مقدمة
إعداد: حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
شكر وتقدير
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم إلى يوم الدين.
وبعد: فإني أشكر الله تعالى على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولاتحصى، ومن هذه النعم أن وفقني لطلب العلم الشرعي، وأمدني بعونه وتوفيقه على إتمام هذه الرسالة، فله الحمد وله الشكر لا أحصي ثناء عليه.
ثم عملًا بقوله ﷺ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ١، وقوله ﷺ: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٥/١٥٧ كتاب الأدب، باب في شكر المعروف. وسنن الترمذي ٤/٣٣٩ كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك. ومسند الإمام أحمد ٢/٢٥٨، ٢٩٥. وجامع الأصول لابن الأثير ٢/٥٥٩. والحديث صحيح. انظر: فيض القدير للمناوي ٦/٢٢٤.
[ ١ / ٧ ]
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالإلهية على جميع خلقه.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم أنبيائه وصفوة خلقه، أرسله على فترة من الرسل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
وبعد: فإن الإسلام يواجه كثيرًا من التحديات الضارية من الصهيونية، والشيوعية، والصليبية، والوثنية البغيضة، وقد استيقظت هذه الحركات الهدامة كلها دفعة واحدة، وبيتت النية على اغتيال هذا الدين من نفوس أبنائه، منتهزة فرصة ما يسود كثيرًا من ديار الأمة الإسلامية من جهل وغفلة وفرقة.
والواقع أن الباطل مهما كان نفوذه، فإنَّه لا ينتشر ولا يذيع إلاّ في غفلة أهل الحق وضعفهم، وابتعادهم عن ميادين البذل والجهاد.
وما هي إلا جولة أو بعض جولة حتى ينكشف مثار النقع، وتتجلى حكمة الله تعالى فيما يكلأ به هذا الدين وقرآنه العظيم، ويعود المسلمون
[ ١ / ١٠ ]
قد كافأتموه" ١.
أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لأستاذي الجليل فضيلة الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة المشرف على هذه الرسالة، فقد وجدت منه رحابة الصدر والإخلاص في العمل، وأفاض علي بعلمه الغزير، وتوجيهاته السديدة، وأعطاني من وقته الكثير، فجزاه الله عني وعن جميع طلابه أحسن الجزاء، وبارك في عمره ومنحه العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
كما أشكر فضيلة الدكتور عبد المنعم محمد حسنين المشرف السابق على هذه الرسالة في مرحلتها الأولى، فقد أمدني بتوجيهاته العلمية، فجزاه الله خير الجزاء.
كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان للجامعة الإسلامية ممثلة في القائمين عليها، وأخص منهم معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد، وفضيلة رئيس قسم الدراسات العليا الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، فقد قدموا لأبنائهم الطلاب كافة الإمكانيات الكفيلة بمساعدتهم على أداء مهماتهم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٢/٣١٠ كتاب الزكاة، باب عطية من سأل الله. وسنن النسائي ٥/٨٢ كتاب الزكاة، باب من سأل بالله ﷿. ومسند الإمام أحمد ٢/ ٦٨، ٩٦، ٩٩، وجامع الأصول لابن الأثير ١١/٦٩٢، وفيض القدير للمناوي ٦/٥٥.
[ ١ / ١١ ]
كما أشكر كل من قدم إليّ عونًا أو أسدى إليّ معروفًا من كافة الأساتذة الأفاضل، والإخوة الأكارم، فجزى الله الجميع عني خير الجزاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١ / ١٢ ]
أشدّ ما كانوا ذودًا، وأبلغ ما كانوا دفعًا ومحاماة عن دينهم، وإذا الإسلام أقوى ما يكون فيهم وأثبت من كل مبدأ دخيل أو فكرة هدامة.
ولما كان الشرك وهيمنة البدع والخرافات من أعظم الأزمات التي عانت منها البشرية عبر تاريخها الطويل.
ولما كان القرآن الكريم قد وقف من الشرك موقفًا حازمًا لاقتلاعه بجميع أشكاله وألواته، وأفرد لدحضه السور والآيات البينات، وناقش المفاهيم والاتجاهات نقاشًا منطقيًا وموضوعيًا، فنقدها ونقضها، ورد كل زعم ودحض كل فرية، وأبان في النهاية العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد والوحدانية لله رب العالمين.
فقد آثرت اختيار: "منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام" ليكون موضوعًا لرسالتي لنيل درجة العالمية العالية "الدكتوراه" للأسباب التالية:
أولًا: إبراز منهج القرآن في دعوة المشركين إلى الإسلام، وقد سبق لي أن بينت منهج القرآن في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام في رسالتي للماجستير، وذلك لأن الإسلام هو دين الله الحق الذي لا يقبل من أحد سواه.
ثانيًا: القيام بمسؤليتي في ميدان الدعوة إلى الله عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ
[ ١ / ١٤ ]
الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقوله ﷿: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ٣.
وقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥.
ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ١٠٨. ٢ سورة آل عمران آية: ١٠٤. ٣ سورة آل عمران آية: ١١٠. ٤ سورة النحل آية: ١٢٥. ٥ سورة فصلت آية: ٣٣.
[ ١ / ١٥ ]
ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية " ١.
ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
ثالثًا: أن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك هي دعوة الرسل جميعًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
_________________
(١) ١ أخرجه: البخاري في صحيحه بشرح الفتح ٦/٤٩٦ كتاب الأنبياء، باب ٥٠ ما ذكر عن بني إسرائيل. والجامع الصحيح للترمذي ٥/٤٠ كتاب العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل. ٢ صحيح مسلم ١/٦٩ كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان. والترمذي ٤/٤٦٩-٤٧٠ كتاب الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب. وأبو داود ١/٦٧٧ كتاب الصلاة، باب الخطبة يوم العيد. والنسائي ٨/١١١ كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان. وابن ماجه ٢/١٣٣٠ كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٣ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ١ / ١٦ ]
لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
وقد قام الأنبياء والرسل جميعًا بدعوة الناس إلى عبادة الله وتوحيده، فما منهم من أحد إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقد احتدم الصراع بين دعاة الحق وأنصار الباطل بين الرسل وأممهم، وخلال هذا الصراع الرهيب تحطمت الأصنام وتهاوت الأوثان، وانخذل الشرك وأهله، وانتصر الحق ودعاته.
وعلى هذا الطريق سار السلف الصالح يدعون إلى دين الله على بصيرة، ويبينون للناس الحق على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولنا في رسل الله والسلف الصالح القدوة الحسنة.
رابعًا: أن الشرك بالله تعالى هو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر على الإطلاق، وأول الأسباب التي أدت إلى هلاك الأمم المكذبة، وعواقبه وخيمة في الدنيا والآخرة، وذلك أن صاحبه في الدنيا يصبح ضحية للخرافات والوساوس والأوهام، الأمر الذي يعود على صحته وماله ووقته بالتلف والهلاك، وهو في الآخرة من الخالدين في نار جهنم، إذا مات وهو مصر على الشرك والعياذ بالله.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٢ سورة الأعراف آية: ٥٩.
[ ١ / ١٧ ]
خامسًا: أنه على الرغم من كثرة النصوص الواردة في النهي عن الشرك والتحذير من صغيره وكبيره، فإن الشرك لا يزال ينتشر في بعض بقاع العالم الإسلامي على الرغم من انتشار العلوم والمعارف والتقدم الثقافي، بل أخذت معاول الهدم والتخريب تعمل جاهدة على إحياء ما قبل الإسلام، ومن ذلك إحياء الوثنية الجاهلية، فظهرت البدع التي قام أتباعها بنشرها والترويج لها، فظهر في الساحة القبوريون وأدعياء الولاية من الصوفية والمبتدعة، وأهل السحر والشعوذة الذين شوهوا معالم الدين، وزيفوا حقائقه ومعتقداته، حتى أصبحت في بعض البلدان السنة بدعة والبدعة سنة، وأصبح الشرك توحيدًا، والتوحيد شركًا وكفرًا١، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
سادسًا: أن هذا الموضوع بهذا العنوان وهذا المنهج الذي اتبعته لم أر من أفرده بالتأليف -على مبلغ علمي المحدود- اللهم ما تناثر في كتب العلماء القدامى والمحدثين في كتب العقائد والتفاسير والتواريخ ونحوها.
لهذا عزمت على الكتابة في هذا الموضوع محاولًا إعطاء القارئ صورة واضحة عن مسلك القرآن في دعوته للمشركين وما أقامه عليهم من الحجج والبراهين الدالة على وحدانية الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر في هذا: الإسلام والدعوات الهدامة لأنور الجندي ص: ٢١٩، ومصرع الشرك والخرافة للشيخ خالد محمد علي الحاج ص: ١١.
[ ١ / ١٨ ]
خطة البحث
قد قسمت الرسالة إلى:
مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة فتشمل على: سبب الاختيار والخطة، ومنهجي في البحث.
وأما التمهيد فيشمل على تعريف موجز لكل من: المنهج، القرآن، الدعوة، الإسلام.
وأما الباب الأول: فقد جعلته عن التوحيد والشرك في حياة البشرية.
ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه.
ويشتمل على ما يلي:
١- تعريف التوحيد لغة.
٢- تعريف التوحيد شرعًا.
٣- أسبقية التوحيد على الشرك، وذكر الأدلة على ذلك.
٤- خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع والرد عليهم.
[ ١ / ١٩ ]
٥- التوحيد دعوة جميع الرسل.
٦- أنواع التوحيد والعلاقة بينها.
وأما الفصل الثاني: فقد تحدثت فيه عن معنى الشرك وبعض صوره.
ويشتمل على ما يلي:
١- تعريف الشرك لغة.
٢- مواضع ورود كلمات الشرك في القرآن الكريم.
٣- تعريف الشرك شرعًا.
٤- أنواع الشرك.
٥- الفرق بين الشرك والكفر.
٦- صور من الشرك في الاعتقاد.
أ- الشرك في النية.
ب- الشرك في المحبة.
ج- الشرك في الخوف.
د- الشرك في الطاعة والانقياد.
٧- صور من الشرك في العبادات.
أ- دعاء غير الله.
ب- الغلو في قبور الأنبياء والصالحين.
ج- الشرك في الذبح.
د- الشرك في النذر.
[ ١ / ٢٠ ]
هـ- ادعاء علم الغيب.
والسحر والخداع.
ز- الأحجبة والرقى والتمائم.
٨- صور من المعبودات من دون الله.
أ- عبادة الشخصية الإنسانية.
ب- عبادة الأصنام والأوثان.
ج- عبادة الأهواء.
د- عبادة الأسلاف.
هـ- عبادة بعض الظواهر الطبيعية.
وأما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السابقين في محاربته.
ويشتمل على ما يلي:
١- الشرك في قوم نوح ﵇ ومنهجه في محاربته.
٢- الشرك في قوم هود ﵇ ومنهجه في محاربته.
٣- الشرك في قوم صالح ﵇ ومنهجه في محاربته.
٤- الشرك في قوم إبراهيم ﵇ ومنهجه في محاربته.
٥- الشرك في قوم إسماعيل ﵇ ومنهجه في محاربته.
٦- الشرك في قوم يوسف ﵇ ومنهجه في محاربته.
٧- الشرك في قوم شعيب ﵇ ومنهجه في محاربته.
[ ١ / ٢١ ]
٨- الشرك في قوم موسى ﵇ ومنهجه في محاربته.
٩- الشرك في قوم عيسى ﵇ ومنهجه في محاربته.
أما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه عن حالة العقائد قبيل بعثة محمد ﷺ في داخل الجزيرة العربية وفي خارجها، وبينت كيف أن العالم بأسره كان في حاجة ماسة إلى منقذ.
أما الباب الثاني: فكان في معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين. ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته وبينت فيه ثبوت فطرية وجود الله والإيمان به في النفوس البشرية، وأسباب تغير هذه الفطرة.
أما الدلائل العلمية على وجود الله ووحدانيته فتتمثل فيما يلي:
١- آيات الله في خلق الإنسان.
٢- آيات الله في الكون: من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، ونجوم وأفلاك، وسحاب ورياح ورعد.
٣- آيات الله في خلق الحيوان.
٤- آيات الله في خلق النبات.
أما الفصل الثاني: فكان في إقامة الحجج والبراهين على المشركين، ويشتمل على ما يلي:
١- الأدلة على صدق الرسول ﷺ.
[ ١ / ٢٢ ]
٢- أسئلة في إفحام المشركين.
٣- الاحتجاج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية وإقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد.
٤- الدعوة عن طريق السؤال والجواب.
٥- أمثلة من البراهين العقلية على وحدانية الله.
٦- الاستدلال بالمتقابلات.
٧- ضرب الأمثال.
٨- الجدل.
٩- تعجيزهم عن الإتيان بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم.
أما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن توجيهات وتحذيرات القرآن للمشركين، ويشتمل على ما يلي:
١- الأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
٢- الأساليب الخبرية في دعوتهم.
٣- الدعوة إلى التجرد من التقاليد الموروثة.
٤- استعمال الحكمة في دعوتهم.
٥- أسلوب القصة.
٦- الدعوة إلى الاعتبار بالسابقين.
٧- تذكيرهم بالنعم وتحذيرهم من النقم.
٨- الشرك خرافات وأوهام وفيه:
[ ١ / ٢٣ ]
أ- بيان ضعف الشركاء، ومهانة الآلهة المدعاة.
ب- تسفيه وتهجين عقول المشركين.
٩- أضرار الشرك في الدنيا والآخرة.
وأما الباب الثالث: فكان في دحض شبهات المشركين ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في حقيقة الملائكة وأراجيف المشركين حولهم.
المبحث الثاني: في إنكار المشركين لليوم الآخر ومنهج القرآن في إثباته.
المبحث الثالث: في بيان الحق في أمر الشفعاء.
المبحث الرابع: في بيان الحق في أمر الأولياء.
وأما الفصل الثاني: فقد تحدثت فيه عن دحض شبهات المشركين حول الرسالة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في دحض أكاذيب المشركين على القرآن.
المبحث الثاني: في دحض مفترياتهم على الرسول ﷺ.
المبحث الثالث: في إعناتهم للرسول ﷺ بطلب المعجزات والخوارق.
[ ١ / ٢٤ ]
أما الباب الرابع: فكان عن النقلة بالمشركين في السلوك والعبادة وموقف الإسلام منهم، ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: النقلة بالمشركين في العبادات، ويشتمل على ما يلي:
١- الصلاة.
٢- الزكاة.
٣- الصيام.
٤- الحج.
أما الفصل الثاني: فكان في النقلة بهم في السلوك والأخلاق، وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الترغيب في الفضائل، ويشتمل على ما يلي:
١- بر الوالدين وصلة الأرحام.
٢- العدل والوفاء.
٣- الإحسان.
٤- الأمانة.
٥- الصبر.
٦- الصدق.
٧- الاستقامة وتزكية النفس.
القسم الثاني: التحذير من الرذائل، ويشتمل على ما يلي:
١- تقاليد الجاهلية في الحرث والنعم.
[ ١ / ٢٥ ]
٢- أحكام الجاهلية.
٣- وأد البنات.
٤- الزنا.
٥- التبرج.
٦- الإكراه على البغاء.
٧- أكلهم للميتة والدم وما أهل به لغير الله.
٨- الخمر.
٩- الربا.
أما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن موقف الإسلام من المشركين، ويشتمل على ما يلي.
١- تمهيد في وصفهم بالمشركين.
٢- لا يحل لهم دخول المسجد الحرام واعتبارهم نجس.
٣- تحريم نسائهم وذبائحهم.
٤- عدم الاستغفار لهم.
٥- البراءة من عهودهم.
٦- الأمر بقتالهم.
٧- الخلاف في أخذ الجزية منهم.
وأما الخاتمة: فقد أوجزت فيها أهم الأفكار والمحتويات التي تضمنتها الرسالة.
[ ١ / ٢٦ ]
هذا وكان منهجي في البحث كالتالي:
١- وضعت الآيات الكريمة تحت المبحث أو الموضوع المناسب، مع عزوها إلى سورها وترقيمها، وبيان وجهتها في الدعوة على ضوء التفاسير المشهورة.
٢- ذكرت من الأحاديث ما يتعلق بموضوع البحث، وقمت بعزوها إلى مصادرها من كتب الصحاح والسنن قدر الطاقة، مبينًا في الهامش الجزء والصفحة ثم الكتاب فالباب.
٣- عزوت الآثار، وأحداث السيرة النبوية، والوقائع التاريخية إلى أشهر الكتب التي أوردتها ككتب التفسير، والحديث، والعقيدة، والسيرة، والتاريخ.
٤- ذكرت معاني الكلمات الغريبة -في نظري- معتمدًا في ذلك على كتب اللغة والتفسير والحديث.
هذا وأودُّ أن أنبه القارئ الكريم بأن ما نقلته عن بعض الكتب في هذا البحث لا يعني موافقتي لبعض أفكار ومناهج مؤلفيها، وذلك لمخالفتهم منهج السلف الصالح في بعض آرائهم، بل نقلت عن غير المسلمين، وذلك للإستفادة من بعض مؤلفاتهم، وقد حرصت ألاّ آخذ عنها إلا صوابًا.
والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.
[ ١ / ٢٧ ]
الفهارس
وقد ألحقت بهذه الرسالة أربع فهارس:
الفهرس الأول: للآيات القرآنية مرتبة حسب السور فالآيات.
الفهرس الثاني: للأحاديث النبوية والآثار مرتبة على الحروف الهجائية.
الفهرس الثالث: ثبت أهم المصادر مرتبة على حسب الحروف الهجائية أيضًا.
الفهرس الرابع: للموضوعات.
هذا وإنني قد بذلت جهدي وطاقتي في تحري الدقة والرجوع إلى كل ما أمكنني الرجوع إليه من المصادر والمراجع التي تتعلق بهذا الموضوع، ليخرج البحث في صورة طيبة، فإن كان صوابًا فهو من الله تعالى، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وحسبي أني لم أدخر وسعًا في سبيل ذلك، ولكن طبيعة البشر النقص والتقصير، والكمال لله وحده، ويؤكد هذا المعنى ما قاله العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"١.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين، مقدمة المحقق ١/ م.
[ ١ / ٢٨ ]
وأسأل الله تعالى أن أكون قد وقفت فيما كتبت، وأن ينفعني بما تعلمت، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي
[ ١ / ٢٩ ]
تمهيد
تمهيد: يشتمل على تعريف موجز بعنوان الرسالة، وهو تعريف كل من: المنهج، القرآن، الدعوة، الإسلام.
وقد أجلت التعريف بالشرك إلى الفصل الثاني من الباب الأول.
١- تعريف المنهج:
جاء في لسان العرب: "طريق نهج بين واضح، والجمع نهجات ونهج ونهوج، ونهج الطريق وضحه، والمنهاج كالمنهج"١.
وفي التنزيل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ .
ونهجت الطريق أثبته وأوضحته، يقال: إعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق سلكته، وفلان يستنهج سبل فلان، أي: يسلك مسلكة، والنهج الطريق المستقيم.
وفي معجم مقاييس اللغة: "النهج الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج والمنهج الطريق أيضًا، والجمع المناهج"٢.
وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن سلام ﵁: "فإذا
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ٢/٣٨٣ دار صادر بيروت، وانظر: المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٥٠٦ دار المعرفة بيروت، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٥/١٣٤، المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ، والقاموس المحيط للفيروزأبادي ١/٢١٠ مؤسسة الحلبي وشركاه القاهرة. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٣٦١ دار الكتب العلمية إيران.
[ ١ / ٣٣ ]
جواد منهج على يميني" ١.
قال النووي:" والجوادّ جمع جادة، وهي: الطريق البينة المسلوكة والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال، وقد تخفف"٢.
ومن هذا يتبين لنا أن المنهج أو المنهاج هو: الطريق الواضح المستقيم الذي يسير فيه السالك.
ونعني بالمنهج هنا الطرق والأساليب التي سلكها القرآن في دعوة المشركين إلى الإسلام.
٢- تعريف القرآن:
القرآن في الأصل مصدر قرأ قراءة وقرآنًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٣، أي: قراءته، فهو مصدر على وزن فعلان -بالضم- كالغفران والشكران٤.
وقد خُصَّ القرآن بالكتاب المنزل على محمد ﷺ، فصار له كالعلم الشخصي، وسمي قرآنًا لكونه جمع ثمرات الكتب
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٩٣٢، فضائل الصحابة رقم: ١٥٠. ٢ شرح النووي على مسلم ١٦/٤٤ دار الفكر- بيروت ط ٣. ٣ سورة القيامة آية: ١٧-١٨. ٤ اللسان ١/١٢٩، ومناهل العرفان ١/٧ دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه -القاهرة.
[ ١ / ٣٤ ]
السالفة المنزلة١.
ويطلق القرآن على مجموعة، وعلى كل آية من آياته من باب إطلاق الجزء على الكل، فإنك إذا سمعت من يتلو آية منه صح أن تقول أنه يقرأ القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
وفي الاصطلاح هو: "كلام الله المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، المعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاحتة، المختتم بسورة الناس"٣.
فالكلام اسم جنس في التعريف يشمل كل كلام، وإضافته إلى الله
_________________
(١) ١ المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٤٠٢ دار المعرفة -بيروت، ولسان العرب ١/١٢٩، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص: ٢٠. ٢ سورة الأعراف آية: ٢٠٤. انظر: مناهل العرفان ١/١٥-١٦، ومباحث في علوم القرآن ص: ٢٠. ٣ مناهل العرفان للزرقاني ١/١٠-١٣، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز ص: ١٥ ط٢ دار القلم - الكويت، والمدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبو شهبة ص: ٦ ط٢ دار الكتب - القاهرة، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص: ٢٠-٢١ ط٥ مؤسسة الرسالة - بيروت، ومباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص: ٢١ دار العلم للملايين - بيروت ط١١.
[ ١ / ٣٥ ]
تعالى يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة والمنزل على محمد ﷺ يخرج ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوارة والإنجيل قبل تحريفهما.
والمعجز بلفظه ومعناه: يخرج الأحاديث القدسية على القول بأن ألفاظها منزلة من عند الله، وأما على قول من يرى أن معانيها من عند الله، وألفاظها من عند الرسول ﷺ، فقد خرجت بالقول الأول، والمنقول إلينا بالتواتر: يخرج قراءت الآحاد، والمتعبد بتلاوته: يخرج الآيات التي نسخت تلاوتها١.
٣- تعريف الدعوة:
الدعوة لغة: المرة الواحدة من الدعاء، ومنه حديث الرسول ﷺ: "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢، وتداعى القوم دعا بعضهم بعضًا حتى يجتمعوا، والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، أدخلت الهاء فيه للمبالغة، والنبي ﷺ داعي إلى
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة. ٢ الترمذي ٥/٣٤ كتاب العلم رقم: ٢٦٥٨، وأبو داود ٤/٦٨ كتاب العلم رقم: ٣٦٦٠، وابن ماجه ٢/١٠١٦ كتاب المناسك رقم: ٣٠٥٥. ورواه أيضًا أحمد وهو حديث صحيح، انظر جامع الأصول لابن الأثير ٨/١٨.
[ ١ / ٣٦ ]
الله تعالى١.
وفي تهذيب اللغة: "المؤذن داعي الله، والنبي ﷺ داعي الأمة إلى توحيد الله وطاعته، قال ﷿ مخبرًا عن الجن الذين استمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ٢"٣.
وفي معجم مقاييس اللغة: " الدعوة إلى الطعام بالفتح، والدعوة في النسب بالكسر ومنه داعية اللبن، وهو ما يترك في الضرع لدعوة ما بعده، ومنه تداعت الحيطان إذا أسقط واحد وآخر بعده، فكأن الأول دعا الثاني، ودواعي الدهر صروفه "٤.
"ودعوة الحق شهادة أن لا إله إلا الله"٥
وجاء في المصباح المنير: "دعوت الله دعاء، ابتهلت إليه بالسؤال
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٤/٢٥٨. ٢ سورة الأحقاف آية: ٣١. ٣ تهذيب اللغة لأبي منصور ٣/١٢٠ الدار المصرية للتأليف والترجمة، وانظر: القاموس المحيط ٤/٣٢٨. ٤ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/٢٧٩-٢٨٠ مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده -بمصر. ٥ تاج العروس للزبيدي ١٠/١٢٨ دار مكتبة الحياة -بيروت.
[ ١ / ٣٧ ]
ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيدًا ناديته وطلبت إقباله، ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة فهو داعي الله، والجمع دعاة، وداعون مثل: قاضي وقضاة وقاضون، والنبي داعي الخلق إلى التوحيد"١.
والدعاء إلى الشيء الحث على قصده، ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ٢.
وقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ ٣.
ومن هذا يتبين لنا أن الدعوة في اللغة تستعمل في الخير والهدى، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ المصباح المنير لأحمد الفيومي ص: ١٩٤ دار المعارف -مصر. ٢ سورة يوسف آية: ٣٣. ٣ سورة يونس آية: ٢٥. ٤ سورة يوسف آية: ١٠٨. ٥ سورة الأحزاب الآيتان: ٤٥-٤٦.
[ ١ / ٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
كما تستعمل عند الإطلاق في الشر والضلال، ولذلك لا بدّ من المعنى الاصطلاحي لتوضيحها وتمييزها.
الدعوة في الاصطلاح:
عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بقوله: "الدعوة إلى الله هي: الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه"٢.
وهذا التعريف اشتمل على الدعوة إلى أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وركن الإحسان.
وعرفها المتأخرون٣ بتعاريف كثيرة متقاربة إلا أنها في نظري ليست
_________________
(١) ١ سورة فصلت آية: ٣٣. ٢ مجموعة الفتاوى ١٥/١٥٧-١٥٨ الطبعة السعودية تصوير عن الطبعة الأولى. ٣ انظر مثلًا: تذكرة الدعاة للبهي الخولي ص: ٣٥ ط٦ مكتبة الفلاح -الكويت، والدعوة إلى الإسلام لأبي بكر ذكرى ص: ٨ مكتبة العروبة -القاهرة، ومع الله للغزالي ص: ١٧ المكتبة الإسلامية، والدعوة الإسلامية لأحمد غلوش ص: ١٠ وما بعدها دار الكتاب المصري اللبناني، والدعوة إلى الله في سورة إبراهيم لمحمد الحبيب ص: ٢٧ ط١.
[ ١ / ٣٩ ]
دقيقة، ونستطيع القول:
بأن الدعوة هي: "قيام من له الأهلية بدعوة الناس جميعًا لاقتفاء أثر الرسول ﷺ والتأسي به قولًا وعملًا واعتقادًا بالوسائل والأساليب المشروعة التي تتناسب مع أحوال المدعوين في كل زمان ومكان".
٤- تعريف الإسلام:
تعريف الإسلام لغة: جاء في لسان العرب: "الإسلام والإستسلام الإنقياد، والإسلام من الشريعة إظهار الخضوع وإظهار الشريعة، والتزام ما أتى به النبي ﷺ، وبذلك يحقن الدم ويستدفع المكروه"١.
وفي المصباح: "أسلم لله فهو مسلم، وأسلم دخل في دين الإسلام، وأسلم دخل في السلم"٢.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ١٢/٢٩٣. وانظر: تهذيب اللغة ١٢/٤٥١، وتاج العروس للزبيدي ٨/٣٤٠. ٢ المصباح المنير ص: ٢٨٧.
[ ١ / ٤٠ ]
فالإسلام في اللغة إذًا هو الاستسلام والخضوع والانقياد لأمر الآمر ونهي الناهي، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١.
تعريف الإسلام شرعًا:
جاء في حديث جبريل -﵇-: " قال يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت " ٢ الحديث.
وهذا التعريف بالإسلام إنما هو تعبير بالجزء عن الكل لبيان أهمية هذا الجزء، ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" ٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٨٣. ٢ أخرجه: مسلم ١/٣٧ كتاب الإيمان، حديث رقم: ١. والبخاري بنحوه ١/١٨ كتاب الإيمان، باب ٣٧ سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان. ٣ البخاري ١/٨ كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس. ومسلم ١/٤٥ كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام حديث رقم: ٢٠، ٢١، ٢٢.
[ ١ / ٤١ ]
وبهذا يتبين أن بناء الإسلام يقوم على هذه الأركان الخمسة، وليس معنى ذلك أن هذه الأركان كل الإسلام، وإنما هي بمثابة الأساس الذي يقوم عليه البناء الكبير.
ويمكن أن يقال أن الإسلام: "هو مجموع ما أنزل الله تعالى على رسوله محمد ﷺ من أحكام العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والإخبارات في القرآن الكريم والسنة المطهرة"١.
ونظرًا للتلازم بين الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك أود أن أتكلم عن التوحيد والشرك في حياة البشرية في الباب التالي:
_________________
(١) ١ انظر: أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان ص: ١٠ ط٣، وقد ذكر الدكتور عبد الكريم عدة تعريفات للإسلام في كتابه هذا فانظرها.
[ ١ / ٤٢ ]
الباب الأول: التوحيد والشرك في حياة البشرية.
الفصل الأول: أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه.
الباب الأول: التوحيد والشرك في حياة البشرية ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: أصالة التوحيد في البشرية ودعوة جميع رسل الله إليه.
ويشتمل على ما يلي:
تعريف التوحيد.
أسبقية التوحيد على الشرك وذكر الأدلة على ذلك.
خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع والرد عليهم.
التوحيد دعوة جميع الرسل.
أنواع التوحيد والعلاقة بينها.
تعريف التوحيد:
تعريف التوحيد لغة:
التوحيد لغة قال ابن الأثير في النهاية -في أسماء الله الواحد-:"هو الفرد الذي لم يزل ولم يكن معه آخر"١.
وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسْم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى، وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ، ولا يثنى، ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له ولا مثيل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى"٢.
وفي لسان العرب: "الواحد من صفات الله تعالى، معناه لا ثاني له، ولا يجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا ينعت به غير الله لخلوص هذا الاسم الشريف له جل ثناؤه، وتقول: أحَّدْتُ الله تعالى، ووحدته وهو الواحد الأحد"٣.
وقال الفيروزأبادي: "التوحيد الإيمان بالله، والله الأوحد والمتوحد
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ٥/١٥٩. ٢ تهذيب اللغة ٥/١٩٥. ٣ لسان العرب ٣/٤٥١.
[ ١ / ٤٧ ]
ذو الوحدانية"١.
وقال الراغب:" الوحدة الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى أنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد "٢.
من هذا يتبين لنا أن مادة "وحد" وكلمة وحدة تدور حول انفراد الشيء بذاته أو بصفاته أو بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، أما إذا عدى بالتضعيف، فقيل: وحد الشيء توحيدًا، أن معناه: إما جعله واحدًا، أو اعتقده واحدًا، قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ١/٣٤٤. ٢ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص: ٥١٤. ٣ سورة ص آية: ٥.
[ ١ / ٤٨ ]
تعريف التوحيد شرعًا:
فتوحيد الله معناه اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة، وإذا قيل: الله واحد أو أحد، كان معنى ذلك انفراده بما له من ذات وصفات، وعدم مشاركة غيره فيها، فهو واحد في إلهيته، فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته، فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له١.
ونستطيع القول بأن التوحيد هو: الإيمان الجازم بتفرد الله تعالى ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، ونفي الشركاء والأنداد عنه سبحانه اعتقادًا وعملًا على الوجه الذي جاء به الوحي الإلهي على ألْسنة الرسل عليهم السلام٢.
_________________
(١) ١ انظر: مصرع الشرك والخرافة ص: ١٨. ٢ انظر: دراسات في التفسير الموضوعي للدكتور زاهر الألمعي ص: ١٥٧ الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.
[ ١ / ٤٩ ]
٢- أسبقية التوحيد على الشرك، وذكر الأدلة على ذلك:
لقد بدأت البشرية على التوحيد الخالص والتنزيه الكامل لله وحده، وهذا ما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية من أن آدم أبا البشر ﵇، كان نبيًا موحدًا على أنقى صور التوحيد وأصفاه، وأنه عرف حقيقة التوحيد وطبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق.
وقد خلق الله تعالى آدم من تراب، فسواه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته الكرام.
قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة ص الآيات: ٧١-٧٥. ٢ سورة طه الآيتان: ١٢١-١٢٢.
[ ١ / ٥٠ ]
ويعترف آدم ﵇، ويقر بخطئه، ويرجع إلى ربه ﵎ تائبًا خاضعًا متذللًا، كما قال تعالى حكاية عن قول آدم ومعه زوجه حواء: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
كما أخذ الله تعالى الميثاق على آدم وزوجه أن يتبعا ما يأتيهما من هدى، وأن يبتعدا عن سبل الشيطان وخطواته، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢.
ومما لا شك فيه أن آدم ﵇ قد قام بنقل ما تلقاه عن ربه جل وعلا من العقيدة والوحي الإلهي، وأن أبناءه قد تلقوا هذه التعاليم بالقبول والرضا وتوارثوها من بعد أبيهم جيلًا بعد جيل، حتى عهد نوح ﵇، كما سيأتي بيانه عند دعوته.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٢٣. ٢ سورة طه الآيتان: ١٢٣-١٢٤.
[ ١ / ٥١ ]
الأدلة على أسبقية التوحيد على الشرك:
من الأدلة على أقدمية التوحيد على الشرك ما يلي:
١- أنه لأهمية التوحيد قد أخذ الله العهد والميثاق من جميع البشر على التزام أحكامه، وذلك قبل أن يخلقهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ١.
ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك من ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي" ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ١٧٢. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٣٦٣ كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته. ونحوه في مسلم ٤/٢١٦٠ كتاب صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا. وأحمد ٣/١٢٧ وهذا لفظه.
[ ١ / ٥٢ ]
٢- فطرية التدين وأصالته في حياة البشرية، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء٢ هل تحسون فيها من جدع اء٣"٤.
٣- كون الناس كانوا أمة واحدة على الهدى وعلى شريعة من الحق، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الروم آية: ٣٠. ٢ أي: سليمة من العيوب، مجتمعة الأعظاء كاملتها، فلا جدع بها ولا كي. النهاية لابن الأثير ١/٢٩٦. ٣ أي: مقطوعة الأطراف أو واحدها. النهاية لابن الأثير ١/٢٤٧. ٤ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢١٩ كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي هل يصلى عليه. ومسلم ٤/٢٠٤٧ كتاب القدر، حديث: ٢٢ و٢٤. ٥ سورة البقرة آية: ٢١٣.
[ ١ / ٥٣ ]
فعن ابن عباس ﵄: "كان الناس أمة واحدة كانوا على الإسلام كلهم".
قال ابن القيم -﵀-:" وهذا هو القول الصحيح في الآية"١.
٤- اختلاف الناس عن الحق مع توالي العصور، فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال: وكذلك في قراءة عبد الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَاخْتَلَفُوا"٢.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان ٢/٢٠٤. ٢ المستدرك لأبي عبد الله النيسابوري الحاكم ٢/٥٤٦. هذا وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية هذا الحديث، وعزاه للبخاري في صحيحه ولفظه ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" البداية والنهاية ١/١٠١، وعزاه في قصص الأنبياء ١/٧٤ بلفظه. وبعد البحث لم أجد الحديث في صحيح البخاري. وقد ذكره السيوطي في الإتقان ٢/١٧٥، وعزاه للحاكم فقط، مع أن ابن كثير -﵀- نفسه ذكر هذا الحديث في التفسير عند قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ سورة البقرة آية: ١١٣، وعزاه للحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: تفسير ابن كثير ١/٢٥٩. وقد رواه ابن جرير عن ابن عباس بسنده انظر تفسير ابن جرير ٣/٣٣٤.
[ ١ / ٥٤ ]
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد وافقه الذهبي على ذلك١.
وكلمة "فاختلفوا" ليست من لفظ الآية، وإنما ذكرها عبد الله بن مسعود ﵁ كتفسير لها، ويؤيد تفسيره لهذه الآية على هذا النحو الآية الأخرى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢.
٥- إغواء الشياطين لبني آدم لصرفهم عن شريعة الحق، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال٣، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت
_________________
(١) ١ التلخيص مع المستدرك ٢/٥٤٧. ٢ سورة يونس آية: ١٩. ٣ قال النووي: "معنى نحلته أعطيته، وفي الكلام حذف أي قال الله تعالى: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي فهو حلال، والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي، وغير ذلك، وأنها لم تصر حرامًا بتحريمهم، وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق". شرح النووي على مسلم ١٧/١٩٧.
[ ١ / ٥٥ ]
عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" ١ الحديث.
٦- إن الله تعالى أرسل إلى جميع الأمم رسلًا يرشدونهم الخير والهدى، ويحذرونهم من الشر والضلال، ولا شك أن في مقدمة تعليمهم وإرشادهم تعريفهم بخالقهم ورازقهم، ولم يتركوا الناس يتعرفون إلى خالقهم عن طريق البحث والاجتهاد، وقد كان هؤلاء الرسل من الكثرة بحيث أنهم بلغوا البشرية كلها دعوة الله، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣.
ومما يدل على تبليغ الرسل لأممها أن الأمم المكذبة في يوم القيامة تقر وتعترف بتبليغ الرسل لها دعوة الله، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢١٩٧ كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث رقم: ٦٣، ومسند أحمد ٤/١٦٢. ٢ سورة فاطر آية: ٢٤. ٣ سورة غافر آية: ٧٨.
[ ١ / ٥٦ ]
سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ١.
ومن خلال الأدلة السابقة يتبين لنا بوضوح أسبقية التوحيد على الشرط، يقول الدكتور عبد الله دراز: "وقد انتصر لهذه النظرية أي فطرية التوحيد وأصالته جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلماء النفس "٢.
وقوله ﵀ عن حقيقة التوحيد أنها نظرية غير دقيقة.
ويقول الدكتور جواد علي: "وهو رأي رجال الدين بصورة عامة"٣.
_________________
(١) ١ سورة الملك الآيتان: ٨-٩. ٢ بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان ص: ١٠٧. ٣ تاريخ العرب قبل الإسلام ٥/٦٠.
[ ١ / ٥٧ ]
٣- خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع، والرد عليهم:
يزعم بعض الباحثين الغربيين -ممن يسمون بعلماء مقارنة الأديان، وكذلك مقلدتهم من الكتاب المسلمين بأن الشرك سابق على التوحيد، وأن عبادة الإله قد تطورت من جيل إلى جيل، حتى وصلت إلى التوحيد الخالص، حتى زعم بعضهم أن عقيدة الإله الأحد عقيدة جد حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي١.
وقد اعتمد هؤلاء على نظرية التطور والارتقاء، حيث قاسوا التوحيد في حياة البشر على نمو وتطور العلوم والصناعات التي تنمو وتتطور بسبب الجهد البشري.
يقول الدكتور عبد الله دراز: "وهذه النظرية نادى بها أنصار مذهب التطور التقدمي، أو الإقتصادي الذي ساد في أوربا في القرن التاسع عشر، في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء، وإن اختلفت وجهات نظرهم في تحديد صورة العبادة الأولى وموضوعها "٢.
_________________
(١) ١ انظر: بحوث لدراسة تاريخ الأديان لعبد الله دراز ص: ١٠٧. ٢ المرجع السابق.
[ ١ / ٥٨ ]
وبالنظر إلى قيام الأدلة ووضوحها على أقدمية التوحيد وأسبقيته على الشرك والوثنية، فإننا نأسف كل الأسف لبعض الكتاب المسلمين الذين يعدون أنفسهم ويعدهم غيرهم من الباحثين المسلمين لانخداعهم بالأفكار الغربية، وتبنيهم لتلك النظرية الملحدة.
فهذا العقاد يقول في مقدمة كتابه المسمى "الله": "موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية منذ أن اتخذ الإنسان ربًا إلى أن عرف الله الواحد واهتدى إلى نزاهة التوحيد".
ثم يشرح العقاد ما أجمل في هذه العبارة في الفصل الذي عقده بعنوان: "أصل العقيدة"، فيقول: "ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى"١.
إلى أن يقول: "فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال"٢.
_________________
(١) ١ الله، للعقاد ص: ١٣. ٢ المرجع السابق ص: ١٤.
[ ١ / ٥٩ ]
وينتقل العقاد إلى فصل آخر بعنوان:" أطوار العقيدة الإلهية"، فيقول:" يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالإلهية والأرباب، وهو دور التعدد، ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية "١.
ثم يقول: "فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه، ولكنه لم يكن على سلم واحد متعاقب الدرجات بل كان على سلالم مختلفة تصعد من ناحية وتهبط من أخرى"٢.
وأخيرًا قرر العقاد رأي أولئك القائلين بتطور العقيدة زاعمًا أن ديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح، حيث قال: " فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح، لأنها أكبر ما تقع عليه العين، وتعلل به الخليقة والحياة، فإذا دخلت هي أيضًا في عداد المعلومات فقد أصبح الكون كله في حاجة إلى خالق موجد للأرض والسماء والكواكب والأقمار وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على فحوى قصة إبراهيم في القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا
_________________
(١) ١ الله للعقاد ص: ٢٨. ٢ المرجع السابق ص: ٣٢.
[ ١ / ٦٠ ]
أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وواضح أن استدلال العقاد بهذه الآيات الكريمة دليل على أنه يرى رأي العلماء الغربيين وإلا لما استدل بهذه الآيات، ولما قال قبلها: "وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على فحوى قصة إبراهيم".
والحق الذي لا ريب فيه أن الذين يقولون إن إبراهيم ﵇ كان متحيرًا في الاهتداء إلى معرفة ربه، قد خالفوا الحق والصواب؛ لأنهم استدلوا بظاهر الآيات على أن إبراهيم ﵇ كان يريد أن يصل إلى معرفة ربه حتى هداه الله تعالى في النهاية.
والحق أن أول هذه الآيات وآخرها ومضمونها يدل على أن إبراهيم ﵇ كان يتدرج في دعوة قومه -عباد الكواكب- ليقدم لهم الدليل المحسوس على بطلان ما يعتقدونه في تلك المعبودات.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ٧٦-٨٠.
[ ١ / ٦١ ]
قال الإمام ابن كثير ﵀: "والحق أن إبراهيم ﵇ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام والكواكب السيارة، وأشدها إضاءة الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ "١.
وقال صاحب الكشاف:" كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم، ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى ألا يكون شيء منها إلهًا وأن وراءها محدثًا أحدثها، ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها"٢.
وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، ثم يكر عليه فيبطله بالحجة.
وقال الشهرستاني: "ابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/١٦٣ باختصار. ٢ الكشاف للزمخشري ٢/٣١ بتصرف.
[ ١ / ٦٢ ]
الموافقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: أتيناه الحجة كذلك نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، والمخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ والإفحام أقوى، وإلا فإبراهيم الخليل لم يكن في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ مشركًا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ كاذبًا"١.
هذا وقد كتب الدكتور مصطفى محمود كتابًا سماه "الله" أيضًا عرض فيه نفس الفكرة من تطور العقيدة على أيدي البشر حتى وصلت إلى التوحيد أخيرًا، وإن كان قد ذكر بأن ذلك يمثل المجهود البشري، أما رسالات السماء فهي واحدة من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ فلا تطور ولا تبديل ٢.
كما عثرت على كتيب لنفس المؤلف بعنوان "محمد" ﷺ بدأه بالآية الكريمة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ٣، ثم قال: "هكذا بدأت الحال بالناس، أمة واحدة على الجهل
_________________
(١) ١ الملل والنحل ٢/٥١-٥٣ بتصرف. ٢ انظر كتاب "الله" لمصطفى محمود ص: ٤٧ وما بعدها. ٣ سورة البقرة آية: ٢١٣.
[ ١ / ٦٣ ]
والمادية والكفر وعبادة اللذة العاجلة لا يؤمنون إلا بما يقع في دائرة حواسهم، ولا تتجاوز أشواقهم دائرة المعدة والغرائز، ثم نزلت الكتب والرسل فتفرق الناس بين مصدق ومكذب، وبين مؤمن وكافر، واختلفوا شيعًا وطوائف "١.
والحق أن هذه النظرية المادية هي شبيهة بنظرية من يزعمون بأن أصل الإنسان قرد أو سمكة ونحو ذلك ثم تطور حتى أصبح إنسانًا قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقد جمع هـ. ج. ولز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية بين النظرتين، فقال: "ونمت الديانة كما تنمو كل مصلحة إنسانية، ويقينًا أنه لم يكن في مقدور الإنسان البدائي بله أسلافه القردة وأسلافه من الثدييات٢، أن يكون له أي فكرة عن الرب أو الدين، فلم يستطع ذهنه ولا قوى فهمه أن يصبح قادرًا على تصور هذه الأفكار العامة إلا ببطء شديد، فالدين شيء نما مع الترابط الإنساني"٣. ا.؟
أقول: ما قرره بعض الباحثين الغربيين ومن أخذ برأيهم من كتّاب المسلمين من كون الشرك سابق على التوحيد، فيه إنكار للوحي السماوي
_________________
(١) ١ انظر كتاب محمد - ﷺ - لمصطفى محمود ص: ٧ دار المعارف. ٢ الثدييات: الحيوانات اللبونية. قاموس إلياس العصري ص: ٩٨ طبعة ١٩٨٢ م. ٣ معالم تاريخ الإنسانية ل هـ. ج. ولز ١/١٢٣-١٢٤ -ترجمة عبد العزيز توفيق، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر -القاهرة سنة ١٩٥٦م.
[ ١ / ٦٤ ]
والسنة النبوية، لأنهم اعتبروا الوصول إلى التوحيد إنما هو بسبب المجهود البشري الناتج عن الارتقاء العقلي والتقدم الثقافي.
والحق أن عقيدة التوحيد كانت منذ خلق الله الإنسان الأول على هذه الأرض إلى بعثة محمد ﷺ، وستبقى إلى قيام الساعة، فهي البداية وهي النهاية، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تؤكد أن البشرية قد صاحبتها عقيدة التوحيد منذ بدايتها.
بدأ بذلك نبي الله أبو البشر آدم ﵇، وتلقاها من بعده أبناؤه جيلًا بعد جيل، وكلما انحرفت البشرية عن طريق الحق بسبب الجهل أو الانحراف في الفطرة البشرية بعث الله إليها من يعيدها إلى الحق والصواب.
فقد دعا نوح ﵇ إلى عبادة الله وحده، وأعاد إلى العقيدة نقاءها وصفاءها بعد أن خرج قومه عن خط الهداية الإلهية، وشذوا عن طريق التوحيد الذي تقرر في الأرض منذ عهد آدم ﵇.
واستمر موكب الإيمان يتجدد من وقت لآخر، وتوالى الأنبياء في كل أمة يبينون للناس الحق والهدى كلما انتكسوا أو انحرفوا حتى جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ الذي دعا إلى التوحيد من جديد، وسلك نهج سلفه من الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، وأكمل الله به الدين وأتم به النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
[ ١ / ٦٥ ]
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ١.
والكتب السماوية جميعها جاءت بتقرير هذه الحقيقة، وإذا كان قد حصل تحريف أو تبديل في الكتب السابقة على أيدي بعض الأتباع، فذلك لأن الله تعالى لم يتكفل بحفظ تلك الكتب، وأن دورها قد انتهى بانتهاء وقتها، وقد بقي القرآن الكريم محفوظًا بحفظ الله له يكشف الزيف، ويبين التحريف، ويهيمن على كل ما سبقه من كتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣.
وكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أنه إذا كان قد حصل تدرج أو اختلاف بين الرسالات، فإنما كان ذلك في الشرائع والأحكام التي قد تناسب أمة ولا تناسب أخرى، فمثلًا الصلاة كانت مشروعة في الأمم السابقة، لكن طريقة أدائها قد تختلف من أمة إلى أخرى، وكذلك
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٣. ٢ سورة الحجر آية: ٩. ٣ سورة المائدة آية: ٤٨.
[ ١ / ٦٦ ]
الصيام وغيره، حتى بلغت حد الكمال في الشريعة الإسلامية الخاتمة التي نسخت كل ما لا يتفق مع الشريعة الوافية والصالحة لكل زمان ومكان.
قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
أما أصول الشرائع فهي واحدة في لبها ومضمونها وجوهرها، لم تختلف ولم تتغير، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ٣.
أما استدلال القائلين بأسبقية الوثنية على التوحيد بآثار الحفريات٤
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٤٨. ٢ سورة البقرة آية: ١٠٦. ٣ سورة الشورى آية: ١٣. ٤ انظر: كتاب الإيمان كما يصوره الكتاب والسنة للدكتور علي عبد المنعم ص: ٤٦، دار البحوث العلمية -الكويت الطبعة الأولى ١٣٩٨؟.
[ ١ / ٦٧ ]
التي زعموا بأنها تدل على أن الناس في بادئ الأمر قد تدينوا بالوثنية، ثم تطورت عباداتهم مع تطورهم الفكري، فإن ذلك ما هو إلا مجرد التخمينات والتخرصات الوهمية والتي لا تقاوم القرآن الكريم، والسنة الثابتة.
ومن الممكن والمعقول جدًا أن تكون تلك الآثار التي اكتشفوها قد وقعت لذرية آدم ﵇، فقد تكون لقوم نوح، أو لقوم هود، أو لقوم صالح، أو لقوم إبراهيم، أو لقوم شعيب، أو لقوم موسى، فقد حدث الشرك في أقوام أولئك الأنبياء عليهم وعلى نبينا السلام كما سيأتي بيانه، والدليل متى تطرق إليه الاحتمال، فلا يصح أن يكون دليلًا يحتج به، فكيف وأدلتهم تصطدم بنصوص القرآن والسنة؟
[ ١ / ٦٨ ]
٤- التوحيد دعوة جميع الرسل
والدعوة إلى الإيمان بالله ﵎، وإفراده بالعبادة، والتذلل إليه، والانقياد لأمره وحكمه، وتنزيهه عن الند والصاحبة والولد، هي القضية الأساسية التي من أجلها بعث الله جميع أنبيائه ورسله، وقد جاء ذلك واضحًا جليًا فيما قصه الله تعالى علينا في القرآن الكريم من دعوة الرسل إلى أممهم وأقوامهم.
قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
وقال سبحانه عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٥٩. ٢ سورة هود الآيتان: ٢٥-٢٦. ٣ سورة الأعراف آية: ٦٥، ومثلها آية: ٥٠ من سورة هود.
[ ١ / ٦٩ ]
وقال جل ذكره عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٧٣، وسورة هود آية: ٦١. ٢ سورة الأنعام آية: ٧٩. ٣ سورة العنكبوت آية: ١٦. ٤ سورة البقرة آية: ١٣٣.
[ ١ / ٧٠ ]
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقال عن موسى ﵇: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وقال عن عيسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ٤.
أما عن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فقد بعث
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآيات: ٣٨-٤٠. ٢ سورة الأعراف آية: ٨٥. ٣ سورة الأعراف آية: ١٤٠. ٤ سورة آل عمران آية: ٥١.
[ ١ / ٧١ ]
بالدعوة العالمية الشاملة، وبالبيان الأكمل في شأن الدين كله عامة، والتوحيد منه خاصة، وقد جاء القرآن العظيم بأتم الحجج والبراهين الدالة على وحدانية الله، وسجل أقاويل ومزاعم الكفار والردود عليها، حتى تكون حجة الله بالغة باهرة إلى يوم الدين، وحتى لا تكون للناس على الله حجة بعد ختم النبوة، لأن القرآن الكريم هو صوتها الممدود، ودعاؤها الموصول إلى قيام الساعة، وفيه أكمل حديث عن التوحيد تقريرًا، وإثباتًا، وردًا على المشركين والملحدين، وإبطالًا للشرك وكل ضروب الوثنية والانحراف عن التوحيد.
ويكفي هنا أن أذكر مثالًا واحدًا لما أمره الله به أن يقوله للناس في كلمات موجزة جامعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١.
وما هذه الرسالة إلا محاولة في بيان مسلك القرآن في دعوة المشركين، وما أقامه عليهم من حجج وبراهين.
ومما لا شك فيه أنّ كل نبي أو رسول قد دعا قومه إلى كلمة التوحيد بنصها أو معناها، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص بتمامها.
[ ١ / ٧٢ ]
فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
قال القرطبي ﵀ عند قوله: ﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ أي: قلنا للجميع لا إله إلا الله، فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول، وقال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد٢.
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٤.
فهذه مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم الدعوة إلى عبادة الله تعالى
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٢ تفسير القرطبي ١١/٢٨٠. ٣ سورة الزخرف آية: ٤٥. ٤ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ١ / ٧٣ ]
وحده وإفراده بالألوهية الصحيحة، فلا شريك له، ولا ندّ، ولا صاحبة، ولا ولد.
والتوحيد أهم أصل من أصول الدعوة إلى الله، وأهم صفة يتصف بها أولياء الله، وأهم عنصر من عناصر الحكمة، وبيان ذلك ما يلي:
١- ما جاء بشأن لقمان في وصيته لابنه، وتحذيره له من الشرك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
٢- ما ذكره الله تعالى عن اتصاف أهل الكهف بالتوحيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٢.
٣- وأثنى الله تعالى على مؤمن آل فرعون فوصفه بالتوحيد، كما
_________________
(١) ١ سورة لقمان آية: ١٣. ٢ سورة الكهف الآيات: ١٣-١٥.
[ ١ / ٧٤ ]
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ١.
كما أن الدين الذي بعث الله به رسله من أولهم إلى آخرهم، إنما هو الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكان دينه الذي ارتضاه لنفسه هو دين الإسلام، الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، ولا يقبل من أحد دينًا غيره، لا من الأولين، ولا من الآخرين، وهو دين الأنبياء وأتباعهم، كما أخبر الله بذلك عن نوح ومن بعده إلى الحواريين"٢.
