الباب الثالث: دحض شبهات المشركين
الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية
المبحث الأول: حقيقة الملائكة وأراجيف المشركين حولهم
الباب الثالث: دحض شبهات المشركين: ويشتمل على ما يلي:
الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية
المبحث الأول: حقيقة الملائكة، وأراجيف المشركين حولهم:
الملائكة في الأصل جمع ملأك، ثم حذفت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل: ملك، وقيل: أصله مألك بتقديم الهزة من الألوك، وهي الرسالة، ثم قدمت الهمزة وجمع١.
وسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنهم رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده٢.
وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية قادرة على التمثل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى، مناسبة للحال التي يأتون فيها، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٣.
وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنَّهم جعلوا الملائكة ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وجعلوهم بنات الله، وعبدوها معه، فأخطأوا خطأ
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب لابن منظور ١٠/٤٩٦، والنهاية لابن الأثير ٤/٣٥٦. ٢ انظر: تفسير الطبري ١/١٩٨. ٣ صحيح مسلم ٤/٢٤٩٤ كتاب الزهد، باب أحاديث متنوعة، رقم: ٦٠.
[ ٢ / ٥٥١ ]
كبيرًا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث١.
وقد جادل القرآن الكريم هؤلاء المشركين في عدة مواضع، وألزمهم بالحجة البالغة، وبين سخافاتهم الوثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
لقد اختاروا لأنفسهم البنين، مع كراهتهم للبنات واحتقارهم لهنَّ، فإنَّ أحدهم إذا أخبر بولادة بنت، صار وجهه متغيرًا من الغم والحزن، ومسودًا من الغيظ والكآبة، ولذلك فإنه يتوارى من قومه خجلًا من العار الذي قد يلحقه بسبب مجيء البنت، وكأنها في نظره بلية من البلايا، وليست هبة إلهية من الله تعالى.
ثم يفكر فيما يصنع بهذه البنت، أيمسكها على الذل والهوان، أم يدفنها في التراب وهي حية، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/٦٢١. ٢ سورة النحل الآيات: ٥٧-٥٩. ٣ سورة التكوير الآيتان: ٨-٩.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ في آية النحل، أي: ساء وقبح حكمهم في نسبتهم لخالقهم البنات، وهن عندهم مستحقرات، وإضافتهم لأنفسهم البنين لشرفهم عندهم، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
وهذا الكلام يشتمل على أمرين:
الأول: إثبات البنات لله، وذلك باطل؛ لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه، كيف يمكن إثباته للخالق؟
الثاني: إثبات أنّ الملائكة إناث، وهذا أيضًا باطل، لأنَّ طريق العلم إما الحس، وإما الخبر، وإما النظر.
أما الحس فمفقود ههنا، لأنهم ما شاهدوا كيفية خلق الله للملائكة،
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات: ١٤٩-١٥٩.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ .
وأما الخبر فمفقود أيضًا، لأنَّ الخبر إنما يفيد العلم، إذا علم كونه صدقًا قطعًا، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .
وأما طريق النظر، فمفقود وبيانه من وجهين:
الأول: إنَّ دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب، لأنّ الله تعالى له الكمال المطلق، والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس، وهو المراد من قوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .
يعني إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب عند العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبرًا في هذا الباب، كان قولهم باطلًا.
الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك، ظهر ضده وهو خلو الدعوى من أي دليل يدل على صحة قولهم، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
فثبت بما ذكر أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته لا
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الحس، ولا الخبر، ولا النظر، فكان المصير إليه باطلًا قطعًا١.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات الكريمة، هي على شاكلة الآيات السابقة في معالجة مفتريات المشركين في الملائكة، بالأدلة العقلية، ومناقشتهم بمنطق الحجة والبرهان.
والآيات الكريمة تناقشهم فيما يلي٣:
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٦/١٢٧-١٢٨ بتصرف. ٢ سورة الزخرف الآيات: ١٥-٢٣. ٣ انظر في ذلك: تفسير ابن كثير: ٤/١٤٣، والتفسير الكبير للفخر الرازي ٢٧/٢٠٠ وما بعدها، وتفسير المراغي ٢٥/٧٦-٨١.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
١-جعلهم لله جزءًا من عباده، وقد أنكر القرآن عليهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ومعنى ذلك أنَّهم أثبتوا لله ولدًا، فإن ولدَ الرجل جزء منه، ولا شك أن إثبات الولد لله تعالى محال قطعًا، لذلك فقد أكد الله سبحانه كفرهم بقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إنَّ الإنسان بجحوده بنعم الله التي أنعمها عليه ظاهر الكفر، لمن تأمل حاله وتدبر أمره.
٢-مناقشتهم عن سرّ اختيارهم للبنين، وجعلهم البنات لله رب العالمين، جاء ذلك في الإنكار عليهم في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾، وقد تقرر عند هؤلاء المشركين تفضيل البنين على البنات، فلو كان مرجع القسمة إلى العقل، لكان اللهُ أولى بالبنين من البنات، ولو كان مرجعها إلى العدل -بصرف النظر عن استحالة ذلك أو إمكانه- لكان العدل يقتضي على أسوأ تقدير، التسوية في القسمة، ولكنهم تجاوزا في الطغيان والسذاجة حدود المألوف من الذوق والفطرة الإنسانية، قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١، أي: قسمة جائرة، وغير عادلة.
_________________
(١) ١ سورة النجم الآيتان: ٢١-٢٢.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
٣-بينت الآيات أنَّ الأنثى محل نقص في الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر من نقصها، كما قال بعض شعراء العرب:
وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا
وأما إذا كان الجمال موفرا كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا١
وأما نقص معناه، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت:
ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة٢.
وهذا مما يبين سوء نظرتهم للبنت.
قال صاحب التسهيل عند هذه الآية: "والمقصد الردّ على الذين قالوا الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفة النقص.
ثم أتبعها بصفة نقص أخرى فقال: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، يعني: أنّ الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت، لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ٤/١٣٤. ٢ المرجع السابق والصفحة.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
من يتصف بهذه النقائص"١.
وقد زادت الآيات المشركين توبيخًا وإنكارًا في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ .
والمعنى أنَّ الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد، فكيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى؟
وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت:
ما لأبي حمزة لا يأتينا
يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلدَ البنينا
وليس لنا من أمْرنا ماشينا
وإنّما نأخذُ بالذي أعطينا٢
وفي قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، كفر آخر تضمنه قولهم الشنيع، وهو اعتقادهم بأن الملائكة -الذين خلقوا لعبادة الله وطاعته- إناث.
وقد ردّ اللهُ عليهم مقالهم هذا، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، أي:
_________________
(١) ١ التسهيل لعلوم التنزيل ٤/٤٧. ٢ الفخر الرازي ٢٧/٢٠٢، وروح المعاني للألوسي ٢٥/٧٠.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أحضروا وقت خلق الله لهم، حتى يحكموا بأنهم إناث؟
وفي هذا تجهيل للمشركين ورمي لهم بالسفه والحمق، ثم توعدهم على مقالهم بقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: ستكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في الدنيا في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة، ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلا.
٤-مناقشتهم في احتجاجهم بالقدر لعبادتهم الباطلة، جاء ذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، أي: وقالوا لو شاء الله لحال بيننا وبين عبادة الملائكة والأصنام، فإنه تعالى عالم بذلك، وقد أقرنا عليه.
قال ابن كثير: "وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلًا كبيرًا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشدّ الإنكار، فإنه منذ بعث الرسل، وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه.."١.
وقال القرطبي: "وهذا منهم كلمة حق أريدَ بها باطل، فكل شيء بإرادة الله، والمشيئة غير الرضى، ولا يصحُّ الاحتجاج بالمشيئة، فإنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أنّ الله أراد منهم ذلك"٢.
ونستطيع أنْ نقول بأنَّ مشيئة الله تعالى وإرادته نوعان: مشيئة قدرية
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/١٣٤. ٢ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٧٣.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
كونية، ومشيئة شرعية.
فالمشيئة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات.
والمشركون جعلوا المشيئة الكونية والعامة دافعة للأمر والنهي، ولم يذكروها على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمر الله، دافعين بها شرعه١.
٥-إفهام المشركين بأنَّ عباداتهم في ذلك كله، ليس لها دليل ولا برهان، بل مجرد الآراء والأهواء وتقليد الآباء والأجداد ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: ما لهم على ما قالوا مستند يستندون إليه في تأييد دعواهم، وما هم إلا متقولون على الله زورًا وبهتانًا.
ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل، أتبعه ببطلانه بالنقل، فقال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، أي: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين كتابًا من قبل هذا القرآن، ينطق بصحة ما يدّعون حتى يعولوا عليه، ويتمسكوا بتوجيهاته؟
ولما لم يكن لهم حجة على ما زعموا، اعترفوا بأنّه ليس لديهم
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية لأبي العز الحنفي ص: ١١٦، ١٥٤، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢/٤٠٩-٤١٠ و٣/١١١.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
مستند سوى تقليد آبائهم الجهلة ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، فلما عجزوا عن الإتيان بما يبرر هذا الافتراء، بطل قولهم، وسقطت شبهتُهُم، وظهر أمرُ الله متمثلًا في عقيدة التوحيد الخالصة من أدران الشرك ورواسب الوثنية.
ثم بين ﷾ أن مقال هؤلاء سبقهم إلى مثله أشباهُهُم من الأمم المكذبة للرسل، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، وفي هذا تسلية للرسول ﷺ، ودلالة على أن التقليد في مثل ذلك ضلال قديم، وأسلافهم لم يكن لهم سند منظور يعتد به"١.
بيان القرآن لحقيقة الملائكة:
والقرآن الكريم يخبرنا بالكثير عن حقيقة الملائكة وأعمالهم في الكون، وعلاقتهم بالإنسان في الدنيا والآخرة.
ومن أهم أعمالهم وأبرزها إبلاغ الوحي الإلهي إلى الرسل ﵈، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
_________________
(١) ١ انظر: تفسير البيضاوي ٢/٣٦٥، والمراغي ٢٥/٨٠.
[ ٢ / ٥٦١ ]
شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
وأخبر الله تعالى أنَّ الملائكة تظهر في صفوف منتظمة، تسبح له وتتلو آياته، فتلهم الحق والخير، وتزجر عن الكفر والشر، وقد أقسم اللهُ تعالى بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٢.
ظهور الملائكة في صور البشر:
وقد تظهر الملائكةُ في صور رجال من البشر، لكن هذا لا يعني أنها تمارس ما يمارسه البشر من طبائع وغرائز، مثل الأكل والشرب وغيره.
فقد جاءت الملائكة إبراهيم ﵇ تبشره بمولد ابنه إسحاق على هيئة رجال من البشر، ولما كان إبراهيم ﵇ لم يعرفهم بعد، فإنَّه سارع بإعداد وليمة لإطعامهم، لكن الملائكة امتنعت عن الأكل الذي قدمه لهم إبراهيم، ولم تمتد له أيديهم، فشعر إبراهيم عند ذلك
_________________
(١) ١ سورة فاطر الآيتان: ١-٢. ٢ سورة الصافات: ١-٥.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
بالخوف والريبة، ولكنهم أخبروه بأنهم رسل الله إلى قوم لوط ﵇.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ ١.
ومن ظهور الملائكة في صورة البشر، ما ثبت عن النبي ﷺ من أن جبريل ﵇ كان يأتيه في صورة رجل أعرابي حسن المنظر.
من ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه
_________________
(١) ١ سورة هود الآيات: ٦٩-٧٣.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله " ١ الحديث.
وفيه قال: "ثم انطلق فلبث مليًا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
طاعة الملائكة لربهم، وشهادتهم بوحدانيته:
والملائكة يخشون الله تعالى، ويخافون عقابه، ومن طبيعتهم الطاعة وعدم العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
وهم يشهدون بوحدانية الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
ويشهدون على صحة ما جاء به الرسول ﷺ:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٣٧ كتاب الإيمان، حديث رقم: ١. ٢ سورة النحل الآيتان: ٤٩-٥٠. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٨.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ١.
وهم يحملون عرش ربهم، ويستغفرون للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٢.
وهم درجات عند ربهم، ولكل منهم مقام لا يتعداه، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ٣.
حفظ الملائكة للإنسان في الدنيا بإذن الله:
ولقد جعل الله تعالى من الملائكة من يحفظ الإنسان من الأذى، إلى نهاية أجله.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ١٦٦. ٢ سورة غافر الآية: ٧. ٣ سورة الصافات الآيات: ١٦٤-١٦٦.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ ٢.
وقد أيد الله رسوله ﷺ بالملائكة في هجرته من مكة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.
مشاركة الملائكة المسلمين في بعض الغزوات:
وفي غزوة بدر، حيث كان المسلمون في قلة من العدد والسلاح، لا يتميزون إلاّ بما اطمأنت به قلوبهم من عقيدة التوحيد الخالص، والثقة في
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٦١. ٢ سورة الرعد الآية: ١١. ٣ سورة التوبة الآية: ٤٠.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
نصر الله الذي سعوا إليه بالعزم الصادق، والتضرّع الخالي من الغرور والكبرياء، أمد الله المسلمين بألف من الملائكة مردفين، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١.
وفي غزوة الأحزاب، نزلت الملائكة، وكان ما فعلته بالكفار، وما ألقته في قلوبهم من الرعب كفيلًا بردّهم خائبين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢.
وفي يوم حنين نزلت الملائكة، ونكّلت بالكافرين جزاء لهم على كفرهم وبغيهم على المؤمنين بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
تسجيل الملائكة لأفعال العباد:
ومن الملائكة المكلفين بمراقبة الناس في جميع حركاتهم وسكناتهم،
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٩. ٢ سورة الأحزاب الآية: ٩. ٣ سورة التوبة الآية: ٢٦.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وتسجيل كل ما يصدر عنهم من خير وشر.
قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٣.
تنزيل الملائكة لتثبيت المؤمنين عند الموت:
وليست علاقة الملائكة بالناس في الحياة فحسب، بل إنها تتنزل عند الموت على الذين آمنوا بالله صدقًا وأخلصوا العمل له، بأنّ لا يخافوا مما يقدمون عليه من أهوال القيامة، ولا يحزنوا على ما تركوه في الدنيا من الأهل والمال والولد، وأنَّ لهم الجنة، وأنَّ الملائكة أنصارهم وأولياؤهم في الدنيا والآخرة، يرشدونهم إلى ما فيه الخير والسعادة.
_________________
(١) ١ سورة ق الآيتان: ١٧-١٨. ٢ سورة الإنفطار الآيتان: ١٠-١١. ٣ سورة الزخرف الآية: ٨٠.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ ١.
وحين يتعرض المؤمنون لغمرات الموت، فإنَّ الملائكة تبشرهم بالجنة، وتبعث في نفوسهم الأمن والسكينة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
حسن استقبال الملائكة للمؤمنين في الآخرة:
وتستقبل الملائكةُ المؤمنين على أبواب الجنة، يهنئونهم بما هم قادمون عليه، فلا تخيفهم أهوال يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٣.
وفي الجنة ينعم المؤمنون بتسليم الملائكة عليهم، وترحيبهم بهم، قال
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآيات: ٣٠-٣٢. ٢ سورة النحل الآية: ٣٢. ٣ سورة الأنبياء الآية: ١٠٣.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ١.
تعنيف الملائكة للكفار عند قبض أرواحهم:
وعلى النقيض مما سبق، يكون موقف الملائكة مع الكافرين الجاحدين، ذلك أنه من بدء سكرات الموت، فإنَّ الملائكة تتلقف أولئك الخاسرين بالتعنيف والأذى، والحساب العسير، على ما فرطوا في جنب الله، واتباعهم للعقائد الضالة، ثم يعرضون عليهم مشاهد مما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآيتان: ٢٣-٢٤. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ٩٣-٩٤.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
لعن الملائكة للكفار:
وهم يلعنون الكفار مع لعن الله لهم والناس أجمعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآيتان: ٥٠-٥١. ٢ سورة النحل الآيتان: ٢٨-٢٩. ٣ سورة النساء الآية: ٩٧.
[ ٢ / ٥٧١ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
الملائكة لا يملكون من الأمر إلا ما شاء الله:
وعلى الرّغم مما رأينا من الصّلة الوثيقة بين الملائكة والإنسان في جميع مراحله المختلفة، سواء أكان ذلك قبل الموت أم بعده، فإنها لا تملك من أمره شيئًا في الدنيا ولا في الآخرة، وكلُّ ما يمكن قوله إنَّ الملائكة جنود الله وعبيده، منفذون لأوامره، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
أما الأمر فكله لله تعالى، لا يشاركه فيه من خلقه مشارك، ولو كان نبيًا مرسلًا، أو ملكًا مقربًا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٦١. ٢ سورة التحريم الآية: ٦. ٣ سورة الأنبياء الآية: ٢٦-٢٩.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ ٣.
الأمر بالإيمان بالملائكة:
وقد أمر الله تعالى عباده بالإيمان بهم، والتصديق بوجودهم، بل
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ٢٦. ٢ سورة آل عمران الآية: ٨٠. ٣ سورة النساء الآيتان: ١٧٢-١٧٣.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وقرن الإيمان به تعالى بالإيمان بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١.
وجعل تعالى إنكارهم كفرًا وضلالًا، قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ٢.
خلاصة ما تقدم:
ومن هذا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم بين منزلة الملائكة عند الله تعالى بما لا يحتملُ الجدل والمناقشة، فما الملائكة إلاّ عباد مكرمون، يفعلون ما يؤمرون، وهم يحصون أعمال العباد، وهم حملة عرش الرحمن ﵎، يطُوفوُن حوله ويسبحون بحمد ربّهم، وينزلون فيما عظم من الأمور بإذن الله تعالى، ويشهدون بوحدانيته، ويشهدون على صحة ما أنزل على الرسول ﷺ من القرآن وحمل الرسالة.
وهم يُثّبتُون المؤمنين في جهادهم، ويصلون عليهم، ويتلقونهم عند وفاتهم بالبشرى والتحية الطيبة، والتكريم الحسن والاستغفار لهم، في حين أنّهم يعاملون الكفار عند الوفاة بالشدة والقسوة، ويتلقونهم في الآخرة بمثل ذلك ويلعنونهم.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٨٥. ٢ سورة النساء الآية: ١٣٦.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ومع ذلك كله، فإنَّ الملائكة مهما علت منزلتهم عند ربهم، فإنَّهم لا يخرجون عن كونهم عبيدًا لله تعالى، خاضعين له، مشفقين من خشيته، عارفين لحدودهم، فلا يتكلمون ولا يشفعون إلاّ بإذن ربهم ورضاه.
وفي ذلك كله الردّ القاطع على مفاهيم المشركين الخاطئة نحو الملائكة، والتصحيح لما في أذهانهم من انحرافات وخرافات.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
المبحث الثاني: إنكار المشركين لليوم الآخر ومنهج القرآن في إثباته:
الحكمة من البعث:
لقد خلق الله الخلق لعبادته، وكلفهم بالعبودية له، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وبيّن ﵎ للناس طريق الخير، وطريق الشر، ليكونوا على بينة من أمرهم، ولما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد لقبول الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ٢.
ولما كان الخالق الحكيم لم يخلق الناس عبثًا، ولم يتركهم سدى، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ
_________________
(١) ١ سورة الذاريات الآية: ٥٦. ٢ سورة الشمس الآيتان: ٧-٨. ٣ سورة المؤمنون الآية: ١١٥.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ١.
لذلك فإنَّ عدل الله وحكمته، وإعطاءه لكل ذي حق حقه، وتفريقه بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، وحتى لا يكون من كفر بالله وعصاه كمن عبده وأطاعه، لهذا فإنَّ الله تعالى جعل اليوم بعد هذه الحياة؛ لينال فيه كل إنسان جزاء عمله من الثواب والعقاب.
جاء ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ٢.
وقوله ﷾: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي
_________________
(١) ١ سورة القيامة الآيات: ٣٦-٤٠. ٢ سورة يونس الآية: ٤. ٣ سورة طه الآية: ١٥.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ١.
وواقع الحال أننا نرى كثيرًا ممن ارتكبوا جرائم في هذه الحياة يفارقونها وهم متلبسون بجرائمهم، ولم يقتص منهم، كما نرى أناسًا آخرين يغادرونها وهم مظلومون، ولم ترد إليهم مظالمهم، ولم يقتص من ظالميهم، كما نرى أشرارًا في الدنيا منعمين، وأخيارًا معذبين، مع العلم أنَّ ذلك كله واقع بعلم الله القوي القادر السميع البصير، الذي لا تخفى عليه خافية، والذي قد حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا، ولكنه تعالى يمهل ولا يهمل.
لذا والحالة هذه، فإنه إذا ذهب كلُّ إنسان بما فعل، ظالمًا أو مظلومًا دون محاسبة، أو مجازاة، كان ذلك خدشًا في حق الإله العظيم، وعدله ﵎، فلا بدَّ إذًاَ من يوم يقف فيه الظالم والمظلوم، والقائم بالتكاليف الإلهية، والتارك لها بين يدي الخالق جل وعلا، ليقتص من الظالم للمظلوم، ولينال كلُّ من المحسن والمسيء جزاءه المستحق، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة ص الآية: ٢٨. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٤٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وقال تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
لهذا كله، فإن الحكمة واضحة في أنه لا بدّ من حياة أخرى غير هذه الحياة، يحضر فيها الجميع بين يدي الخالق ﵎ لمجازاة المكلفين منهم بحسب كسبهم الإرادي الاختياري، الذي كسبوه في هذه الدنيا، لأنَّ الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
شبه منكري البعث:
ومع ظهور الحكمة في إعادة الحياة إلى الموتى للحساب والجزاء، فإنَّ
_________________
(١) ١ سورة الجاثية الآية: ٢١. ٢ سورة آل عمران الآية: ١٨٥. ٣ سورة التغابن الآية: ٧.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
بعضًا من المشركين قد ضلوا في هذا الباب، والحق أنهم ليس لهم مستند فيما ذهبوا إليه، سوى الإنكار والاستبعاد الناتج عن تصورهم لتفتت العظام، وتحلل الأجساد بعد الموت إلى ذرات ترابية صغيرة، واختلاط تلك الأجزاء الصغيرة بالأرض والنبات.
وقد قصّ الله تعالى مقولات هؤلاء المنكرين وشبهاتهم في كتابه الكريم، والتي تعود كلها كما قلت إلى الإنكار والاستبعاد.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٤٩. ٢ سورة مريم الآية: ٦٦. ٣ سورة المؤمنون الآيتان: ٨٢-٨٣. ٤ سورة يس الآية: ٧٨.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وقال تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ١.
ولشدة تعنت المنكرين للبعث، فقد نسبوا القائل به إلى الكذب والافتراء والجنون.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ٢.
إنَّ الأمر غريب وعجيب عندهم، والحديث عنه يعد خرافة كما قال قائلهم:
حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو٣
وقال شداد بن أوس بن عبد شمس في رثاء أهل بدر من المشركين:
_________________
(١) ١ سورة ق الآية: ٣. ٢ سورة سبأ الآيات: ٧-٩. ٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ٢/٢٣٦، وبلوغ المرام للألوسي ٢/١٩٨.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى١ تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول لسوف نحيا وكيف حياة أصداء وهام٢
ولما كانت قضية البعث بعد الموت من القضايا المهمة في العقيدة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن إثبات الوحدانية لله تعالى، فقد اهتم القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٤.
وقوله: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الشيزى: شجر تتخذ منه الجفان، وأراد بالجفان أربابها الذين كانوا يطعمون فيها وقتلوا يوم بدر، وألقوا في القليب، فهو يرثيهم وسمي الجفان شيزى باسم أصلها. لسان العرب ٥/٣٦٣، والنهاية لابن الأثير ٢/٥١٨. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ٣/٣٤٢، وبلوغ الأرب للألوسي ٢/١٨٩، ولسان العرب لابن منظور ٥/٣٦٣. ٣ سورة النساء الآية: ٣٩. ٤ سورة التوبة الآية: ١٨. ٥ سورة التوبة الآية: ٢٩.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وقوله: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١.
أدلة القرآن في إثبات البعث:
ولقد استدل القرآن الكريم على إمكان البعث وتحقق وقوعه بأدلة مختلفة يمكن إيجازهما فيما يلي:
الأول: الاستدلال على وقوع البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم، فقد ذكر القرآن الكريم عددًا من الأمثلة من هذا النوع من الاستدلال، وإليك البيان:
١-ما ذكره الله تعالى عن قوم موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
وقد ذكر المفسرون: أن الذين أخذتهم الصاعقة هم السبعين الذين اختارهم موسى ﵇ من خيارهم لميقات وقّته له ربه، فقالوا له: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فأخذتهم الصاعقة، وهي كما قالوا:
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية: ٢٢. ٢ سورة البقرة الآيتان: ٥٥-٥٦.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
-نار من السماء- فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ولم يزل حتى ردّ الله إليهم أرواحهم، فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون١.
قال النحاس: "وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ أخبروا بهذا"٢.
٢- قصة الرجل من بني إسرائيل الذي ضرب بعضو من أعضاء البقرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣.
وذلك أن القتيل ضرب بعضو من أعضاء البقرة التي أمرهم الله بذبحها، كما قال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ٤، فلما ضرب ببعضها قام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له من
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١/٢٩١، وتفسير ابن كثير ١/٩٥-٩٦. ٢ تفسير القرطبي ١/٤٠٤. ٣ سورة البقرة الآيتان: ٧٢-٧٣. ٤ سورة البقرة الآية: ٦٧.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
قتلك؟ قال: قتلني فلان، ثم عاد ميتًا كما كان١.
قال الطبري: "قوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى﴾ مخاطبة من الله لعباده المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكره: أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما أحييته في الدنيا، فكذلك أحي الموتى بعد مماتهم، فأبعثهم يوم البعث، وإنّما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب، وهم قوم أميون لا كتاب لهم، لأنَّ الذين كانوا يعلمون ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم، وفيهم أنزلت هذه الآيات، فأخبرهم جل ذكره بذلك ليتعرفوا علم من قبلهم"٢.
٣- قصة الذين أخبر الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٣.
وهؤلاء هم قوم من بني إسرائيل، وقع فيهم الوباء، ففروا هاربين،
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ١/٣٥٩-٣٦٠، وتفسير ابن كثير ١/١١٥، وتفسير القرطبي ١/٤٥٧. ٢ تفسير الطبري ١/٣٦١. ٣ سورة البقرة الآية: ٢٤٣.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
قال ابن عباس ﵄: "كانوا أربعة آلاف، وعنه كانوا ثمانية آلاف، وعنه أيضًا أربعون ألفًا خرجوا فرارًا من الطاعون، قالوا نأتي أرضًا ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال الله لهم: "موتوا" فماتوا، فمرّ عليهم نبيٌ من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم"١.
٤- ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
والذي مرّ على القرية هو: "عزير" ﵇ على القول المشهور، والقرية المشهور أنها بيت المقدس، مرّ عليها عزير بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله٣.
٥- سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحياء الموتى، قال تعالى:
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢/٥٨٦، وتفسير ابن كثير ١/٣٠٩-٣١٠. ٢ سورة البقرة الآية: ٢٥٩. ٣ تفسير ابن كثير ١/٣٢٦.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم ﵇ أسبابًا منها أنه لما قال للنمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أحب أنْ يترقى من علم اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة٢.
وأما حديث: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذْ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ "٣ الآية، فإن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكًا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى هذا الذي ورد من النبي ﷺ على أقوال كثيرة، أحسنها وأصحها ما قاله أبو
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٦٠. ٢ تفسير ابن كثير ١/٣٢٧. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٤١١ كتاب الأنبياء، باب قول الله ﷿: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ الآية. ومسلم ١/١٣٣ كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
إبراهيم المزني وجماعة من العلماء، من أنَّ الشكَ مستحيلٌ في حق إبراهيم ﵇، فإنَّ الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنَّ إبراهيم ﵇ لم يشك، وإنّما خص إبراهيم بالذكر لكون الآية قد يسبق الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فنفى ذلك عنه، وإنّما رجح إبراهيم على نفسه ﷺ تواضعًا وأدبًا، أو قبل أنْْ يعلم ﷺ أنه خير ولد آدم١.
وذكر ابن حجر ﵀ عن بعض علماء العربية:" أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٢، أي لا خير في الفريقين، ونحو قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي لا خير فيهما، فعلى هذا فمعنى قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لا شك عندنا جميعًا "٣ا.؟.
أما قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "أوثقهُّن فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهم جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم ٢/١٨٣. ٢ سورة الدخان الآية: ٣٧. ٣ فتح الباري ٦/٤١٢.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ونتف ريشهن ومزقهن، وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل أربعة أجبل، وقيل سبعة.
قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله ﷿، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدمّ إلى الدّم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته وأتينه يمشين سعيًا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته"١.
٦- ما أخبر الله تعالى في عيسى ﵇، أنه كان يحيى الموتى بإذن الله، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٢.
وذكر المفسرون أنه أحيا أربعة أنفس من الموت٣، وكان إحياء
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٣٢٨. ٢ سورة آل عمران الآية: ٤٩. ٣ زاد المسير لابن الجوزي ١/٣٩٢، وانظر تفسير القرطبي ٤/٩٤.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
عيسى الموتى بدعائه لله، يدعو لهم فيستجيب له١.
٧- ما أخبر الله عنه من قصة أصحاب الكهف، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ٢.
وقال تعالى عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ٣.
وقال أيضًا: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ٤.
قال ابن كثير ﵀: " ذكر غير واحد من السلف أنه قد حصل
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٣/٢٧٨. ٢ سورة الكهف الآيات: ١٠-١٢. ٣ سورة الكهف الآية: ١٩. ٤ سورة الكهف الآيتان: ٢٥-٢٦.
[ ٢ / ٥٩١ ]
لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجةً ودلالةً وآيةً على ذلك"١.
الثاني: الاستدلال بالنشأة الأولى:
جاء ذلك في آيات كثيرة منها ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ٢.
والمعنى: أن المشركين المكذبين بالبعث، قالوا إذا أصبحنا عظامًا نخرة، وذرات متفتتة كالتراب، هل سنبعث ونخلق خلقًا جديدًا؟
ويجيبهم الله تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول: لو كنتم من نوع الحجارة أو الحديد، لقدر الله تعالى على بعثكم وإحيائكم، فضلًا عن كونكم من العظام والرفات، لأنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء ﴿أَوْ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٨٢-٨٣. ٢ سورة الإسراء الآيات: ٤٩-٥١.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: أو كونوا خلقًا آخر أبعد عن الحياة من الحجارة والحديد، مما يصعب في نفوسكم تصور الحياة فيه ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي: من الذي يردنا إلى الحياة بعد الممات ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: قل لهم يا محمد: القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة، هو الذي يعيدكم ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: يحركون رؤوسهم قائلين في استهزاء وتعجب واستنكار، متى يكون هذا البعث الذي تدعيه؟ وهنا يقول الحق لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: لعله يكون قريبًا، فإن كلَّ ما هو آت قريب١.
٢- وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ٢.
وفي هذه الآية الكريمة، ينبه الله تعالى الجاحد للبعث على خلقه
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ٣/٤٩، والمراغي ١٥/٥٦-٥٧. ٢ سورة مريم الآيتان: ٦٦-٦٧.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الأول، ليستدل به على الإعادة، ويعلم أنَّ الذي خلقه من العدم، قادر على أنْ يعيده بعد الفناء وتشتت الأجزاء.
قال بعض العلماء: "لو اجتمع كلُّ الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار، لما قدروا عليها، إذ لا شك أنَّ الإعادة ثانيًا أهون من الإيجاد أولًا"١.
٣-وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢.
٤-وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢١/٢٤١. ٢ سورة الأنبياء الآية: ١٠٤.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة تقوم على مقدمات وحقائق واضحة بنيت عليها نتائج ثابتة، مع ما فيها من السهولة والوضوح التام.
فالله تعالى يذكر للمجادلين في قدرة الله تعالى، المنكرين للبعث، دليلين واضحين على إمكان البعث:
أحدهما: في الإنسان نفسه.
والآخر في النبات.
فأما الدليل الذي في الأنفس، فهو يشتمل عليه صدر الآية الكريمة، وهو متعلق بالنشأة الأولى: (فكأن الله سبحانه قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتفكروا في خلقكم الأول، لتعلموا أنَّ القادر على خلقكم أولًا، قادرٌ على خلقكم ثانيًا) ٢.
ومعنى ذلك فإن شككتم أيها المنكرون للبعث في قدرة الله على إحيائكم بعد موتكم، فانظروا في أصل خلقكم ليزول ريبكم، فقد خلقنا أصلكم "آدم" ﵇ من التراب، ثم جعلنا خلقكم بعد ذلك من نطفة ماء، ثم إلى علقة، وهو الدم الجامد، ثم إلى مضغة، وهي القطعة من اللحم متبينة الخلق والصورة، وغير متبينة في شكلها وخلقها، لنيبن لكم
_________________
(١) ١ سورة الحج الآيات: ٥-٧. ٢ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٣/٧.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
قدرتنا على الخلق والإعادة ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونثبت من الحمل في الأرحام من أردنا أن نقره فيها، حتى زمن الوضع ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: ثم نخرج هذا الجنين فينمو شيئًا فشيئًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾، أي: كمال قواكم وعقولكم ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى﴾ فيموت في شبابه، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، فيصل إلى سن الشيخوخة والهرم ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ فيعود إلى ما كان عليه في أوان الطفولة من الضعف وقلة الفهم والإدراك.
