨٦) ط. دار المعارف بمصر.
[ ٥٢١ ]
اتصالًا بها، وإنما جاءت هذه التفرقة من جهلهم بأن أكثر هذه الأصنام لم تنصب إلا للتذكير بأناس من الأولياء الصالحين كما رواه البخاري عن ابن عباس في أصنام قوم نوح التي انتقلت إلى العرب، وقد كانت اللات صخرة لرجل يلت عليها السويق ويطعمه الناس ١. فالأصنام والتماثيل والقبور التي تعظم تعظيمًا دينيًا لم يأذن به الله كلها سواء في كونها وضعت للتذكير بأناس عرفوا بالصلاح وكانوا هم المقصودين بالدعاء لما تخيلوا فيه من التأثير في إرادة الله، أو التصرف العيني في ملك الله، وهو أفحش الشرك بالله، على أنه لا فرق في المسألة بين إشراك الصنم والوثن، وإشراك الولي أو النبي أو الملك " ٢.
ويقول في هذا المعنى أيضًا - مؤكدًا عليه - ومستدلًا بالكتاب العزيز على أن المشركين كانوا يرمزون بأصنامهم إلى أناس صالحين من الموتى. فيقول:
"إن بعض المشركين - بل الغالب في أفرادهم - يزعم أن جميع الآيات التي جاء فيها تقبيح الشرك وتوبيخ المشركين خاصة بالأصنام بمعنى الجماد، مع أننا لو تتبعنا هذه الآيات التي جاءت بشأن الشرك والمشركين لوجدناها مصرحة بأن المشركين فريقان، فريق يدعو الأصنام المجعولة تماثيل لعباد الله المقربين، وفريق يدعو المقربين غير ناظر إلى التماثيل، فما جاء في تسفيه الفريق الأول قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ ٣ ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٤، وما جاء في التشنيع على الفريق الثاني، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا
_________________
(١) ١ انظر: البخاري: الصحيح، ك: التفسير، باب: أفرأيتم اللات والعزى، ح: ٤٨٥٩ (٨/ ٤٧٨) ٢ تفسير المنار (٩/ ٥٢٦ - ٥٢٧) ٣ سورة الصافات، الآية (٩٥) ٤ سورة الأنبياء، الآية (٥٢)
[ ٥٢٢ ]
لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ فهل يعقل أن الأصنام بمعنى الجماد تتصف بهذه الصفات فمن عنده أدنى مسكة من عقل يدرك أن جميع هذه الصفات لا تنطبق على الأصنام بمعنى الجماد بل لا تنطبق إلا على المقربين من الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين الأولياء" ٤.
ويقرر الشيخ رشيد نهي النبي ﷺ عن تشييد القبور وتشريفها وعن الكتابة عليها وعن إيقاد السرج عليها وعن اتخاذ المساجد عليها وأنه ﷺ لعن من فعل ذلك - وأن الصحابة والتابعين مضوا على هذه السنة فلم يبنوا قبر النبي ولم يصلوا إليه، ولا بنوا قبرًا لأحد من المهاجرين والأنصار ٥. وكل ذلك سدًا لذريعة الشرك، فيقول: " ولما كان أكثر الوثنيين قد فتنوا برجال من صالحيهم حتى اعتقدوا أنهم بعد موتهم ينفعون ويضرون، وكانت هذه الفتنة سرت إلى أهل الكتاب فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله وصاروا يبنون عليهم الكنائس أو ينسبونها إليهم ويتوسلون بهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن الله يقضي حاجاتهم بجاههم، أو أنه أعطاهم قوة قضائها بأنفسهم. نهى النبي ﷺ عن بناء المساجد على القبور وعن عمارة القبور نفسها وعن وضع السرج عليها، بل ونهى عن زيارتها في أول الإسلام، ففعل المسلمون في هذه الأزمنة كل ما نهى عنه ولعن فاعله " ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآيتان (٥ و٦) ٢ سورة الإسراء، الآيتان (٥٦، ٥٧) ٣ سورة النحل، الآيتان (٢٠، ٢١) ٤ مجلة المنار (١٦/ ٤٢٨) ٥ المصدر نفسه (١٠/ ٣١٩) ٦ مجلة المنار (٩/ ١٣٥ - ١٣٦)
[ ٥٢٣ ]
وأورد الشيخ رشيد بعض الأحاديث التي ذكرتها في صدر هذا المبحث، ثم قال: " ومن عجيب أمر المسلمين في التلاعب في دينهم أنك في كثير من بلادهم (كهذا القطر) ١ لا تكاد تجد مسجدًا إلا وفيه قبر لأحد الصالحين وأنت ترى - لا سيما في هذا الشهر - شهر العبادة - الشموع والسرج الغازية تزهر على القبور التي شيدت عليها المساجد والقباب وترى النساء والرجال - حتى بعض العلماء منهم - يطوفون بها ويصلون إليها " ٢. ويعد الشيخ رشيد هذه البدع الستة من الشرك بالله - أو بعضها كذلك - وهي: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، اتخاذها أوثانًا، الطواف بها، استلامها والصلاة إليها ٣.
ولقد انتشرت هذه البلوى في بلاد المسلمين واستقرت حتى صارت سنة والمنكر لها مبتدع منكر للسنة تجب مقاومته. ويقول الشيخ رشيد في هذا: "أم تر إلى ما استحدثه بعض المبتدعة في الإسلام وقلدهم فيه بعض الملوك من المنسوبين إلى السنة: من تشييد القبور، وتزيينها بالعمائم والستور، وبناء القباب فرقها، واتخاذها مساجد يصلى إليها أو لديها، وإيقاد السرج والشموع عليها، أنه قد جعل لها مكانًا وبنية كبيرة في قلوب عامة المسلمين، حتى صارت عندهم من شعائر الدين بحيث يعدون من روى لهم الأحاديث الصحيحة في لعن الله رسوله لمن يفعل ذلك - مبتدعًا فيه أو مارقًا منه ـ، ويبتزونه في بعض البلاد بلقب "وهابي" إذ كانت طائفة من الحنابلة في بلاد العرب سميت الوهابية قد عملوا إلى إزالة هذه المنكرات بأيديهم، لما لم يؤثر في إزالتها إنكار علماء السنة المصلحين لها بألسنتهم وأقلامهم عملًا بقوله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٤ " ٥.
_________________
(١) ١ يعني: مصرًا. ٢ مجلة المنار (٣/ ٧١١ـ ٧١٤) ٣ المصدر نفسه والصفحة ٤ مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان، ح: ٧٨ (١/ ٦٩) ٥ تفسير المنار (٩/ ١٠٩)
[ ٥٢٤ ]
ويدفعنا هذا إلى التساؤل عن حكم هذه القبور وإزالتها وما ينفق عليها وعلى تشييدها من الأموال.
يقول الشيخ رشيد أولًا عن حكم المساجد المبنية على القبور: " ذكر بعض الفقهاء أنه يجب هدم ما بني من المساجد والقباب على قبور كثير من الأئمة آل البيت وأئمة الفقه وغيرهم من الصالحين، وارتكبوا فيها المحظورات الكثيرة التي يعد بعضها من الشرك الصريح وبعضها من البدع والمعاصي ويحتجون بهدم النبي ﷺ لمسجد ضرار " ١.
ويرى الشيخ رشيد أن الإنفاق على مظاهر تعظيم القبور وتشييدها لا يجوز فيقول جوابًا لسؤال ورد إليه: ".. وكذلك لا يجوز الإنفاق منه فيما جرت به العادة من إيقاد الشرج والشموع على قبر الولي والمسجد الذي يبنى عليه لأن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك، ولعن فاعله، وقد عدّ العلماء اللعنة علامة على أن الذنب من الكبائر " ٢. ثم أورد بعض الأحاديث الدالة على ذلك. ثم قال: " أما الأموال التي يلقيها الجاهلون في تلك الصناديق توهمًا أنهم يستميلون بها أصحاب القبور لتقضى حاجاتهم بواسطتهم فهي لا تخرج عن ملكهم، وكان يجب على من حضرهم أن ينهاهم عن وضعها ويبين لهم حكم الله في ذلك ولكن من يحضرونها هم الذين يأكلونها بالباطل ويشركون فيها من يشركون " ٣.
ومما يدل على عدم وجوب العناية بالقبور وتعيينها، وتشييدها أن ذلك لم يكن من شغل السلف الصالح، فلم يكن لهم عناية به، ولو كان ذلك واجبًا أو خيرًا لكانوا أسبق الناس إليه. وفي هذا الصدد يلاحظ الشيخ رشيد ملاحظة هامة فيقول: "يزيد الوقوف بفكرة القارئ عند اختلاف المؤرخين في مكان قبر أبي عبيدة، كاختلافهم في تعيين كثير من قبور جلة الصحابة الكرام.. فكيف غابت قبورهم عن نظر المؤرخين ودرست أجداثهم التي
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ٤٣٣) ٢ مجلة المنار (٨/ ٢١٨) ٣ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٥٢٥ ]
تضم أكابر الصحابة والتابعين، حتى اختلف في تعيين أمكنتها أرباب السير وعفا من أكثرها الأثر والجواب عن هذا: إن الصحابة والتابعين لم يكونوا في عصرهم بأقل تقديرًا لقدر الرجال إلا أنهم كانوا يأنفون من تشييد قبور الأموات وتعظيم الرفات لتحققهم النهي الصريح عن ذلك من صاحب الشريعة الغراء الحنيفية السمحة التي جاءت لاستئصال شأفة الوثنية ومحو آثار التعظيم للرفات أو العكوف على قبور الأموات " ١.
وخلاصة هذا البحث، كما يلخص الشيخ رشيد؛ قائلًا: " لم يرد في الكتاب والسنة التي يحتج بها شيء في زيارة قبور الصالحين خاصة، بل كان النهي عن زيارة القبور في أول الإسلام مقصودًا به إبعاد المسلمين عن مظنة تعظيم قبور الصالحين، ولما أذن النبي بعد ذلك بالزيارة للرجال وعلل ذلك بأنها تذكر بالموت أو بالآخرة، ظل ينهى عن تشريف القبور وبناء المساجد عليها وعن الصلاة بالقرب منها وعن إيقاد السرج عليها وكان يلعن فاعل ذلك فعلم من هذه الأحاديث أن زيارة قبور الصالحين هي مظنة الفتنة وتعظيم ما لم يأذن الله بتعظيمه لا سيما إذا كانت هذه القبور محاطة بالبدع كبناء المساجد عليها وإيقاد الشموع عندها والصلاة بالقرب منها والتمسح بأحجارها ونحاسها والتماس الخير ودفع الشر منها بالاستقلال أو الواسطة، فهذه البدع والمنكرات تجعل زيارة قبور الصالحين دون زيارة سائر القبور التي تقل عندها المنكرات " ٢.
والحق أن مسألة زيارة قبور الصالحين والسفر إليها هي مسألة مستقلة برأسها، وإن كانت مرتبطة بمسألة القبور عمومًا، ونشأ عنها خلاف وجدل كبير بين أهل السنة القائلين بالزيارة الشرعية، والمبتدعة القائلين بالزيارة البدعية الشركية، وهذا هو موضوع المبحث التالي، المشتهر باسم الزيارة، أو "شد الرحال".
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٦/ ٨٠٩) ٢ مجلة المنار (٧/ ٥٩ - ٦٠)
[ ٥٢٦ ]
ثانيًا: شد الرحال:
وأعني بشد الرحال السفر، وهو لازمه، والرحال جمع رحل وهو - للبعير - كالسرج للفرس، ويستوي - إذًا - في هذا المعنى: الرحال والخيل والبغال والحمير والسيارات والطائرات والمشي على الأقدام ١.
ولقد نهى النبي ﷺ عن شد الرحال - أي السفر - إلى غير المساجد الثلاثة - وهي: المسجد الحرام بمكة، ومسجد النبي ﷺ بالمدينة، والسجد الأقصى ٢.
فهذه المساجد شرع السفر إليها لعبادة الله تعالى فيها بالصلاة والقراءة، والذكر والدعاء والاعتكاف، واختص المسجد الحرام بالطواف فلا يطاف بغيره.
وما سوى هذه المساجد لا يقصد السفر إليها، وإن صلى فيها من غير سفر إليها كان ذلك من فضائل الأعمال ٣. فإن سافر من بلد إلى بلد كأن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد، لم هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغييرهم، ومننذر ذلك لم يلزمه الوفاء ٤.
وإذا كان السفر إلى غير الثلاثة - محرمًا - بمقتضى نهي النبي ﷺ فالسفر إلى غير المساجد من الأضرحة والقبور أولى بذلك الحكم ٥.
_________________
(١) وقد كان العرب - في الجاهلية - يحجون إلى اللات - وهو على ما ١ انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/٢٠٩ - ٢١٠) والرازي: مختار الصحاح (ص:١٠٠) مادة رحل. وابن حجر: فتح الباري (٣/٧٧) ٢ انظر: البخاري: الصحيح، ك: فضل الصلاة: باب: فضل الصلاة في مسجد مكةوالمدينة، ح: ١١٨٩ (٣/٧٦ مع الفتح) ومسلم: الصحيح: ك: الحج: باب سفر المرأة..ح:٤١٥ (٢/٩٧٦) ت: عبد الباقي. ٣ ابن تيمية: الجواب الباهر (ص:١٦) ط. السلفية بمصر. ٤ المصدر نفسه (ص:١٧) وابن حجر فتح الباري (٣/٧٩) ٥ انظر: ابن تيمية: الجواب الباهر (ص:٣٣) والرد على الأخنائي (ص:١٩) ط. الهند.
[ ٥٢٧ ]
قيل - رجل صالح كان يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره، وكانت العرب تسمي هذا حجًا ١. فدل ذلك على أن السفر إلى المشاهد المعظمة كقبور الصالحين، والأضرحة التي أقيمت عليها من جنس الحج. والحج المشروع في الإسلام هو الحج إلى المسجد الحرام، والسفر إلى بقعة للعبادة فيها هو إلى المسجدين وما سوى ذلك من الأسفار إلى مكان معظم هو من جنس الحج إليه وهو منهي عنه ٢.
وأول من وضع الأحاديث التي تحض على زيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها بالله تعالى ويكذب عليه وعلى رسوله ﷺ ٣.
وأما زيارة القبور من غير سفر إليها وشد رحال لذلك، فله حكم آخر تجده مفصلًا في موضعه ٤.
وقد وقع خلاف كبير وفتنة بسبب هذه المسألة بين فريقين، الأول: يتمسك بظاهر الأحاديث التي تنهى عن شد الرحال لغيير المساجد الثلاثة، وعلى رأسهم ابن تيمية ﵀، والثاني: الفريق الذي يجيز شد الرحال لقبور الأنبياء والصالحين - ويستدلون بأدلة من السنة - يقول عنها المحققون: إنها ضعيفة وموضوعة، وما صح منها لا يدل على ما يريدون وعلى رأس هؤلاء: التقي السبكي ٥.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الجواب الباهر: (ص:١٩ و٢٩ـ ٣٣٣١) وانظر: (ص:) من هذا البحث ٢ انظر: ابن تيمية: المصدر نفسه (٢٩و ٣١) والرد على الأخنائي (ص٨٨) ط. الهند. ٣ انظر: ابن تيمية: الرد على الخنائي (ص:٤٧) ٤ الجواب الباهر (ص:٢٣و ٤٣ـ ٤٤، ٤٧) والرد على الأخنائي (ص:٢٠) ٥ هو: علي بن عبد الكافي بن علي، تقي الدين، ولد بمصر سنة ٦٨٣هـ ولي القضاء سنة ٧٣٩، توفي سنة ٧٥٦هـ. الدرر الكامنة (٣/ ٦٣ـ ٧١) ط. دار الجيل. وانظر: ابن حجر: فتح الباري (٣/٧٩ـ ٨٠) وأيضًا الدرر الكامنة (١/١٤٩)
[ ٥٢٨ ]
وأصل ذلك فتيا افتى بها شيخ الإسلام ابن تيمية في القاهرة حول هذه المسألة ابان فيها السنة، فقام بالرد عليه بعض قضاتها آنذاك. ثم أجاب عليه شيخ الإسلام بكتابه: "الرد على الإخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية" ١، ثم ألف السبكي كتابًا في ذلك وسماه: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" ٢، أود فيه أدلته على مذهبه، وهي أدلة واهية فقد اعتمد فيه على تصحيح الأحاديث الضعيفة وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وتحريف الكلم عن مواضعه ٣.وأجاب عليه العلامة ابن عبد الهادي ٤.
وقد وقف الشيخ رشيد ﵀ على هذا الخلاف بين ابن تيمية والسبكي - وبين أصله - ورجح رأي شيخ الإسلام، وحذر من كتاب السبكي، وحرض على قراءة كتاب ابن عبد الهادي ٥.
قال الشيخ رشيد عن الخلاف بين ابن تيمية والسبكي:".ز وأصل الخلاف بينهما في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور. فابن تيمية أخذ بظاهر الحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" ٦، وذهب السبكي إلى خلاف ذلك محتجًا بأِياء كثيرة بينها في رسالة مخصوصة.." ٧.
وبين الشيخ رشيد أن بين ابن تيمية والسبكي وضع اتفاق، هو زيارة القبور: " فليس في أصل استحبابها خلاف بين ابن تيمية والسبكي، ولكن الأول ينكر كل بدعة فيها، وكل ملا تشهد له السنة الصحيحة، والسسبكي يبيح بعض ذلك، ولولا ترويج مثله من العلماء المقربين من السلاطين
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الأخنائي (ص:٨) وقد طبع مرتين، فب الهند ومصر. ٢ انظر: ابن عبد الهادي: الصارم المنكي (٦) ط. دار الكتب العلمية ٣ انظر: ابن عبد الهادي: المصدر نفسه، والصفحة. ٤ هو: محمد بن أحمد بن عبد الهادي الفقيه المقرئ المحدث الحافظ النحوي، ولد سنة ٧٠٥هـ وتوفي سنة ٧٤٤هـ، لو عاش لكان آية. الدرر الكامنة (٣/٣٣١ـ ٣٣٥) ٥ مجلة المنار (٤/٥٤١ـ ٥٤٣) ٦ سبق تخريجه. انظر: (ص:) من هذا البحث ٧ مجلة المنار (٤/٥٤٢)
[ ٥٢٩ ]
والحكام للمحدثات التي تفشو بين العوام لما ثبتت بدعة بين المسلمين ١.
ويحذر الشيخ رشيد من كتاب السبكي المشار إليه لاشتماله على الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة، فيقول:" وإن ترك زيارةالقبور بالمرة أهون من الكذب على رسول الله ﷺ لأن الله لا يعذب على ترك الزيارة إذا لم يقل أحد بوجوبها، ولكن الكذب على النبي ﷺ من الكبائر.." ٢.
ويرى الشيخ رشيد أنه - لذلك - وحتى يأمن المرء من خطر قراءة كتاب السبكي لاحتمال وقوعه في عدة أخطار منها خطر الكذب على النبي ﷺ، وخطر الجرأة على المعاصي والبدع في الدين - فعليه - لو أراد الوقوف علة جميع حجج السبكي ومن معه أن يطالع كتاب "الصارم المنكي"، " الذي ألفه العلامة الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي وطبع في هذه الأيام.." ٣.
وإني أختم رأي الشيخ بجواب له على سؤال ورد إليه عن حديث شد الرحال، فأجاب عنه في مجلة المنار، فقال:"..الحديث رواه الجماعة كلهم ٤ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر، ومعناه: أن السفر إلى هذه المساجد الثلاثة مشروع وأنه غير مشروع إلى غيرها، أما سبب ما أثبته من كونه مشروعًا إليها فلما ورد في أحاديث أخرى من فضلها، ومضاعفة ثواب الصلاة فيها ٥، وكذا غيرها من العبادات، وأما
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه والصفحة ٣ المصدر نفسه (٤/٥٤٣) ٤ تقدم تخريجه من الصحيحين (ص:) وأذكر هنا باقي كتب الجماعة، رواه الترمذي: ك: الصلاة باب: في أي المساجد أفضل (٢٤٣) ح:٣٢٦ (٢/١٤٨) وقال الترمذي: حسن صحيح. والنسائي: ك: المساجد: باب: ما تشد إليه الرحال منالمساجد (٢/٣٧) ط. دار الكتب العلمية. وابن ماحه، ك: إقامة الصلاة، باب: ماجء في الصلاة في بيت المقدس، ح: ١٤٠٩ (١/٤٥٢) ت: عبد الباقي. ٥ انظر: البخاري: الصحيح، ك: فضل الصلاة، باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ح: ١١٨٨ (٣/ ٧٦) مع الفتح، ومسلم: الصحيح، ك: الحج، ح:٥٠٥ (١٣٩٤) وما بعده (٢/ ١٠١٢) عبد الباقي، والنسائي: ك: المساجد، باب: فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه، وصححه الألباني (٢/ ٣٤) ط. المكتبة العلمية، بيروت، مع حاشية السندي.
[ ٥٣٠ ]
كونه غير مشروع إلى غيرها فلأن العبادات لا تشرع إلا بنص وقد جاء النص هنا بالمنع، وأما سببه وحكمته فلأن غير الثلاثة من المساجد متساوية في افضل الديني، فالسفر إلى بعضها عبث والذين يسافرون إلى أضرحة الصالحين، سواء كانت في المساجد أم لا، لإقامة الاحتفالات هنالك لهم وبأسمائهم يعتقدون أن أضرحتهم والصلاة لديها أو في المساجد التي بنيت عليها له مزية فضل وثواب، وهذا كذب وافتراء على الله وشرع مالم يأذن به الله، والحق خلافه.. وأما استباحة رخص السفر من تتميم وقصر، فمن اشترط في السفر المبيح لها أن لا يكون لسفر معصية كالشافعية لا يبيحها للمسافرين إلى الموالد المعهودة والزيارات غير المشروعة، والمختار عندنا أن ذلك ليس بشرط.
نعم إن من سافر إلى مسجد آخر لسبب فني أو تاريخي أو علمي لا يدخل عمله في عموم النهي لأنه من المباحات لا من القربات والعبادات، فالعبادة هي التي يشرط فيها ما ذكر، وكذا من يسافر إلى المساجد التي اتخذت مدارس كالأزهر وجامع الزيتونة لأجل طلب العلم، فإن طلب العلم في كل المساجد مشروع " ١.
وما قاله الشيخ رشيد صحيح وموافق للسنة. قال شيخ الإسلام: " تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة، والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب "٢.
ثالثًا: الواسطة:
الواسطة لها معنيان: صحيح، وفاسد. فالصحيح من معنى الواسطة أن الأنبياء ﵈ ومن سوى الأنبياء من مشايخ العلم والدين، واسطة في تبليغ الوحي والرسالة، فالواسطة على هذا المعنى هي التي تبلغ
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٩/ ١٠٥ - ١٠٦) ٢ الجواب الباهر (ص: ١٧ - ١٨) وأيضًا: الرد على الإخنائي (ص: ٢٣٨)
[ ٥٣١ ]
أمر الله تعالى ووحيه إلى خلقه. وأجمع على هذا أهل الملل من المسلمين وغيرهم، فيثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره. والعلماء واسطة بين الرسول وأمته، يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم.
والمعنى الفاسد: أنهم - الأنبياء والعلماء - وسائط بين الله وخلقه في جلب المنافع ودفع المضار، كرزق العباد ونصرهم وهداهم - الهداية التي لا يملكها إلا الله - فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، فمن جعل الملائكة والأنبياء - ومثلهم العلماء والصالحون - وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار فهو كافر بإجماع المسلمين ١. وهؤلاء - الذين اتخذوا هؤلاء الوسطاء - قد شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أندادًا ٢.
فالرسل وسطاء بلاغ لا وسطاء شفاعة. وهذا المعنى هو الذي ذهب إليه الشيخ محمد رشيد ﵀ إذ قرره في غير موضع من كتاباته، فقال:
"مذهب السلف والخلف في الإسلام أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الواسطة بين الله تعالى وبين عباده في تبليغ دينه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٣، وقوله عزوجل: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ٤. وغير ذلك من الآيات الكثيرة الواردة بصيغة النفي والإثبات لكلمة التوحيد وأنه لا واسطة بين الله تعالى وعباده في غير تبليغ دينه، من نحو قضاء حاجة سلبية كالشفاعة للمرضى أو وقوعية كسعة الرزق أو هداية ،
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الواسطة بين الحق والخلق (ص: ١٦، ٢٠، ٢٤، ٢٥) ت: محمد جميل زينو. ٢ المصدر نفسه (ص: ٢٥) ٣ سورة الكهف، من الآية (٥٦) ٤ سورة الشورى، الآية (٤٨)
[ ٥٣٢ ]
والبراهين العقلية القاطعة بأن الله تعالى غني عن المساعدة والوزير والمعين" ١.
فبطلان الواسطة - بمعناها الفاسد - ثابت بالنقل والعقل كما يقول الشيخ. وقال أيضًا: "ولم يدع فرد من الأفراد أو صنف من الأصناف الامتياز في الدين لذاته أو الواسطة بين الله وبين سائر الناس في عرض أعمالهم عليه والتوسل إليه في قبولها.." ٢.
وقال في موضع آخر مبينًا المعنى الصحيح للواسطة ومستدلًا عليه: "الواسطة الصحيحة بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء، وواسطتهم إنما هي في التعليم والإرشاد لا في الخلق والإيجاد، وقد بين الله ذلك في آيات كثيرة جاءت بصيغة الحصر لتكون نصًا قاطعًا لأعناق الأباطيل، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ ٥ "٦.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٧، كما يقول الشيخ: "أي لا أحد أحسن دينًا ممن جعل قلبه سلمًا خالصًا لله وحده لا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، ولا يجعل بينه وبينه حجابًا من الوسطاء والحجاب، بل يكون موحدًا صرفًا " ٨.
