[ ١٨ ]
تمهيد
يعرض الفصل الأول من ذلك البحث مقدمة عن أوضاع الهند في فترة الشيخ والقس، كذلك نبذة وتعريف بكل منهما، وأعمالهما، والبيئة المحيطة، وظروف المناظرة بينهما، كما يعقد مقارنة بين كل من سبق ولحق بالشيخ والقس؛ حيث يضع البحث بين يدي القارئ تصورا دقيقا عن مدى قوة وتأثر منهج الشيخ مقارنة بمن سبقه وبمن لحقه، وهل أثر في من أتى بعده أم لا؟ وهل تأثر بمن سبقه أم لا؟، كذلك الحال بالنسبة للقس، محاولا التعرف فيه - كذلك - على تاريخ التنصير، وتاريخ المناظرة، في شبه القارة الهندية على وجه الخصوص، وفي التاريخ على وجه العموم.
فيتعرض المدخل لمساحة الهند الممتدة الشاسعة، ووفرة مواردها النسبية، وعدد سكانها الكبير، كذلك انتشار الإسلام فيها الذي أغرى الاستعمار للسيطرة عليها، كما تعتبر تلك الفترة من أهم فترات المواجهة بين الإسلام والمسيحية، وكما ساعد انتشار التصوف المغالي، وساعدت الآراء الفلسفية، على بناء حواجز حقيقية لفهم الإسلام، ودوره الحقيقي. امتد الدور التنصيري - في بلاد العالم الإسلامي - مناصرا وداعما للاستعمار والحروب الصليبية.
يتعرض المبحثين الأول والثاني لحياة الشيخ رحمت الله الهندي الحافلة بالعطاء والتعلم والتعليم والتي شملت الرد على الاستعمار الصليبي والتنصير كليهما باليد واللسان والقلم، ثم التعرض لحياة القس فندر وأهم أعماله، وفي الختام سيتم عرض حياة القس فندر كاملا في ترجمة له عن الدكتور كلينتون الأستاذ بالجامعات الإنجليزية، والذي يحكي فيها عن نشأته ومنهجه وأعماله وتقييمه لدوره. ويتبين من خلال تلك المباحث خطورة كتاب " ميزان الحق " شرقا وغربا وجهود فندر في ترجمة كتابه ذلك ومناظرة المسلمين فيه.
يركز الفصل التالي على خطورة التنصير، ودوره في تحويل بعض المسلمين، وزعزعة الكثيرين من الإسلام إلى النصرانية؛ حيث يعد التنصير أحد الأجنحة التي تتلاقى مع الاستعمار في أهدافه وغاياته وقد تعاون في خدمة الحروب الصليبية والاستعمار الأوروبي للوطن الإسلامي تعاونا كبيرا، كما يعد التنصير الوجه الآخر للاستعمار والبديل الآخر له.
من الواضح أن التنصير لا يفرق بين دين وآخر فكل شيء ينظر إليه من جانب التنصير بعين الاستئصال فإما معه أو ضده. سنفصل الحديث عن التنصير والمؤسسات التنصيرية في المباحث التالية -إن شاء الله تعالى- تحت مبحث المقارنة بين فندر وسابقيه ولاحقيه.
يلي ذلك التعرف على تدرج المناظرة بدءا من بداية عصر الرسول ﷺ وحتى الآن مرورا بابن تيمية الذي يعد من أوائل من أصل قواعد لمناظرة أهل الكتاب وغيرهم معتمدا في ذلك على العقل والنقل معا. إن المناظرة مع النصارى كانت ولا تزال من أبرز المناظرات التي تحدث في مجال الدعوة.
[ ١٩ ]
تطورت المناظرة في العصر الحديث وبدأت تتشكل قضايا الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب بشكل أكثر وضوحا، وزيدت فيها موضوعات جديدة: كقضية المرأة، والصلب، والنجاة، والمغفرة.
وقد أرسى القرآن الكريم طرقا لمجادلة أهل الكتاب منها: السبر، والإسجال، وغيرهما.
ونتبين من هذا المبحث غلبة جانب نقد النصرانية من خلال كثرة عدد القضايا التي تعالج قضايا في الديانة النصرانية في مقابل عدد القضايا التي تعالج قضايا في الإسلام، وتفوق الطرف الإسلامي في طرق الاستدلال، وغلبة إنشاء القضايا لدى الطرف النصراني - من قِبله - مقابل إنشاء القضايا لدى الطرف الإسلامي - من قِبله - وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وأن هناك آداب حال التناظر يجب مراعاتها، وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وهناك طرق متعددة وأساليب مختلفة تستمد من القرآن الكريم في باب الجدل.
كما يتم التعرف - كما ذكرت - على كل من سبق رحمت الله: كابن تيمية، أو من لحقه: كأحمد ديدات، كذلك من سبق فندر من: منظمات تنصيرية أو مبشرين، أو من لحقه منهم، ثم أختم بأقوال وآراء العلماء حولهما، أو بسرد طائفة من العلماء في تلك الفترة.
[ ٢٠ ]
مدخل
تقع دولة الهند جنوبي آسيا، وهي ثانية أكبر دولة سكانا في العالم. تتباين الهند من حيث الأرض والسكان إلى عدة مجموعات عرقية ودينية، ويتحدثون لغات ولهجات مختلفة. ويتفاوت السكان تفاوتا كبيرا من حيث مستوى المعيشة والثراء والفقر والتعليم. بقيت الهند مستعمرة بريطانية منذ القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن نالت استقلالها عام ١٩٤٧ م. يتحدث سكان الهند ١٤ لغة رئيسية وأكثر من ألف لغة ولهجة محلية وتعتبر اللغة الهندية لغة البلاد الرسمية بجانب اللغة السنسكريتية و١٣ لغة إقليمية أخرى، كما تعد اللغة الإنجليزية لغة رسمية على مستوى أنحاء الهند المختلفة (١).
وهي بلاد شاسعة يحدها من الشمال سلسلة جبال الهملايا ومن الغرب جبال هندكوش وسليمان حيث تقع أفغانستان وإيران ثم تمتد الهند إلى الجنوب في شبه جزيرة يقع بحر العرب في غربها، وخليج البنغال في شرقها، وسيلان في طرفها الجنوبي، ويتجه الإقليم الشمالي منها إلى الشرق حتى جبال آسام (٢).
تعتبر الهند من الأمم ذات الحضارة القديمة بحيث تزامل في حضارتها حضارات مصر وبابل وآشور واليونان وقد كانت مساحة الهند الواسعة وتعرضها للغزاة - الذين وفدوا عليها من الغرب - سببا في اختلاف الناس، كذلك في الأجناس التي ينتسبون إليها وتعد الهندوسية أقدم الأديان في الهند تليها البوذية التي انتشرت قبل الميلاد بنحو خمسمائة سنة ثم الإسلام ثم السيكية ثم المسيحية التي بدأت تنتشر في الهند مع بعثات الغرب التجارية وبعد دخول الإنجليز واهتمامهم بنشرها وهي في الجنوب أكثر من الشمال (٣).
بدأ الإسلام ينتشر في الهند منذ أن فتح محمد القاسم الثقفي (٤) السند، وعندما أعلن الخليفة عمر بن عبد العزيزأن كل من يعتنق الإسلام له الحقوق نفسها التي للعرب اعتنقت بعض القبائل الهندية الإسلام، ولكن معظمها عاد لمعتقداته القديمة بعد سقوط الدولة
_________________
(١) الموسوعة العربية العالمية، مجموعة من العلماء والباحثين [د. إبراهيم القرشي عثمان، د. صالح معيض الغامدي، د. عبد الرحمن الشمراني، د. خليل أحمد خليفة]، (الرياض: مؤسسة أعمال للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٩٩٩) مج ٢٦، ص ١٢٧ (بتصرف).
(٢) عبد المنعم النمر، تاريخ الإسلام في الهند، (بيروت: المؤسس الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ١، ١٩٨١ م)، ص ١٨.
(٣) المرجع السابق، ص ٣١، ص ٤١، ص ٤٥ (بتصرف يسير).
(٤) (نحو ٦٢ - ٩٨ هـ/٦٨١ - ٧١٧ م) محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فاتح السند وواليها، من كبار القادة، ومن رجال الدهر في العصر المرواني، كان أبوه والي البصرة للحجاج، وقد ولى الحجاج محمدًا ثغر السند في أيام الوليد بن عبد الملك، وكان يومئذ يقيم ببلاد فارس، وأمره أن يسير إلى الري وعلى مقدمته أبو الأسود جهم بن زحر الجعفي، وجهَّز الحجاج معه ستة آلاف مقاتل من جند الشام، وجموعًا أخرى كثيرة غيرهم، وجهزه بكل مايحتاج إليه حتى الخيوط والمسال، وأمره أن يقيم بشيراز حتى يتوافى إليه أصحابه، ويوافيه بما أعده له، وعمد الحجاج إلى القطن المحلوج، فنُقع في الخل البكر ثم جُفف في الظل، وأمرهم بنقعه في الماء واستخدامه في الطبخ والاصطباغ. المرجع السابق مج ١٨ ص ١٠٦.
[ ٢١ ]
الأموية. سجل بروز غزنة (١) في عهد السلطان محمود الغزنوي (٣٨٨ - ٤٢١ هـ/٩٩٨ - ١٠٣٠ م) بدء عهد جديد في تاريخ الإسلام في الهند، ولكن النمو الحقيقي للمجتمع الإسلامي في الهند حدث عندما سيطر الغوريون على شمالي الهند، وفي عهد سلاطين دهلي، وعندما بدأ محمد بن تغلق (٧٢٥ - ٧٥٢ هـ) بمحاولات للسيطرة على الدكنكان تمهيدا لنشر الإسلام فيها فأخذ يشجع العلماء والأولياء على الانتشار في مناطق مختلفة في الجنوب فاعتنقت الإسلام قبائل كثيرة نتيجة لتأثرهم بالمتصوفة المسلمين، كما أن تعاليم الإسلام التي تنادي بالمساواة، اجتذبت أعدادًا كبيرة من الطبقة الدنيا الهندوسية المنبوذة وقد تأثر الفكر الديني الإسلامي في الهند بالمؤلفات الدينية التي دخلتها من الخارج، سواء في التفسير أم الحديث أم الفقه أم التصوف، وعندما دخلت مؤلفات ابن عربي «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية» إلى الهند غدت أفكار ابن عربي وآراؤه شائعة في الأوساط الدينية الإسلامية، وزاد من تأثير فكر ابن عربي بروز الشعر الصوفي في غزنة، وتأليف «المثنوي» لجلال الدين الرومي. فلما دخلت تعاليم ابن تيمية (٢)
إلى الهند عن طريق أحد تلامذته وهو عبد العزيز الأردبيلي بدأ العلماء
_________________
(١) الدولة الغزنوية (٣٥١ - ٥٨٢ هـ، ٩٦٢ - ١١٨٦ م). يرجع ظهور الدولة الغزنوية التي سميت بعاصمتها غزنة (مدينة مشهورة في طرف خراسان في حدود الهند) إلى سبكتكين أحد المجاهدين المسلمين، فقد ولاه السامانيون منطقة غزنة، ثم مد سلطانه في الشرق حيث ولاه السامانيون إقليم خراسان عام ٣٨٤ هـ، ٩٩٤ م مكافأة له على قمع الثوار في بلاد ما وراء النهر. الموسوعة العربية العالمية السعودية، مرجع سابق ..