فالآية الكريمة تخاطب المنكر للبعث، قائلة له: إنْ كنت تستبعد البعث والنشور، فما عليك إلا أنْ تنظر إلى أصل خلقك، ونشأتك الأولى وحياتك المتعددة، فعند ذلك تعلم علم اليقين، أنَّ القدرة التي صنعت ذلك لا يعجزها إحياؤك بعد موتك.
وأما دليل النبات أو إحياء الأرض بعد موتها، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، وسيأتي إيضاح هذا الاستدلال في موضعه.
قال الفخر الرازي: "ثم إنه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أمورًا خمسة:
[ ٢ / ٥٩٦ ]
١- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، والحق هو الموجود الثابت، فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع، وحاصلها راجع إلى حدوث هذه الأعراض وتواردها على الأجسام دليل على وجود الصانع.
٢- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾، فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات.
٣- قوله تعال: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني: أنَّ الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء، لا بدّ أنْ يكون قديرًا قادرًا على الإعادة أيضًا.
٤- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾، والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه تعالى قادر على كل شيء، وجب القطع بكونه قادرًا على الإعادة في نفسها، وإذا ثبت الإمكان، وأخبر الصادق عن وقوعه، وجب القطع بوقوعه.
٥- ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾، أي: ولتوقنوا بأنَّ الله حينئذ يبعثُ من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب.
ثم قال الرازي: واعلم أنّ تحرير هذه الدلائل على الوجه النظري، أنّ
[ ٢ / ٥٩٧ ]
يقال الإعادة في نفسها ممكنة، والصادق أخبر عن وقوعها، فلا بدّ من القطع بوقوعها"١ا.؟.
٤- ومن أدلة البعث قياسًا على النشأة الأولى، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٢.
٥- وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، أي: وهو الذي يبدأ الخلق من غير أصل له، فينشئه بعد أنْ لم يكن شيئًا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده كما بدأه، وذلك أسهل عليه حسب ما يدور في عقول المخاطبين، من أنّ
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ٢٣/٩-١٠ بتصرف، وانظر تفسير المراغي ١٧/٩٠. ٢ سورة المؤمنون الآيات: ١٢-١٦. ٣ سورة الروم الآية: ٢٧.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
من فعل شيئًاَ مرة، كانت الإعادة أسهل عليه، وإلاّ فكل الممكنات بالنظر إلى قدرة الله تعالى سواء١.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٢.
والمعنى: أفعجزنا عن ابتداء الخلق، حتى نعجز عن إعادته بعد الموت؟
قال ابن كثير ﵀: "والمعنى أنَّ الخلق لم يعجزنا، والإعادة أسهل منه"٣.
٦- وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ٢١/٣٥، وتفسير المراغي ٢١/٤١. ٢ سورة ق الآية: ١٥. ٣ تفسير ابن كثير ٤/٢٣٩. ٤ سورة السجدة الآيات: ٧-١١.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
٧- وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبيّ بن خلف لعنه الله إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذره في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أنَّ الله يبعث هذا؟ قال ﷺ: "نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار".
ونزلت هذه الآيات من آخر يس.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: إنّ العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي اللهُ هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم"، قال ونزلت الآيات من آخر يس٢.
قال ابن كثير: "وعلى كل تقدير، سواء كانت هذه الآيات نزلت في أبيّ بن خلف، أو العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل
_________________
(١) ١ سورة يس الآيتان: ٧٨-٧٩. ٢ الحاكم في المستدرك ٢/٤٢٩، وصححه ووافقه الذهبي. وأسباب النزول للسيوطي ص: ١٨٢، وأسباب النزول للواحدي ص: ٢٠٩.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
منكر للبعث"١.
٨- وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٢.
ومعنى الآيات الكريمة، أفيظن الإنسان أنْ يترك هملًا من غير بعث ولا حساب؟ وبدون تكليف، بحيث يبقى كالبهائم، أما كان هذا الإنسان نطفة له ماء مهين، يخرج من بين صلب الرجل، وترائب المرأة، ثم كان علقة من دم غليظ متجمد، فخلقه الله بقدرته في أحسن صورة وأجملها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ٣، فكان من هذا الإنسان الذكر والأنثى بقدرته تعالى، أليس الذي أنشأ الإنسان هذه النشأة العجيبة، بقادر على إعادة خلقه بعد فنائه؟
"سبحانك اللهم بلى".
إلى غير ذلك من الآيات التي أوردها القرآن في اثبات البعث مستدلًا على ذلك بالنشأة الأولى.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٦٠٧. ٢ سورة القيامة الآية: ٣٦-٤٠. ٣ سورة التين الآية: ٤.
[ ٢ / ٦٠١ ]
الثالث: الإستدلال على البعث بخلق السموات والأرض بطريق الأولى، ومن الحجج التي استدل القرآن بها على منكري البعث، بيان قدرته العظيمة على خلق الأكوان، ومن ذلك خلقه للسموات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآيتان: ٩٨-٩٩. ٢ سورة يس الآية: ٨١. ٣ سورة الأحقاف الآية: ٣٣. ٤ سورة النازعات الآيتان: ٢٧-٢٨.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
فهذه الآيات الكريمة، وما في معناها من أكبر الأدلة والبراهين على قدرة الخالق العظيم، لأنه من المعروف ببداهة العقول السليمة، أنَّ خلق السموات والأرض أعظم من البعث وإعادة خلق الناس.
الرابع: الاستدلال بخلق النبات:
ومن أدلة القرآن على إمكان البعث، قياس إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات، جاء ذلك في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٥٧. ٢ سورة الحج الآيتان: ٦-٧.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
فهذه الآيات الكريمة، استدل بها القرآن الكريم على بعث الموتى من قبورهم، وذلك أنَّ الله تعالى ينزل الأمطار على الأرض المجدبة القاحلة، فتحيا بعد أن كانت ميتة هامدة، وتهتز وتربو وتنبت من أصناف النباتات المختلفة، وكذلك الأموات يخرجون كما تخرج هذه النباتات من الأرض الميتة، إذ أنَّ القادر على هذا قادر على ذلك، ولو كانت إعادة الحياة إلى الإنسان مستحيلة، لما عادت الحياة إلى النباتات بعد موتها، لأنَّ المشابهة واضحة.
ولقد لفت القرآن الكريم أنظار المنكرين للبعث إلى التأمل والتبصر في المخلوقات المحسوسة والمشاهدة، لأخذ العبرة منها، ليعود للنفوس إيمانها فتشعر بالاستقرار والطمأنينة.
الخامس: الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر:
قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ
_________________
(١) ١ سورة فاطر الآية: ٩. ٢ سورة فصلت الآية: ٣٩.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
تُوقِدُونَ﴾ ١.
قال الفخر الرازي: "ووجهه هو أنَّ الإنسان مشتمل على جسم يحس به، وحياة سارية فيه، وهي كحرارة جارية فيه، فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه، فلا تستبعدوه، فإنَّ النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء، أعجب وأغرب، وإن استبعدتم خلق جسمه، فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم، فلا تستبعدوه، فإنَّ الله خلق السموات والأرض"٢.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ﴾ ٣.
ووجه الاستدلال من الآيتين: أنَّ من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر، لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت٤.
السادس: الإستدلال بحصول اليقظة بعد النوم:
فإنَّ النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى
_________________
(١) ١ سورة يس الآية: ٨٠. ٢ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٦/١١٠. ٣ سورة الواقعة الآية: ٧١. ٤ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٩/١٨٤.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
والمراد من ذلك الإستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر٤.
وهناك استدلالات أخرى، ذكرها بعضُ العلماء أمسكنا عنها اختصارًا٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٦٠. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ٦١-٦٢. ٣ سورة الزمر الآية: ٤٢. ٤ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٧/١٨. ٥ للإستزادة انظر مناهج الجدل في القرآن الكريم، د. زاهر عواض الألمعي ص٣٠٤ وما بعدها، منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان د. علي بن محمد ناصر فقيهي ص٢٩٣ وما بعدها.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
المبحث الثالث: بيان الحق في أمر الشفعاء:
معنى الشفاعة لغة:
قال ابن الأثير: "الشفعة في كل ما لم يقسم، وهي مشتقة من الزيادة، لأنّ الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، كأنه كان واحدًا وترًا، فصار زوجًا شفعًا، والشافع هو الجاعل الوتر شفعًا وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمُشَفِّع: الذي يَقْبَلُ الشفاعة، والمُشَفَّع الذي تقبل شفاعته"١.
وفي المفردات للراغب: "والشفاعة الإنضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثرُ ما يستعمل في إنضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة"٢.
وقال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين"٣.
وفي القاموس المحيط: "وشفعته فيه تشفيعًا حين شفع شفاعة،
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ٢/٤٨٥. وانظر: لسان العرب لابن منظور ٨/١٨٤. ٢ المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٢٦٣. ٣ معجم مقاييس اللغة ٣/٢٠١.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
واستشفعه إلينا سأله أن يشفع"١.
ومن هذا يظهر لنا أنَّ الشفاعة في اللغة، تدورُ حول اقتران شيء بشيء، أو إنضمام شيء إلى شيء لزيادته أو لنصرته، أو للتجاوز عنه.
وإذا بحثنا الشفاعة في كتاب الله تعالى، نجد أنَّها تنقسم إلى قسمين:
شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة، ونجد أنّ الشفاعة في الدنيا خاصة بالعباد، وتقع لبعضهم من بعض، لأنهم يملكونها، وهي تنقسم إلى قسمين:
شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، ومثال الشفاعة الحسنة: ما إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله ﵎، بدليل قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ ٢.
وقول الرسول ﷺ: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" ٣.
_________________
(١) ١ القاموس المحيط للفيروزابادي ٣/٤٦. ٢ سورة النساء الآية: ٨٥. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٢٩٩ كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها. ومسلم ٤/٢٠٢٦ كتاب البر والصلة، حديث رقم: ١٤٥. وأحمد في المسند ٤/٤٠٠.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أما الشفاعة السيئة: فهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ ١.
وقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢.
أما الشفاعة في الآخرة، فلا تكون إلا بأمر الله وحده، لا يملكها غيره، وخاصة بمن له ملك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٨٥. ٢ سورة المائدة الآية: ٢. ٣ سورة الزمر الآيتان: ٤٣-٤٤.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
قال الفخر الرازي: "وتقرير الجواب، أنّ هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها.
والأول باطل؛ لأنّ هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا، ولا تعقل شيئًا، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها.
والثاني باطل؛ لأنّ في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئًا، ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره، وهذا هو المراد من قوله ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ "١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٢.
وتنقسم الشفاعةُ في الآخرة إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.
فأما الشفاعة المثبتة، فهي: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له٣.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٦/٢٨٥. ٢ سورة الانفطار الآيات: ١٧-١٩. ٣ إغاثة اللهفان لابن القيم ١/٢٢٠.
[ ٢ / ٦١٠ ]
ومن ذلك شفاعات النبي ﷺ، وهي كثيرة منها الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في فصل القضاء، وهي المقام المحمود الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ١.
وهي الشفاعة التي يتراجع عنها الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ﵈، حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم٢.
ومنها شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من أمته، فيخرج منها أناس بشفاعته ﷺ، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لكلِّ نبي دعوةٌ مستجابة، فتعجّل كلُّ نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًاَ" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٧٩. ٢ انظر الحديث في صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٤١٧ كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار. ومسلم ١/١٨٠ كتاب الإيمان، حديث: ٣٢٢. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٣/٤٤٧ كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة. ومسلم ١/١٨٩ كتاب الإيمان، حديث رقم: ٣٣٨، وهذا لفظه.
[ ٢ / ٦١١ ]
وصح أنَّ القرآن الكريم يشفعُ لأهله، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" ١.
ومن خلال آيات القرآن الكريم يتبين لنا أنَّ الشفاعة التي أثبتها الله تعالى، هي مقيدة بأمرين:
الأمر الأول: أذن الله تعالى للشافع، فإن لم يأذن له فلا يشفع.
الأمر الثاني: رضا الله سبحانه عن المشفوع له، فإن لم يرض فلا شفاعة.
قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٥٥٣ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم: ٢٥٢. ٢ سورة البقرة الآية: ٢٥٥. ٣ سورة يونس الآية: ٣.
[ ٢ / ٦١٢ ]
لَهُ قَوْلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ ٣.
ففي هذه الآيات الكريمة أخبر اللهُ ﷾ أنَّ الشفاعة في ذلك اليوم كلها عند من له ملك السموات والأرض، وهو الله سبحانه وحده، لا عند غيره من الملائكة والأنبياء والأولياء وغيرهم، فهو الذي يأذن لمن شاء أن يشفع فيه، كما أخبر أنّها لا تكون إلاّ بعد إذنه للشافع، وإن لم يأذن له فلا يشفع، وأخبر أنّها لا تكون نافعة إلا لمن كان مرضيًا عنده ﷾ قولًا وعملًا، ولا يكون مرضيًا إلاّ إذا كان مؤمنًا خالصًا، ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوه وخلّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذي ارتضى الله سبحانه وتعالى٤.
_________________
(١) ١ سورة طه الآية: ١٠٩. ٢ سورة الأنبياء الآية: ٢٨. ٣ سورة النجم الآية: ٢٦. ٤ انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ١/٢٢٠-٢٢١. بتصرف.
[ ٢ / ٦١٣ ]
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال: "من قال لا إله إلاّ الله خالصًا من قلبه أو نفسه" ١.
وواضح من صريح القرآن الكريم، أنَّ الشفاعة لا تشمل من مات على الكفر والشرك، وذلك لحكم الله تعالى بخلود الكافرين والمشركين في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ٢.
وأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة المعروفة لدى الناس عند الإطلاق، وهي: أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء، فيقبل شفاعته٣.
وهذه الشفاعة هي الشفاعة الشركية، وهي التي أثبتها المشركون، فاتخذوا من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، وصوروا تماثيلهم، وقالوا: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعباداتهم، ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم، لكونهم أقرب
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/١٩٣ كتاب العلم، باب الحرص على الحديث. وأحمد ٢/٣٧٣. ٢ سورة البينة الآية: ٦. ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/١١٨.
[ ٢ / ٦١٤ ]
إلى الملوك من غيرهم، فيشفعوا عند الملوك بغير أذن الملوك١.
قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٣.
وقد أبطل الله تعالى هذه الشفاعة في كتابه، وذم المشركين عليها وكفرهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن
_________________
(١) ١ انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص: ١١. ٢ سورة يونس الآية: ١٨. ٣ سورة الزمر الآية: ٣. ٤ سورة البقرة الآية: ١٢٣.
[ ٢ / ٦١٥ ]
دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٤.
وقال ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٥١. ٢ سورة الأنعام الآية: ٩٤. ٣ سورة السجدة الآية: ٤. ٤ سورة الأنبياء الآيات: ٢٦-٢٨.
[ ٢ / ٦١٦ ]
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة صريحة في قطع أطماع المشركين من القبورين وأشباههم قديمًا وحديثًا، أن يكونوا أهلًا لشفاعة الرسول ﷺ.
ومن المعلوم أنّ الإنسان إذا نطق بالشهادتين في حال تلبسه بالأعمال المناقضة لشروطهما -كحال القبوريين مثلًا- الذين يستحلون محارم الله، بصرف شيء من العبادة للأموات، كالصلاة والدعاء والذبح والنذور ونحوها - فإنَّ نطقهم حينئذ بالشهادتين لا يُفيدُهُم شيئًاَ، لأنَّ أعمالهم الشركية تنافي ذلك وتنقضه.
ومن أراد شفاعة الرسول ﷺ، فعليه أن يطلبها من الله تعالى وحده، وأن يعمل صالحًا.
ومن أهم مظاهر العمل الصالح الأمور الآتية:
١- إخلاص العبادة لله تعالى في كل شيء، ونفي جميع أنواع الشرك عنه ﷾، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله
_________________
(١) ١ سورة سبأ الآيتان: ٢٢-٢٣.
[ ٢ / ٦١٧ ]
عليه وسلم: "من قال لا إله إلاّ الله خالصًا من قلبه أو من نفسه" ١.
٢- تمام المتابعة للرسول ﷺ في كل ما أمر به، أو نهى عنه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/١٩٣ كتاب العلم، باب الحرص على الحديث. وأحمد في المسند ٢/٣٧٣.
[ ٢ / ٦١٨ ]
المبحث الرابع: بيان الحق في أمر الأولياء:
معنى الولي لغة: اسم من الوَلْي، والولي هو القرب والدنو١.
قال ابن فارس: "الواو واللام والياء، أصل صحيح يدل على قرب"٢.
ويطلق الولي على الصديق والنصير والتابع والمحب، والمولاة ضد المعاداة٣.
قال ابنُ الأثير: "الولي هو الناصر، وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها وهو الربُّ المالك، والسيد المنعم، والمعتق والناصر والمحب والتابع.. وكلّ من وليَ أمرًا أو قام به، فهو مولاه ووليه.."٤.
ومن هذا يتبين لنا أنَّ معنى الولي والولاية في اللغة، يدور حول القرب والدنو، والصديق والنصير، والتابع والمحب، والناصر والمتولي للأمور، ونحو ذلك.
أما ولاية الله للعبد، فهي هدايته إلى الإيمان، وإلى طاعته ومحبته ونصرته له، وتقريبه إليه ﷿ حتى يحبه، فإذا أحبه قرب منه وتولى
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ١٥/٤١١، والقاموس المحيط للفيروزابادي ٤/٤٠١. ٢ معجم مقاييس اللغة ٦/١٤١. ٣ لسان العرب ١٥/٤١١. ٤ النهاية في غريب الحديث ٥/٢٢٧-٢٢٨.
[ ٢ / ٦١٩ ]
أموره، ونصره وحفظه، فكان بذلك وليه، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
ومعنى ذلك أن الله تعالى: يتولى المؤمنين بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.. وأنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه وهاديهم"٢.
وإذا كان الله ينصر عبده المؤمن، ويعينه ويتولى أموره، فهذا يدلُّ على أنَّ ربه يحبه ويرضى عنه، ويقربُه منه، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿﵃
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٥٧. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/٢١. ٣ سورة آل عمران الآية: ٧٦. ٤ سورة الأعراف الآية: ٥٦.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ١.
وأما ولاية المؤمن لله تعالى، فهي: الإيمان به ﵎ قولًا وعملًا واعتقادًا، ونصرة دينه والمحافظة على شرائعه، وموالاته في ما يحبه ويرضاه، وعدم معاداة من والاه.
وخلاصة القول في هذا: فإنَّ ولاية العبد لله تكون في الموافقة في ما يحبُّ الله ويبغض، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
والفرق بين الولايتين بين واضح، وذلك أنّ الله تعالى لا يوالي أحدًا من خلقه افتقارا له واحتياجا إليه، وإنّما يواليه إكرامًا له، وإنعامًا عليه؛ لأنّ الله تعالى غني عن كل ما سواه، والخلق كلهم في حاجة إليه، وقد نفى الله تعالى أن يكون له ولي من الذل، فقال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢.
وأما العبد فإنه يوالي ربه لشدة فقره واحتياجه إلى هدايته ونصرته وإعانته، ورعايته ومحبته ورضاه عنه، وتقريبه إليه، وهو في حاجة ملحة إلى ربه ﵎ في كل أمر من أموره في دنياه وآخرته.
_________________
(١) ١ سورة البينة الآية: ٨. ٢ سورة الإسراء الآية: ١١١.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقد بين القرآن الكريم أن المشركين ما عبدوا الأصنام واتخذوا الأولياء والشفعاء إلا بتقربهم إلى الله زلفى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة: أنّ هؤلاء المشركين اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام والأوثان، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله منزلة، وحظوة وتشفع لنا عنده في النصر والرزق، وما ينوبنا من أمور.
وقد هددهم الله تعالى، وبين لهم عاقبة ما يفعلون، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: إنَّ الله يحكم بينهم وبين خصومهم في موضوع التوحيد والإشراك، ويجازي كلًا بما هو أهل له، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
وقد ظنّ الجهلةُ أنّ من يظهر لدية أمور خارقة للعادة، أنّه من أولياء الله المقربين، ولو كانت أفعال ذلك الشخص وأعماله تخالف شريعة الله، وتخالف سنة رسوله ﷺ، ولهذا فقد تجرأ كثيرٌ من الجهلة
_________________
(١) ١ سورة الزمر الآية: ٣.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
إلى تعظيم ومحبة وموالاة من ليس بولي، حتى وصل بهم الأمر إلى دعائهم والاستغاثة بهم، سواء كان الولي المتقرب إليه حيًا أو ميتًا، وهذه الأعمال والاعتقادات هي شرك محض.
يقول صاحب كتاب صراع بين الحق والباطل: "يفهم الناسُ اليوم الولاية فهمًا معكوسًا يخالف حقيقتها ومعناها، فإنّه لفرط جهلهم بأمور الدين، وعدم معرفتهم لحقيقة الولاية، نسبوا الأمر إلى غير أهله، وخلعوا الشيء على من ليس جديرًا به، فأطلقوا لفظ الولي على من لا يستحقون من المتعطلين الخاملين الذين عطّلوا جوارحهم، وتعطلوا عن العمل والسعي والكفاح، بحجة التواكل والزهد والانقطاع للعبادة، ولزوم التكايا وزوايا الأضرحة، وأطلقوا أيضًا على كل من سال لعابه ولبس الثياب الممزقة المرقعة، وأطال شعر رأسه، وأرخى لحيته، وأطبق يديه على مسبحة طويلة، ووضع على رأسه عمامة كبيرة وظهر أمام الناس في زي عجيب، حتى البله ومن في عقولهم خبل وهوس.
وأعطوا كذلك لبعض المجرمين الأشقياء الذين يعيشون آمنين متسترين تحت لعب الولاية، ويباشرون أعمال الدجل والشعوذة والكذب باسم الدين.
وهكذا ظن السذج من الناس أنّ كل من ظهر على هذه الصورة
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الخادعة قطب كبير، وصاحب سر باتع، وأنه واصل ومتصل مع الله اتصالا مباشرًا بدون حجاب "١.
ويقول الميلي الجزائري: "الولي عند الناس اليوم: إما من انتصب للآذان بالأوراد الطرقية، ولو كان في جهله بدينه مساويًا لحماره، وإما من اشتهر بالكهانة وسمّوه حسب اصطلاحهم "مرابطًا"، ولو تجاهر بترك الصلاة وأعلن شرب المسكرات، وإما من انتهى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحيًا لا يحرم حرامًا".
ثم يقول: "وحق هؤلاء الأولياء على الناس الجزم بولايتهم، وعدم التوقف في دخولهم الجنة، ثم الطاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم ولو أخلّ بحق زوجته وصبيته، فهم المطلوبون في كل شدة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن كبيرها وصغيرها، حاضرها وباديها، فما من قرية بلغت في البداوة أو الحضارة إلاّ ولها ولي تنسب إليه، فيقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني، ويجب عند هؤلاء الناس أن يكون بعض علماء الدين خدمة لهؤلاء الأولياء، مقرين لأعمالهم وأحوالهم، غير منكرين لشيء منها"٢ا.؟.
_________________
(١) ١ صراع بين الحق والباطل لسعد صادق محمد ص: ١٥-١٦، منشورات دار اللواء الرياض، ط الرابعة ١٣٩٨؟. ٢ رسالة الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص: ١٦٥.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
هذا هو مفهوم الولاية والأولياء عند جهلة الناس في كثير من أنحاء العالم الإسلامي اليوم، وهو كما ترى، جهل واضح، وخطأ فادح لا يستند إلى شيء من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.
أما أولياء الله الحقيقيون، فقد بينهم الله تعالى في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ١.
فالآيات الكريمة تبين أنّ أولياء الله هم الذين آمنوا به وبرسوله، واتبعوا شرائعه وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ووافقوه فيما يحب، وابتعدوا عن مساخطه، ووالوا أولياءه، وعادوا أعداءه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وفي هاء الكناية في قوله ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ﴾ قولان:
أحدهما: أنها ترجع إلى المسجد، وهو قول الجمهور، والمعنى أنّ المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا.
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيات: ٦٢-٦٤. ٢ سورة الأنفال الآية: ٣٤.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
والثاني: أنها تعود إلى الله عز وجل١.
قال ابن جرير: "وما لهؤلاء المشركين ألاّ يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، ولم يكونوا أولياء الله، أي: ما أولياء الله إلا المتقون، يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنّ أولياء الله المتقون"٢.
ومن هذا يتبين لنا أنّ ولي الله هو المؤمن التقي الصالح، المؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ، المطيع فيما يأمرُ به، المجتنب لما ينهى عنه.
وإذًا فالمظاهر وحدها لا تدلّ على الولاية، ونحن لا يمكننا أن نقطعَ لأحد بالولاية والتقوى، وإنّما يمكن أنْ نَحْكُم بإسلام شخص من خلال ما يظهر لنا من أحواله وسيرته على قاعدة: "لنا الظاهر والله يتولى السرائر".
أمّا القطع بولاية شخص وتقواه، فهذا مردّه إلى الذي يعلم سرائر العباد، ﷾، قال ﷿: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ زاد المسير لابن الجوزي ٣/٣٥٢. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٩/٢٣٩. ٣ سورة النساء الآية: ٢٥.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٢.
وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين أنْ يتخذ بعضُهم بعضًا أولياء لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، والدفاع عن عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك، ومقاومة البدع والخرافات المنتشرة بين الناس باسم الدين، ومعاونة بعضهم بعضًا فيما يعود عليهم بالخير والنفع في أمور الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية: ٣٠. ٢ سورة النجم الآية: ٣٢. ٣ سورة الأنفال الآية: ٧٢.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد نهى الله تعالى المؤمنين أنْ يتخذوا أعداءه من الكافرين والمشركين أولياء، يتوددون إليهم ويناصرونهم ضد إخوانهم من المؤمنين الذين يعملون لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق.
قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٧١. ٢ سورة آل عمران الآية: ٢٨. ٣ سورة النساء الآية: ١٣٩. ٤ سورة الأعراف الآية: ٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
ومن خلال الآيات الكريمة، يتبين لنا أنّ أولياء الله الحقيقيين لا يعلنون عن أنفسهم، لأنّ الولاية الحقة إنّما تكون في القلوب إيمانًا وتقوى، وليس لها آثار معروفة أو ملموسة سوى الاستقامة على طاعة الله ﷾، والمحبة الخالصة له ولرسوله ﷺ، والانقياد لأوامر الدين، والابتعاد عن نواهيه.
وموقفهم تجاه دين الله يتمثل في العمل به ونصرته، وعلاقتهم مع الله سبحانه باتخاذه وحده وليًا لهم دون غيره، وعلاقتهم بعضهم ببعض يتمثل في التعاون والتناصح والتأييد والنصرة في الحق.
وعلاقتهم مع أعداء الله يكون في عدم محبتهم أو مناصرتهم.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٥١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته"١.
هذه الولاية الحقة، وهذا ما فهمه السلف الصالح عنها، لا كما يدعي الدجالون في هذا الزمان.
يذكر الأستاذ رشيد رضا جوانب هامة عن حياة هؤلاء الأدعياء تحت عنوان "أولياء الخيال وأولياء الطاغوت والشيطان"، فيقول: " فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية هم المؤمنون الصالحون المتقون، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدلّ على أنّ الأولياء عالم خيالي غير معقول، لهم من الخصائص في عالم الغيب، والتصرف في ملكوت السموات والأرض، فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة، في أنبياء الله المرسلين، وينقلون مثل هذه الدعاوى عن بعض من اشتهروا بالولاية ممن لهم ذكر في التاريخ، ومن لا ذكر لهم إلا في كتاب الأدعياء الذين فتنوا المسلمين والمسلمات بهم، ممن يسمون بالمتصوفة وأهل الطريق، ينقلون عنهم ما يؤيدون به مزاعمهم الخرافية الشركية"٢.
هذه بعض صور أولياء الله عند أولئك القوم، وهم في الحقيقة أعداء الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنهم تركوا ما أمروا به، وفعلوا ما يخالف كتاب
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١١/٣٤٠ كتاب الرقاق، باب التواضع. ٢ تفسير المنار ١١/٤٢٠ مع بعض اختصار.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الله وسنة رسوله ﷺ.
وقد أبطل الله تعالى تلك الولاية والموالاة، لأنها لا تكون إلا لله عالم الغيب والشهادة، المتصرف في ملكوت السموات والأرض، المطلوب في كل شدة، لأجل هذا عاب الله المشركين لاتخاذهم الأولياء من دونه، فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أنْ يقول لهم، أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دون الله، وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا دفع الضر عنها، فكيف يستطيعون لغيرهم، وذلك ما ورد نصه في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآية: ١٦. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٧.
[ ٢ / ٦٣١ ]
مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ ٢.
فالله وحده هو الولي الحق الناصر للمؤمنين الصادقين، لا مولى سواه، ولا ناصر غيره، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ٤.
وقال ﷿: ﴿مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ١١٦. ٢ سورة الكهف الآية: ١٠٢. ٣ سورة الشورى الآية: ٩. ٤ سورة الشورى الآية: ٤٦. ٥ سورة الجاثية الآية: ١٠.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وقد شبه القرآن الكريم الذين اتخذوا من دون الله أولياء يرجون نفعهم بالعنكبوت في اتخاذها بيتًا لا يغني عنها في حرٍ ولا برد، ولا مطر ولا أذى.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقد أكد القرآن أنّ هذه الولاية الشركية إنّما هي نتيجة لموالاة مشركي الإنس، واستمتاعهم بالشياطين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٤١. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ١١٢-١١٣. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٢١.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ٢.
وأما كيفية استمتاع شياطين الإنس وشياطين الجن بعضهم ببعض، فذكر الصحابة أنّ ذلك في الدنيا، وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الإنس والجن٣ ا.؟.
وقد بين القرآن أنّ من يطع الشيطان ويواليه، ويترك أمر الله، فقد خسر وهلك هلاكًا مبينًا واضحًا.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٢٨. ٢ سوة الأعراف الآية: ٣٠. ٣ انظر: تفسير الطبري ٨/٣٣، وتفسير ابن كثير ٢/١٩٠.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ .
نعوذ بالله من موالاة الشياطين وأوليائهم.
_________________
(١) سورة النساء الآية: ١١٩.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
الفصل الثاني: دحض شبهات المشركين حول الرسالة.
المبحث الأول: دحض أكاذيب المشركين على القرآن.
الفصل الثاني: دحض شبهات المشركين حول الرسالة: ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: دحض أكاذيب المشركين على القرآن: ويشتمل على ما يلي:
١- زعمهم بأن القرآن أساطير الأولين:
والأساطير: جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث، وأرجوحة وأراجيح.
وفي اللسان: الأساطير: الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها وسطّرها ألفها، وسطر علينا: أتانا بالأساطير.."١.
قال الراغب: "أساطير الأولين، أي شيء كتبوه كذبًا ومينًا فيما زعموا"٢.
وقد زعم المشركون بأنّ القرآن الكريم إنّما هو أساطير من أساطير الأولين، جاء ذلك عنهم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ
_________________
(١) ١ لسان العرب ٤/٣٦٣. وانظر: القاموس المحيط للفيروزابادي ٢/٤٨. ٢ المفردات في غريب القرآن ص: ١٣٢.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
ذكر ابن الجوزي في سبب نزولها: أن نفرًا من المشركين منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، جلسوا إلى رسول الله ﷺ واستمعوا إليه، ثم قالوا للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بَنِيَّةً ما أدري ما يقول. إلا أني أرى تحرك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين، مثلما كنت أحدثُكُم عن القرون الماضية٢.
قال ابن هشام: "وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار٣، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟
وأضاف ابن هشام يقول: وهو الذي قال فيما بلغني: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٢٥. ٢ زاد المسير ٣/١٨. وانظر: روح المعاني للألوسي ٧/١٢٤-١٢٥. ٣ وقيل: اسبنديار، قيل: اسفنديار. انظر: هامش السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٠٠، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
أَنَزلَ اللهُ﴾ ١"٢.
قال ابن إسحاق: "وكان ابن عباس ﵄ يقول فيما بلغني، أنزل فيه ثمان آيات من القرآن: قول الله ﷿: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٣. وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن".
وهذه المقالة: "كانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالآلهة والأبطال في قصص الوثنيات، وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها"٤.
ومعنى قولهم ذلك: "أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل، ومنقول عنهم"٥.
يقول الفخر الرازي عن مقصود المشركين بهذه التهمة:" اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم: ﴿إِن هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ القدح في
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٩٣. ٢ سيرة ابن هشام ١/٣٠٠، ٣٥٨. وانظر الروض الأنف للسهيلي ٢/٥٢. ٣ سورة القلم الآية: ١٥، والمطففين الآية: ١٣. ٤ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٣/١٧٧. ٥ تفسير ابن كثير ٢/١٣٨.
[ ٢ / ٦٤١ ]
كون القرآن معجزًا، فكأنهم قالوا: إنّ هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة، والقصص المذكورة للأولين، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين، وأقاصيص الأقدمين، لم يكن معجزًا خارقًا للعادة"١.
ومن الآيات التي قصها الله علينا من قولهم في هذا الصدد:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤.