والشيخ رشيد في موقفه هذا متأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية - وكما أشرت إلى ذلك وإلى مثله في مواضع متعددة ـ: "ولقد كان الإمام ابن
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٤٦٢) ٢ المصدر نفسه (١/ ٤٠٧) ٣ سورة الكهف، من الآية (٥٦) ٤ سورة الفرقان، الآية (٥٦) ٥ سورة الشورى، الآية (٤٨) ٦ مجلة المنار (٢/ ٢١٤) ٧ سورة النساء، الآية (١٢٥) ٨ تفسير المنار (٥/ ٤٣٨) وانظر أيضًا المجلة (٢/ ٦٣٣)
[ ٥٣٣ ]
تيمية في عصره ناصر السنة وخاذل البدعة والمحيط بعلوم الدين والمحيي اجتهاد المجتهدين وقد انتدب بعض الفضلاء في هذه الأيام لإحياء مؤلفات هذا الإمام، فبدأ بطبع رسالة الواسطة التي تحمي حقيقة التوحيد وتدعو الناس لأن يوجهوا وجوههم في طلب حاجاتهم للذي فطر الأرض والسماوات " ١.
وقرظ الشيخ رشيد رسالة "الواسطة بين الحق والخلق" مع رسالة "رفع الملام" كلاهما لشيخ الإسلام وعلم الأعلام كما يصفه الشيخ رشيد في مجلته، وقال:" وينبغي لكل مسلم بل ولكل محب للعمل أن يطلع عليهما " ٢.
رابعًا: الشفاعة:
لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك تعلقًا بأذيال الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ قطع الله أطماع المشركين فيها، وأبطل حجتهم وتعلقهم بها، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٥، وبين ﷾ أن الشفاعة عنده ليست كشفاعة المخلوقين عند المخلوق، بل إن الشفاعة عنده تعالى لا تكون إلا بإذنه ولمن يرضى الله تعالى شفاعته عنده، وليس ذلك باقتراح البشر وانتخابهم لهؤلاء الشفعاء والمزعومين من الأصنام والأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فقال عزوجل: ﴿مَنْ ذَا
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٢٧٢) وانظر أيضًا (٤/ ٤٦٣) ٢ المصدر نفسه (٣/ ٦٥١) ٣ سورة يونس، الآية (١٩) ٤ سورة الزمر، الآية (٤) ٥ سورة الزمر، الآية (٤٥)
[ ٥٣٤ ]
الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢، وإذا كان الملائكة المقربون إلا بعد إذن الله ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لمن عبدها، فهذه الآية ترد على من عبد الملائكة والأنبياء والصالحين لشفاعة أو غيرها.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ ٣.
وفي هذه الآية قطع اله تعالى كل أسباب الشرك التي قد يتعلق بها المشركون، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن يكون فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده العابد، أو شريكًا، أو معينًا له وظهيرًا، أو شفيعًا عنده تقبل شفاعته، فنفى الله تعالى هذه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا متنقلًا من الأعلى إلى الأدنى فنفى الملك والشركة، والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه ولمن رضي له ذلك ٤.
وقد تكلم الشيخ رشيد عن هذه الشفاعة - باعتبارها من مظاهر الشرك التي وقع فيها المشركون قديمًا وحديثًا - من عدة نواحٍ.
فلقد بين الشيخ رشيد أن الشفاعة هي أصل شبهة المشركين والحجة التي تعلقوا بها في شركهم. فقال بعد أن أورد قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٦ "فهذه الشبهة
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٢٥٥) ٢ سورة النجم، الآية (٢٧) ٣ سورة سبأ، الآية (٢٢ـ ٢٣) ٤ انظر: سليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ٢٨٥) ٥ سورة يونس، الآية (١٩) ٦ سورة الزمر، الآية (٤)
[ ٥٣٥ ]
هي التي فتن بها أكثر البشر، ولم يسلم منها أهل شريعة سماوية خالطوا المشركين وعاشروهم، فقد دخلوا في الشرك من حيث لا يشعرون لأنهم لم يتخذوا معبودات المشركين شفعاء ووسطاء، بل اتخذوا أنبياءهم ورؤساءهم وظنوا أن هذا تعظيم لهم لا ينافي التوحيد وقد اغتروا بظواهر الألفاظ، وجعلوا تسمية الشيء بغير اسمه إخراجًا له عن حقيقته، فهم قد عبدوا غير الله، ولكنهم لم يسموا عملهم عبادة، بل أطلقوا عليه لفظًا آخر كالاستشفاع والتوسل، واتخذوا غير الله إلهًا وربًا، ومنهم من لم يسمه بذلك، بل سموه شفيعًا ووسيلة " ١.
وبين الشيخ رشيد بطلان هذه الشفاعة الوثنية التي كان يثبتها المشركون لأصنامهم، وتبعهم فيها غيرهم، ولكن أثبتوها لأنبيائهم وصلحائهم، فقال: " وأما مسألة الشفاعة التي كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم في الدنيا، وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقديسيهم في الدنيا والآخرة، فقد نفاها القرآن وأبطلها، وأثبت أن الشفاعة لله جميعًا، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢ ومنه: أن الشفاعة الثابتة في الأحاديث غير الشفاعة الوثنية والنصرانية المنفية في القرآن، وقد قرر هذه المسألة في بضع وعشرين آية من السور المكية والمدنية.." ٣.ويؤكد الشيخ رشيد على هذا المعنى فيقول: " الشفاعة الممنوعة هي ما حكاه القرآن العزيز عن المشركين وهي التي بمعنى الشفاعة عند الحكام لقضاء المصالح عند العجز من طرقها وأسبابها، والشفاعة الجائزة خاصة بالآخرة: وهي عبارة عن دعاء الشافع المشفع يأذن به الله ويستجيبه إظهارًا لكرامة عبده الشفيع فالشافع لم يغير شيئًا من
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٢/ ٣٥٣) ٢ سورة الأنبياء، الآية () ٣ الوحي المحمدي (ص: ٢٠١ - ٢٠٢)
[ ٥٣٦ ]
علمه تعالى ولم يؤثر في إرادته ولم يحمله على شيء لم يكن ليفعله لولاه " ١.
ثم يبين الشيخ رشيد - بعد هذا التقرير - أن الشفاعة الواقعة من العامة وغيرهم - هي من جنس الشفاعة المنفية، فيقول: " ومن هذا التقرير يفهم أن ما عليه أكثر العامة من الاستشفاع بالأولياء وأصحاب القبور المعلومين والمجهولين لأجل دفع المكاره وجلب المنافع هو من النوع الأول الذي منعه الدين، ويخل بالاعتقاد الصحيح بالله تعالى " ٢.
ويقول: "وأما الشفاعة الثابتة في الأحاديث فهي غير هذه، ولا تنافي التوحيد وكون الشفاعة لله جميعًا، وسيأتي بيانه " ٣. ثم يبين الشيخ رشيد - كما وعد - هذه الشفاعة الجائزة الثابتة بالشرع فيقول: "وأما العفو وشفاعة النبي ﷺ فهي عبارة عن دعاء يدعو به يوم القيامة فيستجيبه الله تعالى له فالحكمة في الأول - يعني العفو - أن لا ييأس المسرف على نفسه والحكمة في الثاني - يعني الشفاعة - إظهار كرامة للشافعين، على أنهم لا يشفعون إلا بإذنه ولمن ارتضى " ٤.
فهذه حقيقة الشفاعة الثانية، فالشفعاء لا يؤثرون في إرادته تعالى فيحملونه على العفو عن المشفوع لهم، وإنما هي إظهار كرامة وجاه لهم عنده لا إحداث تأثير للحادث في صفات الله ٥.
وكذلك فإن الشفاعة الثابتة لا تنفع إلا الموحدين، كما يقول الشيخ رشيد: " وإن الشفاعة لا تنال أحدًا يشرك بالله تعالى شيئًا" ٦.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٤٩٨ - ٤٩٩) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ تفسير المنار (١/ ١٢١) ٤ مجلة المنار (٢/ ٣٦ - ٣٧) ٥ تفسير المنار (٨/ ١٣) ٦ المصدر نفسه (٧/ ٢٧٣)
[ ٥٣٧ ]
فتبين لنا من هذه النصوص كلها أن الشيخ رشيد ينفي الشفاعة الشركية، مع إثباته للشفاعة الحاصلة في الآخرة - بإذن الله تعالى - وهو الصحيح ١.
خامسًا: الاستغاثة والاستعانة:
الاستغاثة والاستعانة بمعنى واحد ٢، فيقال: استغاثه واستغاث به، كما يقال إنه استعانه واستعان به ٣. واستعمال هذين اللفظين في الكتاب والسنة بمعنى الطلب من المستغاث به. وقول القائل:: استغثت فلانًا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة ٤. والاستغاثة بالخالق لا خلاف فيها، فقد قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٥ وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٦. قال الشيخ رشيد: " وأمرنا أن لا نستعين بغيره أيضًا لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به وذلك من مخ العبادة " ٧.
والاستغاثة بالله تعالى هي من مظاهر توحيد العبد، أما الاستغاثة التي هي من مظاهر الشرك، فهي الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، حيًا أو ميتًا.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: الواسطة (ص: ٢٨) وما بعدها، وقاعدة جليلة (ص: ١٧ - ١٨، ١٠٠ - ١٠١ و٢٦٦)، والرد على البكري (ص: ٥٩)، وابن القيم: إغاثة اللهفان (١/ ٦١ - ٦٢)، وسليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ٢٧٣ - ٢٩٧)، والسهسواني: صيانة الإنسان (ص: ٣٤٦ - ٣٥٩) ٢ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ٢٦١)، وابن الأثير: النهاية (٣/ ٣٩٢)، والسهسواني: صيانة الإنسان (ص: ١٥٣) ٣ ابن تيمية: المصدر نفسه والصفحة. ٤ المصدر نفسه (ص: ٨٢) ٥ سورة الأنفال، من الآية (٩) ٦ سورة الفاتحة، الآية (٥) ٧ تفسير المنار (١/ ٥٨ - ٥٩)
[ ٥٣٨ ]
فالاستعانة بالمخلوق على وجهين:
أحدهما: أن يستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر أو يدفع عنه صائلًا أو لصًا أو نحو ذلك، وهذا لا خرف في جوازه.
والاستغاثة بالأنبياء في المحشر من هذا النوع.
الثاني: أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق إنه غير جائز ١.
وللأسف فإن النوع الثاني هو الذي ذاع وانتشر، حتى بات ظاهرة تسترعي انتباه الكثيرين، ويذكر الشيخ رشيد ذيوع ظاهرة الاستغاثة وأمثلة لها، منها أن رجلًا كان يراه دائمًا، لا يزال لسانه رطبًا - ليس من ذكر الله تعالى - بل من ذكر السيدة، يقول: "يا سيدة يا سيدة يا سيدة" ٢.
لذلك فإن الشيخ رشيد قام بكل ما يستطيع لمواجهة هذه الظاهرة الشركية المنتشرة.
فقد بين الشيخ رشيد معنى الاستعانة وحكمها وأقسامها وحكم كل قسم منها، وبين بطلان الاستعانة الشركية.
ففي الاستعانة يقول: " والاستعانة طلب المعونة، وهي: إزالة العجز والمساعدة على إتمام عمل " ٣.
وبين الشيخ رشيد قسمي الاستعانة بالمخلوق فقال:
"الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق قسمان: (أحدهما): ما يكون بين الناس من طلب التعاون والمساعدة في الأمور الكسبية كاستغاثة من أشرف
_________________
(١) ١ السهسواني (ص: ٢٢٣) وأيضًا: سليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ٢٣٤) ٢ انظر: مجلة المنار (٧/ ٣١٩) ويريد "بالسيدة": السيدة زينب بنت الإمام علي، وفاطمة بنت محمد رضي الله تعالى عنها، ولها مسجد باسمها في القاهرة. انظر: الذهبي: السير (٢/ ١٢٢) ٣ تفسير المنار (١/ ٥٨)
[ ٥٣٩ ]
على الغرق أو تردى في بئر أو حفرة بمن ينقذه مثلًا و(ثانيهما): ما يكون فيما وراء الأسباب التي هي من كسب الناس مما يخالف سنن الله في خلقه كالاستغاثة بالموتى والاستعانة بهم وبالأحياء فيما ليس من مقدورهم وكسبهم كإنزال المطر وشفاء المرضى - بغير تداوٍ - فهذاا لقسم خاص بالله تعالى لا يطلب من غيره وهو المراد بقوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناه: نستعينك وحدك ولا نستعين غيرك، كما أن معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: نعبدك ولا نعبد غيرك - فاستعانة غير الله بهذا المعنى كفر وشرك كعبادة غيره والاستغاثة في هذا الباب مثل الاستعانة بل أخص منها لأنها عبارة عن الضراعة في الدعاء عند شدة الضيق " ١.
ويستدل الشيخ رشيد على بطلان الاستعانة الشركية بالموتى بالعقل والنقل، فيقول: " ولا شك أن الاستعانة بالأموات على قضاء الحوائج ليس من الأسباب التي سنها الله تعالى لذلك. ولم يقل أحد من أئمة الدين ولا من العقلاء بسببيته. أما نبذ العقل له فظاهر. وأما رفض الشرع له فيدل عليه الكتب والسنة، وسيرة السلف الصالح، وأكتفي الآن من الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهو نص صريح في أنه لا يستعان إلا بالله تعالى، ومن السنة بخبر: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" ٢. وأما سيرة السلف الصالح فلم ينقل عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يأتون قبر النبي ﷺ ويقبلون عتبة الحجرة، ويقولون: يا رسول الله أهلك فلانًا عدوي وانتقم من فلان ظالمي، وأهلك الدود من زرعي، واشف داء قريبي وقرِّب وصال حبيبي، كما نراه ونسمعه من جهة العوام عند قبر السيد البدوي وقبر الإمام الحسين - رضي الله تعالى عنهما - " ٣.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٥/ ٦٦٢) ٢ رواه الترمذي: ك: صفةالقيامة، باب: ٥٩، ح: ٢٥١٦ (٤/ ٦٦٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٣ مجلة المنار (١/ ٧٧) والحسين هو ابن علي ﵄ وقد جرىالسلف على الترضي على أصحاب النبي (دون من عبدهم، فلا ينبغي التسوية بين صاحب النبي (وابنه، وبين غيره، والسيد البدوي، لم أجد له ترجمة.
[ ٥٤٠ ]
وهذا الاستدلال من الشيخ رشيد استدلال صحيح، يقول شيخ الإسلام: "والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيًا أو وليًا ليس مشروعًا ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعًا حسنًا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك" ١.
واستدل المجوزون للتوسل بأدلة، ظنوا أن فيها سندًا لما ذهبوا إليه، منها أحاديث باطلة، كحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" ٢، قال الشيخ رشيد جوابًا على هذا الحديث: " الحديث لا أصل له ولم يروه المحدثون وإذا فرضنا أن الحديث صح وكان معناه ما ذكرتم ٣ فإننا نرجح عليه ما يعارضه مما هو أقوى منه، كحديث الطبراني مرفوعًا: "إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" ٤ وحديث ابن عباس مرفوعًا: "وإذا استعنت فاستعن بالله" ٥ بل عندنا القطعي، كقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٦ " ٧.
ويتأول الشيخ رشيد رضا هذا الحديث على فرض صحته، على أن المراد منه زيارة القبور الزيارة الشرعية التي أباحها الشرع للاعتبار، فهو كحديث أنس عند البيهقي: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فشكا إليه قسوة القلب، فقال: اطلع في القبور واعتبر في النشور" ٨، فلو صح هذان
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص: ٢٩) ٢ هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم، وليس في شيء من كتب السنة، انظر: ابن تيمية: التوسل (ص:٢٩٧)،وحاشية د. ربيع المدخلي: نفس الصقحة. ٣ يعني من الاستعانة بأصحاب القبور. ٤ قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث. مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩)، وصحح حديث ابن لهيعة عدد من العلماء. انظر: أحمد شاكر: شرح الترمذي (١/ ١٦)، وانظر أيضًا كلامًا لابن تيمية حول الحديث وابن لهيعة؛ الرد على البكري (ص: ١٥٢) وما بعدها. ٥ سبق تخريجه. ٦ سورة الفاتحة، الآية (٥) ٧ مجلة المنار (٧/ ٩٣٦) ٨ الحديث أورده السيوطي في جامع الجوامع، عن أنس (١٩/ ١٠٦٠) وهو في الجامع الصغير برقم (١١١٦) ورمز له بالضعف وقال الألباني: موضوع. الضعيفة (٢٧٩٩)، وأورده الذهبي في الميزان في ترجمة محمد بن يونس الكريمي وعدّه من مناكيره. انظر: الميزان ()
[ ٥٤١ ]
الحديثان - كما يقول الشيخ رشيد - لكانا بمعنى واحد ١.
ومما يحتج به هؤلاء المجوزين للاستعانة الشركية بالأموات، قياس الحي على الميت، فكما تطلب المعونة من الحي فإنها تطلب من الميت. ويجيب الشيخ رشيد على هذا القياس بقوله: " ومن أعظم مزاعم صاحب المقدمة وأفسد قياساته المساواة بين طلب المعونة من الأحياء وطلبها من الأموات، فإذا كان لا يفرق بين الحي والميت وقد فرق بينهما الشرع والعقل، أفلا يجب عليه التفريق بين ما يطلب من الأحياء من التعاون وبين ما يطلب من الأموات ويطلبون من الأموات ما لا تناله يد الكاسب كجلب المصالح أو درء المفاسد من غير أسبابها التي قرنها الله تعالى بها " ٢.
والحق ان كل ما يحتج به أصحاب البدع سواء في التوسل أو الاستغاثة أو الشفاعة أو الزيارة إما أحاديث صحيحة لا تدل على ما ذهبوا إليه أو أحاديث تدل عليه ولكنها باطلة لا يحتج بها، أو على قياس فاسد كقياس الخالق على المخلوق، أو قياس الحي على الميت ٣.
سادسًا: السحر:
عرف الشيخ رشيد السحر لغةً واصطلاحًا وبين أنواعه وحكمه، فأما تعريفة لغة فقد اعتمد فيه على الراغب في المفردات فقال: "السحر: - وأشار إلى أن فيه ثلاث لغات بأوزان: فِلس، وسبب وقُفل - طرف الحلقوم والرئة، وقيل: انتفخ سحره والسحارة - بالضم - ما ينزع من السحر عند
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٩٣٦ - ٩٣٧) ٢ مجلة المنار (٤/ ٣١٨)، وانظر أيضًا (٤/ ٣٥٣ - ٣٧) ٣ انظر: ابن تيمية: الرد على البكري (ص: ٩، وص: ١١، ١٩)، وابن عبد الهادي: الصارم المنكي (ص: ٣٥)
[ ٥٤٢ ]
الذبح فيرمى به.. وقيل: منه اشتق: السحر، وهو إصابة السحر " ١.
وعرفه أيضًا في الاصطلاح فقال: "والمعنى الجامع للسحر أنه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها، فمتى عرف سبب شيء منها بطل إطلاق اسم السحر عليه.." ٢. وأشار الشيخ رشيد إلى أن السحر صناعة تتلقى بالتعليم والتمرين فيمكن لكل أحد أن يكون ساحرًا إذا أتيح له من يعلمه السحر ٣.
ويبين الشيخ رشيد أن السحر ثلاثة أنواع: " أحدها: ما يعمل بالأسباب الطبيعية من خوص المادة المعروفة للعامل، المجهولة عند من يسحرهم بها، ومنها الزئبق الذي قيل: إن سحرة فرعون وضعوه في حبالهم وعصيهم ٤ النوع الثاني: الشعوذة، التي مدار البراعة فيها على خفة اليدين في إخفاء بعض الأشياء وإظهار، وآراءه بعضها بغير صورتها النوع الثالث: ما مداره على تأثير الأنفس ذوات الإرادة القوية في الأنفس الضعيفة فإن الأمزجة العصبية القابلة للأوهام..ز وهذا النوع هو الذي قيل: إن أصحبه يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين ومنهم من يكتبون الأوفاق ٥ والطلسمات ٦ للحب والبغض وغير ذلك.." ٧.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٧) وانظر: الراغب: المفردات (ص: ٤٠٠) ط. دار القلم. ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٥) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ انظر: ابن كثير: التفسير (١/١٣٩) ٥ الأوفاق: جمع وفق: والوفاق: الموافقة والتوافق، الاتفاق، ووافقه أي صادفه، واستوفق الله: أي طلب منه التوفيق. مختار الصحاح (ص: ٣٠٤) مادة: وفق. وهي أشياء من السحر تكتب للحب والبغض وغير ذلك. رشيد رضا: تفسير المنار (٩/ ٤٦) وهي ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص مربع ولها كتب معروفة من شرح كيفية وضع وترتيب هذه الأعداد. انظر: القرافي: الفروق (٤/ ١٤٣ - ١٤٤) ٦ الطلسم: جمع طلسمات، وهي نوع من السحر كذلك يكتب للحب والبغض وغير ذلك، وحقيقتها نفس أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب. انظر: القرافي: الفروق (٤/ ١٤٢) ٧ تفسير المنار (٩/ ٤٥ - ٤٦)
[ ٥٤٣ ]
وخطأ الشيخ رشيد من قال من المتكلمين "إن السحر من خوارق العادات الذي هو الجنس الجامع لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وفاتهم أن السحر صناعة تتقلى بالتعليم كما ثبت بنص القرآن وبالاختبار الذي لم يبق فيه خلاف بين أحد من علماء الكون في هذا العصر" ١.
وقد أشار الشيخ رشيد إلى حكم وعقوبة الساحر، ن ومنها: "القتل كفرًا في بعض أنواعه المتضمنة للشرك والمستلزمة للريب في معجزات الرسل " ٢، كما أشار الشيخ رشيد - متعجبًا منه - إلى أنه ما يزال في هذا العصر "من يتوسل إلى الاستعانة بالجن على بعض الأعمال السحرية بما هو كفر قطعًا كربط بعض القرآن على السوأتين كما علمت من بعض المختبرين لهؤلاء الدجالين الذي يعيشون بكتابة العزائم ٣، والحجب ٤، للحب والبغض والحبل، وغير ذلك. والمفاسد في ذلك كبيرة جدًا " ٥.
والذي يظهر أن الشيخ رشيد لا يرى للسحر حقيقة مطلقًا - وإن كان يبدو من النوع الثالث الذي ذكره - أنه له نوع تأثير - ومهما يكن من شيء فإن السحر منه ما له تأثير حقيقي ومنه ما ليس له ذلك ٦.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه (٩/ ٥٩ - ٦٠) ٣ العزائم: هي كلمات يزعمون أن الملائكة تعظمها، ومتى أُقْسِم عليها بها أطاعت وأجابت، فالمعزم يقسم بتلك الأسماء على ذلك الملك، فيحضر له القبيل من الجان فيحكم فيه لما يريد، وهذه الأسماء فيما يزعمون أعجمية يقع فيها الخلط، وعدم الضبط. انظر: القرافي: الفروق (٤/ ١٤٧) ٤ الحجب: جمع حجاب، والحَجْب، والحجاب: المنع من الوصول، ياقل: حجبه حجبًا وحجابًا، وهو شيء يكتب للأولاد وغيرهم يمنعهم مما يخافون تعلق في أعناقهم، أو توضع تحت وسائدهم، فهي بمعنى التميمة. انظر: الراغب: المفردات (ص: ٢١٩)، والميلي: الشرك ومظاهره (ص: ١٧٣)، وعلي محفوظ: الإبداع (ص: ٤٢٤ - ٤٢٥) ٥ تفسير المنار (٩/ ٦٠) ٦ انظر: سليمان بن عبد الله: تيسر العزيز الحميد (ص: ٣٨٣)، وانظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٧/ ١٢٨٣) وما بعدها.
[ ٥٤٤ ]
سابعًا: الرقى:
الرقى: جمع رقية كمدى ومدية ١. وتسمى العزائم ٢، فإذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي جائزة. ولاختلاف أحوال الرقية اختلفت فيها الأحاديث، فالاختلاف جاء باعتبار أحوالها وهي كما يلي:
الأول: أن تكون الرقية بألفاظ شركية، كأن يستعاذ فيها بملك أو جن، أو ينسب إليه النفع والضر فذلك كفر وشرك.
الثاني: أن تكون بألفاظ منقولة غير معقولة المعنى، فهي ذريعة إلىالشرك فهي حرام.
الثالث: أن تكون بأسماء غير الله من ملك أو نبي، وكل معظم شرعًا، فهي غير مشروعة حكمها كحكم الحلف بغير الله.
الرابع: أن تكون بأسماء الله أو بكلامه أو ما أثر عن النبي ﷺ فهي المشروعة ٣.
وإلى هذا ذهب الشيخ رشيد فقد عرف الرقى فقال: "الرُقى بالضم، جمع رقية "كغرف وغرفة"، وهي ما يقرأ على الملدوغ أو المريض ليبرأ أو يخف ألمه وهي جائزة لذلك إذا كان المقروء حقًا كالقرآن وذكر الله، ومحرمة إذا كان فيه شيء منكر أو مجهول " ٤. وقال في موضع آخر: " وحديث الرقية يدل على جوازها وجواز أخذ الأجرة عليها إذا لم يكن فيها شيء من الباطل كما ورد في حديث راقٍ آخر بالفاتحة ٥ " ٦.
_________________
(١) ١ انظر: الراغب: المفردات (ص: ٣٦٣): رقى، والرازي: مختار الصحاح (ص: ١٠٧): رقى، والقرافي: الفروق (٤/ ١٤٧) ٢ سليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ١٦٥) ٣ انظر: المصدر نفسه والصفحة، والميلي: الشرك ومظاهره (ص: ١٦٨) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٢٢) ٥ انظر: البخاري: الصحيح: ك: فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، ح: ٥٠٠٧ (٨/ ٦٧١) مع الفتح. ٦ مجلة المنار (٢٤/ ٤٢٦)
[ ٥٤٥ ]
غير أني لاحظت أن الشيخ رشيد يرىأن تأثير الرقية ليس حقيقيًا، بل هو تأثير وهمي بحسب اعتقاد المرء فيها، أو تأثير نفسي ذات إرادة قوية روحانية في نفس أخرى، بحسب سنة الله في البشر، وهي لذلك - كما يقول الشيخ رشيد - تنافي التوكل، واستدل بقوله ﷺ: "إن الله شفاني، وليس برقيتكم" ١.