(٢) «هو تقي الدين (٦٦١ - ٧٢٨ هـ/١٢٦٣ - ١٣٢٨ م) أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن عبد الله، ابن تيمية، النميري، الحراني الدمشقي، الحنبلي، تقي الدين الإمام، شيخ الإسلام. اشتهر بابن تيمية لأن جده الأعلى محمد بن الخضر حج، وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء رأى جارية جميلة، ولما رجع إلى حران وجد امرأته وضعت بنتًا، فلما رفعوها إليه قال يا تيمية، يا تيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء. فسمي بها، أو أن جده محمدًا كانت أمه تسمى «تيمية» وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها. ونسبته إلى بني نمير تدل على أنه عربي الأصل، والدمشقي لأنه استوطن بدمشق ومات بها، والحنبلي نسبة إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي تفقه عليه، وناصره في الغالب .. وأطلق عليه لقب «شيخ الإسلام» لغزارة علمه، وسعة معارفه، وقيامه بالدعوة، ووقوفه في وجه الأعداء، ولمواقفه المشهورة مع الكفار المعتدين من التتار وغيرهم. والحراني نسبة إلى «حران» وهي البلدة التي ولد بها، بتشديد الراء، مركز ديار مضر (شمال شرقي سورية) بينها وبين الرها يوم، وبين الرقة يومان، قيل هي أول مدينة بنيت بعد الطوفان، كانت منزل الصابئة، وهي مهاجر إبراهيم الخليل ﵇، وهي اليوم في تركية قرب أورفة، وعمرت بعد أن أصابها الخراب على يد التتار ولد ابن تيمية بحران وهو سليل أسرة علمية عريقة: معروفة ومشهورة، فوالده شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله (ت ٦٢٧ - ٦٨٢ هـ) كان عالمًا فاضلًا، من كبار فقهاء الحنابلة تفقه بأبيه، وأحكم فروع المذهب، ودرس وأفتى وصنف، وكان إمامًا محققًا في عدة علوم، وتولى مشيخة دار الحديث السكرية بدمشق، وكان له كرسي بالجامع الأموي الكبير يعلم فيه أيام الجمع من حفظه، وتوفي بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية. وجده الشيخ مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر (٥٩٠ - ٦٥٢ هـ) حفظ القرآن وسمع الحديث، ورحل في طلب العلم إلى بغداد وأقام فيها بضع سنوات، ثم رجع إلى بلده حران، ثم عاد إلى بغداد، فازدادت شهرته، وصار فردًا في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله، إمامًا من أئمة الحنابلة، وله معرفة كبيرة بالقراءات والتفسير، وصنف عدة مصنفات، منها «التفسير»، و«منتقى الأخبار في أحاديث الأحكام»، و«المحرر في الفقه الحنبلي»، وتوفي ببغداد. وأمه ست النعم بنت عبد الرحمن الحرانية، كانت فاضلة ورعة تقية زاهدة، وكان لها تأثير كبير في تربية ابنها وتعليمه وتشجيعه على الجهاد لإحياء الشريعة حفظ ابن تيميه القرآن الكريم في صغره، بدمشق، وبدأ جمع العلوم الشرعية فحفظ الحديث حتى صار حافظًا ومحدثًا، وأول كتاب حفظه «الجمع بين الصحيحين» للإمام الحميدي، وسمع عدة مرات مسند أحمد، وصحيح البخاري، ومسلم، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني، وذلك على عدة شيوخ، وسمع منه هذه الكتب تلاميذه، وكان يستوعب السنن والآثار. درس الفقه، فتفقه على والده، وعلى كبار فقهاء عصره في دمشق، وكان دون العشرين عندما تأهل للفتوى، فأفتى وله تسع عشرة سنة، واستوعب مذاهب الصحابة والتابعين وآراء المذاهب الأربعة مع الأدلة، كما درس علم أصول الفقه، ووصل إلى درجة الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه، فاجتهد واعتمد كثيرًا على الاستدلال بالقرآن والسنة حتى قال ابن كثير: «إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره»، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا بالأصول والفروع. =
[ ٢٢ ]
المتمسكون بأصول الدين والسلاطين التغلقيون يحاربون الميول الداعية إلى وحدة الوجود، وظهرت مؤلفات فقهية عديدة في القرن الرابع عشر الميلادي تهدف كلها إلى الوقوف في وجه الأفكار الداعية إلى وحدة الوجود وقد أثارت رغبة أكبر شاه في وضع ديانة جديدة تجمع بين كل المعتقدات الدينية في الهند مخاوف المسلمين الأصوليين وكان الشيخ أحمد سرهندي وهو من أتباع الطريقة النقشبندية من المنتقدين؛ حيث انتقد محاولة " أكبر شاه " في مزج المعتقدات الإسلامية وغير الإسلامية كالهندوسية والبوذية وغيرها في عقيدة واحدة، واستطاع الشيخ أحمد سرهندي أن يجتذب أعدادًا كبيرة من نبلاء المغول إلى جانبه وتمكن عن طريقهم أن يحدث تغييرًا في جو البلاط. في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي حاول بعض العلماء المسلمين إيجاد تسوية بين الآراء والأفكار المتصارعة التي حدثت في القرن السابق، فكتب شاه ولي الله الدهلوي مقالة بعنوان «فيصلة وحدة الوجود والشهود» حاول فيها أن يبين أنه ليس ثمة اختلاف جوهري بين أفكار ابن عربي والشيخ أحمد سرهندي فكلاهما يعنيان الشيء نفسه، ونجح الجدال الذي احتدم بين العلماء عدة عقود مع أنه وُجد علماء لم يتفقوا مع وجهة نظره (١).
إن تسرب التأثيرات الغربية إلى المجتمع الإسلامي في الهند وتفوق الغرب في التكنولوجيا والعلوم والصناعة أوجد نوعًا من الصراع لدى المسلمين الهنود، فالهنود المسلمون الذين درسوا اللغة والعلوم الإنكليزية تقبلوا الحكم البريطاني، ورفض فريق آخر تعلم اللغة والآداب الإنكليزية رفضًا باتًا، ورفضوا الحكم البريطاني وعدّوه دخيلًا حل محل حكم المغول في الهند، وهناك فريق ثالث ظهر رأيه بجلاء في الموقف الذي اتخذه شاه عبد العزيز بن شاه ولي الله، فهو يمتدح الإنكليز من حيث كفاءاتهم العلمية ويسمح بدراسة اللغة
_________________
(١) = تمذهب بمذهب الإمام أحمد بن حنبل، ويعده كثيرون فقيهًا حنبليًا، وكان يرجح الفقه الحنبلي على غيره، ويعتبره أقرب إلى نصوص القرآن والسنة، ولكنه لم يتعصب للمذهب الحنبلي، فكان يقدر آراء الفقهاء والعلماء وأئمة المذاهب الآخرين، ويعتذر لهم في بعض الآراء حتى صنف رسالته القيمة «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».لم يلتزم ابن تيمية مذهبًا معينًا في فتاويه ومصنفاته، بل أفتى خلافًا للمذاهب الأربعة إذا صح عنده دليل من الكتاب والسنة وفتاوى السلف مما أنكره عليه علماء عصره، وأدى به إلى السجن والاعتقال عدة مرات. درس ابن تيميه العلوم العربية والعقلية، وأتقن فنون الحساب والجبر والمقابلة، ونظر في علم الكلام والفلسفة والفرق، وضرب بسهم وافر وصائب في جميع ذلك وصنف في معظمها. ذكر العلماء أن شيوخه الذين سمع منهم كانوا أزيد من مائتي شيخ، وتلقى العلم عن والده الشيخ عبد الحليم (ت ٦٨٢ هـ) وعن أحمد بن عبد الدائم المقدسي النابلسي المؤرخ المحدث الفقيه (ت ٦٦٨ هـ) وعن محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المردادي الفقيه المحدث النحوي (ت ٦٩٩ هـ) وأخذ عن علماء الحنفية والشافعية من علماء دمشق وغيرها، المرجع السابق مج ٧ ص ٢٦٥، وكذلك، محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي، العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي (بيروت: دار الكتاب العربي، د. ط، د. س) ص ٢ وما بعدها.
(٢) الموسوعة العربية السورية، تأسست عام ١٩٩١ م (arab-ancy.com)، المجلد ٢١، الهند (التاريخ الوسيط). أحدثت هيئة الموسوعة العربية بمقتضى المرسوم التشريعي رقم ٣ تاريخ ٥/ ١/١٩٨١، الذي نص على أنها هيئة عامة ذات طابع علمي ثقافي تتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وترتبط برئاسة الجمهورية العربية السورية، ومركزها مدينة دمشق ولها أن تنشئ مكاتب تابعة لها في داخل الجمهورية العربية السورية وخارجها. تتولى هيئة الموسوعة العربية جميع مايتعلق بإصدار موسوعة عربية شاملة وموسوعات متخصصة وملاحق موسوعية .. ـيرأسها حاليا أ. د. محمد عزيز شكري -رئيس شعبة الشريعة والقانون في معهد الفتح الإسلامي (تابع لجامعة الأزهر) منذ العام ٢٠٠٠ م. (بتصرف يسير).
[ ٢٣ ]
الإنكليزية ولكنه من جهة أخرى يصدر فتوى يعلن فيها أن كل الأراضي التي احتلها الإنكليز هي دار حرب (١).
وأخيرا، إن المفاهيم المغلوطة حول ابن عربي والتصوف - الدخيلة على المجتمع الهندي- كان لها أسوأ الأثر في تخبط الفكر الإسلامي ورجالاته خارج دائرة الخطوط العقائدية الواجب اعتقادها فتمثلت في إحدى أكبر المشكلات بجانب مشكلتي الاستعمار والإغراءات بالتكنولوجيا الغربية المتطورة.
وإنه بعد تلك المقدمة عن أوضاع الهند، كان لابد أن أتطرق إلى معرفة أحوال الهند في تلك الفترة المهمة؛ حيث انتشرت النصرانية في العالم وخاصة في شبه القارة الهندية الباكستانية، وبذل العلماء المسلمون جهودا حثيثة في مواجهتها.
إن ادعى المسيحيون انتصار المسلمين بسبب الأساليب المتطورة؛ فعلينا أن نبحث عن أسباب ذاك الانتصار، وهل طور النصارى أساليبهم بعد مناظراتهم مع المسلمين لتعود إليهم ثقة العالم بشكل واقعي؟، كذلك نبحث عن أسباب عدم تبادل النصارى تلك الأساليب في أثنائها أو عقبها، وهل إذا طور النصارى تلك الأساليب سيكونون قادرين على الخوض مجددا في أساليب الحجاج تلك؟، وهل ستكون الأساليب هي محور النجاح والفشل؟، أم أن الحق لابد له من غالب، وأن الباطل لابد له مغلوب.
كانت أبرز جهود المسلمين في هذا الميدان هي جهود الشيخ رحمت الله الهندي، وخاصة عندما ناظر القس فندر؛ حيث وصلت المناظرة في عهدهما إلى أعلى درجات البحث والنظر والجدل، وتشكلت أقوى المراحل المنهجية في دائرة علوم الجدل والمناظرة.
بلغت أهمية العصر الذي ظهر فيه الشيخ رحمت الله مبلغا عظيما؛ حيث كان حافلا بالأحداث التي مرت على الإسلام والمسلمين -والتي لازالت تستمر - وتمثلت في مقاومته للنصرانية؛ المتمثلة في حملات التبشير - في تلك الفترة - باليد واللسان والقلم؛ تلك النصرانية التي تمثل أقصاها عند القس فندر وكتابه ميزان الحق.
وتاريخيا، لا يمكن أن نغفل - في ذلك المقام - ونحن نتحدث عن المناظرات بين المسلمين والنصارى - ردود المسلمين عليهم عبر التاريخ الإسلامي والتي لم تبدأ عند الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر - فحسب - بل سبقتهما محاولات كثيرة وفي أماكن متفرقة أمثال:
ردود ابن حزم الأندلسي (٢) ت (٤٥٦ هـ - ١٠٦٤ م) [الفصل في الملل والأهواء والنحل]. يعد ابن حزم من أوائل من تكلم في نقد الكتب المقدسة، كما يعد ابن تيمية من أوائل من أصل القواعد لمناظرة أهل الكتاب.
_________________
(١) المرجع السابق
(٢) أبو محمد علي بن أحمد بن حزم القرطبي-وهو عالم عربي أندلسي. مؤرخ، وفقيه ومحدث، وأديب، ومؤلف في علم الكلام والعقائد والفلسفة. كان شافعي المذهب، ثم أصبح ظاهريًا، فاشتهر بمذهبه الظاهري في الفقه، ولقب بابن حزم الظاهري. له مصنفات في مختلف العلوم: منها «طوق الحمامة»، و«فضل الأندلس»، و«أبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل»، و«الإحكام لأصول الأحكام» ورسالة «في أصول الفقه» و«الفصل في الملل والأهواء والنحل». و«التقريب في حدود المنطق»، و«الناسخ والمنسوخ»، و«الأخلاق والسير في مداواة النفوس». مؤدى مذهبه الفقهي الظاهري: أن كل قياس لا يستند إلى القرآن والحديث باطل، وهو يأخذ بظاهر المعنى لألفاظ القرآن والحديث. له شعر كثير، ملأه بمعارفه، ولم يعن بتنقيح لفظه وسبكه، ففقد جمال التعبير، الموسوعة العربية الميسرة، مجموعة من العلماء والباحثين (بيروت: المكتبة العصرية، ط ١، ٢٠١٠) ص ٢٤.
[ ٢٤ ]
- الجويني إمام الحرمين ت (٤٧٨ هـ - ١٠٨٥ م) [شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل].
- حجة الإسلام الغزالي ت (٥٠٥ هـ - ١١١١ م) [الرد الجميل بإلهية عيسى بصريح الإنجيل].
- شهاب الدين القرافي ت (٦٨٤ هـ - ١٢٨٥ م) [الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة].