كما ذكر القرآن الكريم هذا الافتراء على لسان المشركين في سورة المؤمنون والنمل، في معرض إنكارهم للبعث.
قال تعالى في سورة المؤمنين: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ١٢/١٨٨. ٢ سورة الفرقان الآية: ٥. ٣ سورة الأنفال الآية: ٣١. ٤ سورة النحل الآية: ٢٤.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
وقال في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢.
وعن مغالطات المشركين ومجادلاتهم الباطلة، يقول سيد قطب: "وهم يعلمون جيدًا أنّ هذا القرآن ليس بأساطير الأولين، ولكنهم إنّما كانوا يجادلون، ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب، ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة، وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصًا عن الرسل وأقوامهم، وعن مصارع الغابرين من المكذبين، فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب، قالوا عن القصص وعن القرآن كله: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ "٣.
قال صاحب تفسير المنار: "وهذا شأن من ينظر إلى الشيء نظرًا سطحيًا، لا يستنبط منه علمًا ولا برهانًا.. وأنّ مثلهم في هذا كمثل الطفل الذي يشاهد ألعاب الصور المتحركة، يديرها قوم لا يعرف لغتهم،
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية: ٨٣. ٢ سورة النمل الآية: ٦٨. ٣ في ظلال القرآن ٣/١٧٧.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وكل حظه مما يرى من المناظر، ومن المكتوبات المفسرة لها، لا يعدو التسلية"١.
٢- زعمهم بأن الرسول ﷺ تلقاه عن بشر:
ومن مفتريات المشركين على القرآن وعلى الرسول ﷺ أيضًا، زعمهم بأنّ القرآن الكريم إنّما هو من تعليم بشر.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ٢.
واختلفت الروايات في تعيين الشخص الذي زعموا أنه يعلم الرسول ﷺ، قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويعلمه بعض الشيء، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير، بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه٣.
قال محمد بن إسحاق: "كان الرسول ﷺ فيما
_________________
(١) ١ تفسير المنار ٧/٣٤٨. ٢ سورة النحل الآية: ١٠٣. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٦٣٦.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
بلغني كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة، غلام نصراني يقال له: جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ الآية"١.
وهناك روايات ضعيفة تذهب إلى أن اسمه " يعيش".
وقيل: "عايش"٢.
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قنًا يعلم بمكة، وكان اسمه "بلعام"، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنّما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية٣.
وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما: يسار، والآخر: جبر، وقيل: "خير"، بدل: "جبر"٤.
وعن الزهري عن سعيد بن المسيب:" إنّ الذي قال ذلك رجل من المشركين، كان يكتب الوحي للرسول ﷺ، فارتد بعد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٣٩٣. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٦٣٦، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/٤٩٣، والسيرة النبوية الصحيحة د. أكرم العمري ١/١٦٥. ٣ تفسير ابن جرير ١٤/١٧٧، وتفسير ابن كثير ٢/٦٣٦. ٤ تفسير الطبري ١٤/١٧٨، وتفسير ابن كثير ٢/٦٣٦، والإصابة ٤/٤١٩.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة قبحه الله"١.
وقيل: المقصود بذلك سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنّما أسلم بالمدينة٢.
وقد ردّ الله تعالى على هذه الفرية بقوله: ﴿لِِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟
إنّه لا يقول هذا من له أدنى مسكة عقل٣.
نعم: كيف يتعلم محمد ﷺ هذا القرآن العظيم في فصاحته وبلاغته وقوة معانيه من رجل أعجمي؟!
_________________
(١) ١ انظر هذه الروايات في: تفسير الطبري ١٤/١٧٧-١٧٨، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٣٤، وتفسير ابن كثير ٢/٦٣٦، والحاكم في المستدرك ٢/٣٥٧ بإسناد ضعيف. وانظر: سيرة ابن هشام ١/٣٩٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/٤٩٣. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٦٣٦. ٣ انظر هذه الروايات في: تفسير الطبري ١٤/١٧٧-١٧٨، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٣٤، وتفسير ابن كثير ٢/٦٣٦، والحاكم في المستدرك ٢/٣٥٧ بإسناد ضعيف. وانظر: سيرة ابن هشام ١/٣٩٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/٤٩٣.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ومن أين للأعجمي أنْ يأتي بهذا الكتاب الذي تحدى الله به الإنس والجن على حد سواء؟!
وقال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
يقول سيد قطب ﵀: "وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يريدونه ويعلمون كذبه وافتراءه، وإلاّ فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه – أنّ أعجميًا يملك أنْ يعلم محمدًا هذا الكتاب؟ ولئن كان قادرًا على مثله، لظهر به لنفسه"٢.
ويضيف سيد قطب قائلًا: "واليوم بعدما تقدمت البشرية كثيرًا، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات، وعن نظم وتشريعات، يملك كل من يتذوق القول، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية، والتشريعات القانونية أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أنْ يكون من عمل بشر".
ومن الآيات التي تذكر افتراءات المشركين في هذا الصدد:
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٨٨. ٢ في ظلال القرآن ٥/٢٨٢.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
* اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
والمعنى وكما فصلنا الآيات من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلاّ الله وحده، كذلك نوضح الآيات ونبينها، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم، وتعلمت منهم.
ذكر ذلك ابن جرير وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم٢.
والحق أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب على هذا المستوى الذي جاء به محمد ﷺ، وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك، ما تزال بين أيدينا، والمسافة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وبين القرآن الكريم.
إنَّ ما بين أيديهم إنْ هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك، مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين -هذا فيما يختص بالعهد القديم-.
أما العهد الجديد -وهو الأناجيل- فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح ﵇ بعد عشرات السنين، وتداولتها
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ١٠٥-١٠٦. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٧/٣٠٥، وما بعدها، وتفسير ابن كثير ٢/١٧٦.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على مر السنين، وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان.
وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك، وما يزال فأين هذا كله من القرآن الكريم؟ ١
ثم أتبع الله ﷾ الآية السابقة بقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ٢.
والمعنى اتبع يا محمد ما أُوحِيَ إليك من القرآن العظيم، الذي أوحاه الله إليك، ولا تشغل بالك وقلبك بإعراض المشركين عن دعوتك، وإصرارهم على الشرك، ولا تبالي بأقوالهم فيك، كقولهم: "درست"، لأن الحق يعلو متى ظهر بالقول والعمل، واقترن بالإخلاص..
ثم يخبر الله تعالى نبيه ﷺ أنه لو شاء الله تعالى ألا يشرك الناس لما أشركوا، بأنْ يخلقوا مؤمنين طائعين بالفطرة كالملائكة،
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٣/٣٣٤-٣٣٥. هذا وقد أوردت عدة شواهد على التحريف والتناقض اللذين أصابا العهدين في رسالتي الماجستير: "منهج القرآن في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام". ٢ سورة الأنعام الآيتان: ١٠٦-١٠٧.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
لكنه ﷾ له الحكمة فيما يشاؤه ويختاره ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١.
وفي قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ٢، أي: وما جعلناك يا محمد رقيبًا تحفظ أقوالهم وأعمالهم لتحاسبهم بها، وتجازيهم عليها، وما أنت موكل على أمورهم وأرزاقهم، وإنّما عليك البلاغ، والله هو الذي يتولى حسابهم.
ومن هنا نفهم أنه ينبغي للداعية أنْ يوجه اهتمامه للذين استجابوا للدعوة، لأنهم في حاجة إلى بناء كيانهم كله على قاعدة العقيدة الصحيحة، أما الذين يقفون في الجانب الآخر، فإنّ الداعية إلى الله يكتفي بمجادلتهم بالتي هي أحسن، بعد إبلاغهم الدعوة وبيان الحق لهم.
ثم فإنّ الله تعالى سيجري سننه في خلقه، حيث يقذفُ بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
هذا وقد وردت آيات بينات، تؤكد أنّ الذي نزل على الرسول ﷺ من الوحي وما فيه من قصص وأخبار عن السابقين، إنّما هو تنزيل من رب العالمين، علىّ الرسول ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآية: ٢٣. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٠٧.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعلم شيئًا من ذلك، لا هو ولا قومه.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ٣.
٣- زعمهم بأن القرآن سحر أو كهانة:
ومن الشبه التي اعترض بها المشركون قولهم بأنّ القرآن سحر، أو كهانة.
والسحر في اللغة هو عبارة عما خفي ولطف سببه، وعمله كفر، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٤٩. ٢ سورة يوسف الآية: ٣. ٣ سورة يوسف الآية: ١٠٢.
[ ٢ / ٦٥١ ]
السِّحْرَ﴾ ١.
وقد تقدم تعريف السحر عند الحديث عن ألوان من الشرك في العبادات.
أما الكهانة: فقد عرّفها ابن حجر في الفتح: بأنها ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه٢.
وذكر ابن حجر قول الخطابي: "الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه".
ثم قال: "وكانت الكهانة في الجاهلية فاشيةً، خصوصًا في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف: منها ما يتلقونه من الجن.. ولما جاء الإسلام، ونزل القرآن، حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٠٢. ٢ فتح الباري ١٠/٢٢٢.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ١.
ومنها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا ومنها ما يستند إلى ظن وتخمين وحُدس ومنها ما يستند إلى التجربة والعادة.
ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا "٢ا.؟
ومن هذا يظهر لنا أن الكهانة تقوم على التخرص والتنبؤ ببعض الأمور الغيبية والسحر –كما عرفنا- يقوم على خفة اليد والحركة، ومهارة الساحر بإظهار أمور للناس على غير حقيقتها.
والمقارن بين طبيعة هذه الأعمال القائمة على الخداع والتمويه، والشعوذة وإدعاء علم الغيب، وبين شخصية محمد ﷺ الصادق الأمين، يجد الفرق الواسع والبون الشاسع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالشياطين تنزل على من يحصل مقصودها بنزولها عليه، وهو المناسب لها في الكذب والإثم، فأما الصادق البار فلا يحصل به مقصود الشياطين، فإن الشيطان لا يتطلب الصدق والبر، إنما يتطلب الكذب والفجور، ومحمد ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآية: ١٠. ٢ فتح الباري ١٠/٢١٦-٢١٧.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ما زال قومه يعرفونه بينهم بالصادق الأمين، لم تجرب عليه كذبة واحدة"١.
وقد فنّد القرآن الكريم هذه الشبهة، فقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
وقد وصف الله تعالى القائلين بأنّ القرآن سحر بالكفر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٤.
وبين القرآن الكريم بأنّ الرسول ما هو إلا بشر، يتلقى الوحي من الله تعالى، أما علم الغيب، فعلمه إلى الله تعالى وحده، جاء ذلك على لسان نوح ﵇: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي
_________________
(١) ١ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/٤٠. ٢ سورة الطور الآية: ٢٩. ٣ سورة الحاقة الآية: ٤٢. ٤ سورة الأحقاف الآية: ٧.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
أَنفُسِهِمْ﴾ ١.
وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى على لسان رسوله ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٤.
وقد نفى القرآن الكريم نفيًا قاطعًا أنْ يكون للشياطين أي اتصال بقلب النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٣١. ٢ سورة الأنعام الآية: ٥٠. ٣ سورة الأعراف الآية: ١٨٨. ٤ سورة النمل الآية: ٦٥. ٥ سورة الشعراء الآيات: ٢١٠-٢١٢.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وأخبر تعالى بأنّ الشياطين إنّما تتنزل على كل كذاب فاجر، مبالغ في الكذب والعدوان، لا على أتقى خلق الله، وسيد ولد عدنان، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ١.
والمطالع للسنة النبوية يجد نهيًا قاطعًا، وتحذيرًا شديدًا من السحر والكهانة، والتنجيم والشعوذة، وبيان الخطر الكبير من تصديق السحرة والكهنة والمنجمين.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر" ٢ الحديث.
وفي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ٢٢١-٢٢٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٠/٢٣٢ كتاب الطب، باب الشرك والسحر من الموبقات. وصحيح مسلم ١/٩٢ كتاب الإيمان، حديث رقم: ١٤٥. ٣ صحيح مسلم ٤/١٧٥١ كتاب السلام، حديث رقم: ١٢٥.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ١.
وقال البخاري في صحيحه عن قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث، زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به"٢.
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي٣، وحلوان الكاهن٤" ٥.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/١٥ باب في الكاهن، حديث رقم: ٣٩٠٤. ومسند الإمام أحمد ٢/٤٢٩. والحاكم ١/٨، وصححه على شرطهما. والبيهقي ٨/١٣٥ مرفوعًا بسند صحيح. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٢٩٥ كتاب بدء الخلق، باب في النجوم. ٣ مهر البغي: هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرًا لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسليمن. انظر: شرح النووي على مسلم: ١٠/٢٣١. ٤ حلوان الكاهن: هو ما يعطاه على كهانته، يقال منه حلوته حلوانًا إذا أعطيته، قال الهروي وغيره: أصله الحلاوة شبه بالشيء الحلو، حيث أنه يأخذه سهلًا بلا كلفة، ولا مقابلة مشقة، يقال حلوته إذا أطعمته الحلو، كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل. انظر: شرح النووي على مسلم ١٠/٢٣١. ٥ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٤٢٦ كتاب البيوع، باب ثمن الكلب. ومسلم ٣/١١٩٨ كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي. وسنن أبي داود ٣/٧٥٣ كتاب البيوع والإجارات، باب في أثمان الكلاب. والترمذي ٣/٥٧٥ كتاب البيوع، باب ما جاء في ثمن الكلب. والنسائي ٧/٣٠٩ في البيوع، باب بيع الكلب. وابن ماجه ٢/٧٣٠ كتاب التجارات، باب النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي.. والموطأ ٢/٦٥٦ كتاب البيوع، باب ما جاء في ثمن الكلب.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
٤- زعمهم بأنّ القرآن شعر:
ومن الشبهات التي آثارها المشركون في وجه الرسالة اتهامهم للرسول ﷺ بأنه شاعر، وقد ذكر الله تعالى هذه الشبهة في كتابه الكريم، وردّ عليها.
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ ١.
والحق إن المقارن بين موضوعات القرآن الكريم، وموضوعات الشعر، ليجد الفرق الكبير، والبون الشاسع، وذلك أنّ القرآن الكريم قد خلا من أغراض الشعر من مدح وهجاء، ونسيب ورثاء وغزل وغيرها من الأغراض التي يسبح فيها خيال الشاعر وتصوراته.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآية: ٥.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وفي المقابل نجد أن القرآن الكريم يحتوي على عقائد وشرائع وحكم وأخلاق، وحقائق تسمو بالإنسان عن الأغراض الجاهلية.
وقد صور القرآن الكريم الشعر والشعراء في تلك الأغراض التافهة، التي لا تحمل عقيدة ولا ترشد إلى هدى، بالأحوال التي تخالف حال النبوة، وأن أتباع الشعراء هم الغاوون لا الراشدون، قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ ١.
قال الطبري: "وهذا مثل ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قومًا ويهجون آخرين"٢.
وقال صاحب الكشاف: "إنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم، وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار٣، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم، ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء"٤.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ٢٢٤-٢٢٦. ٢ تفسير الطبري ١٩/٧٨. ٣ الابتهار: قول الكذب والحلف عليه. اللسان ٤/٨٣. ٤ الكشاف للزمخشري ٣/١٣٣.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وقد ردّ القرآن الكريم على هذه الشبهة، ونفى هذه التهمة بآيات صريحة، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ * بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ *
_________________
(١) ١ سورة يس الآيتان: ٦٩-٧٠. ٢ سورة الصافات الآية: ٣٥-٣٩. ٣ سورة الطور الآيات: ٢٩-٣٤.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وفي الصحيح عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: "خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا.. إلى أن قال: فانطلق أنيس حتى أتى مكة، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.."٢.
فهذه الأدلة ترد على المشركين قوله إنه شاعر، أو أنّ ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول ﷺ ليس بشاعر، والقرآن الكريم ليس بشعر، لأنّ الشعر كلام موزون، مزخرف، مبني على خيالات وأوهام واهية، لا تدنوا من منزلة القرآن العظيم، الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر.
_________________
(١) ١ سورة الحاقة الآيات: ٤٠-٤٣. ٢ صحيح مسلم ٤/١٩١٩-١٩٢٠ فضائل الصحابة، حديث رقم: ٢٤٧٣.
[ ٢ / ٦٦١ ]
أما ما ورد على لسان الرسول ﷺ من بعض كلام العرب الموزون، كقوله:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب١
أو ما ورد في القرآن الكريم من بعض المقاطع التي تشبه وزنًا شعريًا مثل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ ٤، ونحو ذلك.
فلا اعتبار لها في هذا المقام، لأنّ الشاعر لا ينال هذا الوصف بكلمة عابرة تجري على لسانه، والكتاب لا يأخذ وصف الشعر لورود بعض عبارات فيه تشبه الشعر، فقد يجري على لسان متحدث كلمات موزونة، وهو لا يقصد بها شعرًا، فإنها لا تعتبر شعرًا، ولا يعد قائلها من الشعراء٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٨/٢٨ كتاب المغازي، رقم: ٤٣١٥. وصحيح مسلم ٣/١٤٠٠ كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٧٦. ٢ سورة آل عمران الآية: ٩٢. ٣ سورة الصف الآية: ١٣. ٤ سورة سبأ الآية: ١٣. ٥ انظر: إعجاز القرآن للباقلاني ص: ٥١ وما بعدها، والكشاف للزمخشري ٣/٣٢٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥/٥٢ وما بعدها، وإعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي ص: ٣٠٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المبحث الثاني: دحض مفترياتهم على الرسول ﷺ
١- اعتراض على بشرية الرسول ﷺ:
ومن الشبه التي أثارها المعاندون المعرضون عن قبول الحق، عدم إمكانية الجمع بين البشرية والنبوة في الذات الواحدة، ومعنى ذلك: عدم تصديق الرسول المرسل بسبب كونه من البشر.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الشبهة في سور عديدة، عند الكلام على رسالات الرسل، كما بين القرآن الكريم أنّ هذه الشبهة لم تكن جديدة، وإنّما هي شبهة قديمة، وأنها كانت تثار في وجه الدعاة إلى الإيمان من الأنبياء والمرسلين السابقين.
فقد قيلت لنوح ﵇: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ ١.
وعجب قومه أنّ بعث الله فيهم رجلًا من أنفسهم، فقال الله تعالى حكاية عن خطاب نبيهم لهم: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
_________________
(١) ١ سورة هود الآية: ٢٧.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
واستبعدوا أنْ ينزل الوحي على بشر، فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ ٢.
وقيلت لنبي الله صالح ﵇: ﴿مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣.
وقيلت لشعيب ﵇: ﴿وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٤.
وقالتها عاد وثمود لأنبيائها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٦٣. ٢ سورة المؤمنون الآيتان: ٣٣-٣٤. ٣ سورة الشعراء الآية: ١٥٤. ٤ سورة الشعراء الآية: ١٨٦.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١.
وعجب قوم هود ﵇ من أن ينزلَ الوحي على رجل منهم، فقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وكذلك قيلت لموسى وهارون ﵉: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ٣.
وقالها مشركوا قريش لمحمد ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ ٤.
وإذا لم يكن الرسول من الملائكة، فليس أقل من أن ينزل عليه ملك ليصدقه على ما يدعيه.
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآيتان: ١٣-١٤. ٢ سورة الأعراف الآية: ٦٩. ٣ سورة المؤمنون الآية: ٤٧. ٤ سورة الإسراء الآية: ٩٤.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
قال ابن إسحاق: "ودعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبي بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، ويرى معك، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ١"٢.
وذكر الكلبي أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله ٣.
وقد ذكر الله تعالى قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ٨-٩. ٢ سيرة ابن هشام ١/٣٩٥. ٣ أسباب النزول للواحدي ص: ١٢٢. ٤ سورة الفرقان الآية: ٧.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وتتلخص شبهة المشركين في هذه القضية: أنهم اقترحوا على النبي ﷺ أحد أمرين:
إما أنْ تنزل عليهم الملائكة مباشرة.
أو ينزل ملك على الرسول ﷺ يرونه ويشاهدونه بأعينهم.
والواقع أنّ هذا الاقتراح لو لم يقيد بالرؤية والمشاهدة، لم يكن له فائدة، لأنه ثبت أنّ النبي ﷺ كان يتلقى القرآن الكريم من الله تعالى عن طريق جبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿َإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ ١.
قال ابن الجوزي: "والمراد بالروح الأمين جبريل، وهو أمين على وحي الله تعالى إلى أنبيائه"٢.
وثبت في الحديث الصحيح أنّ جبريل ﵇ كان يأتي النبي ﷺ في صورة بشرية، كما في حديث الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة، عن ابن عمر عن أبيه ﵄ قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ١٩٢-١٩٤. ٢ زاد المسير ٦/١٤٤.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه " ثم ذكر أسئلته للرسول ﷺ وفي نهاية الحديث بين الرسول ﷺ أنّ هذا الرجل هو جبريل ﵇، بدليل قوله: "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" ١.
والقرآن الكريم حينما يحرص على تفنيد هذه الشبهة، ويرد على قائليها، إنما ليبين أنّ لغة الماديين واحدة، مهما تباعدت الأزمنة والأمكنة.
وعلى الرغم من سذاجة هذه الشبهة وتفاهتها، لكونها لم تدعم بدليل، ولم تؤيد ببرهان؛ لأنها تقيد مشيئة الله تعالى وقدرته العظيمة، وهو الفعال لما يريد، وهو الذي يختص برحمته من يشاء من خلقه، فإنّ القرآن الكريم لم يمر على هذه الشبهة دون الردّ عليها، وإبطالها، وذلك لتثبيت قلب النبي ﷺ، وتقوية عزائم المؤمنين، وخذلان الباطل،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ١/١١٤ كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.. رقم: ٣٧. وصحيح مسلم ١/٣٧-٣٨ كتاب الإيمان، حديث رقم: ١، وفي ١/٤٠ كتاب الإيمان، رقم: ٥، ٧.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وإظهار الحق ونصرته.
ويرد القرآن الكريم على الاقتراحين السابقين من وجهين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ١.
فالوجه الأول: أنه لو أنزل اللهُ تعالى ملكًا كما اقترحوا، لقضي الأمر بإهلاكهم ثم لا ينظرون.. بل يأخذهم العذاب عاجلًا كما مضت به سنة الله فيمن قبلهم.
قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: ولو أتاهم ملك في صورته، لأهلكناهم، ثم لا يؤخرون طرفة عين، وقال قتادة، يقول: لو أنزل الله ملكًا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لَّقُضِيَ الأمْرُ﴾، أي: لقامت الساعة٢.
وذكر صاحب المنار عن المفسرين في قضاء الأمر هنا عدة وجوه٣:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيتان: ٨-٩. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري: ٧/١٥١-١٥٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/٣٩٣. ٣ تفسير المنار ٧/٣١٤-٣١٥. وانظر: تفسير القرطبي ٦/٣٩٣-٣٩٤.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
نختار منها:
١- أنّ سنة الله في أقوام الرسل الذين قامت عليهم الحجة، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأُعطوها، ولم يؤمنوا بها، يعذبهم الله بالهلاك والاستئصال الذي تتولى تنفيذه الملائكة، والله تعالى لا يريد أن يستأصل هذه الأمة، التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة، فالرحمة العامة تنافي هذا العذاب العام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ١.
٢- أن المراد أنهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية، كما يطلبون، لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
والوجه الثاني في الرّد عليهم: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾، أي: لو جعل الرسول ملكًا، لجعل الملك متمثلًا في صورة البشر، ليمكنهم رؤيته وسماع كلامه الذي يبلغه عن الله تعالى، ولو جعله ملكًا في صورة البشر، لاعتقدوا أنه بشر، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته، وصفات البشرية التي تمثل بها، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرًا٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآية: ١٠٧. ٢ انظر: تفسير المنار ٧/٣١٤-٣١٥، وزاد المسير لابن الجوزي ٣/٨.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وهناك أمر آخر، وهو أنّ طلبهم كان على وجه العناد، لا على وجه طلب الهداية والرشاد، فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ ٢.
٢- اتهام الرسول ﷺ بالجنون:
ومن الحرب النفسية التي شنها المشركون ضدّ الرسالة اتهامهم للنبي ﷺ بالجنون، وقد ذكر القرآن الكريم هذه المقالة عنهم، وكر عليها بالدحض والإبطال، كما أبطل غيرها من المقالات الباطلة.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات: ١٠٩-١١١. ٢ سورة الإسراء الآية: ٥٩. انظر البداية والنهاية لابن كثير ٣/٥٥.
[ ٢ / ٦٧١ ]
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ١.
وقال تعالى عنهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ٥.
وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم، بأنَّ هذه الاعتراضات الظالمة لم تختص بمحمد ﷺ، وإنّما قالها المكذبون الأولون لرسلهم، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الحجر الآية: ٦. ٢ سورة المؤمنون الآية: ٢٥. ٣ سورة الصافات الآية: ٣٦. ٤ سورة الدخان الآية: ١٤. ٥ سورة القلم الآية: ٥١. ٦ سورة الذايات الآيتان: ٥٢-٥٣.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
والعرب وغيرهم يعرفون مرض الجنون، وكيف يتخبط المصاب به، ويهذي بكلام لا يقبله العقلاء، ويتصرف التصرفات التي تتنافى مع وقار الإنسان واحترامه لنفسه، وضبطه لسلوكه ووصوله إلى غايته.
وإذا قارنا بين هذه الأعراض، وما اتصف به محمد ﷺ قبل البعثة وبعدها من الحكمة والاتزان، والحلم والأناة في السياسة لأسرته ولأصحابه وللدولة، وما أنيطت به من مسئوليات تشريعية وقضائية وتنفيذية، وقيادة عسكرية، ومسئوليات في التربية والتعليم وغيرها، وما اتصف به من الأخلاق العالية في الصدق والوفاء، والأمانة والحلم، والكرم والشجاعة والصفح وغيرها من الصفات الجليلة، فكان بذلك قدوة الآباء والحكام والقضاة، والقادة والمعلمين والتجار والعمال، وبقية أفراد المجتمع، يجدون في شخصيته العظيمة الخلق العظيم، والمثل الأعلى للكمال الإنساني.
ولقد ردّ القرآن الكريم على هذه التهمة، ردًا عنيفًا وشديدًا، جاء ذلك في كثير من الآيات البينات.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ١٨٤.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ * بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٥.
قال الفخر الرازي: "ومعناه أنّ تلك الصفة المحمودة إنّما حصلت، والصفة المذمومة إنّما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه.. ثم إنه قرن بهذه الدعوة ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، وذلك لأنّ قوله بنعمة ربك، يدل على أنّ نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيتان: ٦٩-٧٠. ٢ سورة سبأ الآية: ٤٦. ٣ سورة الصافات الآيات: ٣٥-٣٧. ٤ سورة الطور الآية: ٢٩. ٥ سورة القلم الآية: ٢.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة.
وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة، فوجودها ينافي حصول الجنون، فنبه الله تعالى على هذه الدقيقة، لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم إنه مجنون.
ومن الآيات التي ردّت هذه الفرية: قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ٢"٣.
ومن هذا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم قد ردّ هذه الفرية، وهذا الباطل ردًا قاطعًا بما لا مزيد عليه.
٣- اتهام الرسول ﷺ بالافتراء والكذب:
واتهم المشركون النبي ﷺ بأنّه افترى على الله كذبًا حين بلغهم أمر ربه ﵎، بأن يعبدوا الله وحده، وأن الوحي ينزل عليه من عند الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة التكوير الآية: ٢٢. ٢ سورة التكوير الآية: ٢٥. ٣ التفسير الكبير للفخر الرازي ٣٠/٧٩-٨٠.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
جاء هذا الاتهام في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٠١. ٢ سورة المؤمنون الآية: ٣٨. ٣ سورة الفرقان الآية: ٤. ٤ سورة السجدة الآية: ٣. ٥ سورة سبأ الآيتان: ٧-٨.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢.
قال الراغب الأصفهاني:" استعمل الافتراء في القرآن في الكذب والشرك والظلم"٣.
ونقل الفخر الرازي عن أبي مسلم: "الافتراء افتعال من فريت، وقد يقال في تقدير الأديم: فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل: أفريت وافتريت واختلقت، ويقال فيمن شتم امرءًا بما ليس فيه افترى عليه"٤.
وفي اللسان: "يقال فرى فلان الكذب يفريه إذا اختلقه، والفرية من الكذب"٥.
وهذه الفرية إنّما هي من قبيل افتراء المشركين على النبوة، كفريتهم بأنّ هذا القرآن أساطير الأولين، أو أنه تلقاه عن بشر، أو أنه سحر، أو
_________________
(١) ١ سورة سبأ الآية: ٤٣. ٢ سورة الشورى الآية: ٢٤. ٣ المفردات في غريب القرآن ص: ٣٧٩. ٤ التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٤/٥٠. ٥ لسان العرب لابن منظور ١٥/١٥٤.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
كلام شاعر، وغيرها من التهم المؤدية إلى نفي نبوة محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه ﵎.
ولهذا فإنّ ردّ القرآن الكريم على هذه التهمة يعتبر ردًا على جميع الافتراءات والشبه التي يثيرها المشركون.
وقد بين القرآن الكريم أنّ تلك التهمة لا تعدو كونها من قبيل الظلم والزور والبهتان.
قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ .
"واعلم أنّ الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، وبين الرازي أنّ هذا القدر إنّما يكفي جوابًا عن الشبهة المذكورة؛ لأنه قد علم كل عاقل أنه ﵊ تحداهم بالقرآن، وهم في نهاية الفصاحة، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أنْ يبلغوا مرادهم فيه، مما أوردوه في هذه الآية وغيرها، ولو استعان محمد ﷺ في ذلك بغيره، لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا بغيرهم، لأنَّ محمدًا ﷺ كأولئك المنكرين في معرفة اللغة، وفي المكنة من الاستعانة،
[ ٢ / ٦٧٨ ]
فلما لم يفعلوا ذلك، والحالة هذه، علم أنّ القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة، وانتهى إلى حد الإعجاز.
ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن، وظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أنّ إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة، لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ "١.
وأضاف الرازي يقول: "إن الله وصف كلامهم بأنّه ظلم وزور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه.
وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول ﷺ والرد عليه، والزور كذبهم عليه"ا.؟.
والحق أنّ هذا القرآن يحمل دليل صدقه معه من عند الله تعالى، إذ تلتقي رسالته برسالات الأنبياء في أصولها، وجوهرها وأهدافها ومبادئها، وفيه زيادة بيان وتفصيل للشرائع والعقائد والأحكام.
وقد سلّى الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بإعلام المكذبين له أنّ تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة مع رسلها وأنبيائها، قال
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ٢٤/٥٠.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ٣.
وبالإضافة إلى إعجاز القرآن البلاغي، وما يشتمل عليه من معجزات في الإخبار عن قصص السابقين، التي لم يحط بها النبي الأمي محمد ﷺ، وكذلك إخباره عن بعض المغيبات، فإنّ إعجازه
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيات: ٣٧-٣٩. ٢ سورة يوسف الآية: ١١١. ٣ سورة الشورى الآية: ١٣.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
بالشريعة الكاملة في تقريرها للأحكام السمحة، وقيامها على مبادئ العدل والحكمة وكرامة الإنسان، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، لا يزال يتحدى العالمين ويبرهن لهم أنّ النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب لا يستطيع أنْ يأتي بمثل هذا القرآن، وإنه تنزيل من حكيم حميد.
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ١.
وعن صحة القرآن الكريم، وما فيه من حقائق علمية، يقول الطبيب الفرنسي موريس بوكاي في خاتمة سفره النفيس، الذي كتبه عن القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم: "إنّ مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوي التوراة غير المقبولة علميًا، وبين مقولات القرآن التي تتوافق تمامًا مع المعطيات الحديثة.
ولا يستطيع الإنسان تصور أنّ كثيرًا من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر، وهذا بسبب حالة المعارف في عصر محمد ﷺ، لذا من المشروع تمامًا أنْ ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحي من الله، وأنْ تعطى له مكانة خاصة جدًا، حيث أنّ صحته
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ١٠٥.
[ ٢ / ٦٨١ ]
أمر لا يمكن الشك فيه، وحيث أنّ احتواءه على المعطيات العلمية المدروسة في عصرنا تبدو كأنها تتحدى أي تفسير وضعي، عقيمةٌ حقًا المحاولات التي تسعى لإيجاد تفسير للقرآن بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية"١.
_________________
(١) ١ دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص: ٢٨٦، دار المعارف.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
المبحث الثالث: إعانتهم للرسول ﷺ بطلب المعجزات والخوارق
ولما رأى زعماء المشركين في دعوة النبي ﷺ تحديًا لزعامتهم، وتهديدًا لمكانتهم ومصالحهم، وضربة قاضية لتقاليدهم الموروثة، أخذوا يتحدون النبي ﷺ بطلب المعجزات؛ لتأييد صدق دعوته وصلته بالله ﷿.
وقد ذكر الله تعالى عنهم تلك المطالب في كتابه الكريم، كما ذكر الردود على تلك التحديات.
ومن الآيات التي تبين مدى التحدي والإحراج الذي واجهه النبي ﷺ، قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ ١.
وقد تقدّم الرد على اعتراضهم بعدم إمكانية الجمع بين البشرية والنبوة في الذات الواحدة، في بحث اعتراضهم على بشرية الرسول ﷺ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٨.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وطلبوا من النبي ﷺ ما ليس باستطاعته الإتيان به، مما ينم عن جهلهم بحقيقة النبوة والرسالة.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ ٣.