والذي يظهر من النصوص خلاف ذلك فإنها تدل على أن للرقية تأثيرًا حقيقيًا كتأثير الأدوية المختلفة، فهي سبب شرعي للشفاء. قال ابن القيم: "واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع في الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مضرًا، وإن كان مؤذيًا، والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء، فالتعوذات والأذكار، إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه، فالرقى والعُوَذ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض " ٢.
ثامنًا التمائم:
التمائم ويقال لها: عُوذة، بالضم، ومَعاذة بالفتح، وتعويذة، والمراد بها هنا: ما يعلق على الإنسان لدفع الآفات عنه ٣.
وللتمائم ثلاث حالات: أحدها: أن تعلق ويعتقد نفعها كتعليق المرضى والمحمومين في عهدنا لتراب الأضرحة والمزارات وما أشبهه، فهذا شرك.
الثاني: مشابهة الجاهلية بتعليق ما لا يتبرك به من نحو حلقة أو عقرب
_________________
(١) ١ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٥/ ١٠٩)، وقال: رواه الطبراني عن شيخيه بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وكلاهما قد ضعف ووثق، وبقية رجاله ثقات. ٢ زاد المعاد (٤/ ١٨٢) ت: الأرناؤوط. ٣ انظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث (١/ ١٩٧)، وسليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ١٦٠)، والميلي: الشرك (ص: ١٧٣)
[ ٥٤٦ ]
أو ودعة مع السلامة من اعتقاد المشركين، فهذا يمنع سدًا للذريعة وإن لم يكن شركًا.
الثالث: التبرك بما يتبرك به شرعًا من أسماء الله وكتابه. وهذا النوع قد وقع في جوازه بين علماء الصحابة والتابعين، فأجازه ومنعه آخرون واستعظموه ١. وتركك ذلك أوسع حماية لجناب التوحيد وحفاظًا على عقيدة عامة المسلمين. قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقد تكلم الشيخ رشيد عن الحجب والرقى والتمائم، وعدها من أمال الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وورد في حظرها أحاديث، ذكر منها قوله ﷺ: "من علق تميمة فقد أشرك" ٣، وقوله: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٤. وقوله: "ثلاث من السحر: الرقى والتولة والتمائم" ٥. ٦.
وأما عن التمائم المحتوية على أسماء الله تعالى وآيات كتابه، فقد قال عنها الشيخ رشيد: "ولا شك أن الرقى والتمائم في هذا الزمان من نزعات الوثنية، فإنها ليست مبنية على اعتقاد أن القرآن يرفع الضرر ويجلب النفع لذاته معجزة، وإنما العمدة عندهم على بركة الراقي، وكاتب التمائم وتأثيره، ولذلك لا يطلبون ذلك من كل عارف بالقرآن. فانظر كيف قلبوا الدين فتركوا
_________________
(١) ١ انظر: سليمان بن عبد الله: التيسير (ص:١٦٧) والميلي: الشرك (ص:١٧٦) وانظر: أحاديث الرقية عند الهيثمي: مجمع الزوائد (٥/١٠٩ـ ١١٤) ٢ سورة براءة الآية (٥١) ٣ رواه أحمد: المسند (٤/١٥٦) والحاكم: المستدرك (٤/٢١٩) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات، مجمع الزوائد (٥/ ١٠٣) ٤ رواه ابو داود، ك: الطب، باب: في تعليق التمائم، ح:٣٨٨٣، وابن ماجة، ك: الطب، باب: في تعليق التمائم، ح:٣٥٣٠. ٥ رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٠٣ ح:٧٨٢٣) ط. وزارة الأوقاف العرقية، الثانيةن سنة ١٤٠٥هـ. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٥/١٠٩) ٦ انظر: مجلة المنار (٢٤/ ٤٢٧) وأيضًا (٧/٣٩٣ و٣٢/٢٧٧)
[ ٥٤٧ ]
الاهتداء بالقرآن وهو قد أنزل ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بل زعموا أن الاهتداء به محرم على الناس اليوم لأنه وظيفة المجتهدين الذين انقرضوا. ثم زعموا أنهم يعظمونه بترك الأسباب والسنن الإلهية التي أرشدهم إليها، والاعتماد على الانتفاع برسم حروفه وحملها" ١.
فالظاهر من هذا أن الشيخ رشيد يميل إلى منع التمائم جميعًا من القرآن وغيره، وهو رأي سبق إليه عدد من أصحاب النبي ﷺ، كما سبق. وله وجهه الوجيه.
ومن مظاهر الشرك التي أنكرها الشيخ رشيد ﵀ الشرك في الألفاظ كالحلف بغير الله تعالى فيقول: "لا يجوز الحلف بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته" ٢، فلا يجوز الحلف بالآباء ولا وبالأنبياء ولا الكعبة ٣.
كما أنكر الشيخ رشيد التماثيل المصنوعة للزعماء ٤، وكذلك الصور لأنه - كما يقول ـ: "الذين رسموا الصالحين والأنبياء إنما أرادوا التبرك بصورهم وتعظيمها إكرامًا لهم، وهذا التعظيم في كل اللغات عبادة" ٥.
ويرى الشيخ رشيد أن الصور ليست بأشد من القبور، وإن كان الشرع قد منع الجميع، إلا أن بناء القبور وتشييدها إيقاد السرج عليها أشد وأكبر خطرًا ٦.
ولا يرى الشيخ رشيد فرقًا بين التصوير باليد والتصوير الشمسي في الحكم، ولا في اتخاذ هذه الصور ولا في صنعتها، لأنه يرى "أن العلة ما ورد في ذلك من الأحاديث هو أمر ديني محض يتعلق بصيانة العقيدة من لوازم الشرك وشعائره" ٧.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٣٩٣) ٢ تفسير المنار (٧/ ٤٠) وما بعدها. ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ مجلة المنار (١١/ ٩٥٦ - ٩٥٧)، وتفسير المنار (٩/ ١٠٦) ٥ مجلة المنار (٦/ ٣٧) ٦ المصدر نفسه (٢/ ٢٢٠) ٧ المصدر نفسه (١٥/ ٩٠٣ - ٩٠٥)
[ ٥٤٨ ]
وبعد: فهذا موقف الشيخ رشيد من الشرك ومظاهره بعد بيان موقفه من التوحيد، ويبقى أن نعرف موقفه من البدع، فهي مع الشرك من نواقض التوحيد والاتباع، اللذين هما تحقيق شهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
[ ٥٤٩ ]
*
المبحث الثالث: رفض البدع ومظاهرها
*
قد قرر الشيخ رشيد غير مرة أن أصول الدين وفروعه مبنية على أساسين: "أحدهما: أن لا يعبد إلا الله تعالى، ثانيهما: ألا لا يعبد إلا بما شرع١، فالعبادات –كما يقول الشيخ رشيد- لا تثبت إلا بنص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وليس لأحد أن يزيد فيها برأيه شيئًا فإن الله تعالى قد أكمل دينه على لسان رسوله "٢.
وقد تكلم الشيخ رشيد كثيرًا عن البدع فعرفها بين أقسامها، وأصل نشأتها، وكيفية القضاء عليها، وحمل على العلماء الذين يقصرون في مقاومتها.
ولقد كان من اهتمام الشيخ رشيد بمقاومة البدع أن أنشأ لها بابًا في مجلته، يشتمل هذا الباب على قسم "الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة" وقسم "الموالد والمواسم"٣.
ولقد كان لهذا الباب أثر كبير في بيان البدع والتنفير عنها بطريقة علمية، كما كان له أكبر الأثر في نشر علوم السنة، وتمييز صحيحها من
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٢٣/٤٧٦) . ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه (٣/٤٧٤) .
[ ٥٥٠ ]
من سقيمها، وهي ما لم يسبق عليه المنار أي من المجلات الدينية، فكانت هي الرائدة وصاحبها المحدث.
وفيما يلي من هذا المبحث سنقف على منهج الشيخ رشيد في محاربة البدع والخرافات من خلال تتبع كلامه حولها.
[ ٥٥١ ]
المطلب الأول: تعريف البدعة لغة وشرعًا
تعريف البدعة لغة:
البدعة نقيض السنة، لفظ مشتق من بدع الشيء يبدعه بدعًا: إذ أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى البديع، فهو سبحانه بديع السموات والأرض، لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق، كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١، والبديع: أيضا: الذي ليس قبله شيء والبدع ما كان أولا ولم يسبقه شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢، أي: ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، بل أرسل قبلي رسل كثيرون٣.
ويقول لمن أتى بأمر لم يسبقه أحد: أتى ببدعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ٤ ٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (١١٧) . ٢ سورة الأحقاف، الآية (٩) . ٣ انظر: الزجاج: معاني القرآن (٤/٤٣٩) . ٤ سورة الحديد، الآية (٢٧) . ٥ انظر: الجوهري: الصحاح (٣/١١٨٣)، والأزهري: تهذيب اللغة (٢/٢٤٠)، وابن منظور: لسان العرب (٨/٧)، والراغب: المفردات (ص: ١١٠/١١١) .
[ ٥٥١ ]
وقال الشاعر:
فخرت فانتمت قلت أنظريني ليس جهل أتيته ببديع١
فالبدعة: اسم هيئة من الابتداع٢، وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق. وهي –بهذا المعنى- تقال في المدح والذم، لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سابق، سواء كان خيرا أو شرا، وإن كان استعمال لفظة البدعة قد غلب على الحدث المكروه في الدين٣. فتدور هذه المادة على معنى الإحداث والاختراع.
تعريف البدعة شرعًا:
وفي معنى البدعة الشرعي يوجد اتجاهان، الأول: يعرفها تعريفًا واسعًا فيجعلها تشمل كل ما أحدث بعد رسول الله ﷺ، ويجعل منها الحسن والمذموم٤. والثاني: يجعل البدعة الشرعية هي الحدث المذموم في الدين مما ليس له أصل في الشرع، ولا تكون إلا مذمومة٥. من الفريق الثاني كان الشيخ رشيد رضا، وقد تبع في ذلك الشاطبي في الاعتصام والذي كان معجبا به أيما إعجاب٦.
_________________
(١) ١ انظر: أبو عبيدة معمر بن المثنى: مجاز القرآن (٢/٢١٢) . ٢ انظر: علي محفوظ: الإبداع (ص:٨٥) وانظر: سيبويه الكتاب (٤/٤٤-٤٥) . ٣ ابن الأثير: النهاية (١/١٠٧) . ٤ ويعتبر العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠هـ) على رأس القائلين بالتقسيم. انظر: قواعد الأحكام له (٢/١٧٢) وما بعدها، ط. المكتبة البخارية الكبرى بمصر، وينسب ذلك –أي القول بالتقسيم- إلى الشافعي ﵀. انظر: أبو شامة الباعث (ص: ٢٨) ط. مكتبة المؤيد، الطائف، الأولى، ١٤١٢هـ، والغزالي أيضا ممن قال به. انظر: الإحياء (٣:٢)، وابن الأثير: النهاية (١/٩٧) . ٥ وعلى رأس هؤلاء الإمام مالك. انظر: الفروق: للقوافي (٤/٢٢٩) ط. دار إحياء الكتب العربية، والإمام أحمد، انظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (١/١٥٦ برقم: ٣١٧)، وابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم. (٢/٥٨٣)، والشاطبي: الاعتصام (١/١٨٨) ط. المكتبة البخارية الكبرى بمصر، وابن الوزير: إيثار الحق (ص:١٠٧/١٠٩) . ٦ انظر: الشاطبي: الاعتصام (١/١٩١) وما بعدها، فقد رفض هذا التقسيم بشدة ورده على أصحابه.
[ ٥٥٢ ]
وأحسن ما عرفت به البدعة شرعا ما قاله ابن رجب الحنبلي ﵀ حيث عرّف البدعة وبين المراد منها فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وإن كان بدعة لغة"١.
فبناءا على تعريف ابن رجب لا تكون البدعة إلا مذمومة، ولا يكون منها شيء حسنًا أو مستحبًا، ويشهد لذلك قوله ﷺ: "وكل بدعة ضلالة" ٢. قال شيخ الإسلام: "هذا نص رسول الله ﷺ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع.."٣.
وقد ذهب الشيخ رشيد ﵀ إلى هذا المعنى في تفسير البدعة، فلقد عرّف البدعة فقال: "البدعة في اللغة الفعلة المبتدعة المستحدثة، فإن كانت في الدين فهي شرع لم يأذن به الله، وافتراء على اللهو وهي ما لم يكن في عهد النبي ﷺ وجماعة المسلمين في عهده من العبادات وأما غير الدينية المحضة فهذه منها حسن وهو النافع الذي لا مفسدة فيه، ومنها سيئ وهو الضار وما يترتب عليه فساد مثلًا، وكل منهما درجات فتعتريها الأحكام الخمسة ، وأما البدعة الدينية المحضة فهي لا تكون إلا قبيحة ضلالة، ودليل الكلية٤ ما صح عن النبي ﷺ أنه كان يقول على المنبر: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"٥ " ٦.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم (ص:٢٥٢) . ٢ سيأتي تخريجه. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٥٨٣) . ٤ القضية الكلية في المنطق هي: القضية التي تستغرق موضوعها، لأن الحكم فيها واقع على جميع أفراد الموضوع في حالة الإيجاب، ومسلوب عن جميع الموضوع في حالة السلب. انظر: جميل صليبا: المعجم الفلسفي (٢/٢٣٩) . ٥ رواه مسلم: الصحيح، ك: الجمعة، ح: ٤٣ (٦٨٧) . ٦ مجلة المنار (٣٢/٢٧٣) وانظر أيضا (١٨/٣٠٥) .
[ ٥٥٣ ]
وقال في موضع آخر: " إن لكلمة البدعة إطلاقين: إطلاقا لغويا بمعنى الشيء الجد الذي لم يسبق له مثل، وبهذا المعنى يصح قولهم: إنها تعتريها الأحكام الخمسة، ومنه قول عمر ﵁ في جميع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: "نعمة البدعة" وإطلاقا شرعيا دينيا بمعنى ما لم يكن في عصر النبي ﷺ ولم يجيء به من أمر الدين كالعقائد والعبادات والتحريم الديني "١.
ويجيب الشيخ رشيد على حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة" الحديث٢، بأنه من الإطلاق الأول، كأمور الزراعة والمعاش والحربإلخ، قال: "وقوله في الإسلام معناه في عهد الإسلام المقابل لعهد الجاهلية"٣.
ويجيب عن قول ابن مسعود ﵁ "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ٤ بأنه غير مرفوع، فلا حجة فيه، ولأنه في معنى الإجماع، وهو لا يكون إلا عن دليل، وليس معناه الابتداع في الدين لكل أحد أو لكل جماعة٥.
فتبين لنا من هذا أن الشيخ رشيد ﵀ يميل إلى الاتجاه الثاني
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢٧/٦٦٠)، وانظر أيضا (٢/١٠٣-١٠٤، ١٤/٢٥٦) . ٢ مسلم: الصحيح، ك: العلم، ح: ١٥ (١٠١٧) (٤/٢٠٥٩) . ٣ مجلة المنار (٣٢/٢٧٣) وانظر أيضا (٢٨/٦٦٠ و٢/١٠٣-١٠٤)، والحديث المشار إليه ورد على سبب هو تصدق رجل من المسلمين ثم متابعة المسلمين له في ذلك. والظاهر أن ذلك ليس من البدع الشرعية بمعنى أنها طريقة مخترعة في الدين، وإنما هذه سنة لغوية، وهي سنة حسنة لها أصل في الدين فإن هذا الرجل ليس أول من تصدق على الإطلاق، ولكن أوليته إضافية، فهذه سنة حسنة لها أصل في الدين فليست في معنى البدعة المذمومة. وانظر: علي محفوظ: الإبداع (ص:١٢٠١٢١) . ٤ اثر موقوف على ابن مسعود: رواه أحمد: المسند (٥/٢١١) ح:٣٢٠٠، ت: أحمد شاكر، وهو في مجمع الزوائد: (١/١٧٧-١٧٨)، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله موثقون. وصنيع الهيثمي يدل على أنه في الإجماع. فقد أورده تحت باب "الإجماع". ٥ مجلة المنار (٢٧/٦٦٠)
[ ٥٥٤ ]
في معنى البدعة الشرعية، وهو أنها كلها ضلالة، وأما الذي يرد التقسيم فهو البدعة اللغوية، فهي التي تقسم إلى حسنة وسيئة أو إلى الأحكام الخمسة أي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والجواز والإباحة. وهي إنما تكون -كما يقول الشيخ رشيد-: "في المستحدثات الدنيوية، فالحين منها هو النافع كبناء القناطر والمدارس والمستشفيات وتدوين العلوم والصناعات والحرف، والقبيح يكون حراما أو مكروها، وما ليس من هذا ولا ذاك فهو المباح كمستحدثات الزينة غير المحرمة والطيبات من الرزق، وهذه إنما تسمى بدعة في اللغة لا في الشرع "١.
وهذا الاتجاه في تعريف البدعة وتحديدها هو الصحيح الموافق للأدلة وعليه أكثر أهل العلم كما ذكرت قبل قليل.
ويقرر الشيخ رشيد أن البدع من هذا النوع، كثيرة "فإنهم أحدثوا في الدين أشياء ما كانت في عهد النبي ﷺ وأصحابه "٢.
ومن هنا ننتقل إلى بعض البدع التي تناولها الشيخ رشيد في كتاباته وقد قسمتها إلى أقسام، منها بدع الشهور والأيام، وبدع العبادات، وبدع المساجد، وبدع الموالد، وبدع العامة وغيرها.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٣/٤٧٦) . ٢ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٥٥٥ ]
المطلب الثاني: مظاهر البدع التي تعرض لها الشيخ رشيد رضا
لقد تعرض رشيد رضا لكثير من البدع التي راجت بين المسلمين، سوف أقتصر على نماذج منها مخافة الإطالة.
أولًا: بدع الصوفية:
تعتبر فرقة الصوفية هي أم البدع، لقد استقر أمرها إلى أن صارت
[ ٥٥٥ ]
كدين جديد له قواعده المختلفة عن دين الإسلام، كما أن له مصادر تلقي خاصة به غير مصادر التلقي العامة عند المسلمين.
ولقد تحدث الشيخ رشيد رضا عن هذه الفرقة وهو يعرفها تمام المعرفة، إذ كان –﵀- أحد السالكين للطريقة النقشبندية١. ولكنه تحول عن ذلك فيما تحول عنه بعد اطلاعه على كتب السلف لا سيما كتب ابن تيمية ومدرسته.
والذي يترجح في سبب تسمية الصوفية بهذا الاسم أنهم نسبوا إلى لبس الصوف٢.
وقد تحدث الشيخ رشيد عن نشأة الصوفية وتطورها إلى أن صارت رأس الفرق المبتدعة وأبعدها أثرا في الإسلام، فيرى الشيخ رشيد أن أول ظهور الصوفية كان في صورة حسنة تقصد إلى "التخلق بالأخلاق الفاضلة وما تستتبعه من أعمال البر والتقوى"٣. ثم إنها استقلت –بعد ذلك- وتميزت حتى صارت فرقا مستقلة، ثم مازجت كتبهم تعاليم غريبة وحدثت لهم اصطلاحات خاصة"٤. ثم إن هذه الفرق –صارت- كما يقول الشيخ رشيد –وكما يعرفها الناس: "مصدر تلك المنكرات ومعهد تلك الموبقات"٥.
يقول الشيخ رشيد: " إن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرا يتبرأ منها كل صوفي وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيما دينيا مع الاعتقاد بأن لهم سلطة
_________________
(١) ١ انظر: المنار والأزهر (ص:١٤٨)، والنقشبندية، هي إحدى الطرق الصوفية نسبة إلى الشيخ محمد بهاء الدين شاه نشقنبند. انظر: عبد الرحمن دمشقية: "النقشبندية (ص:٢٩) ط: دار طيبة، الرياض، الثالثة ١٤٠٩هـ/١٩٨٨م. ٢ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١١/٦-٧) . ٣ مجلة المنار (١/١١٩) . ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٥٥٦ ]
غيبية تعلوا الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بل يدبرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءونه وزادوا على هذا شيئًا آخر هو أظهر منه قبحا وأهدم للدين - وهو زعمهم أن الشريعة شيء والحقيقة شيء لآخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبا ف، كر عليه منكر قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفي المنكر أنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه "١.
وباختصار فقد "انحرف المنتسبون لطريقة التصوف عن هدي سلفهم"٢.
وقد كان للصوفية أسوأ الأثر على عقائد المسلمين. وفي ذلك يقول الشيخ رشيد: " فلينظر الناظرون إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شرع - اتخذوا الشيوخ أندادا، وصار يقصد بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج وشفاء المرضى وسعة الرزق، بعد أن كانت للعبرة وتذكر القدوة ونتيجة ذلك كله أن المسلمين رغبوا عما شرع الله إلى ما توهموا أنه يرضي غيره ممن اتخذوهم أندادًا، وصاروا كالإباحيين في الغالب، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل واستحوذ عليهم الضعف، وحرموا ما وعد الله به المؤمنين من النصر "٣. ومن أشهر بدع الصوفية ما يلي:
أ – الألقاب الصوفية:
يخلع الصوفية على رؤسائهم ألقابا دينية تماثل الألقاب العسكرية في الدول الحديثة، وكما خلع الفلاسفة صفات الإله على ما أسموه "العقل الأول" وكما خلع النصارى صفات الإله على ما سموه "الكلمة" فإن الصوفية جعلوا صفات الإلهية والربوبية على ما أسموه بالقطب والوتد٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٢/٧٢-٧٤) والصوفية يتمسكون بأذكارهم المبتدعة ولا يتبرؤون منها. انظر: الوكيل: هذه هي الصوفية. (ص:١٤١) . ٢ مجلة المنار (١/٨٢٣) . ٣ تفسير المنار (٢/٧٦) . ٤ انظر: عبد الرحمن الوكيل: "هذه هي الصوفية" (ص:١٢٤) .
[ ٥٥٧ ]
والقطب عند الصوفية هو أكمل إنسان متمكن في مقام الفردية، أو الواحد الذي هو موضع نظر الله في الأرض في كل زمان، عليه تدور أحوال الخلق، وقد يسمى الغوث باعتبار التجاء الملهوف إليه١.
وهذا القطب هو خليفة الله في الأرض، خلافة مطلقة جملة وتفصيلا، خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه ويقوم على شؤون الكون جميعًا٢.
ولهذا القطب أعوان، هم الأوتاد الأربعة، وقيل ثلاثة، كلما مات قطب الوقت أقيم أحدهم مكانه، ثم الأبدال وهم أدنى منزلة من الأوتاد وفي عددهم خلاف٣.
ويخلع الصوفية على أصحاب هذه المراتب صفات الربوبية كالتصرف في الكون والإسعاد والإشقاء، والمنع والعطاء.
ويرد الشيخ رشيد على هذه الوظائف الروحية عند الصوفية، باعتبار أنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة فيقول: " وأما القطب وسائر الموظفين الروحانيين في دائرة تصرفه الذين يسمونهم رجال الغيب كالإمامين والأوتاد والأبدال، فلم يرد شيء صحيح في السنة إلا ما رووه في الأبدال وهي روايات ضعيفة مضطربة في بعضها يعدون ثلاثين وبعضها أربعين إلخ "٤.
ونقل الشيخ رشيد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الألقاب في رسالة "الصوفية والفقراء" ومما نقله قوله: "وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة – فهذه الأسماء ليست
_________________
(١) ١ انظر: الجرجاني: التعريفات (ص:١٥٥، ٣٢٥)، وعبد الرحمن الوكيل: المصدر نفسه. ٢ انظر: علي حرازم: جواهر المعاني (ص:٨١) وما بعدها. ٣ انظر: المصدر نفسه (ص:٩٣)، والمنوفي: جمهرة الأولياء (١/١٢١ و٤٠٦)، والجرجاني: التعريفات (ص:٣٣ وص:٢٣٥) . ٤ مجلة المنار (٥/ ٥٦) .
[ ٥٥٨ ]
موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي "١ ثم قال الشيخ رشيد ملخصا لكلام شيخ الإسلام: "ثم ذكر –أي ابن تيمية- أن لفظ الغوث لا يستحقه إلا الله تعالى، وأن القول بالقطب من جنس دعوى الرافضة بالإمام المعصوم ثم تكلم في لفظ الأبدال وجميع ما قيل في معناه وما يصح منه وما لا يصح "٢.
ثم يقول الشيخ رشيد عن لفظ الأبدال الوارد فيبعض الروايات: " ولفظ الأبدال أشهر في هذه الألفاظ ولم يكن الناس يفهمون في القرن الثاني والثالث من هذا اللفظ ما ادعاه الصوفية بعد، بل قال الإمام أحمد إن الأبدال هم أهل الحديث، وأما ما في هذه الروايات من أن الله تعالى ينصر أهل الشام ويرزقهم بالأبدال فهو من علل متونها ودلائل وضعها، فالله تعالى قد جعل للنصر أسبابًا تعرف من كتابه ومن سننه في خلقه وإننا نرى أهل الشام الآن في غاية البؤس وضيق الرزق والجيوش الفرنسية تدمر بلادهم "٣.
ولا يقتصر عجز هؤلاء المتصرفين في الكون على الشام، بل إن كل بلاد التي يزعمون فيها هؤلاء المتصرفين في الكون تراها في أتعس حال ولأشد بلاء.
يقول الشيخ رشيد: " وقد آن أن نعقل ونفهم ديننا من القرآن ، آن لنا أن ندوس هؤلاء المضلين وكل من ينصرهم ويتأول لهم من سدنة القبور المعبودة لاعتقاد العامة أن الرزق وسعادة الدنيا تطلب من المدفونين فيها "٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢٧/٧٥٢-٧٥٤)، وقارن مع ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١١/٤٣٣) . ٢ المصدر نفسه والصفحة، وقارن مع ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١١/٤٣٧) . ٣ المصدر نفسه والصفحة، وانظر: أحاديث الأبدال: الهيثمي: مجمع الزوائد (١٠/٦٢-٦٣) . ٤ المصدر نفسه والصفحة. وقارن مع جميل غازي: الصوفية: مجلة التوحيد، سنة ٢٣، عدد ٣، (ص:٢١) وما بعدها، الوكيل: هذه هي الصوفية (ص:١٢٤) .