- تقي الدين بن تيمية ت (٧٢٨ هـ - ١٣٢٨ م) [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح].
- ردود الخزرجي ت (٥٨٢ هـ - ١١٨٧ م) [مقامع الصلبان].
- صالح بن الحسين الجعفري ت بعد (٦٣٧ هـ - ١٢٣٩ م) [تخجيل من حرف الإنجيل].
- القرطبي ت (٨٢٧ هـ - ١٤٢٤ م) [الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا ﵊].
- ابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ - ١٣٥٠ م) [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى].
- عبد الله الترجمان ت (٨٢٧ هـ - ١٤٢٤ م) [تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب] (١).
إن تلك المناظرة التي حدثت بين المسلمين والنصارى- في نهاية القرن التاسع عشر - في الهند- ظهر بجلاء ضعف الأدلة والحجج والبراهين التي يسوقها المسيحيون لإثبات عقيدتهم، وتصويرها على أنها إتقان أساليب متطورة وحديثة - اخترعها المسلمون - من وهب الحضارة الأوروبية؛ ادعاء ليصرفوا كفة الميزان تجاههم مرة أخرى.
بعد الاحتلال البريطاني وسقوط دولة المغول، وضع البريطانيون خطة لتنصير الهند في القرن التاسع عشر الميلادي، وأرسل البريطانيون البعثات التبشيرية إلى الهند، وكان من أبرزهم وأقواهم حجة هو القس فندر (٢).
هرع الناس إلى الشيخ رحمت الله مطالبين إياه بالتصدي للقس فندر- بعد تشكك الكثيرين في إيمانهم - فتركز منهج رحمت الله في الحديث عن المسائل العظام، وأمسى ملزما خصمه بالإسلام إن تراجع أو خسر.
_________________
(١) مرجع سابق، عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع: العاشر، رسالة دكتوراة، ص ١٤، ص ١٥.
(٢) انظر: عبد الخالق بن محمد بن سعيد، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، (القاهرة: الأزهر، رسالة دكتوراة، ١٩٩٢ م)، ص ٢٧.
[ ٢٥ ]
كان رحمت الله يستمد كلامه من نصوص الوحي، والرد من خلال كلام الخصم وردوده، وتميز بسعة الاطلاع والتفصيل دون استطراد. كان كذلك يعتمد المنطق والتاريخ في حجته فكان يستند إلى العقل، وكتب العهدين، وكلام علماء النصارى المعتبرين (١).
وكان يعمد إلى النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين، وبعرض مقدمات منطقية رياضية، وبعض تعليقاته الشخصية، واستدلالاته بقول مؤرخي المسلمين في الحديث عن غرض النصارى، كذلك الاستدلال بالحقائق التاريخية وضرب الأمثال (٢).
أما فندر فعمد إلى إخفاء الحقائق؛ حيث حاول إثبات أن انتشار النصرانية في العالم كان بالتبشير والإقناع والمحبة، وأن نشر الإسلام كان بالجبر والإكراه والسيف (٣). ومصداقا لقوله تعالى: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا اللذين ظلموا منهم " (٤)؛ فقد كان رحمت الله يجادل فندر بالحسنى، إلا أنه قد يضطر أحيانا للرد على الموقف العنيف لفندر.
يعتبر البرتغاليون أول نصارى الأوروبيين الذين احتلوا البلاد؛ حيث وصل فرانسيس زافير عام ١٥٤١ م إلى الهند لمهمتين الأولى: القاصد الرسولي للبابا، والثانية: المفتش الملكي البرتغالي للبعثات التبشيرية، وأسس جامعة القديس بولس العظيمة، كما كانت التجارة هي أول وسيلة يستخدمها الإنجليز في محاولة تنفيذ خطة تنصير الهند المسلمة (٥).
من خلال ما سبق وجب التعرف على الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية؛ حيث "أخذت بعوث البريطانيين التجارية تفد إلى الهند منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي ومالبث هؤلاء البريطانيون بما اشتهر عنهم من الدهاء وسعة الحيلة، أن صرحت الدولة لهم بإقامة وكالات تجارية عند سورات في الغرب وهوجلي في الشرق، ثم مازالوا يتقربون من بعد ذلك إلى سلاطين الهند حتى عاونوهم في حربهم ضد البرتغاليين عند الشواطئ الشرقية، كما دفعوا المرهتها كذلك مزيدا من الامتيازات حتى بلغوا من الثراء والقوة واتساع النفوذ ما مكنهم من شراء بومباي نفسها من البرتغاليين وتوسيع رقعة أراضيهم عند كلكتا ومد نفوذهم إلى مدراس (٦) ومايليها جنوبا" (٧).
_________________
(١) محمد الفاضل بن علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية منهجية ابن تيمية ورحمت الله الهندي، (فرجينيا، أمريكا: المعهد العالي للفكر الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٧)، ص ١٢٥.
(٢) المرجع السابق (بتصرف).
(٣) مرجع سابق، رسالة الأزهر، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، ص ٢٨.
(٤) العنكبوت: ٤٦]
(٥) انظر: المرجع السابق، ص ٥١، ص ٨٠، ص ٩٧ (بتصرف يسير).
(٦) مدراس عاصمة ولاية تاميل نادو ومركزها التجاري، تشتهر بمبانيها المعمارية التقليدية. تاميل نادو ولاية تقع جنوب شرقي الهند وتبلغ مساحتها ١٣٠،٠٥٨ كم٢ وعدد سكانها ٥٥،٦٣٨،٣١٨ نسمة، معظمهم من الهندوس وأقليات من المسلمين والنَّصارى. ويعتمد ٧٥% من السكان على زراعة القطن والفول السوداني والأرز وقصب السكر وصناعة المعدات الهندسية والسيارات والنسيج والحديد والصلب. وعاصمتها مدراس. الموسوعة العربية العالمية السعودية، مرجع سابق.
(٧) أحمد محمود الساداتي، تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم، (القاهرة: مكتبة الآداب، ج ٢، بدون ط، ١٩٥٧ م)، ص ٢٧٨ ومابعدها (بتصرف يسير).
[ ٢٦ ]
يتميز البريطانيون بالدهاء الواسع، والدقة الشديدة، ومناصرة الضعيف على القوي، حتى يُهزم القوي؛ فتكون الغلبة لهم.
وكان الفرنسيون قد بلغوا بتدبير دوبليكسن، مدير الشركة الفرنسية الهندية، ودهائه، إلى مزيد من النفوذ في الدكن وجنوب الهند؛ فقد استطاع هذا الداهية الفرنسي أن يدرب بعض جنود إمارة حيدر آباد الدكنية، وفريقا من قوات جنوب الهند، على أساليب القتال الحديثة، وخططه، حتى صار الحاكم الفعلي لكافة الأراضي الواقعة إلى الجنوب من نهر كرشنا، والموجه لدفة الحكم فيها من وراء ستار (١).
يبدو أن البريطانيين استفادوا كثيرا من تدابير دوبليكسن في خطط الهجوم عوضا عن الدفاع بشكل غير مباشر مكنهم من نشر قواتهم على أنحاء متفرقة، والاستيلاء على الحكم بصورة غير مباشرة في بداية الأمر.
وحين نشبت حرب الوراثة النمساوية عام ١٧٤٠ م، وتحارب فيها الفرنسيون والبريطانيون بأوربا، بادر دوبليكسن بالهند إلى اجتياح مدراس والاستيلاء على كثير من مراكز البريطانيين عند الشواطئ الشرقية؛ ومالبث البريطانيون أن استردوا مراكزهم السابقة كلها بعد هذه الحرب، إذ أفلحوا بدسائسهم بالعاصمة الفرنسية في حمل لويس الخامس عشر على استدعاء دوبليكسن، وبذا خلا لهم الجو، حتى قضوا على كل نفوذ للفرنسيين بالهند وانتزعوا منهم كل أراضيهم إلا ميناء بندشيري وبعض أماكن أخرى صغيرة متفرقة بالهند (٢).
واصطنع البريطانيون طرائق دوبليكسن الاستعمارية الفذة، فانطلقوا يخوضون هذه البلاد الواسعة بجند من أبنائها وأموال من أموال أهلها.
بعد أن استقر الأمر للبريطانيين وأعلنوا الهند إمارة تابعة لبريطانيا بشكل كامل .. راح الحكام البريطانيون في الهند يذيعون بدورهم على الدنيا مايبذلونه من جهود للنهوض بهذه البلاد وترقيتها، ومنها إنشاء الطرق الحديدية، وتوسيع رقعة الأراضي الزراعية، ونشر الحضارة الأوروبية، ولم يكن هدفهم من وراء ذلك كله في الغالب إلا تنظيم ابتزاز ثروات هذه الأرض الواسعة الغنية، حتى كانت منتجاتها تنقلها في كل عام أكثر من عشرة آلاف سفينة معظمها بريطانية؛ لتبيعها بريطانيا في أسواقها بخمسة أضعاف أثمانها أو يزيد، فلا يعود من هذا الربح الوفير على أصحابه الأصليين سوى القليل (٣).
أعلن اللورد - ألنيرو - حاكم الهند البريطاني - في صراحة تامة: إن العنصر الإسلامي في الهند هو عدو بريطانيا الأصيل، وأن السياسة البريطانية في الهند يجب أن تهدف إلى تقريب العناصر الهندوكية إليها؛ لتستعين بهم في القضاء على الخطر الذي يتهدد بريطانيا في هذه
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٧٨ وما بعدها.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٧٨ وما بعدها.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٧٨ وما بعدها (بتصرف يسير).
[ ٢٧ ]
البلاد (١). قد كان شعار بعض رؤساء الإنجليز أنهم كانوا يعتبرون كل مسلم ثائرا، وكانوا يسألون الرجل أأنت هندوكي أم مسلم؟ فإذا قال مسلم قتلوه بالرصاص (٢).
وعلى هذا المبدأ بطش البريطانيون بالمسلمين الذين قادوا الثورة الوطنية (العصيان) أكثر مما بطشوا بغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين شاركوا فيها، فأقصوهم إقصاء شاملا عن كل وظائف الدولة التي كانوا يشغلون عددا كبيرا منها، وجهدوا في تقويض كل أوضاعهم الاقتصادية والثقافية، ثم اصطنعوا أبناء الطبقات الهندوكية المتوسطة في الوظائف الصغيرة فلا يتخطونها أبدا إلى المناصب الكبرى التي كانت جميعها، في السلكين المدني والعسكري وقفا على المستعمرين، حتى أصبحت أغلب الأراضي التي كان المسلمون يمارسون زراعتها، بمقتضى هذا القانون، ملكا لجباة الضرائب من الهنادكة (٣).
وقد كانت هذه هي الوسيلة المتبوعة في الحكومة الإنجليزية القائمة؛ وهي القاعدة التي يسير عليها موظفوها الكبار، ورؤساء المصالح، إقصاء المسلمين عن المراكز الكبيرة في الحكم والإدارة، وسد أبواب الرزق الشريف عليهم، ومصادرة الأوقاف والأملاك التي تدر على مدارسهم ومؤسساتهم، وتأسيس مدارس ونظام تعليمي لا ينشط المسلمون للإفادة منه، وقد كان يعلن في بعض بلاغات رسمية أن الوظائف الفلانية لا يقبل فيها إلا الهنادك (٤).
ثارت الجنود في مايو عام ١٨٥٧ م بعد ما جرب الهنديون الحكم الإنجليزي وغطرسة الإنجليز، وانتهابهم لثروة البلاد، وقلة احتفالهم بالعاطفة الدينية، وكرامة أهل البلاد، وانتشرت الثورة في الهند انتشار النار في الهشيم، فكانت ثورة شعبية عامة ساهم فيها المسلمون والهنادك سواء بسواء، وتوجه الثوار إلى دهلي مقر الملك المغولي الأخير سراج الدين بهادر شاه (كان حكمه محدودا في القلعة الحمراء والإنجليز يحكمون البلاد باسمه ونيابة عنه)، وجعلوه قائدا للثورة ورمزا للوطنية الموحدة والكفاح الشعبي، ونادوا به ملكا للهند شرعيا، وخليفة آبائه ملوك الهند الصناديد المغول الأباطرة، وقاتل الثوار في كل بقعة من بقاع الهند تحت رايته وباسمه، ينظرون إليه كزعيم للجهاد الديني والوطني، وينظرون إلى دهلي كعاصمة الحكومة الهندية الدائمة، ولم يشذ عن ذلك شاذ (٥).
فشلت الثورة، وأخمدها الإنجليز بوحشية بالغة، وضموا الهند لهم كإمارة تابعة لمملكة بريطانيا العظمى.