وأقسم المشركون بأعظم الأيمان وأشدها، لئن جاءتهم معجزة أو أمر
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ٣٧. ٢ سورة الإسراء الآيات: ٩٠-٩٣. ٣ سورة الفرقان الآية: ٧-٨.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
خارق مما اقترحوه ليؤمنن بها، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
أما ردود القرآن الكريم عن هذه التحديات، فإنّ محمدًا ﷺ قد جاء بالمعجزة الخالدة، وهي معجزة القرآن الكريم، بعلومه ومعارفه، وأسلوبه وبلاغته، وأخباره الماضية والمستقبلة.
وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ في قوله: "ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ٢.
وقد تحدى النبي ﷺ العرب خاصة بل الناس جميعًا بالقرآن الكريم، فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة من مثله، ولو بأقصر السور، إذ لم يتقدم واحد منهم إلى الإتيان بشيء من مثله، على الرغم مما بروزا فيه من الفصاحة والبلاغة، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٠٩. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٩٧ كتاب الفضائل، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل. وتقدم ص: ٣٩٩.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
ومن ردود القرآن الكريم على المشركين في هذا الصدد، قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢.
وهذا استفهام توبيخي للمشركين، والمعنى أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب العظيم، المعجز الذي يقرع أسماعهم؟ وكيف يطلبون آية تؤيد ما جاء به، والقرآن أعظم الآيات وأوضحها دلالة على صحة نبوته ﷺ.
قال ابن كثير ﵀: "بين تعالى كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آيات تدّل على صدق محمد ﷺ، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٨٨. وقد تقدمت مراحل التحدي بالقرآن، في الأدلة على صدق الرسول ﷺ. ٢ سورة العنكبوت الآيتان: ٥١-٥٢.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
معارضته، بل عن معارضة سورة منه، أولم يكفيهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم، الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدًا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخباء ما في الصحف الأولى ببيان الصواب، مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي"١.
وبالإضافة إلى شهادة الله تعالى له على صدقه، وكفى بها شهادة، وما أيده الله تعالى به من القرآن وما فيه من معجزات أخرى كالأخبار عن أمور غيبية، وقصص السابقين، والرسول ﷺ رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، فقد أيد الله تعالى نبيه بمعجزات حسية، كانشقاق القمر الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ ٢.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٤٣٥-٤٣٦. ٢ سورة القمر الآيتان: ١-٢.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وسلم: اشهدوا" ١.
وكذلك معجزة الإسراء والمعراج، يُسرى بالرسول ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السموات، ويطلع على آيات الله العظيمة، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من معجزاته ﷺ الحسية، كنبع الماء بين أصابعه، وتسبيح الحصى، واستجابة دعائه، وعصمته من الناس، وحراسة السماء بالشهب٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٦١٧ كتاب التفسير، باب ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ . ومسلم ١/٢١٥٨ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر حديث: ٤٣. وانشقاق القمر على عهد رسول الله ﷺ قول جميع المفسرين، وشذ قوم فقالوا سينشق يوم القيامة، قال ابن الجوزي: "وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع". زاد المسير ٨/٨٨. ٢ سورة الإسراء الآية: ١. ٣ انظر: مقدمة شرح النووي على مسلم ١/ ٢.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
غير أن القرآن الكريم لم يعتبر ما طلبه المشركون من الآيات هو الأصل في برهان النبوة، بل لفت عقول الناس ليستدلوا على صدق النبي ﷺ من خلال ما آتاهم به من معجزة بيانه، مع أنه رجل أمي لم يقرأ، ولم يكتب.
ونظرًا لأنّ المشركين لم يقتنعوا بما جاءهم من الحق، وأخذوا يلحون على الرسول ﷺ بطلب نزول الآيات الحسية، فإنّ القرآن الكريم يرجع ذلك أولًا إلى تقرير مشيئة الله تعالى وقدرته العظيمة، بعدم استجابة التحدي، كما بينته الآيات السابقة، وكما جاء في قوله ﷾: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ سورة الرعد الآية: ٧. ٢ سورة الرعد الآية: ٢٧.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة تفيد أن نزول الآيات يخضع لمشيئة الله تعالى، وأنّ حكمة الله تعالى اقتضت ألا تكون الخوارق برهانًا لنبوة محمد ﷺ ودليلًا على صحة رسالته.
وأمر آخر هو أن الله تعالى علم أنه ليس السبب في عدم إيمانهم التباس أو غموض في صدق الدعوة، وإنّما السبب هو ما انطوت عليه نواياهم من عدم الرغبة في قبول الحق، بحيث لو أنزل الله تعالى عليهم أعظم الآيات لما آمنوا.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ٣.
وهناك سبب آخر ذكره الله تعالى في منع نزول الآيات، قال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١١١. ٢ سورة الأنعام الآية: ٧. ٣ سورة الحجر الآيتان: ١٤-١٥.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ .
فهذه الآية تضمنت تقريرًا صريحًا بأن حكمة الله تعالى اقتضت الامتناع عن إجابة الكفار بإرسال الآيات التي طلبوها، لأنه ثبت بالتجربة من الأمم السابقة، أنهم كذبوا بالآيات ولم يؤمنوا بها، فأهلكهم الله ودمرهم.
وأما قوم محمد ﷺ، فإنّ حكمة الله تعالى اقتضت إمهالهم وعدم إهلاكهم؛ لأن الله تعالى علم أن منهم ومن ذريتهم من يؤمن وينفع الله به، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، حتى لا يكون مصيرهم مصير الأقوام السابقين من الهلاك والدمار، والله أعلم.
_________________
(١) سورة الإسراء الآية: ٥٩.
[ ٢ / ٦٩١ ]
الباب الرابع: النقلة بالمشركين في العبادات والسلوك وموقف الإسلام منهم.
الفصل الأول: النقلة بهم في العبادات.
الباب الرابع: النقلة بالمشركين في العبادات والسلوك وموقف الإسلام منهم
تمهيد:
وكما أحدث الإسلام نقلة عميقة وشاملة في مجال العقيدة، تُمثل تحويلًا عظيمًا من عبادة الأشياء المحسوسة كالأصنام والأوثان والكواكب التي يرونها ويلمسونها، إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١.
والذي: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.
أحدث الإسلام في مجال العبادات والسلوك تغييرًا جذريًا بين ما كان عليه الناس في جاهليتهم من عادات باطلة، وما دعا إليه الإسلام من عبادات وأحكام شرعية، وأخلاقية لها وزنها وقيمتها في تربية الفرد والجماعة، فالأمة على منهاج الله ﵎ الملائم للفطرة البشرية، ولها
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآية: ١١. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٠٣.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وزنها وارتباطها بالعقيدة، وتحقيق العبودية لله تعالى وحده.
وأوضح دليل على هذه النقلة هو ما جاء في حديث جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة، إذ يمثل صورة واضحة لما كان عليه العرب في الجاهلية من ضلال وفساد في العبادات والسلوك، كما يوضح لنا النقلة الكبيرة التي أحدثها الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ.
وإليك نص الحديث، قال جعفر: "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبده نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام "١.
_________________
(١) ١ انظر: سيرة ابن هشام ١/٣٣٦، بإسناد حسن عن أم سلمة ﵂، والسيرة النبوية لابن كثير ٢/ ١١، والبداية والنهاية ٣/٤٣ وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر ٧/١٨٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/١١٨، وزاد المعاد لابن القيم ٢/٥١، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم العمري ١/١٧٤، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية لمهدي رزق ص: ٢٠٨-٢٠٩.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
هذا وسنتناول بعض الأمور التي أشار إليها هذا الحديث في الفصلين التاليين:
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الفصل الأول: النقلة بهم في العبادات
ومن هذه العبادات والأحكام الشرعية التي جاء بها الإسلام:
١- الصلاة:
فأما الصلاة فقد اهتم الدين الإسلامي بإقامتها والمحافظة عليها، وبين القرآن الكريم أن مشروعيتها كانت على الأمم السابقة، ففي دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ ١.
وامتدح الله إسماعيل ﵇ لإقامته لها وأمره لأهله بها، قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآية: ٤٠. ٢ سورة مريم الآية: ٥٥.
[ ٢ / ٧٠١ ]
وأمر الله رسوله موسى ﵇ بإقامتها في بداية تكليفه بالرسالة، قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ١.
ويوحي الله ﵎ إلى موسى وأخيه هارون: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ٢.
وينطق المسيح ﵇ في مهده قائلًا: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٣.
وكان من وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٤.
أما العرب الذين بعث فيهم محمد ﷺ فلم يكن لهم صلاة معروفة، إلا ما كانوا يدعون الله به عند تلبية الحج من قولهم: (لبيك
_________________
(١) ١ سورة طه الآيتان: ١٣-١٤. ٢ سورة يونس الآية: ٨٧. ٣ سورة مريم الآية: ٣١. ٤ سورة لقمان الآية: ١٧.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
اللهم لبيك، لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك) ١.
وكذلك ما أخبر الله تعالى به عنهم في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ ٢.
والمكاء الصفير، والتصدية: التصفيق.
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون.
وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويستهزئون به، ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته.
وقال مقاتل: كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفيق والتصفير ليخلطوا عليه صلاته٣.
قال الفخر الرازي: "فعلى قول ابن عباس، كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل كان إيذاء للنبي صلى الله عليه
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٣/٧٩، والأصنام لابن الكلبي ص: ٧، وسيرة ابن هشام ١/٧٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٨٨، والفتاوى لابن تيمية ١/١٥٦، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/٢١٠. ٢ سورة الأنفال الآية: ٣٥. ٣ انظر هذه الأقوال في: تفسير الطبري ٩/٢٤٠-٢٤٢، وتفسير ابن كثير ٢/٣٢٨-٣٢٩، والفخر الرازي ١٥/١٥٩-١٦٠.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وسلم، والأول أقرب لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ "١.
فلما جاء الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ، زاد من الاهتمام والعناية بالصلاة، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، لا يصح إسلام الشخص بدون إقامتها، وكانت عمود الدين، وخير الأعمال عند الله تعالى، وأول ما يحاسب عنه المسلم يوم القيامة من أعمال العبادات.
ومن الآيات التي وردت في الأمر بها:
قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تفسير الفخر الرازي ١٥/١٥٩-١٦٠. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٤٥. ٣ سورة الإسراء الآية: ٧٨. ٤ سورة الحج الآية: ٧٧.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ويؤكد القرآن المحافظة على الصلاة في حالة الحضر أو السفر، وفي حالة الأمن أو الخوف، قال تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وجعل القرآن الكريم إقامتها من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ٢.
كما جعلها صفة لازمة للمؤمنين، وقد بدأ القرآن حديثه بالخاشعين في صلاتهم، وختمه بالمحافظين عليها في الآيات التالية:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِك َ
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيتان: ٢٣٨-٢٣٩. ٢ سورة البقرة الآية: ١-٣.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ١.
وللصلاة نظافة وتطهر، وزينة وتجمل في البدن والثوب، والمكان من كل خبث ومستقذر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٣.
وشرع التزيّن للصلاة، فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ١-٩. ٢ سورة المائدة الآية: ٦. ٣ سورة المدثر: ٣. ٤ سورة الأعراف الآية: ٣١.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وينذر القرآن بالويل والهلاك لمن يسهون عن صلاتهم حتى يضيعوا وقتها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ١.
ويدمغ بالذم والغي من أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ٢.
والصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة متاعب الحياة، ومصائب الدنيا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٤.
وفي الصلاة قوة خُلُقيّة للمؤمن تقويه على فعل الخير، وترك الشر، ومجانبة الفحشاء والمنكر، ومقاومة الجزع عند الشر، والمنع عند الخير، قال
_________________
(١) ١ سورة الماعون الآيتان: ٤-٥. ٢ سورة مريم الآية: ٥٩. ٣ سورة البقرة الآية: ١٥٣. ٤ سورة البقرة الآيتان: ٤٥-٤٦.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من السمات التي تضفي على هذه العبادة كثيرًا من المزايا الجميلة.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٤٥. ٢ سورة المعارج الآيات: ١٩-٢٣.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
٢- الزكاة:
وأما الزكاة فهي كذلك عبادة عرفت في الرسالات السماوية السابقة، وذكرها الله في وصاياه إلى رسله، وفي وصايا رسله إلى أممهم، يقول عن إبراهيم الخليل وابنه إسحاق وحفيده يعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ١.
ويمتدح إسماعيل بقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٢.
ويذكر الله في مواثيقه لبني إسرائيل فيقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء الآية: ٧٣. ٢ سورة مريم الآية: ٥٥. ٣ سورة البقرة الآية: ٨٣.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ١.
وينطق المسيح وهو في مهده بقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٢.
ويقول تعالى في شأن أهل الكتاب بصفة عامة: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
ويأتي الأمر موجهًا إلى أمة محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ١٢. ٢ سورة مريم الآية: ٣١. ٣ سورة البينة الآيتان: ٤-٥. ٤ سورة الأنعام الآية: ١٤١.
[ ٢ / ٧١٠ ]
روى الطبري في تفسير الآية أقوالًا عن العلماء تدور في مجملها على أنّ المراد بذلك الصدقة الواجبة١.
وقد امتدح الله المؤمنين المؤدين لزكاتهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٢.
وقد وضح ابن كثير ﵀ معنى وجوب الزكاة في العهد المكي، وتنظيمها في العهد المدني، فقال: "الأكثرون على أنّ المراد ها هنا زكاة الأموال، مع أنّ هذه الآية مكية، وإنّما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أنّ التي فُرضت بالمدينة إنّما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أنَّ أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ "٣.
وقال الشيخ الخضري: "ومما فرض بمكة الزكاة، وقلما وجد من الأوامر المكية ذكر الصلاة، إلا وبجانبه إيتاء الزكاة، واستشهد بآية سورة الأنعام ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ".
ثم قال:" إلاّ أنّ هذه الحقوق الواجبة لم تفصل بمكة، فقد كان ذلك
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/٥٣. ٢ سورة المؤمنون الآية: ٤. ٣ تفسير ابن كثير ٣/٢٥١.
[ ٢ / ٧١١ ]
موكولًا لما في النفوس من الجود، وبحسب حاجة الناس "١ا.؟.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ٥.
وقد أنذر الله المشركين بالويل، وجعل من أخصّ أوصافهم عدم إيتاء الزكاة، فقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٦.
ويعلل القرآن الكريم جزاء من يسجر في الجحيم، ويسحب في
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم الإسلامية ١/٩٢. ٢ سورة الشورى الآية: ٣٨. ٣ سورة الذاريات الآية: ١٩. ٤ سورة المعارج الآية: ٢٤. ٥ سورة المزمل الآية: ٢٠. ٦ سورة فصلت الآيتان: ٦-٧.
[ ٢ / ٧١٢ ]
السلاسل والأغلال بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ١.
ويسجل القرآن اعتراف المجرمين في النار، فيقول عنهم: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ٢.
وقد نهى الله تعالى عن قهر اليتيم ونهر المسكين، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ ٣.
وبين أن من أوصاف الذي يكذب بالجزاء والحساب، أنه يدفع اليتيم بجفوة وغلظة، ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، ولا يحضّ على طعام المسكين، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٤.
قال الرازي: "فإنْ قيل: لم قال ﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ولم
_________________
(١) ١ سورة الحاقة الآيتان: ٣٣-٣٤. ٢ سورة المدثر الآيتان: ٤٣-٤٤. ٣ سورة الضحى الآيتان: ٩-١٠. ٤ سورة الماعون الآيات: ١-٣.
[ ٢ / ٧١٣ ]
يقل: "ولم يطعم المسكين"؟
فالجواب: أنه إذا منع اليتيم حقه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسه؟ بل هو بخيل من مال غيره، وهذا هو النهاية في الخسة، ويدل على نهاية بخله، وقساوة قلبه، وخساسة طبعة"١.
هذه بعض عناية القرآن الملحة بالبر، ورعاية المساكين، وأداء حق السائل والمحروم، مما يبعث في النفوس البشرية الانقياد والتسليم والرضا برب العالمين وحده.
كما أن الزكاة التي جاء بها الإسلام ليست مقصورة على البر والإنفاق العام فحسب، ولكنها أصبحت ركنًا من أركان هذا الدين، ودعامة من دعائم الإيمان، وإيتاؤها مع إقامة الصلاة والشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة، عنوان الدخول في الإسلام، واستحقاق أخوة المسلمين، قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٣١/١٦٢. ٢ سورة التوبة الآية: ٥. ٣ سورة التوبة الآية: ١١.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وعلم الله تعالى المسلمين منذ اللحظة الأولى أن التوسط في النفقة يحمي المجتمع من الضيق الاقتصادي، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ ٢.
وجعل القرآن الكريم هذا المبدأ من سمات المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٣.
وبيّن القرآن أن توزيع الأرزاق موكل إلى الله جل شأنه وحده، فقال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآيتان: ٢٦-٢٧. ٢ سورة الإسراء الآية: ٢٩. ٣ سورة الفرقان الآية: ٦٦. ٤ سورة الشورى الآية: ١٢.
[ ٢ / ٧١٥ ]
٣- الصيام:
وفرض الله الصيام على عباده، وبين لهم أنه ليس تشريعًا جديدًا، وإنّما هو تشريع كان مفروضًا على الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وكان الصيام معروفًا عند العرب قبل الإسلام، فقد روى البخاري بسنده إلى عائشة ﵂ أنّ قريشًاَ كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ: "من شاء فليصمه، ومن شاء أفطره" ٢.
وروى ابن إسحاق في حديث بدء الوحي، وكان يجاور في غار حراء، من كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنثت به قريش في الجاهلية، إلى أن قال: "فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين وذلك الشهر هو رمضان.."٣. الذي أنزل عليه فيه القرآن.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٨٣. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/١٠٢ كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان. ٣ سيرة ابن هشام ١/٢٣٥-٢٣٦، والسيرة النبوية لابن كثير ١/٣٩٠.
[ ٢ / ٧١٦ ]
فيُفْهَمُ من ذلك أنّ الصوم ما تتعبد به قريش في جاهليتهم، ويُفْهَم من ذلك أيضًا أنّ أصل مشروعة الصيام كان بمكة، حيث كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء حتى فرض صوم رمضان بالمدينة١.
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث في صيام يوم عاشوراء في صحيح البخاري مع الفتح ٤/٢٤٤. وصحيح مسلم ٢/٧٩٧ كتاب الصيام، باب أي يوم يصام في عاشوراء.
[ ٢ / ٧١٧ ]
٤- الحج:
وكان العرب قبل الإسلام كسائر الأمم، يحجون إلى بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉ بمكة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآيتان: ١٢٧-١٢٨. ٢ سورة آل عمران الآيتان: ٩٦-٩٧.
[ ٢ / ٧١٨ ]
لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ١.
وعلى ذلك مضى أمرُ العرب من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉، إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فقد غيروا كثيرًا مما كان عليه إبراهيم وإسماعيل، وخلطوا حقًا بباطل، فحرفوا الحج عن وجهته، وملأوا الكعبة -بيت التوحيد- بالأنصاب والأوثان، وجعلوها على ظهر البيت وبجواره، وعلى الصفا والمروة، واتخذوا هذه الأنصاب آلهة مع الله يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها، وذبحوا باسمها، وقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.
ثم إنهم ابتدعوا في الحج بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، ومن هذه البدع طوافهم بالبيت عراة، زاعمين أنه لا يليق بهم أن يطوفوا ببيت الله بثياب ارتكبوا فيها الذنوب والآثام، وكان النساء يطفن بالليل، وكانت إحداهن تضع ثيابها كلها إلا درعًا يسترها عن الحمس٢ من قريش، ثم
_________________
(١) ١ سورة الحج الآيات: ٢٦-٢٩. ٢ الحمس أو الأحماس جمع الأحمس: وهو لقب قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة قيس، ومن تابعهم في الجاهلية، سموا بذلك لتحمسهم في دينهم، أي تشددوا، وكانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. انظر: لسان العرب لابن منظور ٦/٥٨، والنهاية لابن الأثير ١/٤٤٠. أو سموا بذلك لالتجائهم بالحمساء، وهي الكعبة، لأن حجرها أبيض يميل إلى السواد، والحماسة الشجاعة، والأحمس الشجاع. القاموس المحيط للفيروزابادي ٢/٢٠٨.
[ ٢ / ٧١٩ ]
تطوف في هذا الدرع الذي لا يستر العورة، وقد حرموا على أنفسهم من الزينة والرزق ما لم يحرمه الله عليهم.
فلما جاء الإسلام، أبطل هذه العادات الجاهلية، ونقى الحج من تلك الضلالات الباطلة، وجعل الحج كله خالصًا لله تعالى، وأبطل العري المزري، وذلك التحريم للطيبات التي حرموها يغير دليل.
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فهاتان الآيتان هما ردّ على أولئك المشركين فيما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت عراة، وفي تحريمهم على أنفسهم شيئًا من الزينة والرزق لم يحرمه الله عليهم.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيتان: ٣١-٣٢.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا١ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدى منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية٢.
ذُكر عن ابن عباس ﵄: أن أهل الجاهلية من قبائل العرب، كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلًا حتى نتعرى من الذنوب، كما تعرينا من الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ سترًا تعلقه على حقويها، لتستتر به عن الحمس، وهم
_________________
(١) ١ تطوافًا: هو ثوب تلبسه المرأة وتطوف به. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/١٦٢. ٢ صحيح مسلم ٤/٢٣٢٠ كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . والنسائي ٥/٢٣٣-٢٣٤ في الحج، باب قوله ﷿ ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ .
[ ٢ / ٧٢١ ]
قريش فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك.
وكانوا لا يصلون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: "البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم، واشربوا ولا تسرفوا"١.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية.
أي: قل يا محمد منكرًا وموبخًا لهؤلاء الجهلة الذين يطوفون ببيت الله عراة، ويحرمون على أنفسهم ما أحل لهم من الطيبات، من حرّم عليكم الطيبات من المآكل والمشارب، أو الملابس المخلوقة لنفعكم؟
ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء المشركين إنّ هذه الزينة والطيبات الموجودة في الحياة الدنيا، إنّما هي مخلوقة للمؤمنين، وإنْ شاركهم فيها الكفار، وستكون للمؤمنين خالصة يوم القيامة، لا يشاركهم فيها أحد، لأن الله تعالى حرّم الجنة ونعيمها على الكافرين٢..
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ٨/١٦٣، وأسباب النزول لأبي الحسن الواحدي النيسابوري ص: ١٢٩، والتفسير الكبير للفخر الرازي ١٤/٦٠، وتفسير ابن كثير ٢/٢٢٦-٢٢٧، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٠٥. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٢٢٧ بتصرف.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
وعليكم أيها المشركون والناس جميعًا أن تتدبروا حكمة الله وتفقهوا تشريعه..
وكانت قريش لا تخرج من الحرم، وإنما يقفون في طرف الحرم، عند أدنى الحل، ويقولون نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فكانوا يقفون بالمزدلفة ويدفعون منها، ولا يقفون في عرفة١.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
وقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٢/٢٩١، وتفسير ابن كثير ١/١٥١. ٢ سورة البقرة الآية: ١٩٩. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٨٦-١٨٧ كتاب التفسير (٣٥) باب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ .
[ ٢ / ٧٢٣ ]
دخول البيوت من غير أبوابها:
ومن سخافات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، الدخول إلى المنزل بعد الرجوع من السفر من غير الباب، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن البراء ﵁ قال: "نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ "٢.
وروى الحديث أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي إسحاق عن
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٨٩. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/٦٢١ كتاب العمرة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ . و٨/١٨٣ كتاب التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ وهذا لفظه. وصحيح مسلم ٤/٢٣١٩ كتاب التفسير حديث رقم: ٢٣.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
البراء قال: "كانت الأنصار إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية"١.
وعن هذه العادة الجاهلية يقول سيد قطب ﵀: "وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامة، أو في الحج بصفة خاصة، وهو الأظهر في السياق، فقد كانوا يعتقدون أنّ هذا هو البر -أي الخير أو الإيمان- فجاء القرآن ليبطل هذا التصور الباطل، وهذا المتكلف الذي لا يستند إلى أصل ولا يؤدي إلى شيء، وجاء يصحح التصور الإيماني للبر، فالبر هو التقوى، هو الشعور بالله ورقابته في السر والعلن، وليس شكلية من الشكليات التي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان، ولا تعني أكثر من عادة جاهلية، كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وكرر الإشارة إلى التقوى، بوصفها سبيل الفلاح.. وأبطل العادة الجاهلية الفارغة من الرصد الإيماني"٢ ا.؟.
وبهذا نرى أن الإسلام جدد دين إبراهيم ﵇، الذي كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وجعل بيت الله الحرام منسك هذه الأمة، فأمر بحجه وعمرته، كمال قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
_________________
(١) ١ مسند أبي دواد الطيالسي ص: ٩٨ رقم: ٧١٧. ٢ في ظلال القرآن ١/٢٦٤.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ ٢.
وأمر بإخلاص التوحيد لله رب العالمين، وترك ما كان عليه أهل الجاهلية من إثم وباطل، قال تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٣.
هذا وقد تقدم معنا في الباب الأول صور من الشرك في العبادات، كالدعاء والغلو في قبور الأنبياء والصالحين، والذبح والنذر وغيرها، فلا داعي لإعادة الحديث عنها.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية: ٩٦. ٢ سورة البقرة الآية: ١٩٦. ٣ سورة الحج الآيتان: ٣٠-٣١.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
الفصل الثاني: النقلة بهم في السلوك والأخلاق
تمهيد:
ولما كانت الأخلاق هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم، وهي ضرورة للفرد والمجتمع، فقد جاء الإسلام داعيًا وموجهًا إلى التمسك بالأخلاق الطيبة، والفضائل السامية، لأنها تحقق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
ومحذرًا ومنفرًا من الرذائل والعادات الجاهلية الباطلة، لأنها تسبب الضرر في العاجل والآجل.
لذلك يجدر بنا أنْ نستعرض بعض الجوانب في هذا السبيل بإيجاز، لنرى مدى ما تحقق لمعتنقي الإسلام بعد عهد الجاهلية والظلام.
وسنقسم الحديث في ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: في الترغيب في الفضائل
القسم الثاني: في التحذير من الرذائل.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
القسم الأول: في الترغيب في الفضائل.
ومن ذلك:
١- بر الوالدين وصلة الأرحام:
وتأتي رابطة الأسرة بعد رابطة العقيدة في رحاب الإيمان بالله والخضوع لربوبيته، جلّ شأنه فهو أرحم بالناس من بعضهم لبعض، وكثيرًا ما يقرن الله ﷾، بين الأمر بعبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ سورة الإسراء الآيتان: ٢٣-٢٤.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
والوصية بالوالدين والطاعة لهما، والرأفة والرحمة والإحسان إليهما مقيدة بغير معصية الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في أربع آيات، فذكر قصته وقال: فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، الآية٢.
ومثل الآية السابقة، قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية: ٨. ٢ الجامع الصحيح للترمذي ٥/٣٤١ كتاب تفسير القرآن، سورة العنكبوت. وقال: حديث حسن صحيح. وأورده السيوطي في الدر ٥/١٦٥ في سورة لقمان، وزاد نسبته لأبي يعلى، وابن مردويه، وابن عساكر. والقصة في صحيح مسلم ٤/١٨٧٧ كتاب فضائل الصحابة، رقم: ٤٣، ٤٤.
[ ٢ / ٧٣١ ]
جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وكما أمر الله تعالى بطاعته وتقواه، والحث على عبادته وحده، أمر بصلة الرحم وعدم قطعها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
وقرن قطيعة الرحم بالفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٣.
ومدح الله الواصلين لرحمهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ ٤.
فهذه الآيات الكريمة تبين ما للرحم من مكانة عظيمة عند الله تعالى،
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآية: ١٤-١٥. ٢ سورة النساء الآية: ١. ٣ سورة محمد الآيتان: ٢٢-٢٣. ٤ سورة الرعد الآية: ٢١.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
والحث على صلتها والإحسان إليها، والتحذير من قطعها وهضمها حقها؛ لأنّ ذلك من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها، وقد أكد القرآن الكريم هذه الرابطة بقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١.
٢-العدل والوفاء:
ولما كان الظلم والجور من العادات الجاهلية، فقد اهتم الإسلام بالعدل، وجعله أساسًا للعلاقات والتعامل بين المسلمين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣.
وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٧٥. ٢ سورة المائدة الآية: ٨. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥٢. ٤ سورة النحل الآية: ٩٠.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
إن العدل يكفل لكل فرد وكل جماعة الثقة البريئة من الميل إلى الهوى، وعدم التأثر بالحب والبغض، أو التبدل لعلاقة النسب والمصاهرة، والغنى والفقر، والقوة والضعف، إنّما تمضي الأمة في ظل الإسلام والعدل، تشق طريقها المستقيم، تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للكل.
وهذا العدل الذي يدعو إليه الإسلام متفق مع عالمية الإسلام الخالدة، فقد جاء الإسلام لينشئ أمة مثالية، وقيمًا ربانية، وموازين ثابتة للإنسانية كلها بعيدًا عن التعصب لقبيلة أو أمة أو جنس أو لون، إنّما هي آصرة واحدة، ورابطة فريدة، يجتمع عليها الأسود والأبيض والأحمر والأصفر من أجل تحقيق العبودية لله رب العالمين.
ومن أجل العدل والمساواة، كان الوفاء في الكيل والميزان بالقسط من أهم الأحكام الشرعية والأخلاقية، التي قررها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٣٥.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك"٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣.
وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب ﵇ لقومه: ﴿ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ
_________________
(١) ١ سورة المطففين الآيات: ١-٣. ٢ أخرجه ابن ماجه ٢/٧٤٨ كتاب التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن، حديث ٢٢٢٣، وفي الزوائد إسناده حسن. والطبري في التفسير ٣/٩١، والواحدي في أسباب النزول ص: ٢٥٣. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/٣٢٣، وزاد نسبته إلى الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان. وصحيح ابن حبان ١١/٢٨٧، وسنن البيهقي ٦/٣٢، وفتح الباري ٨/٦٩٦. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥٢.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
٣- الإحسان:
وفي مجال الإحسان، جاءت توجيهات القرآن الكريم تشهد بأنه كتاب روحي، يرتقي إلى أعلى مراتب السمو، ويعلو عن أية قوانين أو أخلاق بشرية.
وبيّن القرآن الكريم أن الإحسان يجب أن يكون الواجب الطبيعي للإنسان، وأن الله تعالى كما أحسن إلى العبد نفسه، عليه هو أن يحسن إلى الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ٢.
وبيّن القرآن أن ثمرة الإحسان تعود إلى المحسن نفسه.
قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٣.
وقد أمر الله بالإحسان، وألح عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٨٥. ٢ سورة القصص الآية: ٧٧. ٣ سورة الإسراء الآية: ٧.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٢.
ورغب في الإتيان بالحسنات بقوله: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ٣.
ووعد المحسنين بحسن المثوبة والأمان يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ٤.
وقد خص القرآن الكريم بعض الناس بالإحسان لما بينهم وبين المحسن من رابطة القربى كالإحسان إلى الوالدين وذوي القربى من الأخوة والأعمام والأخوال وسائر الأقربين، أو الجوار، أو لفئات من الناس فقدوا المعين والنصير، وأصبحوا في حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٩٠. ٢ سورة النساء الآية: ١٢٥. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٦٠. ٤ سورة النمل الآية: ٨٩.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
والإحسان إلى اليتامى لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، والإحسان إلى المساكين وهم المحتاجون الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، وكذلك الإحسان إلى الجار من ذوي القرابة، والجار الذي ليس بينه وبين المحسن قرابة، كما أوصى الله بالإحسان إلى الصاحب بالجنب، وهو الرفيق في المجلس، أو في السفر، أو في العمل ونحو ذلك.
وأوصى بالإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر الذي فقد ماله في الطريق قبل أن يصل إلى بلده وأهله، وكذلك الإحسان إلى الرقيق، ومن الإحسان إليهم تحريرهم وعتقهم، وحسن معاملتهم.
وفي ذلك كله يقول تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١.
وبيّن تعالى أنّ الجهاد في سبيل الله بالنفس أو بالمال، هو من الإحسان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ َجَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ سورة العنكبوت الآية: ٦٩.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وقد فسّر الرسول ﷺ الإحسان بقوله كما في حديث جبريل المشهور "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" ١.
وعلى هذا فالإحسان يشمل كل عمل، وكل تعامل يقوم به الإنسان في علاقة العبد بربه، وعلاقاته مع جميع المخلوقين، ولهذا قال الرسول ﷺ: "إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء " ٢.
٤- الأمانة:
والأمانة مسئولية أخلاقية عظيمة، لم تستطع السموات والأرض والجبال حملها عندما عرض الله ذلك عليها، بل أشفقن من تبعاتها وتكاليفها، وقد حمل الإنسان أعباء هذه الأمانة، وعليه أن يقوم بالوفاء بها.
فمن قام بها وفق منهج الله تعالى، فاز بخيري الدنيا والآخرة، ومن خان أمانته، وضيع ما استأمنه الله عليه، خسر دنياه وآخرته.
وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المسئولية الأخلاقية العظيمة،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٣٧ كتاب الإيمان حديث رقم: ١. ٢ صحيح مسلم ٣/١٥٤٨ كتاب الصيد والذبائح، باب الإمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم: ٥٧.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١.
وقد اتصف أنبياء الله ورسله بالأمانة، قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٣.
وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٤.
وكذلك قال قوم لوط وشعيب وموسى ﵈ لأقوامهم.
وقد جمع الله محاسن الأمانات وأكملها لنبينا محمد ﷺ، فأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة، وقد استأمنه الله على أعظم كتاب أنزل على خير نبي، واختصه بالشفاعة
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٧٢. ٢ سورة الشعراء الآيتان: ١٠٦-١٠٧. ٣ سورة الشعراء الآيتان: ١٢٤-١٢٥. ٤ سورة الشعراء الآيتان: ١٤٢-١٤٣.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
العظمى التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل.
وقد مدح الله المؤمنين الذين من أجلّ صفاتهم حفظ الأمانات ورعايتها، وحفظ العهود، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ١.
ومن هنا نرى أنّ الأمانة من أعظم أمهات الأخلاق والفضائل التي جاء بها الإسلام، وحفظها الأنبياء ﵈.
٥- الصبر:
ولما كان الهلع والجزع والتسخط، وعدم الصبر والتحمل من العادات الجاهلية، فقد جاء الإسلام يدعو إلى الصبر وعدم الجزع عند وقوع المصيبة، وعلى المسلم أنْ يحتسب الأجر عند الله تعالى.
قال ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآيات: ١-٨. ٢ سورة البقرة الآيات: ١٥٥-١٥٧.
[ ٢ / ٧٤١ ]
النبي ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ١.
قال ابن حجر ﵀: "قوله: "وليس منا" أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ، المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني وقوله: "لطم الخدود" خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلاّ فضرب بقيه الوجه داخل في ذلك، وقوله: "وشق الجيوب" جمع جيب، وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه: إكمال فتحته إلى آخره، وهو من علامات السخط"٢ا.؟.
ودعوى الجاهلية: "هي النياحة وندبة الميت، والدعاء بالويل ونحوه، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل الإسلام"٣.
وقد دعا القرآن الكريم إلى الصبر في موطن تحمل أذى الناس، قال
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٣/١٦٣ كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب، وهذا لفظه. وصحيح مسلم ١/٩٩ كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية. ٢ فتح الباري ٣/١٦٣-١٦٤. ٣ انظر شرح النووي على مسلم ٢/١١٠.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ ١.
ودعا إليه في موطن المثابرة على العبادة، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ٣.
وقد وعد الله الصابرين بالأجر الوفير، والثواب العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٦.
والصبر أنواعه كثيرة، وميادينه واسعة، وقد تحدث عنها القرآن
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ١٢٦. ٢ سورة مريم الآية: ٦٥. ٣ سورة طه الآية: ١٣٢. ٤ سورة الأعراف الآية: ١٢٨. ٥ سورة الإنسان الآية: ١٢. ٦ سورة الزمر الآية: ١٠.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
الكريم في أكثر من تسعين موضعًا، كما روى الإمام أحمد رحمه الله١، ولكنها في الجملة ترجع إلى الصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة٢.
٦-الصدق:
الكذب سلوك جاهلي، يؤدي إلى تصدع بنيان المجتمع، وإلى خلل سيره، لذلك جاء الإسلام الحنيف بالتحذير منه، وتوعد القرآن الكريم الكاذبين بالعذاب الأليم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
وأمر الإسلام بالصدقِ في الأقوال والأعمال، واعتبره أساسًا من أسس الفضائل التي تبنى عليها المجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/١٥٨. ٢ انظر: المرجع السابق ٢/١٧١ وما بعدها. ٣ سورة النحل الآية: ١١٦-١١٧. ٤ سورة التوبة الآية: ١١٩.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ١.
وأخبر القرآن بأنّ الصدق من أخلاق الأنبياء، قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ ٢.
وقال تعالى عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ ٣.
كما وصف القرآن إدريس ومريم ﵉ وغيرهما بهذه الصفة الأخلاقية النبيلة، وتحدث القرآن عن نبينا محمد ﷺ بأنه جاء بالصدق، وهو القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٤.
وبيّن تعالى أنّه سيميز بين الصادقين في الإيمان، وبين الكاذبين فيه، فقال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٧٠. ٢ سورة مريم الآية: ٤١. ٣ سورة مريم الآية: ٥٤. ٤ سورة الزمر الآية: ٣٣. ٥ سورة العنكبوت الآية: ٣.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تبين ما للصدق والصادقين من مكانة عظيمة عند الله تعالى.
٧- الاستقامة وتزكية النفس:
وعن الابتعاد عن الضلالات والجهالات، أمر الإسلام بالاستقامة على توحيد الله وطاعته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
وبيّن القرآن الكريم أنَّ من اتقى ربه بفعل الطاعات، وترك المحرمات، وأصلح نفسه، فإنه لا خوف عليه في الآخرة، ولا يصيبه الحزن، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى
_________________
(١) ١ سورة محمد الآية: ٢١. ٢ سورة فصلت الآية: ٣٠. ٣ سورة الأحقاف الآية: ١٣.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
وقد امتدح الله تعالى من طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، واتبع ما جاء به النبي ﷺ، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية: ٣٥. ٢ سورة المائدة الآية: ٣٩. ٣ سورة الأعلى الآية: ١٤. ٤ سورة الشمس الآيتان: ٩-١٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
القسم الثاني: في التحذيرات من الرذائل
ومن ذلك:
١- تقاليد الجاهلية في الحرث والأنعام:
وحول ما كان يزاوله المشركون في شأن الثمار والأنعام، يقول ﵎: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
والمعنى أن مشركي قريش جعلوا لله مما خلق من الزرع والأنعام نصيبًا مما ينفقونه على الفقراء، ولشركائهم نصيبًا يصرفونه على سدنتها، فقد روي: "أنهم كانوا يجعلون نصيب الله لقرى الضيفان، وإكرام الصبيان، والتصدق على المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وقرابينها، وما ينفق على معابدها"٢.
وجعلوا لله مما خلق من الزرع والثمار والأنعام جزءًا وقسمًا،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٣٦. ٢ تفسير المراغي ٨/٤٢.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
فقالوا: هذا النصيب لله بزعمهم، وهذا النصيب لشركائنا وأصنامنا، وما كان للأصنام فلا يصل إلى الله منه شيء، وما كان من نصيب الله، فهو يصل إلى أصنامهم، فقبح هذا العمل لإيثارهم المخلوق العاجز على الخالق القادر على كل شيء، ولعملهم شيئًا لم يشرعه الله تعالى لهم.
قال ابن عباس: "إنّ أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإنْ سقط منه شيء فيما سمي لله ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وقالوا إنّ الله غني والأصنام أحوج"١.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لقبائح المشركين وجرائمهم، حيث
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/٤١، وتفسير ابن كثير ١/٦٢٢ بتصرف. ٢ سورة الأنعام الآيتان: ١٣٨-١٣٩.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
خصوا بعض الأنعام والزروع لأوثانهم، ومنعوها على غيرهم، ولا يطعمونها إلا من يريدون بزعمهم الباطل من غير دليل ولا برهان، ومن الأنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها اسم أصنامهم افتراء على الله وكذبًا.
ومن قبائحهم أنهم قالوا: ما في بطون هذه الأنعام حلال لذكرونا خاصة، ومحرم على أزواجنا، بمعنى أنه لا يجوز على زعمهم أن تأكل منه أزواجهم، وإن كان المولود منها ميتة، اشترك في أكله الذكور والإناث.. وسيحاسبهم الله تعالى على هذا العمل في التحليل والتحريم، بغير علم.
قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ
[ ٢ / ٧٥٠ ]
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة هي على شاكلة الآيات السابقة، فيما كان يفعله مشركوا العرب قبل الإسلام من التحليل والتحريم، إذ كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها تارة أخرى، وقد بين الله تعالى كذبهم وافترائهم في نسبة ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى، كما أخبرهم على لسان رسوله ﷺ عن ما هو حلال، وما هو حرام في كتابه ﵎.
وكان المشركون يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويجعلونها للأوثان، ويزعمون أنّ الله تعالى أمرهم بذلك كذبًا وبهتانًا واتباعًا لآبائهم.
قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات: ١٤٣-١٤٥. ٢ سورة المائدة الآيتان: ١٠٣-١٠٤.
[ ٢ / ٧٥١ ]
والبحيرة هي: الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرًا، بحروا أذنها –أي شقوها- واعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ترده، ولا من مرعى، وإذا لقيها المُعيي المنقطع به لم يركبها١.
والسائبة هي: الناقة تسيب في الجاهلية، وذلك أنه إذا قدم الرجل من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجته دابته من مشقة أو حرب، قال: ناقتي -أي تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تمنع عن ماء، ولا من كلأ، ولا تركب٢.
وقال ابن الأثير: "كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برءٍ من مرض، أو غير ذلك، قال ناقتي سائبة، فلا تمنع من ماء، ولا من مرعى، ولا تحلب، ولا تركب.. وأصله من تسيب الدواب، وهو إرسالها تذهب وتجيء حيث شاءت"٣.
والوصيلة: قال المفسرون: كانت في الشاء خاصة، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا جعلوه لآلهتهم، فإذا ولدت ذكرًا
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور ٤/٤٣، والمفردات للراغب ص: ٣٧، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧. ٢ لسان العرب لابن منظور ١/٤٧٨، والمفردات للراغب ص: ٢٤٦، وتفسير الطبري ٧/٨٨، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧. ٣ النهاية لابن الأثير ٢/٤٣١.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.. وهي الشاء التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين، فإنْ ولدت في السابع عناقًا قيل: وصلت أخاها، فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء، وتجري مجرى السائبة..١.
وقيل: إذا ولدت الشاة ستة أبطن، نظروا فإن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كانت أنثى وذكرًا قالوا: وصلت أخاها فلم يذبح وكان لحمها حرامًا على النساء.."٢.
والحامي: هو الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود، قيل: عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى٣.
فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات الجاهلية كلها، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، فيقولون أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون إنّ هذا افتراء
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/٨٨، وتفسير ابن كثير ٢/١١٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/٣٣٧، والمفردا للراغب ص: ٥٢٥، واللسان ١١/٧٢٩. ٢ اللسان ١١/٧٢٩. ٣ اللسان ١٤/٢٠٢، وتفسير الطبري ٧/٨٨، والمفردات للراغب ص: ١٣٣.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وكذب على الله تعالى؛ لأنهم يقلدون في ذلك الآباء والأجداد، ولو كانوا لا يعلمون من الدين شيئًا، ولا يهتدون إلى الحق والصواب.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: "نزلت إنكارًا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل.."٢.
والمعنى: أخبروني أيها المشركون الجاهلون عما خلق الله لكم من الرزق الحلال فحرمتم بعضه وحللتم بعضه.. وقد أمركم الله على لسان رسوله ﷺ أنْ يقول لكم: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
قال المراغي: "والخلاصة أنه لا مندوحة لكم من الاعتراف بأحد أمرين:
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان: ٥٩-٦٠. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٤٥١.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
إما دعوى الأذن من الله لكم بالتحريم والتحليل، وذلك اعتراف بالوحي، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال.
وإما الافتراء على الله، وهو الذي يلزمكم إذا أنكرتم الأول"١.
وقد أنكر الله تعالى على هؤلاء المشركين لاتخاذهم شرعًا لم يأمر الله به، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
وقد نهى الله تعالى المشركين ووبخهم في شأن ما تصفه ألسنتهم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وأخبرهم أنّه سيحاسبهم يوم القيامة على ما ارتكبوا من الكذب والبهتان، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ١١/١٢٥. ٢ سورة الشورى الآية: ٢١. ٣ سورة النحل الآية: ١١٦.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ١.
ومن هذا يتبيّن لنا أنّ الذي يجعل الحلال حلالًا، والحرام حرامًا هو الله سبحانه دون سواه، فما أحله الله؛ فهو الحلال إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحرمه، وما حرمه الله تعالى؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحله.
٢- أحكام الجاهلية:
وقد أبطل الله تعالى أحكام الجاهلية المبنية على الظلم والجور، والمستمدة من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعوها من عند أنفسهم، وجعل الحكم كله لله وحده.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢.
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال:" قال
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٥٦. ٢ سورة المائدة الآيتان: ٤٩-٥٠.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إنْ اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "١.
والآية الكريمة إقرار لرسول الله ﷺ على ما فعل، وأمر له بالثبات وعدم الانخداع بكلام اليهود، فإنّ أعرضوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك، فاعلم أنّ حكمة الله في ذلك هي أن إرادته تمت على أن يعذبهم ببعض ذنوبهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة، لأنّ استثقالهم لأحكام التوراة الموجودة لديهم، وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهواءهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك من القرآن كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بدّ أن تكون نتيجتها
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٦/٢٧٣-٢٧٤. وانظر: أسباب النزول للنيسابوري ص: ١١٣، وتفسير ابن كثير ٢/٧٢، والدر المنثور للسيوطي ٢/٢٩٠، والجامع لأحكان القرآن ٦/٢١٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٢/٤٩، ولباب النقول في أسباب النزول ص: ٩٢.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وقوع العذاب بهم، وقد حلّ بيهود المدينة وما حولها -بسبب غدرهم- ما حلّ.
فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير عنها، وقتل بني قريظة، وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله لعباده.
ثم بين تعالى بأنّهم إذا أعرضوا عن حكم النبي ﷺ، فهل حكم الجاهلية يطلبون، وهو حكم مبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر، وترجيح القوي على الضعيف، وإنه لا أحد أحسن حكمًا من حكم الله عند قوم يوقنون ويذعنون لشرعه١.
المراد بالجاهلية في الآية:
والمراد بالجاهلية: إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، فيكون تعبيرًا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا يصدر عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي.
وإما أهل الجاهلية وحكمهم، فهو ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى٢.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المراغي ٦/١٣٢-١٣٣ بتصرف. ٢ انظر: تفسير أبي السعود ٣/٤٧، والدر المنثور ٢/٢٨٤.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
قال الإمام القرطبي: "والمعنى أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع.. وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونا على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهيلة في هذا الفعل "١.
ثم يضيف القرطبي صورة أخرى، وهي ما روي عن طاووس قال: "كانوا إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، فكان طاووس يقول: (ليس لأحد أنْ يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ ونسخ) .
واستطرد القرطبي قائلًا: (ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع)، وقد أورد القرطبي في هذا الصدد بعض الأحاديث والآثار فانظره"٢.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري وتوبيخ لمن يعرضون عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ، ويبتغون حكم الجاهلية.
قال ابن كثير ﵀: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٦/٢١٤. ٢ المرجع السابق ٦/٢١٤-٢١٥.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم"١.
ولما كان القصد هو الإيمان بالله تعالى وحده، والكفر بالطاغوت بأنواعه، فقد أنكر الله تعالى على اليهود الذين تركوا هداية كتابهم التوراة، بل وتركوا العقل والفطرة وآمنوا بالجبت من الأوهام والدجل والخرافات، وآمنوا بالطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والأشخاص والأهواء وغيرها، ونصروا المشركين على المؤمنين الذين اتبعوا محمدًا ﷺ.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٢.
روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال:" لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم؟ قال:
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/٧٢. ٢ سورة النساء الآيتان: ٥١-٥٢.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور١ المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ٢، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ "٣.
وعن ابن عباس قال: "كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر وسائرهم من بني النضير"٤.
ولا شك أنّ البشرية عندما تحيد عن حكم الله وشرعه، تصير إلى حكم الطواغيب، وإلى حكم الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "أي أبتر لا عقب له، وأصل الصنبور: سعفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض، أرادوا أنه إذا قلع انقطع ذكره. النهاية ٣/٥٥. وقد كذبوا فيما زعموا، ونصر الله رسوله عليهم، وقطع دابرهم. ٢ سورة الكوثر الآية: ٣. ٣ تفسير ابن جرير ٥/١٣٣، والدر المنثور للسيوطي ٢/١٧١، وزاد في نسبته لأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وإسناده صحيح. انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٢/١٠٦ الهامش. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٤٥.
[ ٢ / ٧٦١ ]
أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ ١.
قال ابن كثير: "ذكر في سبب نزول الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى أحكام الجاهلية، وقيل غير ذلك"٢.
والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا.
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" ٣.
ومن هذا يتبين لنا أن من ترك الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٦٠. ٢ تفسير ابن كثير ١/٥٥١. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ١٢/٢١٠، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
الله عليه وسلم وحكم بقوانين وضعها البشر، أو بأعراف الأسلاف، أو تقليد الآباء والأجداد، مع المخالفة للشريعة الإسلامية، معتقدًا بأفضلية تلك الأحكام على حكم الإسلام، فقد حكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فقد عبد غير الله؛ لأن الحكم في أمر العبادة والدين هو لله وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا وقد استحدث كثير من المسلمين اليوم من الشرائع والقوانين، مثل ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا الحكم بما أنزل الله عليهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٣- وأد البنات٢:
ومن العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام قتل الأولاد، ووأد البنات، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآية: ٤٠. ٢ وأد ابنته يئدها وأدًا: دفنها في القبر وهي حية، أنشد ابن الأعرابي: ما لقي المؤود من ظلم أمهكما لقيت ذهل جميعًا وعامر أراد من ظلم أمه إياه بالوأد. تهذيب اللغة ١٤/٢٤٣، ولسان العرب ٣/٤٤٢، والنهاية لابن الأثير ٥/١٤٣، ومختار الصحاح للرازي ص: ٧٠٥.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وهذه الأعمال التي زينتها الشياطين التي توسوس لهم، ترجع لأحد وجوه ثلاثة٢:
الوجه الأول: اتقاء الفقر الواقع أو المتوقع، فالأول هو ما بينه الله تعالى بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٣.
والثاني: ما بينه بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾ ٤.
الوجه الثاني: اتقاء العار، وهو خاص بوأد البنات –أي دفنهن حيات- خشية أن يكن سببًا للعار إذا كبرن، فهم يصورون البنت لوالدها الجبار العاتي، ترتكب الفاحشة أو تقترن بزوج دونه في الشرف والكرامة، فتلحقه الخسة، أو تُسْبى في القتال.
الوجه الثالث: التدين بنحر الأولاد للآلهة تقربًا إليها، بنذر أو بغير نذر، وكان الرجل ينذر في الجاهلية لئن ولد له كذا غلامًا لينحرنّ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٣٧. ٢ انظر: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٨/١٢٤. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٥١. ٤ سورة الإسراء الآية: ٣١.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
أحدهم، كما حلف عبد المطلب بن هشام لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، وضربت الأقداح فخر القدح على عبد الله والد النبي ﷺ، إلا أنه فداه بذبح مائة من الإبل١.
ولولا الشرك الخبيث وتزيين الشياطين للقوم، لما راجت هذه الوسوسة عندهم، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ ٢.
لقد خسروا بقتل أولادهم وبوأد بناتهم خسرانًا عظيمًا، قال صاحب المنار: "وذلك أن خسران الأولاد يستلزم خسران كل ما يرجى من فوائدهم من العزة والنصرة والبر والصلة، والفخر والزينة والسرور، كما يستلزم خسران الوالد القاتل لعاطفة الأبوة ورأفتها، وما يتبع ذلك من القسوة والغلظة والشراسة، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، ويترتب عليها العقاب في الآخرة"٣.
ولذلك علل سبحانه هذا الجرم بسفه النفس، وهو اضطرابها
_________________
(١) ١ للاستزادة انظر: سيرة ابن هشام ١/١٥١-١٥٥، وزاد المسير لابن الجوزي ٣/١٣٠، وبلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٦-٤٩. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٤٠. ٣ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٨/١٣١.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وحماقتها، وبالجهل أي: عدم العلم بما ينفع ويضر.. فهذه الأعمال أقبح ما كانت عليه العرب من غواية الشرك.
قال قتادة: "هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه"١.
وقد فشا وأد البنات بين القبائل العربية، وخاصة بني تميم، وقد قيل أنّ رجلًا واحدًا اسمه قيس بن عاصم، وأد بضع عشرة من بناته في الجاهلية٢.
وروي أنّ أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، حيث أن بنتا لأمير لهم وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها، فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيت أبيها، واختارت بيت آسرها، فغضب وسن لقومه الوأد، وقلدته بقية العرب.
ويذكر أن الوأد كان مستعملًا في قبائل العرب قاطبة فكان يستعمله واحد، ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام٣.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/٥١. ٢ بلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٣. ٣ بلوغ الأرب للألوسي ٣/٤٢-٤٣، وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٥/٢٩٩.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وقد شنع القرآن الكريم على الذين يئدون البنات، وقبح فعلهم المبني على الظلم والجور والجهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ٢.
قال صاحب التسهيل: "الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية، من كراهته لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت؟ على وجه التوبيخ"٣.
وكان من الأمور الهامة التي بايع رسول الله ﷺ عليها النساء، عدم قتل أولادهن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيتان ٥٨-٥٩. ٢ سورة التكوير الآيتان: ٨-٩. ٣ التسهيل لعلوم التنزيل لابن الكلبي ٤/٣٤٦.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ ٢ الآية"٣.
٤- الزنا:
ولما كان الزنا من الفواحش الشائعة في الجاهلية، فقد جاء الإسلام يحذر منه أشذ الحذر؛ لأنه لا يمكن قيام أسرة ولا قيام مجتمع، في وحل
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة الآية: ١٢. ٢ سورة الفرقان الآية: ٦٨. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/١٦٣، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومسلم ١/٩٠ كتاب الإيمان، باب الشرك أقبح الذنوب حديث رقم: ١٤١-١٤٢.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ١.
ذكر الطبري في تفسيرها عن السدي: "أما ما ظهر منها: فزواني الحوانيت، وأما ما بطن: فما خفي".
وعن ابن عباس قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية"٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا﴾ ٣.
ومعنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ أي: ابتعدوا ولا تدنوا من الزنا، وهو أبلغ من قوله: "لا تزنوا"، لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنا كاللمس، والنظرة، والقبلة والغمز وغير ذلك مما يجر إلى الزنا.
والقرآن الكريم يحذر من مجرد مقاربة الزنا، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان، ومن ثم يغلق الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة إليه،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٥١. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ٨/٨٣. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ٣/١٤٨، وروح المعاني للألوسي ٨/٥٤. ٣ سورة الإسراء الآية: ٣٢.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
توقيًا للوقوع فيه.
يحرم الاختلاط، ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة، ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع، ويمنع الحواجز التي تقف في طريق الزواج؛ كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد، ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حيث تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الأسرة المسلمة من التردي والانحلال"١.
وقال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ ٢.
ذكر ابن كثير عن مجاهد: أي: المعصية في السر والعلانية.
وفي روايته عنه: هو ما ينوي مما هو عامل.
وعن قتادة: أي سره وعلانيته قليله وكثيره.
وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ٥/٣٢٢ بتصرف. ٢ سورة الأنعام الآية: ١٢٠.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم١.
ثم قال ابن كثير: "والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله"٢.
وكان من شروط مبايعة النبي ﷺ للنساء في العقبة، عدم الزنا
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣.
وقد رغب الإسلام في الزواج الشرعي بصور متعددة، فذكره تارة بأنه من سنن الأنبياء، وهدى المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/١٨٢. وانظر: تفسير الطبري ٨/١٣-١٤. ٢ تفسير ابن كثير ٢/١٨٢. ٣ سورة الممتحنة الآية: ١٢. ٤ سورة الرعد الآية: ٣٨.
[ ٢ / ٧٧١ ]
وذكره تارة في معرض الامتنان: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ١.
ويلفت القرآن الكريم نظر المرء إلى أنّ الله تعالى سيجعل الزواج سبيلًا إلى الغنى، قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى٢ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ومن سمو الإسلام أنه شرع العقوبة الزاجرة لرذيلة الزنا: مائة جلدة للبكر، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
أو الرجم للمحصن، كما ورد في السنة الصحيحة من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رجل من المسلمين
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٧٢. ٢ الأيامى جمع أيم، وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. لسان العرب ١٢/٣٩، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص: ٣٢. ٣ سورة النور الآية: ٣٢. ٤ سورة النور الآية: ٢.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
رسول الله ﷺوهو في المسجد- فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى عليه ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ: اذهبوا به فارجموه" ١.
٥- التبرج:
ومن الأمور التي حذّر الإسلام منها تبرج النساء، بإظهار الزينة والمحاسن للرجال الأجانب، لأنّ ذلك من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/٣٨٩ كتاب النكاح، باب الطلاق في الإغلاق والكره وصحيح مسلم ٣/١٣١٨ كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، حديث رقم: ١٦.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
والتبرج في اللغة: يقال ثوب مبرج صورت عليه بروج فاعتبر حسنه، فقيل تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي: قصرها٢.
والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال٣.
قال مجاهد: "كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية"٤.
وقال قتادة: "وكانت لها مشية تكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك"٥.
وقال مقاتل بن حيان: "والتبرج إنها تُلقي الخمار على رأسها، ولا تشده، فيداري قلائدها، وقرطها وعنقها، ويبدوا ذلك كله"٦.
وفسّر الإمام القرطبي حقيقة التبرج بأنه: "إظهار ما ستره أحسن،
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية: ٣٣. ٢ المفردات للراغب ص: ٤١. ٣ اللسان ٢/٢١٢. وانظر: مختار الصحاح للرازي ص: ٤٦. ٤ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/١٨٠، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣. ٥ الطبري ٢٢/٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣. ٦ تفسير ابن كثير ٣/٥٠٣.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
وهو مأخوذ من السعة، يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة.
وهو أيضًا التكشف والظهور للعيون بغير حائل يستر.
وقيل: إنّ المرأة كانت تلبي الدرع من اللؤلؤ غير مخيط، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها"١ ا.؟.
واختلف الناس في الجاهلية الأولى٢، فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، وقيل ما بين آدم ونوح، وهي ثمانمائة سنة، وقيل: ما بين نوح وإدريس، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم، وقيل: ما بين موسى وعيسى، وقيل: ما بين عيسى ومحمد ﷺ..
وقال العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول: الجاهلية الجهلاء، قال وكان الناس في الجاهلية الجهلاء يظهرون ما يقبح إظهاره.
ويشاركه في الرأي ابن عطية، إذ قال: "والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، فأمر بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كانت قبل الشرع من سيرة الكفرة، وكان النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أنّ ثم جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري سمعت أبي في الجاهلية يقول غير هذا.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٧٩-١٨٠. ٢ المرجع السابق.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ويؤيد القرطبي هذا الرأي بتحفظ، حيث قال: "قلت: وهذا قول حسن".
ويعترض بأنّ العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأنّ التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى.
وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تدلل وتكسر، وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعًا، وذلك يشمل الأقوال كلها "١ا.؟
ولا شك أن الدين الإسلامي أنكر التبرج الذي كان سائدًا بين نساء العرب، ومنعه بالأوامر والتوجيهات التي جاء بها القرآن الكريم، فاسمع إلى خطاب الله تعالى إلى زوجات وبنات النبي ﷺ ونساء المؤمنين بإدناء الجلابيب، كي لا يتعرض لهن فاسق بأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ٢.
ومن هنا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم نهى عن التبرج والسفور، ليطهر
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ سورة الأحزاب الآية: ٥٩.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
المجتمع الإسلامي من آثار الجاهلية، ويبعده عن عوامل الفتنة ودواعي الغواية.
وفي مقابل نهي الإسلام للنساء عن عادات الجاهلية الشريرة، أمرهن بالخير والبر، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي؛ لينلن الخير والفلاح.
٦- الإكراه على البغاء:
ومن العادات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، ما كان يفعله بعض الجاهليين من إكراه إمائهم على الزنا من أجل أخذ عرض من أعراض الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنّه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء
_________________
(١) ١ سورة النور الآية: ٣٣.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
طلبًا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم"١.
وذكر المفسرون: أنّ عبد الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الزنا، وضرب عليهم ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية، وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما لا يخفى، فإنّ من له أدنى مروءة لا يرضى بفجور من يحويه حرمة من إمائه، فضلًا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه، لا سيما عند إرادتهن التعفف٢.
وقوله: ﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: من أجل أن تحصلوا على حطام الدنيا الزائل بطريق الرذيلة والفاحشة، وقد "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" ٣.
وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي: ومن يجبرهن على ارتكاب فاحشة الزنا، فإنّ الله غفور لهن رحيم بهن، وسينتقم الله ممن أكرههن على الزنا شر انتقام.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٣/٣٠٢. ٢ انظر: الفخر الرازي ٢٣/٢٢٠، وتفسير أبي السعود ٦/١٧٣. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٤٢٦ كتاب البيوع، باب ثمن الكلب. ومسلم ٣/١١٩٨ كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي. وتقدم ص: ٦٥٠.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
٧- أكلهم للميتة والدم وما أهل به لغير الله والمنخنقة.. الخ
وأكل الجاهليون الخبائث، كالميتة والدم، وما ذبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله تعالى، كقولهم باسم اللات والعزى ونحو ذلك.
ولهذا جاء الإسلام الحنيف بتحريم هذه الخبائث للأضرار الناتجة عنها دينيًا ودنيويًا.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
ومثل ذلك في سورة النحل٢: والميتة هي كل ما أُزهق روحه من الحيوان بغير تذكية٣، وحرمت لأنّ الحيوان إذا مات حتف أنفه احتبس الدم في عروقه، وتعفن وفسد، وحصل من أكله من مضار عظيمة٤.
ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ١٧٣. ٢ النحل الآية: ١١٥. ٣ المفردات للراغب ص: ٢٧٧. ٤ انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ١١/١٣٢.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ١.
وكذلك الجراد لما في الصحيحين من حديث أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد٢.
وحرم "الدم"، والمراد به الدّم المسفوح.
قال ابن كثير: "وذلك أنّ أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيعضد به بعيره أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة"٣.
وحرم "لحم الخنزير" أنسيه ووحشيه، وجميع أجزائه حتى الشحم٤، وذلك للأضرار الناتجة عن أكله صحيًا وأخلاقيًا.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ١/٦٤ كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر حديث: ٨٣. والترمذي ١/١٠١ كتاب الطهارة، باب ما جاء في البحر أنه طهور، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/٥٠ كتاب الجهارة، باب ماء البحر. وابن ماجه ١/١٣٦ كتاب الطهارةن باب الوضوء بماء البحر. وموطأ الإمام مالك ١/٢٢ كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء حديث رقم: ١٢. وأحمد ٢/٢٣٧، والحاكم في المستدرك ١/١٤٠-١٤١. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/٦٢٠ كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الجراد. ومسلم ٣/١٥٤٦ كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الجراد حديث رقم: ٥٢. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٨. ٤ المرجع السابق والصفحة.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وقد أثبت العلم الحديث أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة "الدودة الشريطية وبويضاتها المكتسبة".
يقول سيد قطب: "ولما كان هذا الاكتشاف قد احتاج إلى قرون طويلة ليكتشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى من لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ "١.
فسبحان الحكيم العالم بما يصلح لخلقه وما يضرهم.
وأما ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ فهو ما ذكر عليه غير اسم الله، أو ذبح لغير الله، كقولهم باسم اللات والعزى٢، ونحو ذلك.
أما من ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات، بشرط ألا يكون متجاوزًا مقدار الحاجة، أو خارجًا في معصية الله، فإنّ له أن يتناول هذه المحرمات بقدر حاجته، فالله غفور رحيم بعباده، ومن رحمته أنْ أباح لهم هذه المحرمات عند الضرورة.
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ١/٢٢١ بتصرف. ٢ تفسير الطبري ٦/٦٨، وتفسير ابن كثير: ٢/٨.
[ ٢ / ٧٨١ ]
إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ ١.
قال صاحب الكشاف: "كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في الأمعاء، يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد -أي فَصَدَ له "٢.
وقد سبق بيان معنى الميتة والدم وما أهل لغير الله به في الكلام عن آية البقرة السابقة.
وأما ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ فهي التي تموت بالخنق٣.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد، كالعصا والحجر.
قال ابن عباس وغيره: "هي التي تضرب بالخشبة حتى يقذها فتموت".
وقال قتادة: "كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتى إذا ماتت
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٣. ٢ الكشاف للزمخشري ١/٥٩٢. ٣ تفسير الطبري ٢/٦٨، وتفسير ابن كثير ٢/٩.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
أكلوها"١.
وفي الصحيح أن عدي ابن حاتم قال: قلت يا رسول الله: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله" ٢.
وأما ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك.
قال ابن عباس: "المتردية التي تسقط من جبل".
وقال قتادة: "هي التي تتردى في بئر".
وقال السدي: "هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر"٣.
وأما ﴿َالنَّطِيحَةُ﴾ فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها٤، فتموت قبل أن تذكى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾، هي في الحقيقة من جنس
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٦/٦٩، وتفسير ابن كثير ٢/٩. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٤/٢٩٢ كتاب البيوع، باب تفسير الشبهات. وأخرجه أيضًا في ٩/٦٠٤ كتاب الذبائح والصيد، باب ما أصاب المعراض بعرضه. ٣ انظر هذه الأقوال في: تفسير الطبري ٦/٧٠، وتفسير ابن كثير ٢/١١. ٤ تفسير الطبري ٦/٧٠، وتفسير ابن كثير ٢/١١، والمفردات للراغب ص: ٤٩٦.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الميتة؛ لأنّ كل واحدة منها ماتت ولم يسل دمها، فكانت كالميتة حتف أنفها١.