[ ٥٥٩ ]
ب – التصرف في الكون:
وما يدعيه الصوفية لهؤلاء الموظفين، أنهم يجتمعون في ديوان "يجتمع فيه الأحياء والميتون فما أقروا عليه فهو الذي يقع في الكون "١. ويزعمون: "أن منهم من يتصرف في الكون ويقدر على قلب نواميسه وتبديل سننه وتحويلها، فيسعد ويشقى ويفقر ويغني مكن غير سبب غير مجرد تصرفه "٢.
وبين الشيخ رشيد خطورة هذا الاعتقاد على العامة وتوحيدهم لأنهم "متى سلموا بها جزموا بأن مثل هذا الولي يفعل ما يشاء فيصرفون قلوبهم إليه ويطلبون حوائجهم منه، فيكونون قد اتخذوه إلهًا "٣.
ويقول عن هذا الاعتقاد: "هذا الاعتقاد هو الذي شقي به قبل الإسلام من لا يحصى من الأقوام، هذا الاعتقاد هو الذي يقيد إرادة الإنسان بإرادة غيره من أبناء جنسه وهذا الاعتقاد هو المرض الذي يفسد العقل ويجعله يرجوا م لا يرجى ويخاف مما لا يخاف، هذا الاعتقاد هو شعبة من الشرك "٤.
ويقول: "إن الإيجاد والتصرف في الأشياء بمقتضى الإرادة المعبر عنها بكلمة "كن" هو خاص بخالق العالم ومدبره "٥.
إن الذي يدعيه الصوفية في أوليائهم هم من خصائص الربوبية فالذي يسعد ويشقي ويمنع ويعطي هو الله تعالى، ويترتب على هذا الشرك في الربوبية، شرك في الألوهية بتوجه هؤلاء الدهماء المغفلين، الذين يصدقون باعتقاد تصرف الأولياء في الكون إلى هؤلاء بأنواع العبادة المختلفة والتي لا تنبغي إلا لله تعالى.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/٤٣٤) . ٢ المصدر نفسه (٢/١٤٧-١٤٨) . ٣ المصدر نفسه (٧/٢٩٧) . ٤ مجلة المنار (٢/٢١٢-٢١٣) والصواب أن هذا الاعتقاد هو الشرك بعينه. ٥ المصدر نفسه (٧/٢٨١) .
[ ٥٦٠ ]
ولقد بلغت جرأة هؤلاء على اله تعالى واستعبادهم لعبيده، أن زعموا أنهم يستطيعون بيع قصور الجن لمن يشاءوا وقد نشر الشيخ رشيد أحد عقود بيع قصر في الجنة بين أحد الأولياء وأحد الحمقى والمغفلين١.
ج – الذكر الصوفي:
إن الذكر الذي يحبه الله ورسوله ويؤجر عليه فاعله هو ما ورد في الكتاب والسنة، ونقله الأئمة الذين يعول عليهم في ذلك. وهو الذكر المأمور به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢ وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣ وقول النبي ﷺ "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله"٤.
ولكن الصوفية ابتدعوا شيئًا أسموه ذكرًا، ومن باب التلبيس والتضليل، ففي أعياد الوثنية التي يسمونها: موالد، وفي معابد الأضرحة التي يسمونها مساجد، يعقدون حلقات للرقص، المصحوب بآلات الموسيقى (المعازف)، تتمايل معها أجسامهم يمنة ويسرة، ويسمون ذلك الرقص ذكرا٥. وهذه الطريقة في الذكر هي سنة اليهود في ذكرهم لله كما هو مدون في كتابهم المقدس٦.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/١٤٩-١٥٠) وقارن مع الوكيل: هذه هي الصوفية (ص:١٣١) وما بعدها. ٢ سورة الأحزاب، الآية (٤١-٤٢) . ٣ سورة البقرة، الآية (٢٥٥) . ٤ رواه الترمذي: كتاب: الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة، ح:٣٥٨٥، وقال: هذا حديث غريب (٥/٥٧٢) ط. شاكر وزملائه. ورواه مالك: الموطأ، ك: القرآن، باب: ما جاء في الدعاء، ح:٣٢، ط. دار الحديث، مصر، الثانية، سنة ١٤١٣هـ. ٥ انظر: علي محفوظ: الإبداع (ص:٣١٢)، والوكيل: هذه هي الصوفية (ص:١٤٣) . ٦ انظر: العهد القديم: المزامير: المزمور (ص:١٤٩) (ص:٩٣٦، ط. دار الكتاب المقدسي)، وانظر: ابن الجوزي: نقد العلماء أو تلبيس إبليس (ص:٢٢) ت: محمود مهدي الإستانبولي ١٣٩٦.
[ ٥٦١ ]
وقد رد الشيخ رشيد ﵀ – الذكر الصوفي واستدل على ذلك بأدلة الشرع، واستشهد على بطلانه بمن استطاع من العلماء المعاصرين له المؤيدين للسنة. فقال: " وقد أكمل الله لنا الدين فليس لنا أن نزيد فغي عباداته ولا أن ننقص منها، لا كما ولا كيفا، فالاجتماع لذكر الله تعالى ومزجه بالعزف بآلات الطرب كالدفوف والمزمار والشبابة ونحوها بدعة في الدين وزيادة عبادة١ لم يأذن بها الله، فلا تباح بحسن القصد كما لا يباح لنا أن نخترع كيفية لصلاة التطوع بأن نسجد في كل ركعة ثلاث مرات لأجل زيادة الخشوع مثلًا. ولقد عمل الرسول ﷺ وأصحابه - ﵃ – بالدين على أكمل وجوهم فحسبنا ما صح نقله عنهم "٢.
وورد إلى الشيخ رشيد من بعض البلاد العربية ليعرضه على علماء الأزهر - والسؤال كان حول الرقص والتغني والإنشاد في مجلس الذكر، فعرضه الشيخ على بعضهم فأجاب بما يلي: " إن الرقص والتواجد أحدثهما أصحاب السامري والرقص دين الكفار وعباد العجل، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور إلى المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على طلبهم ومن أدلة التحريم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ٣ فسره مجاهد بالغناء والمزامير٤، ومنها قواه تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ٥ أي: مغنون٦ ومن هذا كله تعلم أن المذاهب كلها على تحريم ما يصنع هؤلاء وأن فعلهم هذا ممقوت عند الله وعند العلماء والعقلاء وأن
_________________
(١) ١ على أنه لا يجوز أن يطلق على مثل هذه الأفعال أنها عبادة. ٢ مجلة المنار (٤/٧٠٤) . ٣ سورة الإسراء، الآية (٦٤) . ٤ انظر: ابن كثير: التفسير (٣/٩٤) . ٥ سورة النجم، الآيات (٥٩، ٦٠، ٦١) . ٦ انظر: البن كثير: التفسير (٤/٢٦١)، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٧/١١٦) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
[ ٥٦٢ ]
مجلسهم مجلس الشيطان لا مجلس الرحمن، ولا يجوز إفشاء السلام عليهم فيترك السلام خوفًا أن يظنوا أنهم محقون مكرمون مرضي عنهم "١.
ومن بدع الذكر الصوفي ذكر الله تعالى بأسمائه مفردة، فيقولون: الله الله، حي حي حي، وربما ذكروا بالضمير: هو هو هو، ونادوه: يا هو٢.
واحتجوا بان الذكر لم يرد مقيدا بل مطلقا فيجوز ذكره تعالى بكل طريق، وببعض الآثار كقوله ﷺ: " حتى لا يقال في الأرض: الله الله٣، وبإجماع الصوفية لا سيما كبراؤهم٤.
وقد رد الشيخ رشيد على كل تلك الشبهات، فمنع الدعوى الأولى بأن الذكر جاء مقيدا ومطلقا فيحمل هذا على ذاك، وبعدم حجية كلام الصوفية في إثبات العبادة، وأما الأحاديث فقال: "وأما حديث أنس فقد ورد بروايات وفي أحدها بلفظ "على أحد أن يقول لا إله إلا الله" ٥ وفي زيادة: "ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" ٦، والظاهر أن المراد من الرواية الأولى ما هو بمعنى الثانية، أي لا أحد يذكر الله وحده في إسناده الأمور إليه، والروايات وردت برفع لفظ الجلالة لا بسكونه واللفظ في العربية لا بكون مرفوعا ولا منصوبا ولا مجرورا إلا في الكلام المركب "٧.
ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد في الذكر الصوفي، بدعة الذكر
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/٢٧٣) وما بعدها، والمفتون بذلك هم جماعة من المدرسين على المذاهب الأربعة بالأزهر، انظر أسمائهم وتوقيعاتهم في المصدر المحال عليه. ٢ انظر الوكيل: مصدر سابق (ص: ١٤٤-١٤٥) . ٣ مسلم: الصحيح: ك: الإيمان، ح٢٣٤ (١٤٨) (١/١٣١) . ٤ انظر: مجلة المنار (١٤/٩٩-١٠٣) . ٥ هذا لفظ الحاكم: المستدرك (٤/٤٩٤)، قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ٦ رواه بهذا اللفظ: الحاكم: المستدرك (٤/٤٩٤) وقال: صحيح على شرط مسلم، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/٨٢) . ٧ مجلة المنار (٩/٢٩٠، و١٤/٩٩-١٠٣) .
[ ٥٦٣ ]
مع نطق العدد دون تكرار اللفظ: كأن يقال: سبحان الله ألف مرة، والحمد لله ثلاثا، أو نحوه، لأن ذلك يقضي – إذا سلم- أنه يجوز أن نغير الأذان بأن يقول المؤذن: "الله أكبر أربع مرات، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين" وهكذا بذكر لفظ العدد، وما هو إلا قياس شيطاني يراد به إفساد الدين، فهو قول باطل لا يلتفت إليه "١.
د) - الكشف الصوفي:
من أصول الدين الإسلامي أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ٢ وأن الخلق مهما كانت منزلة أحدهم لا يصل إلى معرفة الغيب إلا من شاء الله يطلعه على ما شاء من ذلك. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٣.
ولكن الصوفية خالفوا آيات الكتاب وادعوا علم الغيب وسموا ذلك كشفا. وهو لفظ عام يدخل تحته أمور: منها رؤية النبي يقظة، وكذلك الأولياء بعد موتهم، والرؤى في المنام، والإلهام والفراسة والهواتف، وخرق الحجب الحسية، وإطلاع على المغيبات بعين البصر أو البصيرة٤.
وجعل الصوفية الكشف من كمصادر تلقي الدين عندهم٥.
ولقد رد الشيخ هذا الأصل الصوفي، وهذه الدعوى الواهية، فقال: "لم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الكشف من الدلائل الشرعية أو من مآخذ الأحكام الدينية، ولا يقبل أحد من المتكلمين ولا من المحدثين، ولا من الفقهاء الاحتجاج بحديث لم تصح روايته بالطرق المعروفة في علم
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٧/٤٦٣-١٦٤) وقارون مع الوكيل: هذه هي الصوفية (ص: ١٤١) وما بعدها. ٢ سورة النمل، الآية (٦٥) . ٣ سورة الجن، الآية (٢٦) . ٤ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١١/٣١٣) . ٥ انظر: صادق سليم: المصادر العامة للتلقي عند الصوفية (ص: ١٨٣) وما بعدها.
[ ٥٦٤ ]
الحديث ممن يدعي أنه صح من طريق الكشف، فهذا الكشف الذي يتحدث به الصوفية، شيء لا يثبت به حكم شرعي ولا دليل حكم شرعي كالحديث، ولو جعلنا الكشف حجة شرعية لما كانت دلالة الشرع محصورة فيما جاء به الرسول ﷺ عن ربه وتلقوه عنه أصحابه الذين هم خيرة هذه الأمة وهم لم يقولوا بهذا الكشف ولم يحتجوا به "١.
وعن رؤية النبي ﷺ يقظة وتلقي الأحكام عنه، وهو بعض ما يدعيه الصوفية –يقول الشيخ رضا "وأما ما نقله من استشارة الأئمة المجتهدين للنبي ﷺ يقظة في كل ما أثبتوه، ومن القول بعصمتهم فهما من الباطل الذي لا يقبله إلا الخرافي الجاهل ثم إن الذين ادعوا أنهم يرون النبي ﷺ في اليقظة ويسألونه عن الأحاديث المروية عنه وعن الأحكام والحقائق يختلفون في كل ذلك اختلافا يدور بين النفي والإثبات والحلال والحرام والكفر والإيمان فكيف يمكن أن تصح دعواهم؟ "٢.
وهذه حجة صحيحة، فإن الاختلاف والتناقض دليل البطلان، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٣.
وأما دعوى رؤية النبي ﷺ –بعد موته- فهي دعوى بلا دليل، وهي لم تقع لأحد من الصحابة على حبهم له. يقول الشيخ رشيد: "وأما مسألة رؤية النبي ﷺ في اليقظة أي رؤية روحه الشريفة القدسية متشكلة بصورته الكاملة الجسدية، فقد اختلف العلماء فيها٤، فنفاها قوم وأثبتها آخرون ممن يدعونها أو يصدقون من ادعاها من الصوفية، ومن الثقات من قال بإمكان
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٠/٣٤٩) . ٢ مجلة المنار (٢٦/٧٣٦-٧٣٧) . ٣ النساء، الآية (٨٢) ٤ لم يقل أحد من العلماء الثقات المعتبرين بجواز رؤية النبي ﷺ يقظة، ولا قال أحد منهم بوقوعها، وإنما هو قول الخرافيين والدجالين من الصوفية ونحوهم. انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٢/م٤٠٠-٤٠٢) .
[ ٥٦٥ ]
حصولها في حال بين النوم واليقظة "١.
ويعتمد مدعو رؤية النبي ﷺ يقظة، على حديث: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" ٢. الحق أن هذا الحديث تفسيره الرواية الأخرى وفيها: "فكأنما رآني في اليقظة" ٣ وكلاهما في الصحيح. وأما أخذ الرواية الأولى على ما يذهب إليه الصوفية فهو مشكل جدًا، "ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، وبعكر عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام قم لم يذكر واحد منهم رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يختلف"٤، وفي توجيه الرواية أوجه أخرى، كلها تدل على غير ما يريده الصوفية٥.
فالصحيح أن النبي ﷺ لا يرى في اليقظة ويرى في المنام كما دلت الأحاديث ولكن ليس ذلك دليلا شرعيا يترتب عليه أحكام شرعية كما يدعي الصوفية، وأما ما ادعاه بعضهم من رؤيته ﷺ يقظة، فهو إن كان ممن لا يتعمد الكذب فهي من الرؤية الخيالية لا من الرؤية الحقيقية، وكما يقول الشيخ رشيد:" إنها لا تتضمن أخذ شيء عنه ينافي القرآن أو غيره من أصول الشريعة أو فروعها القطعية"٦.
إن الشيخ رشيد ﵀ إذ يقرر أن "الكشف ضرب من علم الغيب
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٦/٧٣٦)، ورؤية النبي ﷺ في المنام لا بد أن تكون على الصفة التي كان عليها ﷺ في حياتهو فليس كل من رأى شخصًا يكون قد رأى النبي ﷺ إلا أن يكون رآه على صفة صحيحة كما في كتب وروايات المحدثين. ٢ انظر: السيوطي: تنوير الحالك (٢/٥٠)، وابن حجر الهيثمي: الفتاوى الحديثية (ص:٢١٢)، والحديث عند البخاري: الصحيح، ك: التعبير، باب: من رأى النبي ﷺ في المنام، ح: ٦٩٩٣ (١٢/٣٩٩) مع الفتح. ٣ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الرؤيا، باب: قول النبي ﷺ: "من رآني في المنام فقد رآني"، ح: ٢٢٦١ (٤/١٧٧٥)، وانظر: ابن حجر: فتح الباري: () ١٢/٤٠٠ وما بعدها. ٤ ابن حجر: الفتح: نفس الصفحة، و(١٢/٤٠٢) . ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ مجلة المنار (٢٦/٧٣٧) .
[ ٥٦٦ ]
في الظاهر"١، وأن البحث في مسألة رؤية النبي يقظة هو بحث "علمي لا ديني إذ الدين لم يكلفنا باعتقاد أن الناس يرون الأرواح المجردة ولكن نقل ذلك عن كثير من الناسواختلف فيه هل هو حقيقي أو خيالي، أو في حالة بين اليقظة والنوم، وأن له طريقا صناعية –أي التخيل- وأن هذا أمر مبهم، هو في ذلك كله يواجه ما ادعاه الصوفية من الكشف برؤية النبي يقظة وغيره "ويجب القطع ببطلان كل ما ينقل في هذه الحالة عن روح النبي ﷺ وغيره"٢.
هـ) - الزهد الصوفي:
لقد جاء القرآن بكل ما فيه صلاح النفس الإنسانية لتبلغ كمالها وسعادتها باتباعه، و"إن في إخلاص التوحيد وصدق الإيمان وطيب الإحسان فيما أنعم الله به لواحة وريفة الظل "٣. وليس فوق هداية القرآن وإصلاحه للنفس هداية وإصلاح ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
ولكن الصوفية لم تكفهم آيات الكتاب المنزلة للهداية وإصلاح حال البشرية، فابتدعوا طريقا آخر لإصلاحها، فوضعوا قوانين رياضية لتهذيب النفس، بل لتعذيب النفس، حتى تصل – بزعمهم- إلى كمالها. وسموا ذلك: "زهدا".
وزهد الصوفي هو: "بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة. وقيل: هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك"٥.
وأما الزهد السني، فهو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وقصر الأمل، وليس الزهد بأكل أنواع من الطعام دون أنواع، ولا لبس شيء مخصوص
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٧/٥٠٠) . ٢ المصدر نفسه (٢٦/٧٣٧) . ٣ عبد الرحمن الوكيل: هذه هي الصوفية (ص:١٣٦) . ٤ سورة الجاثية، الآية (٦) . ٥ الجرجاني: التعريفات (ص:١٠٢) ومع ذلك فقد وجد لكثير من "زهاد" الصوفية مدخرات وأموال كثيرة بعد وفاتهم وانكشاف ثرواتهم.
[ ٥٦٧ ]
من الثياب١. أما الزهد الصوفي فليس من شريعة الإسلام، بل فيه القضاء على الفرد وعلى الجماعة. وأصله مأخوذ من ديانات الوثنية الذين بنوا دينهم على تعذيب النفس لتهذيبها٢.
ولقد عارض الشيخ رشيد هذه الفلسفة الصوفية ووصفها بالغلو، واعتبر أن سيرة أصحاب النبي ﷺ هي المثل الأعلى، وأن الصوفية وشيوخهم "لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه"٣، ووصف هذه الفلسفة الصوفية بأنها "فلسفة خيالية من خيالات وحدة الوجود البرهمية الهندية، قد شغل بها أفراد عن فطرة الله وشرعه معا وما إرادة وجه الله تعالى إلا الإخلاص له في كل عمل مشروع من مصالح الدين والدنيا وتحري هداية دينه فيه، لا ما تخيلوه من أن إرادة وجهه تعالى هو الوصول إلى ذاته بعد التجرد من كل نعمة في الدنيا والآخرة جميعا"٤.
وأشار الشيخ رشيد إلى الزهد الصوفي، وإلى الأصل الذي أخذه الصوفية منه، فقال: "وأما ترك الطيبات البتة كما تترك المحرمات تمسكا وتعبدا لله تعالى بتعذيب النفس وحرمانها، فهو محل شبه فتن بها كثير من العباد والمتصوفة، فكان من بدعهم التركية، التي تضاهي بدعهم العملية، وقد اتبعوا فيها سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، كعبادة بني إسرائيل ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها من بعض الوثنيين كالبراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من الذات، وقهر الإرادة بمشاق الرياضات "٥.
ويرى الشيخ رشيد أن هدي القرآن كاف في تزكية النفس الإنسانية وتربية الإرادة فيقول:" وحسبنا منه ما شرعه الله لنا من الصيام وهو مما
_________________
(١) ١ ابن القيم: مدارج السالكين (٢/١٠) . ٢ انظر: الوكيل: المرجع السابق (ص:١٣٨) وما بعدها. ٣ تفسير المنار (٢/٢٣٩) وأيضا (٧/٢٦) . ٤ المصدر نفسه (٢/٢٣٩) . ٥ المصدر نفسه (٧/١٩) .
[ ٥٦٨ ]
يدخل في عموم التقوى في هذا المقام فالصيام رياضة بدنية نفسية وجمع بين حرمان النفس من لذاتها لقصد التربية وبين تمتعها بها توسلًا إلى شكر النعمة والقيام بالخدمة "١.
ويبين الشيخ رشيد وسطية هذا الدين في هذا الجانب فيقول: " إن هدى القرآن في الطيبات أي المستلذات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال والتزام الحلال "٢.
ومن حيث الدليل، فإنه لا يوجد دليل يحتج به هؤلاء المتصوفة على وجوب الجوع من السعة، إصلاحا للنفس وتهذيبا لها، ولذلك فإنهم عندما يأتي وقت الاستدلال يعدلون عن الاستدلال بالكتاب والسنة إلى ذكر وقائع وأحوال لا يحتج بمثلها في دين الله. يقول الشيخ رشيد: "أعوز هؤلاء النص على دعوى كون الغلو في التقشف من الدين، فتعلقوا ببعض وقائع الأحوال من سيرة فقراء السلف الصالح "٣. ثم ضرب مثلًا لذلك بما فعل أبو حامد في إحيائه، فإنه لم يجد آية يبدأ بها موضوع "فضيلة الجوع وذم الشبع" فبدأ بحديث أكثرها لا يعرف المحدثون لها أصلا قط، وبعضها ضعيف أو موضوع "٤.
إن التوسط هو ميزة الدين الكبرى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٥، ومن لم يصلح القرآن والسنة نفسه، فلا صلاح لها، ولا أصلحها الله، ولسنا –إذًا- بحاجة إلى اختراع دين مبتدع لتحقيق ما جاء القرآن لتحقيقه ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٧/٣٠) . ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه (٧/٣١) . ٤ المصدر نفسه والصفحة، وانظر: الغزالي: إحياء علوم الدين (٣/٧٩) دار القلم، بيروت. الثالثة. ٥ سورة البقرة، الآية (١٤٣) . ٦ سورة البقرة، الآية (٢): وانظر: عبد الرحمن الوكيل: المصدر السابق (ص:١٣٨) وقارن أيضا مع: محمد علي عبد الرحيم فقد بين الزهد الصوفي مع بيانه بطلان الثاني لنفس المعاني: الأخلاق المحمدية (ص:٧٢-٧٤) .
[ ٥٦٩ ]
ثانيًا: الموالد ومفاسدها:
الموالد هي الاجتماعات التي تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء، والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذي ولد فيه من يقصد بعمل المولد، وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد ١ ولا ريب لأن الاجتماع على هذا النحو يسمى عيدًا، فالعيد اسم جنس لما يعتاد من المكان أو الزمان٢.
وهذه الأعياد – الموالد - هي من الأعياد الزمانية والمكانية المبتدعة، لأنها أيام لم تعظمها الشريعة، ولا فضل لها فيها أصلًا، لا مكانا ولا زمانا٣. ومن هذه الأعياد - الموالد - المبتدعة، هو ما اتخذ مشابهة للنصارى من الاحتفال بعد مولد النبي ﷺ، مع اختلاف الناس في مولده ﷺ فإن هذا لم يفعله أحد من السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وكانوا أحق به منا٤.
وقد واجه الشيخ رشيد هذه الظاهرة البدعية بكل سبيل وطالب بإزالتها، وإزالة ما فيها من منكرات وبين مساوئها وما يحدث فيها من مخالفات للشريعة.
فعن انتشار هذه البدعة وتتابع الناس عليها وما يصحبها من منكرات قال: "ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم،،وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها "الموالد" ومن العجيب أن تبع الفقراء في استحسانها الأغنياء فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم أو إزالة منكر أو إعانة منكوب اضنوا به وبخلوا "٥.
_________________
(١) ١ علي محفوظ: (ص:٢٥٠-٢٥١) . ٢ انظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٤٤٢ و٥٣١) . ٣ المصدر السابق (٢/٦١٥) . ٤ المصدر نفسه (٢/٦١٣ و٦٥٤) . ٥ تفسير المنار (٢/٧٤-٧٥) .
[ ٥٧٠ ]
وأما المنكرات التي تصحب هذه الاحتفالات "الدينية" فيقول عنها الشيخ رشيد: "فالموالد أسواق الفسوق، فهي خيام للعواهر وحانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل، يقصد بها إضحاك الناس "١.
ولم يقتصر الاشتراك في هذه المفاسد على عامة الناس وسقطتهم وأهل الجهل منهم –بل- وبكل أسى لقد تجاوز الأمر ذلك إلى من ينتسبون إلى العلم –كما يقول الشيخ رشيد-: "ويرى بعض كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات، والقباب العظيمة التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة ويهنئ بعضهم بعضا بهذا العمل الشريف في عزفهم "٢.
هذه الحالة التي وصلت إليها هذه الاجتماعات بلغت مدى بعيدا في الفساد، فسماها الشيخ رشيد "مفاسد لا موالد"٣.
ويتحدث عن خطورة مشاركة العلماء للجهلاء في هذه الموالد أو المفاسد فيقول: " وأضر البدع وأشدها إغواء وضررا مل يحضره صنف من علماء الدين لأن يكون هذا غشا للناس يجعلهم يعتقدون بأن البدعة شريعة دينية فيحتج الجهلاء بهم على إماتة السنة وإحياء البدعة "٤.
ويقرر الشيخ رشيد أن عمل المولد للنبي ﷺ بدعة كغيره، " إن عمل الموالد بدعة لم تنقل عن أحد من سلف الأمة الصالح من أهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون بشهادة الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ومن زعم بأنه يأتي في هذا الدين بخير مما جاء به
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة، وأيضا: انظر: تصوير الشيخ لمنكرات الموالد. مجلة المنار (١/٩٣-٩٨) واقتراح لإزالتها، المصدر نفسه (١/١٠٠-١٠١، ١١٢-١١٩) . ٢ تفسير المنار (٢/٧٥) ووانظر: مجلة المنار (٨/٢٢١) . ٣ مجلة المنار (٤/٥٩٤) . ٤ المصدر نفسه (٣/٦٦٤) .