انتشرت في ذلك الوقت محاولات كبيرة لتنصير المسلمين، أو لزعزعتهم عن دينهم، وإثارة الشكوك، بعدما فشلت القوة العسكرية في إخضاعهم للحكم الإنجليزي بشكل كامل."التبشير لايعني بالضرورة تحويل الملك أو الزعيم أو الأميرات إلى المسيحية دينا معلنا، ولكن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٧٨ وما بعدها.
(٢) أبو الحسن الندوي، المسلمون في الهند، (بيروت: دار ابن كثير، ط ٣، ١٩٩٩ م)، ص ١٨٤ (بتصرف يسير).
(٣) مرجع سابق: أحمد محمود الساداتي، تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم، ص ٢٧٨ ومابعدها.
(٤) أبو الحسن الندوي، المسلمون في الهند، (بيروت: دار ابن كثير، ط ٣، ١٩٩٩ م)، ص ١٨٧.
(٥) المرجع السابق، ص ١٧٧.
[ ٢٨ ]
بتحويلهم بعيدا عن مصلحة الإسلام وفي خدمة المسيحية الدولية وهو المطلوب والأكثر فعالية والأبعد أثرا" (١).
أنشأ المعمدانيون الإنجليز أول هيئة تنصيرية بروتستانتية عام ١٧٩٢ م، وبدأت البعثات التنصيرية عملها بالمناطق النائية حيث ينتشر الجهل فيها؛ فتأسست جمعية لندن التبشيرية عام ١٧٩٥ م، ثم تأسست كلية اسكندروف لتخريج المنصرين وبدأوا بالمناطق النائية لكثرة الجهل فيها (٢).
أما ما وصلنا إليه في العصر الحديث فيعد صموئيل زويمر " Zeimer"[١٨٦٧ م- ١٩٥٢ م] وهو مبشر هولندي قضى خمسين عاما في التبشير في الشرق الأوسط ومن أشد المنصرين تعصبا، فقد كان رئيس إرسالية التبشير بالعربية في البحرين، ورئيس جمعيات التنصير في الشرق الأوسط، وكان يتولى إدارة مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية التي أنشأها عام ١٩١٩ م ولاتزال تصدر إلى الآن من هارتيفورد. دخل البحرين عام ١٨٩٠ م، ومنذ عام ١٨٩٤ م قدمت له الكنيسة الإصلاحية الأمريكية دعمها الكامل. كانت أبرز مظاهر عمل البعثة التي أسسها زويمر في حقل التطيب في منطقة الخليج - وتبعا لذلك - فقد افتتحت مستوصفات لها في البحرين والكويت ومسقط وعمان، ويعد زويمر من أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث، وقد أسس معهدا باسمه في أمريكا لأبحاث تنصير المسلمين، وقال في مؤتمر القدس التنصيري عام ١٩٣٥ م: "إن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي، لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياته (٣).
من هذا المدخل يتبين أن:
- مساحة الهند الممتدة الشاسعة، ووفرة مواردها النسبية، وعدد سكانها الكبير، كذلك انتشار الإسلام فيها، أغرى الاستعمار للسيطرة عليها.
- تعتبر تلك الفترة من أهم فترات المواجهة بين الإسلام والمسيحية.
- ساعد انتشار التصوف المغالي، وساعدت الآراء الفلسفية، على بناء حواجز حقيقية لفهم الإسلام، ودوره الحقيقي.
- امتد الدور التنصيري - في بلاد العالم الإسلامي - والذي كان مناصرا وداعما للاستعمار والحروب الصليبية.
_________________
(١) «مرجع سابق: رسالة الأزهر، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، ص ٩٨.
(٢) انظر مرجع سابق: رسالة الأزهر، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، ص ١٠٢، ص ١٠٣، ومحمد الفاضل بن علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية، ص ٩٣.
(٣) انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف ومراجعة د. مانع الجهني، (د. م: دار الندوة العالمية، المجلد الثاني، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ)، ص ٦٦٦ - ص ٦٦٩. انظر: بربارا براون، نظرة عن قرب في المسيحية، ترجمة المهندس مناف حسين الياسري (كندا: نشر توحيد، بدون ط، ١٩٩٣)،، ص ٨٨.
[ ٢٩ ]
المبحث الأول
التعريف بالشيخ رحمت الله (١٨١٨ م- ١٨٩١ م)
كما ذكرت كانت أبرز الجهود في مواجهة التنصير هي جهود الشيخ رحمت الله الهندي، وخاصة عندما ناظر القس فندر؛ حيث وصلت المناظرة في عهدهما إلى أعلى درجات البحث والنظر والجدل، وتشكلت أقوى المراحل المنهجية في دائرة علوم الجدل والمناظرة.
بلغت أهمية العصر الذي ظهر فيه الشيخ رحمت الله مبلغا عظيما؛ حيث كان حافلا بالأحداث التي مرت على الإسلام والمسلمين - والتي لازالت تستمر - وتمثلت في مقاومته للنصرانية؛ المتمثلة في حملات التبشير - في تلك الفترة - باليد واللسان والقلم؛ تلك النصرانية التي تمثل أقصاها عند القس فندر وكتابه ميزان الحق.
اسمه ومولده وأسرته:
هو محمد رحمت الله بن خليل الله (ويعرف بخليل الرحمن) الكيرواني العثماني؛ وينتهي نسبه عند الجد الرابع والثلاثين إلى ذي النورين عثمان بن عفان ﵁. ولد بحي (درباركلان) في قرية كيرانة من توابع دلهي عاصمة الهند سنة ١٨١٨ م، وقد اشتهر أفراد أسرته بالعلم والطب والمناصب العالية. أتقن اللغات الثلاث (العربية والفارسية والأردية)، وقرأ كتب الشريعة واللغة على يد آبائه، وأسس مدرسة شرعية في كيرانة تخرج منها كبار المدرسين، والمؤلفين، ومؤسسي المدارس - في أرجاء الهند - كما أسس مراكز لتدريب الدعاة على مقاومة التنصير (١).
ولد في عائلة شهيرة وأسرة كريمة، اشتهر أفرادها في تلك المقاطعة أمراء ورؤساء وحكاما وعلماء وأطباء، وكان أول من قدم إلى الهند من آل سيدنا عثمان هو الشيخ عبد الرحمن الكاذروني، الجد الأعلى للشيخ، حيث كان قاضيا شرعيا للجيوش الإسلامية التي فتحت الهند على يد السلطان محمود الغزنوي، فاستقر الشيخ عبد الرحمن الكاذروني في بلدة (باني بت) وتوفي فيها، وقبره معروف حتى الآن وكان الشيخ رحمة الله من ذرية هذا المجاهد الغازي﵀- ولذا يطلق على الشيخ لقب " العثماني " (٢).
نشأ رحمة الله في أسرة واسعة الثراء والجاه، حفظ القرآن الكريم في الثانية عشر من عمره، وتتلمذ في مدينة العلم والحضارة لكهنؤ على يد المفتي سعد الله المراد آبادي. كان لازدياد النفوذ التنصيري في الهند أثره في توجهه للتأليف والرد على المنصّرين. وكان لدور علماء الهند الجهادي في إشعال الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي أثره في سعي الإنجليز لاعتقاله؛ لكنه نجا بأعجوبة وخرج خفية وسافر بحرًا إلى اليمن، ومنها برًا إلى مكة سنة ١٢٧٨ هـ، الموافق ١٨٦٢ م، ولما عرفه الناس وخاصة الشيخ أحمد بن زيني دحلان صار له دوره
_________________
(١) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، جزء التحقيق.
(٢) مقدمة محمد مسعود سليم - مدير المدرسة الصولتية، إظهار الحق، (الدوحة، قطر: دار إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٩٨٠ م)، ص ١٢، ص ١٣ (بتصرف).
[ ٣٠ ]
العلمي في مكة، وطلب منه دحلان التأليف، ولما علم السلطان العثماني عبد العزيز بخبره وخبر المناظرة، دعاه إلى إستانبول، وأكرمه، وطلب منه التأليف عن المناظرة؛ فألف كتاب " إظهار الحق "، وعاش بقية حياته بمكة التي توفي بها عام ١٣٠٨ هـ، الموافق ١٨٩١ م.
أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي، الذي درس الطب في لندن، وتخرج عام ١٨٣٢ م، وكان يتقن الإنجليزية واليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية. كان له دوره العلمي الدعوي في الهند، هاجر إلى مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع (١).
تحصيله وتعلمه:
بدأ في حفظ القرآن الكريم، والمبادئ من الكتب المتداولة في بلدته على يد كبار أفراد أسرته المشهورين بالعلم والفضل، ثم شد رحله إلى دلهي عاصمة العلوم والفنون، والتحق بإحدى المدارس الدينية، ونال الحظ الأوفر من أمهات العلوم والكتب، ثم أخذه العلم والمعرفة إلى بلدة لكنو - مدينة الثقافة والحضارة - فأخذ عن عدة علماء أفاضل بها، وتخصص في آداب اللغة الفارسية وعلوم الطب، ولما فرغ من تحصيل العلوم الدينية والرياضية، رجع إلى مسقط رأسه كيرانه، وأسس مدرسة قام بالتدريس فيها مدة وجيزة، لازمه عدد من تلاميذه مدة طويلة وأصبحوا من العلماء العالين في الهند، منهم: العلامة الشيخ عبد الوهاب، مؤسس أول مدرسة إسلامية بمدينة مدراس بالهند، عرفت وسميت بـ «الباقيات الصالحات» والتي تعتبر اليوم أكبركلية في مدينة مدراس بجنوبي الهند (٢).
الحالة العامة بالهند وجهود الشيخ:
كانت فترة حياة الشيخ من أصعب الفترات التاريخية في الهند من حيث تدهور الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظل حكمها نحو أربعمائة سنة على عموم أنحاء الهند، وبدأ نفوذ وتسلط التدخل الأجنبي المستعمر الذي هو الإنجليز، وكانت الفوضى السياسية والحكمية، وانعدام الأمن والاستقرار، وأهم من ذلك كله فقد كانت الأمور بيد الإنجليز يديرونها ويدبرونها كيفما شاؤوا ضد المسلمين للقضاء على الإمبراطورية التي بقيت اسما وصورة فقط، وقد كانت الضربة القوية موجهة إلى الإسلام والمسلمين، وكانت جماعات وفرق من المنصرين والمسيحيين تجوب أطراف الهند، تبث الدعاية المسمومة ضد المعتقدات الإسلامية، وتنشط القسيسون بعقد الاجتماعات والحلقات والحفلات في الأماكن العامة، والهجوم على المساجد والمدارس، وإلقاء الخطب ضد الدين الإسلامي، ومهاجمة العلماء والسذج سويا، وإجبار المسلمين بقبول الدين المسيحي. ولا ننسى في مثل هذه الحالة مساندة الحكومة الإنجليزية بكل نفوذها وقوتها لنشر دعوة النصرانية، وتنزيل أنواع العذاب لكل من يقاوم حركتهم ويتصدى لهم، وفي هذه الظروف الحالكة كان الشيخ رحمة الله الفرد الوحيد
_________________
(١) انظر: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس (بيروت، لبنان: دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٩٩٦ م) ص ١٢٣ وما بعدها.
(٢) مرجع سابق: إظهار الحق، مقدمة محمد مسعود سليم، ص ١٢، ص ١٣ (بتصرف).
[ ٣١ ]
الذي جازف بحياته، وأعلن الجهاد ضد الإنجليز، ودعا رئيس البعثة التنصيرية المسيحية القسيس «فندر» إلى المناظرة (١)؛ حيث تفرغ لمقاومة المنصرين، ودرس النصرانية حتى فاق علماءها المتخصصين، ثم بدأ يؤلف كتبه للرد عليهم (٢).
مؤلفاته (٣):
بدأ برسائل صغيرة أو بالترجمة، فله رسالة مخطوطة في وقت صلاة العصر، ورسالة التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر، وله مخطوطة في ترجمة التحفة الاثني عشرية في الرد على الروافض بالعربية بالمدرسة الصولتية لمؤلفها الشيخ / عبد العزيز ولي الله الدهلوي، أما مؤلفاته في الرد على المنصرين، والدفاع عن عقائد الإسلام فهي:
إزالة الأوهام: بالفارسية طبع عام ١٢٦٩ م، وترجم إلى الأردية باسم دافع الأسقام.
إزالة الشكوك: بالأردية للإجابة على ٢٩ سؤالا أوردها المنصرون على علماء الإسلام لإثبات نبوة محمد - ﷺ -، وإثبات التحريف في كتب العهدين.