وقد استشهد رحمه الله تعالى ببعض الآيات الكريمة، وأنا أذكرها مع التصرف في الترتيب:
قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ
_________________
(١) ١ سورة غافر الآيات: ٤١-٤٣. ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/١١.
[ ١ / ٧٥ ]
أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى عن يوسف الصديق ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان: ٧١-٧٢. ٢ سورة البقرة الآيات: ١٣٠-١٣٢. ٣ سورة يوسف آية: ١٠١.
[ ١ / ٧٦ ]
تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ ٢.
وقال تعالى عن المسيح ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٨٤. ٢ سورة المائدة آية: ٤٤. ٣ سورة آل عمران الآيتان: ٥٢-٥٣. ٤ سورة المائدة آية: ١١١. ٥ سورة الأعراف آية: ١٢٦.
[ ١ / ٧٧ ]
وقال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ثم يعلق ﵀ على هذا بقوله: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله"٢.
ومن هذا يتبين أن الأنبياء كلهم وكذلك أتباعهم -كما ذكر الله تعالى- كانوا مسلمين، وهذا يبين أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، لا يختص بمن بعث إليه محمد ﷺ، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٤٤. ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/١٢. ٣ سورة آل عمران آية: ١٩. ٤ سورة آل عمران آية: ٨٥.
[ ١ / ٧٨ ]
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٢٥. ٢ سورة البقرة الآيتان: ١١١-١١٢.
[ ١ / ٧٩ ]
٥- أنواع التوحيد والعلاقة بينها:
أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه نوعان، حيث قال: "وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي الذي تدل عليه الأسماء والصفات، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها التوحيد القصدي العملي "١.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضًا نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع"٢.
ولما تحدث ابن القيم عن التوحيد عند الطوائف الباطلة كالفلاسفة والاتحادية، والجهمية، والقدرية، والجبرية قال: وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه، فهو وراء ذلك كله، وهو نوعان:
توحيد في المعرفة والإثبات.
وتوحيد في الطلب والقصد.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٤٦٥، وانظر مجموع الفتاوى ٣/٣. ٢ مدارج السالكين ١/٣٣.
[ ١ / ٨٠ ]
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سماواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية١.
وقال الإمام الطحاوي ﵀: "فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له"٢.
وقد تحدث الإمام الطحاوي ﵀ عن هذه الأنواع من التوحيد، ثم عقد موضوعًا بعنوان "التوحيد الذي دعت إليه الرسل".
قال فيه: "ثم إن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان:
توحيد الإثبات والمعرفة. وتوحيد في الطلب والقصد.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٦٤. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص: ٧٦.
[ ١ / ٨١ ]
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ.
والثاني: توحيد في الطلب والقصد"١.
وقال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي ﵀: "التوحيد نوعان:
الأول: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، المتضمن إثبات صفات الكمال لله ﷿، وتنزيهه عن التشبيه والتمثيل وتنزيهه عن صفات النقص، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
والثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له، وخوفه ورجاؤه، والتوكل عليه والرضا به ربًا وإلهًا ووليًا، وأنْ لا يجعل له عدلًا في شيء من الأشياء، وهو توحيد الإلهية"٢.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما التوحيد فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات"٣.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص: ٨٨. ٢ معارج القبول ١/٥٤. ٣ مجموعة التوحيد ص: ٣. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص: ٣٣، ومصرع الشرك والخرافة ص: ١٩.
[ ١ / ٨٢ ]
ومما سبق يتبين لنا أن العلماء المحققين قد اختلفت عباراتهم في أنواع التوحيد وأقسامه، فمنهم من جعل التوحيد يرجع إلى قسمين هما: التوحيد القولي العلمي أو العملي، والثاني: التوحيد القصدي العملي.
ومنهم من قال: التوحيد في العلم والاعتقاد، وفي القصد والإرادة.
ومنهم من قال: في المعرفة والإثبات، وفي الطلب والقصد.
ومنهم من جعله ثلاثة أنواع: هي توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وبالتأمل في هذه الأقوال، نجد أن ما يبدوا عليها من خلاف ليس على ظاهره، وإنما هو مجرد خلاف في اللفظ والشكل فقط، والفرق بين من قسم التوحيد إلى نوعين، وبين من جعله ثلاثة أنواع، هو: أن من قسم التوحيد إلى نوعين فإنه أدخل توحيد الأسماء والصفات في توحيد الربوبية، ومن جعله ثلاثة أقسام فإنه قد أفرد توحيد الأسماء والصفات بقسم خاص، وذلك لوقوع النزاع فيه، كما سيأتي.
وبعد استعراض أقوال العلماء ﵏ في تقسيم أنواع التوحيد، أود أن أشير إلى معرفة هذه الأنواع بإيجاز:
أ- فأما توحيد الربوبية: فهو توحيد الله بأفعاله كالإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر لشؤون خلقه، النافع الضار، المنفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي بيده الأمر كله، وبيده الخير كله.
[ ١ / ٨٣ ]
وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به، أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١.
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ ٢.
وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٣.
ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ على وجه الإنكار والجحود، قال له موسى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية: ١٠. ٢ سورة الإسراء آية: ١٠٢. ٣ سورة النحل آية: ١٤.
[ ١ / ٨٤ ]
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
أما مشركوا العرب فإنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وأن الله تعالى خالق السموات والأرض، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
ولم يكن المشركون يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم٤.
ولكن إقرارهم بهذا التوحيد لم يدخلهم في الإسلام، بل إنَّ الرسول ﷺ قاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم٥، وهو
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ٢٤-٢٨. ٢ سورة لقمان آية: ٢٥. ٣ سورة المؤمنون الآيتان: ٨٤-٨٥. ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٧٩. ٥ مجموعة التوحيد ص: ٣.
[ ١ / ٨٥ ]
من الحجة عليهم١.
ب- وأما توحيد الأسماء والصفات: فهو إعتقاد ثبوت ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا ونفيًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، كالعلم والقدرة، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، على العرش استوى، وينزل لفصل القضاء، ونحو ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث"٢.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا التوحيد، فيقول٣: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما
_________________
(١) ١ مجموعة الفتاوى ١/٢٣. ٢ العقيدة الواسطية ص: ١٠١. ٣ مجموعة الفتاوى ٣/٣-٤.
[ ١ / ٨٦ ]
نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه، ولا في آياته، فإنّ الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١ ".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة سلف الأمة وأئمتها، تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣.
وبين ﵀ إن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل، ثم قال:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٢ سورة فصلت آية: ٤٠. ٣ سورة الشورى آية: ١١.
[ ١ / ٨٧ ]
والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فإثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصل له من التشبيه والتمثيل. انتهى.
وهذا التوحيد لا يكفي أيضًا في حصول الإسلام من الشخص بمجرد الاعتراف به، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والمشركون كانوا يقرون بجنس هذا النوع من التوحيد، وإن كان بعضهم قد ينكر بعضه، إما جهلًا، وإما عنادًا، كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: "والظاهر أن إنكارهم هذا، إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في بعض أشعار الجاهلية تسمية الله بالرحمن.
قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق٢
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية: ٣٠. ٢ تفسير ابن كثير ١/٢٠، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري ١/٥٨.
[ ١ / ٨٨ ]
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "قلت ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد، إلاّ في اسم الرحمن خاصة، ولو كانوا ينكرونه لردوا على النبي ﷺ، كما ردوا عليه توحيد الإلهية"١.
وجاء في كتاب مصرع الشرك والخرافة٢: "ولم يقع في هذا التوحيد خلاف في القرن الأول، بل كانوا مطبقين على ذلك، وإنما وقع النزاع فيه في أوائل القرن الثاني، وأول من عرف عنه القول بنفي الأسماء والصفات، هو: الجهم بن صفوان، تابعًا للجعد بن درهم، وفي أوائل المائة الثالثة فشت هذه المقالة، وكان المتصدر لنشرها والدعوة إليها، بشر المريسي في عصر المأمون ".
ج- أما توحيد الإلهية:
فهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، وهو مبني على إخلاص التأله لله تعالى وحده، وإفراده بجميع أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والدعاء، والنذر، والنحر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات والقربات.
ويسمى هذا التوحيد: توحيد العبادة، وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص: ٣٥. ٢ مصرع الشرك والخرافة للشيخ خالد الحاج ص: ٢١، والعقائد السلفية ١/٤٨.
[ ١ / ٨٩ ]
الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة "١.
وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها لله تعالى فرضها ونفلها، باطنها وظاهرها، فلا يجعل فيها شيئًا لغير الله تعالى، لا ملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن ما سواهما.
وهذا التوحيد هو المطلوب من العباد إنسهم وجنهم، ولأجله خلقوا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢.
وهو دعوة جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٤.
وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد غيره، كما قال النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
_________________
(١) ١ العبودية ص: ٤. ٢ سورة الذاريات آية: ٥٦. ٣ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٤ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ١ / ٩٠ ]
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"١.
وهو حق الله على العباد، كما جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا"٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ١/٨ كتاب الإيمان، باب أقوال النبي ﷺ بني الإسلام على خمس. وصحيح مسلم ١/٤٥ كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٥٨ كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار. وصحيح مسلم ١/٥٨ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. والجامع الصحيح للترمذي ٥/٢٦ كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة. وابن ماجه ٢/١٤٣٥ كتاب الزهد، باب ما يرجى من ﵀ يوم القيامة. وأحمد في المسند ٢/٣٩.
[ ١ / ٩١ ]
العلاقة بين أنواع التوحيد
أما العلاقة بين أنواع التوحيد فهي علاقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، فمن أتى بنوع منها دون الآخر، فإنه لم يأت بالتوحيد على وجه الكمال المطلوب، فالإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي لتحقيق معنى التوحيد المطلوب من العبد شرعًا، وأن العبد لا يكون موحدًا التوحيد الذي يمنع صاحبه من القتل والأسر في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة بمجرد اعتقاده أن الله هو الخالق الرازق، المدبر للأمور جميعًا، المجيب الدعاء عند الاضطرار، لأن هذا التوحيد كان يقربه المشركون، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٣١. ٢ سورة الزخرف آية: ٨٧.
[ ١ / ٩٢ ]
بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
فهم مع إقرارهم بجميع ذلك، واعترافهم بأن الله واحد في هذه الأمور، لم يدخلوا بذلك في الإسلام، وأمر النبي ﷺ بقتالهم، ولذلك فإنه لا بدّ مع الإقرار بتوحيد الربوبية من الإتيان بتوحيد الإلهية الذي هو الغاية من بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام، والذي من أجله خلق الله الخلق، وجعل الجنة والنار، وفرق الناس إلى سعداء وأشقياء.
ومن المهم في توحيد الإلهية أن تصرف جميع العبادات لله تعالى، والإخلاص له فيها، سواء كانت هذه العبادات قلبية كالحب والخوف والإخلاص، والتوكل والصبر والتعظيم، والرضا والتسليم وغيرها.
أو كانت عبادات قولية كالدعاء والذكر والتسمية والاستعاذة والاستغاثة، والحلف والتوسل والشفاعة وغير ذلك.
أو كانت عبادات بدنية عملية مثل الصلاة من سجود وركوع،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٦٣. ٢ سورة النمل آية: ٦٢.
[ ١ / ٩٣ ]
وتسليم، وكالصيام والحج، والطواف والسعي، والجهاد والرحلة في طلب العلم، وغير ذلك.
أو كانت عبادات مالية كالزكاة والصدقات والذبائح والنذور وغيرها.
وتوحيد الأسماء والصفات " لا يكفي وحده، بل لا بدّ مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية "١ كما تقدم.
جاء في معارج القبول للحكمي: " فإنه لا يكون إلهًا مستحقًا للعبادة إلاّ من كان خالقًا، رازقًا، مالكًا، متصرفًا، مدبرًا لجميع الأمور، حيًا، قيومًا، سميعًا، بصيرًا، عليمًا، حكيمًا، موصوفًا بكل كمال، منزهًا عن كل نقص، غنيًا عما سواه، مفتقرًا إليه كل ما عداه، فاعلًا مختارًا لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات الله ﷿ لا تنبغي إلاّ له، ولا يشركه فيها غيره، فكذلك لا يسستحق العبادة إلا هو، ولا تجوز لغيره، فحيث كان متفردًا بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة، لا يشركه في ذلك أحد، وجب إفراده بالعبادة دون من سواه، لا يشركه معه في عبادته أحد"٢.
_________________
(١) ١ تيسير العزير الحميد ص: ١٩ المكتبة السلفية. ٢ معارج القبول ١/٣٥٠-٣٥١.
[ ١ / ٩٤ ]
وبعد أن تحدثت عن معنى التوحيد وأصالته في البشرية، وأنه دعوة جميع الرسل، وتحدتث عن أنواعه، أود أن نعرف معنى الشرك وأنواعه، وبعض صوره في الاعتقاد وفي العبادات، وبعض المعبودات التي عبدت من دون الله تعالى في الفصل التالي.
[ ١ / ٩٥ ]
الفصل الثاني: معنى الشرك وبعض صوره: ويشتمل على ما يلي:
١- تعريف الشرك لغة:
جاء في لسان العرب: " الشِّرْكَةُ والشَّرِكَةُ سواء: مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء، وطريق مشترك يستوي فيه الناس، واسم مشترك فيه معان كثيرة: كالعين ونحوها، وأشرك بالله جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك، والإسم الشرك، قال الله تعالى حكاية عن عبده لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
والشرك أن يجعل لله شريكًا في ربوبيته، تعالى الله عن الشركاء والأنداد"٢.
وجاء في مقاييس اللغة: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
_________________
(١) ١ سورة لقمان آية: ١٣. ٢ لسان العرب ١٠/٤٤٨-٤٤٩.
[ ١ / ٩٩ ]
فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك.
قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١.
ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك الدعاء.
وأما الثاني: فالشرك: لَقَم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شرك الصائد سُمِيَ بذلك لامتداده"٢.
وفي تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب، وجمعه أشراك كشبر وأشبار، والشرك حبائل الصائد، وكذلك ما ينصب للغير، وفي الحديث: "أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه" ٣، أي حبائله ومصائده، يعني ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى.
وفي حديث تلبية الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكًا هو
_________________
(١) ١ سورة طة آية: ٣٢. ٢ مقاييس اللغة ٣/٢٦٥. ٣ أبو داود ٥/٣١٠-٣١١ كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، رقم: ٥٠٦٧. والترمذي ٥/٤٦٧ كتاب الدعوات، رقم: ٣٣٩٢، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان ٢٣٤٩، والحاكم ١/٥١٣، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٠٠ ]
لك، تملكه وما ملك" ١، يعنون بالشرك الصنم، يريدون أن الصنم وما يملكه، ويختص به من الآلات التي تكون عنده، وحوله من النذور التي كانوا يتقربون بها إليه، ملك لله تعالى "٢.
وفي القاموس المحيط: "وأشرك بالله كفر"٣.
وفي المفردات في غريب القرآن: "يقال أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر"٤.
ومن هذا يتبين لنا أن مادة (الشين والراء والكاف) في اللغة تدور حول المخالطة، والنصيب، والتسوية، والكفر، وحبائل الصائد، والند، والمثل، والشبيه، والكفء، والنظير، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ ابن إسحاق بدون إسناد. انظر: سيرة ابن هشام ١/٧٨، وكشف الأستار للبزار بإسناد حسن ٢/١٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢٢٣: رجاله رجال الصحيح. وانظر: الأصنام لابن الكلبي ص: ٧، والنهاية لابن الأثير ٢/٤٦٧، والفتاوى لابن تيمية ١/١٥٦، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١٠-٢١١، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية د. مهدي رزق الله ص: ٦٩. ٢ تهذيب اللغة ١٠/١٧-١٨. ٣ القاموس المحيط ٣/٣٠٨. ٤ المفردات في غريب القرآن ص: ٢٥٩.
[ ١ / ١٠١ ]
٢- مواضع ورود كلمات الشرك في القرآن الكريم:
والقرآن الكريم يكشف لنا هذا الأمر الخطير في ألفاظ متعددة، ليتضح أمره للناس ويبتعدوا عنه، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير: "والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفِداء
يعني ولست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيها، فهو له ند "٢.
ونقل ابن جرير ﵀ كلام العلماء في معنى الأنداد في الآية، فعن قتادة ومجاهد: "أندادًا" أي: عدلاء.
وعن ابن مسعود: "أندادًا"، قال: أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله.
وعن ابن عباس: "أندادًا"، قال: أشباهًا.
وعن عكرمة: "أندادًا"، أي: تقولون لولا كلبنا لدخل علينا اللص
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٢. ٢ تفسير ابن جرير ١/١٦٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
الدار، ولولا كلبنا صاح في الدار ونحو ذلك١.
وقال ابن كثير ﵀: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه"٢.
ونقل ابن كثير عن أبي العالية قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾ أي: عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد"٣.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄: "أن هذه الآية تعني جميع المشركين من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، قال ابن عباس: نزل ذلك في الفريقين جميعًا الكفار والمنافقين، وإنما عني بقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي تدعوكم إليه الرسل من توحيده، هو الحق لا
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١/١٦٣. ٢ تفسير ابن كثير ١/٥٨. ٣ المرجع السابق والصفحة.
[ ١ / ١٠٣ ]
شك فيه"١.
ومن الآيات التي جاء فيها ذكر الأنداد، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وأطلق الشرك على العدول والتسوية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ ٥.
قال الطبري:"يعدلون: يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١/١٦٤، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٥٨. ٢ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٣ سورة إبراهيم آية: ٣٠. ٤ سورة فصلت آية: ٩. ٥ سورة الأنعام آية: ١.
[ ١ / ١٠٤ ]
معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في أنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره"١.
وقال مجاهد: "يعدلون" يشركون٢.
وقال ابن كثير: "أي كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكًا وعدلًا، واتخذوا له صاحبة وولدًا"٣.
كما أطلق الشرك على الأرباب، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ ٤.
قال ابن جرير: "فإنَّ اتخاذ بعضهم بعضًا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاص الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/١٤٤. ٢ تفسير ابن جرير ٧/١٤٤. ٣ تفسير ابن كثير ٢/١٣٣. ٤ سورة آل عمران آية: ٦٤. ٥ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ١ / ١٠٥ ]
وعن عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن من عنقك، فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾، قال: قلت: يا رسول الله إناّ لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ قال قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم"١.
وقد نفى الله تعالى عن نفسه الكفء والشبيه والنظير، قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
ومن هذا يظهر لنا أن معنى الشرك من خلال آيات القرآن لا يختلف عن ما جاء في كتب اللغة، إذ أنّ معناه يدور حول اتخاذ المثيل والشبيه والنظير، والأرباب والعديل أو العدلاء، وأن يجعل العبد لله ندًا أو كفؤًا، أو أن ينسب إليه الصاحبة والولد.
_________________
(١) ١ الجامع الصحيح للترمذي ٥/٢٧٨ كتاب التفسير، سورة التوبة. ورواه ابن جرير في تفسيره ١٠/١١٤، وانظر تفسير ابن كثير ٢/٣٧٣. ٢ سورة الإخلاص آية: ٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
٣- تعريف الشرك شرعًا:
فقد عرّفه الذهبي ﵀ بقوله: "هو أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك، ويمكن القول بأن الشرك في الشرع هو أنْ يصرف العبدُ شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى من أصنام أو أوثان، أو أشجار، أو أحجار، أو إنس، أو جن، أو قبور، أو أجرام سماوية، أو قوى طبيعية، أو غير ذلك.
ومن هذا يتبين لنا أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر والصلاة والاستغاثة والخوف والرجاء والتوكل ونحوها، لغير الله تعالى فقد أشرك بالله ﷿.
وقد بين النبي ﷺ حقيقة الشرك وعظم جرمه، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: أيُّ الذنبِ أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك.." ١ الحديث.
وفي الصحيحين عن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٦٣ كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ . وصحيح مسلم ١/٩٠ كتاب الإيمان، باب كون الشرك أكبر الذنوب حديث رقم: ١٤١.
[ ١ / ١٠٧ ]
ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور "١ الحديث.
فالشرك أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، لأنه تنقص برب العالمين وانتهاك لحقه ﵎، فقد ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حق اللهِ على العباد أن يعبدُوهُ ولا يشرِكُوا به شيئًا "٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٤٠٥ كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر. وصحيح مسلم ١/٩١ كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها حديث رقم: ١٤٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٥٨ كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار. وصحيح مسلم ١/٥٨ كتاب الإيمان، حديث رقم: ٤٨.
[ ١ / ١٠٨ ]
٤- أنواع الشرك:
وشرك الإنسان في الدين نوعان١:
أحدهما الشرك العظيم: وهو إثبات شريك لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤.
وقال تعالى حكاية عن قول لقمان: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
والثاني: الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ انظر: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص: ٢٥٩. ٢ سورة النساء آية: ٤٨. ٣ سورة النساء آية: ١١٦. ٤ سورة المائدة آية: ٧٢. ٥ سورة لقمان آية: ١٣. ٦ سورة يوسف آية: ١٠٦.
[ ١ / ١٠٩ ]
والآية كما تدل على نعت المشركين بالشرك الأكبر، كما قال ابن عباس ﵄ من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون به.
وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم١، فإنها تشير إلى ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفي الذي يشعر صاحبه به غالبًا.
ومنه قول الحسن البصري في هذه الآية: "ذاك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك"٢.
وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية المشركين برب العالمين
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٢/٥٣٢. ٢ المرجع السابق والصفحة. ٣ سورة الكهف آية: ١١٠.
[ ١ / ١١٠ ]
ثم قال: وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وإنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب قائله ومقصده "١ ا.؟
وقد حذر النبي ﷺ من الشرك الخفي، وأخبر أنه يخافه على أمته أكثر مما يخافه عليهم من المسيح الدجال.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" ٢.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم ١/٣٦٨-٣٧٣. ٢ سنن ابن ماجه ٢/١٤٠٦ كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، حديث رقم: ٤٢٠٤. ونحوه في مسند الإمام أحمد ٣/٣٠. وفي الزوائد: إسناده حسن.
[ ١ / ١١١ ]
٥- الفرق بين الشرك والكفر:
وقد يسأل سائل عن الفرق بين الشرك الذي نتحدث عنه وبين الكفر؟ أو بين المشركين وأهل الكتاب، ونحو ذلك؟
والجواب: أن الكفر في اللغة معناه الستر والتغطية١.
وقد وصف به الليل لستره الأشياء، والزراع لستره البذور في الأرض، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك شكرها، قال تعالى: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ ٢.
وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا، قال تعالى: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ ٣.
والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها٤.
وقد فرق القرآن الكريم في كثير من الآيات بين الكافرين عمومًا،
_________________
(١) ١ لسان العرب ٥/١٤٦-١٤٧، ومقاييس اللغة ٥/١٩١. ٢ سورة الأنبياء آية: ٩٤. ٣ سورة الإسراء آية: ٩٩. ٤ انظر: المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٤٣٣-٤٣٤.
[ ١ / ١١٢ ]
وبين أهل الكتاب من جهة، وبين المشركين من جهة أخرى.
وإنْ كان هؤلاء جميعًا يتفقون في معارضة الدين، أو رسالة نبي من الأنبياء، أو إيذاء رسول من الرسل، كما قد يشتركون في إيذاء المؤمنين، ولكنهم في طبيعة العقيدة يختلف كل منهم عن الآخر.
قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيرًا﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٣.
كما بين القرآن الكريم ما عليه أهل الكتاب من الدعاوي الباطلة من زعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية، أو أنها في اتباع النصرانية، وبين أن تلك الدعاوي لم تكن عن دليل أو شبهة، بل هي مجرد جحود وعناد،
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٠٥. ٢ سورة آل عمران آية: ١٨٦. ٣ سورة المائدة آية: ٨٢.
[ ١ / ١١٣ ]
وبين أن إبراهيم ﵇ كان مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيم، ولم يكن من المشركين بالله غيره.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ ِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
ونجد تفصيلًا أكثر بين مجموعة المهتدين ومجموعات الكافرين، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٣٥. ٢ سورة آل عمران آية: ٦٧. ٣ سورة الأنعام آية: ١٦١. ٤ سورة الحج آية: ١٧.
[ ١ / ١١٤ ]
وآيات سورة البينة تجمل الكفر، ثم تفصل بين أهل الكتاب والمشركين، سواء في طبيعة تقبلهم للهداية، أو في المصير المنتظر لهم، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى أن تقول الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١.
وقد يطلق الكفر على من كفر بالنعمة، كقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٢.
وقد يطلق على من ترك ركنًا من أركان الدين، كما في قوله تعالى:٣.
وإطلاق الكفر على من كفر بالله، وجحد ألوهيته ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقًا، فكثير في القرآن، كما في قوله ﷾: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ
_________________
(١) ١ سورة البينة الآيات: ١-٦. ٢ سورة إبراهيم آية: ٧. ٣ سورة آل عمران آية: ٩٧.
[ ١ / ١١٥ ]
كَفَرُواْ ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ٣.
وقد يطلق على المشركين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٥.
وقد يطلق الكفر على أهل الكتاب، خاصة دون المشركين، كقوله
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٢ سورة البقرة آية: ١٢٦. ٣ سورة الغاشية الآيتان: ٢٢- ٢٣. ٤ سورة البقرة آية: ٦. ٥ سورة البقرة آية: ٨٩.
[ ١ / ١١٦ ]
تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١.
ومن هذا يتبين لنا أن الكفر بمعنى الجحد والستر، يشمل كل من أنكر الرب أو الخالق ﷾، أو أنكر يوم البعث، أو نبيًا من الأنبياء، أو كتابًا من الكتب السماوية، وكذا من أحلّ محرمًا، أو أنكر ركنًا من أركان الإسلام.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفرا أهل الكتاب يهودًا أو نصارى، وربما كان بعضهم موحدًا إذا احتفظ بأصل العقيدة، وربما كان مشركًا كما في قوله ﷾: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفر الصابئة، وقد اختلف في أمرهم، هل هم من أهل الكتاب أو ليسوا منهم؟
وقال ابن قدامة: "ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم، فهم منهم، وإلا فليسوا من أهل الكتاب"٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧٠. ٢ سورة التوبة آية: ٣٠. ٣ المغني لابن قدامة ٨/٤٩٦-٤٩٧.
[ ١ / ١١٧ ]
ويشمل المجوس: وهم كما يقول ابن القيم: " يعظمون الأنوار والنيران، ويدّعون نبوة زرادشت، وهم فرق شتى، منهم المزدكية أصحاب مزدك، وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب، كما يشترك الناس في الهواء والماء، ومنهم الخرمية، أصحاب بابك الخرمى، وهم شر طوائفهم، لا يقرون بخالق، ولا معاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام "١.
ويشمل كفر الدهريين: وهم الذين ينكرون الخالق، ويقولون لا إله ولا صانع للعالم، وأن هذه الأشياء وجدت بلا خالق٢.
وجاء في الكواشف الجلية عن العقيدة الواسطية٣: والكفر أنواع:
١- كفر عناد ككفر أبي جهل.
٢- كفر إباء ككفر إبليس.
٣- كفر جحد ككفر فرعون.
فالكفر إذًا أعم من الشرك.
أما الشرك فهو ما سبق تعريفه، وهو أن يصرف العبد شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وهو الذي بيده الخلق والرزق، والإحياء
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان ٢/٢٤٧-٢٤٨. ٢ انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٤٤. ٣ الكواشف الجلية عن العقيدة الواسطية ص: ١٩٣-١٩٤.
[ ١ / ١١٨ ]
والإماتة، وتدبير الأمور، وهو الذي يفزع إليه الإنسان بطبعه وفطرته عند نزول الكرب، ويتجه إليه عنه الدعاء والرجاء.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ ١.
والشرك أعظم أنواع الكفر، وأشدها لأنه يتنافى مع كل عقل ومنطق، ولهذا نجد أن القرآن الكريم يخوض معركة حامية مع الشرك والمشركين، ليقتلع فكرة الشرك من جذورها.
ومن هنا يتبين لنا أن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك.
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ١٢.
[ ١ / ١١٩ ]
٦- صور من الشرك في الاعتقاد:
أ- الشرك في النية:
المطلوب من العبد أن يكون قوله وفعله وعمله وجهاده خالصًا لوجه الله تعالى، من غير طلب مغنم أو جاه، أو رئاسة أو لقب، أو شرف أو غير ذلك من الأحوال الدنيوية، وإلا فإنّ عمله يكون حابطًا فاسدًا والعياذ بالله، لأنه أصبح نوعًا من الشرك.
ونذكر في هذا المعنى ما قاله الدكتور محمد خليل هراس: "فإن العبادات كلها لا تكون مقبولة ولا معتدًا بها إلاّ إذا توفر لها شرطان:
أحدهما: باطن، وهو إخلاص النية فيها لله ﷿، بحيث لا يقصد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
والآخر: ظاهر، وهو المتابعة فيها للشرع، وفق ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقص.
فإذا اختل واحد من هذين الشرطين، لم تصح العبادة، فإنها إن خلت من الإخلاص كانت رياء، وهو الشرك الأصغر، وإن خلت من المتابعة كانت ابتداعًا.
[ ١ / ١٢٠ ]
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١"٢.
قال قتادة: "من كانت الدنيا همه وزينته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها، أمّا المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة"٣.
ولهذا كانت النية ميزان الأعمال كلها، وعلى قدر توفرها في العمل يكون الثواب، كما ثبت في الحديث الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"٤.
_________________
(١) ١ سورة هود الآيتان: ١٥-١٦. ٢ دعوة التوحيد ص: ٤٤. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٤٧١. ٤ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٩ كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺوقد أخرجه البخاري في ستة مواضع أخرى-. وصحيح مسلم ٣/١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات"، حديث رقم: ١٥٥. وأحمد ١/٢٥.
[ ١ / ١٢١ ]
ب- الشرك في المحبة:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ١.
قال ابن القيم ﵀ ٢: "اخبر تعالى أنّ من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا في المحبة، لا في الخلق والربوبية.
فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، بخلاف ند المحبة، فإنّ أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٣.
فجعل علامة حبهم لله أن يتابعوا رسوله ﷺ، ويكون هواهم تابعًا لما جاء به، ووعدهم على ذلك حبه لهم ومغفرته لذنوبهم، وإذا كان الحب عبادة، بل هو أساس العبادات كلها، إذ لا يصح شيء منها إلاّ مع كمال الحب وكمال الذل، فلا يصح أن يحب العبد مع
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٢ التفسير القيم لابن القيم ص: ١٤٠، وانظر مدارج السالكين ٣/٢٠. ٣ سورة آل عمران آية: ٣١.
[ ١ / ١٢٢ ]
الله أحدًا، فإن هذا من اتخاذ الأنداد التي صرحت به آية البقرة، بل يحب في الله ولله.
وبهذا يظهر أن حب غير الله لا ينافي التوحيد، بل قد يكون من كمال التوحيد: فإنّ من تمام حب العبد لله أن يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله، ويحب ما يحبه الله ويرضاه من الأشخاص والأخلاق والأعمال، ويبغض ما يبغضه الله كذلك.
ولهذا لا يكمل إيمان أحد حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فيؤثر مرضاتهما على مرضاة كل أحد، ويقدم أمرهما وحكمهما على أن كل أحد وحكمه.
وبالجملة فيجب التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وتمام الإخلاص، وبين المحبة مع الله، التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق بقلوب المشركين مع الإلهية التي لا تجوز إلاّ لله وحده. ا.؟
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ
[ ١ / ١٢٣ ]
لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
وقال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"٢.
فالمراد بهذه المحبة هي: "المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإثاره على غيره"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حبه ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الفسوق والعصيان"٤.
وخلاصة القول إنّ الشرك في المحبة هو الحب المبني على إيثار غير الله ﷿ بالذل والخضوع والطاعة في المحبة الخاصة بالله تعالى.
أما الحب الغريزي الذي يشعر به الإنسان نحو أهله وأولاده مثلًا،
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٢٤. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٥٨ كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. ومسلم ١/٦٧ كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ. ٣ انظر: تيسير العزيز الحميد ص: ٤٦٨. ٤ العبودية ص: ٢٨.
[ ١ / ١٢٤ ]
فلا يتعارض مع الحب الذي يجب أن يكون خالصًا لله تعالى، إلا إذا غلا ذلك الحب وطغى على تقديم محبة الله، أو تسبب في الإنشغال عن طاعته، فإنه يكون حينئذ من الحب المنهي عنه.
ج- الشرك في الخوف:
ولما كان الله تعالى هو النافع الضار، فقد أمر عباده أنْ يخافوه ولا يخافوا أحدًا سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسًا خائفين منهم، ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما في الآية الأولى، بل يجب عليه أن يخاف الله، فخوف الله أمر به، وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه"٢.
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ ٣ الآية.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٧٥. ٢ دقائق التفسير ١/٣٠٧. ٣ سورة المائدة آية: ٤٤.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد أن من أخلص الناس في العبادة وأكملهم إيمانًا أخوفهم لله تعالى، وأشدهم له خشية.
والخوف الذي لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، هو: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخلوق بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف؛ فهو مشرك٢.
أما الخوف الطبيعي كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، وحريق، ونحو ذلك هذا لا يذم٣.
ومن هذا القبيل خاف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أكمل الناس توحيدًا، فهذا إبراهيم ﵇ لما جاءته الملائكة بالبشارة في صورة الآدميين، وقدم لهم عجلًا ظانًا إنهم من البشر، ورأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك قالوا له: ﴿لاَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣٦. ٢ انظر: تيسير العزيز الحميد ص: ٤٨٤ بتصرف. ٣ المرجع السابق ص: ٤٨٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١.
وذكر الله تعالى هذا الخوف عن موسى ﵇ لما قتل المصري حين استغاثه الإسرائيلي ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢.
وكذلك لما أمره الله تعالى أن يلقي عصاه، ورآها تهتز كأنها جان ولى مدبرًا ولم يعقب، حتى قال له الله ﷿: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ٣.
د- الشرك في الطاعة والانقياد:
ولما كانت الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي أمر الله بها، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ٤.
قال المراغي في تفسيره: "أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم، فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم، وأوجب علينا طاعتهم.
وأطيعوا أولي الأمر، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند،
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٧٠. ٢ سورة القصص آية: ٢١. ٣ سورة القصص آية: ٣١. ٤ سورة النساء آية: ٥٩.
[ ١ / ١٢٧ ]
وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، بشرط أن يكونوا أمناء، وألا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسوله الصحيحة، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه"١.
أما من أطاع أحدًا من الخلق في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، فقد اتخذ ذلك المخلوق ربًا في التشريع من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وروى الترمذي وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه"٣.
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ٥/٧٢ بتصرف يسير. ٢ سورة التوبة آية: ٣١. ٣ أخرجه الترمذي ٥/٢٧٨ كتاب التفسير، سورة التوبة، وابن جرير الطبري في تفسير ١٠/١١٤. وانظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٧٣، وتقدم ص: ١٠٦.
[ ١ / ١٢٨ ]
وفي لفظ: قال عدي: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة.. فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه إما دينًا، وإما دنيا، وإما دينًا ودنيا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئًاَ في طاعته بغير سلطان من الله"٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٠/١١٤. ٢ مجموع الفتاوى ١/٩٨.
[ ١ / ١٢٩ ]
٧- صور من الشرك في العبادات: ويشتمل على يأتي:
أـ دعاء غير الله.
ب - الغلو في قبور الأنبياء والصالحين.
ج - الشرك في الذبح.
د - الشرك في النذر.
هـ - إدعاء علم الغيب.
وـ السحر والخداع.
ز - الأحجبة والرقى والتمائم.
أ- دعاء غير الله:
ومن أنواع الشرك: دعاء غير الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى بين أن الدعاء من أجلّ العبادات وأكرمها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة غافرة آية: ٦٠. ومعنى داخرين أي: أذلاء. المفردات في غريب القرآن ص: ١١٦.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال الرسول ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ١.
فعلى هذا فمن دعا أحدًا غير الله تعالى ممن لا يملك جلب نفع، أو دفع ضر، فقد وقع في الشرك، سواء كان ملكًا من الملائكة المقربين، أو نبيًا من المرسلين، أو وليًا من الصالحين، أو جنيًا من الشياطين، أو أي مخلوق حيًا أو ميتًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند ٤/٢٦٧. وابن ماجه في سننه ٢/١٢٥٨ كتاب الدعاء، باب أفضل الدعاء. والترمذي في جامعه ٥/٤٥٦ كتاب الدعاء، باب ما جاء في فضل الدعاء، وقال: حديث حسن صحيح. ٢ سورة الأعراف آية: ١٩٤. ٣ سورة يونس الآيتان: ١٠٦-١٠٧.
[ ١ / ١٣١ ]
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ الآية.
وكذلك لا تجوز الاستعاذة أو الاستغاثة ونحوها إلاّ بالله تعالى.
ب- الغلو في قبور الأنبياء والصالحين:
ومن أنواع هذا الشرك الخبيث، والداء العضال، والوباء المعدي، والسرطان الفتاك، الذي ما حل بأرض إلا شوه معالمها، وأهلك أهلها، وعطل مسيرتها، الغلو والمبالغة وتجاوز الحدود في تعظيم قبور الأولياء وتقديسها.
وقد نهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وتوعد الغالين، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ ٣ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٥٦. ٢ سورة القصص آية: ٨٨ ٣ سورة النساء آية: ١٧١.
[ ١ / ١٣٢ ]
أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند الآية الأولى: "ينهى تعالى أهل الكتاب من الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوا، سواء كان حقًا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا"٢.
وقال ﵀ عند الآية الثانية: "أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلاّ لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا "٣.
كما لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى لغلوهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٧. ٢ تفسير ابن كثير ١/٦٢٩. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٨٩.
[ ١ / ١٣٣ ]
في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، محذرًا أمته من الوقوع في ما وقع فيه أولئك القوم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
وعن جندب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٢.
وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢٠٠ كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
[ ١ / ١٣٤ ]
عند الله" ١.
وأمر النبي ﷺ بتسوية القبور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" ٢.
والأحاديث التي تنهى عن البناء على القبور، وتوجب هدمها كثيرة، وصحيحة، وصريحة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه"، ثم قال: "فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم، يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين"٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢٠٨ كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر. وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/١١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٣٦ كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٢٢٩-٢٣٠
[ ١ / ١٣٥ ]
وعلى كل فالغلو في الصالحين والأولياء، والعكوف عند قبورهم بالصلاة، أو الدعاء، أو الذبح، أو الطواف، أو النذر، ونحو ذلك، لهو من أعمال الشرك الذي حذرنا منه ديننا الإسلامي، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ولكن لا نرفعهم فوق المنزلة التي لهم من العبودية لله تعالى، وإنما تكون محبتهم باتباع ما دعوا إليه من الهدى والعلم النافع، والتقوى والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم، وعبادة قبورهم والعكوف عليها.
ج- الشرك في الذبح:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
قال ابن كثير: "يأمر الله نبيه ﷺ أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، بأنه أخلص صلاته وذبيحته، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية، والعزم على الإخلاص لله تعالى"٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ١٦٢-١٦٣. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٢١٤ بتصرف يسير.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
ومن هذا يتبين لنا أن من ذبح لغير الله من الجن، أو الإنس، أو الأنبياء، أو الصالحين وغيرهم، من الأصنام والأوثان، فقد أشرك بهذا الفعل غير الله تعالى، ولا يجوز أكل ذبيحته؛ لأنها مما أهل لغير الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور، ونحو ذلك"٣.
د- الشرك في النذر:
والنذر -كما يقول اللغويون-: ما كان وعدًا على شرط٤، أو أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر٥.
وقد ورد النهي عنه في قوله ﷺ: "لا تنذروا فإنّ النذر لا يغني من القدر شيئًا، ولا يؤخر، وإنما يستخرج به من
_________________
(١) ١ سورة الكوثر آية: ٢. ٢ سورة النحل آية: ١١٥. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٢٥٩. ٤ القاموس المحيط ٢/١٤٠. ٥ المفردات في غريب القرآن ص: ٤٨٧.
[ ١ / ١٣٧ ]
البخيل" ١.
لكن العبد إذا نذر لزمه الوفاء بنذره، بشرط أن يكون النذر في طاعة الله تعالى، وفيما يملك الناذر، قال ﷺ: "من نذر أن يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه" ٢.
وقال ﷺ: "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٣.
لهذا فإن النذر قربة من القرب، وعبادة من العبادات، يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٤.
وقال تعالى في مدحه للأبرار من عباده: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٥٧٥ كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر. ومسلم ٣/١٢٦١ كتاب النذر، باب النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئًا. وأحمد ٢/٤١٢. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٥٨١ كتاب الأيمان والنذور، باب النذور في الطاعة. ٣ صحيح مسلم ٥/١٢٦٣ كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد. وأبو داود ٣/١١٢ كتاب الإيمان والنذور، باب في النذور فيما لا يملك. ٤ سورة الحج آية: ٢٩.
[ ١ / ١٣٨ ]
كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١.
أما النذر للأضرحة والأصنام والأوثان، والأولياء والصالحين، ونحو ذلك، طلبًا لنفعهم، أو رجاء شفاعتهم، فلا ريب أن ذلك من الشرك الواضح الصريح؛ لأنه صرفت فيه العبادة لغير الله تعالى.
جاء في الحديث أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة٢، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "هل كان فيها صنم من أصنام الجاهلية يعبد؟ فقيل: لا، فقال: هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية يقام؟ فقيل: لا، فقال للرجل: أوف بنذرك"٣.
؟- ادعاء علم الغيب:
لم يطلع الله تعالى أحدًا من خلقه على علم الغيب -سوى الملائكة والرسل- ومن زعم أنّ أحدًا من الناس يعلم الغيب فقد وقع في الشرك.
وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص مستفيضة أن علم الغيب هو من خصائص الله تعالى التي استأثر الله بها، ومن هذه النصوص،
_________________
(١) ١ سورة الإنسان آية: ٧. ٢ بوانة -بضم الباء، وقيل بفتحها، هضبة من وراء ينبع. النهاية لابن الأثير ١/١٦٤. وانظر: لسان العرب ١٣/٦٢. ٣ سنن أبي داود ٣/٦٠٧ كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر من الوفاء بالنذر، طبعة الدعاس.
[ ١ / ١٣٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢.
وورد في الحديث الصحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم أحد ما يكون في غده، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر"٣.
واستثنى الله تعالى من ذلك الملائكة، والرسل الكرام، فقد أطلعهم ﷾ على ما شاء لهم أن يعرفوه من غيبه، من أجل تبليغ رسالاته وأوامره إلى خلقه، بما لا يخرج عن نطاق ما يكون فيه مصالح البشر ومنافعهم.
قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ٥٩. ٢ سورة النمل آية: ٦٥. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٢/٥٢٤ كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله. ومسند الإمام أحمد ٢/٢٤.
[ ١ / ١٤٠ ]
رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾: "وهذا يعم الرسول الملكي والبشري"٢.
أما ما عدا ذلك، فلا يعلم أحدٌ من خلقه شيئًا مما استأثر بعلمه من الغيب، حتى الرسول ﷺ نفسه نفى الله عنه الإحاطة بالغيب، إلا ما شاء الله، ولذلك علم الله خاتم رسله أن يقول للناس ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
فإذا كان الرسول ﷺوهو سيد البشر على
_________________
(١) ١ سورة الجن الآيات: ٢٦-٢٨. ٢ تفسير ابن كثير ٤/٤٥٩. ٣ سورة الأنعام آية: ٥٠. ٤ سورة الأعراف آية: ١٨٨.
[ ١ / ١٤١ ]
الإطلاق قد نفى الله عنه علمه بالغيب، إلاّ ما يوحيه إليه بواسطة الملك، فكيف يزعم الدجالون معرفتهم للغيب، واطلاعهم على أمور مستقبلة؟
ومن هذه المزاعم ما يفتريه بعضهم بأنّ الجن يعرفون غيب الماضي.. مع أن الله تعالى نفى عن الجن معرفتهم بالغيب كله، ماضيه ومستقبله.
وقصة الجن الذين سخرهم الله للعمل بين يدي سليمان ﵇، يذكر القرآن الكريم أن سليمان بعد أن مات أعمى الله موته عن الجن، ولو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا مدة من الزمن، وهم يعانون الأعمال الشاقة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ١ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ٢.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة، وغير واحد مدة طويلة، نحوًا من
_________________
(١) ١ منسأته أي: عصاه. ٢ سورة سبأ آية: ١٤.
[ ١ / ١٤٢ ]
سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة ضعفت وسقطت على الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، وتبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك"١.
كما نجد أنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الجن قد نفوا عن أنفسهم معرفة الغيب كلية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٢.
والسحر والخداع:
ومن أنواع الشرك الممقوت، الاشتغال بالسحر وتصديق السحرة، قال ابن منظور: "والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق، فهو سحر"٣.
وقال ابن فارس: "السحر قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحق.
ويقال: هو الخديعة"٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٥٥٢. ٢ سورة الجن آية: ١٠. ٣ لسان العرب ٤/٣٤٨. ٤ معجم مقاييس اللغة ٣/١٣٨.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال الراغب: والسحر على معان:
الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٢.
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣.
وعلى ذلك قوله ﷾: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٤.
والثالث: ما يذهب إليه الآغتام -الجهلة- وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين "٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١١٦. ٢ سورة طه آية: ٦٦. ٣ سورة الشعراء الآيتان: ٢٢١-٢٢٢. ٤ سورة البقرة آية: ١٠٣. ٥ المفردات في غريب القرآن ص: ٢٢٦. وانظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/٢٢٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
ولهذا فإن السحر في اللغة، هو: عبارة عما خفي ولطف سببه، وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ من البيان لسحرا، أو إن بعض البيان سحر" ١.
وسُمّيَّ السّحرُ سحرًا؛ لأنه يقع خفيًا آخر الليل٢.
وقد سمى الله تعالى السحر كفرًا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٣.
وقد حذّر الله تعالى أمته عن السحر والاشتغال به، لأن الشياطين يعلمونه للناس عن طريق الوسوسة إليهم، ويعرفونهم كيف يوقدون العداوات ويثيرون الفتن بين الزوج وزوجته بالنميمة والوشاية، وفي هذا العمل قطع للأرحام، وخراب للبيوت والعمران.
قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٢٣٧ كتاب الطب، باب إنّ من البيان سحرا. وصحيح مسلم ٢/٥٩٤ كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة. وأحمد ١/٢٦٩. ٢ لسان العرب لابن منظور ٤/٣٥٠، والمفردات في غريب القرآن ص: ٢٢٦. ٣ سورة البقرة آية: ١٠٢. ٤ سورة البقرة آية: ١٠٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقد ذمّ الله عمل الساحر ووصفه بالخسران في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه" ٢.
لذلك: "فمن مارس السحر، ودعا بأسماء الشياطين، وعقد العقد، ووضع التمائم والحروز التي تذكر أسماء الجن، وفعل محبات ومكاره
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ٦٩. ٢ أخرجه: النسائي في سننه ٧/١١٢ كتاب تحريم الدم، الحكم في السحرة. والمزي في تهذيب الكمال ٢/٦٥٤ من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا وسنده منقطع. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/٣٢:" رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور". وقال الذهبي في الميزان ٢/٣٧٨:" هذا الحديث لا يصح، للين عباد وانقطاعه" ا.؟. وحسنه ابن مفلح في الآداب ٣/٧٨. ورواه عبد الرزاق ١١/١٧ بسند صحيح عن الحسن مرسلًا، فثبت أن أصل الحديث مرسل، لكن عباد أخطأ فوصله. انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص:١٣٤-١٣٥، حديث رقم: ٢٦٥.
[ ١ / ١٤٦ ]
للأزواج والزوجات، فقد وقع في الكفر"١.
ز- الأحجبة والرقى والتمائم:
ومن الشرك عمل الأحجبة والرقى، وتعليق الودع ونحوها على الأولاد والحيوانات والسيارات، وكذلك البيوت والدكاكين.
وقد عرف الجاهليون قديمًا هذه الأعمال نتيجة لاعتقادات وهمية باطلة.
ولما جاء الإسلام الحنيف، حارب تلك الإعتقادات الفاسدة، والخرافات الساقطة، وحذّر الناس من أخطارها وويلاتها، نظرًا لما يترتب عليها من مفاسد وشرور دينية ودنيوية.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرقى٢، والتمائم٣،
_________________
(١) ١ انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني ص: ٢٣٧. ٢ قال ابن الأثير: الرقية: العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغيير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها، وفي بعضها النهي عنها، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينها أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه ، وأن يعتقد أن الرقية نافعة ، ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى، والرقى المروية وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف ترجمته، ولا يمكن الوقوف عليه، لا يجوز استعماله. النهاية ٢/٢٥٤-٢٥٥. ٣ التمائم: جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام. النهاية لابن الأثير ١/١٩٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
والتولة١ شرك" ٢.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة٣، فلا ودع الله له" ٤.
وقال ﷺ: "من علق تميمة فقد أشرك" ٥.
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل
_________________
(١) ١ التولة: -بكسر التاء وفتح الواو- ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. النهاية لابن الأثير ١/٢٠٠. ٢ سنن أبي داود ٤/٢١٢ كتاب الطب، باب في تعليق التمائم. وابن ماجه ٢/١١٦٧ كتاب الطب، باب تعليق التمائم. ومسند أحمد ١/٣٨١. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم: ٤٩٢، ص: ٢٦٥. ٣ الودع: هو شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم. النهاية لابن الأثير ٥/١٦٨. ٤ مسند الإمام أحمد ٤/١٥٤. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/١٥٦. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/٣٠٧: "ورواة أحمد ثقات".
[ ١ / ١٤٨ ]
رسولًا "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر١، أو قلادة من حبل إلاّ قطعت" ٢.
ومع هذه النواهي والتحذيرات من الرسول ﷺ فهناك من جهال المسلمين لا يزالون يعلقون حروزًا فيها أسماء الجن، ورسوم مجهولة، ويوجد من يأكلون تراب القبور، أو يتمسحون بها، ومن يعلقون الودع والأوتار وغيرها.
وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فيهما الهداية والنور، وإرشاد أولئك الحيارى إلى الاتجاه الصحيح إلى الله تعالى الذي بيده النفع والضر وحده.
ألم يقرأ أو يسمع أولئك الجهلة قول إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الأوتار: هي أوتار القسي، وهي ثياب من كتان مخلوط من حرير كانوا يزعمون أن التقلد بها يرد عن العين ويدفع عنهم المكاره. النهاية لابن الأثير ٤/٥٩ و٥/١٤٩. وانظر: فتح الباري لابن حجر ٦/١٤٢. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/١٤١ كتاب الجهاد، باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل. وصحيح مسلم ٣/١٦٧٣ كتاب اللباس، باب كراهية قلادة الوتر في رقبة البعير. ٣ سورة الشعراء الآيات: ٧٨-٨٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
إن الشريعة الإسلامية لم تحرم التداوي بالمباح، بل شرعته وأمرت به، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/١٣٤ كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. ومسلم ٤/١٧٢٩ كتاب السلام، باب لكل داء دواء. وأبو داود ٤/٧ كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة -واللفظ له-. والترمذي ٤/٣٨٣ كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه. وابن ماجه ٢/١١٣٧ كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. وأحمد ١/٣٧٧.
[ ١ / ١٥٠ ]
٨- صور من المعبودات من دون الله: ويشتمل على ما يلي:
أـ عبادة الشخصية الإنسانية.
ب - عبادة الأصنام والأوثان.
ج - عبادة الأهواء.
د - عبادة الأسلاف.
هـ - عبادة بعض الظواهر الطبيعية.
أ- عبادة الشخصية الإنسانية:
ومن أنواع الإشراك بالله عبادة الشخصية الإنسانية، وكان منشأ هذه العبادة إما ناتج عن بعض أنواع العنف التي استغلها بعض الطغاة لدى الجهلة من الناس، كما فعل فرعون، قال تعالى حكاية عن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ٣٨.
[ ١ / ١٥١ ]
خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
وإما أنه ناتج عن الجهل والغلو في بعض الأشخاص، كما يفعل القبوريون نحو قبور الأنبياء والصالحين بعد موتهم، فعظموهم ونذروا لهم، ودعوهم لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات.
يقول ابن القيم ﵀: "ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعلوا فيه حظ الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبية الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والردّ على أهله"٢.
ولما كانت دعوة القرآن الكريم حربًا على الشرك، وجعل الأمر كله لله تعالى، فلا قدسية لفرد ولا عبادة لإنسان مهما كانت منزلته حتى ولو كان نبيًا من الأنبياء، فإننا نجد أن الله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يبلغ الناس بأنه بشر كسائر البشر، يوحى إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣.
وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلم الغيب، وإنما
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ١٢٣-١٢٤. ٢ إغاثة اللهفان ٢/٢٢٦. ٣ سورة الكهف آية: ١١٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
هو عبد مرسل للإنذار والبشارة، قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقد ذم الله تعالى الحكام الظالمين من أهل الكتاب الذين استغلوا سذاجة الناس وضعفهم، فشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن الله به، إذ أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقد زعم اليهود بأنّ عزير ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله.
وقد أبطل القرآن الكريم هذه المبادئ والمعتقدات الباطلة، وعمل على اجتثاثها من جذورها حتى لا يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون.