[ ٥٧١ ]
رسول الله ﷺ وجرى عليه ناقلو سنته فقد زعم أنه ﷺ لم يؤد رسالة ربه وأما القيام عند ذكر وضع أمه له ﷺ وإنشاد بعض الشعر أو الأغاني في ذلك فهو من جملة هذه البدع "١.
ولقد كان الشيخ رشيد يهيب بالعلماء والمصلحين بأن ينكروا هذه البدع وما يحدث فيها من مفاسد، ولكنه كان مما يلقى عنتا وشدة في دعوته تلك، وكان يأمل دائما أن تزال هذه المنكرات، ولو بالتدريج، إلا أنه يعلن أسفه لاستمرار هذه البدعة وعدم إنكار العلماء في عصره لها فيقول: "قد احتفل في الأسبوع المنصرم بهذا المولد الاحتفال المعتاد، فكان أكثر بدعًا ومنكرات مما سبقه على غير ما كنا نتوقع من مبادرة علماء الدين إلى السعي في محو هذه الفضائح بالتدريج عاما بعد عام "٢.
ولقد زادت مفاسد هذه الموالد بعد الشيخ رشيد وإلى اليوم، ولا يزال يختلف إليها العدد الكبير ويزدحمون فيها كما يزدحمون في الحج، ويلبسون الثياب التي يلبسونها إلا في الأعياد الدينية، وترتكب في هذه الاحتفالات - الدينية - كل الموبقات، رغم أنه احتفال بمولد نبي أو صالح، ولكنه من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين٣.
ثالثًا: بدع الأيام والشهور:
ذكرت أن الأعياد المبتدعة، تكون مكانية وزمانية، ويشمل هذا كل ما لم يعظمه الشرع ولم يأمر بتعظيمه من الأماكن والأيام، فمن البدع الاحتفال بيوم لم يحتفل به الشرع٤، ومن ذلك الاحتفال بشهر رجب، وتخصيصه
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٩/٦٦٥-٦٦٦) باختصار، وانظر أيضا (٢/٢٨٨) وما بعدها، و(٣/٦٦٤) . ٢ مجلة المنار (٣/٤٢٧) . ٣ انظر وصفا قريبا للموالد يشبه ما يحدث اليوم: عند الجبرتي: التاريخ، ط. دار الجيل، بيروت، الثانية، ١٩٧٨م (١/٣٠٤)، وانظر أيضا: علي محفوظ: الإبداع (ص:٢٥٠-٢٥٢) ونفس هذه الآراء عند أنصار السنة، انظر: محمد علي عبد الرحيم: مصدر سابق: (ص:١١٠ و١٦٥) . ٤ انظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦١٣) .
[ ٥٧٢ ]
بصلاة وصيام كتعظيم أول خميس منه، وصلاة الرغائب فيه١.
فأما الصلاة في رجب فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل، وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه٢.
وفي مناسبة شهر رجب من كل عام كان الشيخ رشيد ﵀ ينبه قراءه على البدع في هذا الشهر، ففي عدد السبت (٦ رجب سنة ١٣١٧هـ)، عقد الشيخ رشيد فصلًا بعنوان "بدع رجب" ومما قال فيه: "لا تحضر في هذا الشهر جمعة في مسجد إلا وتسمع فيها الكذب على الرسول ﷺ على المنبر حتى منبر الأزهر وقد اتفق علماء الحديث على أن ما روي في صيام رجب موضوع أو واه لا أصل له، ونذكر بعض الأحاديث الموضوعة في رجب وصومه للتحذير منه.."٣. ثم ذكر بعض الأحاديث وأورد كلام أهل العلم عليها، ثم قال: "وأقبح من هذه الأكاذيب أكذوبة صلاة الرغائب "٤، ويضيف أهل مصر لهذه البدع منكرات أخرى فإنهم "يذهبون رجالا ونساء وأطفالا إلى المقابر فيبيتون في القصور المبنية عليها، يأكلون ويشربون ويهلون ويلعبون "٥.
وفي رجب ١٣١٨هـ فعل الشيخ نفس الشيء٦.
وفي نفس السنة نبه الشيخ رشيد على بدع شعبان فقال: "سيصدر هذا
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. وصلاة الرغائب: صلاة مخصوصة تؤدى في أول جمعة من رجب، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، لذلك لم يذكرها المتقدمون. انظر: ابن رجب: لطائف المعارف (ص:٢٢٨) . ٢ ابن تيمية: المصدر نفسه والصفحة. وابن رجب: لطائف المعارف (ص:٢٢٨) . ٣ مجلة المنار (٢/٥٥٩-٥٦٠) . ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ المصدر نفسه (٣/٦١٧) .
[ ٥٧٣ ]
الجزء من المنار في إثر الاحتفالات بليلة النصف من شعبان وهو من مواسم البدعة التي ينسبونها إلى الشرع وليست منه "١.
وفي العدد السادس من المجلة يقول عن ليلة النصف من شعبان: إن اتخاذ هذه الليلة موسما من مواسم الدين من البدع الحادثة في القرون المتوسطة "٢، وذكر من هذه البدع دعاء مخصوصا يقرأ في هذه الليلة.
وقال في العدد الرابع عشر: " وجملة القول أن الشعائر التي تقام في ليلة النصف من شعبان ليس لها أصل صحيح في الكتاب ولا في السنة وإن هذه العبادات والمتصوفة، وأنكرها المحدثون والفقهاء لعدم ثبوت أصلها، ولأن الله تعالى قد أكمل الدين فمن زاد فيه كمن نقص منه، كلاهما مبتدع "٣.
وأما شهر رمضان هو وإن كان زمانا قد عظمه الشرع وخصه بمزيد فضل، إلا أنه كذلك قد ناله نصيب وحظ مما ناله سابقيه من البدع. فلم تسلم عبادة من عبادات هذا الشهر من بدعة فيها٤. كما أنه أورد بعض الأحاديث الموضوعة في هذا الشهر٥.
ومن البدع التي أنكرها الشيخ في هذا الشهر ترك بعض الصلوات، كالمغرب والعشاء "والصلاة أفضل من الصوم بالإجماع"٦، وكذلك أنكر على من يتفلت من عبادة الصوم إلى اللهو واللعب، بل وربما ذهب بعضهم إلى أماكن الحرام كالحانات والمراقص٧، ومن الأشياء التي أنكرها في رمضان انتشار الوعاظ الجهلاء حتى في المساجد الكبرى٨.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/٦٦٥) . ٢ المصدر نفسه (٦/٧٢٤) . ٣ المصدر نفسه (١٤/٢٥٤-٢٥٦) . ٤ المصدر نفسه (٣/٧١١) . ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ مجلة المنار (٣/٧٥٣) . ٧ المصدر نفسه والصفحة. ٨ المصدر نفسه والصفحة. وأيضا (٣/٧١١ و٣/٧٨٩) .
[ ٥٧٤ ]
ومن البدع كذلك، ما يدخل في سماع القرآن، وهو من خصائص هذا الشهر، إلا أنه دخل فيه من البدع رفع الصوت فيه فيشوش على المصلين، وقراءته بألحان أهل الفسق كالمغنين والعازفين، دون الاعتبار بمعانيه والاهتداء بهديه"١.
رابعًا: بدع المساجد:
ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد بدع المساجد، ومنها ما يحدث في أقدم مساجد مصر، وهو جامع عمرو بن العاص، أو الجامع العتيق، ومنها: تعظيم الصلاة فيه إلى آخر جمعة من رمضان، ومنها: عزف الموسيقى في ذلك اليوم وإحضار الأشجار الصغيرة والرياحين في المحراب والمنبر، ومنها: ضرب العامة لأحد أعمدة هذا المسجد بناء على أسطورة كاذبة، ومنها: التبرك بمنبر فيه، ومنها: " أنهم جعلوا فيه قبرا كسائر مساجد مصر يزدحم الرجال والنساء للتبرك به" وغيرها من البدع٢.
ومن البدع التي تحدث في المساجد وأنكرها الشيخ جلوس النساء تحت المنبر للاستشفاء٣، ومنها: ما يحدث من المنكرات في المسجد المنسوب للحسين بن علي - ﵄٤، وإلى السيدة زينب بنت الحسين - ﵄٥.
ومن البدع التي أنكرها الشيخ رشيد - وكانت في مهدها لم تزل- إلا أنها نمت الآن بفعل عوامل كثيرة - فلم تنكر، بل ينكر على من ينكرها، بدعة التبرج في نساء مصر٦.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/٧٥٤) . ٢ المصدر نفسه (٣/٧٩٣-٧٩٤) وأسطورة العمود هي: زعمهم أن كل أعمدة المسجد جاءت من الحجاز تسعى بنفسها يسوقها عمرو بن العاص ﵁ إلا هذا العمود فإنه قد عصى. انظر: مجلة المنار (٣:٧٩٤) . ٣ المصدر نفسه (٧/٥٠١-٥٠٢) . ٤ المصدر نفسه (٢/٧٢، و٢٣/٢٢١) . ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ مجلة المنار (٨/٥١٧)، وأيضا: (٨/٨١٩) .
[ ٥٧٥ ]
ومنها كذلك – وقد استقرت كسابقتها - بدعة التشبه بالأوروبيين١.
ومنها كذلك، وهي آخر ما أورده هنا - بدعة الزار٢.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/٥٥٠) . ٢ المصدر نفسه (١/٥٦١-٥٦٦ و٦/٢٨٨ و٢٩٣) ولم أجد تعريفا للزار، وهو: احتفال تصحبه بعض الآلات الموسيقية ويكون صاخبا وغالبا حضوره من النساء وغرضه التقرب إلى الجن وعمل ما يرضيهم لإخراجهم. انظر: الوكيل: دعوة الحق (ص:١٠٧) .
[ ٥٧٦ ]
الفصل الخامس: منهج رشيد رضا في إثبات القدر
تمهيد
تمهيد:
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٢ وقال ﷺ في حديث جبريل عندما سأله جبريل عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشره" ٣.
والإيمان بالقدر على درجتين: الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: "اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" ٤، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أ×خطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥ فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: العلم والكتابة.
وأما الدرجة الثانية: فالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه
_________________
(١) ١ سورة القمر، الآية (٤٩) ٢ سورة الأحزاب، الآية (٣٨) ٣ رواه مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح:٨. ٤ رواه أبو داود: السنن: ك: السنة، باب: في القدر، ح: ٤٧٠٠، والترمذي: السنن: في القدر، ح: ٢٣١٦، وأحمد المسند (٥/ ٣١٧) ٥ سورة الحج، الآية (٧٠)
[ ٥٧٩ ]
سبحانه على كل شيء قدير، وما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ﷾، لا خالق غيره ولا رب سواه، لا فرق في ذلك بين أفعال العباد وغيرها، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. فهذه الدرجة تشتمل على مرتبتين: الإرادة والمشيئة، والخلق والتكوين ٣. وأفعال العباد داخلة - كما هو ظاهر - في المرتبة الرابعة، فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة. وعلى هذا الاعتقاد كان إجماع السلف ٤.
والدرجة الأولى في الإيمان بالقدر - العلم والكتابة - قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا - وهم الذين حكم السلف بكفرهم - ٥ ومنكروه اليوم قليل ٦. والدرجة الثانية: الإرادة والخلق، هي التي يكذب بها عامة القدرية، مجوس هذه الأمة، فيقولون إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله تعالى لا يخلقها، ولا يريد منهم إلا الطاعة، فتغلب إرادتهم إرادته ٧. ويحسن الآن أن نعرض لأقوال الفرق في القدر:
_________________
(١) ١ سورة التكوير، الآية (٢٨ ـ٢٩) ٢ سورة الصافات، الآية (٩٦) ٣ انظر لتقرير هذا المعنى: ابن تيمية: العقيدة الواسطية [ضمن مجموع الفتاوى: ٣/ ١٤٨ - ١٤٩]، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣ - ٦٤) ٤ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (١/ ٥٥) وما بعدها، وعبد الله بن أحمد: السنة (٢/ ٣٨٥) وما بعدها، واللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٥٨٩)، وابن منده: الإيمان (١/ ١٣٦) وما بعدها، وابن بظة: الإبانة: القدر (١/ ٢٣٥) وما بعدها، وابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٦٦ و٧٨ و٣/ ١١٢) وما بعدها، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ١١١) وما بعدها ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤٠٧هـ. ٥ انظر: ابن تيمية: الواسطية [ضمن مجموع الفتاوى] (٣/ ١٤٩)، والإيمان: (ص: ٣٦٤) ظ. المكتب الإسلامي، وعبد الله بن أحمد: السنة (٢/ ٣٨٥) ٦ ابن تيمية الواسطية [ضمن مجموع الفتاوى] (٣/ ١٤٩) ٧ انظر: ابن تيمية: المصدر السابق (٣/ ١٥٠)، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٨٠)
[ ٥٨٠ ]
وأبدأ أولًا بتحرير محل النزاع: فقد ذهب الذين كانوا ينكرون الدرجة الأولى في الإيمان بالقدر وهي: العلم والكتابة. وهم الذين كانوا يقولون: إن الأمر أنف، أي: مستأنف، ويقصدون بذلك: أن الله تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار؛ أي أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي، ويبتدئ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب ١.
وكما قلت؛ فقد ذهب هؤلاء وصار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم والكتابة، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق ٢. ولذلك أصبح التعبير عن هذه المسألة بـ "خلق أفعال العباد" ومعناه: الخلاف في كون الله تعالى هو المريد لها، الطاعات والمعاصي، والخالق لها، أم أن المؤثر فيها هو فقط إرادة العباد وخلقهم؟ ولدينا في الإجابة على هذا التساؤل ثلاث اتجاهات، الأول: المعتزلة القدرية، والثاني: الجبرية، والثالث: مذاهب التوسط. وسبب خلاف المختلفين، هو أن لدينا مسألتان متعارضتان في الظاهر، الأولى: ما دلت عليه أدلة الشرع وأيدته البداهة، من أن الإنسان يقدم على ما يفعله مختارًا غير مكره، ولذلك فإنه سيحاسب عليه. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ٣ وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٤. والمسألة الثانية: هي ما دل عليه الدليل من أن إرادة الله تعالى ومشيئته وخلقه وراء عمل الإنسان. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٦، وقد جمعت هاتين المسألتين في آية واحدة هي: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الإيمان (ص: ٣٦٤) ٢ المصدر نفسه (ص: ٣٦٩) ٣ سورة التوبة، الآية (١٠٥) ٤ سورة النجم، الآية (٣١) ٥ سورة التكوير، الآية (٢٩) ٦ سورة الأنعام، الآية ١١٢)
[ ٥٨١ ]
تَعْمَلُونَ﴾ ١ فذهب كل فريق إلى ترجيح إحدى المسألتين على الأخرى، والأخذ ببعض الأدلة في سبيل تأييد دعواه وترك البعض الآخر، وأعرض الآن وباختصار إلى أقوال هذه الفرق، تمهيدًا لمعرفة منهج رشيد رضا في هذا الباب.
أولًا: المعتزلة:
ذهبت المعتزلة إلى أن إرادة الإنسان هي المتصرفة وحدها في أفعاله، وأنه هو الخالق لها، لذا فهو المسؤول عنها والمحاسب عليها، وأنها خارجة عن إرادة الله تعالى وخلقه، ولا تدخل تحت قدرته، فالله سبحانه لا يهدي ضالًا ولا يضل مهتديًا، ويريد ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يريد ٢. فزعموا أن في المخلوقات ما لا تتعلق به قدرة الله تعالى وإرادته ومشيئته وخلقه. واستدلوا بأدلة من العقل على مذهبهم هذا ٣. ولم ينكر المعتزلة العلم الأزلي، ولكنهم قالوا: إنه غير ملزم بل هو صفة كشف - فقط - عن العلوم. وكذلك: لم تنكر المعتزلة أن القدرة التي يخلق بها العبد فعله هي من الله تعالى، وقالوا: هي قدرة واستطاعة قبل الفعل، صالحة للضدين ٤. وأدلة الكتاب والسنة متواترة على بطلان هذا المذهب. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥، وهذا عام لا يخرج منه شيء من العالم أعيانه وأوصافه وأفعاله وحركاته وسكناته ٦، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٧،
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية (٩٣) ٢ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٣٣٢)، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٩١)، وزهدي حسن: المعتزلة (ص: ٩٢) ٣ انظر: عبد الجبار: المصدر نفسه (ص: ٣٣٤ - ٣٣٥ وص: ٣٥٥ - ٣٨٢) ٤ عبد الجبار: المصدر نفسه (ص: ٣٩٨)، وزهدي حسن: مصدر سابق (ص: ٩٥)، ومصطفى صبري: موقف البشر (ص: ٣٥ - ٣٦ وص: ٤١)، وانظر: عبد الله بن أحمد: السنة (٢/ ٣٨٦) ٥ سورة، الآية (٤) ٦ انظر: ابن القيم: شفاء العليل (ص: ٩٩) ٧ سورة البقرة، الآية (٢٨٤)
[ ٥٨٢ ]
وأفعال العباد أشياء ممكنة والله قادر على كل ممكن ١، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ٣ إلى آيات كثيرة تدل على هذا المعنى.
ثانيًا: الجبرية:
وبينما وقفت الجبرية على هذا الطرف، ورجحت هذا الجانب، وقفت الجبرية على الطرف الآخر ورجحت الجانب الثاني. فقالوا: إن إرادة الله تعالى هي المتصرفة وحدها وهو الخالق لأفعال العباد، وهم لا إرادة لهم ولا اختيار بل هم مجبورون على أعمالهم، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيهم على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليهم الأفعال مجازًا، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتجرك الشجر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا جبر ٤.
ولا شك أن الجبرية أحق بالذم من المعتزلة وهم داخلون معهم في اسم "القدرية" وإن كان مذهب الجبر أشد فسادًا وأسوأ لازمًا، إذ أنه مبطل للشرائع، مسقط للأمر والنهي ٥.
ثالثًا: مذاهب التوسط:
ولقد آثرت هذه التسمية، لأن هذه المذاهب حاولت التوسط بين قول المعتزلة الذين ينسبون الفعل إلى إرادة الإنسان وخلقه، وبين الجبرية الذين ينفون إرادة الإنسان: ولدينا هنا مذهبان: الأول: مذهب الأشعرية، والثاني: مذهب الماتريدية.
_________________
(١) ١ ابن القيم: المصدر السابق والصفحة. ٢ سورة الأنعام، الآية (١١٢) ٣ سورة البقرة، الآية (٢٥٣) ٤ انظر: مذهب الجبري: الأشعري: المقالات (١/ ٣٣٨)، والشهرستاني: الملل والنحل (١/ ٧٢)، والبغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٢١١) ت: عبد الحميد، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٩١) ٥ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٣ - ١٠٥)
[ ٥٨٣ ]
أ) - مذهب الأشعرية:
والحق أن مذهب الأشعرية في القدر ليس واحدًا، وقد تطور المذهب من الأشعري ومرورًا بالباقلاني إلى الجويني، والذي استقر عليه مذهبهم - بعد إثبات علم الله تعالى وكتابته، وقدرته وإرادته وخلقه ١، أن العباد لهم قدرة وإرادة في الفعل، لكنها غير مؤثرة فيه، بل الله ﵎ هو الخالق لها وقدرته هي المؤثرة وحدها ٢. وإذا كانت قدرة الإنسان ليس لها تأثير بحال، فهي قدرة غير مؤثرة، فحقيقة مذهب الأشعرية هو الجبر إذ أن القدرة غير المؤثرة كلا قدرة، ويسمي الأشعرية مذهبهم هذا بمذهب الجبر التوسط، أي الجبر بواسطة الاختيار ٣.
ب) - مذهب الماتريدية:
وكما حاول الأشعرية التوسط بين المعتزلة والجبرية، إلا أن القدر لم يساعدهم فحالوا إلى الجبر، فقد حاول كذلك الماتريدية التوسط، إلا أنهم مالوا إلى المعتزلة. فبالرغم من إقرار الماتريدية بعلم الله تعالى وإرادته وخلقه لأفعال العباد ٤، إلا أنهم قالوا بوجود إرادة جزئية للعبد يوجه بها فعله المترجح بالإرادة الكلية، نحو جانب معين. وهذا هو نقطة الفرق بينهم وبين الأشعرية، فالإرادة عند الماتريدية تنقسم إلى إرادة كلية هي مخلوقة لله تعالى، وهي اسم لصفة الإرادة التي من شأنها ترجيح أحد المقدورين على الآخر، وإلى إرادة جزئية غير مخلوقة لله، وهي - كما فسروها - تعلق تلك الصفة - الإرادة الكلية - بجانب معين، فالجزئية تأتيها من تعينها بتعين متعلقها ٥،
_________________
(١) ١ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص: ٣١٧)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ١٣٤)، والشهرستاني: الملل ولانحل (ص: ٨٤ - ٨٥) ٢ انظر: الباقلاني: المصدر السابق (ص: ٣٤٧)، والبغدادي: المصدر السابق (ص: ١٣٣ - ١٣٤)، والبيجوري: تحفة المريد (ص: ١٢٢ - ١٢٣) ٣ انظر: مصطفى صبري: موقف البشر (ص: ٥٠ و٥٦)، وحاشية الدواني على العقائد العضدية (١/ ٢٦٢) وما بعدها، ت: سليمان دنيا. ٤ انظر: اللامي: التمهيد لقواعد التوحيد (ص: ٩٧) ٥ انظر: مصطفى جبري: موقف البشر (ص: ٥٦ - ٥٧)
[ ٥٨٤ ]
وهذه الإرادة الجزئية هي من قبيل الحال المتوسط بين الموجود والمعدوم ١. وقد أقر متأخرو الماتريدية بأن مذهبهم هو مذهب المعتزلة الذي ما زال يعيش تحت اسم "الماتريدية" ٢.
وقبل أن أنهي هذا التمهيد أحب أن أشير مرة أخرى لمذهب أهل السنة وهو: أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، م ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والعبد مأمور بطاعة الله منهي عن معصيته، وكل ذلك بقدر الله تعالى، ولا حجة لأحد على الله تعالى ٣.
وأهل السنة يأخذون كل دليل صحيح من الفريقين - القدرية والجبرية - فالحق الذي مع الجبرية هو كل دليل صحيح يدل على قدرة الرب ومشيئته، وكل دليل صحيح مع المعتزلة فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم قائم بهم واقع بقدرتهم. وإحداث الله تعالى لأفعال العباد بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بالعبد، وإحداث العبد لها بمعنى أنه حدث منه هذا الفعل القائم به بالقدر والمشيئة التي خلقها اله فيه، فجهة الإضافة مختلفة ٤. وبهذا يزول الإشكال: فإنه يقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلًا له ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له، إذا كان قد جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان ٥.
ويبقى الآن أن أبين منهج رشيد رضا في هذا الباب. لقد تحدث رشيد رضا عن القدر كثيرًا، ولكنه كان حديثًا متناثرًا، فحاولت أن أجمعه وأرتبه، ليجتمع لي قدرًا كافيًا منه، أستطيع من خلاله تصور موقفه من القدر.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٥٧) ٢ صرح بهذا: زاهد الكوثري، وهو ماتريدي. انظر: مصطفى جبري: موقف العقل (٣/ ٣٩٢) ٣ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣ - ٦٤) بتصرف. ٤ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٣/ ٢٤٠ـ ٢٤١) ٥ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٣)
[ ٥٨٥ ]
المبحث الأول: موقف رشيد رضا من الفرق في القدر
اتخذ رشيد رضا موقفًا رافضًا لموقف الفرق المختلفة في القدر، بدءًا من القدرية الأولى التي أنكرت العلم إلى المعتزلة التي أثبتته وأنكرت حجيته كما أنكرت الإرادة. ومرورًا بالجبرية إلى الأشعرية الذين تمذهبوا بمذهب الجبر مع تبرئهم من اسمه. كما رفض طريقة المتكلمين النظرية في هذه المسألة - كما رفضها في غيرها من المسائل ـ.
يشير رشيد رضا أولًا إلى أن عقيدة القدر لها شأن عجيب، لأن عامة الناس أعلم بها من المتكلمين لأنها "بديهية عوملت معاملة النظريات، والبديهي كلما زاد البحث فيه بَعُد عن الإدراك " ١. والسبب في ذلك "أن علماء الكلام سلكوا الطريقة النظرية العقلية في الرد على المخالفين من الملاحدة والمبتدعة، ورد الأشاعرة على المعتزلة والقدرية والجبرية. والمسائل النظرية مثار الشبهات والإشكالات وبذلك دخلت مسألة القضاء والقدر في قالب فلسفي نظري وكثر فيه القيل والقال، والقرآن فوق ذلك كله، وإنما هي مباحث فلسفية تتعلق بقدرة الله وإرادته وبخلق الإنسان وغرائزه ولا يوجد مذهب من المذاهب التي قال بها فلاسفة المسلمين من أهل الكلام والتصوف إلا وقد قال بمثلها غيرهم ويقول بها بعض علماء أوربة اليوم " ٢.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣/ ٤٩١) ٢ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٧)
[ ٥٨٦ ]
ولذلك فإن هذه المسألة ليست خاصة بالمسلمين وحدهم بل وجدت هذه المسألة في الأديان القديمة والفلسفات السابقة على الأديان، فالسؤال عن القدر وارد على جميع أهل الملل والفلسفة لأنه مسألة قديمة منذ خلق الإنسان، لذلك فإن رشيد رضا يرد على من يعد القدر شبهة على دين الإسلام، فإنه ليس كذلك، ولو كان كذلك لكان شبهة على كل ذين وكل فلسفة ١. ولا ريب أن الحل الإسلامي لمسألة القدر وبيان القرآن له لا يدع للملحد قولًا.
وبين رشيد رضا نشأة الكلام في القدر عند المسلمين، وأشار إلى بدعة القدرية الأولى التي نفت علم الله تعالى، وزعمت أن الأمر أنف أي: "أن الله تعالى يستأنف ويبتدئ ما يريد إيجاده، كل شيء في وقته" ٢. كما كان من مذهبهم "أن الإنسان إذا فعل شيئًا فإنما يفعله أنفًا أيضًا من غير أن يكون لله تعالى علم سابق بذلك فالإنسان مستقل بذلك تمام الاستقلال" ٣.