الإعجاز العيسوي: ويسمى باسمين آخرين هما (الإعجاز المسيحي) و(مصقلة التحريف)، وألف بالأردية ١٢٧٠ هـ / ١٨٥٣ م، وأعيد طبعه في لاهور بباكستان عام ١٩٨٨ م، ويقع في ٧٧٣ صفحة.
أحسن الأحاديث في إبطال التثليث: بالأردية عام ١٢٩٢ م.
البروق اللامعة: بالعربية، وهو مفقود.
معدل اعوجاج الميزان: بالأردية للرد على ميزان الحق الجديد (٤).
تقليب المطاعن: بالعربية للرد على القسيس تحقيق الدين الحق، وهو مفقود.
معيار التحقيق: للرد على كتاب تحقيق الإيمان، وهو مفقود.
المحبوب إلى القلوب: مخطوط بالأردية.
البحث الشريف في إثبات النسخ والتحريف: يحوي نص المناظرة الكبرى بالفارسية.
هجرته إلى مكة:
اشترك في الثورة على الانجليز عام ١٨٥٧ م، ولما فشلت الثورة، وأخمدها الانجليز - بوحشية بالغة - نصبوا أعواد المشانق للعلماء، وجعلوا مكافأة لمن يدلهم عليه (٥)، ولكنه انتصر عليهم في المعركة الدينية، وأسهم في الجهاد ضدهم، وقد اختفى مدة في قرية
_________________
(١) مرجع سابق: إظهار الحق، مقدمة محمد مسعود سليم، ص ١٢، ص ١٣ (بتصرف يسير).
(٢) إظهار الحق، تحقيق د. الملكاوي، جزء التحقيق.
(٣) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، جزء التحقيق.
(٤) ميزان الحق أصدره فندر للرد على كتاب الاستفسار للشيخ محمد آل حسن وهو مطبوع بالفارسية عام ١٨٤٩ م وبالأردية عام ١٨٥٠ م.
(٥) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، جزء التحقيق.
[ ٣٢ ]
صغيرة، ولما دخلت الجيوش الإنجليزية في هذه القرية، أخذ المنجل ودخل في مزرعة وتشاغل بحصاد الحقل، كفلاح صغير مغمور، واستطاع بذلك أن ينجو بنفسه، ويصل إلى «سورت» ميناء الهند، ويهاجر إلى البلاد المقدسة، وكان ذلك في سنة ١٨٦٢ م يعني بعد الثورة بخمس سنوات، وصودرت أملاكه التي كانت كبيرة وواسعة، وبيعت بالمزاد العلني، وكان ذلك في أيام خلافة السلطان عبد العزيز العثماني، وإمارة عبد الله بن عون، ولما عرفت منزلته في مكة، وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام، سمح له بالتدريس في الحرم المكي وتوثقت بينه وبين عالم مكة الجليل الشيخ أحمد بن زيني دحلان الصداقة، وهو الذي كان له الفضل في التعريف به عند شريف وعلماء مكة وأعيانها (١).
وسجل اسمه في السجل الرسمي لعلماء الحرم عام ١٨٨٥ م. أسس أول مدرسة في مكة والحجاز، وسميت عام ١٨٩١ م باسم المدرسة الصولتية (٢)، "وبقي الشيخ مديرا ومدرسا فيها إلى وفاته عام ١٨٩١ م ودفن في مقبرة مكة ﵀" (٣).
بعد تأليف «إظهار الحق» (٤)
عاد الشيخ رحمة الله إلى مكة المكرمة، واشتغل بالتدريس في الحرم الشريف وبداره، ولم يكن التعليم في أرض الحرم مرتَّبًا منظما بل كان مقتصرا على حلقات العلماء بدون تنظيم ولا منهج، ومن غير شك كانت الخلافة العثمانية تبذل أموالا طائلة لعلماء المسجد الحرام ولطلاب العلم، ولكن لم تكن هناك مدرسة نظامية تعتني بأبناء مكة والمهاجرين من حيث التعليم والتربية، وكان شديد التألم من رداءة حالة التعليم وضياع أبناء المسلمين، فقام اعتمادا على الله بفتح وتأسيس أول مدرسة في ربيع الأول عام ١٢٨٥ هـ على نفقته الخاصة بمحلة الشامية، بدار أمراء الهند المهاجرين، المعروفة بدار السقيفة عند مطلع جبل هندي بالشامية، عرفت بالمدرسة الهندية أو مدرسة الشيخ رحمة الله، ونظرا لضيق المكان لم يستطع الشيخ تنظيم المدرسة، كما كان يتمناها ويريدها، إلى أن قدمت فريضة الحج عام ١٢٨٩ هـ إحدى أميرات الهند، وكانت تنوي بعد الحج بناء رباط في مكة، كما هي عادة أهل الخير في أراضي الحرمين الشريفين، وكانت على علم تام بشهرة الشيخ رحمة الله وجهاده في الهند، فاستشارته في إقامة عمارة للفقراء، فأخبرها الشيخ أن مكة المكرمة ليست بها مدرسة تتكفل بتعليم أبناء المسلمين، وأخبرها عن مدرسته، فوافقت على إنشاء مدرسة، وفوضت الأمر إلى الشيخ، وسبحان الله مسبب الأسباب؛ فقد اشترت الأرض في حي الخندريسة بمحلة الباب، ووضع الشيخ رحمة الله بيده المباركة حجر الأساس لأول مدرسة دينية نظامية تحت ظل البيت العتيق صباح يوم الأربعاء الموافق ١٥ شعبان عام ١٢٩٠ هـ.
شهدت هذه البلدة المقدسة ميلاد أول مدرسة ببدء الدراسة فيها في احتفال كبير حضره جميع علماء وأعيان مكة وطلاب العلم، بفضل هذه المحسنة، وتخليدا لذكرها فقد أطلق الشيخ اسم: الصولتية على المدرسة، نسبة إلى السيدة صولت النساء، ولم ينسبها إلى نفسه فأصبحت هذه المدرسة مركزا للطلاب من كل حدب، ومنبعا للعلوم والمعرفة، وهي أول مدرسة نظامية على الإطلاق وبالاتفاق في الجزيرة العربية، تأسست
_________________
(١) مقدمة أبي الحسن الندوي، إظهار الحق، (الدوحة، قطر، دار إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٩٨٠)، ص ٩ (بتصرف يسير).
(٢) نسبة إلى المرأة الهندية المتبرعة ببنائها واسمها صولت النساء.
(٣) انظر: إظهار الحق، تحقيق: د. عبد القادر ملكاوي، جزء التحقيق.
(٤) نتحدث عن الكتاب -لاحقا- إن شاء الله تعالى- تفصيلا.
[ ٣٣ ]
على يد ذلك المجاهد العظيم، ولا زالت والحمد لله تؤدي رسالتها في مدة ١٤٦ سنة تقريبا من الزمن، وتاريخ المدرسة حافل بالخدمات العظيمة في نشر الدين والعلم، وتخريج أفواج من العلماء والمدرسين والقضاة والمؤلفين ورجال الدولة حملوا رسالتها في البلاد وخارجها، ومنهم: جلالة الملك الشريف حسين بن علي الهاشمي مؤسس الدولة الهاشمية بالحجاز (١).
في الختام نتبين - من ذلك - كيف كانت حياة الشيخ رحمت الله الهندي الحافلة بالعطاء والتعلم والتعليم والتي شملت الرد على الاستعمار الصليبي والتنصير كليهما باليد واللسان والقلم.
رحمت الله وعرض سابقيه ولاحقيه
لقد وقع اختياري على منهج رحمت الله بالتحديد لما تميز به منهجه من التأثير والقوة، كما أنه امتلك أدوات منهجية ألزم نفسه بالسير عليها؛ لذا قبل أن نبدأ في دراسة منهجه أن نتعرف إن كان قد تأثر بمن سبقه، وعقب التحليل، نتعرف هل طور بعد ذلك، وهل من لحقه قد استفاد منه وطور؟
لابد - في بداية الأمر - من الحديث عن الشيخ ثناء الله الأمر تسري في أوائل القرن العشرين - من كبار زعماء أهل الحديث ورئيسهم، فأطلق عنان قلمه، وألف سلسلة من الكتب في الرد على الهندوسية والنصرانية؛ ففي النصرانية مثلا: (الإسلام والمسيحية) و(تقابل ثلاثة) وغيرها، وأعلن يطلب من يناظره في الإسلام والأديان الأخرى، وما زال على هذا إلى أن توفي عام ١٩٤٨ م (٢).
وقد كانت أولى اللقاءات الجدلية القوية رسالة الجاحظ في أول رسالة جدلية - وصلت إلينا - ضد النصارى، توالت بعدها الجهود الإسلامية والمؤلفات الكثيرة لأسماء لامعة: كالقاضي عبد الجبار، والجويني، والغزالي، والرازي، وابن حزم، وأبي الوليد الجابي، والقرطبي المفسر، والقرافي الفقيه (٣).
وما أن حل النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى تبوأ الإمام ابن تيمية مكان الصدارة فيه، ليضيف إلى تلك الجهود المشكورة أكبر الإسهامات وأبعدها أثرا، وليؤلف أغزر وأعمق ما كتب عن النصرانية في تاريخ الإسلام مستعينا بأدوات بحث لم تتوفر للكثيرين من سابقيه، منها ما وهبه الله إياها: كالحافظة القوية، والذكاء الحاد، والبصيرة النافذة والبديهة الحاضرة، ومنها ما هو نتاج الدرس والتحصيل: كالمعرفة الموسوعية، واستيعاب تراث السابقين من عقائد وفلسفات ومذاهب، وكرسوخ القدم في الجدل والحوار
_________________
(١) مرجع سابق: مقدمة محمد مسعود سليم - مدير المدرسة الصولتية، إظهار الحق، ص ١٩، ص ٢٠ (بتصرف).
(٢) محمد ضياء الدين الأعظمي، دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، (الرياض: مكتبة الرشد، ط ٢، ٢٠٠٣ م)، ص ٣٤، ص ٣٥ وما بعدها (بتصرف يسير).
(٣) عبد الراضي عبد المحسن، منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى، (القاهرة: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ٢، ١٩٩٥ م). ص ٥ (بتصرف يسير).
[ ٣٤ ]
والمناظرة؛ لهذا جاءت دراسته للنصرانية: حافلة، شاملة، مستوعبة معظم قضاياها ومشكلاتها وأطروحاتها، فتراه وأنت تطالع مقالاته في النصرانية قد تسنم ذروة طود شامخ يشرف منه على آراء النصارى وعقائدهم وعباداتهم ملما بالنصرانية محيطا بمسالكها فيصف عن حس، ويفند عن بصيرة، ويمهد بكليات يشدها بأدلة الاستقراء من صحيح المنقول وصريح المعقول، حتى لنستطيع القول أن قوة المحجة، وصدق الحجة، ودحض الشبهة، هي أوضح سمات منهجه وأبين خصائص منهجه (١).
ليس له مصنف ولا نص في مسألة ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض؛ فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفا مع الكتاب والسنة لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان (٢).
ومن هنا لابد من التعرف على هؤلاء الأوائل في هذا الباب من المسلمين مثل: ابن حزم وابن تيمية - رحمهما الله تعالى - ولنبدأ بابن حزم:
يكتفي ابن حزم من النص بمعناه الأولي والبسيط والمباشر، بل والسطحي أحيانا، محكما المبادئ المنطقية فنحن أمام عقليتين متناقضتين تتحدثان لغتين مختلفتين تماما. ولا يخلو موقف ابن حزم من بعد أيديولوجي مرتبط بمناهضته للتيارات الباطنية في داخل الديانة الإسلامية وخارجها؛ حيث يرى أنها أسرفت في تأويل النصوص وألبستها من المعاني فوق ما تطيق إن ابن حزم لا يرفض المجاز مادام يوجد دليل عليه (٣).
ولا يقبل ابن حزم - وفق منهجه اللغوي المنطقي لفهم النصوص - التأويل الرمزي، الذي يفسح المجال - حسب رأيه - لفوضى تأويلية، نتيجة فقدان ذلك الرباط المقدس بين الألفاظ ودلالاتها. فكل فريق يوجه النص نحو وجهته الخاصة؛ فاليهود يؤولون النبوءات نفسها التي يستشهد بها النصارى، ويرون فيها حلمهم المسيحاني بعودة مجدهم القومي - الديني - الذي لم يتحقق بعد، والنصارى يرون فيها بشارات تحققت في المسيح والخلاص على يديه. وهكذا (٤).
يعتمد ابن حزم في الحديث عن النصارى على القواعد الآتية (٥):
١ - فهم الأناجيل على ظاهر الألفاظ - كما تدل عليه اللغة - وعدم اعترافه بتأويل الكنيسة وأحبارها، إذ يرى في ذلك نوعا من الخداع.