فقال تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٨. ٢ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ١ / ١٥٣ ]
مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
ب- عبادة الأصنام والأوثان:
ومن أنواع الشرك بالله تعالى عبادة الأصنام والأوثان، -والأصنام جمع صنم، وهو التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو الوثن، وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآيتان: ١١٦-١١٧. ٢ سورة آل عمران آية: ٧٩-٨٠.
[ ١ / ١٥٤ ]
الحائط وغيره: صنم ووثن١.
وقيل: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن ما كان له جثة من خشب، أو حجر، أو فضة ينحت ويعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومن العرب من جعل الوثن المنصوب صنمًا٢.
وسواء سُمي المعبود من دون الله صنمًا أو وثنًا مصورًا على شكل إنسان أو حيوان أو طائر أو غير ذلك، أو لم يكن مصورًا كالأحجار والأشجار والأخشاب والقبور ونحوها.
فإنّ جميعها تشترك في كونها معبودات من دون الله تعالى.
وقد كانت عبادة الأصنام منتشرة انتشارًا واسعًا في جزيرة العرب، قبل الإسلام، كما سيأتي بيانه في الفصل الرابع من هذا الباب.
والحق أن هذه العبادة مع عدم استنادها إلى دليل علمي، أو حجة مقنعة، فإنّ فيها استخفاف بالعقل الإنساني، إذ كيف يرضى عاقل أنْ يعبد أجسامًا أو صورًا، لا حياة فيها، ولا نفع ولا ضر؟
قال تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ ٣.
بل إنَّ هذه الأصنام والأوثان قد أضللن كثيرًا من الناس، قال تعالى
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٧/٢٤٤. ٢ لسان العرب لابن منظور ١٢/٣٤٩. ٣ سورة الأنبياء آية: ٦٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
حكاية عن قول إبراهيم ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴾ ١.
وقد بين القرآن الكريم الدافع الذي حمل المشركين على عبادة تلك الأصنام من واقع تعليلهم في ذلك، حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
وهذا التعليل هو الذي يحتج به بعض الوثنيين في الحاضر، وحجتهم في ذلك أن وجود الصنم أمام المتعبد يساعد على تركيز الفكر والتعمق في التفكير للتقرب إلى الله، ولكن نلفت النظر إلى أنّ السجود للصنم على أنه رمز لله، أو القول بأنّ الصنم يقرب إلى الله هو باطل منطقيًا، لأنَّ وجود الصنم أمام المتعبد في صلاته يصرف الفكر عن الله، وأن التقرب إلى الله يحصل بالتوجه رأسًا إليه، لا بواسطة جماد أو صورة، ولأنه ليس من الصعب توجيه الفكر رأسًا إلى الله بدون واسطة، بل ذلك أدعى لطبيعة الإنسان في رفع قيمته المعنوية، وعدم جعل أحدًا قيمًا عليه، هذا وإن الإنسان كثيرًا ما يلجأ إلى الله في محن ومصائب لا تتوفر له فيها الواسطة،
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآيتان: ٣٥-٣٦. ٢ سورة الزمر آية: ٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
. مع العلم بأنَّ هذه الواسطة لا تنفع ولا تضر١.
وذكر ابن القيم ﵀: أن من أسباب عبادتها: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجهلتهم وسقطُهم يظنون أنَّ الصنم نفسه هو المتكلم.."٢.
ج- عبادة الأهواء:
ومن أنواع الشركيات المظلمة إتباع الإنسان وانقياده لهوى نفسه، فلا تميل نفسه إلى شيء إلا اتبعه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ٣.
قال ابن عباس ﵄: "كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمنًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول"٤.
وقال ابن كثير:" أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى
_________________
(١) ١ روح الدين الإسلامي لعفيف طبارة ص: ١٠٠. ٢ إغاثة اللهفان ٢/٢٢٤. ٣ سورة الفرقان آية: ٤٣. ٤ تفسير ابن كثير ٣/٣٣٥، وفتح القدير للشوكاني ٤/٧٨، وزاد المسير ٦/٩٢.
[ ١ / ١٥٧ ]
نفسه، كان دينه ومذهبه"١.
ومن هنا نرى أن الهوى صار إلهًا يعبد من دون الله، كما قال الشاعر٢:
لعمر أبيها لو تبدت لناسك قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك
لصلى لها قبل الصلاة لربه ولارتدّ في الدنيا بأعمال فاتك
ومن الآيات في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ٤.
وفي العصر الحديث، ظهرت مذاهب وشعارات شتى، أصبحت تمتلك قلوب بعض الناس ومشاعرهم وولاءهم، بذكرها يهتفون، وباسمها يقسمون، وفي سبيلها يجاهدون ويستشهدون.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٣٣٥. ٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٣/٣٦. ٣ سورة الجاثية آية: ٢٣. ٤ سورة فاطر آية: ٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
تلك هي: شعارات القومية، والوطنية، والاشتراكية، والحزبية، والبعثية، والعلمانية، والديمقراطية، وما شاكلها وهي تشكل خطرًا جسيمًا على عقيدة المسلمين من حيث لا يشعرون١.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
د- عبادة الأسلاف:
إنّ المتتبع لأحداث التاريخ، لا يجد عقيدة شاعت في الأمم قديمًا وحديثًا، كعقيدة الأسلاف، حيث أسبغت قدسية وتعظيمًا على الآباء والأجداد والشيوخ، وأطلقت عليهم من الصفات والنعوت ما جعل الجاهلين يتصروتهم آلهتهم.
وقد ادعى العالم "تايلور": "أنَّ عبادة الأجداد نشأت من الاعتقاد بالأرواح فالآباء، والأجداد في القبائل البدائية كانوا رؤساء الأسر، وبيدهم مقاليد الأمور، لأنهم أخبرُ بشئون الحياة، فإذا ماتوا فإنَّ أرواحهم ترفرف في سماء الأسرة، لتقيها شر النوائب، ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء"٢.
أي مفكر في حقيقة هذا المعتقد يجده غريبًا بعيدًا عن التصديق
_________________
(١) ١ انظر: العبادة في الإسلام ليوسف القرضاوي ص: ١٤٦ بتصرف. ٢ انظر: تاريخ الأديان وفلسفتها للأستاذ طه الهاشمي ص: ٦٨، وروح الدين الإسلامي لعفيف طبارة ص: ١٠١.
[ ١ / ١٥٩ ]
والإقناع، فمن هم الأسلاف؟ لنتفكر بأصلهم ومصيرهم، إنهم من البشر يأكلون ويشربون ويمرضون، ثم يأتيهم الموت، وبعده ينخرُ الدودُ أجسادهم، ويحيلها إلى البلى، ومن كان هذا أصله ومصيره، فهل من العقل اللجوء إليه، وطلب المعونة منه١.
إن عبادة الأسلاف تشتمل على كثير من الخرافات والأساطير، والقيام بشعائر وطقوس يمكن وصفها بالإجمال بأنها نوع من التخديرات التي خدرت الشعوب، ووقفت حائلًا دون تقدمها ورقيها.
فمن آثار عبادة السلف عند العلماء: حلق الرأس، وإحداث جروح في الجسد، واحتفالات دفن الموتى، ولبس المسوح، والعناية بالقبور، والصلاة عليها، أو إقامة شعائر دينية فوقها٢.
وللإستفادة مما كان عليه الآباء، ينبغي أن يخضع ما كانوا عليه للعلم والهدى، ويجري عليه التصحيح دائمًا، وعلى المسلم أنْ لا يضع الآباء المسلمين -المتقدمين منهم والمتأخرين- مكان القواعد والسنن المأثورة، ومهما أحسنا الظن فيهم، فإنّهم ليسوا فوق أن نختبر ما هم عليه، على أساس الآيات والسنن والعلم والقوانين٣.
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ٥/٣٥-٣٦. ٣ انظر: كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم لجودت سعيد ص: ١٧٤ الطبعة الرابعة ١٣٩٨؟.
[ ١ / ١٦٠ ]
ولما كان عليه اتباع الأسلاف من الآباء والأشياخ ونحو ذلك من التقليد المذموم الذي يفضي أحيانًا إلى الشرك، فإنَّ الله تعالى ذمه في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١.
ومن روعة القرآن الكريم أنه حضَّ على تخليص الإنسان من هذه الأباطيل التي طرأت على الجنس البشري، قال تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢.
فقد وصف الله تعالى في هذه الآية الكريمة قدرته العظيمة على الإحياء والإماتة، بينما الأسلاف الغابرون لا يملكون شيئًا من ذلك، بل هم أموات، فما أبعد الميت عن نفع نفسه، فضلًا عن نفع غيره.
وفي الآية الكريمة إعلان من الله تعالى بأنه رب الناس جميعًا الأحياء
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآيات: ٢٣-٢٥. ٢ سورة الدخان آية: ٨.
[ ١ / ١٦١ ]
منهم والميتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
؟- عبادة بعض الظواهر الطبيعية:
ومن الناس من راعه الكون وما فيه من عجائب الطبيعة وجمالها، وما فيها من منافع وخيرات للخلق، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، فعبد بعض هذه الظواهر.
وقد أبطل القرآن الكريم عبادة هذه المخلوقات، وبين أنها من حجج الله تعالى على خلقه، ومن آياته العظيمة الدالة على وحدانيته ﷾، وأنه لا يجوز التوجه إليها بشيء من أنواع العبادة كالصلاة، أو السجود، أو الركوع، أو الدعاء، ونحو ذلك.
قال تعالى: الْخَلْق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ١٥٨. ٢ سورة الأعراف الآية: ٥٤.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا َيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
_________________
(١) سورة الحج الآية: ١٨. سورة الصافات: ٤-٥. سورة فصلت الآية: ٣٧.
[ ١ / ١٦٣ ]
الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السالفين في محاربته.
الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السابقين في محاربته: ويشتمل على ما يلي:
١- الشرك في قوم نوح ﵇ ومنهجه في محاربته:
تقدم معنا في موضوع أقدمية التوحيد على الشرك، بأن نبي الله آدم ﵇ قد عاش موحدًا لله تعالى، على أنقى ما يكون التوحيد وأصفاه، وأنه قد ربى أبناءه على هذا التوحيد، وأن ذريته تلقت هذا التوحيد من جيل إلى جيل، وأنهم كانوا على الإسلام يعبدون الله تعالى وحده، حتى عهد نوح ﵇.
وكان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون على الإسلام، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على الإسلام"١.
والقرن إما أن يكون المراد به مائة سنة، كما هو المشهور عند كثير من الناس، وإما أن يكون المراد به الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ٣.
فقد كان الجيل قبل نوح يعمّرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص: ٥٤ ٢ سورة الإسراء الآية: ١٧. ٣ سورة المؤمنون الآية: ٣١.
[ ١ / ١٦٧ ]
بين آدم ﵇، ونوح ﵇ ألوف السنين١.
والذي أميل إليه، أن المراد بالقرن هو الجيل من الناس، ويؤيد ذلك حديث الرسول ﷺ: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم " ٢ الحديث.
والمراد أن الناس من آدم ﵇ إلى عهد نوح ﵇ كانوا على التوحيد، يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئًا، وكانوا على الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٣.
ولما انحرف الناس عن الفطرة بسبب جهلهم وبعدهم عن العلم، وإغواء الشيطان لهم، وعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان، وقبور الصالحين، بعث الله إليهم نوحًا ﵇، ليردّهم إلى الصواب، وعبادة الله وحده.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ١/١٠١. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/٣ كتاب فضائل الصحابة. وصحيح مسلم ٤/١٩٦٣ كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم: ٢١١، ٢١٢. ومسند أحمد ١/٣٧٨. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٩.
[ ١ / ١٦٨ ]
سبب دخول الأصنام في قوم نوح:
وكان سبب عبادتهم للأصنام، ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن جريج عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم، عبدت٢.
قال ابن عباس: "وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد "٣.
وروى ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس في تفسيره: "كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يعتقدون بهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقالوا: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون
_________________
(١) ١ سورة نوح الآية: ٢٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٦٧ كتاب التفسير، تفسير سورة نوح. ٣ تفسير ابن كثير ٤/٤٥٢.
[ ١ / ١٦٩ ]
المطر، فعبدوهم"١.
ونقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده عن أبي المطهر قال:" ذكروا عند أبي جعفر الباقر يزيد بن المهلب، فقال: أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر "ود"، قال: وكان ود رجلًا صالحًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره، قال: هل لكم أن أجعل لكل أهل بيت تمثالًا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يسرُّون ما يصنعون به، وتناسوا ودرس أمر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله، قال: فكان أول ما عبد غير الله في الأرض "ود" الصنم الذي يسمونه بود"٢.
أقول: وما تقدم من أدلة على أن أول حدوث الشرك في البشرية كان في قوم نوح ﵇، يجعلنا نتردد في ما جاء في كتاب الأصنام للكلبي: "أول ما عبدت الأصنام، أنَّ آدم ﵇ لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، وكان بنو
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير الطبري ٢٩/٩٩، وانظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٥٢. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ١/١٠٦، ومثله في تفسيره ٤/٤٥٢، وفي الدر المنثور للسيوطي ٦/٢٦٩-٢٧٠.
[ ١ / ١٧٠ ]
شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل إن لبني شيث دوارًا١ يدُورُون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء، فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها"٢.
فإن معنى هذا الخبر أن عهد بني آدم ﵇ بالتوحيد لم يبق طويلًا، وأنهم لم يلبثوا أن غيرُوا بعد موته، والحق أنَّ هذا ليس صحيح، وغير معقول لما تقدم من أدلة، لا سيما وقد قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على الإسلام"٣.
ومن هنا نجد أن تعظيم القبور والدعاء عندها، والتمسح بها، وتقبيلها هو من أسباب الشرك، وعبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان.
_________________
(١) ١ يقال: دار يدور واستدار يستدير، بمعنى: إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. لسان العرب لابن منظور ٤/٢٩٦، والنهاية لابن الأثير ٢/١٣٩. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ٥٠-٥١. وانظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٥٢-٥٣، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢٠٥. ٣ تقدم تخريجه ص: ٥٤.
[ ١ / ١٧١ ]
ولهذا ندرك أيضًا السر العظيم في نهي الإسلام عن اتخاذ القبور مساجد، واتخاذ السرج عليها، والنهي عن رفعها، وإقامة القباب عليها، وتعظيمها إلى غير ذلك مما قصد به سد الذريعة، وقطع دابر الشر والفتنة.
منهج نوح ﵇ في دعوة قومه إلى التوحيد:
وقد سلك نوح ﵇ في ردّ قومه إلى عقيدة التوحيد منهجًا فريدًا وعجيبًا، جديرًا بالتأمل والاعتبار، يمكن تلخيصه فيما يلي:
١- لين الكلمة، وسهولة الأسلوب، وعدم مقابلة السب والأذى بمثله، يظهر ذلك واضحًا من جوابه لقومه عندما قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١.
حيث ردّ عليهم في هدوء ولين، قائلًا لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
٢- تبرؤه من ادعائهم ما ليس له، كما وصف القرآن الكريم: ﴿وَلاَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٦٠. ٢ سورة الأعراف الآيتان: ٦١-٦٢.
[ ١ / ١٧٢ ]
أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
٣-تنويعه للأساليب في الدعوة، فلم يلتزم أسلوبًا معينًا، أو حالة واحدة، ولكنه أخذ يدعوهم في الليل والنهار، وفي السر والجهر، يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ٢.
٤-ترغيبهم بمغفرة الذنوب إنْ هم أطاعوه، وصدقوا ما جاء به، ويمد الله في أعمارهم، ويدرأ عنهم العذاب الذي إنْ لم يجتنبوا ما نهاهم عنه أوقعه الله بهم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٣١. ٢ سورة نوح الآيات: ٥-٩.
[ ١ / ١٧٣ ]
جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
كما رغبهم في سعة العيش، ويسر الحياة السعيدة، وذلك بهطول الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين، إنْ هم استغفروا الله تعالى، وتابوا إليه من الشرك وجميع الذنوب، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٢.
٥-استعماله معهم أسلوب الجدل والحوار، يتضح ذلك من آيات كثيرة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ
_________________
(١) ١ سورة نوح الآيات: ٢-٤. ٢ سورة نوح الآيات: ١٠-١٢.
[ ١ / ١٧٤ ]
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ١.
وكما هو واضح من قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢.
٦- التكرار الدائم في دعوتهم، على الرغم من مرور الأعوام الطوال، وبذله كل الجهود الهادفة إلى إرجاعهم إلى الحق، وسلوك الطريق المستقيم، ولكن ليس هناك جدوى تذكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ ٣.
وعن كثرة دعوته إليهم وتكرارها، كما في الآية المتقدمة: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ ٤.
٧- دعوتهم إلى النظر إلى الكون، وما فيه من نظام وإبداع، وإلى
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ١٠٥-١١٧. ٢ سورة هود الآية: ٣٢. ٣ سورة العنكبوت الآية: ١٤. ٤ سورة هود آية: ٣٢.
[ ١ / ١٧٥ ]
الأنفس وما فيها من عجائب تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه المستحق للعبادة وحده، قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ١.
وبعد أن بذل نوح ﵇ غاية جهده في سبيل هداية قومه وإصلاحهم، وصبره وحلمه الطويل عليهم، ومع ذلك كله ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، وأخيرًا لجأ إلى ربه يشكو قومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
كما دعا عليهم بالهلاك قائلًا: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ٣.
وقد استجاب الله لدعاء رسوله، وأوحى إليه أنه لن يؤمن من قومه
_________________
(١) ١ سورة نوح الآيات: ١٣-٢٠. ٢ سورة الشعراء الآيتان: ١١٨-١١٩. ٣ سورة نوح الآيتان: ٢٦-٢٧.
[ ١ / ١٧٦ ]
سوى من آمن منهم، وأمره أن يصنع سفينة لنجاته ونجاة من آمن معه، وأعلمه أنه سيكون محاطًا بعنايته ورعايته، وأخبره أن من لم يؤمن من قومه فإنَّ مصيره الغرق؛ لإصراره على الكفر والعناد، وأن لا يحزن لغرقهم وهلاكهم، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ١.
وبعد أن انتهى نوح ﵇ من صنع السفينة، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، وركب هو فيها وجميع من آمن معه، وأهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله تعالى، وأمره الله ومن آمن معه أن يذكروا اسم الله تعالى الذي عليه توكلهم واعتمادهم، وهو المجري والمرسي للسفينة، كما ذكرهم بأنَّ الله تعالى رحيم بعباده المؤمنين، ومن رحمته أنجاهم من الغرق والهلاك الذي حلّ بالكافرين، عند ذلك (أرسل الله من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله، كأفواه القرب، وأمر الأرض
_________________
(١) ١ سورة هود الآيات: ٣٦-٣٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
فنبعت من جميع فجاجها، وسائر أرجائها) ١.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ٣.
وفي خلال زمن قليل جدًا تم هلاك الكافرين، ونجاة المؤمنين، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تمسك عن المطر، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ١/١١٢. ٢ سورة هود الآيتان: ٤٠-٤١. ٣ سورة القمر الآيات: ٩-١٦.
[ ١ / ١٧٨ ]
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
يقول صاحب المنار: "ما أفظع المنظر! ما أشد هوله! ما أعظم روعته! ماء ينهمر من آفاق السماء انهمارًا، وأرض تتفجر عيونًا فوارة فتفيض مدرارًا، ماء ثجاج يصير بحرًا ذا أمواج، خفيت من تحته الأرض بجبالها، وخفيت من فوقه السماء بشمسها وكواكبها فتخيل أنك ناظر إلى هذه السفينة كما صورها لك التنزيل، تتفكر في أمر هذا الخطب الجليل، واستمع لما بينه الذكر الحكيم، في أوجز عبارة، وأبلغها تأثيرًا، جعلت أعظم ما في العالم، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا"٢.
وهكذا انتهت محنة دامت طويلًا بهلاك الكفرة المشركين، الذين حادُّوا الله ورسوله، وأبوا التوبة والعودة إلى الله تعالى في مدة قصيرة، فهل من مدكر؟
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٤٤. ٢ تفسير المنار ١٢/٧٩-٨٠.
[ ١ / ١٧٩ ]
٢- الشرك في قوم هود ﵇ ومنهجه في محاربته.
وبعد أن أهلك الله تعالى المشركين من قوم نوح ﵇ بالغرق، وأنجى الله نبيه نوحًا والذين آمنوا معه، عاد الناس إلى عبادة الأصنام والأوثان في قوم هود ﵇.
وذكر ابن كثير ﵀: "أن عادًا الأولى كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وكان أصنامهم ثلاثة: صمدًا، وصمودًا، وهرًا، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇، فدعاهم إلى الله"١.
وعن دعوة هود ﵇ في قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، يقول تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١/١٢١، وانظر: تاريخ الطبري ١/٢١٦. ٢ سورة الأعراف الآية: ٦٥. ٣ سورة هود الآية: ٥٠.
[ ١ / ١٨٠ ]
مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
منهجه في دعوة قومه:
وقد سلك هود ﵇ في دعوة قومه منهجًا راشدًا وطريقًا واضحًا، يمكن تلخيصه فيما يلي:
١-ضرب لهم المثل بما أصاب قوم نوح من قبلهم، وما وقع منهم من عناد ومكابرة، وإصرار على الزيغ والضلال، وكيف دمّر الله عليهم سعادتهم حينما بغوا وتجبّروا، وأصروا على الباطل والاستكبار، مذكرًا إيّاهم بنعم الله عليهم، إذ زادهم في الخلق بسطة، وجعلهم خلفاء من بعد قوم نوح.
قال تعالى: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
٢- وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم محاولًا إقناعهم بالرجوع إلى طريق الحق، مبينًا لهم أنّ الله تعالى جعلهم وارثين للأرض من بعد قوم نوح، الذين أهلكهم الله بذنوبهم، وزادهم قوة في السلطان وفي الأجسام، وذكرهم بإعطائهم الخيرات الجليلة من الأنعام والبنين، والحدائق والمياه،
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف الآية: ٢١. ٢ سورة الأعراف الآية: ٦٩.
[ ١ / ١٨١ ]
وخوفهم من العذاب الأليم، وانقلاب النعمة إلى نقمة إذا لم يؤمنوا بالله وحده.
وهذا يتضح من الآية السابقة، كما يتضح من قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
٣- ومن منهجه ﵇ القول اللين، والخطاب الجميل، وعدم مقابلة الأذى بمثله، يتضح ذلك عندما رماه قومه بالسفه والكذب، حيث ردّ عليهم قائلًا: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ٢.
٤- واستعمل معهم أسلوب الجدل والحوار، يظهر ذلك عندما أصر زعماؤهم على عبادة الأوثان، وقالوا لهود ﵇ بأنه لم يأتهم ببينة واضحة على صحة ما يدعو إليه، وقالوا له: إنهم غير تاركي آلهتهم، ولن يؤمنوا به، وزعموا أن آلهتهم قد مسته بضر، فصار يتكلم بأقوال باطلة،
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ١٢٨-١٣٥. ٢ سورة الأعراف الآيتان: ٦٧-٦٨.
[ ١ / ١٨٢ ]
فأجابهم هود ﵇ بأنه يشهد الله، ويشهدهم بأنه بريء من الشرك الذي هم فيه.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ١.
ولما ضجرت عاد من نبيها هود ﵇، وتبرموا من كثرة نصحه لهم، تحدوه أن يقع فيهم إنذاره ووعيده، عند ذلك قال لهم هود ﵇ لا بد أنْ يقع عليكم غضب من الله تعالى فانتظروا عذاب الله، وإني معكم من المنتظرين.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَب
_________________
(١) ١ سورة هود الآيات: ٥٣-٥٧.
[ ١ / ١٨٣ ]
أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١.
٥- وبيّن لهم ﵇ أنه لا يطلب على نصيحته أجرًا منهم، أو رياسة ينتزعها، ولا يريد منهم جزاءًا ولا شكورًا، وإنّما يطلب الأجر والثواب من الله ﷿.
قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
٦- وأرشدهم إلى الاستغفار والتوبة فبسببهما تهطل الأمطار المتتابعة، وتحصل الخيرات، ويزيدهم ربهم قوة إلى قوتهم، وعزًا إلى عزهم، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ ٣.
لكن ما هو تأثير هذه الدعوة الطيبة المباركة على قبيلة عاد؟
إنهم احتقروا هودًا ﵇، واستصغروا أمره، ووصفوه بالسفه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ٧٠-٧١. ٢ سورة هود الآية: ٥١. ٣ سورة هود الآية: ٥٢.
[ ١ / ١٨٤ ]
والكذب، إلاّ أنْ هودًا ﵇ نفى عن نفسه ما اتهموه به، وبين لهم إنه رسول من رب العالمين، لا يريد منهم إلا الخير والصلاح.
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ١.
ولما تمادى قوم هود ﵇ في الباطل والضلال، باتخاذ آلهة ما أنزل الله بها من سلطان، دعا ربه أن ينصر دينه، وقد أجاب الله تعالى دعوته، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
لقد أرسل الله عليهم الريح العقيم، سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، فأهلكهم الله وأبادهم، وصارت أجسامهم كأنها أعجاز نخل منقعر، وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، ونجى الله هودًا والذين
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيات: ٦٦-٦٨. ٢ سورة المؤمنون الآيات: ٣٩-٤١.
[ ١ / ١٨٥ ]
آمنوا معه برحمة منه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيتان: ١٣٩-١٤٠.
[ ١ / ١٨٦ ]
٣- الشرك في قوم صالح ﵇ ومنهجه في محاربته.
ثم ظهرت عبادة الأصنام في ثمود، والتي كانت تسكن الحجر، بين المدينة وتبوك، وكانت ثمود تتعبد لأصنام كثيرة، منها الصنم: "ود" و(شمس) و(مناف) و(اللات) وغيرها.
فبعث الله تعالى فيهم نبيه صالح ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وأن يخلعوا عبادة الأصنام والأنداد١.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٣.
منهجه في دعوة قومه:
ومنهج صالح ﵇ في دعوته، لا يختلف عن المنهج الذي
_________________
(١) ١ انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ١/٣٣١. ٢ سورة هود الآية: ٦١. ٣ سورة النمل الآية: ٤٥.
[ ١ / ١٨٧ ]
سلكه نبي الله هود ﵇ في دعوة قومه عاد.
ولعل السبب في ذلك وجود التشابه بين القبيلتين، فإنه بالإضافة إلى أنّ كلًا من الشعبين كان يسكن الجزيرة العربية، فقبيلة عاد تسكن في الجنوب بالأحقاف، بين اليمن وعمان، وثمود تسكن بالحجر، بين المدينة النبوية وتبوك –كما تقدم- فإن الأوضاع الاجتماعية والعمرانية في زمان كل منهما قد بلغت أقصى حدود القوة والمنعة، لا سيما في فنون البناء والعمارة، كنحت البيوت في الجبال، وإقامة القصور في السهول، وتشييد المصانع وشق العيون وفوق ذلك فقد منحهم الله بسطة في الأجسام، وقوة في الأبدان.
كما يوجد تشابه في سلوك كل منهما القائم على البطر والطغيان، وإيثار الشرك على التوحيد، وقد قرن الله تعالى بين ذكر القبيلتين، وما حلّ بهما من العقاب الأليم في كثير من السور، كما في سورة: براءة، وإبراهيم، والفرقان، وص، وق، والنجم، والقمر، والحاقة، والفجر.
ونلخص منهجه ﵇ في دعوة قومه فيما يلي:
١- ضرب المثل لهم بقوم هود ﵇، مذكرًا لهم بنعم الله عليهم، حيث جعلهم خلفاء من بعدهم، ومكّنهم في الأرض يتخذون من سهولها قصورًا ومن الجبال بيوتًا، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا
[ ١ / ١٨٨ ]
فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
٢- وذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم، قال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ ٢.
٣- كان لطيفًا في القول، ولين الجانب، يظهر ذلك في جوابه لهم: ﴿ قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٣.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٤.
٤- أسلوب الحوار المبني على إقامة الحجة البينة، يظهر ذلك جليًا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٧٤. ٢ سورة الشعراء الآيات: ١٤٦-١٥٢. ٣ سورة هود الآية: ٦٢. ٤ سورة هود الآية: ٦٣.
[ ١ / ١٨٩ ]
في كثير من السور التي تعرضت لقصته ﵇.
ففي سورة هود: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ١.
وفي سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة هود الآيات: ٦١-٦٥. ٢ سورة النمل الآيات: ٤٥-٤٧.
[ ١ / ١٩٠ ]
٥- وأفهمهم أنه لا يطلب على دعوته أجرًا، جاء ذلك في قوله لهم: ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
٦- ووجههم إلى الاستغفار والتوبة، فهما سبب للخير والبركة والقوة، جاء ذلك في قوله لهم: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ ٢.
وقوله لهم: ﴿ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.
إلا أنه على الرغم من هذه الدعوة المباركة المبنية على الحجة والإقناع، فإن الثموديين لم يؤمنوا بما نصحهم به نبيهم، ولم يسيروا في طريق الحق الذي أرشدهم إليه، بل أخذوا يتهمونه بالسحر الذي سيطر على عقله، فادعى أنه رسول من عند الله تعالى.
وطلبوا منه أن يأتيهم بمعجزة تدل على أنه رسول من عند الله حقًا.
قال ابن كثير: " وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يومًا في
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآية: ١٤٥. ٢ سورة هود الآية: ٦١. ٣ سورة النمل الآية: ٤٦.
[ ١ / ١٩١ ]
ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح، فدعاهم إلى الله، وذكرهم وحذرهم، ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة –وأشاروا إلى صخرة هناك- ناقة صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافًا سموهاونعتوها وتعنتوا فيها فقال لهم النبي صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به، قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه، فصلى لله ﷿ ما قدر له، ثم دعا ربه ﷿ أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله ﷿ تلك الصخرة أنْ تتفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا فلما عاينوها.. رأوا أمرًا عظيمًا، ومنظرًا هائلًا، وقدرة باهرة، ودليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم، وضلالهم، وعنادهم"١. ا.؟
لقد أظهر الله المعجزة العظيمة، الدالة على صدق رسوله ﵇، وأمرهم ألاّ يمسوها بسوء، وجعل لها شربًا في يوم معلوم، ولهم شربًا في يوم غيره، وأوعدهم بالعذاب إنْ هم اعتدوا عليها.
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١/١٣٤.
[ ١ / ١٩٢ ]
تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
ولكن المستكبرين من الكفرة أقدموا على عقر الناقة، غير مبالين بما توعدهم به نبيهم ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
عند ذلك قال لهم نبيهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ٤.
وقد حقق الله جلت قدرته هذا الإنذار الذي وجهه إليهم صالح ﵇، فلم تمض ثلاثة أيام حتى حل بهم الهلاك والدمار.
يقول ابن كثير: "وأصبحت ثمود في اليوم الأول، وهو يوم الخميس، فإذا وجوههم مصفرة، كما أنذرهم صالح ﵇، فلما أمسوا نادوا
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٦٤. ٢ سورة الشعراء الآيتان: ١٥٥-١٥٦. ٣ سورة الأعراف الآية: ٧٧. ٤ سورة هود الآية: ٦٥.
[ ١ / ١٩٣ ]
بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث، وهو يوم السبت ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد، تأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحلُّ لهم من العذاب والنكال والنقمة، ولا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب، فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفت من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، جثثًا لا أرواح فيها، ولا حراك بها "١.
كما ذكر القرآن الكريم وجهًا آخر في سبب هلاكهم، وهو أن تسعة رجال منهم ائتمروا على مباغتة نبيهم صالح وأهله، وقتله سرًا، فأهلكهم الله بالصاعقة بسبب ظلمهم وعدوانهم.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١/١٣٦.
[ ١ / ١٩٤ ]
لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة النمل الآيات: ٤٨-٥٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
٤- الشرك في قوم إبراهيم ﵇ ومنهجه في محاربته.
وبعد مدة طويلة من الزمن، ظهر في بابل عباد الأصنام، كما ظهر في حران عباد الكواكب والأصنام، فبعث الله تعالى فيهم إبراهيم الخليل ﵇.
وعن معبودات أهل بابل، يذكر صاحب قصة الحضارة:" بأنه كان لأهل بابل كثير من الآلهة ذلك أن كل مدينة كان لها رب يحميها، وقد كان للمقاطعات والقرى آلهة صغرى تعبدها وتخلص لها، وإن كانت تخضع رسميًا للإله الأعظم، ثم قل عدد الآلهة شيئًا فشيئًا بعد أن فسرت الآلهة الصغرى بأنها صور أو صفات للآلهة الكبرى، وعلى هذا النحو أصبح "مزدك" إله باب كبير الآلهة البابلية.
وكان الملوك يشعرون بشدة حاجتهم إلى غفران الآلهة، فشادوا لها الهياكل وأمدوها بالأثاث والطعام والعبيد"١.
وأما عباد الكواكب من أهل حران، فكانوا على مذهب الصابئة المتعصبة للروحانيات، وهم يقولون بأن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا، ولا يمكن الوصول إلى جلاله ومعرفته، وإنما يتقرب إليه بواسطة المقربين إليه، وهم الروحانيون المطهرون الذين ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
_________________
(١) ١ قصة الحضارة – ول ديورانت ٢/٢١١-٢١٤ بتصرف.
[ ١ / ١٩٦ ]
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١.
ويعتقدون أن الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، هي هياكل للروحانيات، فلكل روحاني هيكل، ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به كنسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره، وكانوا يسمون الهياكل أربابًا، وربما يسمونها آباء، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة، ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة، ورب الأرباب٢.
فأعلن إبراهيم ﵇ في قومه دعوة التوحيد، وجادل وناقش كلا الفريقين بالحجة والبرهان، دون خوف أو مبالاة من أحد، وهو فريد لا يجد من ينصره أو يشد أزره، حتى إنّ والده، وهو أقرب الناس إليه وقف له بالمرصاد.
ولكن إبراهيم ﵇ سار في طريقه، لا يأبه لشيء، وأعلن في الناس دعوته متحديًا كل من يتصدى له، قائلًا: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة التحريم الآية: ٦. ٢ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ٢/٦، ٧، ٤٩. ٣ سورة الأنعام الآية: ٧٩.
[ ١ / ١٩٧ ]
دعوة إبراهيم لوالده:
ولما كان والد إبراهيم ﵇ أعلم القوم بصناعة الأصنام، وكان الناس يشترونها منه، كان إبراهيم ﵇ يحمل أكثر وأقوى الإلزامات على والده، وقد ضرب إبراهيم ﵇ المثل الرائع في الجمع بين قوة الحجة والإقناع، وأدب الحديث مع والده.
وقد قص الله تعالى لنا تلك المجادلة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١.
وفي هذه الآيات نحس أسلوب الداعية المخلص في التوجيه والتعليم، الذي يحذر في لطف وينذر في لين، ويعرف منزلة الأبوة ومكانتها، فيعطيها حقها من اللين والاحترام.
ومع أنّ تلك الأبوة لم تقابل هذه الدعوة بالحنان والشفقة، بل انقلبت إلى نار تتأجج وجحيم يتوقد، تمثل ذلك في قول تلك الأبوة
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات: ٤١-٤٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
الظالمة: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
فإن إبراهيم ﵇ لم يقابل تلك الشدة بمثلها، كما يفعل الأبناء الجهلة، ولكنه قابل تلك الشدة باللين والإحسان، فهو يقول لوالده: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ ٢.
وهذا الاستغفار من إبراهيم ﵇ إنّما كان طمعًا منه في إيمان أبيه، ولكنه حينما ظهر له إصراره على الشرك، وعداوته المتأصلة لدين الله تعالى، تبرأ منه وقطع صلته به، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٣.
دعوة إبراهيم للوثنيين:
أما دعوة إبراهيم ﵇ لقومه الوثنيين، فقد سلك معهم منهجًا مرتبًا لا تعقيد فيه ولا غموض، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ
_________________
(١) ١ سورة مريم الآية: ٤٦. ٢ سورة مريم الآية: ٤٧. ٣ سورة التوبة الآية: ١١٤.
[ ١ / ١٩٩ ]
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
فمن خلال الآيات الكريمة، نرى أن إبراهيم ﵇ قد دعا قومه دعوة بسيطة واضحة، وهي مرتبة في عرضها ترتيبًا دقيقًا يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوة، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب.
١- فهو أولًا: بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ .
٢- ثم أثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم، وما تضمنته من الخير لهم، لو كانوا يعلمون أين يكون الخير ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
٣- وفي الخطوة الثالثة يبين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه:
أ- إنهم يعبدون من دون الله أوثانًا، والوثن -التمثال من الخشب-
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآيات: ١٦-١٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وهي عبادة سخيفة، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله.
ب- إنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل، وإنما يخلقون إفكًا وينشئون باطلًا من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة.
ج- إن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعًا، ولا ترزقهم شيئًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ .
٤- وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق، الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، والرزق مشغلة النفوس، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان، ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس.
وفي النهاية يهتف بهم إلى وهاب الأرزاق المتفضل بالنعم، ليعبدوه ويشكروه: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، ويكشف لهم أنه لا مفر من الله، فمن الخير أن يتوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
٥- وأخيرًا بين لهم أنهم إن كذبوا بعد ذلك فلن يضروا الله شيئًا، ولن يخسر رسوله شيئًا، فقد كذّب الكثيرون من قبل، وما على الرسول إلى واجب التبليغ ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ
[ ١ / ٢٠١ ]
الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
بهذا الأسلوب المثالي في الدعوة، أخذ إبراهيم ﵇ يدعو قومه، ولكنه حينما لم يجد قبولًا لدعوته أو سماعًا لتوجيهاته ونصائحه، أخذته الغيرة والحماس لدين الله تعالى ونصرته، فصاح بهم قائلًا: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٢، ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣.
ثم توعدهم بتحطيم تلك الأصنام في غيابهم ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ٤.
وكان للقوم عيد يخرجون فيه كل عام بعيدًا عن العمران، وطلبوا من إبراهيم أن يشاركهم في بهجة ذلك الاحتفال، لكنه رفض مشاركتهم واعتذر بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٥، ولما خرجوا إلى ذلك الاحتفال، وغادروا المساكن والعمران، ذهب إبراهيم ﵇ إلى معبودات أولئك القوم،
_________________
(١) ١ انظر في ظلال القرآن لسيد قطب ٦/٣٩٩. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٥٢. ٣ سورة الصافات الآية: ٨٦. ٤ سورة الأنبياء الآية: ٥٧. ٥ سورة الصافات الآية: ٨٩.
[ ١ / ٢٠٢ ]
فوجد أنهم وضعوا أمامهم شتى أنواع الأطعمة والأشربة، فقال في تهكم لهذا العمل السخيف ﴿أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ ١.
ثم انفلت عليها يحطم ويهدم، وقد ترك كبير الأصنام ليقيم به على قومه الحجة، لعلهم يفيقون إلى رشدهم، ويرعوون عن غيهم ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
وبعد أن انتهى القوم من احتفالهم ورجعوا إلى أصنامهم، فوجئوا بما حدث، قال بعضهم لبعض في دهشة: ﴿مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ ٣.
كان من المفروض أن يفيق أولئك القوم إلى رشدهم عند هذا الحد، ويوقنوا بسخافة عبادتهم لها، ولكن القوم استمروا في غيهم وجدالهم،
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيتان: ٩١-٩٢. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٥٨. ٣ سورة الأنبياء الآية: ٦٥.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقالوا لإبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ﴾ ١.
ورد عليهم إبراهيم ﵇ ساخرًا منهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
ولما لم يبق في أيدي القوم شيء يحتجون به، عدلوا عن الجدل والمناظرة، وقرروا استخدام القوة والسلطان، لنصرة ما هم عليه من ضلال وباطل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٣.
وألقوا إبراهيم ﵇ في نار مستعرة انتقامًا منه، ومما يدعو إليه، ولكن الله تعالى صرف كيدهم، وجعل تلك النار بردًا وسلامًا عليه، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآية: ٦٥. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٦٦-٦٧. ٣ سورة الأنبياء الآية: ٦٨. ٤ سورة الأنبياء الآيتان: ٦٩-٧٠.
[ ١ / ٢٠٤ ]
مناظرة إبراهيم للنمرود:
ولما سمع الملك الطاغية نمرود بن كنعان عن نجاة إبراهيم ﵇ من النار، خشي على نفسه ومنصبه، فاستدعاه ليناقشه عن إلهه الذي يعبده، ويدعو الناس إلى عبادته، فأجابه إبراهيم ﵇ بأن ربه الذي يحيي ويميت، ولكن النمرود أجاب بأنه هو كذلك يحيي ويميت، قال ابن قتادة وابن إسحاق والسدي وغيرهم: أنه كان يؤتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فيأمر بقتل أحدهما فيقتل، ويعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة في نظره١.
قال ابن كثير: "والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢"٣.
ولما رأى إبراهيم ﵇ حماقة الطاغية ومشابهته في الدليل،
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٣٢٥. ٢ سورة القصص الآية: ٣٨. ٣ تفسير ابن كثير ١/٣٢٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عدل إلى دليل آخر، أجدى وأروع وأشد إفحامًا، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ .
عند ذلك أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتًا لا يستطيع أن ينطق بكلمة، وكأنما ألقم الحجر.
اقرأ هذه المناظرة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وكانت نهاية هذا الطاغية كما ذكر ابن كثير عن زيد بن أسلم قال: "دخلت بعوضة واحدة في منخر النمرود، وأخذ يعذبه الله بها مدة طويلة، حتى كان يضرب رأسه بالمرزاب، حتى أهلكه الله بها"٢.
دعوة إبراهيم لعبدة الكواكب:
ولما انتقل إبراهيم ﵇ من أرض بابل إلى منطقة حران،
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٥٨. ٢ تفسير ابن كثير ١/٣٢٦، وانظر: البداية والنهاية ١/١٤٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وأمله أن يجد من أهلها قلوبًا تتفتح إلى النور والهدى، ولكنه مع الأسف وجد أهلها أشد ظلامًا، وأكثر جهلًا، حيث وجدهم يعبدون ويؤلهون الشمس والقمر والنجوم، فعند ذلك نزل إبراهيم ﵇ حلبة الميدان، يجادل بالحجة والبرهان، مستخدمًا معهم طرق العقل والمنطق، لعلهم يفيقون إلى رشدهم، ويعبدون الإله الحق الذي يسير تلك الكواكب، والآيات التالية تبين لنا الأسلوب الذي سلكه إبراهيم ﵇ معهم في التدرج إلى معرفة الخالق ﵎.
قال ﷿: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ
[ ١ / ٢٠٧ ]
آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
ونلاحظ من خلال الآيات الكريمة أن إبراهيم ﵇ قد أعلن لهم خيبة أمله في جميع هذه الكواكب، وأنَّ واحدًا منها لا يستحقُّ أنْ يكون إلهًا حقًا، فهي تظهر من هنا، وتغيب من هنا، وإذا كانت الآلهة تغيب، فمن الذي يرعى الخلائق عند غيابها، أو من يدبر أمرها إذا أفلت.
فلا بدّ إذًا من إله خالق الكل، وهيمن على مسيرتها وحركتها، حتى أكبرها لا يعدو أن يكون واحدًا من هذه الكواكب السيارة.
ورب هذه الكواكب هو الذي ينبغي التوجه إليه، وصرف العبادة له.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات: ٧٦-٨٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
٥- الشرك في قوم إسماعيل ﵇ ومنهجه في محاربته.
ونأتي إلى إسماعيل ﵇، بكر أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، من زوجه هاجر المصرية، وقد رزق به لما بلغ من العمر ستًا وثمانين سنة، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ ١.
ومن الثابت أن إبراهيم ﵇ قد انتقل بزوجه هاجر وابنه إسماعيل -وكان يومئذ رضيعًا- إلى مكة.
وبمكة نشأ إسماعيل وترعرع، وكان أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وقد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة، من جرهم والعماليق، وأهل اليمن٢.
وقد أثنى الله تعالى على هذا النبي الجليل، ووصفه بالصبر والحلم، وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة والزكاة، وأمره لأهله بها، بالإضافة إلى الدعوة إلى عبادة الله وحده.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآية: ٣٩. ٢ انظر: قصص الأنبياء لابن كثير ١/٣٠٦.
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ أي: إبراهيم ﴿بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ﴾ ٤.
ولما شب إسماعيل ﵇، وأصبح في سن يستطيع معها أن يسعى ويعمل، رأى إبراهيم في المنام –ورؤيا الأنبياء حق- أن الله يأمره بأن يذبح ولده إسماعيل، وكان وحيده آنذاك، فعرض إبراهيم الأمر على ولده ليختبر إيمانه، وليكون ذلك أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يذبحه قهرًا.
وكان جواب إسماعيل لأبيه أن يفعل ما أمره الله به، وأنه سيجده إن
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآيتان: ٨٥-٨٦. ٢ سورة الصافات آية: ١٠١. ٣ سورة مريم الآيتان: ٥٤-٥٥. ٤ سورة ص الآية: ٤٨.
[ ١ / ٢١٠ ]
شاء الله من الصابرين الراضين بحكم الله وإراداته، فلما استسلما لقضاء الله، وعزما على تنفيذ أمره، وأمرّ إبراهيم السكين على رقبة ابنه، غير أنه وجد أن السكين لم تقطع، وناداه ربه بالكف عن ذبح إسماعيل؛ لأنه قد حصل المقصود من الإمتحان والابتلاء، وفداء الله إسماعيل بكبش عظيم.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وقد كانت رسالته ﵇ إلى القبائل العربية التي عاش في وسطها، وما والاها من قبائل جرهم والعماليق واليمن٢.
وإذا كان القرآن الكريم لم يفصل الحديث عن دعوته ﵇، فإن من المرجح أنه سار على نهج والده في الدعوة إلى الله تعالى من تقرير عقيدة التوحيد، وعبادة رب الأرباب، وأداء الصلوات والزكوات وغيرها من العبادات.
ولعل معاصرته لأبيه عددًا من السنين، ومشاركته له في بعض مهام
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات: ١٠٢-١٠٧. ٢ انظر: قصص الأنبياء لابن كثير ١/٣٠٦.
[ ١ / ٢١١ ]
الدعوة ولوازمها، كبناء البيت الحرام، أو لعل ما جرى بخصوص دعوة أبيه من التفصيل والإيضاح، اقتصر في عرض دعوته ﵇.
وقد بين القرآن الكريم أنّ الله تعالى جعل البيت الحرام "مثابة" أي: مرجعًا للناس يقصدونه للعبادة، وأنه مكان أمن وأمان، لا يخاف قاصده، كما أشار الله إلى وصيته لإبراهيم وإسماعيل ﵉ بتطهير البيت من الدنس الحسي، كالقاذورات، والدنس المعنوي كالشرك وعبادة الأصنام، ليكون طاهرًا للطائفين حوله، والمعتكفين فيه للعبادة، والراكعين الساجدين لله تعالى فيه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ١.
وبين القرآن الكريم إن إبراهيم وإسماعيل ﵉ يرفعان القواعد من البيت الحرام، ويدعوان الله تعالى أن يتقبل منهما عملهما، كما يدعوانه أن يبقيهما على الإسلام، ومن ذريتهما كذلك، وأن يبعث في تلك الأمة رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٢٥.
[ ١ / ٢١٢ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١.
وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق، في بعث محمد ﷺ رسولًا في الأميين، وسائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين" ٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيات: ١٢٧-١٢٩. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/١٢٧ و٥/٢٦٢ عن العرباض بن سارية، وعن أبي أمامة، وعن أبي النّضر، وعن فرج. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢١٢: "إسناد أحمد حسن". وفيه: «ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام» . ورواه الحاكم في المستدرك ٢/٦١٦-٦١٧ بمثل سند أحمد، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ورواه إسحاق بإسناد حسن، كما في سيرة ابن هشام ١/٢١٩-٢٢٠ إذ إن جهالة الصحابي فيه لا تضر، ولذا قال عنه ابن كثير في البداية ٢/٢٩٩: "وهذا إسناد جيد قوي". وانظر تخريجه في السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية للدكتور مهدي رزق الله ص: ١١٢.
[ ١ / ٢١٣ ]
والمراد أنّ أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇، ولم يزل ذكره مشهورًا حتى أفصح باسمه آخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قال: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ ١.
هذا والبشارات بالرسول ﷺ ليس هذا مكانها٢.
_________________
(١) ١ سورة الصف آية: ٦. ٢ وقد تحدثت عنها في رسالة الماجستير: "منهج القرآن الكريم في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام".
[ ١ / ٢١٤ ]
٦- الشرك في قوم يوسف ﵇ ومنهجه في محاربته.
وفي زمن يوسف ﵇، كان الشرك سائدًا في مصر، كسائر الأمم القديمة، وذكروا أنه كان لكل مدينة في مصر يومئذ معبود لا يشبه ما يجاورها من المدن، وكان لكل مدينة أو مقاطعة صغيرة آلهتها الخاصة، وعبادتها المختلفة، فكان موطن أوزيريس في أبيدوس، وفتاح في منفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في أدفو، وهاتور في دندرة، ورع في هليوبوليس، وآتون في هرموبولس، وغيرها كثير هنا وهناك، وكانت مكانة الآلة مستمدة من مكانة المدينة أو المقاطعة التي يعبد فيها، وهكذا كانت الآلهة مراتب متفاوتة، تبعًا لتفاوت مراتب المقاطعات السياسية١.
كما كانت لهم معبودات أخرى كالشمس، والأسد، وابن آوى، وغير ذلك من الحيوانات والآلهة الحرقاء٢.
وقد غاظ يوسف ﵇ ما شاهده من انحراف شنيع عن عقيدة التوحيد، فلما واتته الفرصة أثناء وجوده في السجن، صاح في
_________________
(١) ١ مقارنة الأديان لأبي زهرة ص: ٧، والأديان دراسة تاريخية مقارنة للدكتور رشدي عليان وسعدون الساموك ص: ٥٣-٥٤. ٢ تاريخ الدعوة لجمعة الخولي ١/٢١٩، عن مؤتمر تفسير سورة يوسف ٢/٧٨٣ ط أولى، سنة ١٩٦١م.
[ ١ / ٢١٥ ]
أولئك الناس قائلًا لهم: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّين ُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
يقول سيد قطب ﵀: " لقد رسم يوسف ﵇ بهذه الكلمات القليلة الناصعة، الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة، كما هزّ بها كلَّ قوائم الشرك هزًا شديدًا عنيفًا ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
إنه يتخذ منهما صاحبين، ويتحبب إليهما بهذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة، وجسم العقيدة، وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة، إنّما يعرضها قضية موضوعية:
﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟﴾ .
وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها، ويهزها هزًا شديدًا.
إن الفطرة تعرف لها إلهًا واحدًا، ففيم إذًا تعدد الأرباب؟ إنَّ الذي
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآيتان: ٣٩-٤٠.
[ ١ / ٢١٦ ]
يستحق أن يكون ربًا يعبد ويطاع أمره، ويتبع شرعه، هو الله الواحد القهار، ومتى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود، فيجب تبعًا لذلك أنْ يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس، وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون الله ربًا.
إنّ الرب لا بدّ أنْ يكون إلهًا يملك أمر هذا الكون ويسيره، ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله ربًا للناس يقهرهم بحكمه.
والله الواحد القهار، خير من يدين الناس لربوبيته، من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلية العمياء، عن رؤية ما وراء المنظور القريب، كالشأن في كل الأرباب إلاّ الله.
وما شقيت البشرية قط، مثل شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم"١ ا.؟.
والذي لا شك فيه أن يوسف ﵇، قد عاش بين قومه الوثنيين يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويبلغهم رسالة ربه، وينصح لله تعالى ما استطاع، لكنه لم يتمكن من أن يحقق بينهم كلّ ما يرجوه من دعوته، وظل قومه في شك مما جاء به، كما أشار إلى ذلك مؤمن آل
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٤/٧٢٣-٧٢٤ بتصرف.
[ ١ / ٢١٧ ]
فرعون في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة غافر الآية: ٣٤.
[ ١ / ٢١٨ ]
٧- الشرك في قوم شعيب ﵇ ومنهجه في محاربته.
وفي عهد شعيب ﵇، ظهر في مدين١ قوم يعبدون الأيكة.
قال ابن كثير:" وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي الشجرة من الأيك، حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيما يأخذون بالزائد، ويدفعون بالناقص، فبعث الله فيهم رجلًا منهم، وهو رسول الله شعيب ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم، وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم، وكفر أكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد "٢.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ
_________________
(١) ١ مدين: مدينة على بحر القلزم (البحر الأحمر) محاذية لتبوك، على نحو من ست مراحل، وبها البئر التي استقى منها موسى ﵇، لسائمة شعيب، وقيل مدين اسم القبيلة، ولهذا قال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) . معجم البلدان للحموي ٥/٧٧-٧٨. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ١/١٨٥.
[ ١ / ٢١٩ ]
إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
فأنكر قومه دعوته، ولم يؤمنوا بما جاء به من عند الله تعالى، واستهزؤا به، ولم يرتدعوا عما يفعلونه، وقالوا له على سبيل السخرية والاستهزاء: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٢.
و﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ٣.
وكانت النتيجة أن أخذتهم رجفة شديدة، وزلزلة عظيمة أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وانتهى أمرهم وزالت آثارهم، ونجى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منه وإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٨٥. ٢ سورة هود الآية: ٨٧. ٣ سورة هود الآية: ٩١.
[ ١ / ٢٢٠ ]
شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٩٤-٩٥.
[ ١ / ٢٢١ ]
٨- الشرك في قوم موسى ﵇ ومنهجه في محاربته.