وأشار رشيد رضا إلى أن هذه البدعة قد حدثت في عصر الصحابة وأن أول من تلقاها هو "معبد الجهني" ٤ وأنه أخذ هذه المقالة عن رجل مجوسي اسمه "سيسويه" ٥ وذكر رشيد رضا أن السلف كفر هذه الفرقة ٦.
ثم إن المتأخرين من القدرية - وهم المعتزلة - أقروا بالعلم - كما يقول ـ: "إن المتأخرين منهم اعترفوا بأن لله تعالى علمًا أزليًا بالأشياء ولكنهم أنكروا أن يكون له إرادة تتعلق بأفعال العباد مع أن معنى الإرادة هو وقوع الفعل من العالم على حسب علمه" ٧ ويعني بذلك أنهم متناقضون في إثباتهم العلم وإنكارهم للإرادة.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (١٢/ ١٩٧ - ١٩٨) ٢ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٦) ٣ المصدر نفسه. ٤ هو: معبد بن عبد الله الجهني - نزيل البصرة، وأول من تكلم بالقدر زمن الصحابة، في عداد التابعين، وكان من علماء الوقت على بدعته. الذهبي: السير (١٤/ ١٨٥) ٥ مجلة المنار (١٢/ ١٩٦) وقارن مع: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٣/ ٥٩١) ٦ مجلة المنار (١٢/ ١٩٦)، وقارن مع: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٤/ ٧٠٧ ـ٧١٥) ٧ مجلة المنار (١٢/ ١٩٦)
[ ٥٨٧ ]
ثم يتحدث عن الجبرية – بعد ما أشار إلى مذهب القدرية – فيقول: "غلا أولئك فوقفوا في طرف وعبدوا الله على حرف فجاء بعدهم آخرون وقفوا على الطرف المقابل لطرفهم، وهم الجبرية، فقالوا: إن الإنسان ليس له عمل ولا قدرة، وإنما هو كالريشة المعلقة في الهواء تحركها رياح الأقدار، من غير أن يكون لها إرادة ولا اختيار "١. وأما الحجة التي احتجت بها القدرية، فهي العلم الثابت في الكتاب، ولكن رشيد رضا يجيب على هذه الشبهة بقوله: "إن تعلق العلم أو الإرادة بأن فلانا يفعل كذا، لا ينافي بأنه يفعله باختياره، إلا إذا تعلق العلم بأنه يفعله مضطرا كحركة المرتعش وبهذا صح التكليف، ولم يكن التشريع عبثًا، وتبين من هذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم ولم يسم باسمهم، قد غفلوا عن معنى الاختيار "٢.
ولأن مذهب الجبر أسوأ أثر من مذهب القدرية، فإن رشيد رضا يخصه بمزيد من عنايته، فيقول مبينا لأثره السيئ في الأمة: " كان بين المسلمين طائفة تسمى الجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع الفلسفة الفاسدة "٣، ويقول: "أولئك هم الجبرية الذين نزعوا من الأمة روح النشاط والعمل ورموها في هاوية الخمول والكسل، حتى داستهم بقية الأمم وكادت تبلعها بلاليع العدم "٤. ومن الأبيات التي ينشدها الجبرية لأنها تصور مذهبهم قول بعضهم:
ما حيلة العبد والأقدار جارية عليه في كل حين أيها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل الماء
ويرد رشيد رضا على هذا البيت قائلا: "هذا القائل يخاطب الرائي وهو لا يرى، فإنه اكتفى بما في خياله عما تحت نظره إذ يرى العبد يحتال
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه (٣/٥١٠) . ٣ مجلة المنار (٣/٢٦٩) . ٤ المصدر نفسه (٣/٤٩٤) .
[ ٥٨٨ ]
وهو لا يسأل ما حيلته، والأقدار هي التي جعلته يحتال ويعمل كما هو مشاهد. ومنه أن بعض الناس ألقوا أنفسهم في اليم ومنهم من لم يلقها، ولو كانت الأقدار حكمت على كل إنسان يلقى في اليم مكتوفا لكانوا كلهم سواء وما هم بسواء "١.
والذين تمذهبوا بمذهب الجبر وتبرأوا من اسمه هم الأشعرية، وقد اتخذ رشيد رضا موقفا معارضا لما ذهبوا إليه، وحمل على مذهبهم وبين فساده، فبعد أن يورد مذهب السلف الصالح نقلا عن مصادرهم، يقول مخاطبا قراءه: "أوردنا هذا الكلام هنا للذين لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب متأخري الأشعرية القائلة بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله، وأن الله يخلق السبب عند المسبب، وأن العبد كاسب لعمله في الظاهر مجبور عليه في الحقيقة "٢.
ويرد مذهب الجبرية أيضا في قولهم أن الأفعال هي خلق لله تعالى وأنها تنسب للإنسان لأنه محلها فقط، فيقول: "إن أفعاله تسند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه، لا لأنه محلها "٣.
ويرشد رشيد رضا قراءه بأن لا يلتفتوا لهذا الجدال والفلسفة التي تقع بين المعتزلة والأشعرية٤ ويعد هذا الجدال من سوء الأدب مع الله تعالى. ويرى أن هذه الطريقة وتلك الفلسفات هي التي أفسدت عقيدة العامة من المسلمين المتأخرين، الذين اختلط عليهم الأمر، فترى في كلامهم ما يدل تارة على القدر وتارة على الجبر لاضطراب عقائدهم بسبب هذه الفلسفات، وأنهم أصبحوا في المسائل المتعلقة بإقامة الدين جبرية، وفي المسائل المتعلقة بالدنيا قدرية٥.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/٢٣-٢٤) . ٢ مجلة المنار (٩/١١٠) . ٣ تفسير المنار (٨/٢٨٦) . ٤ المصدر نفسه (٣/٢٣٠ و٨/٥٠) . ٥ مجلة المنار (١٢/١٩٧) .
[ ٥٨٩ ]
وأما المذهب الحق في رأي رشيد رضا - في مسألة القدر - وفي كل مسألة فهو مذهب السلف الصالح ١.
لقد حاول رشيد رضا أن يقرر مذهب السلف في القدر، وقد نجح في أغلب الأحيان، وتعثر قليلًا، ولكنه في كل حال، كان معتمدًا على الكتب التي تبين مذهب السلف في هذه المسألة مرجحًا لها لا لغيرها من كتب المتكلمين، داعيًا إلى الاكتفاء بها والرجوع إليها، دون كتب هؤلاء المتكلمين ٢.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (١٢/ ١٩٥ - ١٩٦) وتفسير المنار (٨/ ٥٠) ٢ انظر: مجلة المنار (٩/ ٨١ - ١١٠)
[ ٥٩٠ ]
المبحث الأول: تعريف القدر: لغة وشرعًا
المطلب الأول: تعريف القدر لغة
المطلب الأول: تعريف القدر لغة:
تتكون هذه الكلمة من ثلاثة أحرف أصلية صحيحة تدل على "مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" ١، ويتفرع عن هذه المعاني الأصلية معان نوعية مناسبة للمعاني الأصلية:
فالقدْر: مبلغ كل شيء. يقال: قدْره كذا: أي مبلغه وكذلك القَدَر. وقدرت الشيء أقْدِرُه وأَقْدُرُه من التقدير، وقدّرته أقدِّرُه، والقدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها الله. وهو القَدَر أيضًا ٢.
وأما شرعًا، فهو: كما بينت أول الفصل أنه يعني: الإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته وإرادته ومشيئته وخلقه لأفعال عباده مع إثبات قدرتهم المؤثرة في هذه الأفعال ٣.
_________________
(١) ١ ابن فارس: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٦٢) ٢ المصدر نفسه (ص: ٦٣)، وانظر أيضًا: الأزهري: تهذيب اللغة (٩/ ١٨ - ١٩)، وابن منظور: لسان العرب (٥/ ٧٩) ٣ انظر: ابن القيم: شفاء العليل (ص: ٥٥) وما بعدها.
[ ٥٩١ ]
لقد عرف رشيد رضا القدر وكذلك القضاء متتبعًا ورودها هذين اللفظين في القرآن الكريم. ولكنه قبل ذلك أشار إلى ملاحظة هامة هي: أن السلف ﵀ كانوا يعرفون هذه المسألة بمسألة "القدر" ثم إنها اشتهرت بعد ذلك باسم "القضاء والقدر" ١. وإنني على أهمية هذه الملاحظة لم أستطع إلى أول من أدخل هذه الإضافة في التسمية.
ثم بين رشيد رضا معنى القدر - والقضاء - في القرآن فقال: "القَدْرُ بفتح الدال وسكونها، والمقدار والتقدير، ألفاظ وردت في القرآن بمعنى: جعل الشيء بمقياس مخصوص أو وزن محدود أو وجه معين يجري على سنة معلومة، فهي داخلة في معنى النظام والترتيب " ٢. ثم طفق يستدل على ذلك بآيات الكتاب العزيز، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣، قال: "أي بمقدار معين له نظام" ٤. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٥ قال: "أي: بمقدار ما يسعه كل وادٍ من الماء" ٦، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٧، والمعنى - كما يقول الشيخ رشيد ـ: "أي: أن لكل شيء من مخلوقاته سننًا ونواميس ومقادير منتظمة كسنته في حمل الإناث وعقمها، وزيادة علوق الأرحام ونقصها.."٨.
ويفعل رشيد رضا نفس الشيء فيما يتعلق بالـ "قضاء" فيتتبع معانيه في الكتاب قائلًا: "ورد القضاء بمعنى الفصل في الحكم في الشيء قولًا أو
_________________
(١) ١ انظر: رشيد رضا: مجلة المنار (١٢/ ١٩٣) ٢ مجلة المنار (١٢/ ١٩٤) ٣ سورة المؤمنون، الآية (١٨) ٤ مجلة المنار (١٢/ ١٩٤) ٥ سورة الرعد، الآية (١٧) ٦ مجلة المنار (١٢/ ١٩٤) ٧ سورة الرعد، الآية (٨) ٨ مجلة المنار (١٢/ ١٩٤)
[ ٥٩٢ ]
فعلًا، وبمعنى الإعلام به، وبمعنى إتمام الشيء وإنهائه" ١، ثم يستدل بآيات الكتاب على هذا، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٢ قال: " أي حكم بذلك قولًا في كتابه المنزل على رسوله" ٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ قال: "أي يحكم ويفصل بالفعل" ٥. وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ٦ أي: "الإعلام بذلك والإخبار بوقوعه" ٧.
وذكر الشيخ رشيد أن هذا اللفظ ورد بمعنى المشيئة ٨، واستشهد بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٩ ثم أشار إلى أن هذا المعنى ورد بلفظ الإرادة ١٠، وتلا قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١١.
وأما العلاقة بين "القضاء والقدر" فيذهب رشيد رضا إلى أنهما يدلان على معنيين مختلفين، فيرى أن القضاء هو: " تعلق علم الله وإرادته - قولان - في الأزل لأن الشيء يكون على الوجه المخصوص من الوجوه المكنة، والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في الأزل" ١٢.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/ ١٩٣)، وقارن مع الراغب: المفردات (ص: ٦٧٤) قضى. ٢ سورة الإسراء، الآية (٢٣) ٣ مجلة المنار (١٢/ ١٩٣) ٤ سورة النحل، الآية (٧٨) ٥ مجلة المنار (١٢/ ١٩٣) ٦ سورة الحجر، الآية (٦٦) ٧ مجلة المنار (١٢/ ١٩٣) ٨ المصدر نفسه. ٩ سورة البقرة، الآية (١١٧) ١٠ مجلة المنار (١٢/ ١٩٤) ١١ سورة يس، الآية (٨٢) ١٢ مجلة المنار (٣/ ٥١٣)، وانظر: تفسير المنار (٤/ ١٩٥)
[ ٥٩٣ ]
وللعلماء في العلاقة هذه أقوال أخرى، منها عكس ما ذكره رشيد رضا، ومنها الترادف ١.
_________________
(١) ١ انظر: الراغب: المفردات (ص: ٦٧٥) "قضى"، وانظر: السفاريني: لوامع الأنوار (١/ ٣٤٥) ط. على نفقة آل ثاني. والجرجاني: التعريفات (ص: ١٥١ و١٥٥)
[ ٥٩٤ ]
المطلب الثاني: الإيمان بالقدر شرعًا:
ويبين الشيخ رشيد معنى الإيمان بالقدر - بعد أن يستبعد كعادته طريق المتكلمين ونظرياتهم لأن "دين الفطرة لا يكلف الناس عناء هذه الفلسفة" ٢ - فيقول: " هو أن الله تعالى خلق كل شيء بحكمة ونظام وقدر سابق على الفعل تجري عليه السنن العامة" ٣.
ويقول في موضع آخر: "إن الله خلق كل شيء بقدر ونظام، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه إذا قضى أمرًا وأراده يقع بلا تخلف ولا بطءٍ، وأن له سننًا ونواميس ينبغي لهم أن يعرفوها وأن لأعمالهم جزاءً هو أثر طبيعي لها، يكون بعضه في الدنيا وتمامه في الآخرة " ٤. وفي معنى قوله ﷺ: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٥ قال: "إن كلًا من الخير والشر يجري في الكون بمقادير وموازين وسنن وأسباب اقتضتها الحكمة البالغة " ٦.
وبعد أن يورد عددًا من الآيات ليستشهد بها على إثبات القدر - ومنها قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٧ يعلق قائلًا: "فعلم من هذه الشواهد كلها أن عقيدة القدر والمقدار والتقدير في كتاب الله - هي التي
_________________
(١) ٢ مجلة المنار (١٢/ ١٩٩) ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه (ص: ٢٠٠) ٥ مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٨. ٦ مجلة المنار (١٢/ ٢٠٠) ٧ سورة الفرقان، الآية (٢)
[ ٥٩٤ ]
تعلم المؤمنين بهذا الكتاب أن لهذا الكون نظامًا محكمًا وسننًا مطردة، ارتبطت فيها الأسباب بالمسببات، وأنه ليس في خلق الرحمن خلل ولا تفاوت، ولا فيه قذفات مصادفات ولا خلل استبداد، وأنه لا استئناف في الإيجاد والإمداد " ١.
ورغم أن كلام رشيد رضا يتضمن عناصر هامة في معنى القدر والإيمان به، إلا أنه يبدو ناقصًا بعض الأركان التي أشرت إليها، وهي: العلم السابق والكتابة والإرادة والخلق. إلا أن رشيد رضا لا ينكر شيئًا من ذلك. فهو ينكر على القدرية الأولى عدم اعترافهم بالعلم السابق ودعواهم أن الأمر أنف: أي مستأنف أو كما يقول رشيد رضا "أن اله يستأنف ويبتدأ ما يريد إيجاده كل شيء في وقته " ٢. كما أنه ينكر على المتأخرين منهم إنكارهم لإرادة الله تعالى - مع إثباتهم العلم - مع أن "الإرادة هي وقوع الفعل من العالم على حسب علمه" ٣. فإذًا يثبت رشيد رضا هذين العنصرين الهامين في تعريف القدر: وهما: العلم والإرادة، حتى إنه يقول: إن البحث في هذا الموضوع - القدر - هو من توابع البحث في العلم والإرادة الإلهية ٤. فمن أثبت القدر أثبت هذين العنصرين. ولذلك فنحن بحاجة لمعرفة موقف رشيد رضا من عناصر القدر الأربعة التي ذكرتها وهي: العلم والكتابة والإرادة والخلق.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/ ١٩٥) ٢ المصدر نفسه (١٢/ ١٩٦) ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه (٣/ ٤٩٠)
[ ٥٩٥ ]
المبحث الثالث: بيان رشيد رضا لأركان القدر
المطلب الأول: العلم
سبق أن ذكرت أن الإيمان بالقدر يكون على درجتين تشتمل على أربع مراتب، أو أركان: العلم والكتابة والإرادة والخلق. وقد أثبت رشيد رضا هذه المراتب كما يلي:
المطلب الأول: العلم:
لقد أثبت رشيد رضا العلم السابق، وإن الناس قد قسموا بموجب هذا العلم إلى شقي وسعيد، ورد أقوال المعتزلة في العلم، كما رد أقوال الجبرية في احتجاجهم بالعلم على الجبر، فقال في إثبات العلم: "أما علم الله تعالى فهو قديم بقدمه، أزلي بأزليته، فالقسمة فيه قديمة أزلية أيضًا" ١. ويعني بذلك قسمة الناس إلى شقي وسعيد. ويقول في موضع آخر: "القدر وقوع الشيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقًا للواقع، وإلا كان جهلًا، أو: الواقع غير واقع، وهو محال " ٢.
لقد كان المعتزلة الأولون ينكرون علم الله السابق، إلا أن المتأخرين
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/ ٥٤٤) ٢ تفسير المنار (٤/ ١٩٥)
[ ٥٩٦ ]
منهم أقروا به ثم تناقضوا - في رأي رشيد رضا - عندما أقروا بالعلم وأنكروا الإرادة ١، وفي كلامه الذي نقلته آنفًا رد على القدرية الذين أقروا بالعلم ولكنهم أنكروا حجيته في مسألة القدر ٢.
وأما الجبري فإنهم يحتجون بالعلم على الجبر، فيرد عليهم رشيد رضا بقوله: "إن تعلق العلم والإرادة بأن فلانًا يفعل كذا لا ينافي أنه يفعله باختياره، إلا إذا تعلق العلم بأنه يفعله مضطرًا كحركة المرتعش، ولكن أفعال العباد اختيارية، أي: بإرادة فاعليها لارغمًا عنهم، وبهذا صح التكليف، ولم يكن التشريع عبثًا، وتيبن من هذا أن الجبرية ومن تلا تلوهم ولم يسم باسمهم، قد غفلوا عن معنى الاختيار " ٣.
وما ذهب إليه رشيد رضا من إثبات العلم هو الصواب، والعلم هو حجة أهل السنة على القدرية ٤. والذين أشار إليهم رشيد رضا بأنهم يقولون بالجبر مع التبرأ من اسمه هم الأشعرية، وقد سبق بيان مذهبهم، وسيأتي - إن شاء الله - بيان موقف رشيد رضا من الفرق في القدر.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٢/ ١٩٦) ٢ انظر: عبد الله: السنة (٢/ ٤٣٨) ٣ مجلة المنار (٣/ ٥١٠ـ ٥١٣)، وقارن مع ابن القيم: الشفاء (ص: ٦٠) ٤ انظر: عبد الله السنة (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)
[ ٥٩٧ ]
المطلب الثاني: الكتابة:
أثبت رشيد رضا الكتابة الإلهية التي ترتبط مع العلم، في درجة واحدة، فقد عرفها رشيد رضا لغة وشرعًا وبين علاقتها بالعلم ثم بين الحكمة من هذه الكتابة.
عرّف رشيد رضا الكتابة فقال: "الكتابة عبارة عن ضبط العلم بالشيء، والعلم نفسه لا يتعلق بالأشياء تعلق إيجاد وتكوينن وإنما يتعلق بها تعلق انكشاف وإحاطة، فلا إجبار ولا تحتيم، وإنما يكتب الشيء على ما يكون
[ ٥٩٧ ]
عليه" ١.ولقد سبق بيان رشيد رضا لوجه كون العلم حجة على القدرية، وما يقال في العلم يقال في الكتابة كذلك.
ويستدل رشيد رضا بآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ على هذه الكتابة. فمن الآيات التي استدل بها قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢، قال: "وفي معنى هذه الآية التي نفسرها آيات" ٣. ثم قال: "جمهور علماء الإسلام على أن هذه الآيات كلها في معنى واحد فسرتها الأحاديث التي نورد أشهرها" ٤، ثم أورد بعض الأحاديث، ومنها: حديث "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب - فهو عنده فوق العرش ـ: إن رحمتي غلبت غضبي" ٥، ومنها: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" ٦، ومنها: "أول ما خلق الله القلم ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" ٧.
ثم قال: "ومذهب السلف أن تؤمن بالقلم الإلهي واللوح المحفوظ، وما كتب في اللوح من مقادير الخلق وإحصائه جميع ما كان ويكون في هذا العالم من بدء تكوينه إلى يوم القيامة من غير أن نحكم آراءنا وأقيستنا في صفة شيء من ذلك " ٨.
وعن حكمة هذه الكتابة يقول: وإذا كان من حكمته أن جعل لهذا
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١٤/ ٤٢٤) ٢ سورة الأنعام، الآية (٥٩) ٣ تفسير المنار (٧/ ٤٧٠ - ٤٧١) ٤ المصدر نفسه. ٥ رواه البخاري: الصحيح، ك: بدء الخلق، باب: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده..﴾، ح: ٣١٩٤. ٦ رواه مسلم: الصحيح، ك: القدر، ح: ١٦ (٢٦٥٣) ٧ رواه أبو داود: ك: السنة، باب في القدر، ح: ٤٧٠٠. ٨ تفسير المنار (٧/ ٤٧٠ - ٤٧١)
[ ٥٩٨ ]
الملك العظيم الذي يدار بأعلى درجة من التقدير والتنظيم، عرشًا عظيمًا هو مصدر التدبير، أفلا يكون من كمال الحكمة والإتقان أن يكون لذلك كتاب مبين هو مظهر ذلك النظام والتقدير، كما يعهد للمالك المنظمة من كتب النظم والقوانين؟ بلى، ولله المثل الأعلى "١.
وهذا التوجيه من الشيخ رشيد لا يتعارض مع أوجه أخرى لحكمة الكتابة رويت عن السلف. إن كتابة المقادير في الأزل ثم كتابة الملائكة لأفعال العباد بعد وقوعها ثم مقارنة هذين الكتابين - يوم القيامة - فلا يرى بينهما اختلافًا في حرف واحد لهو مما يبين قدرة الله تعالى وعلمه المحيط بكل شيء، وكفى بذلك حكمة ٢.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨) ٢ انظر: ابن القيم: الشفاء (ص: ١٣)
[ ٥٩٩ ]
المطلب الثالث: الإرادة:
وقد أثبت رشيد رضا أيضًا الإرادة وقد سبق أن ذكرت أنه اعتبر البحث في القدر من قبيل البحث في العلم والإرادة، وقال: "ثبت بالبرهان أن قدرة الله تعالى منصرفة في الممكنات عن إرادة واختيار " ٣، وقال في موضع آخر: "إرادة الله تعالى لا تتغير ولا تقبل الفسخ لأنها عن علم تام وقدرة الله متصرفة في كل ممكن " ٤، وينكر رشيد رضا على متأخري القدرية الذين أقروا بالعلم السابق ولكنهم "أنكروا أن يكون له تعالى إرداة تتعلق بأفعال العباد، مع أن معنى الإرادة ووقوع الفعل من العالم على حسب علمه " ٥. ومع إثباته لإرادة الله تعالى المؤثرة في أفعال العباد يثبت رشيد رضا إرادة الإنسان أيضًا المؤثرة في أفعاله، فإن الله تعالى "خلق
_________________
(١) ٣ مجلة المنار (٣/ ٥١٠) ٤ المصدر نفسه (٣/ ٥١١) ٥ مجلة المنار (١٢/ ١٩٦)
[ ٥٩٩ ]
الإنسان قادرًا مريدًا فاعلًا بالاختيار وأن أفعاله تستند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه باختياره " ١. ومع ذلك فإن الإنسان "غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم" ٢.
وبهذا فارق رشيد رضا المعتزلة القائلين بعدم قدرة الله على أفعال عباده وإرادته لها، والأشعرية المنكرين لتأثير إرادة الإنسان ويعيب عليهم قولهم: "بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله " ٣.
وهذه المرتبة - مرتبة الإرداة والمشيئة - قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان، وليس في لاوجود موجب ومقتضى إلا مشيئة الله وحده وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٥٦) ٢ المصدر نفسه (٤/ ١٩٥) ٣ مجلة المنار (٩/ ٨١) ٤ انظر: ابن القيم الشفاء (ص: ٨٠)
[ ٦٠٠ ]
المطلب الرابع: الخلق:
وخلق الله تعالى لكل شيء متفق عليه بين الرسل وعليه جميع الكتب الإلهية، والفطرة والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس هذه الأمة فأخرجوا طاعات عباده عن ربوبيته ومشيئته وخلقه، وجعلوهم هم الخالقين لها، ولا تعلق لها بمشيئة الله تعالى وخلقه ٥.
وعن هذا الركن الهام من أركان القدر يقول رشيد رضا مثبتًا له: "إننا نؤمن بأن الله تعالى هو خالق كل شيء بقدرته وإرادته، واختياره وحكمته " ٦.
ويقول في موضع آخر: "وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه:
_________________
(١) ٥ المصدر نفسه (ص: ٩١) ٦ الوحي المحمدي (ص: ٢٣٢)
[ ٦٠٠ ]
أحدهما: أن الله خالق كل شيء، وثانيهما: أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى الإنسان يعمل أعماله بقصد واختيار ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم " ١.