٢ - اعتبار كل كتاب يوجد الكذب في جزء من أجزائه مثل الكل من حيث الرد وعدم القبول.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥.
(٢) عمر بن علي بن موسى البزار أبو حفص، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، تحقيق: زهير الشاويش (بيروت: المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤٠٠ هـ). الفصل الثالث عشر.
(٣) عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، (أمريكا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٨ م)، ص ١٦٥ (بتصرف يسير).
(٤) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٧٢.
(٥) د. محمود علي حماية، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، (القاهرة: دار المعارف، ط ١، ١٩٨٣ م). ص ٢٦٣. (بتصرف).
[ ٣٥ ]
٣ - عدم الاعتراف بالكثرة "؛ فالحق حق، صدقه الناس أو كذبوه، والباطل باطل، صدقه الناس أو كذبوه، ولا يزيد الحق درجة في أنه حق إطباق الناس كلهم على تصديقه.
٤ - التركيز على العقائد في مناقشة النصرانية؛ لأنه ليس في الاشتغال بالأحكام الشرعية شيء يوجبه العقل أو يمنعه بل كلها من الممكن، فإذا قامت البراهين الضرورية على قبول الأمر بها ووجوب طاعته وجب قبول كل ما أتى به كائنا ما كان من الأعمال.
٥ - اعتماده في مناقشة الإنجيل، وغيره من كتب النصارى، على النصوص الواضحة؛ التي لا يشك في أنه كذب على الله تعالى وعلى الأنبياء ﵈ إلى أخبار أوردوها لا يخفي الكذب فيها على أحد.
يحصر ابن حزم الكذب في الطبقة الأولى التي روت الخبر، أما الطبقات التالية لها فهي لديه صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل، بمعنى أن ناقل الكذب معتقدا صدقه يعد صادقا، وهذا موقف فيه شيء من الانفتاح من قبل ابن حزم إزاء نصارى عصره، من شأنه أن يعزز الثقة ويفسح مجالا للحوار (١).
كما ينقد ابن حزم العهد الجديد بأسلوب النقد الخارجي والداخلي؛ فالخارجي مثل: طرق ورود النصوص ونقلها مركزا بصفة خاصة على الطبقات الأولى التي عاصرت المسيح ﵇ والتي تلته مباشرة، أما النقد الداخلي فيعنى بفحوى النصوص، كما يبحث عن مكامن الخلل والتناقض فيها، من المنظور الحزمي بطبيعة الحال، بالمقارنة بين النصوص والرجوع إلى معطيات الحواس وأوليات العقل وبديهياته (٢).
أما ابن تيمية فقد وضع قاعدتين في ذلك:
الأولى: ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله.
الثانية: الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم الرسالة وخصومها.
على الرغم من شهرة ابن تيمية الواسعة التي بلغت الآفاق إلا أن رحمت الله قد تأثر به وزاد عليه في منهجه في الرد على النصارى كما سيتبين وفقا لمتطلبات العصر ومقتضيات المنطق.
أما قواعد ابن تيمية الشاملة في الرد على النصارى- كما سيتبين - فقد تلخصت فيما يلي (٣):
_________________
(١) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٠١ - ص ١٠٢.
(٢) مرجع سابق: عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، ص ١٤٣.
(٣) د. حمدي بن حميد بن حمود القريقري، قواعد ابن تيمية في الرد على المخالفين، (الرياض: دار الفضيلة، ط ١، ٢٠١١ م). ص ٨٦ وما بعدها.
[ ٣٦ ]
١ - وكل شيئين اتحدا فإنهما يصيران جوهرا ثالثا وأقنوما ثالثا وطبيعة ثالثة. ويثبت ذلك بالقول: إن كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا - كما زعموا - فقد استحالت صفة اللاهوت، واستحالت صفة الناسوت فلم يبق اللاهوت لاهوتا ولا الناسوت ناسوتا بل صاروا جوهرا ثالثا، لا لاهوت ولا ناسوت.
٢ - الواجب التمسك بالصريح المحكم ورد المتشابه إليه ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه.
والواجب أن يحملوا هذا اللفظ المتشابه المحتمل على اللفظ المحكم وذلك لما يلي:
أولا: أنه كان في لغة من قبلنا يعبر عن الرب بالأب وبالابن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومما يبين ذلك أن لفظ الابن في لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، ولكن النصارى يقولون: هو ابنه بالطبع، وغيره ابنه بالوضع، فيفرقون فرقا لا دليل عليه. ثم قولهم هو ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلا وسمعا ما يبين بطلانه ".
ثانيا: أن هناك نصوصا كثيرة صحيحة وصريحة تبين أن المسيح عبد مخلوق لله.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أن جميع ما عندهم من النصوص الصحيحة لا يدل على مذهبهم ألبتة نصا، بل غاية ما يدعون فيها الظهور، وهم منازعون في ذلك حتى يقال: بل الظاهر فيما يحتجون به خلاف قولهم.
ومن النصوص الصريحة التي تبطل مذهبهم
- كقول المسيح ﵇ في انجيل متى لما سئل عن علم الساعة: "لا يعلمها إنسان ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الأب فقط" مر ٣٢/ ١٣.
- ومن ذلك ما قيل: إنه قول المسيح: " إن الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم ".
- ومن أقوال المسيح " من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم "يو ٧: ١٨.
- وقال: " إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس من تلقاء نفسي، ولكن من الذي أرسلني - يوحنا ١٤/ ٢٤، والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي ولكن بمشيئته هو من أرسلني ".
- ومن أقواله الدالة على بشريته وإبطال عقيدة النصارى فيه: " يارب قد علموا أنك قد أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك " يوحنا ١٧.
٣ - مدلول اللفظ هو بحسب ما يعنيه المتكلم ويقصده ويتصوره وهذا يختلف باختلاف إرادات الناس.
[ ٣٧ ]
فعندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، وإن كلمة أقانيم كلمة رومية لا دليل عليها.
٤ - ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله.
يلزم النصارى أن يقروا بنبوة محمد - ﷺ - لأنه قد قامت البراهين الواضحة والدلائل القاطعة والمعجزات المؤيدة لصدقه وتبين من أحواله أنه رسول صادق من الله تعالى، وعلى هذا لا يجوز أن يكذب كما يفعل ذلك كثير من النصارى، ولا يجوز أن يقر بأنه أرسل إلى العرب خاصة ولم يرسل إلى أمة أخرى، وعندئذ يلزم النصارى الإيمان به - كما قال الله تعالى: " قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ".
٥ - كل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق، وبالعكس، فإن دليل الكذب مستلزم له، ودليل الصدق مستلزم له، وهما ضدان يمتنع أن يكون مدعي النبوة نبيا صادقا، ومتنبئا كاذبا، والضدان لا يجتمعان، فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين.
٦ - المضاف إلى الله نوعان: إضافة صفة، وإضافة عين. الأول: صفة لله قائمة به ليست مخلوقة له بائنة عنه. الثاني: مملوك لله مخلوق له بإذن عنه.
٧ - كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المتعلم.
٨ - الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها.
٩ - ما من طريق صحيح يثبت بها نبوة موسى وعيسى إلا وهي تثبت بها نبوة محمد - ﷺ - بطريق أولى.
١٠ - كل الأنبياء دينهم الإسلام.
- ومن خلال عرض السابقين لرحمت الله، لا يمكن أن نغفل فيه - أولا - من كان معه، ويسانده، ومن هذا المنطلق رأيت أن أرتكز على أهمهم، وأقارنه بمن أتى بعده، وهل إذا ما كان قد سار على نفس النهج أم طور؟
مقابلة بين وزير خان وأحمد ديدات
- يعد محمد وزير خان حلقة وصل فريدة بين المناهج القديمة والحديثة وهو الذي قدم طفرة في علم المناظرة، والمجادلة، ودراسات الأديان؛ بإضافته المنهج الأوروبي، ومساعدة رحمت الله ضد فندر في نقد سند الكتاب المقدس علميا.
- أما أحمد ديدات فلم يقدم جديدا على منهج وزير خان أو رحمت الله يمكن اعتباره منهجا ملموسا كما سيتضح، إلا أنه من الواضح أن ديدات قد تأثر بشدة بمنهج رحمت الله؛ فسار على طريقته، وأعاد تقديمها بثوب جديد وتطويرها بشكل يلائم الزمن الذي عاش فيه، وإعادة توعية وتذكرة ونصح الناس بها.
لقد امتلأت ذاكرة الردود، ولم يعد سوى اللجوء إلى القراءة عن السابقين، وفهرسة الردود؛ ليستفيد بها الجادون الباحثون عن الحقيقة.
[ ٣٨ ]
ثم أن أحمد ديدات: " يعتبر أحد أبرز علماء المسلمين، الذين قاموا بإجراء حوارات كثيرة مع المسيحيين في عدة أماكن في العالم، وعلى عدة أشكال ومستويات.
سئل ديدات عن أثر المناظرة - كأسلوب في الدعوة - على المجتمعات الغربية؟
فأجاب:
المناظرة لها أثر كبير جدا، لا سيما وأن معظم المناظرات التي شاركت فيها أقيمت في دول أمريكية وغربية، وكان أغلبية الحضور فيها من المسلمين والمسيحيين الموجودين في هذه البلدان.
[أولا]: وبالنسبة للمسلم، فإن المناظرة تعطيه دفعة قوية للتمسك بمبادئ دينه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المناظرة تعتبر شحنة قوية وإيجابية لهذا المسلم، تكون قوة دفع له فيكمل مشواره على طريق تمسكه بدينه الإسلامي، وبخاصة أن المسلم الموجود في الدول الأوروبية والأمريكية لا يتوافر لديه الاستعداد الكافي والقدرات المطلوبة لإبراز مميزات دينه بسبب حياته وسط مجتمع غير إسلامي وبسبب القصور في الثقافة الإسلامية التي حصلها مثل هذا المسلم، وهو - أي هذا المسلم - لا تكون لديه خلفية علمية ودينية مناسبة تؤهله وتجعله كفؤا لمناقشة المسيحي أو اليهودي، ولذلك يؤثر الصمت، وأعتقد أن المناظرة من شأنها أن توفر له الخلفية الدينية والفكرية التي تمكنه من هذه المواجهة.
[ثانيا]: أما أثرها على غير المسلمين؛ حيث إن في هذه الدول نجد مسيحيين يتصفون بضعف الجانب العقائدي، فهم لا يؤمنون بالمسيحية إيمانا كاملا، أي بالأصح - غير مقتنعين بما في دينهم - إنهم مسيحيون بالاسم. والمرء من هؤلاء حين يستمع إلى مناظرة من مناظراتنا يصل إلى قناعة بأن الإسلام هو غايته المنشودة، وأن ما عداه من الأديان زيف وضلال.
[ثالثا] أما بالنسبة للمبشرين ورجال الدين المسيحي، فإنهم يكابرون وتأخذهم العزة بالإثم ويرفضون الاقتناع ظاهريا بما سمعوه من براهين، رغم أنهم يدركون إدراكا كاملا في أنفسهم على خطأ؛ ولذلك، تحدث المناظرة في داخلهم قلقا فكريا وتوترا نفسيا واضطرابا وجدانيا، وهو أمر ينعكس سلبا على أعمالهم، فلا يقومون بمهامهم التبشيرية بالشكل المطلوب؛ لشعورهم بأنهم قد انكشفوا أمام أنصارهم ومؤيديهم وأتباعهم (١).
وأما المواضيع التي تم بحثها في تلك الحوارات فهي:
١ - ما هو اسم الله تعالى؟ في عدد من الأديان السماوية وغير السماوية.
٢ - ماذا يقول الكتاب المقدس عن نبينا محمد - ﷺ -؟ .
٣ - الإله الذي لم يكن قط، وما هكذا يكون الله تعالى.
٤ - بعث أم يقظة بعد غيبوبة؟ قضية قتل المسيح - ﵇ - أو غيبوبة.
_________________
(١) محمد عبد القادر الفقي، حوار ساخن مع داعية العصر، (القاهرة: مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، [د. ط]، ١٩٩١ م). ص ٢٥ - (بتصرف يسير).
[ ٣٩ ]
٥ - ماذا كانت معجزة يونان؟ أي - يونس - ﵇.
٦ - الصلب: حقيقة أم افتراء؟
٧ - هل الكتاب المقدس كلام الله تعالى؟ .
٨ - المسيح في الإسلام.
٩ - من دحرج الحجر؟ قضية صلب المسيح - ﵇ - عند المسيحيين والإدعاء بدفنه بعد الصلب.