ولما كثر بنو إسرائيل في مصر، وتزايد عددهم وحكمهم فرعون ذلك الملك الطاغية، الذي ادعى الربوبية والألوهية معًا، وحكم قومه بالحديد والنار، وكان مما أوقعه بهم تفريقهم شيعًا وأحزابًا، وتسخيرهم في أشق الأعمال لإنهاك قواهم، وكان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، كما قص الله تعالى ذلك في قوله ﷿: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
وقال لهم: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.
فبعث الله تعالى إليه وإلى قومه موسى وأخاه هارون ﵉، فدعواه باللين والحسنى إلى عبادة الله وحده، وترك التجبر والتكبر في
_________________
(١) ١ سورة القصص الآية: ٤. ٢ سورة القصص الآية: ٣٨.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الأرض، قال تعالى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ١.
وقد أنزل الله تعالى على موسى ﵇ التوارة، وهي كتاب سماوي، فيه هدى ونور، وضياء وذكر، وتمام على الذي أحسن، وتفصيل لكل شيء.
وأمر الله بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسنها، وأن يقيموا أحكامها، وأن لا يشتروا بها ثمنًا قليلًا، وأن لا يحرفوا كلمها عن مواضعه كما جاءت التوراة بتفاصيل العبادة التي لا تنبغي إلاّ لله تعالى، وحذرت من الشرك وغوائل الوثنية.
فقد جاء في سفر الخروج:" أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورة مما في السماء من فوق، ومما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ، لأني أنا الرب إلهك، إله غيور "٢.
وجاء في سفر الخروج أيضًا: "من ذبح لآلهة غير الرب وحده
_________________
(١) ١ سورة طه الآية: ٤٤. ٢ سفر الخروج الإصحاح العشرين فقرة ٣-٥، وانظر هذا المعنى في سفر الخروج أيضًا الإصحاح ٣٤ فقرة ١١-١٥، وسفر التثنية الإصحاح ٥ فقرة ٦-٢٢.
[ ١ / ٢٢٣ ]
يهلك"١.
وجاء في سفر اللاويين: "لا تلتفتوا إلى الأوثان، وآلهة مسبوكة، ولا تصنعوا لأنفسكم"٢.
وقد أشار القرآن الكريم إلى دعوة بني إسرائيل إلى التوحيد، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ٤.
وقد استكبر فروعون وطغى، وتجبر واستخفّ قومه واستجلبهم، فأطاعوه لما دعاهم إليه من الكفر والضلال، قال تعالى عنه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ
_________________
(١) ١ سفر الخروج الإصحاح ٢٢ فقرة: ٢٠. ٢ سفر اللاويين الإصحاح ١٩ فقرة: ٥. ٣ سورة البقرة الآية: ٨٣. ٤ سورة المائدة الآية: ١٢.
[ ١ / ٢٢٤ ]
تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ١.
وكان مصير فرعون وأتباعه أن أغرقهم الله تعالى في البحر، وأنجى الله تعالى موسى وهارون، ومن آمن معهما من بني إسرائيل، فكان ذلك آية وعبرة للناس إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآيات: ٥١-٥٤. ٢ سورة يونس الآيات: ٩٠-٩٢. ٣ سورة الشعراء الآيات: ٦٥-٦٨.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ولم يهمل القرآن الكريم الحديث عن مصير فرعون وقومه في الدار الآخرة، وما أعده الله لهم من العذاب، وسوء المصير، قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ١.
وعلى الرغم مما لقي موسى ﵇ في سبيل دعوة بني إسرائيل إلى عبادة الله تعالى وحده من الأهوال والمعاناة، وما أيده الله به من المعجزات العظيمة الدالة على قدرة وعظمة الخالق، جلت قدرته، إلا أن رواسب الوثنية التي ألفها قومه طوال عهدهم في مصر، بقيت تعاودهم من حين إلى آخر.
ومن مظاهر ذلك أنهم عندما جاوزوا البحر الذي أغرق الله عدوهم به، مروا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى ﵇ أن يتخذ لهم صنمًا يعبدونه مثل ما لأولئك الوثنيين، وقد لامهم موسى ﵇، وعاتبهم على جهلهم، وبين لهم أنَّ دين أولئك القوم هالك وباطل، وأنّ أعمالهم خاسرة ومضمحلة لعبادتهم ما لا يستحق العبادة.
قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى
_________________
(١) ١ سورة غافر الآيات: ٤٥-٤٧.
[ ١ / ٢٢٦ ]
أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وعندما ذهب موسى ﵇ لمناجاة ربه، استغل السامري فرصة غيابه، وأخذ من بعض حلي النساء وأذابها بالنار، وسبك منها جسدًا على شكل عجل، إذا دخلته الريح تجعل له صوتًا كصوت البقر، وأمرهم بعبادته، وقد تصدى لهم هارون ﵇، وأفهمهم بأنهم فتنوا بهذا العمل، وأجهد نفسه ﵇ في ردهم عن عبادة العجل، ولكنه لم يفلح؛ لإصرارهم على عبادته حتى يرجع إليهم موسى.
فلما أخبر الله ﵎ رسوله موسى ﵇ بما فعله السامري، وما أضل به القوم عن دينهم، عاد موسى ﵇ وهو في أشد حالات الغضب والأسف، ولام قومه على فعلهم، كما لام أخاه هارون ﵇ على عدم لحوقه به لإخباره بما حدث، كما توجه باللوم الشديد للسامري على تسببه في إضلال الناس، وبين له بوحي من الله تعالى أن عاقبته في الحياة أن يقول: "لا مساس"، فكان يتألم من مس أي إنسان له، فإذا لقي إنسانًا وخشي أن يمسه يقوله له: "لا مساس".
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيات: ١٣٨-١٤٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ثم ذهب موسى نحو العجل المصنوع، وأحرقه وأذراه في البحر.
قص الله ﵎ لنا ذلك في الآيات التالية:
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا
[ ١ / ٢٢٨ ]
لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ١.
كما بين موسى ﵇ لقومه بوحي من الله تعالى أن توبتهم تكون بقتل أنفسهم، وكبت شهواتهم وتطهيرها من الشرك والآثام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
ويعلق الشيخ العدوي على تأصل الوثنية في بني إسرائيل على الرغم من دعوة موسى ﵇ لهم الأيام والليالي الطويلة، فيقول: " فهذا نبي الله موسى يمضي الأيام في دعوة القوم إلى توحيد الله تعالى، ويدأب على محاربة الشرك والوثنية أيامًا وليالي، ثم يترك أخاه هارون ﵇، فيطمع القوم في حلمه ولين جانبه، فينتهز السامري تلك الفرصة، ويضل القوم بعمل عجل من حلي الذهب والفضة على نحو خاص، بحيث إذا مرّ الهواء منه صوت كصوت العجل، واستغل سذاجة بني إسرائيل وجهلهم
_________________
(١) ١ سورة طه الآيات: ٨٥-٩٧. ٢ سورة البقرة الآية: ٥٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
بحقيقة تلك الصنعة، ويريهم أن ذلك هو الذي ينبغي أن يعبد، فيعود نبي الله موسى، فيحزن على ذلك العمل الحزن العميق، ويأسف غاية الأسف على إضاعة مجهوده بسبب ضعف قومه، واستعدادهم لكل أنواع التحريف"١.
هذا وسيأتي معنا بعض الإيضاح عن مظاهر التحريف للديانة اليهودية بعد موسى ﵇، في الكلام عن حالة العقائد قبيل البعثة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
_________________
(١) ١ دعوة الرسل إلى الله تعالى ص: ٢٢.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٩- الشرك في قوم عيسى ﵇ ومنهجه في محاربته.
وتتابعت بعثة الرسل والأنبياء على بني إسرائيل على مرّ العصور والأزمان، لانتشالهم من الضلال والجهل وطغيان المادة، ولكن بني إسرائيل لم يقابلوا تلك النعمة بالشكر والامتنان، وإنما قابلوها بالجحود والكفر، وتمردوا على الشرائع الربانية التي جاء بها أنبياؤهم، واستمروا على الشرك وعبادة الأوثان، حتى قبيل ظهور المسيح ﵇ ظهر من الآلهة المقدسة في الإغريق والرومان والفرس والشام ومصر وبابل وغيرها الأعداد الكثيرة.
يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه المسيحية: " قبل ظهور المسيح، كانت هناك معابد كثيرة تقدس عددًا كبيرًا من الآلهة، فهناك مثلًا آيلو الذي كان يقدسه الإغريق، وهيركوليس معبود الرومان، ومترا معبود الفرس، وأدونيس معبود السوريين، وأوزيريس وإيزيس وحورس معبودات المصريين، وبعل معبود البابليين، وسواهم كثيرون.
وكانت هذه الآلهة تعتبر كلها من نسل الشمس "١.
فجاء عبد الله ورسوله عيسى بن مريم ﵇ إلى بني إسرائيل، ليردهم إلى الطريق الحق، ويصحح لهم ما دخل على شريعتهم من تحريف
_________________
(١) ١ المسيحية، لأحمد شلبي ص: ١٧٦-١٧٧.
[ ١ / ٢٣١ ]
وتبديل، ويبلغهم ما أنزل الله عليه من شريعة جديدة، وما فيها من تحليل بعض ما حُرِّم عليهم في شريعة موسى ﵇ بسبب بغيهم وعدوانهم، قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ١.
وأنزل الله تعالى عليه الإنجيل، فيه الهدى والنور، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وفيه البشارة بمحمد ﷺ النبي الخاتم، وصاحب الشريعة العامة لكافة الخلق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣.
ودعا قومه إلى عبادة الله تعالى وتوحيده.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ٥٠. ٢ سورة المائدة الآية: ٤٦. ٣ سورة الصف الآية: ٦.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
وعلى هذا الأساس، أخذ عيسى ﵇ يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى، ويقارعهم الحجة، ويرفض أي إدعاء أو زيادة ترفع شخصه عن جنس البشرية، أو مقام النبوة.
وهكذا جاء عيسى ﵇ بكلمة التوحيد خالصة لله تعالى، في وضوح وجلاء، ولم يقل مرة واحدة إنه إله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أي صله بربه، غير صلة العبودية الخالصة من جانبه، والربوبية المطلقة لله رب العالمين.
ومن هذا يتبين لنا أن عيسى ﵇ لو جرِّد من كل ما أضافه
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٧٢. ٢ سورة الزخرف الآية: ٦٣-٦٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]
إليه المحرفون الضالون، لكان كما وصفه رب العزة والجلال في كتابه الكريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ١.
ولما كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى ﵇ قساة القلوب، فقد أعرضوا عن رسالته، وأخذوا يصدون الناس من سماع دعوته، ولما وجدوا أنَّ البعض يؤمن به ويلتف حول دعوته، أخذوا يحرضون الرومان عليه، ويوهمونهم أنّ في دعوة عيسى زوالًا لملك قيصر، وتقويضًا لسلطانه، فتمكنوا من حمل الحاكم الروماني على إصدار الأمر بالقبض عليه، والحكم بإعدامه صلبًا٢.
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات: ٣٠-٣٦. ٢ قصص الأنبياء للنجار ص: ٥٠٤، ومع الأنبياء في القرآن الكريم لعفيف طبارة ص: ٣٢٦.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ولكن الله تعالى لم يمكنهم مما أرادوا به من كيد ومكر، إذ رفعه الله تعالى إليه، وألقى الشبه على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٢.
وسنلقي شيئًا من الضوء على ما حصل للديانة النصرانية من تحريف وتبديل بعد رفع المسيح ﵇، في الحديث عن حالة العقائد قبيل بعثة محمد ﷺ.
هذا ولأنّ رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات، ولكونها عامة إلى جميع الناس، في كل زمان ومكان، أود أن أعطي فكرة عن حالة العقائد في العالم، قبيل بعثة محمد ﷺ في الجزيرة العربية، وفي خارجها، لنرى كيف أنَّ العالم بأسره كان في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة تنير له الطريق، وتكفل له أمنه واستقراره.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآيتان: ١٥٧-١٥٨. ٢ سورة آل عمران الآية: ٥٥.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الفصل الرابع: حالة العقائد قبيل البعثة المحمدية
أولًا: حالة العقائد داخل الجزيرة العربية.
أ-الحالة الدينية للعرب قبل الإسلام:
العرب كانوا على التوحيد:
كان العرب على دين إبراهيم وإسماعيل، وعلى دين من بعثه الله تعالى فيهم من أنبياء لعاد ولثمود ولمدين وغيرهم.
فقد بعث الله تعالى هودًا ﵇ لعاد، الذين سكنوا الأحقاف جنوب الربع الخالي وشمال حضرموت، وبعث صالحًا ﵇ لثمود الذين سكنوا بالحجر ووادي القرى بين المدينة النبوية وتبوك.
وأبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وإن كان ولد ببابل، إلاّ أنه لم يستقر بها، بل أخذ يتنقل بينها وبين حران ومصروفلسطين، ثم كان مهاجره إلى مكة ومعه ولده إسماعيل وأمه هاجر، وقد استقرّ المقام بإسماعيل وأمه بمكة، ورفع إبراهيم وابنه إسماعيل بمكة قواعد البيت الحرام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيتان: ١٢٧-١٢٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وكانت على مقربة من الجزيرة العربية رسالة لوط، ورسالة شعيب ﵉.
ولهذا فإنَّ العرب في الجزيرة العربية كانوا يؤمنون بدعوة التوحيد التي دعا إليها هؤلاء الأنبياء وغيرهم، لأنَّ الصحيح المقطوع به، أنّ الرسل المذكورين في القرآن الكريم ليسوا كل الرسل الذين بعثهم الله تعالى، بل إنه يوجد رسل غيرهم، كما قال تعالى لخاتم رسله بعد أن ذكر عددًا من الرسل: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢.
تحول العرب من التوحيد إلى الوثنية:
وعن تحول العرب عن عبادة الله تعالى إلى الوثنية، قال أبو المنذر الكلبي: "إن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة، وولد له بها أولاد كثيرون، حتى ملاءوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد إلتماسًا للمعاش، وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة، إنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ١٦٤. ٢ سورة فاطر الآية: ٢٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم وصبابة١ بمكة، فحيثما حلوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم، وصبابة بالحرم، وحبًا له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉، ثم سلخ ذلك بهم إلى أنْ عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا (استخرجوا) ما كان يعبد قوم نوح ﵇ منها، على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت، والطواف به، والحج، والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه"٢.
وقد كانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك" فيوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده، يقول تعالى لنبيه محمد صلى
_________________
(١) ١ الصبابة: رقة الشوق وحرارته. مختار الصحاح ص: ٣٥٤. ٢ الأصنام ص: ٦، وأخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي ١/١٦٦، وسيرة ابن هشام ١/١٧٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١٠، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ٥٥-٥٦.
[ ١ / ٢٤١ ]
الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ١.
أي ما يوحدونني لمعرفة حقي، إلاّ جعلوا معي شريكًا من خلقي٢.
وذكر السهيلي وغيره: "أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي، وأن إبليس تبدى له في صورة شيخ، فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه، ويقول كما يقول، واتبعه العرب في ذلك"٣.
وقد ذكر ابن الكلبي: "أنَّ أولّ من غير دين إسماعيل ﵇ فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم"٤.
وذكر السهيلي: "أن العرب قد جعلته ربًا لا يبتدع لهم بدعة، إلاّ
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآية: ١٠٦. ٢ الأصنام للكلبي ص: ٧، وسيرة ابن هشام ١/٧٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨، والفتاوى لابن تيمية ١/١٥٦، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١٠-٢١١. ٣ الروض الأنف ١/١٠٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨. ٤ الأصنام للكلبي ص: ٨، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٥٦، وبلوغ المرام للألوسي ٢/٢٠٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس، ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة ألاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة"١.
وقد نص الشهرستاني أن عمرو بن لحي وضع الأصنام في البيت في أول ملك "سابور" ذي الأكتاف٢".٣
وعن جلب الأصنام من الشام إلى مكة، يروي ابن الكلبي أنّ عمرو بن لحي مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إنَّ بالبلقاء من الشام حمة، إنْ أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة"٤.
وهناك رواية أخرى تذكر أنّ أول من اتخذ تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم من الناس هو: هذيل بن مدركة٥.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/١٠٢، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١١. ٢ هو: سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام، أحد ملوك الفرس، قتله الروم وله من العمر ٧٢ سنة، وهلك في أيامه عامله على العرب امرؤ القيس بن عمرو بن عدي. انظر: الكامل لابن الأثير ١/٢٢٨-٢٣١، ومروج الذهب للمسعودي ١/٢٥٤. ٣ الملل والنحل ٢/٢٣٣. ٤ الأصنام ص: ٨، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٥٦، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١١، وبلوغ الإرب للألوسي ٢/٢٠١. ٥ الأصنام لابن الكلبي ص: ٩، ومعجم البلدان للحموي ٣/٢٧٦، وبلوغ الإرب للألوسي ٢/٢٠.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وعلى كل فالرواية الأولى هي المعروفة والمشهورة بين الإخباريين عن منشأ عبادة الأصنام عند العرب١.
والحق إنه إذا كان للدعوة الإلهية أنبياء ودعاة يدعون الناس إلى الخير، وإلى عبادة الله تعالى وحده، فكذلك فإن للدعوات الشيطانية دعاة يدعون إلى أبواب جهنم، وإلى عبادة الأوهام والطواغيت، ومن أكبر دعاة الضلال عمرو بن لحي الخزاعي، حيث استورد الأصنام من بلاد بعيدة، ووزعها في الجزيرة العربية، بل في أرض الحرم.
فإنَّ العرب جميعًا من قحطان وعدنان كانوا قبل عمرو بن لحي على التوحيد يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئًا، فلما جاء عمرو بن لحي أفسدهم، ونشر بينهم الأضاليل بما جلبه لهم من بلاد الشام من أصنام، فكان داعي الوثنية عند العرب، ومضلهم الأول، وموزع الأصنام بين القبائل، ومقسمها عليها، فكان من دعوته تلك عبادة الأصنام والأوثان، إلى أن جاء الإسلام، فأعاد العرب إلى سواء السبيل.
وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت عمرو
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ٥/٧٣.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ابن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" ١.
وجاء في صحيح البخاري أيضًا، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، ورأيت عمرًا يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب" ٢.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق أبا بني كعب هؤلاء، يجر قصبه في النار" ٣.
وروى ابن كثير عن ابن إسحاق عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجوزي الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك له، ولا بك منه"، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٢٨٣ كتاب التفسير، المائدة، باب ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٢٨٣ المرجع السابق. ٣ صحيح مسلم ٤/٢١٩١ كتاب الجنة وصفة نعيمها رقم: ٥٠.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وحمى الحامي" ١.
بعض أصنام العرب:
وفي طليعة الأصنام التي عبدها العرب:
الصنم "ود" وكان لبني كلب.. وكان منصوبًا بدومة الجندل٢.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي قد دفع هذا الصنم إلى عوف ابن عذرة ابن زيد اللات.. من قضاعة بعد أن أجابه إلى عبادة الأصنام، وأن عوف بن عذرة هذا حمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به،.. ثم سمت العرب به بعد ذلك، وجعل عوف ابنه عامرًا سادنًا له، فلم تزل بنوه يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام، وكان الرسول ﷺ بعث خالد بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود، وبنو عامر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٢/١٨٩، وقال: ليس في الكتب من هذا الوجه. ورواه ابن جرير الطبري في التفسير بنحوه ٧/٨٦. وانظر السهيلي في الروض الأنف ١/١٠٠، ابن إسحاق بإسناد حسن. انظر سيرة ابن هشام ١/٧٦، وانظر السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية د. مهدي رزق الله ص: ٦٨. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٠. وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩٠، ومعجم البلدان للحموي ٥/٣٦٨، وسيرة ابن هشام ١/٧٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
الأجداد، فقاتلهم حتى قتلهم، فهدمه وكسره١.
وكان "سواع" لبني هذيل بن إلياس بن مدركة بن مضر، وكان منصوبًا بمكان يقال له رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر٢.
قال رجل من العرب:
تراهم حول قبلتهم عكوفًا كما عكفت هذيل على سواع٣
وقد هدم هذا الصنم عمرو بن العاص رضي الله عنه٤.
وكان "يغوث" لبني أنعم من طيء، ولأهل جرش بن مذحج، وكان منصوبًا بجرش٥.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي دفع بهذا الصنم إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة مذحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها
_________________
(١) ١ الأصنام ص: ٥٥-٥٦، وانظر: معجم البلدان للحموي ٥/٣٦٨. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ٥٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١، وسيرة ابن هشام ١/٧٨. ٣ بلوغ الإرب للألوسي ٢/٢٠١. ٤ انظر: معجم البلدان للحموي ٣/٢٧٦، والطبقات لابن سعد ٢/١٤٦معلقًا، ولسان العرب لابن منظور ١٠/٢٤. ٥ الأصنام لابن الكلبي ص: ٥٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١، وسيرة ابن هشام ١/٧٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
من أهل جرش١.
وكان "يعوق" منصوبًا بأرض همدان من اليمن، لبني خيوان بطن من همدان٢.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي وضع بهذا الصنم إلى مالك بن مرثد بن جشم، وقد عبدته همدان وخولان ومن والاهما من قبائل، وكان في أرب، قال مالك بن نمط الهمداني:
يريش الله في الدنيا ويبري ولا يبري يعوق ولا يريش٣
وكان "نسر" منصوبًا بأرض حمير، لقبيلة يقال لها ذو الكلاع، وقد أعطاه عمرو بن لحي قيل: لذي رعين، يقال له: معد يكرب، فوضعه في موضغ "بلخ" من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام ذي نواس، حيث تهودت معه، وتركت عبادته، فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٣٠، ٧٥، واللسان لابن منظور ٢/١٧٥، ومعجم البلدان ٥/٤٣٩، والروض الأنف للسهيلي ١/١٠٣، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠١. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١. ٣ الأصنام لابن الكلبي ص: ٥٧، والروض الأنف للسهيلي ١/١٠٣، واللسان لابن منظور ١٠/٢٨١، ومعجم البلدان للحموي ٥/٤٣٨، وسيرة ابن هشام ١/٧٩-٨٠، وبلوغ الارب للألوسي ٢/٢٠١.
[ ١ / ٢٤٨ ]
النبي ﷺ فأمر بهدمها١.
وهذه الأصنام الخمسة، قد كانت في قوم نوح ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا..﴾ ٢.
ثم انتقلت هذه الأصنام في العرب بعد، كما ذكر ابن عباس ﵄ ٣.
ويعد الصنم "مناة" أقدم الأصنام التي اتخذها العرب، وكان منصوبًا على ساحل البحر، بناحية المشلل بقديد، بين المدينة ومكة، وكانت العرب تعظمه، وتذبح حوله، وكان أشد الناس إعظامًا له الأوس والخزرج وغسان من الأزد، ومن دان بدينهم من أهل يثرب (المدينة) وأهل الشام٤.
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٥٧-٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١، واللسان لابن منظور ٥/٢٠٦، وسيرة ابن هشام ١/٨٠، ومعجم البلدان للحموي ٥/٢٨٤، وبلوغ الارب للألوسي ٢/٢٠١. ٢ سورة نوح الآية: ٢٢. ٣ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٣-١٤، ٤٣٨، وسيرة ابن هشام ١/٨٥، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٢٤، وتاج العروس لمحب الدين الحسيني ١٠/٣٥١، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/١١٢، وبلوغ الارب للألوسي ٢/٢٠٢. ٤ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٣-١٤، ٤٣٨، وسيرة ابن هشام ١/٨٥، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٢٤، وتاج العروس لمحب الدين الحسيني ١٠/٣٥١، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/١١٢، وبلوغ الارب للألوسي ٢/٢٠٢.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومناة هي التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ١.
وقد كان سدنة هذا الصنم يرتزقون باسمه، إلى أن خرج رسول الله ﷺ من المدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو عام الفتح، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس، بعث عليًا فهدمها، وأخذ ما كان لها، فأقبل به إلى النبي ﷺ، وكان فيما أخذ سيفان كان الحارث ابن شمر ملك غسان أهداهما لها، أحدهما اسمه (مخذم) والآخر (رسوب)، فوهبهما لعلي، فيقال: إنّ ذا الفقار سيف علي أحدهما، ويقال إنَّ عليًا وجدهما في "الغلس" صنم لطي، حين بعثه النبي ﷺ فهدمه٢.
ويقال إنَّ الذي هدمه أبو سفيان بن حرب٣.
وفي رواية للواقدي إن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ١٩. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٤-١٥، ومعجم البلدان للحموي ٥/٢٠٤، وبلوغ الارب للألوسي ٢/٢٠٢. ٣ البداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩٢.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأشهلي١.
وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بنو مُعَتِّبُ من ثقيف٢.
ويذكر أن رجلًا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا فيلت سويقهم، وكان ذا غنم، فسميت صخرة اللات فمات، فلما فقده الناس، قال عمرو: إنَّ ربكم كان اللات، فدخل في جوف الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات فاتخذها ثقيف طاغوتًا، وبنت لها بيتًا وجعلت لها سدنة وعظمته وطافت به، وقيل كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق٣.
وقد هدم اللات أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في جملة من هدم من الأصنام، وأحرق البيت، وقوضت حجابته بأمر الرسول ﷺ، وفي بعض الروايات، أنَّ المغيرة هدمها لوحده٤.
_________________
(١) ١ المغازي للواقدي ٢/٨٧٠، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٦ معلقًا. ٢ البداية والنهاية ٢/١٩٢. ٣ الأصنام ص: ١٦ وما بعدها، ومعجم البلدان ٥/٤، وأخبار مكة ١/١٢٦، وبلوغ الارب ٢/٢٠٣٤. ٤ الأصنام ص: ١٧، ومعجم البلدان ٥/٥، والبداية والنهاية ١/١٩٢، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٣٠٢.
[ ١ / ٢٥١ ]
وفي ذلك يقول شداد بن عارض الجشمي حين هدمت وحرقت، ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف نصركم من ليس ينتصر
إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بساحتكم يظعن وليس بها من أهلها بشر١
وكانت "العزى" لقريش وبني كنانة٢، وهي أحدث عهدًا من اللات ومنات، فقد سمّت العرب بهما قبل العزى، وقد سمى تميم بن مر ابنه زيد مناة، كما سمى ثعلبة بن عكابة تيم اللات، وكان عبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب، وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن أسعد٣، وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له: حراض عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، فوق ذات عرق بتسعة أميال، فبنى عليها بيتًا، وكانوا يسمعون فيها الصوت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانت قريش تطوف بالكعبة، وتقول: "واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى".
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٧. ٢ سيرة ابن هشام ١/٨٣، ٢/٤٣٦، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩٢، والطبقات لابن سعد ٢/١٤٧ معلقًا. ٣ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٧-١٨، ومعجم البلدان للحموي ٤/١١٦.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكانوا يقولون: "بنات الله" تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهن يشفعن إليه، فلما بعث الله رسوله أنزل عليه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ١.
وحمت لها قريش شعبًا من وادي حراض، يقال له: سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له: الغبغب، وكانت قريش تخصها بالإعظام، فلذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل، وكان قد تأله في الجاهلية، وترك عبادة الأصنام:
تركت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني غنم أزور
ولا هبلًا أزور وكان ربًا لنا في الدهر إذ حلمي صغير٢
وقد بلغ من حرص قريش على عبادتها، أنه لما مرض أبو أحيحة مرضه الذي مات فيه، دخل عليه أبو لهب يعوده، فوجده يبكي، فقال: ما
_________________
(١) ١ سورة النجم الآيات: ١٩-٢٣. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ١٨، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٢٦، ومعجم البلدان للحموي ٤/١١٦، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٣-٢٠٤.
[ ١ / ٢٥٣ ]
يبكيك يا أبا أحيحة، أمن الموت تبكي، ولا بدّ منه؟ قال: لا والله، ولكن أخاف أن لا تعبد العزى بعدي، قال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك، فقال أبو أحيحة: الآن علمت أنّ لي خليفة١.
وكان سدنة العزة بنو شيبان من بني سليم خلفاء بني هاشم، وكان آخر من سدنها دبيه بن حرمي السلمي، فلم تزل كذلك حتى بعث الله نبينا محمدًا ﷺ، فعاب الأصنام، ونهاهم عن عبادتها، ونزل القرآن فيها، فاشتد ذلك على قريش، فلما كان يوم الفتح، دعا النبي ﷺ خالد بن الوليد، فقال: انطلق إلى شجرة ببطن نخلة فاعضدها، فانطلق فقتل دبية.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد قال له: أئت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها فلما جاء إليه ﵊، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فاعضد الثانية، فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذ هو بخناسة، (بجيشة) نافشة شعرها، واضعة ثيابها على عاتقها، تصرف
_________________
(١) ١ الأصنام ص: ٢٣، ومعجم البلدان للحموي ٤/١١٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
بأنيابها. وخلفها دبيه السلمي، فلما نظر إلى خالد، قال:
أغراء شدي شدةً لا تكذبي
على خالد ألقي الخمار وشمري
فإنك إن الا تقتلي اليوم خالدًا
تبوئي بذل عاجل وتنصري
فقال خالد بن الوليد ﵁:
يا عز كفرانك لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حمحمة، ثم عضد الشجرة، وقتل دبية، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد اليوم" ١.
قال أبو المنذر: "ولم تكن قريش ومن بمكة يعظمون شيئًا من الأصنام أعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة، فأما العزى فكانت تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف تخص اللات، وكانت الأوس والخزرج تخص مناة، وكلهم كان معظمًا لها، أي: (العزى) "٢.
وكانت لقريش في جوف الكعبة وحولها أصنام عديدة، يقول ابن الكلبي: "وكان أعظمها عندهم "هبل" وكان فيما بلغني من عقيق أحمر، على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلوا له يدًا
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٢٢- ٢٦، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٢٧-١٢٨، ومعجم البلدان للحموي ٤/١١٧. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ٢٧.
[ ١ / ٢٥٥ ]
من ذهب.
وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة وكان يقال له هبل خزيمة، وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: صريح، والآخر ملصق، فإذا شكوا في مولود أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن خرج ملصق دفعوه، وقدح على الميت، وقدح على النكاح فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرًا أو عملًا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله"١.
وفي معركة أحد علا صوت أبي سفيان "أعل هبل"٢.
ويذكر ابن هشام: أن الصنم هبل كان أول صنم جاء به عمرو بن لحي من مآب بأرض البلقاء٣.
بينما يذكر السهيلي بأن عمرو بن لحي استورد هذا الصنم من هبت، وهي من أرض الجزيرة بالعراق٤.
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٢٨، وأخبار مكة للأزرقي ١/١١٨-١١٩، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٥. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ٢٨، وسيرة ابن هشام ٢/٩٣. ٣ سيرة ابن هشام ١/٧٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨. ٤ الروض الأنف ١/١٠٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وكان لكفار قريش "إساف ونائلة"، على موضع زمزم، ينحرون ويذبحون عندهما تجاه الكعبة، وهما في الأصل كما يذكر ابن الكلبي وابن إسحاق: رجل وامرأة من جرهم، فجرا في الكعبة، أو أحدثا فيها فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها، وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر١.
وفي رواية أنهما أخرجا إلى الصفا والمروة، فنصبا عليهما ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهم إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتى عُبِدا من دون الله٢.
ويذكر أن الطائف إذا طاف بالبيت كان يبدأ بإساف، ويستلمه، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكان ذلك.. حتى كسرهما رسول الله ﷺ مع الأصنام يوم فتح مكة٣.
وأما صنم "ذي الخلصة" فكان صنم خثعم، وبجيلة، وباهلة، ودوس، وأزد السراة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، قال رجل منهم:
_________________
(١) ١ الأصنام ص: ٢٩، وأخبار مكة ١/١١٩، وسيرة ابن هشام ١/٨٢، والبداية والنهاية ٢/١٩١، وبلوغ الأرب ٢/٢٠٥-٢٠٦. ٢ الروض الأنف ١/١٠٥، وأخبار مكة ١/١٢٠، والبداية والنهاية ٢/١٨٥، ١٩١. ٣ أخبار مكة ١/١٢٠، وبلوغ الأرب ٢/٢٠٦.
[ ١ / ٢٥٧ ]
لو كنت يا ذا الخَلَص الموتورا
مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنده بالأزلام، فخرج السهم بنهيه عن ذلك، فقال هذه الأبيات، ومن الناس من ينحلها امْرأ القيس بن حجر الكندي١.
وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة٢.
وكانت لهذا الصنم ثلاثة أقداح: الآمر، والناهي، والمتربّص، وكان الناس يأتون إليه للاستقسام٣.
وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب ذا الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام٤.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٨/٧٠ حديث: ٤٣٥٥-٤٣٥٧. وصحيح مسلم ٤/١٩٢٥، حديث: ٢٤٧٦. وانظر: الأصنام ص: ٣٥، والروض الأنف ١/١٠٨، وسيرة ابن هشام ١/٨٦، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٧. ٢ الأصنام ص: ٣٤، وبلوغ الأرب ٢/٢٠٧. ٣ الأصنام ص: ٤٧. ٤ أخبار مكة ١/١٢٤.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقد هدم بنيان ذي الخلصة في الإسلام، وأضرم فيه النار فاحترق، هدمه جرير بن عبد الله البجلي، بأمر الرسول ﷺ، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة١.
وهناك صنم يقال له: "سعد" لمالك وملكان ابني كنانة، وكان صخرة طويلة بفلاة، على ساحل جدة٢، وقيل إنه قرب اليمامة٣.
وقد أورد عنه الإخباريون القصة التالية: "أقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته، فيما يزعم، فلما رأته الإبل، وكانت مرعية لا تركب، وكان يهراق عليه الدماء، نفرت منه، فذهبت في كل فج، فغضب ربها وأخذ حجرًا فرماه به، وقال: "لا بارك الله فيك، نفرت عليّ إبلي" ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
_________________
(١) ١ قصة تكسير ذي الخلصة في صحيح البخاري مع الفتح ٨/٧٠ كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة، الأحاديث: ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧. وانظر: دلائل النبوة للبيهقي ٥/٣٩٦-٣٩٧، والأصنام لابن الكلبي ص: ٣٦، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٧-٢٠٨، وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٥/١٠٦. ٢ الأصنام ص: ٣٦. ٣ تاج العروس لمحب الدين الحسيني ٢/٣٧٨.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة١ من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد٢
وكان لدوس ثم لبني منهب بن دوس صنم يقال له: "ذو الكفين"، فلما أسلموا، بعث النبي ﷺ الطفيل بن عمرو الدوسي، فحرقه وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا٣
وأما "ذو الشرى" فهو صنم معروف بين العرب الشماليين، ذكر ابن الكلبي أنه كان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد٤.
وأما "الأقيصر"، فكان صنم قضاعة ولخم وجذام وعاملة، وغطفان، وكان في مشارف الشام، وأنشد ابن الأعرابي:
_________________
(١) ١ الأصنام ص: ٣٧، وسيرة ابن هشام ١/٨١، والروض الأنف ١/١٠٤-١٠٥، والبداية والنهاية ٢/١٩١، ومعجم البلدان ٣/٢٢١، وبلوغ الأرب ٢/٢٠٨. ٢ التنوفة القفر من الأرض، وهي المفازة، وقيل: التي لا ماء بها ولا أنيس وإن كانت معشبة. لسان العرب ٩/١٨. ٣ الأصنام لابن الكلبي ص: ٣٧، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٣١، والطبقات لابن سعد ٢/١٥٧ معلقًا، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٩، والواقدي ٣/٩٩٢-٩٢٣. ٤ الأصنام ص: ٣٨، وبلوغ الأرب ٢/٢٠٩، وتاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ٥/١٠٩.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأنصاب الأقيصر حين أضحت تسيل على مناكبها الدماء١
وكان لمزينة صنم يقال له: "نهم"، وكان سادنه يسمى خزاعي بن عبد نهم، فلما سمع بالنبي ﷺ ثار على الصنم فكسره وأنشأ يقول:
ذهبت إلى نهم لأذبح عنده عتيرة نسك كالذي كنت أفعل
فقلت لنفسي حين راجعت عقلها أهذا إله أبكم ليس يعقل؟
أبيت فديني اليوم دين محمد
إله السماء الماجد المتفضل٢
وأما "سعير"، فهو صنم عنزه، وكان الناس يطوفون حوله، ويعترون العتائر له، فخرج جعفر بن خلاس الكلبي على ناقته فمرت به وقد عترت عتيرته عنده، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول:
نفرت قلوصى من عتائر صرعت حول السعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابة ما إن يجير إليهم بتكلم٣
وعميانس "عم أنس"، هو صنم لخولان في أرضهم، وكانوا يقسمون له من أنعامهم وحروثهم، قسما بينه وبين الله فيما يزعمون، فما
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٣٨، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٠٩. ٢ الأصنام ص: ٣٩-٤٠، وبلوغ الأرب ٢/٢١٠. ٣ معجم البلدان للحموي ٣/٢٢٢، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢١٠.
[ ١ / ٢٦١ ]
دخل في حق عميانس "عم أنس" من حق الله الذي قسموه له، تركوه له، وما دخل في حق الله من حق الصنم، ردوه عليه، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وكان لطي صنم يقال له: "الفلس" وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجا، أسود كأنه تمثال إنسان، وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه ويعترون عنده عتائرهم، وكانت سدنته بنو بولان، وبولان هو الذي بدأ بعبادته ، ولم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي ﷺ فبعث إليه علي بن أبي طالب ﵁ فهدمه٢.
وقد كانت عبادة الأصنام في جزيرة العرب منتشرة انتشارًا واسعًا قبل الإسلام.
_________________
(١) ١ انظر الأصنام لابن الكلبي ص: ٤٣-٤٤، وسيرة ابن هشام ١/٨٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١، وبلوغ الأرب ٢/٢١١. والآية ١٣٧ من سورة الأنعام. ٢ الأصنام ص: ٥٩ وما بعدها، والروض الأنف ١/١٠٧، ومعجم البلدان للحموي ٤/٢٧٣، والواقدي ٣/٩٨٤، والطبقات لابن سعد ٢/٦٤، وسيرة ابن هشام ١/٨٧.
[ ١ / ٢٦٢ ]
يوضح ذلك قول ابن الكلبي: "كان لأهل كل دار من مكة صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر مايصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام الحرم، أو أمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث اثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر، فعل مثل ذلك"١ ا.؟.
ويذكر الأزرقي أنّ الرسول ﷺ حينما دخل يوم الفتح، وجد حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢، ﴿جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٣، كما رأى فيها صور الأنبياء ﵈، فأمر
_________________
(١) ١ الأصنام لابن الكلبي ص: ٣٣. وانظر: سيرة ابن هشام ١/٨٣، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٩١-١٩٢. ٢ سورة الإسراء الآية: ٨١. ٣ سورة سبأ الآية: ٤٩
[ ١ / ٢٦٣ ]
بها فطمست١ ا.؟
بعض معبودات العرب من غير الأصنام:
قد كانت الحياة العقدية قبل البعثة المحمدية اخلاطًا من الضلالات، وأمشاجًا من الأوهام والخرافات، فإلى جانب عبادة الأصنام والأوثان، كان للعرب نحل وديانات أخرى.
فمنهم من عبد الشمس، ومنهم قوم بلقيس ملكة سبأ باليمن، صاحبة القصة مع سليمان ﵇، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، في قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/١٢١، ١/١٦٥. وانظر: الكامل لابن الأثير ٢/١٧١ ذكر فتح مكة، وسيرة ابن هشام ٢/٤١٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
تُعْلِنُونَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
ويشير القرآن الكريم إلى عبادة المشركين الجاهليين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
قال الألوسي: "وطائفة أخرى اتخذت القمر صنمًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبادتهم أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل، أخذوا في الرقص والغناء، وأصوات المعازف بين يديه، ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه"٣.
_________________
(١) ١ سورة النمل الآيات: ٢٠-٢٦. ٢ سورة فصلت الآية: ٣٧. ٣ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢١٦.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومنهم الثنوية الذين اتخذوا إلهين اثنين، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
قال ابن الجوزي:" وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان:
ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخير واللذة، والسرور والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر، ولا من الشر، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح، وقبح المنظر، ونفسه نفس شريرة، بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد"٢ ا.؟
وصنف من العرب دهريون، وهم قوم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا الطبع المحيي، والدهر المفني، وهذا الصنف هم المشار إليه في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٥١. ٢ تلبيس إبليس ص: ٤٣-٤٤، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢٤٤.
[ ١ / ٢٦٦ ]
يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١.
وصنف منهم أقروا بالخالق، وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة٢، وهم الذين أخبر عنهم القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٣.
ومن العرب من يصبو إلى الصابئة، وهم من يعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن، ولا يسافر، ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء، ويقول مطرنا بنوء كذا ٤.
وصنف من العرب زنادقة، وهم طائفة من قريش، وقد أخذوها من الحيرة٥.
والزنديق بالكسر: الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب [زن دين] أي دين المرأة، والاسم الزندقة٦.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية الآية: ٢٤. ٢ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ٢/٢٣٥. ٣ سورة يس الآيتان: ٧٨-٧٩. ٤ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٢٣. ٥ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٢٨. ٦ القاموس المحيط للفيروزابادي ٣/٢٤٣.
[ ١ / ٢٦٧ ]
يقول الدكتور جواد علي: "ولا يستبعد أن يكون المراد بالزندقة التي أشار إليها الأخباريون المجوسية، فقد كان في الحيرة جماعة من الفرس هم مجوس، وقد كان لقريش وتجار مكة اتصال دائم بالحيرة لهم معها روابط وتجارات"١.
وبعض العرب جعل لله البنات، تعالى الله عن قولهم، قال الله عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ٢.
ومن العرب من عبد الجن، وقد قص الله تعالى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ
_________________
(١) ١ تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي ٥/٣٦٤ بتصرف. ٢ سورة النحل الآية: ٥٧. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٠٠. ٤ سورة سبأ الآية: ٤١.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١.
ومن العرب من عبد الملائكة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وأشتات من العرب عبدوا النار، وكأن ذلك سرى إليهم من الفرس
_________________
(١) ١ سورة الجن الآية: ٦. ٢ سورة آل عمران الآية: ٨٠. ٣ سورة الفرقان الآيتان: ١٧-١٨. ٤ سورة سبأ الآية: ٤١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والمجوس١، ومن هؤلاء قوم من تميم، ذكروا منهم زرارة بن عدي وابنه حاجب، ومنهم الأقرع بن حابس والأسود جد وكيع بن حسان٢.
الأديان السماوية في الجزيرة العربية قبيل البعثة:
كما عرفت الديانات السماوية طريقها إلى أرض الجزيرة العربية قبيل الإسلام.
وقد اختلف المؤرخون في سبب تسرب اليهود إلى الجزيرة العربية، وزمن وصولهم إليها بعد اتفاقهم على أن العنصر اليهودي عنصر دخيل على الجزيرة العربية، نازح إليها من بعيد، لا تربطه بسكان هذه الجزيرة أية رابطة من دين أو لغة أو دم٣.
وذكر المؤرخون عدة أسباب لتسرب اليهود إلى هذه الأرض، من أشهرها:
١- أن ذلك كان بعد أن قام بختنصر بالإستيلاء على القدس، حيث تفرقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم الحجاز بيثرب، ووادي القرى وغيرها، وهم بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل٤.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٣٣. ٢ بلوغ الأرب ٢/٢٣٥، وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٥/٣٦٤. ٣ انظر: غزوة بني قريظة لمحمد أحمد باشميل ص: ٣٥-٣٦. ٤ تاريخ الطبري ١/٣٨٣، وفاء الوفاء للمسهودي ١/١٦٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/٣٩.
[ ١ / ٢٧٠ ]
٢- أن ذلك كان إثر الحرب التي وقعت بين اليهود والرومان في سنة ٧٠ م، وكانت الغلبة فيها للرومان على اليهود، حيث قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وضربوا فلسطين، ودمروا هيكل بيت المقدس، عند ذلك تفرقت اليهود، وقصد كثير منهم بلاد العرب، فخرج بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل، هاربين إلى الحجاز، وسكنوا في يثرب١.
والرأي الأخير هو ما أميل إليه، بالإضافة إلى أن من أهم ما دعا اليهود إلى الإقامة في هذه المنطقة، أنَّ علماءهم يجدون صفة الرسول محمد ﷺ في التوراة، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل، بين حرتين، ولذلك خرجوا من الشام يعبرون كل قرية من القرى العربية بين الشام واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون ان يلقوا محمدًا فيتبعونه، وكان آباؤهم يحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم، فكفروا به، وهم يعرفونه، حسدًا للعرب٢.
هذا وقد اعتنق ملك اليمن الذي اسمه ذو نواس اليهودية، واعتنقها معه كثير من رعيته، وقد أخذ ذو نواس اليهودية من اليهود الذين هاجروا
_________________
(١) ١ معجم البلدان للحموي ٥/٨٤. ٢ انظر: وفاء الوفاء للمسهودي ١/١٦٠-١٦١، ومعجم البلدان للحموي ٥/٨٤.
[ ١ / ٢٧١ ]
إلى اليمن١.
وكانت اليهودية في حمير، بعد أن كان الغالب من المجوس وعبدة الشمس، ونحو ذلك ، وكانت اليهودية في كنانة وكندة وبني الحرث ابن كعب، ولعلها سرت إليهم من مجاورة اليهود في يثرب وخيبر، ونحو ذلك٢.
وأما النصرانية:
فقد دخلت بلاد العرب بسبب جهود أباطرة الدولة الرومانية الشرقية، في القرن الرابع الميلادي، ولما كانت العلاقات وثيقة بين العرب والبيزنطيين، فقد تأثر العرب بالمسيحية إلى حد ما فانتشرت في الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية، وشبه جزيرة سيناء الآهلة بالأديرة والصوامع ، وقد انقسمت النصرانية في ذلك الوقت إلى عدة فرق، تسرب منها إلى جزيرة العرب فرقتان:
فكانت النسطورية منتشرة في الحيرة.
واليعقوبية في غسان وسائر قبائل الشام.
وكان أهم موطن النصرانية في بلاد العرب نجران٣.
_________________
(١) ١ انظر: موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي ١/١٧٤. ٢ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٤٠. ٣ انظر: تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم ص: ٧٣، وموسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي ١/١٧٥.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة العرب المتنصرة: غسان، وتغلب، وتنوخ، ولخم، وجزام، وسليم، وعاملة١.
وقد وفد أهل نجران على الرسول ﷺ، وفيهم نزلت آية المباهلة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.
وثبت في الصحيحين عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران، إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٤١، وتاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي ٦/٢١٦. ٢ سورة آل عمران الآيات: ٥٩-٦١.
[ ١ / ٢٧٣ ]
هذا أمين هذه الأمة" ١.
على أن اليهودية والنصرانية لم تكونا عظيمتي الخطر، واسعتي الانتشار في الجزيرة العربية، فأما اليهودية فكانت دين الشعب المختار -على زعمهم-، وكان دخول العربي فيها لا يحقق المساواة مع اليهود من أبناء إسرائيل، ولذلك لم يقبل العرب أن يدخلوا دينًا يثبتهم في طبقة أسفل من طبقة دعاة ذلك الدين.
وأما النصرانية، فهي مملوءة بالتعقيدات التي لم يستسغها ذهن العربي، ومملوءة بالخلافات الحادة التي سببت الغموض للدين، وصرفت عنه من كان يمكن أن يتبعه من العرب٢.
الموحدون من العرب:
وذكر المفسرون وأهل الأخبار أفرادًا من العرب رفضوا عبادة الأصنام والأوثان، واعتقدوا بوجود الله تعالى وتوحيده، وقد عرف هؤلاء الأفراد بالحنفاء، ووصفوا بأنهم كانوا على دين إبراهيم ﵇، ولم يكونوا من اليهود ولا من النصارى.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/١٢٠ كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران. ومسلم ٤/١٨٨٢ كتاب فضائل الصحابة، فضل أبي عبيدة بن الجراح. وأحمد ١/٤١٤. ٢ انظر: موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي ١/١٧٥.
[ ١ / ٢٧٤ ]
ومن الرجال الذين أشتهر بأنهم كانوا من هؤلاء الجماعة:
قس بن ساعدة الإيادي.
زيد بن عمرو بن نفيل.
أمية بن أبي الصلت.
أرباب بن رئاب.
سويد بن عامر المصطلقي.
أسعد أبو كريب الحميري.
وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي.
عمير بن جندب الجهني.
عدي بن زيد العابدي.
أبو قيس صرمة بن أبي أنيس.
سيف بن ذي يزن.
ورقة بن نوفل القرشي.
عامر بن الظرب العدواني. وغيرهم١.
قال ابن هشام: "واجتمعت قريش يومًا في عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به،
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٤٤ وما بعدها، وتاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ٥/٣٧٠.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فخلص منهم أربعة وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف١ به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينًا، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم"٢.
ثم قال: " فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علمًا من أهل الكتاب.
وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيًا.
وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم، فتنصر وحسنت منزلته عنده، ومنحه لقب "البطريق" وأراد تنصيبه ملكًا على مكة، ولكن قومه أبوا عليه ذلك، فلم يتم له مراده، ومات بالشام
_________________
(١) ١ الطواف في اللغة: الدوران حول الشيء. انظر: لسان العرب لابن منظور ٩/٢٢٥، والقاموس المحيط للفيروزابادي ٣/١٧٠. ومعنى ذلك دورانهم حول الأصنام. ٢ سيرة ابن هشام ١/٢٢٢، والروض الأنف للسهيلي ١/٢٥٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
مسمومًا، سمّهُ عمرو بن حفنه الغساني.
وأما زيد بن عمرو بن نفيل، فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته"١.
ومن شعر زيد بن عمرو في فراق دين قومه٢:
أربًا واحدًا أما ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي ابن عمرو أزور
ولا هبلًا أدين وكان ربًا لنا في الدهر إذ حلمي يسير
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٢٢٣ وما بعدها، والروض الأنف للسهيلي ١/٢٥٥-٢٥٦. ٢ الأصنام لابن الكلبي ص: ٢٢، وسيرة ابن هشام ١/٢٢٦، والروض الأنف للسهيلي ١/٢٥٧، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/٢٤٩.
[ ١ / ٢٧٧ ]
إلى أن يقول:
ولكن أعبد الرحمن ربي
ليغفر ذنبي الرب الغفور
وذكر ابن هشام أن الخطاب بن نفيل كان يعاتب زيد بن عمرو على فراق دين قومه ووكل به شبابًا من شباب قريش وسفهائها، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة ثم خرج يطلب دين إبراهيم ﵇، ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله، ثم انتهى إلى راهب بميفعة (الأرض المرتفعة) في أرض البلقاء، وكان عالمًا بالنصرانية، فسأله زيد عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلب دينًا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه ١ فخرج سريعًا حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم، عدوا عليه فقتلوه"ا.؟
وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله
_________________
(١) ١ وكان الرهبان يعلمون ذلك عن طريق البشارات الموجودة في التوراة والإنجيل، وقد تحدثت عن هذا الموضوع في رسالتي الماجستير "منهج القرآن الكريم في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام".
[ ١ / ٢٧٨ ]
عنهما أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح١، قبل أن ينزل على النبي ﵇ الوحي، فقدّمت إلى النبي ﷺ سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إنكارًا لذلك وإعظامًا له٢.
ومن هنا نستطيع القول بأن من العرب من رفضوا عقائد قومهم الذين يعبدون من دون الله ما لا يضر ولا ينفع، وأن بعضهم قد طاف في البلاد يبحث عن العقيدة الصحيحة، والدين القيم.
وهؤلاء الجماعة لم يكونوا من اليهود، ولا من النصارى، وإنما عبدوا الله تعالى على ما فهموا من دين إبراهيم ﵇، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ
_________________
(١) ١ بلدح: مكان في طريق التنعيم، ويقال هو واد. انظر: فتح الباري لابن حجر ٧/١٤٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/١٢٤ كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.
[ ١ / ٢٧٩ ]
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
ب- الحالة الإجتماعية:
أما الحالة الإجتماعية، فقد كان الفرد جزءًا من قبيلته، يعيش لها ويدور في فلكها في كل أمر: خير أو شر، ويعبر عن ذلك قول دريد بن الصمة:
وهل أنا إلاّ من غزية أن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد٢
ومن قولهم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
ويقول شاعرهم:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووجدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا٣
وكثيرًا ما يتخذون من السلب والغارة، وسيلة من وسائل العيش، فيسلبون الأموال والنساء والأولاد، ثم تتربص القبيلة المغار عليها، فتفعل ما فعلت القبيلة المعتدية، بل إنَّ القبيلة تقاتل نفسها إذا لم تجد عدوًا من
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ٦٧. ٢ ديوان الحماسة لأبي تمام ١/٣٣٧. ٣ المرجع السابق ١/٥.
[ ١ / ٢٨٠ ]
غيرها، يمثل ذلك قول القطامي:
وأحيانًا على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلاّ أخانا١
وكان من عادات العرب في الجاهلية، أن الرجل يتزوج بزوجة أبيه إذا مات عنها، ويرثها إرث المال.
فقد ذكر العلماء أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا﴾ ٢.
أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت، خطب ابنه امرأته فاستأذنت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: "ارجعي إلى بيتك"، فنزلت الآية٣.