وهذا هو الصحيح فإن إرادة الإنسان ومشيئته تابعة لإرادة الله تعالى ومشيئته ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
ولكن كيف يجمع رشيد رضا بين الحقيقتين اللتين كانت سبب الخلاف بين المعتزلة والأشعرية، ورجح كل فريق منهم جانبًا منها - كمت أشرت في التمهيد لهذا الفصل ـ؟ يقول رشيد رضا جوابًا على هذا السؤال: "وجملة القول أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه يخلق بقدر ونظام وحكمة وسنن، لا أنفًا ولا جزافًا ولا عبثًا وأنه حكيم في خلقه وأمره وأنه خلق الإنسان قادرًا مريدًا فاعلًا بالاختيار وأن أفعاله تستند إليه ويوصف بها لأنها تقوم به وتصدر عنه باختياره، لا لأنه محلها، وتنسب إلى مشيئة الله من حيث انه هو الخالق له بهذه الصفات، والمعطي له هذا التصرف والاختيار " ٣. ويقول: "ومعنى خلقه تعالى للأشياء بقدر وتقديره لكل شيء: أنه خلقها بنظام جعل فيها الأسباب على قدر المسببات عن علم وحكمة ولم يخلق شيئًا جزافًا ولا أنفًا كما يزعم منكرو القدر " ٤. والحق أن الشيخ رشيد قد تعثر في هذا الموطن الصعب. إن المعتزلة لم ينكروا الأسباب ولم ينكروا أن القدرة التي يقوم بها الإنسان بأعماله هي من الله تعالى، إنهم يرون أن الإنسان يعمل بقدرة من الله سبحانه ٥، ولكن الخلاف في خلق الله تعالى لأفعال العباد الاختيارية على الحقيقة مع أنها واقعة منهم بالبداهة: وأهل السنة يقولون: "إن كل ما في الوجود مخلوق له تعالى، خلقه بمشيئته وقدرته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٤/ ١٩٥) ٢ سورة التكوير، الآية (٢٩) ٣ تفسير المنار (٨/ ٥٦) ٤ المصدر نفسه (٨/ ٢٨٦) ٥ انظر: زهدي حسن: المعتزلة (ص: ٩٢ - ٩٥)
[ ٦٠١ ]
يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويفقر ويغني، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويشر صدر من يشاء للإسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقًا حرجًا ١، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ فقد جعل الأصنام منحوتة معمولة لهم وأخبر أنه خالقهم وخالق معمولهم، فإن "ما" ههنا بمعنى الذي، والمراد: خلق ما تعملونه من الأصنام، وإذا كان خالقًا للمعمول وفيه أثر الفعل، دل على أنه خالق لأفعال العباد ٣.
ومن ناحية أخرى، فإن المعتزلة سلموا أن الله تعالى قد يخلق في العبد كفرًا وفسوقًا على سبيل الجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٦، ثم من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلًا للعبد وكسبًا له يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب، وهي مخلوقة لله تعالى، فالقول عند أهل الإثبات فيما يخلقه ابتداءً كالقول فيما يخلقه جزاءً من هذا الوجه ٧.
فإن قيل هذا قول من يقول: هي فعل للرب وفعل للعبد. قيل: إنها مفعولة للرب لا فعل له، إذا فعله ما قام به، والفعل عند أهل السنة غير المفعول، فهي مفعولة للرب وهي فعل للعبد، كما يقولون في قدرة العبد: إنها قدرة للعبد مقدورة للرب، لا أنها نفس قدرة الرب. وفي إرادة العبد هي إرادة العبد مرادة للرب ٨.
_________________
(١) ١ ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٧٨) ٢ سورة الصافات، الآية (٩٦) ٣ ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ١٧) ٤ سورة الأنعام، الآية (١١٠) ٥ سورة البقرة، الآية (١٠) ٦ سورة الصف، الآية (٥) ٧ ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٤) ٨ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٣/ ٢٤٠) وما بعدهان وابن القيم: الشفاء (ص: ٩٢ - ٩٣)
[ ٦٠٢ ]
المبحث الرابع: القدر والأسباب
وكما ظهر من تعريف الشيخ رشيد للقدر، فإنه يربط بين القدر والأسباب ربطًا قويًا، حتى جعل الأسباب أو "السنن" داخلة في تعريفه له. فالقدر والتقدير "عبارة عن النظام العام في الخلق الذي تكون فيه الأشياء بقدر أسبابها بحسب السنن، والنواميس العامة التي وضعها الخالق لها، لا ما اشتهر عند الجماهير من الناس من أن المقدر ما ليس له سبب، أو ما يفعله الله على خلاف النظام والسنن، ولا يحيط بأسباب الحوادث علمًا إلا خالقها ومقدر سببها وسننها" ١.
ويقول في موضع آخر تأكيدًا لهذا المعنى: "والقدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده" ٢.
ومشيئة الله تعالى في خلقه إنما تكون على وفق هذا المبدأ "مبدأ السببية" وعلى وفق السنن التي وضعها الله تعالى للخلق، يقول الشيخ رشيد: "فجاء القرآن يبين للناس أن مشيئة الله تعالى في خلقه إنما تنفذ على سنن حكيمة، وطرائق قويمة، فمن سار على سننه في الحرب - مثلًا - ظفر
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٣٣) ٢ تفسير المنار (٥/ ٢٥٣)
[ ٦٠٣ ]
بمشيئة الله وإن كان ملحدًا أو وثنيًا، ومن بها خسر وإن كان صديقًا أو نبيًا " ١.
وبتفصيل أكثر، وتمثيل، يشرح لنا الشيخ رشيد هذه المسألة، فيقول:
"إن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة الله في نظام الخلق، وأن لله تعالى أفعالًا خاصة به، فطلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقًا للمقاصد وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.
لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذًا بظاهر قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٢ وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم " ٣.
وتتعلق مشيئة الله تعالى بالأسباب والسنن، وتنفذ على وفقها، فإذا أراد الله تعالى شيئًا خلق له أسبابًا، بها يقع، وعلى وفقها يكون، وهذا على عكس ما يظنه كثير من الناس. يقول الشيخ رشيد في هذا: "إن من الناس من يظن أن معنى إسناد الشيء إلى مشيئة الله تعالى هو أن الله تعالى يفعل بلا سبب ولا جريان على سنة من سننه في نظام خلقه، وليس كذلك، فإن كل شيء بمشيئة الله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٤ أي: بنظام وتقدير موافق للحكمة ليس فيه جزاف ولا خلل، فإيتاؤه الملك لمن يشاء بمقتضى سننه إنما يكون بجعله مستعدًا للملك في نفسه، وبتوفيق الأسباب
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٤/ ١٤١) ٢ سورة الواقعة، الآية (٦٤) ٣ تفسير المنار (٢/ ٦٦) ٤ سورة الرعد، الآية (٨)
[ ٦٠٤ ]
لسعيه في ذلك " ١. "نعم إذا أراد الله إسعاد أمة جعل ملكها قويًا لما فيها من الاستعداد للخير حتى يغلب خيرها على شرها فتكون سعيدة، وإذا أراد الله إهلاك أمة جعل ملكها مقويًا لدواعي الشر فيها حتى يغلب شرها على خيرها، فتكون شقية وذليلة، فتعدو عليها أمة قوية، فلا تزال تنقصها من أطرافها، وتفتات عليها في أمورها، أو تناجزها الحرب، حتى تزيل سلطانها من الأرض، يريد الله تعالى ذلك فيكون بمقتضى سننه في نظام الاجتماع، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء بعدل وحكمة، لا بظلم وعبث " ٢.
ولدينا في هذا المثال آية واضحة في كتاب الله، تؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٣.
وما هذا إلا مثال فقط على تعلق مشيئة الله تعالى بالأسباب، وإلا فإن كل قدر إلهي ومشيئة؛ تنفذ بالأسباب التي يخلقها الله تعالى.
فكتب الله الجنة لأهل الجنة بالأسباب، بأ يسرهم لعمل أهل الجنة فيكونوا من أهلها، وكتب النار على أهل النار فيعملون بعمل أهل النار فيكونوا منهم.
والله تعالى هو الخالق للأسباب، وهو الذي يوفق لها، لمن كتب له الخير فيوفقه لأسباب الخير، وهكذا كل قدر قدره الله يكون بقدر الله وعلى أساس مبدأ السببية، فيرفع العلم بقبض العلماء ٤، وقبض العلماء سبب طبيعي لقبض العلم، ويهلك الأمم بخلق أسباب الهلاك لها، ويسعدها بخلق أسباب السعادة لها، كما مثل الشيخ رشيد، ويعز من يشاء بأسباب العز، ويذل بأسباب الذل.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٤٧٨) ٢ المصدر نفسه (٣/ ٤٧٩) ٣ سورة الإسراء، الآية (١٦) ٤ انظر: البخاري: الصحيح، ك: العلم، باب: كيف يقبض العلم، ح: ١٠٠.
[ ٦٠٥ ]
وآيات القرآن تذل بوضوح على نفاذ مشيئة الله تعالى وفق مبدأ السببية، كما يظهر من قصة يوسف ﵇، وكيد الله تعالى له، وفي قصة موسى مع فرعون، وفي سائر القرآن الكريم تظهر هذه المسألة بوضوح.
وفي الأمور الكونية كذلك، فيخلق الله المطر بالسحاب، ويخلق الولد بالنكاح، وينبت النبات بالماء ١.
ويحمل الشيخ رشيد على المنكرين للأسباب من القائلين بالجبر الصراح، ومن القائلين به مع التبرؤ من اسمه.
فبعد أن نقل كلامًا للسفاريني ولابن تيمية في هذه المسألة، عقب قائلًا: "أوردنا هذا الكلام هنا للذين لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب متأخري الأشعرية القائلة بأن لا تأثير للأسباب في مسبباتها ولا لقدرة الإنسان في عمله، وأن الله يخلق السبب عند المسبب، وأن العبد كاسب لعمله في الظاهر مجبور عليه في الحقيقة، ونعزو هنا إلى الأشعري وكبار أنصاره ليعلموا أن كلام الأشعري ليس نصًا في ذلك وأن أكبر أنصار مذهبه وهم إمام الحرمين والإسفراييني والغزالي قالوا بخلاف ذلك فلم يبق إلا الباقلاني عليه فهل نحصر السنة فيه دون السلف، وسائر أئمة الأشعرية" ٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٦٨ - ٧٠) ٢ مجلة المنار (٩/ ٨١ - ١١٠)
[ ٦٠٦ ]
المبحث الخامس: الهدى والضلال:
هذه المسألة هي قلب أبواب القدر ومسائله، وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن الهدى والضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ١. والهداية مراتب: أولها: الهداية العامة، وهي: هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيم حياتها، وهذه هي أعم المراتب. والثانية: هداية البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه المرتبة أخص من الأولى لأنها تتعلق بالمكلفين. والثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى ٢. ويشير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٤ إلى المرتبة الأولى. وألى المرتبة الثانية يشير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: الشفاء (ص: ١١٧) ٢ المصدر نفسه. ٣ سورة الأعلى، الآية (١ـ ٣) ٤ سورة السجدة، الآية (٧) ٥ سورة فصلت، الآية (١٧)
[ ٦٠٧ ]
لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ١، فقد هداهم تعالى هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها ٢. وأما المرتبة الثالثة، فيشير إليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وهذه المرتبة هي التي أنكرتها المعتزلة ٥.
ويقرر الشيخ رشيد ﵀ كأهل السنة - وكما صرحت آيات الكتاب العزيز - أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
قال الله تعالى:
﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦.
قال الشيخ رشيد: "أي من تعلقت مشيئة الله بإضلاله يضلله، وإنما إضلاله إياهم اقتضاء سنته في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه، واتباع من يراه مثله، وإن ظهر له أن الحق معه، وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلان تقاليده وإثبات خلافها وليس معنى ذلك أن يخلق الله الضلال لمن شاء إضلاله خلقًا، ويجعله له غريزة وطبعًا، ولا أن يلجئه إليه إلجاءً، ويكرهه عليه إكراهًا ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ومن يشأ هدايته واستقامته يجعله على طريق مستقيم، وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ولا ينجو تاركه، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله في آيات الله المنزلة وآياته المكونة " ٧.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (١١٥) ٢ ابن القيم: الشفاء (ص: ١٤٠) ٣ سورة الإسراء، الآية (٩٧) ٤ سورة الأنعام، الآية (٣٩) ٥ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٣٥٧)، وانظر: ابن القيم: الشفاء (ص: ١٤١) ٦ سورة الأنعام، الآية (٣٩) ٧ تفسير المنار (٧/ ٤٠٢ - ٤٠٣)
[ ٦٠٨ ]
يعني أن الله تعالى يقدر الهدى والضلال، على وفق مبدأ السببية وارتباط الأسباب بالمسببات.
وقد نقل الشيخ رشيد رضا عن شيخه معنى الهداية ومراتبها، فقال:
"ذكر الأستاذ الإمام أولًا ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب " ١.
ثم ذكر أنواعها ومراتبها، فقال نقلًا عنه: "ومنح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته:
(أولاها): هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم
(الثانية): هداية الحواس والمشاعر وهي متممة لهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم، بل هو فيها أكمل من الإنسان
(الهداية الثالثة): العقل: وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه
(الهداية الرابعة): ، أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٢ أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر. قال الأستاذ الإمام: وهذه تشتمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٣ أي دللناهم على طريقي الخير والشر، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى " ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٦٢) ٢ سورة البلد، الآية (١٠) ٣ سورة فصلت، الآية (١٧) ٤ تفسير المنار (١/ ٦٤)
[ ٦٠٩ ]
وإن كان الله ﵎ قد منح هذه الهدايات الأربع لكل فرد من أفراد الإنسان، إلا أن هناك هداية خامسة، هي هداية خاصة لم تمنح للكافة، بل اختص الله تعالى بها بعض خلقه.
وهذه الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، هي التي افترق الناس فيها، فأثبتها أهل السنة، وأنكرتها المعتزلة والقدرية، وأثبتها كذلك الشيخ رشيد رضا ﵀ فيقول:
"بقي هنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١ فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين؛ المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما، وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر. أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل، وشرع الدين.
ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين، وفي استعمال الحواس والعقل كان محتاجًا إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ فمعنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ " ٣.
ثم قال الشيخ رشيد: "هذا الفرق بين معنى الهداية معروف في اللغة، وبه يجاب عن التناقض الظاهري في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (٩٠) ٢ سورة الفاتحة، الآية (٦) ٣ تفسير المنار (١/ ٦٤ - ٦٥) ٤ سورة الشورى، الآية (٥٢) ٥ سورة القصص، الآية (٥٦)
[ ٦١٠ ]
مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فالهداية التي أثبتها للنبي ﷺ هي الدلالة على الخير والحق، والتي نفاها عنه هي الثانية التي بمعنى الإعانة والتوفيق" ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٣ يقرر الشيخ رشيد نفس المعنى، مع زيادة بيان وتوضيح، فيقول: " أي ذلك الهدى إلى صراط مستقيم، وهو ما كان عليه أولئك الأخيار مما ذكر من الدين القويم، والفضل العظيم، هو هدى الله الخاص، الذي هو وراء جميع أنواع الهدى العام كهدى الحواس والعقل والوجدان، لأنه عبارة عن الإيصال بالفعل إلى الحق والخير، على الوجه الذي يؤدي إلى السعادة " ٤.
وبهذا البيان الواضح، يظهر لنا أن الشيخ رشيد، وكما هو مذهب السنة يثبت هذه المرتبة التي تفضل الله بها على عباده، وقد أنكرتها المعتزلة والقدرية.
وكما أن الله تعالى يهدي من يشاء، فإنه يضل من يشاء، ولكن هذا الإضلال ليس على سبيل الجبر، كما هو مذهب الجبرية، بل هو - وكما بين الشيخ رشيد - من باب ترتب المسببات على الأسباب والمقدمات على النتائج.
"وقد علم مما قررناه أن إسناد الضلال إلى الله تعالى ليس معناه أنه أجبرهم على الضلال إجبارًا، وأعجزهم بقدرته عن الهدى فكان ضلالهم اضطرارًا لا اختيارًا، بل معناه أنهم مارسوا الكفر والضلال وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى الحد العمه في الطغيان، ففقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٢٧٢) ٢ تفسير المنار (١/ ٦٤) هامش رقم (١) ٣ سورة الأنعام، الآية (٨٨) ٤ تفسير المنار (٧/ ٥٩٠)
[ ٦١١ ]
يضادها من الهدى والإيمان" ١. "والله تعالى يسند الأمور إلى أسبابها تارة وإليه تعالى تعالى تارة من حيث أنه خالق كل شيء وواضع سنن الأسباب والمسببات، ومن هذه الأسباب ما جعله من أفعال المخلوقات الاختيارية على علم، وما جعله بأسباب لا يعلم للخلق اختيار فيها ولا علم، وكل من القسمين يسند إلى سببه تارة وإلى رب الأسباب تارة، والجهة مختلفة معروفة وجملة القول: أن من سننه تعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل تضعف إرادته في هواه، حتى تذوب وتفنى فيه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين والطبع على القلب وأمثال هذه الأمثال المضروبة لهذه الحالة قد ضل بها الجبرية غافلين عن كونها عاقبة طبيعية لإدمان تلك الأعمال الاختيارية " ٢.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٤٥٩) ٢ تفسير المنار (٩/ ٦٣٦)
[ ٦١٢ ]
المبحث السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى
انقسم الناس في هذه المسألة إلى فريقين: الأول: من نفى الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وهم الفلاسفة والأشعرية. والثاني: من أثبت الحكمة والتعليل وهم السلف ومن وافقهم. فالفريق الأول وهم النفاة؛ الفلاسفة والأشعرية، يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل إنه تعالى فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة ١. قال ابن سينا: "فما أقبح ما يقال من أن الأمور العالية تحاول أن تفعل شيئًا لما تحتها وأن الأول الحق يفعل شيئًا لأجل شيء وأن لفعله لميّة" ٢.وقال شارحه: "وإنما سلب الغاية عن فعل الحق الأول ﷻ مطلقًا، لأن الفاعل الذي يفعل لغاية فهو غير تام " ٣. والغرض عندهم "أنه علة تامة بذاته، واحد لا كثرة فيه، ولا شيء قبله ولا معه ولا غاية لفعله، بل هو بذاته فاعل وغاية للوجود كله" ٤.
فالفلاسفة ينفون الحكمة في أفعاله تعالى لأنه تعالى كامل بذاته، ومن يفعل لغاية فهو غير كامل بذاته، بل يكون مستكملًا بوجود تلك الغاية.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤) [الإرادة والأمر] ٢ الإشارات (٣/ ١٥٠) ٣ الطوسي: شرح الإشارات (٣/ ١٥١) ٤ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦١٣ ]
ولنفس السبب نفى الأشعرية الحكمة والتعليل في أفعاله تعالى - أي ينفون لأن تتوقف أفعاله على الحكم بل الحكم مترتبة على أفعاله وحاصلة على عقيبها، فهي ليست مقصودة ومطلوبة بالفعل ١.
أما أهل السنة فيقولون: "إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى" ٢.
ويذهب الشيخ رشيد ﵀ كأهل السنة والجماعة - إلى أن الله تعالى فاعل مختار، وأن فعله عن علم وحكمة، وأن حكمته موافقة لمشيئته.
فقد نقل الشيخ رشيد قول السفاريني ٣:
"وربنا يخلق باختيار من غير حاجة واضطرار
لكنه لا يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى ٤"
ونقل كلام السفاريني ثم علق قائلًا مخاطبًا الأشعرية المنكرين للحكمة والتعليل: " أيها الأشعري إنك ترى في هذه الجملة من النقول عن أئمة الأمة ما ينبئك بتحقيق معنى العلة والحكمة، وأن كلًا من المعتزلة والأشعرية أخطأوا من جهة وأصابوا من أخرى، وأن مذهب السنة الصحيح وسط بين المذهبين وخلاصة القول: أن العقل والكتاب يدلان على حكمة الله تعالى وعدله ورحمته وفضله كما يدلان على قدرته وإرادته، واختياره، يستحيل عليه أضدادها، فكل أفعاله حكمة ومصلحة للخلق، والحكمة أو
_________________
(١) ١ انظر: محمد ربيع: الحكمة والتعليل (ص: ٦١)، وانظر: الشهرستاني: نهاية الإقدام (ص: ٣٩٧)، والرازي: المحصل، وقد استوفى ابن القيم شبه النفاة ورد عليها جميعًا بما لا مزيد عليه. انظر: شفاء العليل (ص: ٣٤٧ - ٤٤٢) ٢ ابن القيم: شفاء العليل (ص: ٣١٩) ٣ سبقت ترجمته (ص:) ٤ لوامع الأنوار (١/ ٢٧٦) ط. على نفقة آل ثاني، بقطر.
[ ٦١٤ ]
المصلحة في الفعل تسمى في اللغة: علة، وجاء ذلك في القرآن بحرف التعليل، فاجمع بين العقل والنقل تهتدي السبيل " ١.
وعلى ذلك سار الشيخ رشيد في تفسيره للآيات، فعند قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، قال: "أي يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين، وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سننه " ٣.
وعند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤، قال: "فما شرع لكم هذه الأحكام وسواها إلا عن علم بأن فيها الخير لكم وحفظ مصالحكم وصلاح ذات بينكم، كما هو شأنه في جميع أحكامه وأفعاله، كلها موافقة للحكمة الدالة على إحاطة العلم وسعة الرحمة" ٥.
ويبين الشيخ رشيد الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات فيقول: "اعلم أن الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات هي أن يتجلى بها الرب الخالق لها بما هو متصف به من صفات الكمال - ليعرف ويعبد ويشكر ويحمد، ويحكم ويجزي فيعدل، ويغفر ويعفو ويرحم، ألخ، فهي مظهر أسمائه وصفاته، ومجلى سننه وآياته، وترجمان حمده وشكره، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٦ لذلك كانت في غاية الإحكام والنظام، الدالين على العلم والحكمة والمشيئة والاختيار، ووحدانية الذات والصفات والأفعال " ٧.
وقد كان من مقتضى تحقق معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أن
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٩/ ٢٣ - ٣٤) ٢ سورة النساء، الآية (١١٦) ٣ تفسير المنار (٥/ ١٥٠) ٤ سورة النساء، الآية (١٧٦) ٥ تفسير المنار (٦/ ١١١) ٦ سورة الإسراء، الآية (٤٤) ٧ تفسير المنار (٨/ ٣٤٠)
[ ٦١٥ ]
يخلق ما علمنا وما لم نعلم من أنواع المخلوقات وأن تكون المقابلات والنسب بين بعضها مختلفة من توافق وتباين وتضاد، ويترتب على ذلك في نظام الخلق أن الضد يظهر حسنه الضد، وأن تكون مصائب قوم عند قوم فوائد وجملة القول: إن ما خلقه الله تعالى فهو حسن في نفسه، متقن في صنعه، مظهر لنوع أو أنواع من حكمه في خلقه، ومن كماله في ذاته وصفاته، ولا شيء منه بباطل ولا بشر محض ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢" ٣.
وآيات القرآن الكريم المثبتة لحكمة الله تعالى تؤيد ما ذهب إليه السلف ﵏ وتابعهم فيه الشيخ رشيد، وهي حجة على منكري الحكمة ونفاة التعليل، ومنها:
آيات كثيرة في وصف الله تعالى بالحكمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٤ ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ في آيات من ذلك كثيرة ٦.
والمعنى في ذلك " الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء" ٧.
والعقل يؤيد ذلك ويفرضه، فإن معطي الحكمة ومانحها لا بد أن يكون حكيمًا، وفاقد الشيء لا يعطيه.
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية (٨٥) ٢ سورة ص، الآية (٢٧) ٣ تفسير المنار (٨/ ٣٤١) ٤ سورة البقرة، الآية (٣٢) ٥ سورة البقرة، الآية (١٢٩) ٦ انظر: عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن (ص: ٢١٤ - ٢١٥) ٧ ابن كثير: التفسير (١/ ٧١)
[ ٦١٦ ]
المبحث السابع: الحسن والقبح:
ومما يتعلق بمسألة الحكمة والتعليل، مسألة الحسن والقبح العقلي والشرعي.
فيذهب المعتزلة إلى أن في الأشياء حسن وقبح عقلي، يدرك بالعقل ١، وذهب الأشعرية إلى أنه لا يوجد في الأشياء حسن وقبح ذاتي يدرك بالعقل، بل الحسن ما حسنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع، ولو عكس الشرع ذلك لانعكس ولصار القبيح حسنًا والحسن قبيحًا ٢.
وهناك قول ثالث - وهو الحق - وهو: أن الأفعال تتصف بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يُعاقِب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة لا بمجرد الدلالة العقلية.
قال شيخ الإسلام: "وهذا أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة، قبل مجيء الرسول إليهم، وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.." ٣.
_________________
(١) ١ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص:٥٦٤)، وانظر: الشهرستاني: الملل والنحل (١/٣٩) ٢ انظر: البغدادي: أصول الدين (ص:١٤٩ - ١٥٠) والإيجي: المواقف (ص:) ٣ درء التعارض (٨/٤٩٣)
[ ٦١٧ ]
ويعرض الشيخ رشيد رضا هذه الآراء مشيرًا إلى هذه المسألة - الحسن والقبح - بمسألتي الحكمة والتعليل، مشيرًا إلى سبب افتراق المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة وهو الغلو، فيقول: " غلت القدرية في مسألة الحكمة في الخلق والتكوين، والأمر والتشريع، وغلت الجبرية في مسألة المشيئة والإرادة، فهؤلاء جوزوا أن تخلو المشيئة عن الحكمة، وأولئك قيدوا مشيئة الرب بما يصل إليه أفهامهم من الحكمة، وإن كان كل منهما يؤمن بالصفتين كلتيهما.."١.
ثم يبين الشيخ رشيد أن النزاع في مسألة الحسن والقبح مبني على الخلاف في الحكمة والتعليل، مبينًا مذهب الفريقين، قائلًا: ".. ونزاعهم الطويل العريض في مسألة الحسن والقبح والتحسين والتقبيح مبني على ذلك، فالغلاة في إثباتها قالوا: إن في كل فعل يقع التكليف به فعلًا أو تركًا حسنًا أو قبحًا ذاتيًا يغرف بالعقل ويأتي بالشرع كاشفًا لحسن المأمور به، وبالنهي كاشفًا لقبح المنهي عنه، ولا يكون شيء حسنًا بمجرد الأمر، ولا قبيحًا بمجرد النهي، والغلاة في نفيها قالوا: لا حسن ولا قبح ذاتيًا في شيء من الأشياء يكون مناط التكليف، وسببه وسبب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب وإنما ذلك بالشرع وحده والقول الأول أقرب إلى المعقول والمنقول، ولكن وقع كثير من القائلين به في الإفراط والغلو " ٢.
ويظهر من هذا النقل أن الشيخ رشيد رضا يقول بالحسن والقبح العقلي. وهذا هو الواقع، فإن الشيخ رشيد يذهب إليه ويقول به صراحة ولكنه يشير إلى الفرق بين قول أهل السنة وقول المعتزلة المتفقين معًا في هذه المسألة خلافًا للأشعرية.