وأما الأسلوب الذي سار وفقه الشيخ ديدات في حواراته، فهو الأسلوب الخطابي المؤثر، حتى في أثناء عرضه للحقائق العلمية، والأفكار الدقيقة؛ ويبدأ غالبية حواراته - بمقدمات تمهيدية جذابة، ذات أثر نفسي كبير، ثم يباشر بتجريد الطرف الآخر من كل حججه، وينقض على كل الأدلة التي يوردها الطرف الآخر بالبراهين الدامغة، والحجج القوية. وكان اعتماد الشيخ ديدات بالدرجة الأولى على القرآن الكريم، وعلى نصوص الكتاب المقدس - التوراة والإنجيل -، وكذلك على شروحهما.
وأما اعتماده الكلي في كل حواراته فكان على كتاب (إظهار الحق) والسبب في ذلك هو تشابه القضايا والمواضيع التي يحتويها الكتاب مع الكثير من الموضوعات التي طرقتها حوارات الشيخ ديدات مع المسيحيين (١).
وبعد أن اقتنع المستعمرون أنه من الصعب تنصير المسلمين، عملوا على تنصير الهندوس ليكونوا أعوانا لهم في المستقبل، وقاعدة يثبتون عن طريقها نفوذهم، أو يحكمون الهند باسمهم، فبدأت الإرساليات التنصيرية تؤدي مهمتها في البلاد، فسيطرت على التعليم الحكومي، وامتنع المسلمون من التعلم على يد النصارى الذين كشروا عن أنيابهم، وأعلنوا عن سياستهم صراحة في الرغبة في تنصير الطلاب، وأقبل الهندوس على التعليم حتى أصبح التفاوت واضحا بين الفريقين من ناحية العلم (٢).
منهج الشيخ ديدات (٣):
- أهم ما يميز كتاباته هو اعتماده على النصوص لإثبات وجهة نظره وتلك أهم مميزات الأسلوب العلمي الحديث.
- لدى المؤلف القدرة الفذة على اكتشاف ما يسمى بالتناقض الداخلي، مبديا رأيه كمسلم دون إلزام أحد به، معبرا عنه بصراحة ووضوح.
_________________
(١) بسام داودد عجك، الحوار الإسلامي المسيحي، ([د. م]: دار قتيبة، ط ١، ١٩٩٨ م)، ص، ٢٢٩ - ٢٣١ - (بتصرف).
(٢) رائدة ابراهيم اللحام، أحمد ديدات وجهوده في الرد على النصارى، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بغزة، ٢٠٠٨ م، ص ٣٣.
(٣) المرجع السابق، ص ١٠٣.
[ ٤٠ ]
- في مناظراته نجد أن أسلوبه هادئ رصين، يلتزم فيه أدب الحوار، فكان يبدأ بالاستعاذة والبسملة، والترحيب الشديد والشكر لمناظره، وكان يناقش مناظره فيما عندهم من عقائد، وكان يكسب جمهورا كبيرا من المستمعين.
- وكان يحاول مخاطبة مناظره باللغة التي يفهمها هو وقومه.
منهجه في مناظراته:
- اعتمد على المنهج العقلي والنقلي، وكان يغلب النقلي على العقلي في الموضوعات المختلفة، وقد تأثر بأسلوب الشيخ رحمت الله في استعماله النقل في محاججة الخصم.
- المنهج النقلي: طريقة دراسة النصوص المنقولة ويقوم على العناصر العامة التالية:
o توثيق إسناد النص إلى قائله: بمعنى التأكيد من صحة صدور النص من قائله ويأتي هذا بالرجوع إلى المنهج الخاص في المجال المعرفي الخاص به، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، وتاريخ الرواة العاربة والحاضرة في دراسة اللغة والأدب.
o التحقق من سلامة النص: بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص أو ما إلى هذه، أي أنه سليم من هذه وكما قال قائله.
o فهم مدلول النص: ويتأتي هذا بالرجوع إلى الوسائل والأدوات المقرر استخدامها لذلك، وتعرف في ضوء المنهج الخاص كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مدلولات النصوص الفقهية من آيات وروايات ومجال استخدام هذا المنهج: كل معرفة مصدرها النقل.
o المنهج العقلي: هو طريقة دراسة الأفكار والمبادئ العقلية.
• فقد جمع ديدات في منهجه النقلي بين المصادر الإسلامية ومصادر أهل الكتاب «١).
• واعتمد في المنهج العقلي على المسلمات العقلية مستخدما عملية التحليل والمقارنة ثم الاستنتاج العقلي للقضايا المختلفة (٢).
- ويدخل في الحديث مباشرة في حين يستغرق الآخرون معظم الوقت في الكلام خارج الموضوع المطروح للمناظرة (٣).
ومن حيث امتداد عرض السابقين واللاحقين لرحمت الله؛ لا يجب أن نتوقف فقط عند الأفراد بل الجماعات والتنظيمات، فكما كان من جانب النصارى منظمات عمل تنصيرية فكذلك كان للمسلمين - حديثا - منظمات دعوية للحديث عنها جانب مثل:
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١١٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١١٨.
(٣) المرجع السابق، ص ١٢٢.
[ ٤١ ]
١. IERA: (www.iera.org)
تأسست في عام ٢٠٠٨ في بريطانيا على يد الداعية / عبد الرحمن جرين.
٢. Bridges foundation: (thebridgesfound.org)
تأسست في عام ٢٠٠٤ في أمريكا على يد المهندس / فاضل سليمان.
٣. Islamic Propagation centre international (ICPCI)]http://www.ipci.co.za/[
تأسست على يد الداعية / أحمد ديدات في جنوب أفريقيا عام ١٩٨٦.
- كما يوجد هناك مؤسسة - حديثة المنشأ - في مصر وشمال أفريقيا وهي: أهلا " AHLAN" للتعريف بالإسلام، ولها حضور قوي في عدة أماكن أثرية وسياحية في مصر: كالقلعة، ومسجد محمد علي، انبثقت من مؤسسة أكبر وهي جمعية تبليغ الإسلام.
أما المبشرون فلم يتركوا بابا إلا طرقوه طلبا لتنصير المسلمين وخاصة في بلاد أفريقيا وآسيا الفقيرة؛ حيث الحاجة الماسة إلى الطعام والعلاج والتعليم، فكانت هذه المجالات هي أوسع الأبواب التي دخلوا منها واستطاعوا بالفعل تحقيق كثير مما كانت تصبو إليه أنفسهم وإن لم يتم لهم كل ما أرادوا وخططوا له (١).
إن عرض الدين وعدم إثارة الشبهات هو أفضل طرق الدعوة، والبديل عنه هو الحوار والنقاش والتناظر بالتي هي أحسن؛ حيث إن له دورا فعالا، ومؤكدا، في كشف الحقيقة، وبالاستناد إلى القواعد والآداب العامة فيقل حينئذ التصادم، وقد وجدنا أن أكثر المطالب للحوار تأتي من جانب المسلمين لمسيحيي الغرب. لكن نتساءل لماذا تأتي الدعوة إلى الحوار مع المسلمين من جانب الكنائس والمؤسسات الدينية النصرانية التي تعيش في أوروبا، بينما لا نجد حماسا شديدا في الدعوة إلى مثل هذا الحوار من جانب الكنائس الشرقية التي كان ينتظر أن تكون أكثر اهتماما بالحوار مع المسلمين الذين يحيطون بهم من كل جانب، ويشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمعات التي يعيشون فيها؟ (٢).
لعل السبب في هذه الظاهرة أن الكنائس الشرقية أعلم من غيرها بأحوال المسلمين، وبتمسكهم بعقيدتهم الإسلامية، وعدم جدوى هذه الوسيلة لتنصيرهم. وإن كان لهذا التفسير ما يبرره،
_________________
(١) د. السيد محمد الشاهد، التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام- دراسة تحليلية نقدية، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ١، ١٩٩٤ م)، ص ٥ (بتصرف يسير). عن التعريف بكتاب: هانس كونج، جوزيف فان إس، المسيحية وديانات العالم، (ميونخ، ألمانيا: داربيبر، ١٩٨٤ م). يوسف فان إس: ولد عام ١٩٣٤ م، وهو أستاذ كرسي في جامعة توبنجن، وكان مديرا لمعهد العلوم الشرقية بالجامعة، وله مؤلفات عديدة، معظمها في علم الكلام الإسلامي والتصوف والفلسفة. هانس كونج: الرئيس والمشرف على ندوة الحوار تلك، وهو مدير معهد أبحاث توحيد الكنائس المسيحية التابع لجامعة توبنجن بجنوب غرب ألمانيا الاتحادية - المرجع السابق ذكره، ص ١٢.
(٢) المرجع السابق: د. السيد محمد الشاهد، التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام، ص ٦ (بتصرف يسير).
[ ٤٢ ]
إلا أن هناك تفسيرا آخر لعله أقوى وأقرب إلى الصحة، وهو أن الكنائس التي تعيش بين المسلمين ويتكلم تابعوها العربية التي هي لغتهم الأم، يقرأون مؤلفات المسلمين ويؤيدون حججهم القوية في الدفاع عن دينهم الإسلامي، الحجج المثبتة للدين الإسلامي، وكذلك الحجج المثبتة لتحريف الأناجيل التي بني دينهم عليها، هذا من شأنه أن يجعل نتيجة الحوار في غير صالحهم ولعلها تؤدي إلى عكس ما ينتظرونه، ولعل وجود النصارى في المجتمع الإسلامي كأقلية ضعيفة الشأن في مقابل أغلبية ساحقة من المسلمين لا يكون مناسبا أو مساعدا على ظهورهم بمظهر الواثق من نفسه ومن قوة حجته، هذا على عكس وضع الكنائس الغربية التي تدعو إلى الحوار على أرضها حيث تكون الأغلبية الساحقة لأتباعهم، ولا تشكل المجموعة الإسلامية سوى أقلية ضعيفة الشأن. وثمة سبب آخر يمكن أن يسبب دفاعهم عن عقيدتهم وإبداء حججهم إثارة فتنة طائفية في المجتمع الذي يعيشون فيه تكون نتيجتها في غير صالحهم وغير صالح المجتمع ككل.
وإنه على الرغم من ذلك فإن طائفة كبيرة من الشباب الأوروبي والنصراني بشكل عام وخاصة طلبة الجامعات، كانت قد فترت قناعتهم بما تلقيه إليهم الكنيسة من تعاليم وعقائد يعجزون عن فهمها لبعدها عن المنطق العقلي السليم وعن واقع الحياة المعاش ومتطلباته، ولا يجدون فيها حلولا لمشكلاتهم بكل أنواعها. إن ما يدور من مناقشات في المؤتمرات المفتوحة التي نظمتها الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا الاتحادية تعكس هذا الموقف البائس للشباب تجاه دينهم، وتظهر حاجتهم إلى دين أقوم يقوم على حجج أقوى، ويقدم حلولا واقعية لحياتهم المعاشة، وتصورا أفضل لمستقبلهم وحياتهم الأخرى (١). وفي ختام ذلك نجد أنه من المناسب جدا البحث عن وسائل جديدة لدعوة هؤلاء الشباب إلى الدين الصحيح والأقوى.
عرض آثار العلماء زمن رحمت الله وآرائهم فيه
بعد التعرف على حياة الشيخ رحمت الله الهندي، والتعرف على مناهج سابقيه ولاحقيه - بشيء من التفصيل - أتعرض للحديث عن بعض العلماء الذين كانوا في زمن رحمت الله الهندي، وبعض آثارهم العلمية، كذلك آراء العلماء المسلمين في الشيخ رحمت الله ومن خلال ما قدم.
بلغ رحمت الله الهندي مبلغا عظيما في تلك الفترة من تبحر في العلم، وقوة في الفهم، وصدقا في التوجه، وأوتي حجة سليمة، ومنطقا حكيما.
ظهر رحمت الله في فترة عصيبة - من فترات الاحتلال - سبقتها حملات تبشير وتنصير خطيرة، أعقبها ظهور أكبر المنصرين على الساحة، ولم يجد العامة - في تلك الفترة - من يصلح للتصدي له إلا رحمت الله؛ فهرعوا إليه - مذعورين - بعد أن أصابهم المنصر بالداء العضال، والسموم الفتاكة، وتقلب الناس في الفتن، وتكالب عليه المرجفون حتى بات الأمر
_________________
(١) المرجع السابق: د. السيد محمد الشاهد، التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام- دراسة تحليلية نقدية، ص ٧.
[ ٤٣ ]
خطيرا ينذر بسوء العاقبة والمصير، فما كان من رحمت الله إلا أن أعد العدة، وجهز نفسه؛ لملاقاته حتى أصبح منتصرا، وعاد الناس إلى ثباتهم وقوتهم من جديد.