وعن صلة الرجل بالمرأة في الجاهلية، تروي لنا السيدة عائشة -﵂-: " أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: منها
_________________
(١) ١ فجر الإسلام لمحمد أمين ص: ٩. ٢ سورة النساء الآية: ٢٢. ٣ وقد تزوج أبو قيس هذا المذكور زوجة أبيه أم عبيد الله، وكانت تحت أبيه الأسلت، وتزوج الأسود بن خلف زوجة أبيه ابنة أبي طلحة، وتزوج عمرو بن أمية زوجة أبيه فولدت له أولادًا، وهذا كان كثيرًا شائعًا في العرب. انظر: تفسير الطبري ٤/٣١٨، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٦٦، وأضواء البيان للشنقيطي ١/٢٧٧.
[ ١ / ٢٨١ ]
نكاح الناس اليوم
والنكاح الآخر، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد
ونكاح آخر، يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهذا ابنك يا فلان: تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل
والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا القافة١، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه٢ ودعي ابنه لا يمتنع
_________________
(١) ١ القائف: هو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع القافة. انظر: لسان العرب ٩/٢٩٣، والنهاية لابن الأثير ٤/١٢١. ٢ إلتاطه أي: التصق به. انظر: لسان العرب ٧/٣٩٥، والنهاية ٤/٢٧٧.
[ ١ / ٢٨٢ ]
من ذلك"١.
والمجتمع العربي الجاهلي مجتمع طبقي، تفصل بين طبقاته حدودو واضحة، فكان فيه:
١- طبقة الأحرار: وهم أبناء القبيلة الصرحاء، الذين يجمع بينهم الدم الواحد، والنسب المشترك.
٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار، من غير أبنائها عن طريق الجواز، أو الحلف، أو العتقاء من الأرقاء فيها.
٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء أو أسرى الحرب، ولكل من هذه الطبقات واجب لا يتعداه، فرضه عليه نظام المجتمع الجاهلي٢.
ج- الحالة السياسية:
وإذا ذهبنا إلى الحالة السياسية، فإننا نجد أنَّ العرب كانوا جماعات غير منظمة، تعيش عيشة قبيلة، ويحكمها عرف القبيلة وسلطانها، وليس هناك حاكم له نواب ووزراء، وقادة وقضاة،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/١٨٢-١٨٣ كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلاّ بولي. ٢ انظر: مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ص: ٣١.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وجيش منظم كما هو معروف، ومع ذلك فهم قوم أحرار لا يملكهم أحد، يثأر المعتدي عليه لنفسه، وعلى قبيلته أن تقوم معه، وتشد أزره.
يقول ابن حزم: " وكانت العرب بلا خلاف، قومًا لقاحًا لا يملكهم أحد، كربيعة ومضر وأياد وقضاعة، أو ملوكًا في بلادهم يتوارثون الملك كابرًا عن كابر "١.
ويوضح المستشرق توماس.و. أرنولد المنهج السياسي عند العرب، فيقول:" لم يكن هناك إطلاقًا أي منهج منظم للإدارة أو القضاء، كالذي نعرفه عن فكرة الحكومة في العصر الحديث، وكانت كل قبيلة أو عشيرة تؤلف جماعة منفصلة مستقلة تمام الاستقلال، وينسحب هذا الاستقلال أيضًا على أفراد القبيلة فكل فرد منهم لا يعتبر زعامة شيخ القبيلة أو سلطته إلا رمزًا لفكرة عامة، شاءت الظروف أن يأخذ هو منها بنصيب، بل كان له مطلق الحرية في أن يرفض ما اجتمع عليه رأي الأغلبية من أبناء قبيلته، وأبعد من هذا أنه لم يكن هناك نظام لنقل سلطة الرئيس، إذ كان يختار لها –غالبًا- أكبر أفراد القبيلة سنًا، وأكثرهم مالًا، وأعظمهم
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢/٨٤.
[ ١ / ٢٨٤ ]
نفوذًا، وأجدرهم بكسب الاحترام الشخصي، وإذا ما تضخمت قبيلته تشعبت فروعًا كثيرة، يتمتع كل منها بحياة منفصلة ووجود مستقل، ولا تتحد إلاّ في ظروف غير عادية اشتراكًا في الدفاع عن القبيلة، أو قيامًا بغارات بالغة الخطورة"١ ا.؟.
ولكن الحرية التي يتحدث عنها أرنولد ليست مطلقة، فإن العربي كان حرًا في أن يرفض ما اجتمع عليه أبناء قبيلته، أو أن يأخذ به، لكن هذا الرفض، يعرض صاحبه إلى الطرد والإبعاد، وحينئذ لا يجد له طريقًا سوى الالتجاء إلى قبيلة أخرى، ويصبح مولى من مواليها، أو يعمد إلى الصحراء ليتخذ من السلب والنهب وسيلة للحياة.
وكانت العرب قبل الإسلام طوائف متنازعة، وقبائل متباغضة، ونحلًا متحاسدة: "لذلك كانت الجزيرة دائمة الحروب والمنازعات، قلما يخلو منها زمان أو مكان، وإذا رجعت إلى أسبابها المباشرة، وجدتها في بعض الأحيان تافهة، كما كان في حروب الفجار وفي البعض الآخر تراها أمورًا يمكن حلها على أسهل الوجوه، كالحروب بين عبس وذبيان، وبين بكر وتغلب، ولكن الأسباب الحقيقية سابقة على ذلك، وهي النفور
_________________
(١) ١ الدعوة إلى الإسلام لتوماس و. أرنولد ص: ٥١-٥٢.
[ ١ / ٢٨٥ ]
المتأصل في القلوب"١.
إنها أمة فرقتها الحروب، وأنهكت قواها الأحقاد والغارات، فلا غرو أن تسقط ممالكها الشهيرة تحت أيدي المحتل الغاصب "فاليمن فقدت استقلالها منذ نهاية الربع الأول من القرن السادس، وسقطت تحت حكم الأحباش، ثم حكم الفرس٢.
والحيرة فقدت استقلالها بعد أن غيرت فارس سياستها نحوها، بعد أن استنفذت كل طاقتها الحيوية، وجعلت منها إمارة فارسية يحكمها أمير فارسي٣.
ومملكة الغساسنة، فقدت قوتها كذلك بعد أن غير الروم سياستهم نحوها، فاضطربت أحوالها، وذهبت قوتها، وأصبحت في شبه فوضى.
ومن هنا يظهر لنا إنه لم يبق متمتعًا بالاستقلال سوى مكة، وذلك لبعدها عن مجال التصارع الدولي في ذلك الوقت، وتمتع أهلها بنوع التنظيم الاجتماعي.
وقد أشار القرآن الكريم إلى الأمن الذي حظيت به مكة، فقال
_________________
(١) ١ انظر: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية للشيخ الخضري ص: ٢٤. ٢ انظر: الكامل لابن الأثير ١/٢٥٣، ٢٥٤، ٢٦٥. ٣ انظر: تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٤/١٠٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٦٧. ٢ سورة قريش الآيتان: ٣-٤.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ثانيًا: حالة العقائد خارج الجزيزة العربية:
١-الديانة اليهودية:
وإذا انتقلنا إلى الديانة اليهودية، وإلى شعب بني إسرائيل الذين حباهم الله تعالى بكثير من النعم، وبعث فيهم كثيرًا من الأنبياء والرسل لدعوتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر والفساد.
وكانت التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، فيها الهدى والنور، والحث على عبادة الله تعالى وحده، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفيها كافة التكاليف التي يحتاجها شعب بني إسرائيل في ذلك الوقت، لذلك فإنًّ الله تعالى قد أرسل فيهم بعد موسى ﵇ عدة رسل وأنبياء؛ لإحياء شريعة التوراة، والحكم بمقتضاها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ ١.
وجعلهم الله تعالى يعيشون كالملوك، أعزاء، أقوياء، بعد أن كانوا أذلاء مهانين من قبل فرعون وقومه، وأتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين في زمانهم.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٤٤.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢.
وعلى الرغم من ذلك كله، نجد أنّ القوم جحدوا نعم الله، وتعالوا في كبرياء، ولم يلتزموا بما أخذوه على أنفسهم من مواثيق، وامتلأ تاريخهم بشتى أنواع المخالفات، وحتى التوحيد الذي هو أصل ديانتهم، لم يسلم من التأثر بما حدث من التحريف والتبديل والتمرّد على تعاليم الدين.
ولعل من أهم ما أصاب التوحيد من التحريف، هو ما أشار الله إليه في القرآن الكريم من قول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ٣.
وما وصفوا به الخالق جل وعلا من صفات النقص والسوء،
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٢٠. ٢ سورة الجاثية الآيتان: ١٦-١٧. ٣ سورة التوبة الآية: ٣٠.
[ ١ / ٢٩٠ ]
والتشبيه، كقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ ١.
وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ٢.
وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٣.
وعن التنقص بالخالق وتشبيهه بالمخلوقين، جاء في سفر التكوين٤: " أن الله تعالى بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام، استراح في اليوم السابع، وكان يوم السبت، وأن الله قد بارك هذا اليوم من أجل ذلك، فحرم فيه العمل".٥.
وفي هذا يقول الشهرستاني: "وقد اجتمعت اليهود عن آخرهم أن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض، استوى على عرشه مستلقيًا على قفاه، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى"٦.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ١٨١. ٢ سورة المائدة الآية: ٦٤. ٣ سورة المائدة الآية: ١٨. ٤ سفر التكوين الإصحاح الثاني فقرة: ١-٢. ٥ انظر الأسفار المقدسة لعلي وافي ص: ٢٥-٢٦. ٦ الملل والنحل للشهرستاني ١/٢١٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
ويرد القرآن الكريم على هذا الزعم الباطل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ ١.
ومن ذلك ما يرويه سفر التكوين من قصة هلاك قوم لوط، وتدمير قريتي: "سدوم" و"عمورة"، إذ يذكر أن ثلاثة رجال وهم: الله وملكان معه، قدموا على إبراهيم وهو جالس أمام خيمته، وأن إبراهيم قد عرف الله من بينهم، ورجاه أن يستريحوا عنده قليلًا من وعثاء سفرهم، وقد إليهم ماء لشربهم وغسل أرجلهم، وأخذ عجلًا حينذًا لطعامهم، فانتحى ثلاثتهم تحت ظل شجرة، وأخذوا يأكلون مما قدمه إليهم، وإبراهيم جالس على مقربة منهم٢، إلى الخ القصة.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه القصة على حقيقتها، وبين أن الذين وفدوا على إبراهيم ﵇، إنّما كانوا ملائكة في صورة آدميين، فظنهم بشرًا، فقدم لهم طعامًا، فلم تصل أيديهم إليه، لأن الملائكة لا يأكلون، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
_________________
(١) ١ سورة ق الآية: ٣٨. ومعنى ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، أي: لم يحصل لنا من تعب، حتى نحتاج إلى الراحة. ٢ انظر: سفر التكوين الإصحاح: ١٨ من: ١-٨.
[ ١ / ٢٩٢ ]
قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط ٍ﴾ ١.
وعن ملازمة بني إسرائيل لعبادة العجل والكبش والحمل، يقول ديورانت: "لم يتخلوا قط عن عبادة العجل والكبش والحمل، ولم يستطع موسى أن يمنع قطيعه من عبادة العجل الذهبي، لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم منذ كانوا في مصر، وظلوا زمنًا طويلًا يتخذون هذا الحيوان القوي، آكل العشب، رمزًا لآلهتهم"٢.
وبعد موسى ﵇، وفي عهد القضاء، تأثر بنو إسرائيل بمعبودات الكنعانيين تأثرًا كبيرًا ويوضح "كنْتْ"، أن إله الكنعانيين "بعل أصبح معبودًا لبني إسرائيل في كثير من قراهم، وفي أحوال كثيرة أصبح للطائفتين معبد واحد، به تمثال يهوه، وتمثال بعل، بل أصبح يهوه ينادى بعل، وقد ظل ذلك إلى عهد يوشع٣.
يقول أحمد شلبي:" ولم يستطع بنو إسرائيل في أية فترة من فترات تاريخهم أن يستقروا على عبادة الواحد، الذي دعا له الأنبياء، وكان
_________________
(١) ١ سورة هود الآيتان: ٦٩-٧٠. ٢ قصة الحضارة ٢/٣٣٨. ٣ انظر: اليهودية لأحمد شلبي ص: ١٨٢.
[ ١ / ٢٩٣ ]
اتجاههم إلى التجسيم والتعدد والنفعية واضحًا في جميع مراحل تاريخهم، وعلى الرغم من ارتباط وجودهم بإبراهيم إلاّ أن البدائية الدينية كانت طابعهم، وتعد كثرة أنبيائهم دليلًا على تجدد الشرك فيهم، وبالتالي تجدد الحاجة إلى أنبياء يجددون الدعوة إلى التوحيد، وكانت هذه الدعوات قليلة الجدوى على أي حال، فظهر للتاريخ بدائيون يعبدون الأرواح، والأحجار، وأحيانًا مقلدون يعبدون معبودات الأمم المجاورة، التي كانت لها حضارة وفكر قلدهما اليهود"١.
ولعل من أسباب تحريفهم لكتبهم، هو أنه لما أقبلت عليهم الدنيا، أحبوها، واستولى حب المال على مشاعرهم وقلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فمن أجل حرصهم على المادة، باعوا دينهم في سبيلها، وحرفوا ما أنزل الله عليهم من الكتب، طمعًا في الكسب المادي الرخيص، والعرض الدنيوي الزائل، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا
_________________
(١) ١ أديان الهند الكبرى أحمد شلبي ص: ٢١٣. ٢ سورة البقرة الآية: ٩٦.
[ ١ / ٢٩٤ ]
مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
لقد اعتدى بنو إسرائيل على الأنبياء، ومصادر الرحمة، فأطفأوا مصابيح الهداية، وأصموا آذانهم عن النداء الرباني، فعاشوا في الظلام الحالك، واستحقوا غضب الله ومقته بسبب ذنوبهم، ونقضهم لمواثيقهم.
قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٧٩. ٢ سورة آل عمران الآية: ١٨٧. ٣ سورة آل عمران الآية: ٧٨
[ ١ / ٢٩٥ ]
بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ ٢.
ونظر اليهود إلى الإنسانية في ازدراء واحتقار، وزعموا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، وأن لهم الفضل والسيادة، وغيرهم عبيد وحقراء، ولم يبالوا بما يصنعون بالبشرية، ولم يجدوا غضاضة في أن ينزلوا الظلم والاستغلال بأي إنسان من غير اليهود.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وتاريخ اليهود من أوله إلى آخره مليء بالجرائم والمخالفات، ولم يشرق في أفقه سوى فترة قصيرة من الزمن، صبروا فيها فاستحقوا ثناء الله
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ١١٢. ٢ سورة النساء الآيات: ١٥٥-١٥٧. ٣ سورة آل عمران الآية: ٧٥.
[ ١ / ٢٩٦ ]
عليهم، وتفضيله لهم على عالمي زمانهم، أما بعد ذلك، فقد عثوا في الأرض فسادًا، وبدأ ذلك في وقت مبكر، إذ لم يكن للمعجزات التي أجراها الله على يد موسى ﵇، أثر ظاهر في تغيير سلوكهم، ولم يتعظوا بما أنزل بفرعون وقومه من الهلاك، إذ ما كادوا يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم حتى قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وعندما ذهب موسى ﵇ ليتلقى الألواح من ربه، وفيها هدى ونور، نسي بنو إسرائيل إلههم الحق، حين رأوا العجل الذي سبكه لهم السامري من الحلي، فتوجهوا له بالعبادة، والطاعة من دون الله.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ١٣٨-١٣٩. ٢ سورة الأعراف الآية: ١٤٨. ٣ سورة الأعراف الآية: ١٥٢.
[ ١ / ٢٩٧ ]
لقد عبدوا العجل، ولم يردهم عن غيهم نصح هارون لهم، حين قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١.
ولما أصر هارون ﵇ على نصحهم بترك عبادة العجل، هموا بقتله، ولنستمع إليه وهو يعتذر لأخيه موسى في قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وإذا كان بنو إسرائيل قد هموا بقتل رسول الله هارون، فقد كان القتل من أعظم جرائمهم، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
ولما عتوا عن الحق واستكبروا عن هدايات السماء، مسخهم الله
_________________
(١) ١ سورة طه الآيتان: ٩٠-٩١. ٢ سورة الأعراف الآية: ١٥٠. ٣ سورة البقرة الآيتان: ٨٧-٨٨.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وغير قلوبهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وأذاقهم الله جزاء ما صنعوا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وعن حالة اليهود قبيل البعثة المحمدية:
يقول أبو الحسن الندوي: "أصبحت اليهودية -أي في القرن السادس الميلادي- مجموعة طقوس وتقاليد لا روح فيها ولا حياة، وهي -بصرف النظر عن ذلك- ديانة سُلالية، لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة، ولا للإنسانية رحمة، وقد أصيبت هذه الديانة في عقيدة كانت لها شعارًا بين الديانات والأمم، وكان فيها سر شرفها، وتفضيل بني إسرائيل على الأمم المعاصرة في الزمن القديم، وهي عقيدة التوحيد التي وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، فقد اقتبس اليهود كثيرًا من عقائد الأمم التي جاوروها، أو وقعوا تحت سيطرتها، وكثيرًا من عاداتها وتقاليدها الوثنية الجاهلية، وقد اعترف بذلك مؤرخو اليهود المنصفون، فقد جاء في دائرة المعارف اليهودية ما معناه:
(إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان، تدل على أن عبادة
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ١٦٦-١٦٧.
[ ١ / ٢٩٩ ]
الأوثان والآلهة، كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائليين، ولم تستأصل شافتها إلى أيام رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية ومشركة، إنَّ التلمود أيضًا يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة لليهود) "١.
٢-الديانة النصرانية:
أمّا الديانة التي جاء بها المسيح ﵇، وما فيها من الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، وتنزيه الخالق جل وعلا، والتأدب بالأخلاق السمحة الرحيمة من الصفح والعفو، والترفع عن حب الدنيا، والعطف على الفقراء والمساكين، وتحمل الأذى، كما جاء في إنجيل متى: " سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأمّا أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر.. بل من لطمك على خدك الأيمن، فاعرض له الآخر أيضًا، ومن أراد أنْ يخاصمك، ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء، ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين"٢.
وجاء في نفس الإنجيل: "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال، لذلك أقول لكم، لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وماتشربون، ولا لأجسادكم بما
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص: ٢٠. ٢ انجيل "متى" الإصحاح الخامس فقرة: ٣٨-٤٠.
[ ١ / ٣٠٠ ]
تلبسون"١.
وقال: "ما أعسر دخول ذوي الأموال ملكوت السموات.. وأقول لكم بأنَّ مرور جمل في ثقب إبرة، أيسر من أنْ يدخل غني ملكوت الله"٢.
فإنَّ هذه الديانة بعد رفع المسيح، لم تظل على ما كانت عليه، بل سرعان ما ذابت في شتى الفلسفات، والنحل الأرضية الأخرى، وتسربت إليها أساطير الوثنيات القديمة، كالبوذية والبراهمية، والإغريقية، والرومانية، وعقائد الفرس والروم وقدماء المصريين، فصار التوحيد تعددًا، وجعلوا الإله الواحد آلهة ثلاثة٣.
ومن أجل التحريف والتبديل في هذه الديانة، عقدت المجامع، وأصدرت القرارات القاضية بألوهية المسيح، فألوهية روح القدس، أو أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، وأنَّ مريم العذراء والدة الإله، وأنَّ المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، وأن المسيح إله حق معروف بطبيعتين:
_________________
(١) ١ انجيل "متى" الإصحاح السادس فقرة: ٢٥. ٢ انجيل "متى" الإصحاح التاسع عشر فقرة: ٢٣، وإنجيل "لوقا" الإصحاح الثامن عشر فقرة: ٢٥-٢٦. ٣ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٦/٨٨ وما بعدها، والمسيحية لأحمد شلبي ص: ١٣٠ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠١ ]
طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية بشرية١.
ومما يؤكد أن عقائد النصرانية الحالية من تثليث وصلب وفداء، قد تسربت إليها عن طريق الوثنيات القديمة، هو وجه التشابه التام فيما بينها، ولو تتبعت هذا الأمر لطال بنا المقام، ولكني أقتصر على بعض ما نقله الأستاذ رشيد رضا ﵀ في تفسير المنار –وكما يُقال يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق- ٢.
جاء في كتاب خرافات التوراة وما يقابلها في الديانات الأخرى٣، لصاحبه دوان، جاء ما ترجمته بالتلخيص: إنَّ تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة نفسه ذبيحة فداء عن الخطيئة، قديم العهد، بدأ عند الهنود الوثنيين وغيرهم.
وذكر الشواهد على ذلك، منها قوله: "يعتقدون أن كرشنا المولود البكر –الذي هو نفس الإله (فشنو) الذي لا ابتداء له، ولا انتهاء –على رأيهم- تحرك حنوًا كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه.
وذكر أن مستر مور قد صور "كرشنا" مصلوبًا كما هو مصور في
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ الدعوة لجمعة الخولي ١/٢٥٩-٢٦٠. ٢ تفسير المنار ٦/٣٢-٣٣، وانظر: قصص الأنبياء للنجار ص: ٥١٤-٥١٥. ٣ ص: ١٨١-١٨٢.
[ ١ / ٣٠٢ ]
كتاب الهنود، مثقوب اليدين والرجلين، وعلى قمصيه صورة قلب الإنسان معلقًا، ووجدت له صورة مصلوبًا وعلى رأسه إكليل من الذهب.
والنصارى تقول: إن يسوع صلب، وعلى رأسه إكليل من الشوك.
وقال "هوك" في ص٣٢٦ من المجلد الأول من رحلته: ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسيد أحد الآلهة، وتقديم نفسه ذبيحة فداء للناس من الخطيئة.
وقال "مونيورليمس" في ص ٣٦ من كتابه الهنود: ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية، ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم التي يتوسلون بها بعد "الكباترى" وهو: إني مذنب ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندوقية، يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب.
ونقل "هيجين" عن: "اندرار الكروزويوس" وهو أول أوربي دخل بلاد النيبال والتبت، أنه قال في الإله "أنددادا" الذي يعبدونه أنه سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير لكي يخلص البشر من ذنوبهم، وأن صورة الصلب موجودة في كتبهم.
هذا وأما ما يروى عن البوذيين في "بوذا" فهو أكثر انطباقًا على ما يرويه النصارى عن المسيح، من جميع الوجوه، حتى أنهم يسمونه المسيح والمولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون إنه إنسان كامل، وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر، ويخلصهم من
[ ١ / ٣٠٣ ]
ذنوبهم، فلا يعاقب عليها، ويجعلهم وارثين لملكوت السموات.
بين ذلك كثير من علماء الغرب، منهم "بيلي" في كتابه تاريخ بوذا، و"هوك" في رحلته، و"مولر" في كتابه تاريخ الآداب السنسكريتية وغيرهم.
ومن أراد المقابلة بين إله النصارى، وآلهة الوثنيين الأولين –في الشرق والغرب- فعليه أن يقرأ كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" لمحمد طاهر التنير البيروتي، ففيه بلاغ ومقنع ا.؟.
ومن هذا يتبين لنا أن عقائد النصارى الحالية تحتوي على عقائد وثنية شركية واضحة، وأنها مقتبسة من الوثنيات القديمة.
كما أنّ عقيدة النصارى الحالية أصبحت عقيدة مستغلقة، وتركيبات غير مفهومة، ولذلك فعسير على الذهن السليم أنْ يقبلها ولا تزال –حتى اليوم تصطدم بعقول شبابهم ومثقفيهم، ويحاول رجال الكنيسة بين فترة وأخرى إدخال بعض التفسيرات والتوضيحات من أجل استساغها وقبولها عند جماهير النصارى، ومن ذلك تفسيرهم أخيرًا بأنَّ البنوة ليست ولادة كولادة البشر، وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة بأنها صفات الله١.
وعن غموض العقيدة النصرانية الحالية، ووضوح الإسلام وسهولته،
_________________
(١) ١ انظر: النصرانية لمحمد أبي زهرة ص: ١١٨، وتاريخ الدعوة لجمعة الخولي ١/٣٦١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
يقول جوستاف لبون في كتابه حضارة العرب: "لو أنك سألت مسيحيًا عن عقيدته، لما استطاع أن يجيبك منهم إلاّ المتخصصون، والمتخصصون يجيبونك بكلام غير مفهوم، ولو سألت أي مسلم عن عقيدته، لأجابك لكلام واضح سهل، لا تعقيد فيه، ولا غموض، ولعل هذا سر عظمة الإسلام وانتشاره"١.
كما طرح الدكتور أحمد شلبي في كتابه المسيحية عدة أسئلة على النصارى، يسألهم فيها عن عقيدة التثليث عندهم، ومن تلك الأسئلة ما وظيفة كل فرد من أفراد هذا الثالوث؟ وكيف يتم فهم وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة؟ وما معنى قولهم الابن مولود غير مخلوق، والابن ليس أحدث من الأب؟
ثم يقول: "لقد حاولت جهدي أنْ أصل إلى جواب صحيح لهذه الأسئلة عن طريق القراءة، أو المحادثة مع المسيحيين، ولكن أقرر أنني لم أستطع فهم إجاباتهم، بل صرح كثير منهم أن هذه المسائل مسائل اعتقادية لا فهم، فاعترضت بأنّها مسائل أساسية، وهي المدخل للدين، فكيف لا تفهم؟ ولكن لم أتلق جوابًا على اعتراضي، واتبع بعضهم التعبيرات الإنشائية التي لا توضح مقصودًا، كقول بعضهم (المحبة السرية
_________________
(١) ١ حضارة العرب لجوستاف لبون ص: ٦٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
التي بين المسيح والله) وقول الآخر: (كل ثروات الولاء والتعبد اختزنت في فكر يسوع المسيح، عونًا على فهم حقيقة الله "١.
ثم ينقل الدكتور شلبي بعضًا من أقوال وآراء القسس النصارى في العقيدة النصرانية، وقد صرحوا بتناقضها، وعدم فهمها، فإليك طرفًا منها٢:
يقول الدكتور يوسف بوست في قاموس الكتاب المقدس:
"طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق، بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهية على السواء".
ويقول القس بوطر صاحب رسالة الأصول والفروع في نهاية شرحه لعقيدة التثليث:" قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأمّا في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية".
_________________
(١) ١ المسيحية لأحمد شلبي ص: ١٣٤. ٢ المسيحية لأحمد شلبي ص: ١٣٤-١٣٩، وانظر النصرانية لأبي زهرة ص: ١١٧ وبعدها.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ويقول القس وهيب عطاء الله: "إنَّ التجسد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق، والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولًا".
وقد أورد الشيخ رحمة الله الهندي في تخبط النصارى في عقيدة التثليث، الحكاية التالية: "نقل أنه كان هناك ثلاثة أشخاص يعلمهم بعض القسس، فجاء أحد أصدقاء القسيس، وسأله: هل تعلموا شيئًا من العقائد النصرانية الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحدًا منهم ليري صديقه ما تعلمه، فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أنَّ الآلهة ثلاثة أحدهم الذي في السماء، والثاني الذي تولد من بطن مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثاني، بعد أن صار أبن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم، وسأله فقال: إنّك علمتني أنَّ الآلهة كانوا ثلاثة، وصلب واحد منهم، والباقي إلاهان، فغضب القسيس أيضًا وطرده، ثم طلب الثالث، وكان ذكيًا بالنسبة إلى الأولين، فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني جيدًا، بفضل السيد المسيح، إنَّ الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، وصلب واحد منهم، ومات، فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن، وإلاّ يلزم نفي الاتحاد "١.
_________________
(١) ١ إظهار الحق ص: ٣٣٧.
[ ١ / ٣٠٧ ]
والحق إنَّ قول النصارى في التثليث مصادم للعقول السليمة، ومعارض للأصول الثابتة، وتنفر منه الضمائر الحية، وتأباه الفطر السليمة، وفيه تنقص لرب العالمين، ورميه بالعظائم، وتعصّب النصارى لهذا المعتقد حتى اليوم يدل على جهلهم وغباوتهم.
يقول الفخر الرازي: "واعلم أنَّ هذا معلوم البطلان، ببداهة العقل، فإنَّ الثلاثة لا تكون واحدًا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى"١.
ويقول أبو محمد ابن حزم٢: "ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه، إذ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣.
وإذ يقول تعالى حاكيًا عنهم: ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ٤.
وإذ يقول: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ٥، لما نطق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج٦ السخيف.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ١٢/٦٠. ٢ الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/٤٩. ٣ سورة المائدة الآية: ٧٢. ٤ سورة المائدة الآية: ٧٣. ٥ سورة المائدة الآية: ١١٦. ٦ السمج: القبيح. النهاية لابن الأثير ٢/٣٩٨.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى، ما صدقنا أن في العالم عقلًا يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان.
ولعل من أهم العوامل التي أدّت إلى تحريف النصرانية، دخول بولس "شاؤول" فيها، وقد كان بولس أحد اليهود المغرمين بتعذيب النصارى وفتنتهم عن دينهم، وكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت، ويجر الرجال والنساء ويسلمهم إلى السجن١
وفجأة بينما كان بولس "شاؤول" في طريقه إلى دمشق للمساهمة في تعذيب المسيحين عام ٣٨م زعم أنه رأى يسوع المسيح، وأنه آمن به وتسمى "بولس".
ويذكر لوقا صاحب الإنجيل، هذه القصة في أعمال الرسل فيقول: "وعندما كان بولس قريبًا من دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتًا قائلًا: شاؤل شاؤل لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال: أنا يسوع الذي تضطهده، فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل. فقال له: "قم وكرز بالمسيحية"٢.
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل الإصحاح السابع فقرة: ٦٠، والإصحاح الثامن فقرة: ٣. ٢ انظر أعمال الرسل الإصحاح التاسع: ٣٠-٢٠، وانظر: ترجمة بولس في المسيحية لأحمد شلبي ص: ١٠٤-١٠٩، والنصرانية لأبي زهرة ص: ٨١-٨٨، والأسفار المقدسة لعلي وافي ص: ٧١-٧٢.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ثم يقول لوقا: "وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح إنَّ هذا هو ابن الله"١ ا.؟
كما إنه بعد رفع المسيح ﵇، وقع على أتباعه اضطهاد عظيم، فشُرِدُوا وعُذِبُوا وقُتِلُوا وصُلِبُوا، حتى كادت تختفي معالم المسيحية من الأرض، بسبب تلك الإضطهادات التي كان يتولاها أباطرة الرومان وعمالهم، وكذلك اليهود.
وأشد ما نزل بهم من الأذى، كان في عهد الإمبراطور نيرون (٦٤م)، ثم في عهد الإمبراطور ترجان (١٠٦م) ثم في عهد الإمبراطور ديسيوس (٢٥١م)، ثم في عهد الإمبراطور دقلد يانوس (٢٨٤م) .
فأما نيرون فقد اتهمهم بأنهم هم الذين أحرقوا مدينة روما، وتفنن في تعذيبهم، إذ كان يأمر أتباعه بوضع النصارى في جلود الحيوانات، ثم يطرحونهم للكلاب فتنتهشهم، كما كانوا يُلْبِسُون بعض النصارى ثيابًا مطلية بالقار، ثم يجعلونهم مشاعل يستضيئون بنارها.
وفي عهد ديسيوس، قد عم الخوف الجميع، وفر بعضهم بدينه، وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة مهما يكن ذكاؤه، وكل مسيحي
_________________
(١) ١ انظر أعمال الرسل الإصحاح التاسع: ٣٠-٢٠، وانظر: ترجمة بولس في المسيحية لأحمد شلبي ص: ١٠٤-١٠٩، والنصرانية لأبي زهرة ص: ٨١-٨٨، والأسفار المقدسة لعلي وافي ص: ٧١-٧٢.
[ ١ / ٣١٠ ]
يرشد عنه يؤتى به على عجل، ويقدم إلى هيكل الأوثان، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم، وعقاب من يرفض تقديم الذبيحة، أنْ يكون هو الذبيحة بعد أنْ يجتهدوا في حمله بالترهيب
أما دقلد يانوس فقد جاء إلى مصر، وأنزل بها البلاء، وأمر بهدم الكنائس، وإحراق الكتب، وأصدر أمرًا بالقبض على الأساقفة وزجهم في غياهب السجون، وقهر المسيحيين على إنكار دينهم، وقتل منهم حوالي ثلاثمائة ألف.
ومن قبل ومن بعد أنزلوا البلاء بعلمائهم، فما تركوا عالمًا منهم بالديانة إلا قتلوه، وكان الولاة يتفننون في طرق إبادة النصارى من الوجود، أبادوا العلماء حتى لا يوجد من يرشد إلى النصرانية، ويتوارث العلم بها، وأبادوا الكتب حتى لا تحفظ تلك الديانة في الصدور أو السطور.
واستمر البلاء والاضطهاد ينزل بالنصارى والنصرانية من قبل اليهود والرومان حتى جاء عهد قسطنطين، في أول القرن الرابع الميلادي، وقد سمي عصره (٢٨٤-٣٠٥م) عصر الشهداء١.
_________________
(١) ١ انظر المسيحية لأحمد شلبي ص: ٧٠-٧٢، ومحاضرات في النصرانية لأبي زهرة ص: ٣٤-٣٨ وص: ١٠٦.
[ ١ / ٣١١ ]
ولا شك أنَّ لهذه الإضطهادات الأثر البالغ في فقدان الإنجيل الأصلي، الذي أنزل على عيسى ﵇، وفي اضطراب الأناجيل القائمة حاليًا، لا سيما أنها ألفت ودونت في تلك الفترة، مما جعل بعض علمائهم يقرون لمناظريهم أنَّ تلك الاضطهادات كانت السبب في فقدان سندها المتصل بصاحب الشريعة١.
بل الراجح أنّ هذه الأناجيل لا صلة لها البتة بالوحي الذي أنزله الله على عيسى ﵇.
لذلك فإن النصرانية قد أصبحت بسبب تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين ووثنية المتنصرين ركامًا دفنت تحته تعاليم المسيح ﵇، واختفى نور التوحيد وإخلاص العبادة لرب العالمين، وراء هذه السحب الكثيفة.
وقد أصيبت النصرانية بما أصيبت به في وقت مبكر من حياتها، واستمرّ الحال على ذلك حتى "جاء القرن السادس المسيحي، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق، وبين نصارى مصر، حول حقيقة المسيح وطبيعته، تحولت المدارس والكنائس والبيوت ومعسكرات متنافسة، يكفر بعضها بعضًا، ويقتل بعضها بعضًا، كأنها
_________________
(١) ١ انظر إظهار الحق لرحمة الله الهندي ص: ٨٣، والفارق بين المخلوق والخالق لعبد الرحمن بك باجة جي زاده ص: ٩ وما بعدها.
[ ١ / ٣١٢ ]
حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين"١.
وقد أصحبت النصرانية في شغل شاغل بنفسها عن محاربة الفساد، وإصلاح الأمم.
يتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي عن المسيحية في القرن السادس الميلادي، فيقول: "لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان، بحيث تقوم عليها الحضارة، أو تسير في ضوئها دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعاليم المسيح، وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط، فجاء بولس فطمس نورها، وطعمها بخرافات الجاهلين التي انتقل منها، والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت النصرانية مزيجًا من الخرافات اليونانية، والوثنية الرومانية، والأفلاطونية المصرية والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعاليم المسيح البسيطة، كما تتلاشى القطرة في اليَم، وعادت نسيجًا خشبيًا من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح، ولا تمد العقل، ولا تشعل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، بل أصبحت بزيادات المحرفين، وتأويل الجاهلين تَحُولُ بين الإنسان والعلم والفكر، وأصبحت على
_________________
(١) ١ فتح العرب لمصر للفرد بتلرج تعريب محمد فريد أبو حديد ص: ٣٧، ٣٨، ٤٧. وانظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص: ٢٣.
[ ١ / ٣١٣ ]
تعاقب العصور ديانة وثنية"١ ا.؟.
٣- بلاد فارس:
وإذا تجاوزنا بني إسرائيل، وذهبنا إلى بلاد فارس، نجد أن ديانة أهلها أشد اضطرابًا وأكثر تعددًا، وأن بنيان هذه العقيدة عبادة النار، وإقامة بيوت للعبادة، وتقديم القرابين لها، والإيمان بالثنوية، أي: الإيمان برب للنور ورب للظلام، وإله للخير، وإله للشر، وأن كلا الإلهين يتنازع النفس الإنسانية والكون وما فيه.
يقول الشهرستاني: "ثم إنّ التثنية اختصت بالمجوس، حتى أثبتوا اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما النور، والآخر الظلمة، وبالفارسية (يزدان وأهر من)، ولهم في ذلك تفصيل مذهب.. ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين.. أحدهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاح مبدأ، والخلاص معادًا.."٢.
وجاء – زاردشت ٦٦٠-٥٨٣ ق. م يهذب من عبادة المجوس، ويصلح من عقيدتهم، فما خرج كثيرًا عنها، فقد ادعى أن النور والظلمة
_________________
(١) ١ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: ٢٨. ٢ الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٣٢.
[ ١ / ٣١٤ ]
أصلان متضادان، وأن الخير والشر والصلاح والفساد، والطهارة والخبث، إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم، وهما يتعاونان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى أعماله، والشر ينحط إلى أعماله، وذلك سبب الخلاص.."١.
وظهر "ماني" في أواخر القرن الثالث المسيحي، يزعم أن العالم مصنوع، مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور، والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا، ولن يزالا، وفرض على أصحابه العشر في الأموال كلها، والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق وترك الكذب، والقتل والسرقة، والزنا والبخل، والسحر وعبادة الأوثان، واعتقاده في الشرائع والأنبياء: أن أول من بعث الله تعالى بالعلم والحكمة آدم أبو البشر، ثم بعث شيئًا بعده، ثم نوحًا بعده، ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة والسلام، ثم بعث بالبددة إلى أرض الهند وزرادشت إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب، وبولس بعد المسيح إليهم، ثم يأتي خاتم النبيين إلى أرض العرب٢.
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٣٧. ٢ الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٤٨.
[ ١ / ٣١٥ ]
ومن بعد ماني ظهر "مزدك"، فرأى أن سبب الكراهية بين الناس، إنما تقع بسبب المال والنساء، فزعم أنه ليس هناك وسيلة لإزالة أسباب الشقاق والخلاص بين الناس، إلاَّ بجعل الأموال والنساء مشاعًا حرًا يأخذ منه من يشاء ما يشاء..
يقول الشهرستاني: "أحل –مزدك- النساء، وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ"١.
وتحت ظلام هذه العقائد المزيفة، عاش الفرس يعانون قسوة الملوك، وتجبر الحكام الذين انتهزوا هذا الجهل المطبق، فادعوا أنهم من عناصر علوية مقدسة، وبنوا ادعائهم على مذهب "مترا" أحد مصلحيهم الذي رفع سلطان الملوك إلى عرش السماء، وقال: "إن الشمس تشع عليهم قبسًا من نورها، وهالة من بركتها، فيرمزون بعروشهم على الأرض إلى عرش الله في عليين.."٢.
وكانت الأكاسرة ملوك فارس يدعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، وكان الفرس ينظرون إليهم كآلهة، ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئًا علويًا مقدسًا، فكانوا يكفرون لهم، وينشدون الأناشيد بألوهيتهم، ويرونهم فوق القانون، وفوق الانتقاد، وفوق البشر، لا يجري اسمهم على
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٤٩. ٢ الله، للعقاد ص: ٩٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
لسانهم، ولا يجلس أحد في مجلسهم، ويعتقدون أنَّ لهم حقًا على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم، وأنَّ ما يرضخون لأحد من فضول أموالهم وفتات نعيمهم، إنّما هو صدقة وتكرم من غير استحقاق، وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة١.
٤- بلاد الهند:
وإذا تجاوزنا بلاد فارس إلى ما وراءها من أرض المشرق، فإننا نجد الهند وما فيها من ديانات باطلة، وأفكار ساذجة، وأوضاع اجتماعية جائرة، تقوم على التفرقة الإنسانية بين الطبقات.
يقول الشهرستاني:" الهند أمة كبيرة، وملة عظيمة، وآراؤهم مختلفة، منهم البراهمة، وهم المنكرون للنبوات أصلًا، ومنهم من يميل إلى الدهر ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية، ويقول بملة إبراهيم ﵇، وأكثرهم على مذهب الصابئة ومناهجها، فمن قائل بالروحانيات، ومن قائل بالهياكل، ومن قائل بالأصنام، إلاّ أنهم مختلفون في شكل الهياكل التي ابتدعوها، وكيفية أشكال وضعوها، ومنهم حكماء على طريقة اليونانيين علمًا وعملًا "٢.
_________________
(١) ١ انظر كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي ص: ٤٠. ٢ الملل والنحل ٢/٢٥٠.
[ ١ / ٣١٧ ]
ويقول أبو الحسن الندوي: "اتفقت كلمة المؤرخين في تاريخ الهند على أن أحط أدوارها ديانة وخلقًا واجتماعًا كان ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي.. فقد شاركت الهند جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الكرة الأرضية في هذه الحقبة من الزمن.. وقد بلغت الوثنية أوجها، ووصل عدد الآلهة إلى ٣٣٠ مليونًا، وقد أصبح كل شيء رائعًا، وكل شيء جذابًا، وكل مرفق من مرافق الحياة إلهًا يعبد.
وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله.. وجبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومعادن كالذهب والفضة تحمل سر الألوهية، وأنهار وآلات حرب، وآلات التناسل، وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية، وغير ذلك.
وأصبحت الديانة نسيجًا من خرافات وأساطير، وأناشيد وعقائد، وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان.
وقد ارتفعت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية، وقد عكفت الطبقات كلها، وعكف أهل
[ ١ / ٣١٨ ]
البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام.."١.
والحق إنَّ فطرة الهند تنادي بأن الله واحد، ولكن جهلهم وضلالهم طمس هذه الفطرة، فأشركوا بالله الواحد مخلوقاته المسخرة بأمره.
انظر إلى قولهم في بعض أناشيدهم الدينية:
"إنني أنا الله، نور الشمس، وضوء القمر، وبريق اللهب، وميض البرق، وصوت الرياح، وأنا الرائحة الطيبة التي تنبعث في أنحاء الكون، والأصل الأزلي لجميع الكائنات، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح، أنا الأول، والآخر، والحياة، والموت لكل كائن"٢.
أما الشهوة الجنسية، فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، بشكل ليس له مثيل، حتى عبدوا آلة التناسل، لإلههم الأكبر "مهاديو" وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال.. زد على ذلك أن بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدون الرجال العراة..٣
ويقرر دين البراهمة في الهند التفرقة بين الناس من حيث العبادة والزلفى لبراهما إلههم الأكبر، وانقسم الناس من حيث مهنهم التي تتوارث
_________________
(١) ١ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: ٤٦-٤٧. ٢ ذيل الملل والنحل لمحمد سيد كيلاني ص: ١٠. ٣ انظر كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي ص: ٤٨-٤٩.
[ ١ / ٣١٩ ]
وتصير المهنة عندهم أصلًا نسبيًا ينتقل من الأصول إلى الفروع، ومن الفروع إلى فروعهم، إلى أربع طبقات:
١- البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين، ويزعمون أنهم خلقوا من رأس إلههم "براهما" ولذلك كانوا أعلى الناس، لأنهم خلقوا من أعلى الإله.
٢- طبقة الجند ورجال الحرب، ويزعمون أنهم خلقوا من مناكب إلههم براهما، ويديه، ولهذا فهم الحماة والغزاة ومواطن القوة.
٣- طبقة رجال الزراعة والتجارة، وهم مخلوقون من ركبتي إلههم.
٤- طبقة الخدم والرقيق، وهؤلاء خلقوا فيما يزعمون من قدمي إلههم، فهم أحط الطبقات، وأبعدها لبعدها عن رأس براهما.
وهناك فريق من الشعب الهندي لا يدخل في هذه القسمة الجائرة، وهم المنبوذون، وهم الذين يتناولون الأعمال الحقيرة في المدن، وقد حال انحطاط شأنهم دون اعتبارهم، حتى بين الطبقة الدنيا من الخدم والأجراء١.
وديانة المنبوذين تنحصر في عبادة الأرواح، وأعظم الآلهة عندهم
_________________
(١) ١ انظر: خاتم النبيين لأبي زهرة القسم الأول ص: ١٩-٢٠، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: ٤٩، وذيل الملل والنحل ٢/١٣.
[ ١ / ٣٢٠ ]
يظهر في شكل "كومة" من الآجر، أو في هيئة أخرى ساذجة، وهذا الإله هو الذي يمنح الخصب للعواقر، ويحمي المحاصيل من الآفات، ويرعاهم برعايته وعنايته، ولكل مدينة إلهها١.
ومن هذه الإشارة العابرة عن الهند، يتبين لنا ما وصل إليه الكفر الهندي من انحطاط كبير في جميع نواحي الحياة الدينية والأخلاقية والإجتماعية، وأصبح في حاجة ماسة إلى من ينير له الطريق، ويرشده إلى الهدى.
٥- بلاد الصين:
أما الأمة الصينية، فإنها قد عاشت بلا دين صادق، أو عقيدة ثابتة، وإنّما توجهت إلى طبيعة الحياة تستلهم منها معنى الإله الحق، فعبدت السماء وما فيها من كواكب، وعبدت الأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار، وعبدت الأموات من أبطالها السالفين الذين بقيت ذكرياتهم حية في قلوبهم، فقدمت لهم ألوانًا من العبادة والطاعة.
وبعد قرون طويلة، استقر الصينيون على أديان ثلاثة، وهي:
١-الكنفوشية.
٢-البوذية.
_________________
(١) ١ ذيل الملل والنحل ٢/١٣.
[ ١ / ٣٢١ ]
٣-التاوزمية١.
واشتهر حكيمهم ومعلمهم "كونفشيوس" بالإخلاص في الدعوة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم، قوامه المحبة والإخاء، والعدل والطاعة والرضا.. يقدمها الولد لوالده، والأخ الأصغر للأخ الأكبر، والمحكوم لحاكمه.
كما اشتهر بجملة من الفضائل كالصدق والإخلاص، والقناعة والصمت، إلاّ فيما يجب الكلام فيه، ومعاملة الناس بالرفق والمودة، وغير ذلك من الفضائل.
لكن "كونفشيوس" لم يهتد إلى الحياة الأخرى، فأنكر الجنة والنار، والثواب والعقاب، وقد سأله بعض تلاميذه مرة عن الموت، فقال: إننا لم ندرس الحياة بعد، فكيف ندرس الموت!!
ومات "كونفشيوس" فتوجه الصينيون إلى روحه بالعبادة والتقديس، وأقاموا لها الهياكل، وقدموا لها القرابين، وانتقلت عبادة هذا الفيلسوف عبر الأجيال إلى يومنا هذا٢.
وعلى مثال "كونفشيوس" كان الفيلسوف "لاوتسي" وهو أسن
_________________
(١) ١ انظر: ذيل الملل والنحل لمحمد سيد كيلاني ٢/١٩. ٢ انظر: ذيل الملل والنحل ٢/٢٢-٢٦، بتصرف، وموسوعة النظم والحضارة لأحمد شلبي ٣/٣١، والديانات القديمة لرشدي عليان وزميله ص: ١٠٧ وما بعدها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
من صديقه، وكلاهما دعا إلى الخير والفضيلة، إلاّ أنهما افترقا في الخلق والمزاج، وإن اتفقا في العقيدة والإيمان.
فلاوتسي يقول: "من كان طيبًا معي، فأنا طيب معه، ومن أساء إليَّ فأنا طيب معه كذلك، فلنجز السيئة بالحسنة، ولنعمل الطيب على كل حال..".
أما كنفشيوس، فهو يوصي بأن تقابل السيئة بالعدل، وأن يقابل الإحسان بالإحسان١.
وأتباع لاوتسي يبنون منهجهم على التصوف، واحتقار العادات القديمة، والإعتقاد بأنَّ الدرس والتحصيل والتفكير العقلي ليس وسيلة لاكتساب المعرفة، إنّما سبيلها تطهير النفس والتدرج في كمالاتها إلى مرحلة الاتصال التام، أو الوحدة التامة بين الفرد والقانون الأعظم.
كما دعا لاوتسي إلى هجر العمل، والاقتصار على التأمل والتجربة الصوفية، وبعد وفاة لاوتسي أفسدت تعاليمه، وتفشت فيها الأساطير، وضمّت إليها أشد الطقوس والفكرات الخرافية تعقيدًا، وخروجًا عن المألوف.
وحدث في الصين مثلما حدث في الهند بالضبط، وذلك أن نشطت
_________________
(١) ١ انظر كتاب الله للعقاد ص: ٨٤.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فكرات السحر البدائية، وتحركت الأساطير البشعة التي ظهرت في الماضي تكافح ضدّ التفكير الجديد في العالم، ونجحت في أن تسدل عليه ساترًا سابلًا من طقوس غريبة مضحكة، وغير معقولة، وعتية بالية١.
وليس من الغريب أن تنتقل أكبر ديانات الهند إلى الصين، وتلك هي -البوذية- التي نشرها الهنود والصينيون الذين ذهبوا إلى الهند، وعادوا إلى قومهم حاملين رسالة البوذية، إلاّ أنهم حين نقلوها كانت قد فقدت بساطتها، وتحولت إلى عبادة تماثيل وصور.
يقول الأستاذ أيشوراتوبا: " لقد قامت في ظل البوذية دولة تعني بمظاهر الآلهة، وعبادة التماثيل"٢.
نظرة عامة على الوضع العالمي
الجزيرة العربية انتشرت فيها العقائد الفاسدة، وجرفتها تيارات العصبية الممقوتة، وسادت فيها الأوضاع الاجتماعية الجائرة..
وبنو إسرائيل حرفوا وغيروا كتب الله وشرائعه، وكفروا بنعمه، وركنوا إلى المادة، وأصبح بأسهم بينهم شديد..
والفرس والهند هذه البلاد ضلت طريقها، وعاشت في ظلام الشك
_________________
(١) ١ انظر موجز تاريخ العالم تأليف؟. ج. ولز ص: ١٣١. ٢ المجتمع الإسلامي لأحمد شلبي ص: ٣٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
والجهل، والأوهام والبهتان..
وعلى هذه الشاكلة كان العالم يعيش بأسره في الصين وإسبانيا، وفرنسا وإنجلترا، وافريقيا وغيرها، فلم يبق موضع إلا وإنسان يمرغ نفسه أمام صنم، ويذل عزته وكرامته أمام الأرباب، ونسي الإنسان إنسانيته أمام الشهوة والشيطان، وضاع حقه بل كيانه لإطماع المستبدين.
ففي إسبانيا وفرنسا الجنوبية كان شعب "الويزيجو" الأوربيين يصاولون الملك كلوفيس وأولاده الكاثلوكيين، وفي فرنسا نفسها، كان أولاد كلوفيس هذا متقادرين متسافكين، وكانت الحروب التي شبت نيرانها بين المملكة "الويزيجوتية" و"برونهو" والمملكة الفرنكية "فيريد يجوند" تهيء للتاريخ أشد الصحائف إثارة للأسى والكمد.
أما في إنكلترا فكان "الأنجلو" ينازعون "السكسونيين" الأرض التي احتلوها، واستعبدوا فيها ذرية "كيمريس"، وهم أقدم المغيرين على تلك الجزيرة، التي تتطلع اليوم للوقوف في مقدمة الأمم علمًا وصناعة وقوة، وهي التي كانت في ذلك الوقت مجالًا للقوة الوحشية السائدة في تلك الغياهب الحالكة.
أما في أفريقيا، فكان اليونان الرومانيون أنفسهم -وهم أخلاط من عساكر وتجار وحكام، مجموعين من آفاق مختلفة- دائبين على امتصاص دم القطر المصري، وعاملين على جعل مصر العلمية، ذات المجد القديم
[ ١ / ٣٢٥ ]
كالجثة المصبرة، عديمة الحس والحراك، وكان هذا شأنهم أيضًا في الأقاليم الخصبية وقتئذ، الواقعة في الجهات الشمالية من أفريقيا التي انتزعوها من أيدي الفنداليين.
لقد كانت دولتا العالم، دولة الفرس في الشرق، ودولة الرومان في الغرب، في تنازع وتجالد مستمر.. دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة، وظلم من الاحن حالكة..
ومع ذلك فقد كان الزهو والترف، والإسراف والفخفخة، والتفنن في الملاذ بالغة جدًا ما لا يوصف في قصور السلاطين والأفراد والقواد، ورؤساء الأديان من كل أمة، وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد، فزادوا في الضرائب، وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم، وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوى في اختطاف ما بيد الضعيف، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر، والذل، والاستكانة، والخوف، والاضطراب، لفقد الأمن على الأرواح والأموال١.
يوضح هذه الصورة المحزنة لحال العالم قبيل البعثة الأستاذ أبو الحسن
_________________
(١) ١ انظر رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص: ١١٧.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الندوي في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، فيقول: "أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة والثقافة، والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال، والاحتلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعًا صافيًا من الدين السماوي، ولا نظامًا ثابتًا من الحكم البشري"١.
ويقول الندوي تحت عنوان: ظهر الفساد في البر والبحر: "وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء "٢.
ثم يقول تحت عنوان: العالم الذي واجهه محمد ﷺ: "بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزًا عنيفًا، فإذا كل شيء فيه في غير محله.. نظر إلى
_________________
(١) ١ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: ٢٨. ٢ المرجع السابق ص: ٦٣.