وأما ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فهي ما عدا عليها سبع من السباع، فأكل بعضها فماتت بذلك.
وكان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير، أو البقرة، أو نحو ذلك٢.
وأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، قال الزمخشري: "كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون عليها، ويشرّحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب. قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تعبدنه لعاقبة والله ربك فاعبدا٣
قال ابن كثير: "فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح، حتى ولو كان يذكر عليه اسم الله، لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله"٤ ا.؟
_________________
(١) ١ انظر: الفخر الرازي ١١/١٣٣. ٢ تفسير الطبري ٦/٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/١١. ٣ الكشاف ١/٥٩٣. ٤ تفسير ابن كثير ٢/١٢.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وقوله: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾، قال الأزهري: "معنى الاستقسام: هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر، مما لم يقسم له بواسطة ضرب القداح"١.
وقال عن الأزلام: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية، مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفرًا أو نكاحًا أتى السادان فقال: اخرج لي زلمًا، فيخرجه وينظر إليه فإذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإنْ خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان، وضعهما في قرابه، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما، قال الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري:
يجز الطير إنْ مرت به سنحًا ولا يفيض على قسم بالأزلام٢
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنّ النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة ٣/٢١٨، واللسان ١٢/٢٧٠. ٢ تهذيب اللغة ٨/٤٢٠، واللسان ١٢/٢٧٠.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
الله، والله إن استقْسما بالأزلام قط" ١.
وفي صحيح البخاري أيضًا أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره لا تضرهم، قال: فعصيت الأزلام، واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية، وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك٢.
وقال مجاهد عن الأزلام: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون.
ويعلق ابن كثير على قول مجاهد، فيقول: "وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلا أن يقال إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم فإنّ الله
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٦/٣٨٧ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ . ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/٢٣٨ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
سبحانه قد قرن بينها وبين القمار، وهو الميسر، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١"٢.
٨- الخمر:
الخمر في اللغة: أصل الخمر ستر الشيء، ومنه خمار المرأة، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ٣.
وخمرت الإناء غطيته، وأخمرت العجين جعلت فيه الخمير، والخميرة سميت لكونها مخمورة من قبل، ومنه قولهم: دخل في خمار الناس، أي في جماعتهم الساترة لهم، والخمر سميت لكونها خامرة لمقر العقل٤.
جاء في اللسان: سميت الخمر خمرًا لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها، ويقال سميت بذلك لمخامرتها العقل٥.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٩٠. ٢ تفسير ابن كثير ٢/١٣. ٣ سورة النور الآية: ٣١. ٤ المفردات للأصفهاني ص: ١٥٩. ٥ اللسان ٤/٢٥٥.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ويطلق الخمر على الشجر الملتف١.
ومن هذا يتبين لنا أن كلمة "الخمر" تدور حول الستر، والتغطية والمخالطة، والترك وتغير الرائحة، وهي تستر عقل شاربها وتحجبه، ومن ثم يصير شاربها مستور العقل، ويتصرف بلا وعي ولا شعور.
أما الخمر في الشرع فهي: كل ما من شأنه أنْ يسكر يعتبر خمرًا، ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه، فما كان مسكرًا من أي نوع من الأنواع فهو خمر شرعًا، ويأخذ حكمه، ويستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير، وما كان على شكل حبوب أو سوائل أو فواكه وغيرها.
وقد كان حب الخمر من عادات العرب التي تغلغلت في نفوسهم ودأبوا عليها، حتى خالط قلوبهم حبها.
فلما جاء الإسلام الحنيف، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم سبل السلام وطرق الخير، بغرس المبادئ السامية في الإنسان، حيث جعله لا يعبد إلا الله ولا يؤمن إلا به.. جاء يحرّم الخمر -أم الخبائث- على الناس، وذلك لما تجلبه من أضرار سيئة في النفس والبدن والخلقة على الفرد والجماعة.
ونظرًا لتغلغل حب الخمر في نفوس الجاهليين، فقد كان تحريمها على
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ٢/٧٧.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
خطوات:
الخطوة الأولى: لما كثر سؤال المسلمين عنها، وعن لعب الميسر، لِمَا كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ١.
والميسر: القمار، يقال: يَسَرَ الرجلُ يَيْسِرُ، فهو يسر وياسر، والجمع أيسار٢.
قال مجاهد: "كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز"٣.
ومعنى الآية الكريمة: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار، فقل لهما إنّ في تعاطيهما ضررًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا، ومنافع مادية ضئيلة، لأنّ ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر وما يسببه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين لا يساوي ما فيهما من نفع قليل تافه.
ومن هذه الآية يتبين لنا أنّ الإثم أرجح من المنافع في الخمر والميسر،
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢١٩. ٢ النهاية لابن الأثير ٥/٢٩٦. ٣ تفسير الطبري ٢/٣٥٧. وانظر: النهاية لابن الأثير ٥/٢٩٦.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، ولكنه ليس تحريمًا قاطعًا.
ثم تأتي الخطوة الثانية في تحريم الخمر أثناء الصلاة، قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ١.
وقد ذكر في سبب نزولها: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من الصحابة رضوان الله عليهم، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فلما جاء وقت صلاة المغرب، قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. وأنتم عابدون ما أعبد﴾ من سورة الكافرون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ٢.
وبعد أن تهيأ المسلمون لقبول حكم الله في الخمر، جاءت الخطوة الأخيرة، والقاضية بتحريم الخمر والميسر، تحريمًا صريحًا، في كل وقت وحين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٤٣. ٢ انظر: تفسير الطبري ٥/٩٥، وتفسير ابن كثير ١/٥٣٠.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن عمر أنه قال: -لما نزل تحريم الخمر- قال اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، قال عمر: انتهينا انتهينا٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٩٠-٩١. ٢ المسند ١/٥٣. وسنن أبي داود ٤/٧٨ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، حديث ٣٦٦٩. وسنن الترمذي ٥/٢٥٣-٢٥٤ كتاب التفسير، سورة المائدة، وقال: وقد روي عن إسرائيل هذا الحديث مرسلًا.
[ ٢ / ٧٩١ ]
قال القفال: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أنّ الله تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق"١.
٩- الربا:
الربا لغة: الزيادة، يقال: ربا المال يربو ربوًا، إذا زاد وارتفع٢.
وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبائع٣.
وقد كان هذا الوباء منتشرًا في الجاهلية إنتشارًا واسعًا، ولا ريب أنّ لليهود الذين سكنوا الجزيرة العربية اليد الطولى في انتشار هذا الداء بينهم، فاليهود هم الذين ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٤.
والربا قسمان٥:
١-ربا النسيئة.
٢-وربا الفضل.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للفخر الرازي ٦/٤٠. ٢ انظر: النهاية لابن الأثير ٢/١٩١، والمفردات للأصفهاني ص: ١٨٧. ٣ النهاية لابن الأثير ٢/١٩. ٤ سورة آل عمران الآية: ٧٥. ٥ انظر فقه السنة لسيد سابق ٣/١٣٥.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
وربا النسيئة (التأجيل) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود، أو الطعام بالطعام مع الزيادة.
وبالنظر إلى الآيات الواردة في الربا، نجد أنّ القرآن الكريم قد تعرض لهذا الداء الوبيل في أربعة مواضع:
ففي المرحلة الأولى يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
والآية الكريمة كما تبين أنّ الربا ليس له ثواب عند الله، فهي كذلك لم تذكر أنّ الله قد أجل لآكله عقابًا، كما تبين الآية أنّ ما أخذه المرابي من المحتاج عن طريق الاستغلال ليزيد به في ماله بلا مقابل، فإنّ ماله لن يزيد عند الله تعالى.
أما المرحلة الثانية: فقد كانت درسًا وعبرة قصها علينا القرآن الكريم عن سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيته، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
_________________
(١) ١ سورة الروم الآية: ٣٩.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.
وواضح أنّ هذه العبرة لا تقع موقعها إلاّ إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصدًا في هذا الأمر.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلاّ نهيًا جزئيًا عن الربا الفاحش، الذي يتزايد حتى يصير أضعافًا مضاعفة٢.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
قال ابن جرير: "إنّ الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة،
_________________
(١) ١ سورة النساء الآيتان: ١٦٠-١٦١. ٢ انظر: تفسير المراغي ٣/٦٠. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٣٠.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
فنهاهم الله ﷿ في إسلامهم عنه"١.
وفي النداء للمؤمنين بهذا الوصف، دليل على أنّ الإيمان يتنافى مبدئيًا مع أكل الربا الذي لا يكون إلا مع الجشع والظلم واستغلال المحتاجين، والإيمان إنّما يكوِّن مجتمعًا نظيفًا سليمًا يبني معاملاته كلها على التراحم والتعاون على الخير.
وأخيرًا تأتي المرحلة الرابعة، والتي ختم بها التشريع في الربا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
والنص الكريم يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد لما أمر الله به، والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر، ولا يدع إنسانًا يتستر وراء كلمة الإيمان، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا ينفذه في حياته، ولا يحكمه في معاملاته.
ولقد ترك لهم ما سلف من الربا لم يقرر استرداده منهم، ولا
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير الطبري ٤/٩٠. ٢ سورة البقرة الآيتان: ٢٧٨-٢٧٩.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
مصادرة أموالهم كلها، أو جزء منها، بسبب أنّ الربا كان داخلًا فيها.. إذ لا تحريم بغير نص، ولا حكم بغير تشريع.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به.. واستجاش قلوبهم –مع هذا- شعور التقوى لله، وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته.
وإلى جوار صفحة الترغيب هذه صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ﴾ .
يا للهول حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ "١.
ولقد كتب رسول الله ﷺ بهذه الآيات إلى عتاب بن أسيد نائب مكة، من أجل محاربة بني المغيرة إذا لم يقلعوا عن التعامل بالربا، فقالوا: "نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا" فتركوه كلهم٢.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب ١/٤٨٥، باختصار وتصرف يسير. ٢ انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣/١٠٧، وتفسير ابن كثير ١/٣٤٣. وانظر: أسباب النزول للنيسابوري ص: ٥٠-٥١، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ٥٠ عن أبي يعلى في مسنده.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وقد أمر ﷺ في خطبته في حجة الوداع بوضع كل ربا في الجاهلية، وأوله ربا عمه العباس عن كاهل المدينين الذين ظلّوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام.
فقال في خطبته: "وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله" ١.
هذا وقد أفاض القرآن الكريم في بيان العبادات، وأصول الأخلاق، وحقوق الإجتماع، وشرحها شرحًا وافيًا حيث حبب إلى الناس الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجفاء الطبع، وحقد القلب، وخشونة اللفظ، وأمر بالقصاص لضرورة حماية الأنفس وصيانة المجتمعات من الفوضى وانتهاك المحارم، وأمر بالجهاد والطاعة، والوضوء والغسل من الجنابة، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على الزواج الشرعي لبقاء النسل، وقضاء الوطر في لقاء طاهر شريف بين الذكر والأنثى من بني البشر.
وأمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وأمر بالشكر والورع والحياء، وكف الأذى، ونصرة المظلوم،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٢/٨٨٩ كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ. وسنن أبي داود ٢/٤٦١ كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي ﷺ. وسنن ابن ماجه ٢/١٠٢٥ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ونهى عن الظلم والاحتقار، والغيبة والنميمة، والتجسس والجهر بالسوء من القول، والتباغض والتحاسد والكذب وشهادة الزور، والهمز واللمز، والغش والخداع، ودعوى الجاهلية واعتبارها خبيثة منتنة.
وأمر بالاستئذان وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ اللسان، والحب في الله، والبغض في الله، وأمر بإفشاء السلام، وحسن الخلق، والإحسان إلى الجار، واليتامى والمسكين وابن السبيل إلى آخره.
ونستطيع القول بأنّ النقلة التي أحدثها الإسلام تشمل الحياة كلها من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكومة وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وتفصيل الأمر في ذلك يحتاج إلى مجلدات ضخمة.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
الفصل الثالث: موقف الإسلام من المشركين: ويشتمل على ما يلي:
١- تمهيد:
أطلق القرآن الكريم لفظ المشركين على عبّاد الأوثان والأصنام، وقد أصبح هذا اللفظ علمًا عليهم يميزهم عن بقية الأديان الأخرى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الحج الآية: ١٧. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٥. ٣ سورة آل عمران الآية: ١٨٦. ٤ سورة المائدة الآية: ٨٢.
[ ٢ / ٨٠١ ]
ففي هذه الآيات، نرى أن القرآن قد ميز أهل الكتاب –على ما فيهم من ضلال وباطل- عن عبدة الأوثان والأصنام.
قال صاحب المغني: "وسائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدلّ على أن لفظ المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"١.
وقال القرطبي في هذا الخصوص: "ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"٢.
ووصف القرآن الكريم لعبدة الأوثان والأصنام على لسان الرسول ﷺ بالمشركين فيه تسفيه لعقولهم، وأنّ عبادتهم تلك باطلة وفاسدة؛ لأنها مبنية على الجهل والضلال، وفيه الدعوة لهم إلى تحكيم عقولهم، والنظر إلى معبوداتهم بعين الازدراء والاحتقار، وأنْ يخلصوا العبادة لرب الأرباب، والذي بيده الخير والعطاء والمنع والحرمان.
ولتلوث المشركين بهذه العبادات القذرة، أصبحوا نجسًا، فلا يحلّ لهم دخول المسجد الحرام، ولا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم، ولا الاستغفار لهم.. وكان لا بدّ من قتالهم ونقض عهودهم، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٠. ٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/٦٩. ٣ سورة التوبة الآية: ٣٣.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
٢- لا يحل لهم دخول المسجد الحرام واعتبارهم نجس:
وقد أصبح المسجد الحرام خاصًا بالمسلمين؛ لأنه مكان لعبادة الله وحده، فلا يجوز عبادة أحد مع الله فيه، ولذلك أمر الله المؤمنين بإبعاد المشركين عن المسجد الحرام، وألاّ يقربوه بعد نزول هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد بعث رسول الله ﷺ عليًا مع أبي بكر ﵄ سنة تسع من الهجرة، وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان٢.
يقول سيد قطب ﵀: "إنّما المشركون نجس.. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون، وتلك غاية في
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٢٨. ٢ انظر: صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٣١٧ كتاب التفسير، باب ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وباب ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ . وصحيح مسلم ٢/٩٨٢ كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، حديث: ٤٣٥.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
تحريم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصبَّ النهي على مجرد القرب منه، ويعلل سيد قطب بأنهم نجس، وهو عدم الطهور، ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة، ورحلة الشتاء والصيف، التي تكاد تقوم عليها الحياة، إنها كلها ستتعرض للضياع بسبب منع المشركين من الحج، وبإعلان الجهاد على المشركين كافة، نعم ولكنها العقيدة، والله يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة، وبعد ذلك فالله هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة، وحين يشاء الله يستبدل أسبابًا بأسباب، وحين يشاء يغلق بابًا ويفتح الأبواب"١.
نوعية نجاسة المشرك:
اختلف العلماء في نجاسة المشرك هل هي حسية أو معنوية؟
فذهب أهل الظاهر إلى نجاسة أبدانهم٢، وروى صاحب الكشاف عن ابن عباس ﵄ أنّ أعيانهم نجسة، كالكلاب والخنازير٣.
وقال الحسن البصري: "من صافح مشركًا فليتوضأ"٤.
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن ٤/١٦٧. ٢ تفسير ابن كثير ٢/٣٧١. ٣ الكشاف ٢/١٨٣. ٤ تفسير ابن جرير ١٠/١٠٦، والقرطبي ٨/١٠٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣/٤١٧.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز١.
واستدلوا بظاهر الآية الكريمة، وما جاء في الحديث الصحيح: "إن المؤمن لا ينجس" ٢.
وقد رجح هذا الرأي الفخر الرازي٣ والألوسي٤.
وذهب الجمهور إلى أنّ ذلك على التشبيه، أي هم بمنزلة النجس أو كالنجس لخبث اعتقادهم، وكفرهم بالله، جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها.
وأجابوا عن الحديث بأنّ المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة.
وعن الآية الكريمة بأنّ المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أنّ الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أنّ عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية
_________________
(١) ١ زاد المسير لابن الجوزي ٣/٤١٧. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٣٩١ كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره. ومسلم ١/٢٨٢ كتاب الحيض، باب الدليل على أنّ المسلم لا ينجس، حديث رقم: ١٥. ٣ التفسير الكبير ٢٦/٢٤. ٤ روح المعاني ١٠/٧٦.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلّ على أنّ الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال١.
والمشركون أنجاس فاسدوا الاعتقاد، يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، ويعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم وهي أقذار حسية، ويستحلون القمار والزنا..
وهم لا يجتنبون النجاسات ولا يتطهرون، فالنجاسة ملازمة لهم حسًا ومعنًا، من أجل ذلك لا يصح أنّ يدخلوا أرض الحرم، فضلًا عن دخول البيت نفسه، وطوافهم فيه عراة، ويشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم إلا مكاء وتصدية.
وهنا أودّ أن أذكر قصة أم حبيبة زوج النبي ﷺ مع أبيها أبي سفيان، "لقد جاء أبو سفيان -قبل أن يسلم- من مكة إلى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش الرسول ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس "٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر ١/٣٩٠. ٢ المغازي للواقدي ٢/٧٩٢-٧٩٣، وسيرة ابن هشام ٢/٣٩٦، وتاريخ الطبري ٣/٤٦، والطبقات لابن سعد ٨/٩٩-١٠٠، وصفة الصفوة لابن الجوزي ١/٣٥٨، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٧٩.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وقد فعلت ذلك ﵂ لقوة إيمانها بالله تعالى، وشدة محبتها لرسوله ﷺ.
لا يجوز لهم عمارة المسجد الحرام:
وكما منع القرآن الكريم المشركين من دخول المسجد الحرام، منعهم من عمارة سائر المساجد، لأنهم يشركون مع الله غيره في عباداتهم.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
والمعنى أنه لا يصح ولا يليق بالمشركين أنْ يعمروا شيئًا من مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده، ومن أعظم المساجد بيت الله الحرام، فلا يجوز لهم الإقامة فيه للعبادة، أو الخدمة والولاية عليه، ولا أنْ يزوروه حجاجًا أو معتمرين، وهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم، وذلك أنه لا يستقيم لهم أنْ يجمعوا بين أمرين متناقضين:
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ١٧-١٨.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
عمارة المسجد الحرام، والإشراك بالله والكفر به وبعبادته.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، أي: أولئك المشركون بالله تعالى، الكافرون بما جاء به رسوله ﷺ، قد بطلت أعمالهم التي كانوا يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، ونحو ذلك مما كانوا يعملونه في الدنيا، بسبب مخالطتها للشرك بالله تعالى، وهم في نار جهنم ماكثون أبدًا لا أحياء ولا أمواتًا، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ بيان من الله تعالى أنّ المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بوحدانية الله تعالى على الوجه الذي بينه في كتابه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده، ويجزي كل نفس ما كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع بين أركانها وشروطها وسننها وآدابها، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وبقية المستحقين لها، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وغيرها.
وقوله: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، قال ابن عباس: "إنّ أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه ﷺ ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
[ ٢ / ٨٠٨ ]
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ١، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن، فهي واجبة"٢.
ويستمر السياق مخاطبًا مشركي قريش، منكرًا عليهم وموبخًا لهم، أنْ تكون سقاية الحجيج، وسدانة بيت الله الحرام، كإيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله.
قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٣.
جاء في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قال: قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، ونفك
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٧٩. ٢ تفسير ابن جرير الطبري ١٠/٩٤، وتفسير ابن كثير ٢/٣٦٥. ٣ سورة التوبة الآيتان: ١٩-٢٠.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
العاني، فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ الآية١.
وأخرج مسلم عن النعمان بن بشير قال: "كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلتُ على رسول الله ﷺ لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ الآية"٢.
والمعنى أجعلتم يا معشر المشركين أو يا من تنازعتم من المؤمنين -أي الأعمال أفضل- سقاية الحجيج وسدانة بيته العتيق، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله؟ وذلك أنّ السقاية والعمارة وإن كانتا من أعمال الخير والبر، فإنّ أصحابهما لا يدانون ولا يساوون أهل الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله في علو المرتبة وشرف المنزلة، فضلًا عن أن
_________________
(١) ١ لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١١٥، وأسباب النزول للواحدي ص: ١٣٩، وتفسير الطبري ١٠/٩٥، وتفسير ابن كثير ٢/٣٦٦. ٢ صحيح مسلم ٣/١٤٩٩ كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث رقم: ١١١.
[ ٢ / ٨١٠ ]
يفضلهما كما يزعم كبراء مشركي قريش.
﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، لأنّ المشركين ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان بوحدانية الله، وظلموا المسجد الحرام، حيث جعلوه متعبدًا لأوثانهم، وأما الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان بالله وحده، وتركوا دورهم وديارهم وجاهدوا في دين الله بأموالهم وأنفسهم، أعظم درجة عند الله وأرفع منزلة عنده من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع الإشراك بالله تعالى.
وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بالإيمان والهجرة والجهاد في سبيله، هم الفائزون بالجنة، الناجون من النار يوم القيامة.
[ ٢ / ٨١١ ]
٣- تحريم نسائهم وذبائحهم:
ولما كان الزواج سكينة ومودة، فإنه لا يمكن أن يكون بين طرفين متناقضين متباعدين، لذلك حرّم الإسلام الزواج من المشركين.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ١.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل: في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سرًا ليخرج رجلًا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: "عناق" فجاءته فقال لها: إنّ الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فأتى النبي فاستأذنه، فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلمًا وهي مشركة٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٢٢١. ٢ رواه الواحدي في أسباب النزول ص: ٣٩، وزاد المسير لابن الجوزي ١/٢٤٥، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٤٢، والجامع لأحكام القرآن ٣/٦٧، وروح المعاني للألوسي ٢/١١٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وروى السدي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره بخبرها، فقال النبي ﷺ: "ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ الآية١.
ومعنى الآية الكريمة أي: ولا تتزوجوا أيها المسلمون بالوثنيات حتى يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ولأمة مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها، وسائر ما
_________________
(١) ١ انظر: أسباب النزول للواحدي ص: ٣٩، وتفسير الطبري ٢/٣٧٨، وتفسير ابن كثير ١/٢٦٧، وروح المعاني للألوسي ٢/١١٨، وزاد المسير لابن الجوزي ١/٢٤٥-٢٤٦، وأسباب النزول للسيوطي ص: ٤٢.
[ ٢ / ٨١٣ ]
يوجب الرغبة فيها من حسب أو نسب أو جاه وغيره، ولا تُزوجوا أيها المسلمون بناتكم من المشركين حتى يؤمنوا بالله وبرسوله محمد ﷺ، ولأن تزوجوا بناتكم من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال؛ لأن المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم يدعونكم إلى ما يوصلكم النار من الكفر والفسوق والعصيان، فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم.
وذلك لأن الله تعالى يريد بكم الخير، ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب، ويبين الله لكم حججه وأدلته لتتذكروا وتميزوا بين الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومن الآية يتبين لنا أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج بمشركة، كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بمشرك؛ للاختلاف الشاسع بين من يعبد الله وحده ويؤمن برسوله، ومن يعبد الأصنام والأوثان.
استثناء الكتابيات:
هذا وقد خص من هذا العموم إباحة نكاح الكتابيات لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا
[ ٢ / ٨١٤ ]
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ ١.
وبما روي أن عثمان ﵁ تزوج نائلة الكلبية، وهي نصرانية على نسائه، وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام، ولم ينقل أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك، فعلم أنهم متفقون على جواز نكاح الكتابيات٢.
أما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه لا يرى ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله، فقد أجاب الجمهور أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عند الإطلاق عبدة الأوثان، ولا يدخل فيه أهل الكتاب بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ٥. ٢ انظر: المغني لابن قدامة ٦/٥٨٩، وأحكام القرآن للجصاص ٣/٣٢٤. ٣ سورة البقرة الآية: ٢٢١. ٤ سورة البينة الآية: ١.
[ ٢ / ٨١٥ ]
خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وفي سائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدل على أن لفظة "المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنْ قيل: فقد وصفهم الله بالشرك في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
قيل: إنّ أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، فإنّ الله إنما بعث الرسل بالتوحيد، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك، ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا
_________________
(١) ١ سورة البينة الآية: ٦. ٢ سورة البقرة الآية: ١٠٥. ٣ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٠. ٤ سورة التوبة الآية: ٣١.
[ ٢ / ٨١٦ ]
يُشْرِكُونَ﴾، فحيث وصفهم بأنهم أشركوا، فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به، وجب تمييزهم عن المشركين"١.
والقول الراجح في هذا: هو ما ذهب إليه الجمهور، من جواز نكاح الكتابيات لوضوح الدليل، ولعل ابن عمر كره الزواج منهن خشية على الزوج أو على الأولاد من الفتنة، فإنّه إذا كان كذلك فإنّ الزواج لا يجوز، أما إذا لم يكن هناك خطر من فتنة على الزوج والأولاد، أو كان هناك طمع في إسلامها، فلا وجه للقول بالمنع والله أعلم.
تحريم ذبائحهم:
وأما ذبائح المشركين، فهي محرمة، لأنهم يذبحونها لغير الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀:" ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ هو: ما ذبح على غير اسم الله تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك، مما كانت
_________________
(١) ١ الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣٢/١٧٩. ٢ سورة البقرة الآية: ١٧٣.
[ ٢ / ٨١٧ ]
الجاهلية ينحرون له"١.
وقال القرطبي ﵀: "ولا خلاف بين العلماء أن ذبيحة المجوسي لناره، والوثني لوثنه لا يؤكل"٢.
وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للُعبها عرسًا فنحرت جزورًا، فقال الحسن: لا يحل أكلها، فإنها إنما نحرت لصنم٣.
كما أورد القرطبي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم، فيهدون منه للمسلمين، فقالت: "ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم"٤.
واستدل ابن كثير ﵀ بتحريم طعام المشركين لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ٥، حيث قال: "فدل بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان الأخرى لا يحل"٦.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٢١١. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٢/٢٢٣. ٣ المرجع السابق ٢/٢٢٤. ٤ المرجع السابق والصفحة. ٥ سورة المائدة الآية: ٥. ٦ تفسير ابن كثير ٢/٢١.
[ ٢ / ٨١٨ ]
ومن الأدلة على تحريم ذبائح المشركين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١.
قال الطبري ﵀: "يعني بقوله جل ثناؤه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾: لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحدون لله بشرائع شرعها له في كتاب منزل، فإنه حرام عليكم، ولا ما أهل به لغير الله، مما يذبحه المشركون لأوثانهم، فإنّ أكل ذلك فسق، يعني معصية.."٢.
ومن هذا نرى أنّ الآية الكريمة قد بينت أنه لا يجوز للمسلمين أن يأكلوا مما أهل لغير الله به، وهو ما ذبحه المشركون لأوثانهم، وإن أكل شيء من ذلك فسق ومعصية لله تعالى، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ..﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٢١. ٢ تفسير الطبري ٨/١٥. ٣ سورة الأنعام الآية: ١٤٥.
[ ٢ / ٨١٩ ]
قال صاحب المغني ﵀: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والحجارة والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم"١.
وذكر ابن القيم ﵀ أن ذلك "اتفاق من الصحابة ﵃"٢.
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٦/٥٩٢. ٢ أحكام أهل الذمة ١/١٠ تحقيق صبح الصالح الطبعة الثانية ١٤٠١؟.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
٤- عدم الاستغفار لهم:
وبيّن القرآن الكريم أنه لا يصح ولا يجوز الاستغفار للمشركين بعد إصرارهم على الشرك وموتهم على ذلك.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم قل لا إله إلاّ الله كلمة أحاج لك بها عند الله ﷿" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٨٢١ ]
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية١.
ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٢.
والمعنى: أنه لا ينبغي ولا يصح من النبي ﷺ ولا من المؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين، ولو كان المشركون أقرباء، لهم حق البر والصلة، من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار لموتهم على الشرك والكفر.
ثم أجاب القرآن الكريم عن سؤال قد يختلج بالخاطر، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم، وقد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، أي: إنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/١٩٣ كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، و٨/٣٤١ كتاب التفسير، باب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . ومسلم ١/٥٤ كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزاع. وأحمد ٥/٤٣٣. ٢ سورة القصص الآية: ٥٦. ٣ سورة الشعراء الآية: ٨٦.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
إلا من أجل وعد تقدم له بقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، وهذا الاستغفار إنما كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾، أي: فلما تبين لإبراهيم أنّ أباه مصر على الكفر مستمر على الضلال، تبرأ منه بالكلية، فضلًا عن الاستغفار له، كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ ١.
ثم بيّن الله تعالى سببًا آخر في حمل إبراهيم ﵇ على الاستغفار لأبيه، وهو فرط ترحمه وصبره على أبيه، حيث وصفه ربه ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، أي: كثير التأوه من فرط الرحمة والمبالغة في خشيته، صبور على الأذى من أبيه الذي توعده بقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية: ٢٢. ٢ سورة مريم الآية: ٤٦.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
٥- البراءة من عهودهم:
ولما كان بين النبي ﷺ وبين المشركين عهود ومواثيق، كما هو الحال في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة –حيث كان من شروط الصلح التي تم الاتفاق عليها بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش:
-أن تضعَ الحربُ أوزارها بين الطرفين لمدة عشر سنوات.
-أن من أحب الدخول في عقد محمد وعهده، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه١.
وبناء على ذلك، دخلت خزاعة في عقد محمد ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ثم لم تلبث خزاعة أن
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٤٤ كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٥٩، و٧/٤٥٣ رقم: ٤١٨٠، ١٤٨١. ومسلم ٣/١٤٠٩ كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٨٣، ١٧٨٤، ١٧٨٥. وسيرة ابن هشام ٢/٣١٧-٣١٨، والمغازي للواقدي ٢/٦١١، وتاريخ الطبري ٢/٦٣٤-٦٣٥، والكامل لابن الأثير ٢/١٣٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/١٦٨-١٦٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/١٥٦. وانظر نص وثيقة الصلح في كتاب (الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) لمحمد حميد الله ص٧٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
دخلت في الإسلام.
إلاّ أنَّ المشركين لم يحترموا تلك العهود، بل نقضوها واعتدوا على خزاعة أحلاف الرسول صلى الله عليه وسلم١.
لهذا جاءت سورة التوبة تعلن إلغاء عهود المشركين، ونبذها إليهم على وضوح وبصيرة، لأنّ الناكثين لا يتورعون عن الخيانة كلما سنحت لهم الفرصة، ولذلك فقد قطع الله ما بين المسلمين والمشركين من صلات، فلا عهد لهم ولا أمان، بعد أن منحهم الله تعالى فرصة كافية هي السياحة في الأرض أربعة أشهر، ينطلقون فيها آمنين، ليتمكنوا من النظر والتدبر في أمرهم، ويختاروا ما يرون فيه المصلحة لهم.
قال تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وفي الصحيحين أن أبا هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، أنْ
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٣٨٩-٣٩٠، والمغازي للواقدي ٢/٧٨١، وتاريخ الطبري ٣/٤٣ وما بعدها. ٢ سورة التوبة الآيتان: ١-٢.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمر أنْ يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأنْ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"١.
وقد أعلن الله تعالى للمشركين في السنة التاسعة للهجرة، وفي يوم الحج الأكبر، قيل: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر، وهو الأرجح لأنه ثبت في الصحيحين أن الله بريء من عهودهم، ورسوله بريء منهم كذلك، إلا الذين سبق لهم عهد ولم ينقضوا ذلك العهد، فإنه يوفى لهم عهدهم.
قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٣١٧ كتاب التفسير، باب فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، باب ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ . وصحيح مسلم ٢/٩٨٢ كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، حديث: ٤٣٥، وتقدم ص: ٧٩٩
[ ٢ / ٨٢٦ ]
الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
أما إذا مضت الأشهر الأربعة التي حُرّم فيها قتالهم، ولم يراجعوا فيها أنفسهم، فيحنئذ لا بد من قتالهم في أي مكان أو زمان من حل أو حرم، وأخذهم بالأسر، ومنعهم من التنقل في بلاد المسلمين، والقعود لهم في كل طريق يسلكونه، إلا إذا تابوا عن الشرك وأدوا ما فرضه الله عليهم من الصلاة والزكاة، فإنه على المسلمين عند ذلك أن يكفوا عنهم، ولا يتعرضوا لهم، فإن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
ومن سماحة الإسلام أنه إذا جاء أحد المشركين بعد انقضاء الأشهر، وليس بينه وبين الرسول ﷺ عهد مسبق، وطلب من الرسول ﷺ أن يسمع ما يدعو إليه من التوحيد والقرآن، فإن له الأمان حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويتطلع حقيقة أمره٣.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان: ٣-٤. ٢ سورة التوبة الآية: ٥. ٣ انظر: الكشاف للزمخشري ٢/١٧٥ بتصرف.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهذا في غاية حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس النيل من الكافرين، بل المقصود إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ويتركوا الكفر والضلال.