فأولًا: يعرف الشيخ رشيد المعروف والمنكر، قائلًا: "والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه، وترتاح القلوب الطاهرة له، لنفعه وموافقته
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٥٤) ٢ المصدر نفسه (٨/ ٥٥)
[ ٦١٨ ]
للفطرة والمصلحة بحيث لا يستطيع العاقل المنصف السليم الفطرة أن يرده أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به.
والمنكر ما تنكره العقول السليمة وتنفر منه القلوب وتأباه على الوجه المذكور أيضًا " ١.
وهذا التعريف من الشيخ فيه إثبات للحسن والقبح العقلي، ثم يرد الشيخ رشيد تفسير الأشعرية لهذين المصطلحين باضطلاع خاص بهم فيقول: "وأما تفسير المعروف بما أمرت به الشريعة والمنكر بما نهت عنه فهو من قبيل تفسير الماء بالماء " ٢.
ثم بين الفرق بين قوله بالتحسين والتقبيح وبين قول المعتزلة، الموافقة لقوله، فيقول: "وكون ما قلناه يثبت مسألة التحسين والتقبيح العقليين وفاقًا للمعتزلة وخلافًا للأشعرية مردود إطلاقه بأننا إنما نوافق كلًا منهما من وجه ونخالفه من وجه اتباعًا لظواهر الكتاب والسنة وفهم السلف لهما، فلا ننكر إدراك العقول لحسن الأشياء مطلقًا، ولا نقيد التشريع بعقولنا، ولا نوجب على الله شيئًا من عند أنفسنا، بل نقول إنه لا سلطان لشيء عليه فهو الذي يوجب على نفسه ما شاء إن شاء، كما كتب على نفسه الرحمة لمن شاء، وإن من الشرع ما لم تعرف العقول حسنه قبل شرعه، وإن كل ما شرعه تعالى يطاع بلا شرط ولا قيد " ٣.
فالقول الوسط بين قولي المعتزلة والأشعرية هو ما يلخصه الشيخ رشيد موضحًا أنه مذهب السنة، وهو: "أن صفات الله تعالى لا تعارض بينها، فلا تتعلق مشيئته تعالى بما ينافي حكمته وعدله ورحمته، وحكمته لا تقتضي تقييد مشيئته بما نفهمه ونعقله نحن منها بحيث نوجب عليه بعض الأوامر أو الأفعال ونحظر عليه بعضها، وإنما نعتقد إن كل ما يأمر به فهو حسن، وأنه لا يأمر إلا بما هو حسن، ولا ينهى إلا عما هو قبيح.." ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٢٢٧) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ تفسير المنار (٨/ ٥٥)
[ ٦١٩ ]
وهذا الموقف من الشيخ رشيد رضا موقف صحيح إذا التفصيل هو الحق في الخلاف بين المعتزلة والأشعرية. وربط رشيد رضا بين هذين المبحثين الحسن والقبح والحكمة والتعليل هو الصواب. قال ابن القيم: "وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين، إذ لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهي لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي" ١.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٩ - ٥٠)
[ ٦٢٠ ]
المبحث الثامن: الصلاح والأصلح
هذه المسألة من المسائل التي كانت محل نزاع بين المعتزلة والأشعرية، وهي مترتبة على ما قبلها، لأن من جعل العقل حاكمًا يقبح القبيح ويحسن الحسن؛ فإنه يقول بقبح بعض الأفعال منا - تعالى - ووجوب بعضها عليه - وبناءً على ذلك اشتهر عن المعتزلة قولهم بوجوب فعل الصلاح والأصلح عليه تعالى، كما اشتهر عن الأشعرية القول بعدم وجوب ذلك. فانقضت المعتزلة على أن كل فعل من أفعال الله تعالى لا يخلو من الصلاح والخير، لأنه حكيم، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وليس ذلك فحسب، بل إن الله تعالى فعل بعباده من الصلاح ما لا يقدر أن يزيد عليه، فليس في الإمكان أبدع مما أمكن ١.
ومما يوضح هذه المسألة، ويصور الخلاف فيها بين المعتزلة والأشعرية، المناظرة التي جرت بين أبي الحسن الأشعري، وشيخه الجبائي ٢، فقد قيل: أن الأشعري سأل أبا علي الجبائي عن ثلاثة أخوة،
_________________
(١) ١ انظر: عبد الجبار: المغني في أبواب العدل والتوحيد (١٤/ ٣٥)، والشهرستاني: المل والنحل (١/ ٣٩)، ونهاية الإقدام (ص: ٣٩٨)، وزهدي حسن: المعتزلة (ص: ١٠٢)، وانظر أيضًا: الأشعري: المقالات (١/ ٣١٤) وما بعدها، والسافريني: لوامع الأنوار (١/ ٣٣٢) ٢ هو شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري، كان على بدعته - متوسعًا في العلم - مات سنة ٣٠٣هـ بالبصرة. السير (١٤/ ١٨٣)
[ ٦٢١ ]
أحدهم تقيّ، والثاني كافر، والثالث مات صبيًا؟ فقال أبو علي: أما الأول ففي الجنة، والثاني ففي النار، والصبي فمن أهل السلامة. قال الأشعري: فإن أراد أن يصعد إلى أخيه؟ قال: لا؛ لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هناك بعمله. قال: (يعني الأشعري): فإن قال الصغير: ما التقصير مني، فإنك ما أبقيتني، ولا أقدرتني على الطاعة. قال: يقول الله له: كنت أعمل أنك لو بقيت لعصيت، ولاستحققت العذاب، فراعيت مصلحتك. قال: فلو قال الأخ الأكبر: يا رب كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلمَ راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي ١. قال ابن القيم معلقًا على هذه المناظرة: "فلعمر الله إنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين يوجبون على ربهم مراعاة الأصلح لكل عبد وهو الأصلح عندهم، فيشرعون له شريعة بعقولهم، ويحجرون عليه، ويحرمون عليه أن يخرج عنها والمقصود أن هذه المناظرة وإن أبظلت قول هؤلاء وزلزلت قواعدهم فإنها لا تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه " ٢.
أما موقف رشيد رضا فأبينه مبتدئًا ببيان موقفه من طريق المتكلمين في هذه المسألة - وغيرها - إذ يقول: "إن نظريات متكلمي المعتزلة والجهمية والأشاعرة في مثل هذه المسألة، ونظريات من سبقهم إلى ابتداع الكلام مخالفة لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم ومن تبعهم من علماء الأمصار فلم يكونوا جبرية ولا قدرية، ولا منكرين لشيء مما وصف الله تعالى به نفسه ولم يبن أحد منهم عقيدته على استحالة المتسلسل والحوادث التي لا أول لها، ولا على إنكار حسن الأشياء وقبحها في نفسها، أو إنكار امتناع التكليف بما لا حسن فيه لذاته عند العقل " ٣.
وفيما يتعلق بالمسألة نفسها يرى رشيد رضا أنه تعالى لا يجب عليه
_________________
(١) ١ انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٤)، والسبكي: طبقات الشافعية (٣/ ٣٥٦)، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٤٤٠)، ومفتاح دار السعادة (ص: ٦٢)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ١٥١) ٢ شفاء العليل (ص: ٤٤٠ - ٤٤١) ٣ تفسير المنار (٨/ ٥٠)
[ ٦٢٢ ]
إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه - فيقول مرجحًا مذهب السلف ـ: " مذهب السلف الصالح هو الحق في المسألة، وما كانوا ينكرون الوجوب ولا يقولون به على إطلاقه، وإنما مذهبهم أنه لا يجب على الله تعالى إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه، وما هو مقتضى صفاته ومتعلقاتها، فكما وجب له تعالى في حكم العقل الاتصاف بصفات الكمال، وجب أن يترتب على تلك الصفات ما يسمونه متعلقاتها، كالعدل والحكمة والرحمة ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ وأنه لا يجب عليه سبحانه شيء بحكم غيره ولا سلطان فوق سلطانه، فيوجب عليه " ٢. ويقول: "ولا يمكن أن يظن عاقل أن قانونًا يحكم على الألوهية" ٣.
فالمسألة إذًا ثابتة في نفسها، إلا أنه لا يصح أن يوجب أحد على الله شيئًا، ولا شك أن فعله تعالى كله صلاح وخير وعدل وحكمة، ولكنه تعالى لم يوجب على نفسه رعاية الأصلح لكل واحد من عباده. ولا شك أن الله سبحانه يفعل ما فيه صلاح العباد ونفعهم وكل ذلك تفضل منه تعالى، وليس شيء من ذلك بواجب عليه تعالى، يقول رشيد رضا: "والذي عليه المحققون أن مسألة الصلاح والأصلح ثابتة لا ريب فيها وأن الخطأ والضلال إنما هو في قولهم أن ذلك واجب عليه ﷾ وإنما يقال في كل ما ثبت له من صفات الكمال وما يتعلق به من الأفعال المطردة أنها واجبة له لا عليه، لأنه سبحانه هو الأعلى فلا يعلو عليه شيء في شيء، ومذهب الأشعرية أن مراعاة المصلحة ليست من الكمال الواجب له تعالى ويحتجون على ذلك بأمراض الأطفال والبهائم، وفي هذه الحجة بحث لا محل له هنا " ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (٥٤) ٢ تفسير المنار (٨/ ٥٠) ٣ المصدر نفسه (٤/ ٤٤٢) ٤ تفسير المنار (٧/ ٣٩٠)
[ ٦٢٣ ]
ويعلق رشيد رضا على المناظرة التي قيل إنها وقعت بين الأشعري والجبائي متخذًا موقف الحكم بينهما، فيقول: "فأما جواب الجبائي الأول في المؤمن الطائع والكافر الفاسق فهو الحق الذي بينه الله في كتابه والنصوص في ترتيب الجزاء على الإيمان والكفر مع الأعمال، كثيرة جدًا. وكذلك جوابه الأول عن مسألة الصبي، فإنه لا يستحق الدرجات التي نالها المؤمن الذي عمل الصالحات بحسب وعد الله الحق وجزائه العدل، ولكن ذرية المؤمنين تلحق بالأصل. وأما جوابه الثاني فهو خطأ نشأ عن غفلته عن فساد السؤال في نفسه، وذلك أن عدم حياة الصبي إلى أن يبلغ ويعمل ما يعمل مسألة عدمية لا وجه لسؤال الخالق عنها، ولا يأتي فيها مسألة الأصلح في مذهب المعتزلة" ١.
كما أن رشيد رضا يرى أن هذا الجدال بين الأشعرية والمعتزلة وما يشوبه من احتجاج بعضهم على بعض بعبارات مبتدعة هي من سوء الأدب مع الله تعالى وهو مما يجب الاستغفار منه ٢.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/ ٥٩ - ٦٠) ٢ المصدر نفسه.
[ ٦٢٤ ]
المبحث التاسع: العمر، والرزق، والدعاء:
وهذه المسائل الثلاث فمن فروع عقيدة القدر. ولدينا في مسألة العمر أدلة ظاهرها التعارض، فتدل طائفة منها على أن الأجل لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ٢. وطائفة أخرى من الأدلة تشير إلى معنى زيادة العمر ونقصه؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ٤.
ومن السنة أحاديث: منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٣٤)، وسورة النحل، الآية (٦١) ٢ سورة المنافقون، الآية (١١) ٣ سورة فاطر، الآية (١١) ٤ سورة الأنعام، الآية (٢) ٥ أخرجه البخاري: ك: الأدب، باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم، مف الفتح (١/ ٤٢٩) برقم: ٥٩٨٦، ومسلم:: ك: البر، باب: في صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/ ١٩٨٢) برقم: ٢٥٥٧، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٨ / ١٥٢ - ١٥٣)
[ ٦٢٥ ]
فاختلفت أنظار العلماء في ذلك، وتباينت وجهاتهم في الجمع بين هذه النصوص على أقوال:
الأول: أن الزيادة ليس حقيقية بل هي كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة ١.
الثاني: أن الزيادة حقيقية، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، أما الأجل الذي لا يتغير فهو ما في علمه تعالى.
الثالث: أن الزيادة هي عبارة عن دعاء ذريته الصالحة له بعد موته، وورد ذلك في بعض الروايات إلا أن إسنادها ضعيف ٢. قال ابن تيمية: "والأجل أجلان "أجل مطلق" يعلمه الله، و"أجل مقيد"، وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" ٣ فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: "إن وصل رحمه زدته كذا وكذا" والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" ٤.
أما رشيد رضا فالذي اختاره وأراد أن يبينه هو الفرق بين الأجل الحقيقي الذي هو في علم الله تعالى، وذهب إلى أن هذا ى يتغير، وإلا صار العلم جهلًا، وبين الأجل التقديري وذهب إلى أن هذا هو الذي تقع به الزيادة والنقصان بحسب الأسباب الشرعية والطبيعية، فالذي يزيد وينقص هو أجل آخر غير الذي في علم الله تعالى، والذي في علمه تعالى لا يتغير ولا يتبدل، ويعرف بالوقوع، فإذا مات الشخص علم أن ذلك أجله المحتوم في علم اله تعالى. وأشار رشيد رضا إلى أن الأجل يطلق ويراد بع معنيان: الأو: المدة التي يعيشها الإنسان بالواقع ونفس الأمر. قال رشيد رضا: "والأجل بهذا المعنى لا يعرف إلا بالوقوع، فمتى مات المرء يعلم أن هذه المدة التي قضاها
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٠/ ٤٣٠) ٢ المصدر نفسه، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٨/ ١٥٣) ٣ سبق تخريجه. ٤ مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧)
[ ٦٢٦ ]
هي أجله في الواقع ونفس الأمر، ولما كان الله وحده هو الذي يعلم ما سيعرض على الأحياء أطلق الأجل على علم الله تعالى بالعمر؛ وبهذا المعنى قالوا: إن عمر الإنسان لا يزيد ولا ينقصن وهو صحيح إذ لو وقع في الوجود خلاف ما يعلم الله أنه سيقع لكان العلم جهلًا" ١. وأما المعنى الثاني للأجل فهو الذي يقع فيه الزيادة والنقصان، قال رشيد رضا: "وكل ما ورد في نقص العمر وإطالته والإنساء فيه بالأسباب العلمية، والنفسية كصلة الرحم والدعاء، فإنما هو بالنسبة إلى الأجلق التقديري أو الطبيعي، الذي هو عبارة عن مظهر سنن الله في الأسباب والمسببات" ٢.
وبناءً على ذلك فزيادة العمر ونقصه جائز لكن لا باعتبار العلم الإلهي فهو لا يتغير، ولكن باعتبارات أخرى، وله أسباب شرعية وطبيعية. هذا ما يقرره رشيد رضا، ويقول: "كيف ينكر المسلم أن شيئًا من الأشياء يكون سببًا في بسطة الأجل وطول البقاء، وهو أمر ثابت في الفطرة، ودينه دين الفطرة، وثابت بالعقل ودينه دين العقل، وثابت بالنقل أيضًا " ٣.
ويستدل رشيد رضا على زيادة العمر بالأسباب الشرعية، بأحاديث منها حديث أنس المشار إليه أول المبحث، ومنها حديث ثوبان مرفوعًا "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" ٤.
ويشير رشيد رضا إلى أن ذلك هو ما يعرف "بالقضاء المعلق" ومعناه كما يفسره: "أن المسببات معلقة في علم الله تعالى بأسبابها، فإذا وقعت الأسباب وقعت معها المسببات لا محالة وإلا فلا " ٥. قال: "ولا فرق
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٤٠٨) ٢ المصدر نفسه. ٣ مجلة المنار (١٢/ ٥٦٠) ٤ رواه الحاكم: المستدرك (١/ ٤٩٣)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والطبراني: في الكبير (٢/ ١٠٠) وفي الدعاء (٢/ ٧٩٩) ت: سعيد البخاري، وانظر: الألباني: الصحيحة: رقم (١٥٤) ٥ مجلة المنار (١٢/ ٥٦١)
[ ٦٢٧ ]
فيه بين السبب الذي علم بالاختبار والوجود والسبب الذي علم بالشرع" ١. وتفرقة رشيد رضا بين ما في علم الله تعالى، وبين غيره صحيح، غير أني لاحظت عليه أنه في مسألة "العمر التقديري" يعتمد على ما يقرره الأطباء، بحسب الاستقراء، وهو لا يسلم لا له ولا لهم، لا سيما مع حديث النبي ﷺ: "أعمار أمتي بين ستين سنة وسبعين سنة" ٢ فإذا كنا بحاجة إلى معرفة متوسط أعمال هذه الأمة فنرجع إلى الشرع. ولو صح في الجمع بين أدلة الشرع حديث لوجب المصير إليه دون غيره مما حاول به أهل العلم التوفيق بين الأدلة وإن لم تصح فالأولى ما ذهب إليه السلف في كون الزيادة والنقص تقع في علم الملك الموكل بالعمر.
ويسلك رشيد رضا في مسألة الرزق وزيادته وحرمانه نفس المسلك الذي سلكه في الأجل، يقول: "والبحث في زيادة الرزق كالبحث في طول العمر سواء لأن لكل منهما أسباب " ٣.
وعلى ذلك، فالرزق الذي في علم الله تعالى لا يتغير، ولكن الرزق "التقديري" الذي يعتبر بحسب سنن ارتباط الأسباب والمسببات أو "القضاء المعلق" فيزيد وينقص. وإن كان رشيد رضا لم يفسر لنا "الرزق التقديري" كما فسر العمر "العمر التقديري" وإن كان يظهر من كلامه قصده وهو ما يتوقف على الأسباب الشرعية والطبيعية.
الدعاء:
وأما في مسألة الدعاء، فقد سئل عنها الشيخ، ولكنه أجاب إجابة سريعة، مضطربة، أحال في أولها على تخريج العلماء لها بناءً على مسألة القضاء المعلق والمبرم أيضًا. ولكنه في آخر جوابه ذكر أن هناك أحاديث مشكلة لا يجاب عنها ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ رواه الترمذي: ك: الزهد، باب: ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ،ح: ٢٣٢١ (٤/ ٥٦٦) ٣ مجلة المنار (١٢/ ٥٦١) ٤ مجلة المنار (٥/ ٢٩١)
[ ٦٢٨ ]
والقول الحق في مسألة الدعاء، أنه من قضاء الله تعالى وقدره، كسائر الأسباب التي جعلها الله تعالى لازمة لمسبباتها، متى وجد السبب وجد المسبب بحسب سنة الله تعالى، وكل شيء بقدر الله تعالى.
ففي علم الله أن فلانًا يدعو فيرفع بدعائه كذا وكذا من البلاء، أو يحدث له كذا وكذا من الخير، بسبب دعائه، وكل في علم الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: "لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرًا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات" ١.
وأما ما هذب إليه الشيخ رشيد في مسألة العمر، والرزق، من أن ما في علمه تعالى لا يتغير، وأن الله تعالى عالم بالأجل الحقيقي المكتوب، وأن المتغير بالزيادة والنقصان هو أجل آخر باعتبار آخر، يسميه الشيخ رشيد بالأجل التقديري، والرزق التقديري، وما هو ثم إلا ما كتبته الملائكة فهو الذي يقع فيه ذلك. وهو الصواب ٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٨/ ٦٩ - ٧٠) ٢ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧، ٥٤٠)، وابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٤٩٧ و٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، وابن سعدي: ك تيسير الكريم الرحمن (٤/ ١١٧)
[ ٦٢٩ ]
المبحث العاشر: الكونيات والشرعيات:
فرق الشيخ رشيد رضا ﵀ بين الكونيات والدينيات، فبين الفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي، وبين الجعل الكوني والشرعي، والإرادة الكونية والشرعية.
قال الشيخ رشيد: " وهذا الأمر نوعان: أمر تكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، وقد سمى الله التكوين أمرًا بما عبر عنه بقوله "كن"، وأمر تشريع: وهو ما أوحاه الله إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به " ١.
كما فرق الشيخ رشيد بين الجعل التكويني والتشريعي، قال عند قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ ٢ "الجعل هنا إما خلقي تكويني وهو التصيير، وإما أمري تكليفي وهو التشريع " ٣.
وفرق أيضًا بين إرادة التكوين وإرادة التشريع، فعند قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ قال: "والمراد بالإرادة هنا
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٢٤٣) ٢ سورة المائدة، الآية (٩٧) ٣ تفسير المنار (٧/ ١١٦) ٤ سورة البقرة، الآية (١٨٥)
[ ٦٣٠ ]
حكمة التشريع لا إرادة التكوين" ١.
وبهذه التفرقة بين الكونية والدينية يفصل النزاع الذي وقع فيه طوائف من الناس في مسألة الأمر والإرادة، وهل أمر الله مستلزم لإرادته أو لا؟ لأنهم لم يفرقوا بينهما.
ومن الفروق التي فرق بها الشيخ رشيد بين الأمر الكوني والشرعي، أن الأول متعلق صفة الإرادة، والثاني متعلق صفة الكلام.
وأن أمر التكوين يتوجه إلى المعدوم، ليكون ويوجد، كما يتوجه إلى الموجود.
وأما أمر التكليف فيخاطب به العاقل فيسمى المكلف ولا يخاطب به غيره، فضلًا عن المعدوم ٢.
وقد ذكر هذه التفرقة غير واحد من أهل السنة ٣. ويندفع بهذا الإشكال الذي وقع فيه من وقع من أهل البدع، بسبب عدم تفرقتهم بين الكوني القدري والشرعي الديني، وبهذه التفرقة يعطل احتجاج أهل المعاصي بالقدر.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٢/١٦٤) ٢ المصدر نفسه (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩) ٣ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١٥١)، وابن تيمية: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨ - ٦١، ١٤٠، ١٥٩)، وابن القيم: شفاء العليل (ص: ٤٦٤ - ٤٦٩)
[ ٦٣١ ]
المبحث الحادي عشر: الاحتجاج بالقدر:
وإذا كان الإيمان بالقدر واجبًا، بل ركنًا من أركان الإيمان، لا يقبل من العبد عمل حتى يؤمن به ويستكمله، فإنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك العمل المشروع أو عمل الممنوع. فأهل السنة يؤمنون بالقدر ولا يحتجون به.
وأول من احتج بالقدر إبليس ١. وحكى القرآن عن المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، ورد تعالى عليهم ذلك، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
والمعنى: " لو شاء الله تعالى أن لا نشرك به من اتخذنا من الأولياء والشفعاء من الملائكة والبشر وأن لا نعظم ما عظمنا من تماثيلهم وصورهم أو قبورهم وأن لا يشرك آباؤنا من قبلنا كذلك ما أشركوا ولا
_________________
(١) ١ انظر سورة الحجر، الآية (٣٩) . ٢ سورة الأنعام، الآيتان (١٤٨، ١٤٩)
[ ٦٣٢ ]
أشركنا ولكنه شاء أن نشرك ، وشاء أن نحرم ما حرمنا فحرمناه " ١.
وهذه الآية قد أتت برد قاطع وبرهان ساطع وأفحمت من أراد إبطال الشرائع.
قال الشيخ رشيد: " ولو لم يكن في المسألة غير هذه الآية لكانت كافية في الزجر والردع عن الاحتجاج بالقدر، كيف وهناك آيات كثيرة منها ما هو صريح في المعنى كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢ " ٣.
ووجه الرد عليهم في الآية، كما بينه الشيخ رشيد، أنه: " لو كانت مشيئة الله لما كانوا عليه من الشرك والمعاصي إجبارًا مخرجًا لذلك عن كونه من أعمالهم لما عاقبهم عليه ولو كانت مشيئته لذلك متضمنة رضاه عن فاعله وأمره إياه به خلافًا لما قال الرسل - لما عاقبهم عليه تصديقًا للرسل" ٤.
هذا هو الوجه الأول في رد احتجاجهم وهد تكذيبهم وإلزامهم الحجة وإفحامهم بذكر ما حدث لمن فعل مثل فعلهم واحتج بمثل حجتهم من الأمم التي أهلكها الله قبلهم.
والوجه الثاني من الرد في هذه الآية، هو بيان جهلهم واحتجاجهم بما لا علم لهم به، واعتمادهم في ذلك على الظن والتخمين دون العلم واليقين.
فما سبق في الوجه الأول كان بيانًا للبرهان الفعلي الواقع، وهذا الوجه بيان لبرهان آخر، عقلي نظري.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ١٧٦) ٢ سورة يس، الآية (٤٧) ٣ مجلة المنار (٢/ ١٣٠) ٤ تفسير المنار (٨/ ١٧٦ - ١٧٧)
[ ٦٣٣ ]
يقول الشيخ رشيد في بيان هذا الوجه: "وبعد التذكير بهذا البرهان أمر الله رسوله ﷺ أن يطالب المشركين بدليل علمي على زعمهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ١ أي: هل عندكم بما تقولون علم ما تعتمدون عليه وتحتجون به فتخرجوه لنا لنبحث معكم فيه ونعرضه على ما جئناكم به من الآيات العقلية والمحكية عن وقائع الأمم التي قبلكم، وننصب بينهما الميزان القسط ليظهر الراجح من المرجوح؟ " ٢.
فالمحتج بالقدر ليس عالمًا بالقدر فيبني علمه عليه، فكيف يصح الاحتجاج للعاصي بأن الله كتب عليه ذلك قبل صدوره منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا هو ﷾ وقد ورد الجواب بذلك أيضًا في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
يقول الشيخ رشيد: " فهل الاعتقاد بعلم وإرادته يكون عذرًا للإنسان إذا زاغ عن الصراط المستقيم فوقع في الرجز الأليم؟ كلا إن هذا هذيان لا يقول به عاقل " ٤.
والحاصل أن رأي الشيخ رشيد - وهو الحق - أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك العمل، أو عمل المعاصي. يقول الشيخ: "الاحتجاج على ترك العمل بالقدر من عقائد الملحدين، وقد جاء الكتاب الكريم لتشنيع اعتقادهم والنعي عليهم فيه فلا يسوغ لأحد منا وهو يدعي أنه مؤمن بالقرآن أن يحتج بما يحتج به المشركون " ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٤٨) ٢ تفسير المنار (٨/ ١٧٧) ٣ سورة الأعراف، الآية (٢٨) ٤ مجلة المنار (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) ٥ المصدر نفسه (٦/ ٧٨٢)
[ ٦٣٤ ]