[ ١ / ٣٢٧ ]
العالم بعين الأنبياء، فرأى إنسانًا قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر، رأى إنسانًا معكوسًا قد فسدت عقليته..، وفسد نظام فكره..، وفسد ذوقه..، رأى مجتمعًا هو الصورة المصغرة للعالم، وكل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله..، فقد أصبح فيه الذئب راعيًا، والخصم الجائر قاضيًا، وأصبح المجرم فيه سعيدًا حظيًا، والصالح محرومًا شقيًا..، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك.
ورأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حدّ الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حدّ الإغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حدّ الجشع..، ورأى القسوة والظلم إلى حدّ الوأد وقتل الأولاد.. رأى ملوكًا اتخذوا بلاد الله دولًا، وعباد الله خولًا١، ورأى أحبارًا ورهبانًا أصبحوا أربابًا من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
المواهب البشرية ضائعة أو زائفة، لم ينتفع بها، ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالًا على أصحابها، وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكًا وهمجية، والجود تبذيرًا وإسرافًا، والأنفة حمية جاهلية،
_________________
(١) ١ خولًا: أي عبيدًا وخدمًا. انظر: لسان العرب ١١/٢٢٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات والإبداع في إرضاء الشهوات.
رأى الأمم قطعانًا من الغنم، ليس لها راع، والسياسة جمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه "١ ا.؟.
وخلاصة القول في هذا، أنَّ جو العالم كله كان يموج بالإضطرابات الوحشية إلى حدّ كبير، وذلك على حدّ قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: "وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلاّ بقايا من أهل الكتاب.." ٢ الحديث.
وكان اعتماد الناس على وسائل الشر، أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير، ونستطيع أن نقول إنّ الإنسان في تلك الفترة قد فقد عقيدته، ونظام حياته، حيث عم الفساد والانحطاط، وأصبح التطلع إلى المنقذ وإلى رسالة السماء، والخروج من ذلك الكابوس أمرًا ضروريًا، ولعل ظاهرة "التحنف" أصدق دليل على هذا التطلع والترقب.
_________________
(١) ١ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: ٧٨-٧٩. ٢ رواه مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي ٤/٢١٩٧ كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار رقم: ٦٣. وأحمد في المسند ٤/١٦٢.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الباب الثاني: معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين.
الفصل الأول: في ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته.
الباب الثاني: معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين: ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته: ويشتمل على ما يلي:
تمهيد:
العالم تائية، والأمة حائرة، والظلام مطبق في كل ناحية، والنفوس مرتقبة ليوم جديد تشرق فيه شمس الأمان والعدل على جنبات هذا الكون، الذي مزقته الأحقاد، وأنهكته الضغائن والعداوات.
وتشرق شمس محمد بن عبد الله ﷺ تحمل الهداية والنور لهذا العالم المضطرب، ومعه القرآن الكريم خطاب الله تعالى إلى جميع الناس، على اختلاف مللهم ونحلهم وأوطانهم، وفيهم المنكرون لوجود الله تعالى، والمثبتون له، إلاّ أن الطريق قد اعوج والتوى بهم، فعاشوا على الشرك والأوهام، وعبدوا مع الله آلهة أخرى من الأحجار أو الأشجار، أو الإنسان، أو الحيوان، وغيرها.
وأمام هذا الحشد الهائل من البشر المليء بالمتناقضات، وقف القرآن الكريم يخاطب كلًا بالأسلوب الذي يناسبه، وبالحجة التي تلائمه، ليقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
والقرآن الكريم في منهجه وفي دعوة الناس عمومًا، والمشركين خصوصًا إلى الإسلام، وإلى العقيدة الصحيحة، لم يأخذ أسلوب الجدل العقيم، أو الفلسفة الباطلة، أو بأدلة يستعصي على العقول فهو أدلتها.
ولكنه جاء سهلًا واضحًا يفهمه البدوي في الصحراء، كما يفهمه أهل الحضارة والثقافة في أرجاء الأرض، ويتذوقه من عاصر الوحي،
[ ١ / ٣٣٥ ]
وشهد تنزلات القرآن ومن بعد به العهد أو المكان.
فطرية الإيمان بالله في النفوس البشرية:
وعن معرفة وجود الله تعالى، والإيمان به، فإن القرآن الكريم يعتبر هذه القضية أمرًا فطريًا في النفوس البشرية السليمة، وحقيقة بدهية لا تحتاج إلى جدال أو نقاش، فكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه الحقيقة، بما أودعه الله تعالى فيه من فطرة يحس بها، دون الحاجة إلى منهج يسلكه لمعرفة ربه خالقه ورازقه.
والدلائل التي تحرك هذه الفطرة، وتشير إلى وجود الله تعالى أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل شيء على وجه الأرض، بل ومن كل شيء في السماء، أضف إلى ذلك النظام البديع، والدقة المتناهية في صنع هذه المخلوقات، والترتيب في سيرها وحركتها، فيدرك الإنسان بعقله وبصيرته أنّ هذا النظام وذلك الإبداع، لا يمكن أنْ يحدث من غير محدث، أو يوجد من غير موجد، لأنّ تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق، والترتيب المحكم من تلقائي نفسها.
لذلك فإنّ منهج القرآن الكريم ومسلكه في هذه القضية، البدء بالفطرة يوقظها ويذكرها بما هو مغروس في أعماقها، ليجد أنها معترفة ومقرة بوجود الخالق العظيم، وأنها في ذلك لا تحتاج إلى دليل.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ١.
فالفطرة السليمة التي أوجدها الله تعالى في الناس، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، تعرف ربها حقيقة، وتلوذ به، وتلتجئ إليه إذا مسها الضر، ولم تجد مغيثًا يغيثها، أو ناصرًا ينصرها غير الله ﷿.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ١٧٢. ٢ سورة الروم الآية: ٣٠. ٣ سورة الإسراء الآية: ٦٧. ٤ سورة النحل الآيتان: ٥٣-٥٤.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والمخاطبون حين نزول القرآن يعرفون ربهم الذي خلقهم، وتنطق فطرهم بالحق عندما تُسْئَل، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وقد أدرك الأعرابي بفطرته السليمة أنَّ هذه المخلوقات العظيمة، من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وإنسان وحيوان، ونبات وكواكب، ورياح وسحاب، وغيرها تدل على الخالق ﵎، حيث قال: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير) ٣.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ٨٤-٨٩. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦١. ٣ من خطبة لقيس بن ساعدة، جواهر الأدب لأحمد الهاشمي ٢/١٩. وانظر: البيان والتبيين للجاحظ ص: ١٦٣.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وهذه الغريزة الفطرية، لم تكن مقتصرة على النفوس البشرية وحدها، بل حتى الطير والجمادات وغيرها، قد فطرها ربُّها وخالقها على تسبيحه وتحميده وتنزيهه، نطقًا لا يفهمه إلاّ الذي أنطقها. قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ ٣.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدلُّ على معرفة الجمادات بربها، وتسبيحها له.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٤٤. ٢ سورة النور الآية: ٤١. ٣ سورة الحج الآية: ١٨.
[ ١ / ٣٣٩ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والمقصود إذا كانت هذه الجمادات قد فطرت على معرفة ربها وتسبيحه وتنزيهه، والإنسان أشرف منها، فلأن يفطر على معرفته بربه بطريق الأولى والأحرى، لما ركب فيه من العقل والتمييز والفطنة"، إلى أن يقول: " وهذا الهدهد طير من الطيور، وفي نظرنا عديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك، فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١، هذا كله كلام الهدهد، كما اتفق على ذلك المفسرون"٢ا.؟.
ومن هذا يتبين لنا أنّ وجود الله تعالى أمر فطر في النفوس البشرية، وأنّ الميل والانحراف إنّما يكون عند تغير الفطرة وفسادها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من النّاس، عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها"٣.
_________________
(١) ١ سورة النمل الآيات: ٢٢-٢٦. ٢ مجموعة الرسائل الكبرى ٢/٣٤٠-٣٤٤. ٣ مجموع الفتاوى ٦/٧٣، وما تقرر هنا من أن وجود الخالق أمر فطري في النفوس البشرية، وأن الانحراف أمر طارئ عليها.. هو ما قرره الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ١/١٤٤، وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة ٢/٢٠٢ وعزاه إلى الجمهور، وابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان ٢/١٥٧-١٥٨. وانظر: منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان للدكتور علي ناصر فقيهي ص: ٤٠ الطبعة الأولى ١٤٠٥؟.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أسباب تغير الفطرة:
وقد يقال هنا لو كان التوجه إلى الله تعالى أمرًا فطريًا في النفوس البشرية، لما عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى؟
والجواب: أنّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق جل وعلا، لكن الإنسان في هذه الدنيا تحيط به مؤثرات كثيرة، تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق، وذلك فيما قد يغرسه الآباء في نفوس الأبناء، وما قد يلقية الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة، بما يبدل هذه الفطرة ويفسدها، ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة.
يصدِّق ما ذكرنا ماثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ١. ولم يقل يسلمانه؛ لأنَّ الإسلام دين الفطرة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢١٩ كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي هل يصلى عليه؟ ومسلم ٤/٢٠٤٧ كتاب القدر، حديث: ٢٢ و٢٤ وتقدم.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقد يقال إذا تركنا الطفل من غير أن نؤثر على فطرته، هل يخرج موحدًا عارفًا بربه؟
فنقول: إذا ترك شياطينُ الإنس البشر، ولم يدنّسُوا فطرهم، فإنّ شياطين الجن لن يتركوهم، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١.
وأُعطي الشيطان القدرة على أنْ يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.." ٢.
وبين القرآن أنَّ لكلِّ إنسان قرينًا من الجن يأمره بالشر، ويحثه عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ ٣.
ولا يتخلص الإنسان من هذا إلاّ بالالتجاء إلى الله تعالى، والتعوذ من
_________________
(١) ١ سورة ص الآيتان: ٨٢-٨٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٢٧٨ كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ وصحيح مسلم ٤/١٧١٢ كتاب السلام، حديث رقم: ٢٤. وسنن أبي داود ٢/٨٣٥ كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. وسنن ابن ماجه ١/٥٦٦ كتاب الصيام، باب في المعتكف يزور أهله في المسجد. ٣ سورة ق الآية: ٢٧.
[ ١ / ٣٤٢ ]
شر الشياطين١.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ٢.
ماذا عن الدهريين والشيوعيين في العصر الحاضر؟
أما عن الدهريين والشيوعيين الملحدين في العصر الحاضر، فقد يُخيّل إلينا أحيانًا أنَّ الانحراف الحاصل في بعض المجتمعات المعاصرة استثناء من هذه القاعدة، لأن فيها شعوبًا بأسرها لا تعرف الله ألبتة، ولا تعبده ألبتة، بل تدرس الإلحاد في المدارس، وتخرج ملحدين لا يعرفون الله، ولا يؤمنون بوجوده.
كما أنَّ بعض المفسرين قالوا عن "الدهريين" الذين يقص القرآن قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٣، إنّ هؤلاء القوم ينكرون وجود الله، ويؤمنون بدلًا منه بالدهر.
فأما بالنسبة لهذه الآية، فليس فيها ما يقطع بأنهم حتمًا ينكرون وجود الله، لأنَّ الآية تقرر فقط أنهم ينسبون الإماتة إلى الدهر، بدلًا من
_________________
(١) ١ انظر في هذا: العقيدة في الله للدكتور عمر سليمان الأشقر ص: ٦٥-٦٦. ٢ سورة الناس بتمامها. ٣ سورة الجاثية الآية: ٢٤.
[ ١ / ٣٤٣ ]
الله، وأنهم ينكرون البعث، وليس هناك على الإطلاق ما يمنع من أن يكونوا مؤمنين بوجود الله، ولكنهم ينفون صلته سبحانه بما يحدث لهم من حياة وموت، كما ينفون قدرته على البعث
أما الشيوعيون فليسوا -برغم إلحادهم- مستثنين من القاعدة، إنّما الإلحاد مفروض عليهم فرضًا بالحديد والنار، كالنظام الشيوعي ذاته، ولو خلى بينهم وبين أنفسهم لكان ضلالهم في أمر العقيدة كضلال بقية الضالين من البشرية.
ويدلّل الأستاذ محمد قطب على ذلك بأن الشيوعيين في الأصل على الفطرة، وأنهم ليسوا خارجين عنها، فيقول: فجاجارين رائد الفضاء الأول، شاب ربى نفسه في الشيوعية والإلحاد منذ مولده إلى يوم انطلاقه إلى الفضاء في داخل الصاروخ، ومع ذلك فقد اهتزت فطرته حين نظر إلى الكون من خلال الصاروخ، لأنه رأى صورة لم يشهدها من قبل، وكان أول تصريح له حين هبط إلى الأرض: " حين صعدتُ إلى الفضاء، أخذتني روعة الكون، فمضيت أبحث عن الله".
ويبين الأستاذ محمد قطب بأن استجابة الفطرة التلقائية إزاء الكون الهائل، الذي خلقه الله ﷿، لم تستطع كل الشيوعية التي تفرضها الدولة، وكل الإلحاد الذي تبثه في الدروس، أن تحول دون انطلاقها حين هزتها روعة الكون.
ثم يقول: "ومن الطريف أن الدولة غضبت من هذا التصريح، لأنه
[ ١ / ٣٤٤ ]
سيهدم كل ما أنشأته خلال خمسين عامًا من الإلحاد، لذلك أمرت جاجارين بتقييم ذلك التصريح الخطير، فأضاف إليه في القراءة الثانية: " أخذتني روعة الكون، فمضيت أبحثُ عن الله، فلم أجده".
ونشرت وكالات الأنباء هاتين القراءتين المختلفتين للتصريح الواحد، بغير تعليق١ ا.؟.
وهذا يدلنا على أنّ إنكار الإله الحق عند الشعوب الشيوعية، إنّما هو نتيجة لتدريس الإلحاد في تلك البلدان، وفرضه على الناس بالحديد والنار.
وأما ما وجد وقت نزول القرآن الكريم من بعض من فسدت فطرتهم، وانحرفوا عن الحق، فظنوا أو توهموا أنّ المؤثر في الحياة والإماتة، إنّما هو الدهر، كما جاء ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀ في معنى الآية: "هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، ومرادهم ما ثم إلا هذه
_________________
(١) ١ انظر دراسات قرآنية لمحمد قطب ص: ٢٦-٢٨ بتصرف. ٢ سورة الجاثية الآية: ٢٤.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك معاد ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، والمعتقدين أنّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه"١ ا.؟
فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢، أي: ليس لهم مستند في ذلك من عقل أو نقل، وإنّما هم قوم يتوهمون ويتخبلون بالظن من غير يقين، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
كما طالبهم بالدليل على هذا المعتقد الفاسد، والدعوى الباطلة، وهي قولهم إنّهم خلقوا من غير خالق، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٣.
قال الخازن: "ومعنى الآية، هل خلقوا من غير شيء خلقهم، فوجدوا بلا خالق، وذلك مما لا يجوز أنْ يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق ضروري، فإنْ أنكروا الخالق لم يجز أنّ يوجدوا بلا خالق، أن هم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإذا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/١٦٢ بتصرف. ٢ سورة الجاثية الآية: ٢٤. ٣ سورة الطور الآية: ٣٥.
[ ١ / ٣٤٦ ]
بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنْ لهم خالقًا فليؤمنوا به، وليوحدوه وليعبدوه، وليوقنوا أنّه ربهم وخالقهم"١ ا.؟.
هذا وسيأتي بيان شبهة منكري البعث، وأدلة القرآن في إثباته في موضعه.
ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، والرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب هو خاتم الأنبياء والرسل، والدين الإسلامي خاتم الأديان كلها على الإطلاق، لا يقبل الله من أحد دينًا غيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
جاء هذا الكتاب شاملًا وافيًا لكل حاجات البشر، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ٤.
ومن كماله ووفائه اشتماله على جميع الحجج، والبراهين القاطعة التي تقمع شبهات المنحرفين، والمعاندين متى ظهروا، وفي أي
_________________
(١) ١ تفسير الخازن ٤/٢١٠. ٢ سورة آل عمران الآية: ١٩. ٣ سورة آل عمران الآية: ٨٥. ٤ سورة الأنعام الآية: ٣٨.
[ ١ / ٣٤٧ ]
مكان ظهروا.
وإليك دلائل وجود الله ووحدانيته من كتاب الله العزيز ترشد كلا من الملحدين والمشركين، وتدحض كل شبهة، وتبطل كل فرية، وتدل على الطريق الواضح المستقيم.
[ ١ / ٣٤٨ ]
تفصيل القول في الدلائل على وحدانية الله
١-آيات الله في خلق الإنسان:
إنَّ كلَّ ما في الكون من الذرة إلى المجرة، آيات عظيمة تدل على وجود الله تعالى ووحدانيته، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث الإنسان على التدبر والتأمل في مخلوقات الله الكثيرة، ليزداد إيمانًا ويقينًا بمعرفة خالقه وبارئه، ومصوره إن كان مؤمنًا، وتدعوه إلى الإيمان عن حقيقة واقتناع، إن كان مشركًا أو ملحدًا.
ولما كان أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإننا نبدأ به قبل غيره.
ففي النفس الإنسانية من الآيات والدلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته ما لا يحصى، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير الطبري ﵀:" معنى ذلك: وفي أنفسكم أيها الناس آيات وعبر، تدلكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه، إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلقه إياكم ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾، يقول: أفلا تنظرون في ذلك فتتفكروا فيه، فتعلموا حقيقة وحدانية خالقكم"٢.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات الآية: ٢١. ٢ تفسير ابن جرير ٢٦/٢٠٥.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وبين أن نفخة من روح الله تعالى في قبضة من التراب، تصنع هذا الكائن العجيب، وهذا دليل قوي وشاهد عظيم على ربوبية الله تعالى ووحدانيته، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
وعن أصل خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآية: ٥٣. ٢ سورة السجدة الآيات: ٧-٩. ٣ سورة الطارق الآيات: ٥-٧. ٤ سورة الدهر الآيتان: ١-٢.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وعن أصل خلقه وتكوينه، ومراحل نموه وتطوره، ثم إماتته وبعثه، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ ٣.
وعن أغشية الجنين، والتي عبر عنها القرآن الكريم بالظلمات الثلاث، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ١٢-١٦. ٢ سورة غافر الآية: ٦٧. ٣ سورة عبس الآيات: ١٧-٢٢.
[ ١ / ٣٥١ ]
ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
وهذه الظلمات هي: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد، وظلمة البطن٢.
وكل عالم ومفكر، وأديب وطبيب، وباحث وصانع، وفيلسوف وشاعر، يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا كبيرًا أو صغيرًا، وما اكتسبه من علم ومهارات فإنما هو من فضل الله تعالى عليه.
قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣.
وبين لنا القرآن الكريم تلك المفارقة الضخمة بين التراب والنطفة القذرة، وبين ذلك الإنسان المستوي المعتدل الخلقه، ثم ما يلبث أنْ يكابر ويتكبر، ويعاند ويجحد، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الزمر الآية: ٦. ٢ انظر: تفسير ابن كثير ٤/٥٠، وإيثار الحق على الخلق لأبي عبد الله المرتضى اليماني ص: ٤٥. ٣ سورة النحل الآية: ٧٨. ٤ سورة النحل الآية: ٤.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ١.
ومن خلال الآيات السابقة، يتبين لنا أنّ الإنسان لو نظر وفكر وتأمل في مبدأ خلقه، وفي كيفية تكوينه وتركيبه، لوجد الشيء الهائل الذي يعجز عن وصفه، فضلًا عن إدراك كنهه، وكلما اتسع نطاق العلم، تضافرت الأدلة على أن لهذا الإنسان البديع الصنع إلهًا حكيمًا، إنه لا يوجد ناحية من نواحي الإنسان ليست مثار دهشة وعجب، إنّ أطواره في الرحم آية من آيات الله تعالى الدالة على وجوده ووحدانيته، ونظام طعامه وشرابه وتحليل الطعام إلى عناصر مختلفة بموازين دقيقة يذهب كل عنصر إلى حيث يؤدي وظيفته، عدا العنصر الذي لا يفيد فيطرد إلى الخارج، كل ذلك آية من آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته.
ونظام توزيع الدم من مكانه الرئيسي، وهو القلب إلى جميع أنحاء الجسم بواسطة الشرايين التي لا يحصى عددها إلا الله، ثم عودته إلى القلب بواسطة الأوردة، ومرور الهواء الجديد الذي جلبه التنفس، ليصلح الدم بعد الفساد فيفيد منه الجسم، آية من آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته، دع السمع والبصر والنطق والإحساس، بل دع ما يعرض
_________________
(١) ١ سورة يس الآية: ٧٨.
[ ١ / ٣٥٣ ]
للإنسان من تذكر ونسيان، وحزن وسرور، وعلم وجهل، ومحبة وبغض، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على قدرة الله وعظمته، وبالتالي على وجوده ووحدانيته.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، وهو غافل معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره"١.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/١٨٨.
[ ١ / ٣٥٤ ]
٢- آيات الله في الكون:
أ- آيات الله في خلق السماء:
ومن أعظم الآيات الدالة على عظمة خالقها ومبدعها، خلق السماء التي فوق رؤوسنا، انظر إلى خلقها المحكم مرةً بعد مرة، ثم كرر النظر إليها مرةً بعد أخرى، فإنك لا تجد فيها صدعًا ولا فطرًا، ولا عيبًا، بل ستجد أنَّ النظر يعود إليك خاشعًا ذليلًا أمام عظمة الخالق ﷾.
قال ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ١.
قال القرطبي ﵀: "أي ردد طرفك وقلب البصر في السماء كرتين، أي مرة بعد أخرى، يرجع إليك البصر خاشعًا صاغرًا، متباعدًا عن أن يرى شيئًا من ذلك العيب والخلل، وإنما أمر بالنظر كرتين، لأنَّ الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه، ما لم ينظر إليه مرة أخرى، والمراد بالكرتين التكثير بدليل قوله تعالى: ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ
_________________
(١) ١ سورة الملك الآيتان: ٣-٤.
[ ١ / ٣٥٥ ]
حَسِيرٌ﴾، وهو دليل على كثيرة النظر"١.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَاوَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ ٢.
فيا سبحان الله إنها لمثار الدهشة والإعجاب، ربنا ما خلقت هذا باطلًا.
ولعظم خلق السماء، فقد أكثر الله ﵎ من القسم بها، كقوله: والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والسماء وما بناها، والسماء ذات الرجع.
قال ابن القيم ﵀: "ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة، كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم هذا القسم كقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٣، ثم قال: والمقصود إنه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٠٩. ٢ سورة ق الآية: ٦. ٣ سورة الواقعة الآية: ٧٥-٧٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ربوبيته ووحدانيته"١ ا.؟.
ومن كمال قدرة الله تعالى، وعظيم سلطانه أنه رفع السموات بغير قواعد ترتكز عليها، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣.
فأيُّ قوى تمسك بمقاليد هذه السماء، فتجعل عملها يستمر ووظائفها تتأدى وفق نظام شامل بديع!!
والجواب: إنه لا يوجد غير الله العزيز الحكيم، الخالق الرؤوف الرحيم بخلقه، الذي يمسك الزمام بقوة وإحكام.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/١٩٧. وانظر التبيان في أقسام القرآن للمؤلف ص: ٥٧ وما بعدها. ٢ سورة الرعد الآية: ٢. ٣ سورة الحج الآية: ٦٥. ٤ سورة فاطر الآية: ٤١.
[ ١ / ٣٥٧ ]
قال القرطبي ﵀: "لما بين أنَّ آلهتهم لا تقدر على شيء من السموات والأرض، بين أنَّ خالقها وممسكها هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه".
وقد بين نديم الجسر في كتابه قصة الإيمان، بأن العلم يرجع ذلك الإمساك إلى قوة الجاذبية التي شاهد العلماء آثارها، وأحصوا أطوارها، ومسوا سطوحها ولم يسيروا أغوارها، وعرفوا قوانينها، ونواميسها، ولم يعرفوا بعد أسرارها١..
ثم يعلق نديم الجسر على ذلك بقوله: والحق ما قالوا، فالجاذبية حق وقوانينها المحسوسة المتزنة المتناسبة المحكمة الدقيقة حق، ولكن هل يكون القانون الدقيق المحكم أثر من آثار المصادفة العمياء؟.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقد امتدح الله تعالى المتفكرين والمتأملين في ملكوت السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ
_________________
(١) ١ قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والإيمان ص: ٣١١. ٢ سورة الزمر الآية: ٦٧.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١.
إنَّ السموات والأرض كون هائل، يزخر بالنفائس ويمتلئ بالمعجزات، لا يستطيع أحدٌ سوى الله تعالى أن يخلق شيئًا فيه كبيرًا أو صغيرًا، وفي تعاقب الليل والنهار آيات ضخمة كذلك، تشارك في ذلك الشمس بالمقدار المعلوم المنضبط من الضوء والحرارة، ويشارك فيه القمر بضوئه وإشراقه.
كما ذم المعرضين عن التفكر في ذلك الخلق العجيب، والتنظيم الفريد، الدال على الحكمة البالغة، والقدرة الباهرة.
فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٢.
قال القرطبي: "بين تعالى أنّ المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، ولو نظروا واعتبروا لعلموا أنَّ لها صانعًا قادرًا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآيتان: ١٩٠-١٩١. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٣٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
واحدًا، يستحيل أنْ يكون له شريك"١.
هذا وقد تحدث الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة عن عظمة خلق السموات وما فيها من الأدلة والعجائب الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته، فقال: "فالأرض والبحار والهواء، وكل ما تحت السموات، بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر، ولهذا قلَّ أنْ تجيء سورة في القرآن، إلاّ وفيها ذكرها، إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أنْ يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر، والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها "٢.
ب- آيات الله في خلق الأرض:
وفي حديث القرآن الكريم عن الأرض التي نعيش فوقها، ونكد
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ١١/٢٨٥. ٢ مفتاح دار السعادة ١/١٩٦-١٩٧.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ونكدح على ظهرها، نجد الآيات العظيمة التي تدعو الإنسان العاقل إلى النظر والتأمل في عظمة الخالق، وكمال قدرته، وأنه ليس له شريك في ملكه، ﵎، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ١.
قال الإمام ابن كثير في معنى الآية الكريمة: " أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد، والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم، والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه"٢.
يقول ابن القيم: "وإذا نظرت إلى الأرض، وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهدًا وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل ليتنقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال، فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا
_________________
(١) ١ سورة الذاريات الآية: ٢٠. ٢ تفسير ابن كثير ٤/٢٥١.
[ ١ / ٣٦١ ]
أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا"١.
وعن بسط الأرض واستقرارها ومهدها لتكون صالحة للحياة والمعاش، قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وعن عظمة خلق السموات المرفوعة بغير عمد ترتكز عليها، وتثبيت الأرض بالجبال لئلا تتحرك وتضطرب فتهلك من عليها، أو تهدم بيوتهم، وما خلق في أرجائها من أنواع الحيوانات والدواب، وما أنزل من السماء من الأمطار لشربهم وشرب دوابهم، وإنبات النبات من جميع الأصناف، يقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/١٩٩-٢٠٠. ٢ سورة النمل الآية: ٦١. ٣ سورة غافر الآية: ٦٤.
[ ١ / ٣٦٢ ]
تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١.
أي: هذا الذي ترونه وتشاهدونه، إنما هو خلق الله وحده، أما آلهتكم المزعومة من الأوثان والأصنام فماذا خلقت؟
إنّه سؤال على جهة التهكم والسخرية بعقول أولئك المشركين، وبمعبوداتهم التي لا تجلب نفعًا ولا ترفع ضرًا.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ومع مهد الأرض واستقرارها، جعلها ذات سبل وطرق كثيرة من أجل سلوك الناس معها لقضاء حوائجهم ومصالحهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآيتان: ١٠-١١. ٢ سورة البقرة الآية: ٢٢.
[ ١ / ٣٦٣ ]
أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
وعن سعة الأرض وامتدادها، وما أودعه الله فيها من جميع الزروع والنبات، وصنوف الخيرات، قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ
_________________
(١) ١ سورة طه الآيتان: ٥٣-٥٤. ٢ سورة الزخرف الآية: ١٠. ٣ سورة الأنبياء الآيات: ٣٠-٣٢. ٤ سورة الحجر الآية: ١٩.
[ ١ / ٣٦٤ ]
زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو الإنسان إلى النظر والتفكر في صنع هذه الأرض، وما أودعه الله فيها من الخيرات والنعم الدالة على وجود الله تعالى، ووحدانية خالقها ومبدعها.
ج- آيات الله في خلق الشمس والقمر، والليل والنهار والنجوم:
ومن آيات الله العظيمة الدالة على وجوده ووحدانيته، تعاقب الليل والنهار، وما أودعه الله في الشمس والقمر من النور والإضاءة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
_________________
(١) ١ سورة ق الآيتان: ٧-٨. ٢ سورة البقرة الآية: ١٦٤.
[ ١ / ٣٦٥ ]
مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٥٤. ٢ سورة يونس الآيتان: ٥-٦. ٣ سورة يونس الآية: ٦٧. ٤ سورة المؤمنون الآية: ٨٠.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
فهذه الآيات تخاطب العقول البشرية لتنظر وتفكر وتتأمل عظمة الخالق ﵎، لتؤمن به ربًا خالقًا قادرًا حكيمًا عظيمًا، واحدًا لا شريك له في ملكه.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ٢.
والآية خطاب من الله ﷿ إلى رسوله محمد ﷺ بأن يقول للمشركين أخبروني لو جعل الله عليكم الليل دائمًا مستمرًا بلا انقطاع إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بالنور الذي تستضيئون به في حياتكم؟ وأخبروني لو جعل الله تعالى عليكم النهار دائمًا مستمرًا بلا انقطاع، من الإله القادر على أن يأتيكم بليل تستريحون فيه من العناء والتعب، غير الله تعالى؟
فلو أن المشركين سمعوا سماع فهم وقبول للحق، ونظروا بعين
_________________
(١) ١ سورة النمل الآية: ٨٦. ٢ سورة القصص الآيتان: ٧١-٧٢.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الإنصاف والعدل، لاستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى، ولعرفوا ما هم عليه من الخطأ والضلال.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وإذا تأمل الإنسان حال الشمس والقمر وما أودعهما الله من النور والإضاءة، وكيف أنه جعل لهما بروجًا ومنازل ينزلانها من مرحلة إلى مرحلة، لعلم أنّ ذلك من أجل مصالح البشر ولا غنى لهم عنه ليعلموا حساب الأعمار، والآجال المؤجلة للديون والإجارات، والمعاملات، وكذلك مواقيت العبادات كالصلاة، والصيام، والحج، وعدة النساء وغيرها.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ
_________________
(١) ١ سورة غافر الآيتان: ٦١-٦٢.
[ ١ / ٣٦٨ ]
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ ٢.
ولما كانت الشمس والقمر من أعظم الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما من مخلوقات الله تعالى، وأنهما من عبيده وتحت قهره وتسخيره، ونهى عن السجود لهما، لأنَّ ذلك لا يجدي شيئًا، وإنّما يجب السجود لله تعالى الذي خلقهما، وسائر خلقه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن الليل والنهار، والشمس والقمر من الآيات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى ووحدانيته، وحكمته في جعل الليل وقتًا للسكن والراحة من كد السعي
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان: ٥. ٢ سورة الإسراء الآية: ١٢. ٣ سورة فصلت الآية: ٣٧.
[ ١ / ٣٦٩ ]
والتعب أثناء النهار، حتى إذا أخذت النفوس راحتها، وأخذت تتطلع إلى معاشها وعملها، جاء خالق الإصباح ﷾ بالنهار، فبدّد تلك الظلمة، وكشفها عن العالم، فإذا هم مبصرون، فيهرع الناس إلى أعمالهم ومصالحهم، وكذلك تخرج الحيوانات والطيور وغيرها إلى معاشها ومصالحها، فسبحانه من إله حكيم، لا إله غيره، ولا معبود بحق سواه.
قال ابن القيم: " ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم، كيف قدرة العزيز العليم سبحانه، فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه، ولا تعدوه، لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات، لأنَّ ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر، وكان يكون الليل دائمًا سرمدًا على من لم تطلع عليهم، والنهار سرمدًا على من هي طالعة عليهم، فيفسد هؤلاء وهؤلاء، فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أنْ قدر طلوعها من أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي، ثم لا تزال تدور وتغشي جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فيختلف عندهم الليل والنهار، فتنتظم مصالحهم "١.
كما تحدث نديم الجسر عن حركات القمر ومنازله وأنواره، وأحكام نظامه، وما في ذلك من الدلالة على عظمة الخالق، ثم عقَّب على
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٠٩.
[ ١ / ٣٧٠ ]
ذلك بأن تلك الآثار لا تكون عن طريق المصادفة العمياء، فيقول:" فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوسة، ودوراته المكتوبة، ومنازله المقدرة، وأقداره المسخرة، وأنواره المكتسبة، وأطواره المرتقبة، أثر من آثار المصادفة العمياء ؟
سبحان الخلاق العظيم، والله إنَّ هذا كله لا يجتمع بالمصادفة"١.
ومن آيات الله العظيمة الدالة على وحدانيته، خلق النجوم وكثرتها، وعجيب صنعها، وأنها زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها في ظلمات الليل في البر والبحر، وما جعل فيها من الضوء والنور، وما في تسخيرها منقادة بأمر ربها ﵎ جارية وفق سنة ثابتة، ونظام دقيق، وكيف أنّ الله تعالى جعل منها البروج والمنازل، والثوابت السيارة والكبار والصغار والمتوسطة، وما فيها من اختلاف في الألوان، واختلاف في الدنو والعلو، وأشياء أخرى كلها تدعو إلى التأمل والتدبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ
_________________
(١) ١ قصة الإيمان لنديم الجسر ص: ٣٢٩. ٢ سورة الأنعام الآية: ٩٧.
[ ١ / ٣٧١ ]
مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقد أقسم الله تعالى قسمًا عظيمًا بمنازل النجوم، وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها، وذلك لما في المقسم به من الدلالة على عظيم قدرة خالقها ومبدعها، وكمال حكمته ورحمته، فقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ٤.
د-آيات الله في خلق الرياح والسحاب والمطر:
وهبوب الرياح وركودها، واختلاف مهابها لا يستغني عنها إنسان أو حيوان أو نبات، فالجميع في حاجة ماسة إليها، باردة مرة، وحارة
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٢. ٢ سورة النحل الآية: ١٦. ٣ سورة الواقعة الآية: ٧٥-٧٦. ٤ سورة الطارق الآيات: ١-٣.
[ ١ / ٣٧٢ ]
أخرى، أو رطبة مرة، وجافة أخرى، أو معتدلة.
هذه الرياح قد أحكم الله سيرها وقدر قواها، ووزعها على هذه الأرض توزيعًا دقيقًا، رصده العلماء، وقسموا على أساسه العالم إلى مناطق حارة، ومناطق باردة، وأخرى معتدلة، كما عرفوا سير هذه الرياح واتجاهها، فنظموا حركات السفن في البحر.
يقول ابن القيم ﵀:" ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف، المحبوس بين السماء والأرض، يدرك بحس اللمس عند هبوبه يدرك جسمه، ولا يرى شخصه، فهو يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه، كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه، كما تضطرب أمواج البحر، فإذا شاء ﷾ حركه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل وإن شاء حركه بحركة العذاب، فجعله عقيمًا وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرًا ونحسًا، وعاتيًا، ومفسدًا، لما يمر عليه"١.
وهذه الرياح والسحاب الذي تحمله وما يتبع ذلك من مطر ورعد
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٠٠-٢٠١.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وبرق، آيات عظيمة، وقد وقف القرآن الكريم مرشدًا ومبصرًا وواعظًا للخلق، طالبًا منهم التفكر والتأمل في عظمة الخالق وقدرته الباهرة، ليعبدوه وحده ويطيعوا أمره.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٥٧. ٢ سورة الرعد الآيات: ١٢-١٤. ٣ سورة الحجر الآية: ٢٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النمل الآية: ٦٣. ٢ سورة الروم الآية: ٤٦. ٣ سورة الروم الآيات: ٤٨-٥٠. ٤ سورة الشورى الآيات: ٣٢-٣٥.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال القرطبي عند الآية الأخيرة: " ليعلم الكفار إذا توسطوا البحر، وغشيتهم الرياح من كل مكان، أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع عنهم إن أراد الله إهلاكهم، فيخلصون له العبادة"١.
فكل هذه الآيات والبراهين العظيمة الدالة على القدرة الإلهية، إنّما ضربها الله تعالى لمن كان له عقل يعي ويدرك ويتدبر، ليعلم عن حقيقة واقتناع بأنّ هذه الآيات من صنع الله وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن: ١٦/ ٣٣. ٢ سورة البقرة الآية: ١٦٤.
[ ١ / ٣٧٦ ]
يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة النور الآيتان: ٤٣-٤٤. ٢ سورة الفرقان الآيات: ٤٨-٥٠. ٣ سورة الروم الآية: ٢٤.
[ ١ / ٣٧٧ ]
٣- آيات الله في خلق الحيوان:
وإذا ذهبنا إلى عالم الحيوان لوجدنا فيه من العجائب الإلهية ما يستحق الوقوف والتأمل طويلًا وطويلًا جدًا، وذلك أنه عالم مستقل بل هو عوالم تحار فيها العقول والأفكار.
هذا التنوع في الخلق من حيوانات برية، وبحرية، وطائرة، وحيوانات حشرية لا ترى بالعين المجردة، وأخرى كبيرة فقرية وثديية، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، وأخرى زواحف لا أرجل لها، وحيوانات طويلة العمر، وأخرى قصيرة الأجل، وحيوانات تبيض، وأخرى تلد، وحيوانات للأكل والحمل والألبان، ومنافع أخرى كثيرة، وحيوانات أخرى لا ينتفع بها الإنسان.. وحيوانات ملساء الجلد لا شيء عليها، وحيوانات أخرى مكسورة الجلد بالصوف أو بالشعر أو بالوبر أو الريش.
وهناك اختلاف في الأشكال والألوان، وفي الأصوات، وفي طريقة الحياة وتناول الطعام، وفي الأسماع والأبصار وآلات البطش، وأشياء وأشياء يعجز العلم عن تسطيرها.
أما إذا ذهبت تفتش عن الحِكم والأسرار في خلق تلك الحيوانات لوجدت نفسك أمام خضم واسع منها.
يقول ابن القيم ﵀ بعد ذكر الكثير من الحكم في خلق هذه
[ ١ / ٣٧٨ ]
الحيوانات: " فما أغزر الحِكَمْ وأكثرها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرها، وكم من دلالة فيها على الخالق ولطفه ورحمته"١.
وعن عوالم تلك الحيوانات والطيور، يتحدث القرآن الكريم، فيقول ﵎: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ٣.
ويلفت القرآن الكريم الأبصار، ويفتح العقول ويثير العواطف ويمسك بالأيدي إلى الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى، فيقول عن الطير: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٤٤. ٢ سورة الأنعام الآية: ٣٨. ٣ سورة هود الآية: ٦. ٤ سورة النحل الآية: ٧٩.
[ ١ / ٣٧٩ ]
الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ١.
وعن إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من النحل، تلك الحشرة الضعيفة، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
وعن فطانة النملة، حكى الله تعالى قولها وقد رأت سليمان ﵇ وجنوده: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ٣.
وقد قال بعض العلماء: "إن هذه الآية من عجائب القرآن، لأنها بلفظة (يا) نادت (أيها) نبهت (النمل) عينت (ادخلوا) أمرت (مساكنكم) نصت (لا يحطمنكم) حذرت (سليمان) خصت (وجنوده)
_________________
(١) ١ سورة الملك الآية: ١٩. ٢ سورة النحل الآيتان: ٦٨-٦٩. ٣ سورة النمل الآية: ١٨.
[ ١ / ٣٨٠ ]
عمت (وهم لا يشعرون) عذرت"١.
وعن قدرة الله العظيمة في خلقه لأنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
ويمتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع الكثيرة، فيقول الله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن الجوزي ٦/١٦٢. ٢ سورة النور الآية: ٤٥. ٣ سورة النحل الآيات: ٥-٨.
[ ١ / ٣٨١ ]
فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ١.
قال صاحب الكشاف: "والآية للعبرة، فإنّ الله سبحانه يخلق اللبن وسطًا بين الفرث والدم، يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبقى أحدُهُما عليه بلون، ولا طعم، ولا رائحة، فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل"٢.
فهذا التنوع والتمايز في عالم الحيوان المليء بالعبر والأسرار، لم يكن عبثًا أو مصادفة عمياء.
كما لم يبق مجال لأحد أنْ يدعَ أو يظنّ بأنّ لله شريكًا في ملكه.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٦٦. ٢ تفسير الكشاف ٢/٤١٦.
[ ١ / ٣٨٢ ]
٤-آيات الله في خلق النبات:
وإذا انتقلنا إلى عالم النبات، نجد أنّه لا يقلُّ عجبًا عن عالم الحيوان، انظر إلى الحبة تكون في باطن الأرض، تربو وتنشق وتنمو شيئًا فشيئًا، حتى يخرجَ الثمر ويؤتى أكله في حينه بإذن ربه..
وانظر إلى النواة على ضعفها تكون نخلة باسقة تمسك بها الجذور، ولا تتأثر لهبوب الرياح، وتؤتي أشهى الثمار وأنفعها..
وانظر إلى التنوع والتمايز في الثمرة الواحدة، حجمًا ولونًا ومذاقًا، على الرغم من كونها من نوع واحد، وفي أرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وترى بعضها يؤكل باطنه ويرمى ظاهره، وبعضها الآخر يؤكل ظاهره ويرمى باطنه..
ولو نظرت إلى بساتين الأعناب والنخيل، وسائر الأشجار، لرأيت العجب العجاب في صنع الله تعالى، إذ كيف نمت تلك الأغصان وتفرعت هذه الفروع وتغايرت تلك الثمار، وتشكلت هذه الألوان وتنوعت هذه المذاقات..؟
لا ريب أنها الآيات الباهرة والدلائل الملموسة التي خاطب بها القرآن الكريم الفطر السليمة، فهل من تدبر، وهل من مجيب؟
ولقد نبه الله تعالى أنَّ المقصود الأول من هذه النباتات، إنّما هو للدلالة على معرفة وجوده ووحدانيته، وكمال علمه وقدرته، يقول تعالى:
[ ١ / ٣٨٣ ]
﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وعن الزوجية في النبات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
قال ابن الجوزي: و﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: نوعين، والزوج الواحد الذي له قرين من جنسه، قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٩٥. ٢ سورة الأنعام الآية: ٩٩. ٣ سورة الرعد الآية: ٣.
[ ١ / ٣٨٤ ]
والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود١.
أقول: وهذا لا يمنع من أن يكون ذكرًا وأثنى طبق سنته الحكيمة.
قال المراغي: " أي وجعل فيها من كل أصناف الثمرات زوجين، ذكرًا وأنثى حين تكونها، فقد أثبت العلم حديثًا أنّ الشجر والزرع لا يولدان التمر والحب إلاّ من اثنين ذكر وأنثى، وعضو التذكير قد يكون مع عضو التأنيث في شجرة واحدة كأغلب الأشجار، وقد يكون عضو التذكير في شجرة، وعضو التأنيث في شجرة أخرى كالنخل، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة، إما أن يكون معًا في زهرة واحدة كالقطن، وإمّا أنْ يكون كلٌّ منها في زهرة كالقرع مثلًا "٢.
وأما ما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب بأنَّ هذه حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم، إلاّ قريبًا، وهي أن كل الأحياء تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنونًا أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود٣.
فلعل مراده من اكتشاف التذكير والتأنيث في عموم النباتات، وإلاّ
_________________
(١) ١ زاد المسير ٤/٣٠٢. ٢ تفسير المراغي ١٣/٦٦. ٣ في ظلال القرآن ٥/٧١-٧٢.
[ ١ / ٣٨٥ ]
فإنَّ الأصل معروف قديمًا، كما في عملية تأبير النخل.
وقد أشار إلى هذه الملاحظة الدكتور علي ناصر فقيهي في كتابه منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان١.
وجاء في قصة الإيمان لنديم الجسر: "يقول العلماء والعجب يأخذ منهم مأخذه، أنَّ نظام الزوجية مطرد وشامل لجميع الأحياء من الحيوانات، والنباتات كلها بطريقة واحدة، ونسق واحد.
ثم ينقل الجسر تقريرًا عن "هنري برغسون" في نفي المصادفة في ذلك التماثل والاطراد الشامل في نظام الزوجية لجميع الأحياء من الحيوانات والنباتات، إذ كيف اتفق أن اخترع الحيوان الذكورة والأنوثة ووفق النبات إلى الطريقة نفسها وبالمصادفة نفسها؟ "٢.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وبين القرآن الكريم أنَّ اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في
_________________
(١) ١ منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان ص: ٦٠ الطبعة الأولى. ٢ قصة الإيمان ص: ٣٧٧. ٣ سورة يس الآية: ٣٦.
[ ١ / ٣٨٦ ]
التربة والماء من العلامات الباهرة لمن عقل وتدبر، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي معنى ذلك، قال الطبري: " الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض، مع اجتماعها على شراب واحد"٢.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
قال أبو حيان: "ختم الآية بقوله (يتفكرون) لأنّ النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أنَّ الجنة الواحدة إذا وضعت في الأرض، ومر عليها، زمن معين لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به، فيشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآية: ٤. ٢ تفسير الطبري ١٣/٩٨. ٣ سورة النحل الآيتان: ١٠-١١.
[ ١ / ٣٨٧ ]
في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى، ويقوى، وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسام مختلفة الطبائع والألوان، والأشكال والمنافع، وذلك بتقدير قادر مختار، وهو الله تعالى"١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٥/٤٧٩. ٢ سورة الزمر الآية: ٢١.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الفصل الثاني: إقامة الحجج والبراهين على المشركين: ويشتمل على ما يلي:
١- الأدلة على صدق الرسول ﷺ.
ومن أقوى الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على الناس عمومًا والمشركين خصوصًا، ثبوت صدق النّبي ﷺ، وأنه مرسل من ربه ﵎ ثبوتًا، لا يحتمل الشك والمراء وقد دلل على ذلك من وجوه عديدة منها:
أ- شهادة الله له:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة أنَّ الله تعالى يأمر نبيه محمدًا ﷺ بأن يقول للمشركين أي شيء أعظم شهادة، حتى يشهد لي بأني صادق في دعوتي لكم للإيمان بنبوتي؟ فإنّ أجابوك، وإلاّ فقل لهم الله يشهد لي بصدق ما أدعو إليه، وكفى بشهادة الله لي.
ب- وجود صفته في كتب أهل الكتاب:
إنَّ أهل الكتاب كانوا يجدونه موصوفًا عندهم في التوراة والإنجيل،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٩.
[ ١ / ٣٩١ ]
بصفاته الكاملة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٣.
وصفات الرسول ﷺ لا تزال توجد في كتب أهل الكتاب: العهد القديم، والعهد الجديد، رغم دخول التحريف والتبديل على هذه الكتب٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٤٦. ٢ سورة الأعراف الآيتان: ١٥٦-١٥٧. ٣ سورة الشعراء الآية: ١٩٧. ٤ انظر في هذا إظهار الحق لرحمة الله الهندي، والفارق بين المخلوق والخالق لعبد الرحمن بك زاده، والأجوبة الفاخرة لشهاب الدين القرافي وغيرها. وقد تحدثت عن هذا الموضوع في رسالتي للماجستير "منهج القرآن الكريم في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام".
[ ١ / ٣٩٢ ]
ج- شهادة اليهود له:
وقد كان اليهود يستفتحون بالرسول ﷺ على المشركين من العرب قبل البعثة، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور:.. يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ الآية٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٨٩. ٢ انظر: سيرة ابن هشام ١/٥٤٧، وتفسير الطبري ١/٤١٠، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٣/٢٨٣، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٢١.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وروى الإمام أحمد في مسنده عن سلمة بن سلامة ﵁وكان من أصحاب بدر- قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال فخرج علينا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ -أحدث من فيه سنًا- على بردة مضطجعًا بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة، والحساب والميزان، والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به لَودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سنًا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا ما قلت؟ قال: بلى وليس به"١.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٤٦٧. قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع. انظر مجمع الزوائد ٨/٢٣٠. وصححه ابن حبان.
[ ١ / ٣٩٤ ]
د- شهادة النصارى له:
وكذلك كان النصارى يترقبون مبعثه ﷺ، وقد أخبر الله ﷿ أن المسيح بن مريم ﵇ قد بشر بني إسرائيل ببعثه صلى الله عليه وسماه لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ١.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ أحمد من أسماء النبي ﷺ، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" ٢.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ورقة بن نوفل الذي
_________________
(١) ١ سورة الصف الآية: ٦. ٢ أخرجه البخاري بشرح الفتح ٦/٥٥٤ كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، و٨/٦٤٠ كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ . وصحيح مسلم ٤/١٨٢٨ كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ترويه عائشة ﵂ في بدء الوحي: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه –وهو التعبد- الليالي ذوات العدد إلى أن قالت: فأتت به خديجة ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، فقالت: اسمع من ابن أخيك، فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا هو الناموس الذين نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب١ ورقة أن توفي"٢.
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين أيضًا من حديث أبي سفيان،
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: لم ينشب أي: لم يلبث، وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره، ولا اشتغل بسواه. النهاية ٥/٥٢. ٢ صحيح البخاري ١/٣-٤ كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. ومسلم ١/١٣٩ وما بعدها كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث: ٢٥٢.
[ ١ / ٣٩٦ ]
عندما استدعاه هرقل في بلاد الشام، قال في آخر حديثه: "وقد كنت أعلم أنه خارج (نبي)، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي"١.
ومن ذلك ما رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فذكر حديثه، قال النجاشي: "أشهد أنه رسول الله ﷺ، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه"٢.
ومن ذلك حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: "كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان، من قرية منها يقال له جى، وذكر الحديث إلى أن قال في قصته مع الرهبان النصارى، فإلى من توصي بي، وما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٣٢ كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. ومسلم ٣/١٣٩٣ كتاب الجهاد، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل.. . ٢ سنن أبي داود ٣/٥٤٣ كتاب الجنائز، باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك، وإسناده حسن. انظر: حاشية جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير ١١/٢٦٤.
[ ١ / ٣٩٧ ]
تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تتبعه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أنْ تلحق بتلك البلاد فافعل "١.
هـ - شهادة مشركي العرب له بالصدق والأمانة:
لقد حفظ لنا التاريخ صحيفة بيضاء لحياة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها، ومما حفظ لنا التاريخ أنه ﷺ اشتهر بالصدق والأمانة، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين٢، وكانوا يضعون
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند ٥/٤٤١ وما بعدها. وانظر: دلائل النبوة للبيهقي ١/٣٤٨. قال ابن حجر: "ورويت قصته من طرق كثيرة من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه، وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضًا، وأخرجه الحاكم من حديث بريدة، وعلق البخاري طرفًا منها". الإصابة ٢/٦٢. ٢ انظر قصة الحجر الأسود في سيرة ابن هشام ١/١٩٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/٣٠٣، وقصة المغيرة والمقوقس في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني ص: ٤٩، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ١/٩٩، وأسمائه ﷺ في الخصائص الكبرى للسيوطي ١/١٩٣.
[ ١ / ٣٩٨ ]
عنده أماناتهم لِمَا يعلمونه من صدقه وأمانته١.
وكان رأيهم هذا يعد إجماعًا منهم فيه ﷺ، يؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢، صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنت مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ "٣.
_________________
(١) ١ انظر قصة تخلف علي بن أبي طالب ﵁ عن الهجرة في مكة من أجل تأدية الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ للناس، في تاريخ الطبري ٢/٣٧٨. ٢ سورة الشعراء الآية: ١٢٤. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٧٣٧ كتاب التفسير، سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ . وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨٣.
[ ١ / ٣٩٩ ]
فتأمل قولهم: "ما جربنا عليك إلا صدقًا"، معنى ذلك: أنهم لم يحفظوا عنه كذبة واحدة قبل أن يقول لهم ذلك القول، وإلا لذكروها له.
وشهد أبو سفيان -قبل أن يسلم- أمام هرقل بصدقه ﷺ، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان لا "١.
كما شهد أمية بن خلف وزوجته قائلًا كلٌ منهما: "فوالله ما يكذب محمدٌ إذا حدث"٢.
لقد قالوا ذلك مع شدة عداوتهم له ﷺ، فيا لها من شهادة.
وإخبار الجن عنه ﷺ:
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول إنّي لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أنَّ هذا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٣٢ كتاب بدء الوحي. ومسلم ٣/١٣٩٣ كتاب الجهاد، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٦٢٩، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. وأحمد في المسند ١/٤٠٠.
[ ١ / ٤٠٠ ]
على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، على الرجل، فدعي له فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم أستقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك. قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها١، ويأسها٢، من بعد إنكاسها٣، ولحوقها بالقلاص٤، وإحلاسها٥؟ قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا أشد منه يقول: يا جليح٦، أمر نجيح٧، رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت فوثب القوم قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلاّ الله، فقمت، فما نشبنا أنْ
_________________
(١) ١ إبلاسها وفي رواية: "تجساسها" أي: أنها فقدت أمرًا فشرعت تفتش عليه. الفتح ٧/١٨٠. ٢ المراد به اليأس ضد الرجاء. الفتح ٧/١٨٠. ٣ الإنكاس: الإنقلاب. الفتح ٧/١٨٠. ٤ القلاص: الفتية من النياق. الفتح ٧/١٨٠. ٥ الإحلاس: ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل. الفتح ٧/١٨٠. ٦ الجليح معناه: الوقح المكافح بالعداوة. الفتح ٧/١٨١. ٧ يقال نجح فلان، وأنجح، إذا أصاب طلبته. النهاية لابن الأثير ٥/١٨.