ومع ذلك فإن القرآن الكريم يستبعد ثبات المشركين على العهد والتزامهم به.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
والآية الكريمة تحمل استفهامًا إنكاريًا، أي: كيف يكون للمشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله ﷺ، ثم استدركت الآية الكريمة أن الذين كانت لهم معاهدة عند المسجد الحرام، ولم ينقضوها واستقاموا على ذلك، فلهم الوفاء، فإن الله تعالى يحب من اتقاه،
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٦. ٢ سورة التوبة الآية: ٧.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ووفى بعهده، وترك الغدر والخيانة.
ويتكرر الاستبعاد لثباتهم على العهد، لأنهم إن يظفروا بالمسلمين لا يراعوا فيهم عهدًا ولا ذمة، وإنما يرضونهم بالكلام الجميل، إن كان الظفر للمسلمين عليهم، وتمتنع قلوبهم عن الإذعان والوفاء بما يبدونه بألسنتهم.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
ويضيف القرآن الكريم في ذم المشركين وتوبيخهم ما لم يتوبوا، فيصبحوا إخوانًا مسلمين، فيقول تعالى: ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
أما إذا نكث المشركون الذين لهم عهود ومواثيق مع المسلمين، وعابوا الدين، وانتقصوه، فإنّ النتيجة الحتمية هي القتال لصناديدهم ورؤسائهم، لأنهم لا أيمان لهم ولا عهود يوفون بها، لعلهم يكفوا عن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٨. ٢ سورة التوبة الآيات: ٩-١١.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الإجرام، وينتهوا عن الطعن في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ ١.
ويحض القرآن الكريم المؤمنين على قتال المشركين الناكثين لعهودهم وأيمانهم، الذين هموا بحبس الرسول ﷺ أو قتله، أو إخراجه من مكة، بل قرّ قرارهم على أن يقتلوه على أيدي مجموعة من شبابهم، حتى يتفرق دمه بين القبائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
ذكر أهل التفسير وأهل السير عن ابن عباس ﵄: "أن نفرًا من أشراف قريش اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل فادخل، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل –يعني محمدًا ﷺ-.
فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك،
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ١٢. ٢ سورة الأنفال الآية: ٣٠.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه، حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم.
فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم حتى تستريحوا منه، فإنه إذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم، ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق، فانظر رأيًا غير هذا.
فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًا جلدًا، ونعطي كل واحد سيفًا صارمًا يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فيقبلون الدية، ونستريح منه، ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل النبي ﷺ فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ الآية"١.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٤٨٠-٤٨٢، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص: ١٠٩، وتفسير الطبري ٩/٢٢٧، ومجمع الزوائد للهيثمي ٧/٢٧، والدر المنثور للسيوطي ٣/١٧٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
فإذن المشركون قرروا قتل الرسول ﷺ في مكة، وقبل ذلك فعلوا بالمستضعفين من المؤمنين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بالله تعالى، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولا، وبعد ذلك صدوا رسول الله ﷺ والمسلمين عن المسجد الحرام، ثم بدأوا المسلمين بالعداوة، حيث قاتلوا بني خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ، ثم خرجوا لقتال المسلمين في بدر.
وقد أهاب النبي ﷺ لذلك بالمؤمنين، وحثهم على قتال أعدائهم أعداء الإسلام والمسلمين، ليشفي الله قلوب المؤمنين بإعلاء كلمة "لا إله إلا الله" وتعذيب المشركين وخزيهم، ويذهب ما أصاب المؤمنين من غيظ وكرب. ويعذب المشركين ويجزيهم.
قال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وفي أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بنبذ عهود الخائنين
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيات: ١٣-١٥.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
للعهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ ١.
قال القرطبي: "والمعنى: وإما تخافن من قوم -بينك وبينهم عهد- خيانة فانبذ إليهم العهد، أي: قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا بذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد، وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانة وغدرًا"٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية: ٥٨. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٨/٣٢.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
٦- الأمر بقتالهم:
ومن أجل إبلاغ الدعوة، ورفع كلمة "لا إله إلا الله" على سائر المعتقدات، ومن أجل قمع الشرك والمشركين، أعداء الله والإسلام والمسلمين، خاض المسلمون عدة معارك حاسمة مع المشركين، بعد أن أذن الله لهم بالقتال لتأمين الدعوة وإزالة العقبات من طريقها، حتى يدخل من يريد الدخول في الإسلام، وهو مطمئن، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
ثم فرض الله عليهم قتال الكفار الذين يقاتلونهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
وبعد ذلك جاء الأمر الحاسم في قتالهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ ٣.
وعلى إثر هذا الأمر بدأ القتال وخوض المعارك بين المسلمين
_________________
(١) ١ سورة الحج الآية: ٣٩. ٢ سورة البقرة الآية: ١٩٠. ٣ سورة التوبة الآية: ٣٦.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وأعدائهم، ففي قتال المشركين كانت وقعت بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وبدأ فيها أنه لا مهادنة بين قوة الإسلام، وقوة الشرك، كما ظهر فيها أنّ المشركين مصممون على إبادة الجماعة المؤمنة، فقد وقف أبو جهل بعد أن علم أن تجارة قريش نجت، وقال -متحديًا قوة الإيمان، ومستهترًا بتدبير الله وقدرته:
"والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها"١.
فدارت عليهم الدائرة، ونزلت بجيشهم الهزيمة، وحق نصر الله للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/٦١٨-٦١٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٣٠١، وتاريخ الطبري ٢/٤٢٤-٤٣٨، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٣، والمغازي للواقدي ٢/٤٣. ٢ سورة آل عمران الآيات: ١٢٣-١٢٥.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وتلتها معركة أحد في السنة الثالثة، وفيها تلقى المسلمون درسًا لم ينسوه حين ترك الرماة مواقعهم، فباغتهم المشركون، وحاقت بالمسلمين الهزيمة، وقتل منهم من قتل، ومحّص الله الصف الإسلامي بهذه الموقعة، فظهر أهل الإيمان بإيمانهم، وأهل الكفر بكفرهم ونفاقهم.
وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق أو الأحزاب، التي تكالب فيها أعداء الله على المدينة النبوية، عاصمة الإسلام الأولى، يريدون إطفاء نور الله، إذ استطاع اليهود تأليب القبائل العربية على غزو الرسول ﷺ في المدينة.
وقد ابتلي فيها المسلمون ابتلاءً عظيمًا، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
ولكن رد الله تعالى كيد الأعداء في نحورهم، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآيتان: ١٠-١١. ٢ سورة الأحزاب الآية: ٢٥.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وقال الرسول ﷺ بعد رجوع المشركين وانصراف الأحزاب عن المدينة: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" ١.
وقد تحقق قول الرسول ﷺ، فلم تغزهم قريش بعد هذه الغزوة، حتى غزاهم المسلمون وفتحوا مكة.
وفي آخر السنة السادسة من الهجرة، كان صلح الحديبية بين المسلمين وكفار قريش، حيث كان فتحًا للمسلمين، وهزيمة لأعدائهم المشركين، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٢.
قال عمر ﵁: "أو فتح يا رسول الله؟ قال: نعم"٣.
وقد دلت الحوادث على أن صلح الحديبية كان في حقيقته فتحًا على المسلمين، وطريقًا إلى فتح مكة، ونشرًا للدعوة خارج الجزيرة العربية، حيث كتب ﵊ بعد هذا الصلح لملوك ورؤساء العالم، يدعوهم إلى الإسلام.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ٧/٤٠٥ كتاب المغازي، باب غزوة الخنذق. ٢ سورة الفتح الآيات: ١-٣. ٣ صحيح مسلم ٣/١٤١٢ كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
نقل ابن هشام عن الزهري قال: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر"١.
ثم قال ابن هشام: "والدليل على قول الزهري، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين، في عشرة آلاف"٢.
وفي السنة الثامنة كان فتح مكة، وتم تطهير بيت الله الحرام من أرجاس الجاهلية وأوثانها، وصار مثابة للناس وأمنًا.
فبعد أن نقضت قريش العهد الذي وقع في الحديبية، سار الجيش الإسلامي بقيادة المصطفى ﷺ متوجهًا إلى مكة، لتأديب قريش، وكبح جماحها، وردّ ظلمها، وقد هيأ الله أسباب النصر لنبيه، فدخل مكة فاتحًا، وأصدر الرسول ﷺ عفوًا شاملًا حيث جمع قريشًا وقال لهم: "ما ترون أني فاعل بكم؟ " قال: خيرًا، أخ كريم،
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٣٢٢، وتاريخ الطبري ٢/٦٣٨، والمغازي للواقدي ٢/٦٠٩-٦١٠، ٦٢٤. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٣٢٢.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وابن أخ كريم، قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته، لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء" ١.
وطهر رسول الله ﷺ بيت الله الحرام من الأوثان، والأصنام، وأزال منه الصور والتماثيل وأخذ يطعنها وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" ٢.
وأمر بلالًا أن يصعد على الكعبة فيرفع الأذان، ورؤساء قريش يسمعون كلمة التوحيد تعلو، وفجاج مكة ترتج بها، لقد كان لفتح مكة في قلب الجزيرة العربية ومركزها الروحي والسياسي أثر بالغ في تدعيم قواعد العدل، ونشر مبادئ المساواة، ورفع راية الإسلام على جزيرة العرب، وإزالة العوائق من طريق الدعوة، فأقبل الناس على الإسلام –بعد خضوع قريش، إقبالًا لم يعرف قبل ذلك، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجًا٣.
كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤١٢، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٨٣-١٨٤، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٢٣٠، وفتوح البلدان للبلاذري ص: ٥٥. ٢ سورة الإسراء الآية: ٨١. ٣ انظر: زاد المعاد لابن القيم ٢/١٨٤، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٢٣١.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ١.
ولقد كان لهذا الفتح أثر كبير في نفوس القبائل، حيث كان بين بعض القبائل وبين قريش حلف، وكانت ممتنعة عن الدخول في الإسلام لمكانة هذا الحلف، وكانت بعض القبائل ترهب قريشًا، وتجلها، فلما رأتهم استسلموا للإسلام رغبت فيه، وزال الحاجز، كما كانت بعض القبائل تعتبر مكة لا يفتحها ولا يدخلها ملك جبار أو من يريد لها سوءًا، ولا يزال فيها من عاصر حادثة الفيل، وشاهد ما فعل بأبرهة، فيقولون: "اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق"٢.
فلما ظهر ﵊ على قريش، ودخل مكة آمنًا، أقبل الناس على الإسلام، وهم آمنون مقتنعون٣.
_________________
(١) ١ سورة النصر. ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ٨/٢٢ كتاب المغازي، باب وقال الليث حدثني يونس.. وكان النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح. ٣ انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص: ٢٨٩ دار الشروق ط١، ١٣٩٧؟.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
٧- الخلاف في أخذ الجزية منهم:
وقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية من المشركين:
فقال مالك: إنَّ الجزية تقبل من جميع الكفار، إلاّ من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام١.
وقال الشافعي وأحمد في أظهر الروايتين وأبو ثور، أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس٢.
وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف٣.
والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص، أما العموم، فقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ ٤.
وقول الرسول ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى
_________________
(١) ١ بداية المجتهد لابن رشد ١/٣٨٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/١١٠، ونيل الأوطار للشوكاني ٩/٢١٤. ٢ المجموع للنووي ١٨/٢٠٧، والمغني لابن قدامة ١/٥٠٠، وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٥٩، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٢٩٢. ٣ أحكام القرآن للجصاص ٤/٢٨٥، والمغني لابن قدامة ٨/٥٠٠، والإفصاح لابن هبيرة ٢/٢٩٢. ٤ سورة البقرة الآية: ١٩٣.
[ ٢ / ٨٤١ ]
يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ١.
وأما الخصوص فما ثبت في صحيح مسلم من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يقول لأمراء السرايا الذين يبعثهم إلى مشركي العرب: " وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنية والفيء شيء، إلا أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فَسَلْهُمُ الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإنْ هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح ١/٧٥ كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ . ومسلم ١/٥٣ كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم: ٢٢. ٢ صحيح مسلم ٣/١٣٥٧ كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم، حديث رقم: ١٧٣١.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فمن رأى أن العموم إذا تأخر عن الخصوص، فهو ناسخ له، قال لا تقبل الجزية من مشرك، عدا أهل الكتاب، لأنّ الآية الآمرة بقتالهم على العموم هي متأخرة عن ذلك الحديث، وذلك أن الأمر بقتال المشركين عامة هو في سورة (براءة)، وذلك عام الفتح، وذلك الحديث إنما هو قبل الفتح، بدليل دعائهم فيه إلى الهجرة.
ومن رأى أنّ العموم يبنى على الخصوص، تقدم أو تأخر أو جهل التقدم والتأخر بينهما، قال: تقبل الجزية من جميع المشركين.
وأما تخصيص أهل الكتاب من سائر المشركين، فخرج من ذلك العموم باتفاق، لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١.
قال ابن القيم ﵀: "إنما لم يأخذها ﵊ من مشركي العرب، لأنها إنّما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب، ولم يبق فيها مشرك، فإنّها نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجًا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركين لكانوا يلونه، وكانوا أولى
_________________
(١) ١ بداية المجتهد ١/٣٨٩. والآية: ٢٩، من سورة التوبة.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
بالغزو من الأبعدين.
ومن تأمل السير وأيام الإسلام، علم أنّ الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا: وقد أخذها من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو حديث لا يثبت مثله، ولا يصح سنده، ولا فرق بين عباد النار، وعباد الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالًا من عباد النار أعداء إبراهيم الخليل، فإذا أخذت منهم الجزية، فأخذها من عباد الأصنام أولى"١ ا.؟
والذي يبدو لي صحيحًا من هذه الآراء هو رأي القائلين بأن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهو قول المالكية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم رحم الله الجميع٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/٨٩-٩٠. ٢ انظر: الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لعلاء الدين البعلي ص: ٣١٩، وزاد المعاد لابن القيم ٢/٨٩-٩٠، والشرح الممتع على زاد المستنقع للشيخ محمد العثيمين ٨/٦٣.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
الخاتمة
وفي نهاية هذا البحث أقدم للقارئ الكريم لمحة موجزة عن أهم الأفكار والمحتويات التي تضمنتها الرسالة فيما يلي:
١- أثبت القرآن الكريم والسنة النبوية أنّ عقيدة التوحيد قد صاحبت البشرية منذ بدايتها، بدءًا بآدم ﵇ الذي عرّف بنيه بربهم وبالإسلام، وتلقى أبناؤه من بعده هذه العقيدة من جيل إلى جيل، يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا.
ولما طال الزمان، انحرف الناس عن الفطرة بسبب جهلهم وبعدهم عن العلم وإغواء الشياطين لهم، وعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان وقبور الصالحين، وعند ذلك بعث الله إليهم نوحًا ﵇، فجدد الدعوة إلى التوحيد وأعاد إلى العقيدة نقاءها وصفاءها، وحاول -جاهدًا- بكل ما يملك من طاقة أن يخرج الناس مما انتكسوا فيه من ضلال وكفر، وكانت النتيجة أنْ نجى الله نوحًا والذين آمنوا معه، وأغرق من عداهم من عبدة الأصنام والأوثان.٢- ثم استمر موكب الإيمان يتجدد من وقت لآخر، وفي كل أمة يبعث الله الأنبياء والرسل يبينون للناس الحق والهدى، كلما انتكسوا أو انحرفوا، كهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم، كان أول دعوة هؤلاء ﵈،
[ ٢ / ٨٤٧ ]
وأكبر هدفهم هو تصحيح العقيدة في الله تعالى، وتصحيح الصلة بين العبد وربه، والدعوة إلى إخلاص الدين، وإفراد العبادة لله وحده، وأنه النافع الضار المستحق لجميع أنواع العبادة، وكانت حملتهم مركزة وموجهة إلى الوثنية القائمة في عصورهم، الممثلة بصورة واضحة في عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين من الأحياء والأموات، وعبادة الكواكب ونحوها.
٣- وقبيل بعثة محمد ﷺ كان جو العالم كله يموج بالاضطرابات الوحشية، إلى حد كبير، وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير والصلاح.
فقد انتشرت في الجزيرة العربية العقائد الفاسدة، وعلى رأسها عبادة الأصنام والأوثان، وجرفتها تيارات العصبية الممقوتة، وسادت فيها الأوضاع الاجتماعية الجائرة..
وبنو إسرائيل حرفوا وغيروا كتب الله وشرائعه، وكفروا بنعمه، وركنوا إلى المادة، وأصبح بأسهم بينهم شديد، كما عبدت الفرس والهند الأوثان، وعاش الناس جمعًا في ظلام من الشك والجهل..
٤- وفي ظل هذا الجو المظلم، بعث الله خاتم أنبيائه وصفوة خلقه محمدًا ﷺ، فسار على نهج إخوانه من الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله تعالى، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وكان القرآن الكريم والسنة النبوية فيهما العلاج الناجع والبلسم الشافي لأمراض البشرية كلها، بل فيهما كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم ودنياهم.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
٥- ومسلك القرآن الكريم في دعوة المشركين وغيرهم لم يكن جدلًا عقيمًا، أو تفلسفًا مذمومًا، أو قولًا يستعصى على العقول فهمه، ولكنه جاء سهلًا واضحًا يفهمه البدوي في مضارب البادية، كما يفهمه أهل الحضارة والثقافة في أرجاء الأرض، ويتذوقه من عاصر الوحي، وشهد تنزلاته.
٦- والقرآن الكريم يعتبر قضية وجود الله تعالى أمرًا فطريًا في النفوس البشرية السليمة، لا يحتاج إلى جدال أو نقاش، وكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه الحقيقة.
لكن الإنسان في هذه الدنيا تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف، ومن أسباب انحرافه تقليد الأبناء لضلال الآباء، وما قد يلقيه الكتاب المنحرفون في أفكار الناشئة، بما يبدل هذه الفطرة ويكدرها، ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة.
ومن طلب الدلائل التي تحرك الفطرة، وتشير إلى وجود الله ووحدانيته وجدها أكثر من أن تحصى، فهي تنبعث من خلق الإنسان نفسه، ونفسه أقرب شيء إليه، ويجدها في السماء والأرض والشمس وفي القمر وفي تعاقب الليل والنهار، وسير النجوم، وهبوب الرياح، وتسخير السحاب، وهطول الأمطار، وفي عالم الحيوان وعالم النبات.
فمن تأمل ذلك أدرك بعقله وبصيرته أن هذا الخلق، وهذا النظام، وهذا الإبداع لا يمكن أن يحدث من غير محدث، أو يوجد من غير موجد،
[ ٢ / ٨٤٩ ]
لأن تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق، والترتيب المحكم، وصدق من قال:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
٧- ولما كان المشركون لا ينكرون وجود الله تعالى، وإنما اتخذوا معه آلهة يظنون أن لها حظوة ومكانة عند الله تقربهم إليه.
فقد أقام القرآن الكريم عليهم كثيرًا من الحجج والبراهين الملزمة لهم بالاعتراف بالوحدانية لله تعالى، ومن أهم ذلك:
أ- الأدلة القوية على صدق الرسول ﷺ المتمثلة في شهادة ربه ﵎ له، وكفى بها شهادة، وكذلك شهادة أهل الكتاب بصدقه، وشهادة المشركين أنفسهم له بالصدق والأمانة، وكان رأيهم في ذلك يعد إجماعًا منهم على كريم أخلاقه ﷺ.
ولعل من أعظم علامات صدقه ﷺ أن تحداهم بالقرآن الكريم، بل تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله، ولو بأقصر السور، ولم يتقدم واحد منهم إلى الميدان، على الرغم من أنهم أئمة الفصاحة، وفرسان البلاغة في هذا الشأن.
ب- استجواب المشركين عن أمور لا يمكنهم إنكارها، كالرزق والحواس، وأحوال الموت والحياة، وشئون التدبير، والاستقلال بالملك والتصرف في الكون، وما فيه من سائر صنوف المخلوقات، لأنهم عند ذلك لا يجدون محيدًا عن الجواب الصحيح، وهو أن ذلك كله بيد لله،
[ ٢ / ٨٥٠ ]
ومن هنا فإنه يلزمهم الإعتراف بأنّ الذي ابتدأ الخلق والإيجاد والإبداع، هو المستحق للعبادة وحده.
ج- وكذلك ألزمهم بتقرير وحدانية الله تعالى، باعترافهم بأن الخالق لكل ما في الكون من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب وأنهار، وحيوان ونبات: هو الله تعالى وحده، لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره؟
د- وألزمهم أيضًا بأن إقرارهم بتوحيد الله عند الشدائد، وما لا يطاق من اللأواء وشدة الكرب والفزع في البر والبحر - حيث ثبت أنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم، ولا إلى كوكب، ولكنهم يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سرًا وجهرًا- فذلك يوجب عليهم الإقرار بتوحيده في الأمن والرخاء.
؟- ودعاهم القرآن الكريم عن طريق السؤال والجواب في آن واحد، حتى لا يسأموا من الدعوة إلى التوحيد، وفي نفس الوقت، كان هذا إلزامًا لهم بالحجة الواضحة التي لا يمكنهم إنكارها.
ووفي مجال ضرب البراهين العقلية: دعاهم القرآن إلى النظر والتدبر فيما يشاهدونه من خلق السموات والأرض، وما فيهما من إبداع، وليس لآلهتهم في صنعها يد، فلا بد أن تكون العبادة لمن خلق كل ذلك
[ ٢ / ٨٥١ ]
ز- وضرب لهم الأمثال للتذكير والوعظ والاعتبار، وتصوير الشرك في صورة محسوسة، ليكون ذلك أقرب إلى الأنظار، وأثبت في الأذهان، وأدعى إلى الامتثال.
ح- وجادلهم القرآن الكريم سالكًا معهم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين:
١- دليل التمانع، وذلك أنه لو كان مع الله شركاء في كونه، لما قبلوا أن يكونوا في مركز أدنى، ولسعوا ليكونوا شركاء منافسين له في كل شيء، وعند ذلك يفسد الكون بين رغبات الشركاء، ولكن ثبت انتظام الكون وسلامته من الخلل والتصادم والفساد، فعلم أن الله واحد ليس له شريك.
٢- التركيز على إبطال معبودات المشركين، ومناقشتهم فيها مناقشة واضحة صريحة، وفي شأن معبوداتهم التي لا تقدر على خلق ذبابة، ولا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضرًا، ولا تجلب لنفسها نفعًا، فضلًا عن نفع غيرها، أو إلحاق الضرر به.
ط- وطالبهم القرآن الكريم على وجه التعجيز أنْ يأتوا بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم، ولما كان صريح العقل حاكمًا بأنه لا يجوز إسناد جزء من أجزاء هذا العالم إلى معبودات المشركين، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضًا إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها.
وكذلك فإن إثبات ما يعتقدونه عن طريق أي نقل، فإنه أمر محال،
[ ٢ / ٨٥٢ ]
ولأنه قد علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب على المنع من عبادة غير الله تعالى.
ولما بطل الكل، ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل واعتقاد فاسد.
٨- واشتمل مسلك القرآن الكريم على كثير من التوجيهات والتحذيرات التي تدعو المشركين إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى وانضوائهم تحت لواء الإسلام، من أهمها ما يلي:
أ- دعوتهم بالأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
ب- مطالبتهم بأنْ يحاكموا تقاليدهم وعقائدهم الجاهلية الموروثة إلى ميزان العقل، إن كانت لديهم عقول.
ج- استعمال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في دعوتهم، وعدم سب آلهتهم لئلا يسبوا الله تعالى بسبب جهلهم وعدم علمهم.
د- واستعمل معهم أسلوب القصة لتقرير التوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي للشرك بأوضح بيان.
؟- دعوتهم إلى التأمل في مصير المكذبين من الأمم السابقة، لأخذ الدرس والعبرة بسنن الله في الخلق؛ لأنّ السعيد من اتعظ بغيره، وتعلم من أخطاء الآخرين.
ووبين لهم سخف ما هم عليه من عقيدة واهية، وما اتخذوه من
[ ٢ / ٨٥٣ ]
دون الله تعالى من آلهة مزعومة، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا تدفع ضرًا..
إذ كيف ينزل العقل الإنساني إلى هذا الدرك الأسفل، من التخلف العقلي في عبادة تلك المعبودات الواهية، مع اعترافه بأن للوجود ربًا خالقًا رازقًا؟
ولم لا يتوجه إلى هذا الخالق الرازق مباشرة؟
ز- وذكرهم بأنواع من النعم الكثيرة، التي امتن الله بها عليهم وعلى عباده، لعلهم يشكرون الله ويؤمنون به، وحذرهم من النقم، وتهددهم بالجوع والخوف والمنع والحرمان، لعلهم يرعوون عن شركهم وجحودهم.
ح- ولما كان الشرك بالله تعالى أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، وأفظع المحرمات وأشنعها، وأن صاحبه خالد مخلد في النار إذا لم يتب إلى الله قبل الموت؛ فإن الله تعالى أخبر بأنه لا يقبل أي عمل من الأعمال مع الإشراك به، وأن مصير المشرك هو: الخلود الأبدي السرمدي في نار جهنم.
وأكد لهم أنه لن يتسامح مع مرتكبي هذا الجرم الفظيع، وأن الشرك يقطع الصلة بين الله تعالى وبين عباده، فلا يبقى لهم معه أمل في المغفرة والرحمة إذا ماتوا وهم على ذلك.
٩- ودحض القرآن الكريم كل ما يثيره المشركون من شبهات
[ ٢ / ٨٥٤ ]
حول بعض المسائل الغيبية، سواء ما يتعلق بالملائكة أو البعث، أو ما يتعلق بأمر الشفعاء والأولياء، وبين الحق في ذلك، ووضحه تمام الوضوح.
١٠- وكذلك فنّد القرآن جميع الشبهات التي يثيرها المشركون حول الرسالة، سواء ما يتعلق منها بالقرآن أو بصاحب الرسالة عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.
١١- كما أحدث الإسلام تغييرًا جذريًا في ما كان عليه الناس في جاهليتهم من عادات باطلة، حيث اشتمل الإسلام على عبادات وأحكام شرعية وأخلاقية، لها وزنها وقيمتها في تربية الفرد والجماعة والأمة على منهاج الله تعالى الملائم للفطرة البشرية.
١٢- ثم قرر الإسلام موقفه الحاسم من المشركين، والمتمثل في إبعادهم عن المسجد الحرام، ومنعهم من عمارته؛ لأنه لا يستقيم لهم أن يجمعوا بين أمرين متناقضين، هما: عمارة المساجد من جهة، والإشراك بالله من جهة أخرى، كما اعتبرهم نجسًا، وحرم الزواج منهم للاختلاف الشاسع بين من يعبد الله وحده، ويؤمن برسوله ﷺ، ومن يعبد الأصنام والأوثان، وحرّم ذبائحهم؛ لأنهم يذبحونها لغير الله تعالى، وبين أنه لا يجوز الاستغفار لهم بعد إصرارهم على الشرك، وموتهم على ذلك.
كما قرر إلغاء عهودهم ونبذها إليهم؛ لأن المشركين لم يحترموا عهود المسلمين ومواثيقهم، بل نقضوها، وتآمروا على الإسلام ورسول
[ ٢ / ٨٥٥ ]
الإسلام بشتى الوسائل والأساليب:
تارة بالمكر والخديعة.
وتارة بالكذب والافتراء على القرآن ورسول الإسلام.
وأخرى بالتآمر مع اليهود على حرب المسلمين.
وقد استبعد القرآن أنْ يثبت المشركون على العهد؛ لأنهم إن يظفروا بالمسلمن لا يرقبوا فيهم عهدًا ولا ذمة، وإنما يرضونهم بالكلام المنمق، وتمتنع قلوبهم عن الإذعان والوفاء بما يبدونه بألسنتهم.
١٣- ومن أجل رفع كلمة لا إله إلا الله على سائر المعتقدات، ومن أجل قمع الشرك والمشركين أعداء الإسلام والمسلمين.
خاض المسلمون عدة معارك حاسمة مع المشركين بعد أن أذن الله لهم في قتالهم، وبذلك زالت العقبات التي كانت تقف في طريق الدعوة إلى الإسلام، وإلى رفع راية التوحيد.
وأخيرًا: أرجو أن أكون قد وفقت فيما قدمت من جهد في هذا الموضوع المهم.
وأسأل الله ﷿ أن يجعلني من الدعاة إلى الإسلام على بصيرة، وأن يوفقني لخدمة كتابه الكريم، وسنة نبيه المصطفى ﷺ، وأسأله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٢ / ٨٥٦ ]
مصادر ومراجع
فهرس بأهم المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الإتقان في علوم القرآن (جزءان في مجلد واحد) للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١؟) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الرابعة ١٣٩٨؟.
الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة: لشهاب الدين ابن أحمد إدريس المالكي، المعروف بالقرافي، مطبوع بهامش كتاب الفارق بين المخلوق والخالق، لعبد الرحمن بك باجه جي زادة، مطبعة التقدم بمصر سنة ١٣٢٢؟، الطبعة الأولى.
أحكام أهل الذمة (جزءان) للإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (ت٧٥١؟) تحقيق الدكتور صبحي الصالح، الطبعة الثانية ١٤٠١؟، دار العلم للملايين بيروت.
أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام: للدكتور عبد الكريم زيدان، نشر مؤسسة الرسالة بيروت، ومكتبة القدس ببغداد ١٤٠٢؟.
أحكام القرآن (٥أجزاء): للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت٣٧٠؟) الطبعة الثانية، نشر دار
[ ٢ / ٩٤١ ]
المصحف-القاهرة. تحقيق محمد الصادق قمحاوي.
إحياء علوم الدين (٥أجزاء): للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت٥٠٥؟) مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع- القاهرة ١٣٨٧؟.
أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار (جزءان في مجلد واحد): لأبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي (ت٢٢٣؟) تقريبًا، مطابع دار الثقافة- مكة المكرمة، الطبعة الرابعة ١٤٠٣؟، تحقيق رشيد الصالح ملحس.
الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، علاء الدين البعلي الدمشقي (ت٨٠٣؟)، مكتبة الرياض الحديثة.
أديان الهند الكبرى: للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة الطبعة الرابعة ١٩٧٦م.
الأديان دراسة تاريخية مقارنة، القسم الأول الديانات القديمة، تأليف الدكتور: رشدي عليان، وسعدون الساموك، دار الحرية للطباعة –بغداد ١٣٩٦؟ ١٩٧٦م.
الأديان في القرآن: للدكتور محمود بن الشريف، دار عكاظ للطباعة والنشر ١٣٩٩؟، الطبعة الثالثة -جدة.
الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة: للشيخ عبد القادر شيبة الحمد، مطابع شركة المدينة للطباعة والنشر –جدة.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت٤٦٨؟) دار الكتب العليمة –بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٢؟ ١٩٨٢م.
استخراج الجدل من القرآن الكريم: لإمام ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم المعروف بالحنبلي (ت٦٣٤؟) مطابع الفرزدق التجارية، الطبعة الثانية ١٤٠١؟، تحقيق الدكتور زاهر عوض الألمعي.
الاستقامة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨؟)، ط ٢، ١٤٠٩؟، مكتبة السنة، تحقيق محمود رشاد سالم.
الإسلام في عصر العلم: للأستاذ محمد فريد وجدي، دار الكتاب اللبناني –بيروت.
الإصابة في تمييز الصحابة (٨أجزاء) لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢؟) الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨؟ دار صادر –بيروت، تحقيق علي محمد البجاوي.
الأصول الثلاثة وأدلتها، للشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي، مطابع القصيم –الرياض.
أصول الدعوة: لعبد الكريم زيدان، جمعية الأماني ببغداد، الطبعة الثالثة، سنة ١٣٩٦؟.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٩أجزاء) للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت١٣٩٣؟) ﵀، مطبعة المدني سنة ١٣٨٦؟ -القاهرة.
إظهار الحق (جزءان في مجلد واحد)، للشيخ رحمة الله خليل الهندي (ت١٣٨٦؟) دار التراث العربي للطباعة والنشر –بمصر.
الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي (ت٧٩٠؟)، اعتناء رياض عبد الهادي ١٤١٧؟ ١٩٩٧م، ط ١ –بيروت.
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: للإمام محمد بن عمر ابن حسين الرازي (ت٦٠٦؟) دار الكتب العلمية –بيروت ١٤٠٢؟ ١٩٨٢م.
إعجاز القرآن: لأبي بكر محمد الطيب الباقلاني (ت٤٠٣؟) دار المعارف -بمصر، الطبعة الثالثة.
إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: لمصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي –بيروت، الطبعة التاسعة ١٣٩٣؟.
أعلام الموقعين عن رب العالمين (٤ أجزاء): لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (٧٥١؟) دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة – بيروت ١٩٧٣م.
أعلام النبوة: لأبي الحسن على بن محمد الماوردي الشافعي (ت
[ ٢ / ٩٤٤ ]
٤٥٠؟) دار الكتب العلمية –بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١؟.
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (جزءان) لابن القيم الجوزية، دار المعرفة –بيروت، تحقيق محمد حامد الفقي.
الإفصاح عن معاني الصحاح (جزءان) للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد نب هبيرة الحنبلي (ت٥٦٠؟) المؤسسة السعيدية بالرياض.
اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم الخضر بن تيمية النمر الحراني (ت٧٢٨؟) مطبعة الحكومة –بمكة، ١٣٨٩؟.
الأمثال في القرآن: لشمس الدين أبي عبد الله المعروف بابن قيم الجوزية (ت٧٥١؟)، دار المعرفة للطباعة والنشر –بيروت، تحقيق سيد محمد نمر الخطيب.
الله (كتاب في نشأة العقيدة الإلهية) لعباس محمود العقاد، الطبعة السابعة، دار المعارف –بمصر.
الله يتجلى في عصر العلم: تأليف نخبة من العلماء الأمريكيين، ترجمة الدكتور: الدمرداش عبد المجيد سرحان، مؤسسة الحلبي وشركاه –القاهرة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل (جزءان): لناصر الدين أبي
[ ٢ / ٩٤٥ ]
الخير عبد الله بن عمر البيضاوي (ت٧٩١؟) مطبعة البابي الحلبي بمصر، الطبعة الثانية ١٣٨٨؟.
إيثار الحق على الخلق: لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي ابن المرتضى اليماني، دار الكتب العلمية –بيروت ١٣١٨؟.
الإيمان وآثاره والشرك ومظاهره: لزكريا يوسف علي، مكتبة السلام العالمية، القاهرة، الطبعة الثانية.
الإيمان: لعبد المجيد الزنداني، دار القلم دمشق، ومكتبة طيبة بالمدينة المنورة، الطبعة الثانية ١٤٠٣؟-١٩٨٣م.
الإيمان كما يصوره الكتاب والسنة: للدكتور علي عبد المنعم، دار البحوث العلمية –الكويت، الطبعة الأولى ١٣٩٨؟.
(ب)
بداية المجتهد ونهاية المقتصد (جزءان): لمحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي (٥٩٥؟) الطبعة الثالثة سنة ١٣٧٩؟، شركة البابي الحلبي وأولاده –بمصر.
البداية والنهاية (١٤ جزءًا في سبع مجلدات): لأبي الفداء الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي (ت٧٧٤؟) مكتبة المعارف –بيروت.
البرهان في علوم القرآن (٤أجزاء): للإمام بدر الدين محمد ابن عبد الزركشي (ت٧٩٤؟)، الطبعة الثانية ١٣٩١؟، دار
[ ٢ / ٩٤٦ ]
المعرفة –بيروت، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب (٣ أجزاء): للسيد محمود شكري الألوسي البغدادي (١٢٧٠؟) دار الكتب العلمية- بيروت.
بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين: عبد الله جار الله السوادي، ط ١، ١٤١٠؟ -جدة.
البيان والتبيين: لعمرو بن بحر الجاحظ (ت٢٥٥؟) الشركة اللبنانية للكتاب –بيروت.
البيهقي وموقفه من الإلهيات: لأحمد بن عطية الغامدي، ط ٢، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٢؟-١٩٨٢م.
(ت)
تاريخ التشريع الإسلامي: للشيخ محمد الخضري بك، المكتبة التجارية الكبرى -بمصر، الطبعة السابعة ١٩٦٠م.
تاريخ الجاهلية: للدكتور عمر فروخ، دار العلم للملايين- بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٤م.
تاج العروس من جواهر القاموس (١٠أجزاء) لمحب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي (ت١٢٠٥؟)، المطبعة الخيرية ١٣٠٦؟، نشر مكتبة الحياة- بيروت.
تاريخ الدعوة: للدكتور جمعة بن علي الخولي، دار الطباعة
[ ٢ / ٩٤٧ ]
المحمدية –القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٤؟-١٩٨٤م.
تاريخ الرسل والملوك (١١جزءًا): لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠؟) الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
تاريخ الإسلام السياسي (٣ أجزاء): للدكتور حسن إبراهيم حين، الطبعة التاسعة ١٩٧٩م، مكتبة النهضة المصرية –القاهرة.
تاريخ العرب قبل الإسلام (٧ أجزاء): للدكتور جواد علي، مطبعة المجمع العلمي العراقي سنة ١٣٧٥؟.
التبيان في أقسام القرآن: لشمس الدين ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية –بيروت، سنة ١٤٠٢؟-١٩٨٢م.
الترتيب والبيان عن تفصيل آي القرآن (جزءان): ترتيب وتفسير محمد زكي صالح، الطبعة الثانية ١٣٩٩؟-١٩٧٩م، المكتبة العلمية –بغداد.
الترغيب والترهيب من الحديث الشريف (٤ أجزاء): للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت٦٥٦؟)، نشر إحياء التراث العربي –بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٨٨؟ -تعليق مصطفى محمد عمارة.
التشريع والفقه الإسلامي: لمناع القطاع، مكتبة وهبة –
[ ٢ / ٩٤٨ ]
القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٦؟-١٩٧٦م.
تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (٩ أجزاء في خمس مجلدات): لقاضي القضاء أبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت٩٥١؟) دار إحياء التراث العربي –بيروت.
التفسير الحديث (١٢جزءًا) لمحمد عزة دروز، دار إحياء الكتب العربية.
تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل (١٧جزءًا في ٩ مجلدات): لمحمد جمال الدين القاسمي (ت١٣٣٢؟) دار الفكر –بيروت.
تفسير القرآن الجليل المسمى لباب التأويل في معاين التنزيل (٤ أجزاء): للعلامة علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن، دار المعرفة –بيروت.
تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار (١٢ جزءًا): لمحمد رشيد رضا، دار المعرفة –بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٣؟.
تفسير القرآن العظيم (٤ أجزاء): للحافظ عماد الدين أبي الفداء ابن كثير (ت٧٧٤؟)، مطبعة الفجالة الجديدة –القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٨٤؟، نشر مكتبة النهضة الحديثة.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
التفسير القيم لابن قيم الجوزية (مجلد واحد) جمع محمد إدريس الندوي، دار الكتب العلمية –بيروت ١٣٩٨؟.
التفسير الكبير (٣٢ جزءًا في ١٧ مجلدًا): للإمام محمد الرازي فخر الدين بن العلامة ضياء الدين (ت٦٠٦؟)، دار الكتب العلمية –طهران، تصوير عن الطبعة البهية المصرية.
التفسير الكبير المسمى بالبحر المحيط (٨ أجزاء): لأثير الدين أبي عبد الله محمد يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الشهير بأبي حيان (ت٧٥٤؟)، مكتبة ومطابع النصر الحديثة –الرياض.
تفسير الكشاف (٤ أجزاء): لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت٥٣٨؟) دار المعرفة –بيروت.
تفسير المراغي (٣٠ جزءًا في ١٠ مجلدات): لصاحب الفضيلة الأستاذ أحمد مصطفى المراغي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية ١٩٨٥م.
تلبيس إبليس: للحافظ الإمام جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي (ت٥٩٧؟)، دار الكتب العلمية –بيروت.
تهذيب اللغة (١٥ جزءًا): لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت١٣٧٠؟)، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
[ ٢ / ٩٥٠ ]
تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت١٢٣٣؟)، الطبعة الرابعة –المكتب الإسلامي.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٨ أجزاء في ٤ مجلدات) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة مكة للطباعة والإعلام.
(ج)
جامع الأصول في أحاديث الرسول (١١ جزءًا): للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري (ت٦٠٦؟)، نشر مكتبة الحلواني ومطبعة الملاح ومكتبة دار البيان، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.
الجامع لأحكام القرآن (٢٠ جزءًا في ١٠ مجلدات): لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت٦٧١؟) دار إحياء التراث العربي –بيروت.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري (٣٠ جزءًا في ١٢ مجلدًا): لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠؟)، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٨٨؟.
[ ٢ / ٩٥١ ]
الجامع الصحيح للترمذي (٥ أجزاء): للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت٢٧٩؟)، دار إحياء الترث العربي.
جامع العلوم والحكم: لابن رجب (ت٧٩٥؟) ط ٥، ١٤١٤؟، مؤسسة الرسالة –بيروت.
الجاهلية قديمًا وحديثًا: لأحمد أمين عبد الغفار، شركة الشعاع للنشر –الكويت.
الجدل في القرآن: لمحمد التومي، طبع بالشركة التونسية لفنون الرسم ١٤٠٠؟-١٩٨٠م.
جمهرة الامتثال (جزءان في مجلد واحد): لأبي هلال حسن بن عبد الله العسكري النحوي (ت٣٩٥؟) بهامش الأمثال للميداني.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤ أجزاء في مجلدين): لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الخضر بن تيمية النمري الحراني (ت٧٢٨؟)، مطابع المجد التجارية.
جواهر الأدب (جزءان في مجلد واحد): للسيد أحمد الهاشمي، مؤسسة المعارف –بيروت.
(ح)
حتى يغيروا ما بأنفسهم: لجودت سعيد، الطبعة الرابعة،
[ ٢ / ٩٥٢ ]
١٣٩٨؟-١٩٧٨م، الطبعة بدون.
حضارة العرب: لغوستاف لبون، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ترجمة عادل زعيتر.
الحيوان: لعمرو بن بحر الجاحظ (ت٢٥٥؟)، دار صعب –بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٧؟.
(خ)
خاتم النبيين (جزءان): لمحمد أبي زهرة، طبع على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، الدوحة ١٤٠٠؟.
الخصائص الكبرى (٣ أجزاء): للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١؟) دار الكتب الحديثة –بمصر، تحقيق محمد خليل هراس.
(د)
دراسات قرآنية: لمحمد قطب، دار الشروق –بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٢؟-١٩٨٢م.
دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة: لموريس بوكاي، دار المعارف –بمصر.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦ أجزاء): للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١؟) دار المعرفة للطباعة والنشر –بيروت.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
دستور الأخلاق في القرآن: للدكتور محمد عبد الله دراز، مؤسسة الرسالة –بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٢؟.
الدستور القرآني والسنة النبوية في شئون الحياة (جزءان): لمحمد عزة دروزة، المكتب الإسلامي.
الدعوة إلى الإسلام: لتوماس. و. أرنولد، مكتبة النهضة المصرية –القاهرة، ترجمة الدكتور حسن إبراهيم، والدكتور عبد المجيد عابدين، وإسماعيل النحراوي، الطبعة الثالثة، ١٩٧٠م.
الدعوة إلى الإسلام: لأبي بكر ذكرى، مكتبة دار العروبة –القاهرة.
دعوة التوحيد: للدكتور محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية –بيروت، توزيع دار الباز للنشر والتوزيع –مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦؟.
دعوة الرسل إلى الله تعالى: لمحمد أحمد العدوي، نشر دار المعرفة للطباعة والنشر –بيروت ١٣٩٩؟.
الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها: للدكتور أحمد أحمد غلوش، دار الكتاب المصري، ودار الكتاب اللبناني.
الدعوة إلى الله في سورة إبراهيم الخلييل: لمحمد بن سيدي بن الحبيب، دار الوفاء –جدة، الطبعة الأولى ١٤٠٦؟.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
دقائق التفسير (٦ أجزاء في ٣ مجلدات): لشيخ الإسلام ابن تيمية، مؤسسة علوم القرآن –دمشق، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٤؟-١٩٨٤م، جمع وتقديم محمد السيد الجليند.
دلائل النبوة: للحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت ٤٥٨؟) القسم الأول، طبع بمطبعة دار النصر للطباعة –القاهرة، ونشرته مكتبة السلفية بالمدينة المنورة ١٣٨٩؟، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، والقسم الثاني مخطوط بالجامعة الإسلامية تحت رقم (٢٥٩٣) .
دلائل النبوة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، (ت٤٣٠؟) طبع في سنة ١٣٩٧؟، دون ذكر اسم المطبعة أو الناشر.
دور المنهج الرباني في الدعوة الإسلامية: لعدنان علي رضا النحوي، الطبعة الرابعة ١٤٠٥؟-١٩٨٥م.
ديوان الحماسة: لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي، مطبعة السعادة، الطبعة الثالثة ١٣٤٦؟.
الديانات القديمة: لمحمد أبي زهرة، دار الفكر العربي –القاهرة.
الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان: للدكتور محمد عبد الله دراز، دار القلم –الكويت، ١٤٠٠؟-١٩٨٠م.
[ ٢ / ٩٥٥ ]
(ذ)
ذيل الملل والنحل للشهرستاني: تأليف محمد سيد كيلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر –بيروت.
(ر)
الرسائل السلفية في إحياء سنة خير البرية: للشيخ محمد بن علي الشوكاني (ت١٢٥٠؟) طبعة سنة ١٣٤٨؟-١٩٣٠م، نشر دار الكتب العلمية –بيروت.
رسالة التوحيد: للشيخ محمد عبده، دار إحياء العلوم –بيروت، الطبعة الثالث ١٣٩٩؟.
الرسل والرسالات: للدكتور عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح –الكويت، لاطبعة الثالثة ١٤٠٥؟.
روح الدين الإسلامي: لعفيف عبد الفتاح طبارة، دار العلم للملايين –بيروت، الطبعة السابعة ١٩٦٦م.
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (٣٠ جزءًا في ١٥ مجلدًا): لشهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت١٢٧٠؟)، نشر إدارة الطباعة المنيرية، ودار إحياء التراث العربي –بيروت، الطبعة الثانية.
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوي لابن هشام (٤ أجزاء): للإمام المحدث عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد
[ ٢ / ٩٥٦ ]
الخثعمي السهيلي (ت٥٨١؟) نشر دار الكتب الحديثة –القاهرة ١٣٩٨؟-١٩٧٨م.
رياض الصالحين: للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت٦٧٦؟)، دار المأمون للتراث –دمشق.
زاد المسير في علم التفسير (٩ أجزاء): للإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي (ت ٥٩٧؟) المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة ١٤٠٣؟- ١٩٨٣م.
زاد المعاد في هدي خير العباد (٤ أجزاء في مجلدين): للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١؟)، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
(س)
سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: للشيخ حمد بن علي بن عتيق، دار القرآن الكريم –بيروت، الطبعة الخامسة ١٤٠٠؟.
سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.
سنن أبي داود (٥ أجزاء) للإمام الحافظ أبي داود سليمان
[ ٢ / ٩٥٧ ]
ابن الأشعث السجستاني الأزدي (ت٢٧٥؟)، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت، الطبعة الأولى ١٣٨٨؟. إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، وكذلك طيعة إحياء السنة النبوية تعليق محمد محي الدين عبد الحميد في (٤ أجزاء) .
سنن ابن ماجه (جزءان): للحافظ أبي عبد الله بن يزيد القزويني (ت٢٧٥؟)، دار الفكر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
السنن الكبرى (١٠ أجزاء) للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨؟)، دار الفكر.
سنن النسائي (٨ أجزاء في ٤ مجلدات): للحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت٣٠٣؟)، المكتبة العلمية –بيروت.
السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون (٣ أجزاء) لعلي بن برهان الدين الحلبي (ت ١٠٤٤؟) دار المعرفة –بيروت.
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: د. مهدي رزق الله، ط ١، ١٤١٢؟-١٩٩٢م.
السيرة النبوية لأبي الحسن علي الحسين الندوي، دار الشروق، الطبعة الثاني –جدة ١٣٩٩؟.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
السيرة النبوية (٤ أجزاء) لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤؟)، دار المعرفة للطباعة والنشر –بيروت، تحقيق مصطفى عبد الواحد.
السيرة النبوية الصحيحة: د. أكرم العمري، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.
السيرة النبوية لابن هشام (جزءان): لأبي محمد عبد الملك ابن هشام (ت ٢١٨؟) دار الكنوز الأدبية، تحقيق مصطفى السقا، وإبراهيم الأبيار، وعبد الحفيظ شلبي.
(ش)
شرح الصدور بتحريم رفع القبور: للعلامة محمد بن علي الشوكاني، (ت١٢٥٠؟) مطبعة المدني –جدة ١٣٩٥؟ من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
شرح العقيد الطحاوية: للإمام علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (ت٣٢١؟) المكتب الإسلامي- دمشق، بيروت، الطبعة الرابعة سنة ١٣٩١؟، تحقيق جماعة من العلماء، وخرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني.
الشرح الممتع على زاد المستقنع: للشيخ محمد بن صالح العثيمي، ط ١، مؤسسة آسام الرياض، ١٤١٧؟-١٩٩٧م.
شرح النووي لصحيح مسلم (١٨ جزءًا في ٩ مجلدات):
[ ٢ / ٩٥٩ ]
للإمام الحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الشافعي النووي (٦٧٦؟) دار الفكر –بيروت.
الشرح الممتع على زاد المستقنع: لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، دار الوسام –الرياض، ط ١ ١٤١٧؟-١٩٩٧م.
الشرك وأنواعه: لجعفر أفندي وهاب، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية عام ١٤٠٣/١٤٠٤؟.
(ص)
صحيح البخاري بشرح فتح الباري (١٣جزءًا): للإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري (ت٢٥٦؟) طبع المكتبة السلفية.
وكذلك صحيح البخاري (٨ أجزاء في أربع مجلدات): المكتبة الإسلامية إستانبول –تركيا، توزيع مكتبة العلم السعودية –جدة.
صحيح مسلم (٥ أجزاء) للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم ابن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٦١؟) دار إحياء التراث العربي –بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
وكذلك صحيح مسلم بشرح النووي، دار الفكر -بيروت.
صراع بين الحق والباطل: لسعد صادق محمد، منشورات
[ ٢ / ٩٦٠ ]
دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الرابعة ١٣٩٨؟-١٩٧٨م.
صفة الصفوة: لابن الجوزي (ت٥٩٧؟) تحقيق محمد فاخوري، دار المعرفة –بيروت، ط ٣، ١٤٠٥؟-١٩٨٥م.
صفوة التفاسير (٣ أجزاء): لمحمد علي الصابوني، دار القرآن، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١؟.
صيحة الحق: لأبي الوفاء الشيخ محمد درويش، مطابع قطر الوطنية، الطبعة السادسة.
(ط)
الطبقات الكبرى (٩ أجزاء): لابن سعد محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، المكنى بأبي عبد الله (٢٣٠؟)، دار صادر –بيروت.
طريق الدعوة في ظلال القرآن: لأحمد فائز، مؤسسة الرسالة –بيروت ١٤٠١؟.
(ع)
العبادة في الإسلام: للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر –بيروت، الطبعة التاسعة ١٤٠١؟-١٩٨١م.
العبودية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الكتب العلمية –
[ ٢ / ٩٦١ ]
بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠١؟.
العقائد الإسلامية: لسيد سابق، دار التراث العربي، الطبعة الثالثة ١٣٩٦؟.
العقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية: أحمد بن حجر آل أبو طامي، دار الكتب القطرية، ط ١، ١٤١٥؟-١٩٩٤م.
عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي: د. صالح بن عبد الله العبود، طبع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٨؟.
العقيدة في الله: لعمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح –الكويت، الطبعة الخامسة ١٩٨٤م.
عقيدة المسلمين والردّ على الملحدين والمبتدعين: للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، الرياض، ط ٢، ١٤٠٤؟.
عقيدة المؤمن: للشيخ أبي بكر جابر موسى الجزائري، مطبعة النهضة الجديدة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧؟.
العقيدة والعبادة والسلوك في ضوء الكتاب والسنة والسيرة النبوية: لأبي الحسن علي الحسني الندوي، دار العلم –الكويت، الطبعة الثانية ١٤٠٣؟-١٩٨٣م.
العلم يدعو للإيمان: تأليف أ-كريس موريسون، ترجمة محمود صالح الفلكي، مكتبة النهضة المصرية –القاهرة،
[ ٢ / ٩٦٢ ]
الطبعة الخامسة ١٩٦٥م.
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير (جزءان في مجلد واحد): لفتح الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سيد الناس (ت ٧٣٤؟) دار المعرفة –بيروت.
(غ)
غزوة بني قريظة: لمحمد أحمد باشميل، دار الفكر –بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩١؟.
الفارق بين المخلوق والخالق: لعبد الرحمن بك باجة جي زادة، مطبعة التقدم بمصر، سنة ١٣٢٢؟.
فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري (١٣ جزءًا) للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢؟) طبع المكتبة السلفية، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، ومحمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (٥ أجزاء): لمحمد بن علي الشوكاني (ت١٢٥٠؟)، الناشر محفوظ العلمي –بيوت.
فتوح البلدان (٣ أجزاء): لأبي الحسن أحمد بن يحيى بن جابر المعروف بالبلاذري (ت٢٧٩؟)، مكتبة النهضة المصرية، تحقيق صلاح الدين المنجد.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت١٢٨٥؟)، أنصار السنة المحمدية لاهور، بتحقيق محمد حامد الفقي.
فجر الإسلام: لأحمد أمين، دار الكتاب العربي –لبنان، الطبعة العاشرة ١٩٦٩م.
الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥ أجزاء في ٣ مجلدات): لأبي محمد بن علي بن أحمد بن حزم الظاهري (ت٤٥٦؟) دار المعرفة –بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٥؟.
فقه السنة (٣ أجزاء): لسيد سابق، دار الكتاب العربي –بيروت.
فقه السيرة: لمحمد الغزالي، دار الكتب الحديثة بمصر، الطبعة السابعة ١٩٧٦م.
في ظلال القرآن (٨ أجزاء): لسيد قطب، إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة السابعة ١٣٩١؟.
(ق)
قاعدة جليلة في التول والوسيلة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت ١٣٩٠؟-١٩٧٠م.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
القاموس المحيط (٤ أجزاء): لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت٨١٧؟)، مؤسسة الحلبي وشركاه -القاهرة.
قصة الإيمان بين الفسلفة والعلم والإيمان: للشيخ نديم الجسر، طرابلس -لبنان.
فصة الحضارة (٣٦ جزءًا) لول ديورانت، نشر الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، مطابع الدجوى –القاهرة، ترجمة محمد بدران.
قصص الأنبياء (جزءان في مجلد واحد): للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت٧٧٤؟) دار الكتب الإسلامية –القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠١؟، تحقيق عبد القادر أحمد عطا.
قصص الأنبياء: لعبد الوهاب النجار، مؤسسة الحلبي وشركاه –القاهرة ١٣٨٦؟.
(ك)
الكامل في التاريخ (٩ أجزاء): للعلامة عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الشيباني (ت٦٣٠؟)، دار الكتاب العربي –بيروت.
كتاب الكبائر وتبيين المحارم: للحافظ أبي عبد الله محمد بن
[ ٢ / ٩٦٥ ]
أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (ت٧٤٨؟)، مؤسسة علوم القرآن –دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤؟، تحقيق محي الدين مستو.
كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (٤ أجزاء في مجلدين): للإمام الحافظ أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي (ت٧٤١؟)، دار الكتب الحديثة –القاهرة، تحقيق محمد عبد المنعم اليونسي، وإبراهيم عطوة عوض.
كتاب الأصنام: لأبي المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي، الدار القومية للطباعة والنشر –القاهرة، تحقيق أحمد زكي.
الكتاب المقدس: (العهد القديم والعهد الجديد)، طبع بنفقة جمعية التوراة الأمريكانية.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (٤ أجزاء): لأبي القاسم جار الله بن محمود بن عمر الزمخشري (ت٥٣٨؟) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٣٩٢؟.
الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد (مجلدان): لخالد محمد علي الحاج، إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر، الطبعة الأولى ١٤٠٣؟-١٩٨٣م، تحقيق عبد الله إبراهيم الأنصاري.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
الكليات (٥ أجزاء) لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكوفي (ت١٠٩٤؟) منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي –دمشق ١٩٧٥م.
الكواشف الجلية عن معاني الواسطية: للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان، مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، الطبعة الرابعة.
(ل)
لباب النقول في أسباب النزول: لجلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي (ت٩١١؟)، دار إحياء العلوم –بيوت، الطبعة الثانية ١٩٧٩م.
لسان العرب (١٥ جزءًا): لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور (ت ٧١١؟)، دار صادر –بيروت.
(م)
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: لأبي الحسن علي الحسيني الندوي، دار الكتاب العربي –بيروت، الطبعة السادسة ١٣٨٥؟.
مباحث في علوم القرآن: لمناع القطان، مؤسسة الرسالة –بيروت، الطبعة الخامسة ١٣٩٨؟.
المجتمع الإسلامي: للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة ١٩٧٤م.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
مجمع الأمثال: لأبي الفضل أحمد بن محمد النيسابوري المعروف بالميداني (ت٥١٨؟) الطبعة الخيرية ١٣١٠؟.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠ أجزاء): للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت٨٠٧؟)، مكتبة القدس –القاهرة سنة ١٣٥٣؟.
مجموعة التوحيد: لشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت١٢٠٦؟) المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
مجموعة الرسائل الكبرى (مجلدان) لشيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي (ت٧٢٨؟)، دار إحياء التراث العربي –بيروت.
مجموعة الرسائل المنيرية، ط ١، سنة ١٣٤٣؟، نشر دار إحياء التراث العربي –بيروت.
المجموع شرح المهذب (٢٠ جزءًا): للإمام أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي (ت٦٧٦؟)، المكتبة العالمية بالفجالة –القاهرة، تحقيق وتكملة محمد بخيت المطيعي.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٧ جزءًا) جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، الطبعة السعودية تصوير عن الطبعة الأولى ١٣٩٨؟.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز ط ١٤١١؟، طبع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض.
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة: للدكتور محمد حميد الله، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٨٩؟.
محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية: للشيخ محمد الخضري بك، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
محاضرات في النصرانية: لمحمد أبي زهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة ١٣٨١؟.
مختار الصحاح: للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مؤسسة علوم القرآن –بيروت، ومكتبة النووي –دمشق، طبع سنة ١٣٩٨؟.
مدارج السالكين (٣ أجزاء) للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزي (ت٧٥١؟) دار الكتب العلمية –بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣؟-١٩٨٣م.
مدخل إلى القرآن الكريم: للدكتور محمد عبد الله دراز، دار القلم –الكويت، ١٤٠٠؟، ترجمة محمد عبد العظيم علي.
المدخل لدراسة القرآن: لمحمد محمد أبي شهبة، دار الكتب-
[ ٢ / ٩٦٩ ]
القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٧٢م.
مذكرة التوحيد: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي –بيروت، ١٤٠٣؟-١٩٨٣م.
مروج الذهب ومعادن الجوهر (٤ أجزاء) لأبي الحسن علي ابن الحسين بن علي المسعودي (ت ٣٤٦؟) المكتبة التجارية الكبرى بمصر، الطبعة الرابعة ١٣٨٤؟.
مسائل الجاهلية: للشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبع في مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
المستدرك على الصحيحين في الحديث (٤ أجزاء): للحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدوية (ت٤٠٥؟)، دار الفكر –بيروت ١٣٩٨؟.
مسند الطيالسي: تأليف سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الشهير بابن داود الطيالسي (ت٢٠٤؟)، دار المعرفة –بيروت.
المسند (٦ أجزاء) للإمام أحمد بن حنبل: الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت٢٤١؟)، دار صادر –بيروت.
المسيحية: للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية –
[ ٢ / ٩٧٠ ]
القاهرة، الطبعة السادسة ١٩٧٨م.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي (ت٧٧٠؟)، مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، تصحيح مصطفى السقا.
مصرع التصوف: لبرهان الدين البقاعي، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٠؟-١٩٨٠م، تحقيق عبد الرحمن الوكيل.
مصرع الشرك والخرافة: للشيخ خالد محمد علي الحاج، إدارة الشئون الدينية بدولة قطر ١٣٩٨؟-١٩٧٨م، تحقيق عبد الله بن إبراهيم الأنصاري.
مطلع النور: لعباس محمود العقاد، منشورات المكتبة العصرية- بيروت، صيدا.
معارج القبول (جزءان): للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، المطبعة السلفية ومكتبتها، شارع الفتح بالرضة.
معالم تاريخ الإنسانية:؟. ج. ولز، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر –القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٥٦م، مراجعة الأستاذ محمد مأمون نجا، والدكتور عبد الحميد يونس.
معركة النبوة مع المشكرين أو قصة الرسالة كما تعرضها سورة الأنعام: للدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، مكتبة الأقصى –عمان الأردن.
[ ٢ / ٩٧١ ]
مع الأنبياء في القرآن الكرين: لعفيف عبد الفتاح طبارة، دار العلم للملايين –بيروت، الطبعة الثانية عشرة ١٩٨م.
معجم البلدان (٥ أجزاء): للشيخ شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت٦٢٦؟)، دار إحياء التراث العربي –بيروت، ١٣٩٩؟-١٩٧٩م.
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي (٧ أجزاء): تأليف لفيف من المستشرقين، نشره د/ أ. ي. ونسنك، أستاذ العربية بجامعة ليدن، سنة ١٩٣٦م.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار الكتب العلمية المصرية- القاهرة.
معجم مقاييس اللغة (٦ أجزاء): لأبي الحسن أحمد بن فارس ابن زكريا (ت٣٩٥؟) على القول الراجح، دار الكتب العلمية –إيران، تحقيق عبد السلام محمد هارون.
المغازي (٣ أجزاء): لأبي عبد الله محمد بن عمر بن واقد (ت٢٠٧؟)، عالم الكتب –بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٤؟-١٩٨٤م، تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
المغني (٩ أجزاء): لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة (ت٦٢٠؟)، مكتبة الجمهورية بمصر.
مفتاح دار السعادة (جزءان في مجلد واحد): لأبي عبد الله
[ ٢ / ٩٧٢ ]
شمس الدين المعروف بابن قيم الجوزية (ت٧٥١؟)، دار الكتب العلمية –بيروت.
المفردات في غريب القرآن: لأبي القاسم الحسين بن محمد بن الفضل الراغب الأصفهاني (ت٥٠٢؟)، دار المعرفة –بيروت، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني.
المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام: للدكتور جواد علي، دار العلم للملايين –بيروت، ومكتبة النهضة ببغداد، نشر بمساعدة جامعة بغداد، الطبعة الأولى ١٩٧٠م.
الملل والنحل (جزءان): لأبي الفتح محمد عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت٥٤٨؟) دار المعرفة –بيروت ١٤٠٠؟، تحقيق محمد سيد كيلاني.
مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول: لأحمد إبراهيم الشريف، دار الفكر العربي –القاهرة، الطبعة الثانية.
مناهج الجدل في القرآن الكريم: للدكتور زاهر عواض الألمعي، مطابع الفرزدق التجارية، الطبعة الثانية، ١٤٠٠؟.
منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل: د. ربيع ابن هادي المدخلي، الدار السلفية، ط ١، ١٤٠٦؟، الكويت.
المنعج العلمي للإعتقاد: لشاكر عبد الجبار، نشر مكتبة
[ ٢ / ٩٧٣ ]
القدس –بغداد، الطبعة الأولى ١٩٨٤م.
مناهل العرفان في علوم القرآن (جزءان): لمحمد عبد العظيم الزرقاني، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر.
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية (٤ أجزاء): لشيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي (ت٧٢٨؟)، مكتبة دار العروبة، مطبعة المدني القاهرة، تحقيق محمد رشاد سالم.
منهاج المسلم: لأبي بكر جابر الجزائري، دار الفكر، ط ٨، ١٣٩٦؟-١٩٧٦م.
منهج القرآن الكريم في تربية المجتمع: للدكتور عبد الفتاح عاشور، مكتبة الخانجي بمصر، مطبعة دار الجيل للطباعة والنشر، الفجالة ١٣٩٩؟.
منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان: للدكتور علي بن محمد ابن ناصر الفقيهي، الطبعة الأولى ١٤٠٥؟-١٩٨٤م.
الموافقات في أصول الشريعة (٤ أجزاء): لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المعرفو بالشاطبي (ت٧٩٠؟)، دار المعرفة –بيروت.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
موجز تاريخ العالم: تأليف؟. ج. ولز، مكتبة النهضة المصرية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، ومراجعة محمد مأمون نجا.
موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية (٧ أجزاء): للكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية –القاهرة، الطبعة الثامنة ١٩٧٨م.
الموطأ (جزءان) للإمام أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، (ت١٧٩؟)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، تصحيح وترقيم وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي.
(ن)
النبأ العظيم: لمحمد عبد الله دراز، دار القلم –الكويت، الطبعة الثانية ١٣٩٠؟.
النهج السديد في تخريخ أحاديث تيسير العزيز الحميد: تصنيف أبي سليمان جاسم الفهيد الدوسري، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي –الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٤؟-١٩٨٤م.
النهاية في غريب الحديث والأثر (٥ أجزاء): للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن
[ ٢ / ٩٧٥ ]
الأثير (ت٦٠٦؟) المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ، تحقيق طاهر احمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار (٩ أجزاء في ٤ مجلدات): لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت١٢٥٠؟)، دار الجيل –بيروت، ١٩٧٣م.
(و)
الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم: للدكتور محمد محمود حجازي، مطبعة المدني بالقاهرة ١٣٩٠؟-١٩٧٠م.
وفاء الوفاء (٤ أجزاء في مجلدين) لنور الدين علي بن أحمد المصري السمهودي (ت٩١١؟)، دار إحياءؤ التراث العربي –بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٤؟، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
(ي)
اليهودية: للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية –القاهرة، الطبعة الخامسة ١٩٧٨م.
[ ٢ / ٩٧٦ ]