[ ١ / ٤٠١ ]
قيل هذا نبي"١.
ز- معجزاته:
ومعنى الإعجاز في اللغة الفوت والسبق، يقال: أعجزني فلان، أي فاتني
قال الليث: "أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه"٢.
والعجز في التعارف: اسم للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة٣، قال تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي﴾ ٤.
والمعجزة في الإصطلاح: هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم عن المعارضة٥.
والمراد بالإعجاز هنا: هو إظهار صدق الرسول ﷺ في دعوى الرسالة بإظهار عجز العرب بل الناس جميعًا عن معارضته في
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/١٧٧ كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام عمر. ٢ لسان العرب لابن منظور ٥/٣٧٠. ٣ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص: ٣٢٢. ٤ سورة المائدة الآية: ٣١. ٥ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/١٤٨.
[ ١ / ٤٠٢ ]
معجزته الخالدة –وهي القرآن الكريم- وعجز الأجيال من بعدهم إلى قيام الساعة.
فالقرآن الكريم قد جاء يحاج العقل البشري ويتحداه إلى الأبد، بعلومه ومعارفة، وأسلوبه وبلاغته، وإخباره الماضية والمستقبلة، وهذا بخلاف معجزات الأنبياء السابقين، وعلامات صدقهم، فإنها كانت محسوسة مشاهدة، وكانت من جنس ما اشتهر به أقوامهم.
وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ في قوله: "ما من الأنبياء إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أنْ أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ١.
وبيان ذلك أنّ الرسول ﷺ قد بعث في قوم بلغ فيهم البيان العربي أوج عزته، وتفننت لديهم الفصاحة والبلاغة بأرقى الأساليب، وأوضح البيان.
فجاء القرآن الكريم كلامًا معجزًا وأفكارًا حية نابضة خالدة بخلود الزمن في المبادئ، والأخلاق، والعقائد، ومناقشة المبطلين، والرد عليهم، وإقامة الحجج والبراهين على بطلان مزاعمهم.
والرسول ﷺ مع ذلك رجل أمي لا يعرف القراءة
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٦/٩٧ كتاب الفضائل، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل -المكتبة الإسلامية - استانبول.
[ ١ / ٤٠٣ ]
والكتابة، ولم يدرس في مدرسة، أو يتعلم علومه في جامعة.. ولم يثبت عنه أنه تلقى شيئًا من العلوم والمعارف من بعض العلماء أو المبرزين في صنوف الثقافة والمعرفة، ولم يتصل بأحدٍ من علماء أهل الكتاب حتى يطلعَ على أخبار الأنبياء السابقين.
ومع ذلك فقد تحدى النبي ﷺ العرب خاصة، والناس عامة بالقرآن الكريم على ثلاث مراحل:
١- تحداهم أن يأتوا بمثله وأمهلهم سنين طويلة فلم يقدروا، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ١.
كما ورد التحدي بالقرآن الكريم كله، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
لقد طلب منهم أن يأتوا بكتاب كامل غير هذا الكتاب الكريم، فإذا لم يستجيبوا لدعوته، دلّ ذلك على أنهم متعنتون، يعبدون الهوى، ويسيرون على غير الهدى.
٢- فلما عجزوا عن ذلك تحداهم بعشر سور من مثله مفتريات،
_________________
(١) ١ سورة الطور الآية: ٣٤. ٢ سورة القصص الآية: ٤٩.
[ ١ / ٤٠٤ ]
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ١.
٣- وبعد عجزهم عن ذلك تحداهم بالإتيان بسورة واحد مثله في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وكرر هذا التحدي في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٣.
وبرغم هذا النزول في التحدي إلى الإتيان بسورة واحدة، ولو
_________________
(١) ١ سورة هود الآيتان: ١٣-١٤. ٢ سورة يونس الآية: ٣٨. ٣ سورة البقرة الآيتان: ٢٣-٢٤.
[ ١ / ٤٠٥ ]
بأقصر السور، لم يتقدم واحد منهم إلى حلبة الميدان، رغم أنهم أئمة الفصاحة، وفرسان البلاغة، وثبت عجزهم، وظهر إعجاز القرآن الكريم، وصدق النبي ﷺ.
قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
وقد ظل القرآن الكريم منذ اكثر من أربعة عشر قرنًا، وسيظل بإذن الله ما بقي الدهر، يتحدى سائر الأمم عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره، وما ذلك إلاّ لأنه كلام رب العالمين.
وهناك معجزات أخرى كثيرة كانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب، ومعراجه إلى السماء إلى سدرة المنتهى، وحماية الله له من أعداءه وعصمته من الناس، وإجابة دعائه، ونبع الماء من بين أصابعه، وإخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة التي لا يعلمها أحد إلاّ بتعليم من الله تعالى
هذا وقد ذكر الإمام النووي في مقدمة شرح مسلم أنَّ معجزات النبي ﷺ تزيد على الألف والمائتين٢.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٨٨. ٢ انظر مقدمة شرح النووي على مسلم ١/ ٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
والاسترسال في هذا الموضوع يخرجنا عن المقصود، ومن أراد التوسع فعليه بكتب دلائل النبوة١.
_________________
(١) ١ من هذه الكتب: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للحافظ أبي بكر أحمد ابن الحسين البيهقي، القسم الأول، طبع بمطبعة دار النصر للطباعة، القاهرة، ونشرته المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، والقسم الثاني مخطوط بالجامعة الإسلامية تحت رقم: ٢٥٩٣. وهناك دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وإعلام النبوة للماوردي الشافعي، وكلاهما مطبوع.
[ ١ / ٤٠٧ ]
٢- أسئلة تفحم المشركين:
ومن الحجج التي أقامها القرآن الكريم على المشركين، استجوابهم عن أمور لا يمكنهم إنكارها، كالرزق والحواس، وأحوال الموت والحياة، وشئون التدبير.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيات: ٣١-٣٦.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فهذه الآيات الكريمة قد اشتملت على استجواب المشركين على أربعة أمور لا يمكنهم إنكارها، وذلك أنَّ الكلام إذا كان واضحًا جليًا، ثم ذكر على سبيل السؤال والاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤل، كان ذلك أبلغ وأوقع في قلب السامع.
وهذه الأمور هي: أحوال الرزق، وأحوال الحواس، وأحوال الموت والحياة، وتدبير الأمر١.
فأما الأمر الأول: فهو السؤال عن مسبب الأرزاق، وذلك أن الرزق إنّما يحصل من السماء والأرض، أما من السماء فبنزول الأمطار، كما قال تعالى: ﴿ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ١٧/٧٦. ٢ سورة الجاثية الآية: ٥. ٣ سورة عبس الآيات: ٢٤-٣٢.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وأما الرزق من الأرض، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتًا أو حيوانًا، أما النبات فلا ينبت إلاّ من الأرض، وأما الحيوان فهو محتاج إلى الغذاء، فلزم القطع بأنَّ الأرزاق لا تحصل إلاّ من السماء والأرض، ومعلوم أن مدبر السموات والأرض ليس إلاّ الله ﷾، وفثبت أنَّ الرزق ليس إلا من الله تعالى١.
وأما الأمر الثاني: فهو أحوال الحواس، ومن أهمها وأشرفها: السمع والبصر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ٣.
وكان علي ﵁ يقول: "سبحان من بصر بشحم، وأسمع
_________________
(١) ١ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ١٧/٨٦ بشيء من التصرف. ٢ سورة الأنعام الآية: ٤٦. ٣ سورة الملك الآية: ٢٣.
[ ١ / ٤١٠ ]
بعظم، وأنطق بلحم"١.
وأما الأمر الثالث: فهو أحوال الموت والحياة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ٢.
قال الإمام القرطبي: "أي النبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر"٣.
وقال الإمام ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤، أي:" تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذ المجرى من جميع الأشياء"٥.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٧/٨٦. ٢ سورة يونس الآية: ٣١. ٣ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٣٣٥. ٤ سورة آل عمران الآية: ٢٧. ٥ تفسير ابن كثير ١/٣٧١.
[ ١ / ٤١١ ]
أما الأمر الرابع: فهو قوله: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي، وفي عالم الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها، فلما ذكر تعالى بعض تلك التفاصيل، لا جرم عقبها بالكلام الكلي، ليدل على الباقي١.
فهذه الآيات الكريمة تبين لنا أنّ استجواب المشركين عن هذه الأمور الأربعة، يهدف إلى إلزامهم بما يعترفون به حقيقة، وبما فطرت عليه نفوسهم من الإيمان بما تحس وما يحصل عندها من بداهة إلى حد الضرورة، ولهذا عندما سُئل المشركون هذا السؤال لم يكن بد من الاعتراف بما يعتقدونه من وجود الله تعالى، وتدبيره لشئون خلقه ووحدانيته، إذ لا مجال للعناد والمكابرة في شيء من ذلك لغاية وضوحه.
ومما يؤيد اعترافهم وإقرارهم بربهم الأعلى الذي يلجأون إليه في الرغبة والرهبة، ما رواه الترمذي عن عمران أن النبي ﷺ قال لحصين: "كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: من لرهبتك ورغبتك، قال: الذي في السماء، قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم، وعلمه النبي
_________________
(١) ١ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ١٧/٨٧.
[ ١ / ٤١٢ ]
ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" ١.
ومن تقرير وحدانية الله تعالى واستقلاله بالملك والتصرف عن طريق السؤال الذي لا محيد لهم فيه عن الجواب الصحيح.
قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات الكريمة أمرَ اللهُ رسوله ﷺ أن يقول للمشركين لمن الأرض وما فيها من الحيوانات والنبات والثمار، وسائر صنوف المخلوقات؟ ومن المالك لها والمتصرف فيها بالإيجاد، والإفناء؟ فإن كان لديكم علم بذلك فأخبروني به.
ستجد أنّهم عند ذلك ينطقون بالحق، وهو أن ذلك لله وحده، فإذا كان ذلك فقل لهم: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: أفلا تعتبرون أنّه لا تنبغي العبادة
_________________
(١) ١ الجامع الصحيح للترمذي ٥/٥١٩-٥٢٠ كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات، وقال: هذا حديث غريب. رقم: ٣٤٨٣. ٢ سورة المؤمنون الآيات: ٨٥-٩٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
إلاّ للخالق الرازق المحي المميت.
وقل لهم: ﴿مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من هو خالق السموات الطباق بما في ذلك الشمس والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير الذي تحمله الملائكة الأطهار؟
ستجد أنّهم يقولون الله وحده، فقل لهم يا محمد ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: أفلا تخافون من عذابه فتوحدونه وتتركون عبادة غيره.
ثم قل لهم: ﴿مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: من بيده الملك الواسع؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإيجاد والتدبير؟ وهو مع ذلك يحمي من استجار به والتجأ إليه.
وكانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا، لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه، لئلا يفتات عليه١.
إن المشركين عند ذلك: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، أي: إذا كنتم تقرّون بأنَّ الملك والتدبير كله لله جل وعلا، فكيف تخدعون وتعرضون عن طاعته وتوحيده.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٢٦٦.
[ ١ / ٤١٤ ]
قال أبو حبان: "والسحر هنا مستعار، وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها، بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط"١.
وقال صاحب كتاب التسهيل: "ورتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج، فقال أولًا: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال ثانيًا: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾، وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثًا: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره"٢.
وقال القرطبي: "ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار، وإقامة الحجة عليهم، ونبهت على أنّ من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع، هو المستحق للألوهية والعبادة "٣.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤، وهو إعلام من الله تعالى بأنه لا إله غيره، وقد قامت الأدلة الصحيحة الواضحة على ذلك، وأن المشركين لا يفعلون ذلك عن دليل، وإنّما يتبعون الإفك والضلال طريق آبائهم وأسلافهم في الجهل والتقليد.
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٦/٤١٨. ٢ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ٣/١١٩. ٣ الجامع لأحكام القرآن ١٢/١٤٦. ٤ سورة المؤمنون الآية: ٩٠.
[ ١ / ٤١٥ ]
٣- الاحتجاج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية وإقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد:
أ-إقرارهم بتوحيد الربوبية:
ومن أقوى الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على المشركين في تقرير وحدانية الله تعالى اعتراف المشركين بأن الله تعالى هو المستقل بخلق وتدبير ما في الكون من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب وأنهار، وأنعام وحيوان، ونبات وأزهار وأنه الخالق الرازق المالك لعباده، ومقدر أرزاقهم وآجالهم.
جاء هذا الاعتراف والإقرار في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
_________________
(١) ١ سورة يونس الآية: ٣١.
[ ١ / ٤١٦ ]
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
يقول سيد قطب ﵀ عند تعرضه للآيات المتقدمة من سورة العنكبوت: " هذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب فيما قبل الإسلام، وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد، ثم وقع فيها الانحراف، ولا عجب في هذا فهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنّهم على دين إبراهيم، وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس، ولم يكونوا يحفلون كثيرًا بالديانة الموسوية أو المسيحية، وهما معهم في الجزيرة العربية اعتزازًا منهم بأنهم على دين إبراهيم، غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف، وكانوا إذا سئلوا عن
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ٨٤-٨٩. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦١. ٣ سورة العنكبوت الآية: ٦٣.
[ ١ / ٤١٧ ]
خالق السموات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السماء، ومحي الأرض بعد موتها بهذا الماء.. يقرون أنّ صانع هذا كله هو الله، ولكنهم مع هذا يعبدون أصنامهم، أو يعبدون الجن، أو يعبدون الملائكة، ويجعلونهم شركاء لله في العبادة، وإن لم يجعلوهم شركاء له في الخلق.. وهو تناقض عجيب "١.
والحق أن المتأمل في القرآن العظيم، يجد أنَّ أكثر ما دار الحوار بين الأنبياء وأممهم، إنّما هو في إثبات الوحدانية لله تعالى، وإلا فإنّ الإقرار بوجود الله تعالى والاعتراف به خالقًا رازقًا مدبرًا، أمر فطري في النفوس البشرية، إلا إذا انتكست تمامًا، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم المكذبة بإرسالهم إليهم: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ٢.
وقد قالوا لهم ذلك على وجه الاستفهام الإنكاري والتوبيخ، لأنَّ وجود الله ووحدانيته أمر لا يحتمل الشك، لظهور الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على ذلك، وصدق القائل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد٣.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٦/٤٢٨. ٢ سورة إبراهيم الآية: ١٠. ٣ إحياء علوم الدين للغزالي ١/١٤١.
[ ١ / ٤١٨ ]
أما قول ذلك المارد (النمرود بن كنعان) الذي جادل إبراهيم ﵇ في ربه، كما ذكر الله تعالى قصته في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
فقد حمله بطره وطغيانه وكفره بنعم الله عليه، بأنْ ادعى لنفسه مماثلة إله إبراهيم في الإحياء والإماتة، حيث فسر الإحياء بالعفو عمن يستطيع قتله، والإماتة بمن يستطيع إعدامه.
ومن هنا فإنّ إبراهيم ﵇ قطع حجته الواهية، بأن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق، فعليه هو إن كان ربًا صادقًا مثل إله إبراهيم، أنْ يأتي بالشمس من المغرب، ولو مرة واحدة؟ فعند ذلك أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتًا لا يستطيع أنْ ينطق بكلمة.
وكذلك ما ادعاه فرعون من الربوبية والإلهية، كما حكى الله تعالى ذلك عنه في قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٥٨. ٢ سورة القصص الآية: ٣٨.
[ ١ / ٤١٩ ]
وقوله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١، فقد وضّح القرآن الكريم أن فرعون وملأه قد عرفوا الحق في أنفسهم، ولكن منعهم الكبر والطغيان عن اتباعه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٢.
وأما ما حكاه الله تعالى عن الدهريين، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣.
فهم قلة ممن فسدت فطرتهم فانحرفوا عن اتباع الحق، ومسلك العقلاء، وليس عندهم دليل على دعواهم سوى الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ومن هذا يتبين لنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية، هو حجة ملزمة على المشركين، لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره معه؟ وهم مع ذلك يعترفون أنَّ تلك المعبودات لا تملك لهم منعًا ولا عطاء، ولا تملك لأنفسهم ضرًا ولا
_________________
(١) ١ سورة النازعات الآيتان: ٢٣-٢٤. ٢ سورة النمل الآيتان: ١٣-١٤. ٣ سورة الجاثية الآية: ٢٤.
[ ١ / ٤٢٠ ]
نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فكيف تملك ذلك لغيرها؟!
ب- إقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد:
وأما إقرار المشركين بتوحيد الإلهية والتجاؤهم إلى الله تعالى وحده عند الشدة والكرب وتركهم كلَّ ما كانوا يدعونه من دون الله من الأصنام والأنداد وغيرها، فقد ثبت ذلك عنهم في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
ونذكر في هذا الصدد ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا –﵀- في تفسير هذه الآيات:
"والمعنى: قل يا أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين أخبروني عن رأيكم أو عن مبلغ علمكم في ذلك إن أتاكُم عذاب الله الذي نزل بمن كان من أقوام الرسل قبلكم، كالريح الصرصر العاتية، والصاعقة أو الرجفة القاضية، ومياه الطوفان المغرقة، وحرارة الظلمة المحرقة، أو أتتكم الساعةُ بمقدمات أهوالها، أو ما يلي البعث من خزيها ونكالها، أغير الله في هذه الحالة تدعون؟ أم إلى غيره فيها تجأرون؟ إن كنتم صادقين في
_________________
(١) ١ الأنعام الآية: ٤٠-٤١.
[ ١ / ٤٢١ ]
دعواكم ألوهية هؤلاء الشركاء، الذين اتخذتموهم أولياء، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء، أو إن كان من شأنكم الصدق فأخبروني أغير الله تدعون إذا أتاكم أحد هذين الأمرين؟ اللذين يحلو دونهما طعم الأمرين؟
ثم أجاب تعالى مخبرًا إياهم عما تقتضيه فطرتهم فقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي لا تدعون غيره لا وحده ولا معه، بل تخصونه وحده بالدعاء، فيكشف ما تدعون إلى كشفه إن شاء وتنسون ما تشركون الآن من الشفعاء والأنداد، لأنَّ الفزع إليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر تنبعث إليه بذاتها كما تنبعث إلى طلب الغذاء عند الجوع مثلًا"١.
قال الزجاج:" أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلاّ إياه، وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام"٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن
_________________
(١) ١ تفسير المنار ٧/٤٠٨-٤٠٩. ٢ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٣/٣٧.
[ ١ / ٤٢٢ ]
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١.
ففي هذه الآيات الكريمة نرى القرآن الكريم يخاطب محمدًا ﷺ بمحاكمة المشكرين المعاندين إلى ما تنطق به فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية، وتلتجئ إلى إلهها الحق في ساعة الشدة والضيق والحرج، حين يعانون في أسفارهم أهوال البر والبحر، فإنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم ولا إلى كوكب، ولا إلى ملك ولا إلى جني، ولا إلى غير ذلك.
وإنّما يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سرًا وجهرًا، ويعدون الله تعالى إذا أنجاهم من تلك الضائقة أن يكونوا من المؤمنين الشاكرين، ولكنهم بعد نجاتهم وأخذهم على أنفسهم العهد ألا يشركوا بالله تعالى يعودون إلى الشرك مرة أخرى.
ويماثل معنى الآيات السابقة، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٦٣-٦٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقوله ﷾: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢.
وقوله ﷿: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وقوله عز من قائل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان: ٢٢-٢٣. ٢ سورة الإسراء الآية: ٦٧. ٣ سورة النحل الآيات: ٥٣-٥٥. ٤ سورة النمل الآية: ٦٢.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وقال ﷾: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أنّ ما تقلده المشركون من الشرك، إنّما هو أمر عارض وشيءٌ طارئ يشغل أذهانهم ومخيلاتهم في وقت الراحة والرخاء، أما إذا نزل بهم ما لا يُطاق من اللأواء وشدة الفزع، فإنهم يجأرون بالدعاء إلى الله وحده، مخلصين له الدين، وضلَّ عنهم كل ما كانوا يدعونه من الأصنام والأوثان، لأنَّ هذا دعاء القلب والفطرة، لا دعاء اللسان والتقليد الأعمى.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٦٦. ٢ سورة الزمر الآية: ٨.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٤- الدعوة عن طريق السؤال والجواب:
ومن تنويع أساليب القرآن الكريم في الاحتجاج على المشركين، والتفنن في دعوتهم إلى توحيد الله تعالى –حتى لا يسأموا- استعمل معهم أسلوب الدعوة إلى التوحيد عن طريق السؤال والجواب.
قال الله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
ومعنى قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين لرسالتك، المعرضين عما جئتهم به من أمر التوحيد، والبعث والجزاء، لمن هذه المخلوقات في العالم كله، علوية وسفلية؟ لمن الكائنات جميعًا في السموات والأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا؟ قل لهم تقريرًا وتنبيهًا وإلزامًا هي لله تعالى وحده، لأنهم يوافقون ويقرون بذلك، ولا يستطيعون إنكاره، إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم.
وقد جزم صاحب الكشاف، بأنَّ السؤال للتكبيت، وأنَّ قوله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
﴿قُل لِلّهِ﴾ تقرير لهم، أي: هو لله لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئًا منه إلى غيره١.
وقال الرازي: "أمره بالسؤال أولًا، ثم بالجواب ثانيًا، وهذا إنّما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب فيه قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع"٢.
ومن الآيات التي وردت في إثبات الوحدانية عن طريق السؤال والجواب، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾ ٣.
قال القرطبي ﵀: " أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾، ثم أمره أن يقول لهم هو الله إلزامًا لهم للحجة، إنْ لم يقولوا ذلك وجهلوا من هو"٤.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
_________________
(١) ١ الكشاف ٢/٧. ٢ التفسير الكبير ١٢/١٦٤. ٣ سورة الرعد الآية: ١٦. ٤ الجامع لأحكام القرآن ٩/٣٠٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
إن الناس يشتاقون إلى مشرق الصبح حين يطول بهم ليل الشتاء، ويحنون إلى ضياء الشمس عندما تتوارى عنهم فترة وراء السحاب، فكيف بهم لو فقدوا الضياء، ولو دام عليهم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة؟ على فرض أنهم ظلوا أحياء، وإنَّ الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار، لو لم يطلع عليها النهار، والناس يستروحون الظلام حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار، ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف، ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار.
والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار، فكيف بالناس لو ظل النهار سرمدًا إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء، وإن الحياة كلها معرضة للتلف والبوار، إن دام
_________________
(١) ١ سورة القصص الآيات: ٧١-٧٥.
[ ١ / ٤٢٨ ]
عليها النهار١.
أما العلم الحديث، فيقول كريسي موريسون:" إن الشمس التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها ١٢.٠٠٠ درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه النار الهائلة بالدفء الكافي، لا بأكثر منه، وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة، بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو أنَّ درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فإن كل نبت يموت، ويموت معه الإنسان حرقًا أو تجمدًا.
والكرة الأرضية تدور بمعدل ثمانية عشر ميلًا في الثانية، ولو أنَّ معدل دورانها كان مثلًا ستة أميال أو أربعين ميلًا في الثانية، فإن بعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا، ولو أنَّ شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي فقط، لكنا تجمدنا، ولو أنها زادته بمقدار النصف، لأصبحنا رمادًا من زمن بعيد، هذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بروتوبلازمية (خلية) للحياة، ومن ذلك نجد أن شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة "٢.
_________________
(١) ١ انظر في ظلال القرآن لسيد قطب ٦/٣٦٩-٣٧٠ بتصرف. ٢ العلم يدعو للإيمان ص: ٥٥ الطبعة الخامسة ١٩٦٥م.
[ ١ / ٤٢٩ ]
والآيات تبين للناس جميعًا والمشركين على وجه الخصوص، أنَّ تعاقب الليل والنهار بهذا النظام الدقيق المحكم إلى يوم القيامة، يدل دلالةً جليةً على قدرة الخالق، وأنه لا إله غيره، ولا أحد يفعل كفعله، ولذا كان الخطاب عن طريق السؤال والجواب للتبكيت والإلزام بالحجة الواضحة التي لا يمكن إنكارها.
[ ١ / ٤٣٠ ]
٥- أمثلة من البراهين العقلية على وحدانية الله:
الدين الإسلامي لا يدعو الناس إلى عقيدة غامضة، ولكنه يقوم على براهين عقلية واضحة، تدل على صحة ما يدعو إليه، ولا يهاجم مبدأ أو معتقدًا آخر إلاّ بعد أن يقدّم الدليل الواضح على تفاهته وبعده عن الحق والصواب، وتعدد المعبودات –مثلًا- يجعل البشر عبيدًا لتلك المعبودات، ومن جراء ذلك تقع الأعباء الكثيرة على كواهل عابديها، كتقديم الهدايا والنذور وغيرها من أنواع القرب.
قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فالقرآن الكريم يبين الفرق العظيم، والبون الشاسع بين عبادة إله واحد يخضع الجميع لحكمه، وما يتطلبه ذلك التوحيد من التخفيف عن كواهل البشر من التضحيات المرهقة، والشعائر الرهيبة، وبين عبادة آلهة متعددة، غالبًا ما ينشأ بسببها أنواع من الاختلاف والشقاق، كما يُحاج القرآن الكريم المشركين بأن تعدد المعبودات ليس له أساس من شرع أو
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآيتان: ٣٩-٤٠.
[ ١ / ٤٣١ ]
حق، وإنما هي أسماء سموها هم وآباؤهم، ولذلك فإنّه يجب عليهم أنْ يرجعوا إلى عقولهم ويخلصوا العبادة لله تعالى وحده، فذلك الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه.
قال الفخر الرازي: " إنّ كونه تعالى واحدًا يوجب عبادته؛ لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا، ورفع الشرور والآفات عنا، فيقع الشك في أننا هل نعبد هذا أم ذاك؟ "١.
وهذا الذي قاله الرازي هو بعض ما يفهم من بعض مقتضيات التوحيد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقد تضمنت الآية الكريمة استفسارًا إنكاريًا فيه تهكم وتقريع للمشركين، إذ أنّهُ من الواضح أنه ليس هناك موازنة بين ما عبدوه من دون الله من المعبودات التي ليس فيها شائبة خير، وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره.
قال سيد قطب ﵀: " ويبدو هذا السؤال بهذه الصيغة وكأنه تهكم محض، وتوبيخ صرف؛ لأنه غير قابل أنْ يوجه على سبيل الجد، أو
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ١٨/١٤٠. ٢ سورة النمل الآية: ٥٩.
[ ١ / ٤٣٢ ]
أن يطلب عنه جواب"١.
وتتابع البراهين الدالة على وحدانية الله تعالى، وقدرته وحكمته، يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
فهذه الآيات الكريمة واجهت المشركين بأسئلة مستمدة من واقع الكون الذي حولهم، والذي يشاهدونه ويلمسونه، ويتمتعون بفوائده وخيراته.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٦/٢٩١. ٢ سورة النمل الآية: ٦٠-٦٤.
[ ١ / ٤٣٣ ]
إنَّ استخدام الحواس في النظر، والتدبر فيما يشاهد من خلق السموات والأرض وما فيهما من إبداع وتنسيق، لا يمكن أنْ يكون صدفةً، أو رميةً من غير رام.
إنَّ الأرض التي جعلت مستقرًا للكائن الحي، إنسانًا كان أو حيوانًا، والأنهار التي تجري فيها لمصلحة الإنسان والحيوان، والجبال التي انتصبت على ظهرها لتثبيتها واستقرارها، وما جعله الله من حواجز تفصل بين المياه العذبة والمياه المالحة١.
إنَّ الذي فعل ذلك لا يمكن أن يكون معه شريك في ملكه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون الحق، فيشركون مع الله غيره.
ويأتي البرهان الآخر في الآيات الكريمة عن طريق الاستفهام الإنكاري، لاستنهاض الذهن الخامل إلى القيام بالموازنة، بين الذي يجيب دعوة المضطر كلما تضرع إليه لإزالة ما ألم به من مكاره، ودفع ما أحاط به من نوازل، والذي يجعل سكان الأرض خلائق يعمرونها جيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، وبين هذه المعبودات التي لا تفقه ولا تحس ولا تعي، ولا تدافع عن نفسها، فضلًا عن نفع أو إضرار غيرها.
ويأتي برهان آخر أيضًا، وهو أنه من يرشدهم إلى مقاصدهم في أسفارهم في الظلام الدامس، في البراري، والقفار، والبحار، والبلاد التي
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ٣/٣٨٦.
[ ١ / ٤٣٤ ]
يتوجهون إليها بالليل والنهار؟
ومن الذي يسوق الرياح مبشرة بنزول المطر الذي هو رحمة للبلاد والعباد؟
هل من إله مع الله يقدر على شيء من ذلك؟
تعالى الله وتقدس الخالق القادر عن مشاركة المخلوق العاجز.
ويأتي البرهان الأخير من سياق الآيات الكريمة، يسأل المشركين عن من يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده بعد فنائه؟
قال الزمخشري: " كيف قال لهم ذلك وهم منكرون للإعادة؟
والجواب: أنه قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار"١.
ويسألهم القرآن الكريم عن الذي يرزقهم من السماء بإنزال المطر، فينبت لهم من خيرات الأرض والزروع والثمار؟ فهل من إله غير الله تعالى يفعل شيئًا من ذلك؟
ثم قال لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تدّعون وتزعمون إن كنتم صادقين في أنَّ مع الله إلهًا آخر.
قال أبو حيان: " وناسب ختم كل استفهام بما تقدمه، فلما ذكر
_________________
(١) ١ الكشاف ٣/٢٩٧.
[ ١ / ٤٣٥ ]
إيجاد العالم العلوي والسفلي، وما امتن به من إنزال المطر، وإنبات الحدائق، اقتضى ذلك أن لا يعبد إلا موجد العالم، والممتن بما به قوام الحياة، فختم بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يعدلون عن عبادته، أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق مخترع، ولما ذكر جعل الأرض مستقرًا، وتفجير الأنهار وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيها على تعقل ذلك والفكر فيه، ختم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
ولما ذكر إجابة دعاء المضطر وكشف السوء واستخلافهم في الأرض ناسب أن يستحضر الإنسان دائمًا هذه المنة، فختم بقوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ إشارة إلى نسيان الإنسان إذا صار إلى الخير، بعد زال السوء عنه.
ولما ذكر الهداية في الظلمات، وإرسال الرياح مبشرات، ومعبوداتهم التي لا تهدي ولا ترسل، وهم يشركون بها، ختمه بقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ على سبيل التوكيد والتقرير، إنه لا إله إلا هو تعالى"١ ا.؟.
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٧/٩١ بتصرف يسير.
[ ١ / ٤٣٦ ]
٦- الاستدلال بالمتقابلات:
ومن الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على المشركين، الإستدلال بالمقابلة بين خالق المخلوقات العظيمة –خاصة- ماله تأثير على حياة الناس ومنافعهم- وبين ما يعتقد فيه المشركون أنّ له شيئًاَ من التأثير كدفع ضر أو جلب نفع، وهو مخلوق حقير لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعًا ولا يُدفع عنها ضرًا- فضلًا عن نفع أو إضرار غيره.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
قال الرازي: " والمعنى أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل لا يقدر ألبتة على شيء، أفلا تذكرون، فإنّ هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر، ويكفي فيه أن تنتبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فهذه الأصنام جمادات محضة، وليس لها فهم ولا قدرة، ولا اختيار، فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها"٢.
وجاء في تفسير أبي السعود: " ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ هذه المصنوعات
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٧. ٢ التفسير الكبير ٢٠/١٢. بتصرف
[ ١ / ٤٣٧ ]
العظيمة، ويفعل هاتيك الأفاعيل البديعة، أو يخلق كل شيء، ﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ شيئًا أصلًا، وهو تبكيت للكفرة، وإبطال لإشراكهم وعبادتهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينها وبينه ﷾"١.
ومن آيات المقابلة في هذا الخصوص، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
وقد اشتملت الآية الكريمة على أربع متقابلات:
المقابلة الأولى: بين الله الذي هو رب السموات والأرض، وبين شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا يدفعون عنها ضرًا.
قال الفخر الرازي: " ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها،
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ٥/١٠٤. ٢ سورة الرعد الآية: ١٦.
[ ١ / ٤٣٨ ]
ودفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها، ودفع المضرة عن غيرها، كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك، كانت عبادتها محض العبث والسفه"١.
المقابلة الثانية: هي بين الأعمى، ويشمل المشرك الذي لا يبصر الحق، ولا يدرك الحقائق، وبين البصير ويشمل المؤمن الذي يبصر الحق، ويدرك الحقائق.
وهذه المقابلة هي في الواقع استدلال تدعيمي للمقابلة الأولى، لأنه من المسلم به بداهة أنْ لا تساوي بين الأعمى والبصير.
قال الرازي مبينًا العلاقة بين هذه المقابلة، والتي قبلها: " ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة، بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى، والعالم بها كالبصير"٢.
المقابلة الثالثة: هي بين الظلمات والنور، وإيضاح ذلك، إنه إذا كانت الظلمة وما ينتج عنها من ضياع وضلال، فإنها لا يمكن أنْ تكون مساوية للنور، وما يتولد عنه من إنارة وإشعاع، واهتداء، فكيف تصح المساواة بين جمادات جاثمة من الأصنام والأوثان لا تحرك ساكنًا، وبين من كان من إبداعه خلق السموات والأرض؟
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ١٩/٣١. ٢ التفسير الكبير ١٩/٣١.
[ ١ / ٤٣٩ ]
المقابلة الرابعة: وهي بين من يخلق، ومن لا يخلق، وهي من تمام الاحتجاج عليهم، والتهكم بعقولهم، والمعنى هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله، فالتبس الأمر عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟
وإذا كان المشركون يعلمون بالضرورة أنّ تلك المعبودات من دون الله لم يصدر عنها فعل ألبتة، وما ظهر لها خلق إطلاقًا، ولما كان الأمر كذلك كان حكمهم إزاءها بأنها شركاء لله في الألوهية محض السفه والجهل.
قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وإلا لم يكن للاحتجاج بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ معنى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، أي: فإذا اعترفتم، فلم تعبدون غيره؟ وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح"٢.
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآية: ٢٥. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٩/٣٠٣.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ومن آيات المقابلة قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١.
وقد ذكر الله تعالى من مخلوقاته، في هذا السياق ما يلي:
١- خلق السموات بغير عمد مرئية.
٢- جعل الرواسي الثابتة على الأرض حتى لا تهتز وتضطرب، فتهلك من على ظهرها.
٣- تفريق كل أنواع الحيوانات والدواب من مأكول ومركوب على سطح الأرض.
٤- إنزال الماء من السماء وفق نظام دقيق.
٥- أنبت من الأرض كل صنوف النبات ذات المنافع الكثيرة، والخلق البديع.
أما آثار الذين من دونه تعالى، فهي لا شيء بحكم واقع الأمر.
قال الرازي: "يعني: الله خالق، وغيره ليس بخالق، فكيف تتركون
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآيتان: ١٠-١١.
[ ١ / ٤٤١ ]
عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق"١.
فالتقابلات إذن تهدف إلى الاستدلال على أن الله تعالى ليس له شريك في ملكه أبدًا، وهي تبرهن على عدم وجود أي مبرر منطقي يسوغ عبادة غير الله من الأوثان والأنداد وغيرها.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ٢٥/١٤٤.
[ ١ / ٤٤٢ ]
٧- ضرب الأمثال:
ومن الوسائل التي استعملها القرآن الكريم في دعوة المشركين، ضرب الأمثال للتذكير والوعظ والاعتبار، وتصوير الشرك بصورة محسوسة ليكون ذلك أقرب إلى الأنظار، وأثبت في الأذهان، وأسرع في الفهم والامتثال.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٢.
والمثل في اللغة يطلق على المثل، والشبه والشبيه وزنًا ومعنىً في الجملة٣، وقيل المثل بفتحتين معناه: الوصف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الزمر الآية: ٢٧. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٤٣. ٣ لسان العرب لابن منظور ١١/١٦٠. ٤ سورة الرعد الآية: ٣٥.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فمثلها صفتها والخبر عنها١.
ونقل الميداني أنّ المثل: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، مأخوذ من المثال، والأصل فيه التشبيه٢.
ويقرر أبو هلال العسكري أن كلَّ كلمةٍ سائرة تسمى مثلًا، وقد يأتي القائل بما يحسن من الكلام أن يتمثل به، إلا أنه لا يتفق أن يسير فلا يكون مثلًا٣.
ويذكر الراغب الأصفهاني "بأن أصل المثول الانتصاب، والممثل المصور على مثال غيره، يقال: مثل الشيء أي انتصب وتصور، والتمثال الشيء المصور، وتمثل كذا تصور، قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٤"٥.
وقد نفى الله تعالى عنه المشابهة من كل وجه، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ
_________________
(١) ١ لسان العرب ١١/٦١٠. ٢ الأمثال للميداني ١/٥ المطبعة الخيرية. وانظر كتاب الجمهرة على هامش الأمثال ص: ١٠. ٣ الجمهرة على هامش مجمع الأمثال ١/٥. ٤ سورة مريم الآية: ١٧. ٥ المفردات في غريب القرآن ص: ٤٦٢.
[ ١ / ٤٤٤ ]
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١.
ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ المثل هو: الشيء الممثل به، الذي يتضح به صورة المعنى المراد وصفه، وإبراز هذه الصفة بطريقة واضحة جلية.
١- ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله تعالى يعبدونها، ويرجون نفعها بالعنكبوت اتخذت بيتًا لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀: " هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يغني عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآية: ١١. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٤١.
[ ١ / ٤٤٥ ]
المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها "١.
وقال القرطبي: " وهذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما إنَّ بيت العنكبوت لا يقيها حرًا ولا بردًا "٢.
وقال ابن القيم ﵀: " وهذا من أحسن الأمثال، وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده"٣.
٢-وضرب الله تعالى مثلًا آخر في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب الحقير، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٤.
قال ابن القيم ﵀: " حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٤٣١. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٣/٣٤٥ نقلًا عن الفراء. ٣ الأمثال في القرآن لابن القيم ص: ١٩٠. ٤ سورة الحج الآية: ٧٣.
[ ١ / ٤٤٦ ]
التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟
وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم، والشهادة على أنَّ الشياطين قد تتلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة إلى أن يقول: وأدلُّ من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم، أنّ هذا الخلق الأقل الأذل، العاجز الضعيف، لو اختطف منهم شيئًا واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه، لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه.."١.
٣-كما ضرب الله تعالى لهم مثلًا واقعيًا من أنفسهم، وهو أنه إذا كان أحدهم لا يرضى أن يكون عبده ومملوكه شريكًا له في ماله الذي رزقه الله تعالى، فكيف يرضى لله شريكًا له في العبادة، وهو في الأصل مخلوق لله، وعبد له؟
_________________
(١) ١ الأمثال في القرآن لابن القيم ص: ٢٤٧-٢٤٩.
[ ١ / ٤٤٧ ]
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: " هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"٢.
وقال ابن القيم ﵀: " وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها، معلوم لها.
والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله، حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأن
_________________
(١) ١ سورة الروم الآية: ٢٨. ٢ تفسير ابن كثير ٣/٤٤٩.
[ ١ / ٤٤٨ ]
يتصرف فيه، كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فَلِمَ عدلتم لي من خلقي من هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلًا في خاطركم وعقولكم، مع أنه جائز عليكم، وممكن في حقكم، إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة، وإنّما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبادي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أنّ من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي، فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول "١.
٤-ومن ضرب الأمثال للمشركين، وإقامة الحجة عليهم، ما ضربه الله لهم في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ففي هذا المثل شبه الله المشرك بالعبد الذي يتولى أمره شركاء كثيرون بينهم اختلاف وتنازع، فهم يتنازعونه ويتجاذبونه في حوائجهم، واحد يأمره بأمر، وآخر يأمره بمخالفته، وثالث يأمره بكذا، ورابع يأمره بكذا، مما يجعل العبد في حيرة وضلال من أمره، لا يدري أيهم يرضي؟
_________________
(١) ١ الأمثال في القرآن ص: ٢٠١-٢٠٣. ٢ سورة الزمر الآية: ٢٩.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وشبه الرجل الموحد بالعبد الذي لا يملكه إلاّ شخص واحد، حسن الأخلاق، فلا منازعة ولا معارضة مما يحقق للعبد الهدوء والاستقرار.
والسؤال الموجه إلى المشركين هو: هل يستوي العبد الذي يملكه شركاء بينهم نزاع في ذلك العبد المشترك بينهم وبين العبد الذي يملكه شخص واحد في حسن الحال وراحة البال؟
والجواب: إذا كان ذلك حقًا لا يستوي، فكذلك لا يستوي المؤمن الموحد الذي لا يعبدُ إلاّ الله وحده لا شريك له، مع المشرك الذي يعبد آلهة متعددة.
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: "هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص"١.
وقال الرازي: "وهو مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك، وتحسين التوحيد"٢.
٥-ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمشركين، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللهُ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/٥٦. ٢ التفسير الكبير ٢٦/٢٧٧.
[ ١ / ٤٥٠ ]
مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١.
فقد اشتملت الآيتان الكريمتان على مثلين:
الأول: ما ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي يعبدونها من دون الله جل وعلا، وبيان ذلك: أنَّ مثل هؤلاء المشركين مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيان في البشرية والمخلوقية لله ﷾، فما الظن برب العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات وأحقرها؟
وهو سبحانه المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على خلقه، ليلًا ونهارًا، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء.
وقد ذهب إلى هذا القول مجاهد والسدي٢.
وذهب ابن عباس وقتادة أنه مثل صربه الله للمؤمن والكافر، فالذي لا يقدر على شيء هو الكافر؛ لأنه لا خير عنده، وصاحب الرزق هو المؤمن، لما عنده من الخير٣.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيتان: ٧٥-٧٦. ٢ انظر تفسير الطبري ١٤/١٤٩-١٥٠. ٣ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤/٤٧٢، والطبري ١٤/١٤٩.
[ ١ / ٤٥١ ]
قال ابن القيم ﵀: " والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١"٢.
والمثل الثاني: هو ما ضربه الله سبحانه لنفسه، ولما يعبدون من دونه أيضًا من الأصنام الباطلة، فالصنم بمنزلة رجل أبكم لا ينطق ولا يعقل، ولذلك فهو عاجز لا يقدر على شيء بالكلية، لأنه إما حجر أو شجر، ومع هذا فأينما أرسله صاحبه لا يأتيه بخير، ولا يقضي له حاجة.
والسؤال هو هل يستوي هذا الأخرس الذي لا يفيد شيئًا، وذلك الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة؟
وإذا كان العاقل لا يسوي بينهما، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه القادر العليم، المتكلم الآمر بالمعروف، والهادي إلى الصراط المستقيم.
وبهذا يتبين لنا أن ضرب المثل من الوسائل التي أثبت الله تعالى بها قدرته العظيمة، وعجز كل ما يعبد من دونه من إنسان أو حيوان، أو
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيتان: ٧٣-٧٤. ٢ انظر الأمثال في القرآن ص: ٢٠٥-٢٠٧.
[ ١ / ٤٥٢ ]
حجر، أو شجر، وغير ذلك، وأنه من الأساليب التي اتخذها القرآن في إقامة الحجة على المشركين، حيث أنه أظهر الشرك في صور ملموسة محسوسة.
[ ١ / ٤٥٣ ]
٨- الجدل:
قال ابن منظور في لسان العرب: " الجدل هو: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. يقال جادلت الرجل فجدلته جدلًا، أي: غلبته، ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام"١.
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: " الجيم والدال واللام، أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام"٢.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: "أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته"٣، أي ملقى على الجدالة، وهي: الأرض٤.
ومن هذا يتبين لنا أن الجدل في اللغة هو اللدد في الخصومة، ومراجعة الكلام.
أما الجدل في الاصطلاح فقد عرفه أبو البقاء في كتاب الكليات، فقال: " الجدل هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو
_________________
(١) ١ لسان العرب ١١/١٠٥. ٢ مقاييس اللغة ١/٤٣٣. ٣ سبق تخريجه ص: ٢١١ ٤ النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ١/٢٤٨.
[ ١ / ٤٥٤ ]
شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره"١.
وعرفه صاحب المصباح المنير، فقال بعد أن ذكر المعنى اللغوي للجدل: " ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة؛ لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلاّ فمذموم"٢ا.؟
قال الرازي: "والجدل المذموم في القرآن، محمول على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى"٣ ا.؟.
هذا وقد جاء الجدل في القرآن الكريم على أنواع منها:
١-ما كان القصد منه الرد على المعاندين وإلْزامهم بالحجة، وهذا ما جاء على ألسنة الرسل والأنبياء ﵈، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ كتاب الكليات لأبي البقاء ٢/١٧٢. ٢ المصباح المنير ص: ١٠٢. ٣ التفسير الكبير للفخر الرازي ٥/١٦٧. بتصرف يسير. ٤ سورة النحل الآية: ١٢٥. ٥ سورة العنكبوت الآية: ٤٦.
[ ١ / ٤٥٥ ]
٢-ما جاء في القرآن من الحوار بقصد الترجي، أو الاسترشاد وحب الاستطلاع.
ومن هذا القبيل، جدل إبراهيم ﵇ مع ربه لتأخير العذاب عن قوم لوط ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١.
وكذلك جدال الملائكة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وكذا جدال خولة بنت ثعلبة التي حكى الله قصتها في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣.
٣-ما جاء على ألسنة الكفار والمعاندين من الاعتراضات والدعاوي
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٧٤. ٢ سورة البقرة الآية: ٣٠. ٣ سورة المجادلة الآية: ١.
[ ١ / ٤٥٦ ]
الباطلة، كما قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ١.
والذي نحن بصدده الآن، إنّما هو جدل القرآن للمشركين في إثبات الوحدانية لله تعالى، وما أقامه عليهم من أدلة وبراهين، وإلزامهم بالحق في أسلوب واضح جلي.
هذا وقد سلك القرآن الكريم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين:
المسلك الأول: الاستدلال على وحدانية الله تعالى بانتظام الكون، وسلامته من الخلل والتصادم والفساد.
ومن أظهر الأدلة على هذا ما يسميه علماء الكلام بدليل التمانع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢.
قال الإمام عبد الرحمن بن نجم المعروف بالحنبلي في كتابه استخراج الجدل من القرآن، بعد إيراده للآية الكريمة: "وهذا الدليل معتمد أرباب
_________________
(١) ١ سورة غافر الآية: ٥. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٢٢.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الكلام من أهل الإسلام، وقد نقل بعض علماء السلف أنه قال: نظرت في سبعين كتابًا من كتب التوحيد، فوجدت مدارها على قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ "١.
ومعنى الآية الكريمة: "أي لو كان في السموات والأرض إله غير الله، لخرجتا وهلك من فيهما، ذاك أنه لو كان فيهما إلهان، فإما أن يختلفا أو يتفقا في التصرف في الكون، والأول ظاهر البطلان، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معًا، فيريد أحدهما الإيجاد والثاني لا يريده، فيثبت الوجود والعدم لشيء اختلفا فيه، وأما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني، فيكون هذا مغلول اليد عاجزًا، والإله لا يكون كذلك، والثاني باطل أيضًا؛ لأنهما إذا أوجداه معًا توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد.
ولما أثبت بالدليل أنّ المدبر للسموات والأرض لا يكون إلا واحدًا، وأن ذلك الواحد لا يكون إلاّ الله، قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: فتنزيهًا لله رب العرش المحيط بهذا الكون، ومركز تدبير العالم عما يقول هؤلاء المشركون من أنَّ له ولدًا أو شريكًا"٢.
_________________
(١) ١ استخراج الجدل من القرآن الكريم ص: ٨٣. ٢ انظر تفسير المراغي ١٧/١٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: " أي لو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق غاية الكمال"٢.
وقال ابن القيم ﵀ في هذا المقام: " فلا بدّ من أحد أمور ثلاثة: إما أنّ يذهبَ كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أنْ يعلوا بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه، فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المربوبون المقهورون، وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد، من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره"٣ا.؟.
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية: ٩١. ٢ تفسير ابن كثير ٣/٢٦٧ بتصرف. ٣ التفسير القيم ص: ٣٧١.
[ ١ / ٤٥٩ ]
سَبِيلًا﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة أنه لو فرض جدلًا أن مع الله آلهة أخرى، كما يزعم المشركون، لطلبوا كما قال ابن عباس ﵄ منازعة وقتالًا، وكما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض٢.
وقد احتوت الآية الكريمة حجة جدلية، فلو كان لله شركاء في كونه، لما قبلوا أن يكونوا في مركز أدنى، ولسعوا ليكونوا شركاء منافسين له في كل شيء٣.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٤٢. ٢ القرطبي ١٠/٢٦٥، وهذا هو أحد وجهين في تفسير الآية الكريمة، والوجه الآخر لو كان الأمر كما تقولون، لكان أولئك المعبودون يبتغون سبيلًا إلى التقرب إليه بعبادته، وطاعته ويطلبون الزلفى لديه، وهو قول قتادة واختيار ابن جرير. انظر تفسيره ١٥/٩١، وتفسير ابن كثير ٣/٤٥. والوجه الأول أظهر والله أعلم، كما يقول أبو السعود، لأنه الأنسب لقوله تعالى بعدها ﴿سُبْحَانَهُ﴾، فإنه صريح في أن المراد بيان أنه يلزم مما يقولونه محذور عظيم. انظر تفسير أبي السعود ٥/١٧٤. كما نصره الشوكاني حيث قال: " ومثل معناه قوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . انظر فتح القدير للشوكاني ٣/٢٣٠. ٣ انظر التفسير الحديث لدروزة ٤/٢٣٦-٢٣٧.
[ ١ / ٤٦٠ ]
المسلك الثاني: في التركيز على إبطال معبودات المشركين، ومناقشتهم فيها مناقشة واضحة صريحة في تلك المعبودات التي لا تخلق ذبابة، ولا تستطيع أنْ تدفع عن أنفسها ضرًا، ولا تجلب لها نفعًا، فضلًا عن نفع أو إضرار غيرها، وبيان أن تلك المعبودات ما هي إلاّ مجرد أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وأنّها وليدة الظن والهوى.
وقد مر معنا أنّ من أصنام العرب المشهورة اللاتن والعزى، ومناة.. وعن مناقشتهم في هذه المعبودات قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
قال محمد عزة دروزة: "والآيات هي الأولى من نوعها في احتوائها تعريضًا صريحًا بمعبودات العرب، وعقائدهم، ونقاشًا وحجاجًا وتسفيهًا وإفحامًا حول هذه العقائد "٢.
ومجادلة المشركين هنا هو أنه إذا كان المشركون يعظمون البنين
_________________
(١) ١ سورة النجم الآيات: ١٩-٢٣. ٢ التفسير الحديث ١/٢٢١.
[ ١ / ٤٦١ ]
ويحتقرون الإناث، فكيف ينسبون ما يحتقرونه إلى الله تعالى، وما يحبونه ويعظمونه ينسبونه لأنفسهم؟ فهذه القسمة جائرة وباطلة، حتى ولو كانت بين المخلوقين، فكيف بهم وهم يقسمون ذلك بينهم وبين رب العالمين؟
كما بينت الآية الكريمة حقيقة هذه المعبودات، وأنها مجرد أسماء جاءت من نسج الخيال واستهواء الشياطين، وأن المشركين لم يستندوا في تسميتها أو عبادتها إلى علم أو برهان نقلي أو عقلي، وإنّما استندوا إلى مجرد الظن والتخريض، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١.
كما أنهم فعلوا ذلك اتباعًا لهوى أنفسهم، وهوى الأنفس لا يصلح أن يكون إلهًا مشرعًا، وإلاّ لما احتاج الناس إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولكان إله كل إنسان هواه.
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ٢٨.
[ ١ / ٤٦٢ ]
٩- تعجيز المشركين عن الإتيان بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
وفي هذه الآية الكريمة يخاطب الله ﵎ نبيه محمدًا ﷺ أن يستجوب المشركين عن أمرين:
١-هل يعقل أنْ يضاف إلى هذه الأصنام خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟
٢-فإن لم يصح، فهل يجوز أنْ يقال: إنها أعانت إله العالم في خلق جزء من أجزاء العالم؟
ولما كان صريح العقل حاكمًا بأنه لا يجوز إسناد جزء من أجزاء هذا العالم إليها، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضًا إسناد الإعانة إليه في أقل الأفعال وأذلها، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو: الله ﷾، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو:
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف الآية: ٤.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الله تعالى.
والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم، وذلك لا يليق إلاّ بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق، والمنعم الحقيقي هو الله ﷾، وجب أنْ لا تكون العبادة إلا له، ولما كانوا لا يستطيعون القول بأنها تستحق هذه العبادة، كما لا يستطيعون القول بأنا نعبدها لأجل أنْ الإله الخالق المنعم أمرنا بعبادتها، فعند هذا، ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال فقال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ .
وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي والرسالة، فنقول: هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان، إما أن يكون قد نزل على محمد ﷺ، أو في سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء.
وأما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد ﷺ، فهو معلوم البطلان.
وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضًا باطل، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام.
وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ .
[ ١ / ٤٦٤ ]
وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء، سوى ما جاء في الكتب، فهذا أيضًا باطل، لأنّ العلم الضروري حاصل بأن أحدًا من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾، ولما بطل الكل، ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل، وقول فاسد١.
ولهذا المعتقد الفاسد المبني على الضلال، أعقب الله تعالى الآية السابقة بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ ٣.
ومعنى الآية الكريمة: قل يا محمد –توبيخًا وتبكيتًا لهؤلاء المشركين
_________________
(١) ١ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٨/٤ بتصرف يسير. ٢ سورة الأحقاف الآية: ٥. ٣ سورة فاطر الآية: ٤٠.
[ ١ / ٤٦٥ ]
أخبروني عن شأن معبوداتكم من دون الله التي أشركتموها معه في العبادة، بأي شيء استحقت هذه العبادة؟
وإن كنتم تتوهمون فيها القدرة، فأروني أثرها؟
أروني أي شيء خلقوه في هذه الدنيا من المخلوقات حتى عبدتموهم من دون الله؟
أم أنهم شاركوا الله في خلق السموات وإبداعها فاستحقوا بذلك الشركة مع الله في الألوهية؟
أم أنزلنا عليهم كتابًا يشهد بالشركة، فهم على حجة ظاهرة واضحة في عبادة هذه الأوثان؟
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ .
قال أبو السعود في هذا المعنى: " لما نفى أنواع الحجج في ذلك، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله"١ ا.؟
وقد بين الله تعالى للمشركين به أن تلك المعبودات التي عبدوها من دونه لا تملك لعابديها وزن ذرة من خير أو ضر في السموات أو في الأرض، وليس له تعالى منها ولا من غيرها معين يعينه، أو مساعد يساعده، بل هو المنفرد بالخلق كله، المنفرد بالعطاء والمنع،
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ٧/١٥٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
﷾.
قال جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ .
_________________
(١) سورة سبأ الآية: ٢٢.
[ ١ / ٤٦٧ ]
الفصل الثالث: توجيهات وتحذيرات للمشركين ويشتمل على ما يلي
١- الأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
ولما كان الله ﵎ هو الخالق وحده، والرازق المتفضل على جميع خلقه بأنواع النعم، فهو المستحق وحده للعبادة، وإخلاصها له، وعدم الإشراك بأحد من مخلوقاته، فقد أمر الله تعالى الناس بعبادته وحده، ونهاهم نهيًا مطلقًا عن عبادة ما سواه، وبين أنَّ العلة في خلق الجن والإنس، إنّما هو من أجل عبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وقد جاءت الأوامر بعبادة الله وحده، والنواهي عن عبادة غيره في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات الآية: ٥٦. ٢ سورة البقرة الآيتان: ٢١-٢٢.
[ ١ / ٤٧١ ]
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥.
قال ابن كثير: " أي: لا تكونوا من المشركين الذي فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٥١. ٣ سورة الإسراء الآية: ٢٣. ٤ سورة الحج الآيتان: ٣٠-٣١. ٥ سورة الروم الآية: ٣١.
[ ١ / ٤٧٢ ]
والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة -ما عدا أهل الإسلام-، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنها على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفت فيما بينهم على نحل، كلها ضلالة إلاّ واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"١.
وقد أرشد الله تعالى نبيه إبراهيم ﵇ عند بناء البيت الحرام، أن يبنيه على اسم الله تعالى وحده، وأن يطهره من الشرك وعبادة الأوثان، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢.
وأوصى لقمان الحكيم ابنه بعدم الشرك بالله تعالى، فقال الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٤٥١-٤٥٢. بتصرف يسير. ٢ سورة الحج الآية: ٢٦. ٣ سورة لقمان الآية: ١٣.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وأمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لقومه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٤. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٠٦. ٣ سورة يونس الآيات: ١٠٤-١٠٦. ٤ سورة الرعد الآية: ٣٦.
[ ١ / ٤٧٤ ]
وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
إن واحدًا من هذه الأوامر أو واحدًا من هذه النواهي يكفي دليلًا للإقلاع عن هذه العبادة، فكيف والقرآن مليء بالأوامر بعبادة الله وحده والنواهي عن عبادة ما سواه!
_________________
(١) ١ سورة الحجر الآية: ٩٤. ٢ سورة القصص الآيتان: ٨٧-٨٨.
[ ١ / ٤٧٥ ]
٢- الأساليب الخبرية:
أ-أسلوب الخبر المجرد:
وقد جاء هذا الأسلوب مجردًا عن المؤكدات، بيانًا للحق، وإعلامًا للخلق، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢.
ب- أسلوب الخبر المؤكد:
والمؤكدات التي جاء بها القرآن الكريم في شأن التوحيد والوحدانية كثيرة، منها:
١-التأكيد بالقسم.
٢-التأكيد بأن.
٣-التأكيد باللام.
وقد اجتمعت هذه المؤكدات الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة الآية: ١. ٢ سورة البقرة الآية: ١٦٣.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١.
٤-التأكيد بأساليب القصر، كأسلوب النفي والاستثناء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ ٢.
وأسلوب القصر "بإنّما"، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٣.
وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فتقديم المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ أفاد قصر العبادة على الله تعالى وحده، دون غيره.
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات: ١-٥. ٢ سورة طه الآية: ١٤. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٩.
[ ١ / ٤٧٧ ]
٣- الدعوة إلى التجرد من التقاليد الموروثة:
لقد كانت التقاليد والعادات الموروثة تتحكم في عقائد الجاهلية، ومن أجل ذلك تعرضت العقائد للانحراف، وانهارت أمام القيم والأخلاق، واختلت الموازين والأعراف، فكان الواقع يرفض كل المسلمات والبدهيات، ولا يقبل سوى ما كان عليه الآباء والأجداد.
ولذلك فقد ناقش القرآن الكريم هذه القضية مناقشة جادة، وعالجها معالجة شافية، كعادته في معالجة القضايا ذات الأهمية البالغة، وبين أن هذه القضية لم تكن حديثة المولد والنشأة، ولكنها قديمة التاريخ، عميقة الجذور، فلم يكن العرب الذين واجههم نبينا محمد ﷺ هم أول من قال هذه المقالة، بل لقد رددها الذين استحبوا العمى على الهدى من الأمم السابقة.
لقد قالها قوم نوح ﵇: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية: ٢٤.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقالها قوم هود ﵇: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.
وقالها قوم صالح ﵇: ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٢.
وقالها قوم إبراهيم ﵇، لما قال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ٣.
ولما قال لهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
وقالها قوم شعيب - ﵇ -: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٧٠. ٢ سورة هود الآية: ٦٢. ٣ سورة الأنبياء الآيات: ٥٢-٥٤. ٤ سورة الشعراء الآيات: ٧٢-٧٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١.
وقيلت لموسى ﵇: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقد بين القرآن الكريم أن تلك المقالة قد قيلت لكافة الأنبياء قبل محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ٣.
وقص علينا ربنا تعالى قول الأقوام السابقين لرسلهم: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ٤.
وأخيرًا قالها مشركو مكة للنبي الخاتم محمد ﷺ،
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٨٧. ٢ سورة يونس الآية: ٧٨. ٣ سورة الزخرف الآية: ٢٣. ٤ سورة إبراهيم الآية: ١٠.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ ١.
و﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ ٢.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣.
فهذا سندهم الوحيد، وهو دليلهم الفريد، إنه التقليد الجامد الذي لا يقوم على علم، ولا يعتمد على برهان، بل ولا حتى على تفكير أو روية، إن هذا الموقف إنّما هو استجابة لدعوة إبليس، فهل هم مصرون على السير في هذا الطريق، وراء تقليد الآباء حتى دخول نار جهنم؟
إنّها لمسة مزعجة، موقظة منبهة، ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٧٠. ٢ سورة المائدة الآية: ١٠٤. ٣ سورة لقمان الآية: ٢١. ٤ سورة سبأ الآية: ٤٣.
[ ١ / ٤٨١ ]
وفي سورة الزخرف آيات كثيرة تناقش هذه القضية، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: " أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمة ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقتهم إليها أشباههم ونظائرهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت قلوبهم "٢.
ويربط القرآن الكريم مقالتهم بمقالات الأمم السابقة المكذبة، والتي أهلكها الله تعالى بسبب كفرهم وتقليدهم الأعمى لآبائهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣.
والآيات السابقة تبين لنا أن التقاليد الوراثية قد استحكمت في
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآية: ٢٢. ٢ تفسير ابن كثير ٤/١٣٥. ٣ سورة الزخرف الآيات: ٢٣-٢٥.
[ ١ / ٤٨٢ ]
عقول الناس من عهود الأنبياء السابقين، وإلى عهد محمد ﷺ، ولا شك أنّ تلك المقالة قد قيلت، وستقال كلما عدل الناس عن منهج الإسلام.
وتبين الآيات كذلك أنَّ القوم المعارضين لم ينظروا إلى الدعوة بعين الإنصاف والتدبر، وإنّما نظروا إليها بالجحود والجمود، والاستسلام المطلق لتلك التقاليد والعادات الموروثة عن الآباء والأجداد.
ولقد بين القرآن الكريم سذاجة هذه الأقاويل، ووضح أنّها لا تستند إلى دليل من نقل أو عقل، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
فالآيات الكريمة تبين لنا أن القوم مستسلمون لتقاليد آبائهم وأجدادهم، حتى ولو كان آباؤهم وأجدادهم لا يعقلون شيئًا، ولا
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٧٠. ٢ سورة المائدة الآية: ١٠٤.
[ ١ / ٤٨٣ ]
يعلمون شيئًا، بأن كانوا جهالًا لا يميزون بين ما هو حق، وما هو باطل.
والقرآن الكريم يطلب من هؤلاء المقلدين أنْ يحاكموا تقاليدهم إلى ميزان العقل، إن كانت لديهم عقول، إلاّ أن القوم رفضوا توجيهات القرآن الكريم، واستمروا على تعصبهم، الأمر الذي جعل القرآن ينكر عليهم، ويتعجب من فعلهم، قال تعالى حكاية قول هود ﵇ لقومه:
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٢.
وبين القرآن الكريم أنّ الطاعة العمياء، والإغراق في الجهالة والضلال، وتتبع خطا الآباء من غير دليل ولا برهان، جعلت مصيرهم ومرجعهم إلى دركات الجحيم.
_________________
(١) ١ سور الأعراف الآية: ٧١. ٢ سورة الشعراء الآيتان: ٧٥-٧٦.
[ ١ / ٤٨٤ ]
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
كما بين القرآن الكريم أنّ كل إنسان يتحمل تبعة عمله فقط، ولا يسأل عن حسنات أو سيئات الآخرين، كما ورد في كثير من الآيات البينات.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات: ٦٨-٧١. ٢ سورة الإسراء الآية: ١٣-١٥. ٣ سورة فاطر الآية: ١٨.
[ ١ / ٤٨٥ ]
مَا سَعَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النجم الآيتان: ٣٨-٣٩. ٢ سورة الزلزلة الآيتان: ٧-٨.
[ ١ / ٤٨٦ ]
٤- استعمال الحكمة في دعوتهم:
ولما كانت دعوة القرآن الكريم مبنية على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
فقد أمر الله المؤمنين بأنْ لا يسبوا آلهة المشركين، مخافة أنْ يحمل هذا السب أولئك الجهلة على سب الله تعالى.
قال ﷾: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
قال ابن عباس ﵄: قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهي الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم٣.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٢٥. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٠٨. ٣ أسباب النزول للواحدي ص: ١٢٧، وتفسير ابن جرير ٧/٣٠٩، وتفسير ابن كثير ٢/١٧٧.
[ ١ / ٤٨٧ ]
وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله تعالى أنْ يستسبوا لربهم قومًا جهلة، لا علم لهم بالله١.
وقال السدي: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أنْ ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبيّ أبناء خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري إلى أبي طالب، فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمدًا قد آذانا، وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه، فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله ﷺ: ماذا يريدون؟ فقالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال ﵊: أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطيكنها وعشر أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا لا إله إلا الله، فأبوا
_________________
(١) ١ أسباب النزول للواحدي ص: ١٢٧، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٠٣، وتفسير الطبري ٧/٣٠٩.
[ ١ / ٤٨٨ ]
واشمأزوا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها، فقال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها، فقالوا: لتكفنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمك، ونشتم من يأمرك، فأنزل الله هذه الآية١.
والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن سب معبودات المشركين التي يدعون أنها تجلب لهم النفع، أو تدفع عنهم الضر، لأن المؤمنين إذا سبوا وشتموا معبودات المشركين، ربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، وذلك لأنَّ طبيعة البشر أن كل من عمل عملًا، فإنه يستحسنه
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند ٣/٣١٤-٣١٥ تحقيق أحمد شاكر، وإسناده صحيح. والترمذي ٨/٣٦١، حديث: ٣٢٣٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك ٢/٤٣٢، وصححه، ووافقه الذهبي، والطبري في التفسير ٧/٣٠٩، والواحدي في أسباب النزول ص: ١٢٧، والسيوطي في الدر المنثور ٥/٢٩٥، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه. ورواه غير هؤلاء من أهل الحديث. وممن رواه من أهل السير: ابن إسحاق بإسناد منقطع كما في سيرة ابن هشام ٢/٦٧-٦٨، والسير والمغازي ٢٣٦ معلقًا، ويشهد له ما جاء بأسانيد صحيحة عند أهل الحديث. وانظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله ص: ١٦٦-١٧٦.
[ ١ / ٤٨٩ ]
ويدافع عنه، فإنْ كان الشخص يعمل الطيبات استحسنها ودافع عنها، وإنْ كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها، ومن هنا فإنَّ واجب الداعية أن يبين الحق الواجب بيانه من بطلان عبادة المشركين وسخافتها، وعدم جوازها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وأنها لا تستحق شيئًا من العبادة، وأن أي شيء يصرف إليها يكون محرمًا، ويوصل صاحبه إلى نار جهنم، ويخلد فيها ما لم يرجع عن ذلك، ويتوب إلى الله تعالى قبل الموت، ثم يترك شأنهم إلى الله تعالى، إذ أنّ مصيرهم إليه، وهو الذي يجازيهم على أعمالهم.
أما أسلوب الدعوة عن طريق السباب والشتائم، فإنه لا يأتي بفائدة، وإنما يأتي بالنتائج العكسية من النفور عن الدعوة، وعدم قبولها، كما قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ ١.
وسب آلهة المشركين يترتب عليه المواجهة بالمثل من سب الله تعالى، أو رسوله ﷺ، أو الدين، أو القرآن، وذلك لجهل المشركين، وعدم معرفتهم بعظمة الله تعالى، وبالتالي فشل الدعوة التي أتعب الداعية نفسه من أجلها.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ١٥٩.
[ ١ / ٤٩٠ ]
ومن هذا القبيل جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٤٠٣ كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه. وصحيح مسلم ١/٩٢ كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.
[ ١ / ٤٩١ ]
٥- أسلوب القصة:
ومن أوسع أساليب القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد أسلوب القصة، وذلك لما للقصة من تأثير في النفوس البشرية، وسهولة في الحفظ والانتشار بين الناس.
ونكتفي هنا بإيراد مثال واحد في هذا الشأن: وهو ما ذكره الله تعالى لنا من قصة إبراهيم الخليل ﵇ مع قومه، وتحطيمه لأصنامهم، وذلك أنه لما حطم الأصنام وسألوه ﵇ عن من فعل ذلك الفعل؟
أحالهم إلى أخذ الإجابة من معبوداتهم الهزيلة، ساخرًا منهم ومتهكمًا بهم، وعند ذلك رجعوا إلى أنفسهم يلوم بعضهم بعضًا.
وقد ذكرت هذه القصة في عديد من السور، كالشعراء، والصافات، والأنبياء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ
[ ١ / ٤٩٢ ]
الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي هذا تقرير للتوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي للشرك بأوضح بيان، فضلًا عما فيه من تحقير للأصنام وسخرية بالغة بعبادها.
وذلك أن معبودات القوم قد حطمت وقوضت وسويت بالأرض، ولم تستطع أن تدافع عن نفسها، فكيف يرجون أنْ تدافع عنهم، أو أن تصيبهم بالخير، أو تمسهم بالشر والمكروه، وزيادة على ذلك فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم.
ومن عمل إبراهيم هذا نستفيد درسًا في الشجاعة الإقدام والاستماتة من أجل إقرار التوحيد، وإزالة جميع المعبودات من دون الله تعالى، حيث وقف ﵇ وجهًا لوجه أمام قومه الذين فشت فيهم عبادة الأصنام، يسفه معتقداتهم ويدعوهم بالحجة والبرهان إلى ترك عبادتها، ومع ذلك كان وحيدًا لا يوجد من يقف إلى جانبه، حتى والده كان ضده، بل تهدده بالرجم والهجران، كما حكى الله قوله لابنه: ﴿لَئِن لَّمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآيات: ٥٧-٦٧.
[ ١ / ٤٩٣ ]
تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
ومع هذا لم ينثن إبراهيم عن قصده، ولم يدخله الوهن، بل شرع في تدمير معتقدات قومه، وزلزلة بنيان مقدساتهم بيده، وهذا الفعل أشد أثرًا من مقاومة الباطل بالقول الذي لم يجد معهم نفعًا.
وعلى هذا العمل جاء قول الرسول ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
_________________
(١) ١ سورة مريم الآية: ٤٦. ٢ صحيح مسلم ١/٦٩ كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.
[ ١ / ٤٩٤ ]
٦- الدعوة إلى الاعتبار بالسابقين:
يلفت القرآن الكريم أنظار المخاطبين إلى مصير الأمم المكذبة، وما تلقوه من الضربات القاصمة جزاء تمردهم على أنبياء الله تعالى، ويرشدهم إلى النظر والتدبر في الديار التي يمرون عليه مصبحين وممسين، ليكون منها الدرس والعبرة والذكرى.
جاء ذلك في كثير من الآيات البينات في كتاب الله العظيم.
ففي أعقاب قصة نوح ﵇، وهلاك قومه المكذبين بالطوفان، ونجاته ومن آمن معه بالسفينة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١.
وبعد أن عرض لأخبار صالح ولوط - ﵉ - ومصير قومهما، قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآيات: ٢٠-٢٢.
[ ١ / ٤٩٥ ]
عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وبعد أن ذكر قصة يوسف ﵇، وموقف أخوته منه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
ويقول بعد أنْ ذكر ما حدث بين فرعون وجنوده مع موسى وأخيه هارون ﵉، وما حاق بآل فرعون من سوء العذاب: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
وبعد أن ذكر ما حدث بين الروم والفرس، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ سورة النمل الآية: ٦٩. ٢ سورة يوسف الآية: ١٠٩. ٣ سورة غافر الآية: ٨٢.
[ ١ / ٤٩٦ ]
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى بعد أن أشار إلى هلاك القرون السابقة، لما ظلموا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
والآيات التي تحث على النظر والتأمل، والدراسة والاعتبار بمصير الأمم السابقة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ ٣.
قال ابن كثير: " أي فكروا في أنفسكم وانظروا ما أنزل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين"٤.
وقال الفخر الرازي: " فإن قيل: ما الفرق بين قوله ﴿فَانْظُرُواْ﴾ وبين قوله: (ثم انظروا)؟ قلنا: قوله: ﴿فَانْظُرُواْ﴾ يدل على أنه تعالى
_________________
(١) ١ سورة الروم الآية: ٩. ٢ سورة يونس الآية: ١٤. ٣ سورة الأنعام الآية: ١١. ٤ تفسير ابن كثير ٢/١٣٥.
[ ١ / ٤٩٧ ]
جعل النظر سببًا عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين.
وأما قوله (سيروا في الأرض ثم انظروا) فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة (ثم) لتباعد ما بين الواجب والمباح، والله أعلم"١ا.؟.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ ٢.
يقول ابن جرير الطبري: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سيروا في البلاد فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذبوا رسله، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسل الله وكفرهم، أنا أهلكناهم بعذاب منا، وجعلناهم عبرةً لمن بعدهم، يقول فعلنا ذلك بهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلهم"٣.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٢/١٦٣-١٦٤. ٢ سورة الروم الآية: ٤٢. ٣ تفسير الطبري ٢١/٥١. بتصرف.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ ٣.
فهذه الآيات الكثيرة حينما تدعو إلى السير والنظر في ديار الأمم السابقة، ليس الغرض منها الدعوة إلى مجرد التنقل والسياحة والترويح عن النفس، وإنما القصد هو التأمل وأخذ الدروس والعبر والاتعاظ بسنن الله تعالى في الكون، حتى لا يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون، والسعيد
_________________
(١) ١ سورة السجدة الآية: ٢٦. ٢ سورة فاطر الآية: ٤٤. ٣ سورة غافر الآية: ٢١.
[ ١ / ٤٩٩ ]
من اتعظ بغيره وتعلم من أخطاء الآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة ق الآيتان: ٣٦-٣٧.
[ ١ / ٥٠٠ ]
٧- تذكير المشركين بالنعم وتحذيرهم من النقم:
ومن الأساليب التي اتبعها القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، والإقرار بوحدانية الله تعالى، تذكيرهم بالنعم وتحذيرهم من النقم.
أ-تذكيرهم بالنعم:
ففي مجال تذكيرهم بالنعم، ذكّرهم القرآن بأنواع من النعم الكثيرة، التي امتن الله بها عليهم، وعلى عباده، والتي لا يستطيع أحد من خلقه أنْ يأتي بشيء منها، جاء ذلك في كثير من السور والآيات العديدة من ذلك ما تحدثت به سورة النحل عن الكثير من النعم التي امتن الله بها على الناس، والسورة مكية، والمشركون في مكة هم أول من خوطبوا بذلك.
ومما جاء في هذه السورة قوله تعالى:
﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ
[ ١ / ٥٠١ ]
يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومعنى الآيات أن الله تعالى فاوت بين خلقه في الأرزاق، فهذا غني وذاك فقير، وهذا مالك وذاك مملوك، وأن الأغنياء ليس بمشركين فيما رزقهم الله من الأموال حتى يستووا في ذلك مع عبيدهم.
قال ابن عباس ﵄: "لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني"٢.
وعنه رواية أخرى: "فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم".
وأنكر الله تعالى إشراك غيره معه، وهو المتفضل على خلقه بجميع أنواع النعم، ومن ذلك أنّ من آياته خلق النساء من جنس الرجال، ليحصل الائتلاف والمودة والرحمة بينهم، وجعل من هؤلاء الزوجات الأولاد والحفدة، ورزقهم بأنواع الثمار والحبوب، أفمع هذه النعم التي من الله تعالى يؤمنون بالأوثان، ويكفرون بالله تعالى ويضيفونها إلى غيره ممن لا يقدر على إنزال المطر، ولا على إخراج الزرع أو الشجر؟!!
ومن الآيات التي ذكرهم الله تعالى فيها بأنواع كثيرة من النعم المناسبة لهم لعلهم يتدبرون، فيسلمون ويخلصون له العبادة، حتى ينجوا من
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيات: ٧١-٧٤. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٦٢٥.
[ ١ / ٥٠٢ ]
عذابه، قوله تعالى:
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
إنها نعم تأخذ بوجدان الإنسان العاقل إلى الشعور بالطمأنينة والراحة والسكون، وإنَّ الشعور بها ليؤدي إلى الشعور بالاستسلام إلى خالقها، والمنعم بها وفاءً له، وشكرًا على كرمه وجوده، واعترافًا له بالجميل، وإقرارًا بأنه لا أحد يقدر على إيجاد هذه النعم سواه.
ومن تذكير الله تعالى لعبيده بالنّعم الكثيرة الدالة على ربوبيته ووحدانيته، ما جاء في قوله تعالى من سورة المؤمنون: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيات: ٨٠-٨٣.
[ ١ / ٥٠٣ ]
جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ١.
وذكر الله تعالى ما امتن به على كفار قريش من الأمن والطمأنينة، حيث جعل بلدهم مكة حرمًا مصونًا من السلب والنهب، بينما الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي ذكر الله فيها بعض نعمه على خلقه، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ١٨-٢٢. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦٧. ٣ سورة لقمان الآية: ٢٠.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين نعم الله العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
ب-تحذيرهم من النقم:
وفي مجال تحذيرهم من النقم، فقد حذّر القرآن الكريم المشركين وتهددهم بالجوع والخوف والمنع والحرمان.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة عبس الآيات: ٢٤-٣٢. ٢ سورة النحل الآية: ١٨. ٣ سورة النحل الآية: ١١٢.
[ ١ / ٥٠٥ ]
فهذا المثل ضربه الله تعالى لأهل مكة، بقوم كانوا في أمن واستقرار وسعادة ونعيم، تأتيهم الخيرات والأرزاق بكثرة من كل الجهات، فأبطرتهم ولم يشكروا الله على ما آتاهم من خير، وما وهبهم من رزق، فعصوا الله وتمردوا، فبدّل اللهُ نعمته بنقمة، وسلبهم نعمة الأمن والاطمئنان، وأذاقهم آلام الجوع والخوف بسبب كفرهم ومعاصيهم.
قال الفخر الرازي: "وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة، وهو محمد ﷺ فكفروا به، وبالغوا في إيذائه، فعذبهم الله بالقحط والجوع سبع سنين، حتى أكلوا الجيف والعظام"١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٢.
والمراد بهؤلاء كما ذكر المفسرون: مشركو قريش الذين بدلوا نعمة الله عليهم بالكفر، فكذبوا نبيهم محمدًا ﷺ، وقاتلوه يوم
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٠/١٢٨. ٢ سورة إبراهيم الآيات: ٢٨-٣٠.
[ ١ / ٥٠٦ ]
بدر، وعبدوا الأصنام ليضلوا الناس عن دين الله١.
وبهذا يتبين لنا أن القرآن الكريم ذكر المشركين بأنواع من النعم، لعلهم يشكرون، وحذرهم من عقابه لعلهم يرجعون، وتذكير المخاطبين بالنعم وتحذيرهم من العذاب والنقم يدعوهم إلى التفكر بعين البصيرة، لترك عبادة غير الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ١٣/٢١٩ وما بعدها، وتفسير ابن كثير ٢/٥٨١، والقرطبي ٩/٣٦٤.
[ ١ / ٥٠٧ ]
٨- الشرك خرافات وأوهام:
أ-بيان ضعف الشركاء ومهانة الآلهة المدعاة:
ولم يقف القرآن الكريم في دعوته للمشركين عند إقامة الحجج والبراهين دون أن يبين لهم سخف ما هم عليه من عقيدة واهية، وما اتخذوه من دون الله تعالى من آلهة مزعومة، لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة مصنوعة، ولا تنصر عابديها، بل لا تملك لأنفسها نصرًا، ولا تدفع عنها ضرًا، سواء كانت تلك المعبودات من البشر، أو من الحجر، أو من الكواكب، أو من الموتى، أو من غير ذلك.
ولقد حاور القرآن أصحاب تلك العقائد الساذجة، وتلك العقليات السخيفة، وخاطب عقولهم لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري، مهما كانت طفولته، وبين لهم أنَّ تلك المعبودات ضعيفة مهانة لا حول لها ولا قوة، وإنّها لا تستطيع أن تنصر أنفسها، فضلًا عن أن تنصر غيرها.
قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ
[ ١ / ٥٠٨ ]
لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ١.
ومن الآيات الواردة في عجز تلك الآلهة المزعومة وضعفها، وحقارتها، وقلة شأنها، وأنَّ الإله هو رب واحد لا شريك له، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ ٢.
وعن فقر تلك المعبودات واحتياجها إلى التقرب إلى الله، والتوسل إليه بالطاعة والعبادة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيات: ١٩١-١٩٨. ٢ سورة النحل الآيات: ٢٠-٢٢. ٣ سورة الإسراء الآيتان: ٥٦-٥٧.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وهل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض قادرين على إحياء الموتى؟
كلا بل اتخذوا آلهة جمادة لا تتصف بالقدرة على شيء، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
بل إنَّ هذه المعبودات التي عبدوها من دون الله تعالى لو اجتمعت كلها لما استطاعت خلق ذبابة صغيرة حقيرة، بل لو خطفت الذبابة شيئًا من حقير الطعام، وطارت به، لما استطاعوا إنقاذه وإرجاعه منها، رغم قلته وحقارته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآيتان: ٢١-٢٢. ٢ سورة الحج الآيتان: ٧٣-٧٤.
[ ١ / ٥١٠ ]
تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١.
ومما يبين حقارة تلك المعبودات وعجزها، ما ذكره الله في قصة إبراهيم ﵇ مع الأصنام.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على ضعف تلك المعبودات، وعجزها، وأنها لا تستطيع أنْ تقدم لعابديها أو المتبركين بها، أو المتوسلين إليها أي خدمة مرجوة، لا كبيرة ولا صغيرة، وبالتالي يجب على المشركين أنْ يقلعوا عن عبادة تلك المعبودات الواهية والتقرب إليها، ويخلصوا العبادة لله تعالى وحده، الذي خلقهم وخلقها، والقادر على الإحياء والإماتة، والنفع والضر.
_________________
(١) ١ سورة فاطر الآيتان: ١٣-١٤. ٢ سورة الصافات الآيات: ٩١-٩٦.
[ ١ / ٥١١ ]
ب- تسفيه وتهجين عقول المشركين:
لقد تحدث القرآن الكريم عن المشركين كثيرًا، ووقف معهم طويلًا، وما ذلك إلاّ لتصفية النفوس البشرية من أدران الشرك، ورواسب الجهل، وطالما طالبهم بالرجوع إلى الفطرة، والتساؤل معها عن مظاهر الخلق والرزق والتدبير، والملك والحفظ والرعاية، لأن الفطرة السليمة لا تملك إلاّ الاعتراف بالربوبية لله ﷾، وما دامت الفطرة قد اعترفت بربها خالقها ورازقها، فما الذي يمنعها من الاعتراف بالإلهية الحقة، وما الذي يمنعها من أن توحده في ذاته وصفاته وأفعاله؟
إن القرآن الكريم يتوجه إلى مكنونات عقول المشركين، وإلى فطرهم السليمة، ويضع أيديهم على مفاتيح الحق، ويضيء لهم أنوار البصيرة.
إذ كيف يرضى عاقلٌ مدرك الوعي والشعور، أنْ يمرغ جبهته أمام حجر أصم، أو إنسان ضعيف عاجز، أو كوكب تسيره القدرة الإلهية، أو ميت هو في حاجة ماسة إلى عفو الله ورحمته وغفرانه؟
وكيف ينزل العقل الإنساني إلى هذا الدرك الأسفل من التخلف العقلي، مع اعترافه بأنَّ للوجود ربًا خالقًا رازقًا؟ ويتوجه إلى هذا الخالق العظيم مباشرة؟ وهو القائل في محكم كتابه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
[ ١ / ٥١٢ ]
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١.
لقد شنَّ القرآن الكريم حملةً عنيفةً على من يعترف بآلهة أخرى مع الله تعالى، أو يجعل له وساطات يتقربُ بها إليه، ويظهر القرآن فساد هذه الآلهة المدعاة وعجزها الشنيع، وفقرها البالغ، وحاجتها الماسة لمن يدبر أمرها ويقوم بحاجتها، فضلًا عن أن تعبد، أو تقدم لها الفروض والقربات!.
وقد تقدم معنا في مبحث ضعف الشركاء كثيرًا من الآيات الدالة على عجز تلك الآلهة، وسخف عقلية عابديها، ونزيد هنا شيئًا مما قدمه القرآن العظيم من تسفيه وتهجين لعقليات أولئك العابدين مع الله غيره.
من ذلك ما ذكره الله تعالى، حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٨٦. ٢ سورة الأنبياء الآيتان: ٦٦-٦٧.
[ ١ / ٥١٣ ]
وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن قوم موسى ﵇ الذين عبدوا العجل: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٤.
وعن ما وصل إليه المشركون من خطأ فادح، وضلال كبير واضح، يقول تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٧٣. ٢ سورة طه الآية: ٨٩. ٣ سورة الزمر الآية: ٣٨. ٤ سورة الأنبياء الآية: ٤٣.
[ ١ / ٥١٤ ]
فِي ضَلاَلٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
ولفرط جهالتهم اتخذوا ما لا يملك لهم شيئًا أصلًا، شفعاء عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
قال ابن كثير ﵀: "هذا ذم للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله -وهي الأصنام والأوثان التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم، بلا دليل
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآية: ١٤. ٢ سورة الأحقاف الآيتان: ٥-٦. ٣ سورة الروم الآية: ٤٠. ٤ سورة الزمر الآية: ٤٣.
[ ١ / ٥١٥ ]
ولا برهان، وهي لا تملك شيئًا من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا بكثير من الحيوانات"١.
وبين لهم القرآن الكريم أن عبادة غير الله ظلم وافتراء وكذب على رب العالمين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
وعن سذاجة عقول المشركين، وفعلهم مع الأصنام، يذكر ابن هشام وابن كثير: أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي الله
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/٦٠ بتصرف يسير. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦٨. ٣ سورة الصف الآيات: ٧-٩.
[ ١ / ٥١٦ ]
عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها، ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتأوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدًا في قومه- صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر، ثم يعدوان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أنَّ ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
والله لو كنت إلهًا لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لملقاك إلهًا مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن الواهب الرازق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المرتهن "١.
وقد اتخذت بنو حنيفة صنمًا من حلوى، فعبدوه دهرًا طويلًا، ثم أدركتهم مجاعة، فأكلوه، وفيهم يقول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر: سيرة ابن هشام ١/٤٥٣، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٦.
[ ١ / ٥١٧ ]
أكلت بنو حنيفة ربها زمن التقحم١ والمجاعة
لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعة٢
وقال بعض المشركين حين وجد الثعلبان قد بال على رأس صنمه:
إله يبولُ الثعلبانُ برأسه لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالبُ٣
ولهذه العقليات السخيفة، فقد سفه القرآن الكريم عقليات المشركين، واستهجن عبادتهم، لأنّ تلك المعبودات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولهذا فقد بين القرآن أنّ عبادتهم تلك ظلم وافتراء، وكذلك على رب الأرباب، وإنَّ تلك العبادات ليس لها ما يبررها من دليل عقلي أو نقلي.
_________________
(١) ١ انظر: الدعوة إلى الله في سورة إبراهيم الخليل لمحمد بن سيدي الحبيب ص: ٥٢. ٢ التقحم: زمن الشدة والقحط. القاموس المحيط ٤/١٦١. ٣ انظر: كتاب الحيوان للجاحظ ٦/٤٩٨ – دار صعب – بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٨؟. وتاج العروس للزبيدي ١/١٦٤، الطبعة الخيرية بمصر سنة ١٣٠٦؟، وكتاب الأصنام للكلبي ص: ٤٧.
[ ١ / ٥١٨ ]
٩- أضرار الشرك في الدنيا والآخرة:
أ- أضرار الشرك في الدنيا:
أما أضرار الشرك في الدنيا، فإنَّ الإسلام حينما يتصدى لمهاجمة الشرك ومحارته بجميع أشكاله وألوانه صغيره وكبيره، فإنَّ غايته من ذلك هو تحرير الإنسان من الخضوع والخنوع لأي مخلوق على ظهر هذه الأرض، لأن خضوع الإنسان للمتغير الذي يعتريه الفناء، معناه أنَّ الإنسان يصبح مضطربًا في التوجه والعبادة في حياته، ومضطربًا في غايته، وبالتالي فهو مضطرب في دوافع عمله وسلوكه.
فإذن فإن مهاجمة الإسلام للشرك، كانت لأجل أن يترفع الإنسان عن عبادة الناقص المتغير الفاني، إلى عبادة من له الدوام والاستقرار والكمال١.
إن الحياة التي يهيمن عليها الشرك، لهي حياة بهيمية، تعافها النفوس الزكية، وتأنفها الطبائع الإنسانية، فهذه المخلفات التي تتركها وراءها رواسب الشرك والوثنية، تعوق مسيرة الحياة، وتخالف السنن الكونية، تلك والله نتائج حرب الإبادة والتدمير لكافة القيم والمعاني الروحية
_________________
(١) ١ انظر: روح الدين الإسلامي لعفيف طباره ص: ٩٦ بتصرف يسير.
[ ١ / ٥١٩ ]
والأصلية١.
إنَّ الإسلام حينما يبين فساد الشرك وبطلانه، وعدم الغفران لصاحبه إذا مات وهو مشرك، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ٢.
فما ذلك إلاّ لأنَّ الشرك بالإضافة إلى كونه تنقص لرب العالمين، وصرف العبادة لمن لا يستحقها من المخلوقين، فإنّه وليد الخرافة والجهل، لأنه يجلبُ من المساوئ للمجتمع ما لا يجلبه شيء آخر، فهو إلى جانب مناقضته للعقل والمنطق، فإنه يجعل الأذهان طيّعة لقبول الأوهام والخرافات والأساطير التي تهدم كيانه وتضعفه وتقف حاجزًا دون رُقيّه وازدهاره.
يقول الدكتور خليل هراس: "أعجبني كلمة لبعض الباحثين في هذا الصدد، أثبتها هنا بنصها، يقول: إنّ أكبر الكبائر الإشراك بالله تعالى، لأنّ الشرك ظلمات بعضها فوق بعض، وحجب متلاطمة لا يقرّ لها قرار، فهو يجعل الإنسان عبدًا للمخلوق، وهو لا يعبد المخلوق إلاّ جلبًا لفائدة أو
_________________
(١) ١ انظر: مصرع الشرك والخرافة للشيخ خالد محمد الحاج ص: ١٧٤ بتصرف يسير. ٢ سورة النساء الآية: ١١٦.
[ ١ / ٥٢٠ ]
دفعًا لضرر، فهو في الواقع عبد لمصلحته، وبالتالي فهو عبد لنفسه، وعبادة النفس معناها أن الشّخص غير صالح ليكون عضوًا عاملًا على الرقي بالجماعة الإنسانية، محققًا لسعادتها، بل هو على الضّد من ذلك يكون عدوًا هادمًا لأركانها، ساعيًا في شقائها دون أن يدري "١.
ب-أضرار الشرك في الآخرة:
أما أضرار الشرك في الآخرة فتتمثل فيما يلي:
١-إحباط الأعمال.
٢-العذاب النفسي.
٣-الخلود في نار جهنم.
١-إحباط الأعمال:
ولما كان الشرك بالله تعالى أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب والمعاصي، وأفظع المحرمات وأشنعها على الإطلاق، وأنَّ صاحبه خالد مخلد في النار إذا لم يتب إلى الله تعالى، ويمت على التوحيد، لذلك فإنَّ الله ﷿ لا يقبل عملًا من الأعمال مع الإشراك به، مهما كان حجم ذلك العمل.
قال تعالى بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيًا:
_________________
(١) ١ الدعوة إلى التوحيد ص: ٧٥-٧٦.
[ ١ / ٥٢١ ]
﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١.
والمعنى لو فرض أنْ أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو مكانتهم، وقدرهم عند الله تعالى، لبطل عملهم، فكيف بمن سواهم؟
وقد ذكر القرآن هذا تحذيرًا من الشرك، مع أن الشرك محال أن يكون من الأنبياء.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره، فعبدوا معه غيره، لحبط عنهم عملهم، أي: بطل، فذهب عنهم أجر أعمالهم التي كانوا يعملون، لأنّ الله لا يقبل مع الشرك به عملًا"٢.
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
روى ابن عباس في هذه الآية: "أنَّ أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٨٨. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٧/٢٦٣. ٣ سورة هود الآيتان: ١٥-١٦.
[ ١ / ٥٢٢ ]
صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلاّ التماس الدنيا، يقول الله تعالى: (أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وأحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين) ".
وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.
وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى، وقال مجاهد وغيره، نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته، وطِلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاء.
وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة١.
وقال تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
قال ابن جرير: "لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد، ليبطلن عملك، ولا تنال به ثوابًا، ولا تدرك جزاءً إلا جزاء من أشرك بالله، ولتكونن
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ١٢/١١-١٢، وتفسير ابن كثير ٢/٤٧١. ٢ سورة الزمر الآيتان: ٦٥-٦٦.
[ ١ / ٥٢٣ ]
من الهالكين بالإشراك بالله، إنّ أشركت به شيئًا"١.
وقال ابن الجوزي: "قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه ﷺ وتهديد لغيره، لأن الله ﷿ قد عصمه من الشرك"٢.
وقال غيره: إنّما خاطبه بذلك، ليعرف من دونه أنَّ الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها، ولو وقع من نبي.
وقال أبو السعود: "والكلام وارد على طريقة الفرض، لتهييج الرسل، واقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه"٣.
ولقد جاءت الأحاديث النبوية تبين وتؤكد أنّ الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلاّ ما كان خالصًا لوجهه الكريم، وأنَّ من أشرك بالله في شيء من أنواع العبادات، فعليه أنْ يطلب الأجر والثواب من غير الله تعالى، على وجه التحدي والتعجيز.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢٤/٢٤. ٢ زاد المسير ٧/١٩٥. ٣ تفسير أبي السعود ٧/٢٦٢.
[ ١ / ٥٢٤ ]
الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" ١.
قال النووي: "ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري، لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، والمراد أنَّ عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به"٢.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يوم لا ريب فيه، ناد مناد من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك" ٣.
وروى مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه معي غيره، فأنا منه بريء، وهو
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٢٨٩ كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، حديث رقم: ٢٩٨٥. ٢ شرح النووي على مسلم ١٨/١١٥-١١٦. ٣ رواه الترمذي ٥/٣١٤ كتاب تفسير القرآن، رقم: ٣١٥٤، وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه ٢/١٤٠٦ كتاب الزهد، رقم ٤٢٠٣، بإسناد حسن. ومسند الإمام أحمد ٣/٤٦٦.
[ ١ / ٥٢٥ ]
للذي أشرك" ١.
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين أنّه لا يقبل عمل مع الشرك بالله، مهما كان حجم ذلك العمل.
٢- العذاب النفسي:
ويرشد القرآن الكريم هؤلاء المشركين الذين يتخذون من دون الله شركاء وأندادًا، ليمدوا بصائرهم إلى ذلك اليوم الذي يقفون فيه بين يدي الله الواحد الأحد، ليروا عند ذلك أن القوة لله جميعًا، فلا شركاء ولا أنداد مهما كان نوعها.
وأصبحت كلها عاجزة عن حماية أنفسها فضلًا عن حماية تابعيها، وعند ذلك يتبرأ المتبوعون من التابعين، وينشغل كل بنفسه، تابعًا أو متبوعًا من شدة هول العذاب الذي يقطع كل الأواصر والعلاقات، وكل وسائل القربى والمحبة.
وساعتها يعلم المشركون أنَّ الإله الذي يدبر عالم الآخرة، هو عين الإله الذي كان يدبر عالم الدنيا، وأنهم كانوا ضالين في الملجأ إلى سواه، وفي إشراك غيره معه، وأنَّ الضلال هو الذي هبط بعقولهم وأرواحهم، وكان منشأ عقابهم وعذابهم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٢٨٩ كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله رقم: ٤٦. وسنن ابن ماجه ٢/١٥٠٥ كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة حديث رقم: ٤٢٠٢.
[ ١ / ٥٢٦ ]
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١.
وعن ما يقوله الله تعالى للمشركين المفترين عليه، المكذبين بآياته يوم القيامة، وما يقوله الأتباع للقادة والرؤساء منهم، وما يجيبونهم به: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيات: ١٦٥-١٦٧. ٢ سورة الأعراف الآيتان: ٣٨-٣٩.
[ ١ / ٥٢٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا
_________________
(١) ١ سورة سبأ الآيات: ٣١-٣٣.
[ ١ / ٥٢٨ ]
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ويذكر الله تعالى حال المشركين به في الدار الآخرة، وما يعانون هناك من العذاب الشديد، وما يحل بهم من الأمر الفظيع، وما يحصل لهم من الاضطراب النفسي الرهيب، حيث يختلقون الأعذار الواهية، ويستترون وراء الخيال والأوهام، ظانين أنها تغني عنهم شيئًا، فيزعمون أنّهم كانوا مؤمنين، كما يلقى بعضُهم التبعية على الآخرين، ويعلن البعضُ الآخر الكفر بما كانوا به مشركين، ويلتجئ آخرون منهم إلى الله قائلين، لو شاء اللهُ ما عبدنا من دونه من شيء، رغم طرق الهداية الكثيرة التي بينها الله لهم في الدنيا.
كل ذلك نتيجة للاضطرابات العصبية العنيفة التي تثيرها الحسرة والندامة، ولكن حين لا ينفع الندم، حين ينكشف الغطاء وتظهر الحقيقة التي لا مفرّ منها، فلا شركاء، ولا شفعاء، ولا أنداد ولا غيرهم، وأن جميع المتبوعين يتبرأون من التابعين.
عند ذلك يعلم المشركون أنّ القوة لله وحده، وأنه لا إله غيره، فلو تدبر هؤلاء المشركون واتعظوا بما سيحصل لهم من عذاب الله هناك، لانتهوا عما هم فيه من الشرك والضلال، ووحدّوا الله الذي لا إله غيره في الدنيا ولا في الآخرة.
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات: ٢٧-٣٩.
[ ١ / ٥٢٩ ]
هناك تتبرأ الملائكةُ من الذين يزعمون أنّهم يعبدونهم في الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ١.
ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ٢.
وتتبرأ الجن منهم كذلك، ويتنصلون من عبادتهم لهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة القصص الآية: ٦٣. ٢ سورة سبأ الآيتان: ٤١-٤٢. ٣ سورة الأحقاف الآيتان: ٥-٦. ٤ سورة إبراهيم الآية: ٢٢.
[ ١ / ٥٣٠ ]
قال الفخر الرازي: "قال المفسرون: إذا استقرّ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، أخذ أهلُ النار في لوم إبليس وتقريعه، فيقوم في النار فيما بينهم خطيبًا ويقول، ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ "١.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ٢.
وقال الخليل -﵇- لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ٣.
وفي اليوم الآخر يسألُ اللهُ المشركين عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه. فيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ١٩/١١٠. ٢ سورة مريم الآيتان: ٨١-٨٢. ٣ سورة العنكبوت الآية: ٢٥.
[ ١ / ٥٣١ ]
مُشْرِكِينَ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄: "أما قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّامُشْرِكِينَ﴾، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام فقالوا: تعالوا لنجحد ﴿قَالوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلُهم ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ .٢
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
وإن الكفار ليتمنون العودة إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملًا صالحًا، ويؤمنوا إيمانًا صادقًا، حين يظهر لهم ما كانوا يخفونه في أنفسهم من
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات: ٢٢-٢٤. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٧/١٦٨، تفسير ابن كثير ٢/١٣٧، زاد المسير لابن الجوزي ٣/١٧ الهامش. ٣ سورة القصص الآيات: ٦٢-٦٤.
[ ١ / ٥٣٢ ]
الكفر والمعاندة.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١.
وأنهم يأتون يوم القيامة وحدانًا ليس معهم شيء من الأنداد أو الأصنام أو الشفعاء الذين يزعمون أنهم يشفعون لهم، والذين ظنوا أنّهم شركاء في استحقاق العبادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.
ويبين الله تعالى حالة المجادلين في آيات الله، المكذبين لرسله وما جاؤوا به، ما ينتظرهم من العذاب الشديد في الآخرة، وهناك يقول لهم على سبيل التبكيت والسخرية، أين معبوداتكم الذين كنتم تعبدونهم في الدنيا؟
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ٢٧-٢٨. ٢ سورة الأنعام الآية: ٩٤.
[ ١ / ٥٣٣ ]
ووقتها يضطرب المشركون في الجواب: فتارة يقولون: غابوا عنا فلا نراهم، وتارة يجحدون عبادتهم لها، ويقولون لم نكن نعبد شيئًا، وتارة يرجعون ذلك إلى مشيئة الله تعالى، ولكن ذلك التملص وتلك الأعذار لا تجديهم من عذاب الله وعقابه شيئًا.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ١.
وقال الله تعالى عنهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة غافر الآيات: ٦٩-٧٦. ٢ سورة غافر الآيتان: ٨٤-٨٥.
[ ١ / ٥٣٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من الآيات التي تصف حال المشركين في الآخرة حين يتخلى عنهم الشفعاءُ والأنداد، وما يحصل لهم في ذلك اليوم الرهيب من ارتباك واضطراب نفسي عندما يواجهون مصيرهم إلى نار جهنم -نجّانا الله منها- وأنَّ أمرًا هذا شأنه لجدير بالعناية والتأمل والخوف والحذر من الوقوع فيه.
٣- الخلود في نار جهنم:
ولعظم جريمة الشرك وكبر بشاعته وشناعته فقد بيّن القرآن الكريم أنّ الله تعالى لن يتسامح مع مرتكبي هذا الجرم الفظيع، وأنّ الشرك يقطع الصلة بين الله تعالى وبين العباد، فلا يبقى لهم معه أمل من المغفرة والرحمة إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون.
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآية: ٤٧. ٢ سورة النحل الآية: ٣٥.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ولا شكّ أنَّ الإنسان إذا لم تدله دلائل التوحيد المبثوثة في هذا الكون الكبير، وما جاء به الرسل الكرام من هداية البشرية، أنّ نفسه قد فسدت فسادًا لا رجعة فيه، وأنه لم يبق في نفسه عنصر من عناصر الخير والصلاح، وأنّ فطرته التي فطره الله عليها قد انتكست وارتدت إلى أسفل سافلين، وبذلك فقد تهيأت بذاتها إلى حياة الخلود في دار الجحيم، والعياذ بالله.
والآيات التي تبين أنَّ المشرك إذا مات قبل أن يتوب إلى الله ﷿ توبة صادقة، فإنه يخلد في النار كثيرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ١.
قال الطبري: "وقد أبانت هذه الآية أنّ كلَّ صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله"٢.
وقال ابن الجوزي: "والمراد من الآية: لا يغفر الله لمشرك على
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٤٨. ٢ تفسير الطبري ٥/١٢٦.
[ ١ / ٥٣٦ ]
شركه، وفي قوله: ﴿لِمَن يَشَاء﴾ نعمة عظيمة من وجهين:
أحدهما: أنها تقتضي أن كلَّ ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإنْ مات مصرًا.
والثاني: أنّ تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع"١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ
_________________
(١) ١ زاد المسير ٢/١٠٣-١٠٤. ٢ سورة النساء الآية: ١١٦. ٣ سورة النساء الآيتان: ١٦٨-١٦٩.
[ ١ / ٥٣٧ ]
عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاَء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ٣.
ومعنى الآيات الكريمة، أي: أنَّكم أيها المشركون وما تعبدون من
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٧٢. ٢ سورة الكهف الآيات: ١٠٠-١٠٦. ٣ سورة الأنبياء الآيات: ٩٨-١٠٠.
[ ١ / ٥٣٨ ]
دون الله من الأوثان والأصنام، حطب جهنم ووقودها يوم القيامة، ولو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله تعالى آلهة صحيحة، لما وردوا النار ولما دخلوها، ولكن كُلًا من العبادين والمعبودين في نار جهنم خالدون مخلدون، وأنَّ لهؤلاء الكفرة في النار أصوات تخرج من قلوبهم المحزونة، ولكنهم مع هذا لا يسمعون من تلك الأصوات شيئًا، لأنهم يُحشرون صمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ١.
قال المراغي: " أي ونجمعهم في موقف الحساب بعد تفرقهم من القبور -عميًا وبكمًا وصمًا كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون، ولا ينطقون بالحق، ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة لا يبصرون ما تقرّ به أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٢"٣.
وفي عدم سماع أهل النار، ذكر ابن جرير والسيوطي عن عبد الله
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٩٧. ٢ سورة الإسراء الآية: ٧٢. ٣ تفسير المراغي ١٥/٩٨-٩٩.
[ ١ / ٥٣٩ ]
بن مسعود ﵁ قال: "إذا ألقى في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابين في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يرى أحدٌ منهم أنَّ في النار أحد يعذب غيره.."١.
وزاد ابن الجوزي قولين آخرين:
أحدهما: أنَّ السماع أنس، والله لا يحبُّ أنْ يؤنسهم.
والآخر: إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم٢.
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٧/٩٥. والدر المنثور ٤/٣٣٩، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا، في "صفة النار" والطبراني، والبيهقي في البعث. ٢ زاد المسير ٥/٣٩٢. ٣ سورة الشعراء الآية: ٢١٣. ٤ سورة الزمر الآية: ٨.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١.
وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا، دخل النار" ٢.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ٣.
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة، التي تبين المصير الأسود الذي ينتظر المشركين يوم القيامة، وهو الخلود الأبدي السرمدي في نار جهنم.
_________________
(١) ١ سورة بينة الآية: ٦. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٧٦ كتاب التفسير، باب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا﴾ . وأحمد ١/٣٧٤. ٣ صحيح مسلم ١/٩٤ كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، حديث رقم: ١٥٢، وفي الباب أحاديث نحوه، انظر الآحاديث رثم: ١٥٠-١٥١.
[ ١ / ٥٤١ ]
والحق أنَّ ذلك تقتضيه العدالة الإلهية بين البشر، بعد أن أوضح الله لهم سبل الهداية، وأرشدهم إلى طريق العبادة الصحيحة، إذ لا يستوي الموحدون والمشركون في ميزان الله تعالى، فالموحدون يستحقون الأجر والثواب على توحيدهم لربهم وإخلاصهم له في العبادة، والمشركون بالله يستحقون العذاب والنكال على شركهم وعصيانهم لله الذي خلقهم، واتباعهم طرق الغواية، وتنقصهم لرب العالمين.
[ ١ / ٥٤٢ ]