لم يكن رحمت الله هو أول من قام بجهود التصدي لهؤلاء المنصرين، بل سبقه أئمة وعلماء كثر، كانوا منارة في العلم، لكن قد بلغ الأمر ذروته وحميته عند رحمت الله؛ فبعد المبشر الكبير هنري مارتين - وكالعادة خرج مغلوبا - أرسلوا فندر ليكمل المسير ويخدم الاستعمار.
وللتعرف على الأئمة والعلماء اللذين كانوا في عصر رحمت الله، وممن سبقوه؛ بهدف التعرف على أعمالهم، وجهودهم، والتي أعتبر مناظرته هي ملخص جهود كل هؤلاء، مضافا إليها خبرة وشخصية هذا العالم الفذ الكبير- رحمت الله الهندي - وجهوده في التصدي لمحاولات التنصير في شبه القارة الهندية هم (١):
- قاسم بن أسد على الكري النانوتوي:
أسهم في ثورة ١٨٥٧ م، وله مدرسة كبيرة في يوبند، وله مؤلفات في الرد على النصارى مثل: تقرير دل بذير - رحمة الإسلام - آب حياة.
- رشيد أحمد الجنجوهي: دار العلوم وله مناظرات، وكتب بالأردية.
- أحمد بن زين العابدين: الأنوار الإلهية في دحض خطأ المسيحية في الرد على جيروم كزافييه.
- محمد علي المونكيري: مرآة الإسلام - مرآة اليقين - تكميل الأديان - الرسالة المحمدية - دافع التلبيسات - تصديق المسيح.
- ناصر الدهلوي: عقوبة الضالين - الاستئصال وقيمة الوداد - لحن داوود - الإنعام - إفحام الخصام - تصحيح التأويل - إعزاز القرآن. ميزان الميزان في الرد على ميزان الحق - مصباح الأبرار - تشويش القسيس - نويد جاويد.
- محمد على المراد آبادي: كشف الأوهام - شهادة النبيين برسالة سيد المرسلين - تأييد الفرقان.
- فقير محمد الجهلمي: فريدة الأقاويل في ترجيح القرآن على الأناجيل.
- علي غضنفر بن علي أكبر اللكنوي: الحق المبين في الرد على كتاب أمهات المؤمنين.
- محمد آلي حسن الموهاني: الاستبشار - الاستفسار للرد على ميزان الحق.
- هادي علي النصير آبادي: كشف الأستار للرد على مفتاح الأسرار لفندر - تشخيص الحق.
- عباس علي الجماجموي: صولة الضيغم على أعداء ابن مريم - غلام الدين الأمر تسري - تصديق الإسلام.
- حق الباري: أعلام الأحبار.
_________________
(١) مرجع سابق: محمد الفاضل علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية، ص ١٣٩ وما بعدها. كذلك انظر: مرجع سابق: رسالة الأزهر، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، ص ١٦٧، ص ١٦٩، ص ١٧٢، ص ١٧٥، ص ١٧٦، ص ١٩٦.
[ ٤٤ ]
- مولوي جراغ علي الحيدر آبادي: تحقيق الجهاد - بركات الإسلام.
- عنايت رسول الجرياكوتي: البشرى
- الشيخ أحمد السرهندي (١٥٦٣ م - ١٦٢٤ م)، والشيخ عبد الحق الدهلوي (٩٥٨ هـ - ١٥٥٠ م)، والشيخ ولي الله الدهلوي (١١١٤ هـ - ١٧٦٣ م) صاحب كتاب حجة الله البالغة، وكتاب إزالة الخفاء عن تاريخ الخلفاء، وأبناؤه عبد العزيز (١٧٤٦ م)، وعبد الغني ولي الله الدهلوي، والشيخ أحمد الشهيد والإمام بخش وعبد الرحمن الجشتي.
آراء العلماء في آثار الشيخ رحمت الله
رأي الشيخ ديدات في كتاب إظهار الحق:
يقول ديدات: " وقد كنت شابا حساسا في العشرين من عمري، فكنت أقضى ليالي عديدة ساهرا أبكي لضعفي وعدم قدرتي على الدفاع عن النبي - ﵊ - وهو الذي أرسل رحمة للعالمين. وقررت دراسة القرآن والكتاب المقدس والكتب التي تتحدث عنهما. واكتشافي لكتاب (إظهار الحق) كان أول خطوة في تغيير مجرى حياتي. وبعد فترة كانت لدي القدرة على أن أدعو أولئك الوعاظ للمناقشة وأخرجهم بالحقائق المعروضة مما اضطرهم لاحترام الإسلام ونبيه " (١).
رأي المحقق (الدكتور: الملكاوي) في كتاب إظهار الحق:
وكتاب إظهار الحق يعد من خير ما ألف للرد على النصارى، وكشف زيف مزاعم المنصرين ومطاعنهم، مع خلوه من الشتائم واللغو، وتقريره الحقائق الدينية والتاريخية بأسهل الطرق وأقربها، واعتماده في ذلك على ما في كتب العهدين المسلمة عند فرق النصارى، ولذلك لا عجب أن يحدث ظهور هذا الكتاب بعدة لغات أوروبية صدى عجيبا في الأوساط النصرانية والإسلامية (٢).
رأي الشيخ الندوي في إظهار الحق:
يمتاز بعدة مميزات (٣):
الأولى: أن المؤلف آثر خطة الهجوم على خطة الدفاع التي لا تزال أقوى وأكثر تأثيرا في النفس، فإنها تلجئ الخصم إلى أن يتخذ موقف الدفاع، وأن يقف في قفص الاتهام، ويدافع عن نفسه وينفي التهمة، وكان مما تورط فيه علماء المسلمين - قديما - أنهم وضعوا التوراة والإنجيل والقرآن على مستوى واحد، وبذلك نالت هذه الصحف القديمة ما لم تكن تستحقه من الثقة والتقدير، مع أن أصحابها أنفسهم لا يدعون أنها كلها كلام الله والوحي المنزل من
_________________
(١) أحمد ديدات، هل الكتاب المقدس كلام الله، ([د. م]: [د. د]، [د. ط]، [د. س]) ص ٧٧.
(٢) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، ص ٧٤.
(٣) مرجع سابق: مقدمة أبي الحسن الندوي، إظهار الحق، ص ١٠ (بتصرف يسير).
[ ٤٥ ]
السماء، بنصه وقصه، كما هو الشأن مع القرآن الكريم والمؤمنين به (١) وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، موفقا كل التوفيق في إيثار خطة الهجوم في كتابة «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مع أن قيمة الصحف الأربعة للإنجيل لا تعدو عند المحققين قيمة كتب السيرة والحديث من الطبقة الثانية والثالثة، ليس لها سند متصل صحيح، وقد ألفت بعد رفع المسيح في فترات مختلفة، وفيها أشياء من كلام المسيح وأشياء من أفعاله ومعجزاته (٢) وقد تفطن الشيخ رحمة الله بدقة دراسته وأصالتها، وأصاب المحز، فغير ذلك وجه البحث والجو الذي تقوم فيه المناظرة، وأفقد الخصوم الموقف المشرف الذي تمتعوا به واستغلوه زمنا طويلا.
الثانية: أن المؤلف تجنب البحوث الدقيقة التي يتسع فيها مجال الجدال، ويكثر فيها القيل والقال، بل اعتمد في الكتاب على التناقضات الواضحة، والبديهيات الجلية، التي لا تقبل التأويل، واستخرج منها نتائج، كنتائج رياضية لا يختلف فيها اثنان، فقد أثبت أن التوراة والإنجيل مليئة بالاختلافات والتناقضات، وقد وقعت فيها أخطاء فاحشة عد منها مائة وثمانية ١٠٨ من الأخطاء، وبرهن بذلك على أنها كلها ليست إلهاما من الله، وأن التحريف قد وقع في «الكتاب المقدس» لا محالة، من زيادة ألفاظ، وحذف كلمات، وعبارات إلحاقية، وبذلك أصبح هذا الكتاب شديد الوطأة على من يؤمن بكونه صحفا سماوية منزلة وصلت إلى البشر عن طريق الوحي والإلهام.
تعرض المؤلف فيه لمغالطات النصارى وتمويهم، ورد عليها في أسلوب سائغ مقنع، وتعرض لإثبات النسخ ووقوعه في الديانتين السابقتين وصحفهما. وضع المؤلف العلامة حقيقة عقيدة التثليث في النصرانية على محك العقل، ونقدها نقدا علميا يستسيغه كل من رزق العقل السليم والذوق الصحيح.
لم يكتف المؤلف بنقد المسيحية وعقائدها وصحفها، بل أضاف إلى ذلك الحديث عن القرآن الكريم وإثبات أنه كلام الله، لا شك في ذلك، وأجاب في هذا الصدد على كل ما عارضه به النصارى، واعترضوا على القرآن، وذكر في ذلك نبذة من سيرة الرسول ﷺ ومعجزاته والبشارات التي وردت في شأنه وقد ذكر ثماني عشرة ١٨ بشارة، وحقق الأحاديث، لذلك كان الإقبال على هذا الكتاب كبيرا والعناية به عظيمة، وقد ظهرت الطبعة الأولى في عام ١٢٨١ هـ في استنبول، ونقله عالم تركي إلى اللغة التركية ووسماه بـ «إبراز الحق» وقامت الحكومة العثمانية بترجمة الكتاب في عدة لغات أوروبية، ونقله أحد الكتاب بالإنجليزية في الهند إلى اللغة الإنجليزية.
وبين التأييد والنقد رأي آخر في رحمت الله:
وإن المرء ليشعر وهو يقرأ هذا الكتاب بأن الرجل عميق الإيمان بدينه، واسع الاطلاع على ديانات غيره، متمكن كل التمكن من موضوعه، وأن له عارضة قوية في الجدل وسوق الحجة، وأنه كان يعرف مواطن الضعف التي يتهجم فيها على معارضيه، وأنه قرأ العهدين
_________________
(١) راجع: كتاب «النبوة والأنبياء في ضوء القرآن» فصل «الصحف السماوية السابقة والقرآن في ميزان العلم والتاريخ».
(٢) راجع للتفصيل الجزء الثاني من «الجواب الصحيح» ص ١٠.
[ ٤٦ ]
القديم والجديد كلمة كلمة، وقرأ كل ما كتبه عنهما علماء اليهود والمسيحية، وكان من أبلغ حججه تلك الاستشهادات التي أوردها من أقوال مؤرخيهم ومفسريهم على تأييد قضيته (١).
إلا أنه يورد بعض الهفوات في الكتاب:
وهذا لما كانت لغة المؤلف الأصلية غير العربية كانت له هنوات في الأسلوب العربي رأيت أن أنبه عليها، ولما كانت غايتي أن أجعل هذه النسخة واضحة أمام القارئ العربي فقد قمت بتصحيح بعض هذه الهنوات من ذلك:
- عدم وضعه (أل) مع كلمتي بروتستانت وكاثوليك أيا كان موضعها في الجملة، وقد اضطرت حتى تستقيم العبارة إلى وضع (أل) معهما.
- كان المؤلف يخطئ في الأعداد من ناحية التذكير والتأنيث، فيقول مثلا: السنة الثالث عشر، والصحيح الثالثة عشرة، وكذلك في الآيات فيقول: الآية الثانية عشر، ويقول: بألوف سنة أي: آلاف السنين.
- يضع (أل) مع غير في مثل قوله (ومترجميهم الغير المحصورين) والصحيح غير المحصورين لأن غير لا تدخل عليها (أل) في مثل هذا الموضوع لاستغراقها في الإبهام.
- لا يحذف (أل) من المضاف فيقول «وغيره من العلماء المسيحية» ويقول «من القدماء المؤرخين» والصحيح من قدماء المؤرخين ومن علماء المسيحية.
- له جموع عجيبة مثل ذمائم جمع مذمة، وجمعها الصحيح مذمات.
- تراه ينسب إلى كنايات العدد، فيقول: (كذائية) نسبة إلى كذا، وهذا لم يسمع في اللغة العربية.
- يستعمل البتة بمعنى حتما، فيقول: «وهو غلط البتة»
- له أساليب كثيرة لا تجري على سياق العربية من مثل قولة: «في أعداد هذه كتب التواريخ» يريد أن يقول: «في أعداد كتب التواريخ هذه» فقدم اسم الإشارة فأفسد تركيب الجملة.
- وله أخطاء في استعمال العدد وتمييزه، فيقول: ألف وخمسمائة زبورات، والصحيح زبور بالمفرد، ويقول ثلاثة آلاف أمثال، والصحيح: مثل بالمفرد. ويقول أحد وأربعون كتابا بدلا من واحد وأربعين كتابا.
- يكتب الأسماء تبعا لنطقها الإنجليزي فيقول: في أفريقيا «أفريكا» وإيطاليا «إتالي» وغير ذلك.
_________________
(١) عمر الدسوقي في تحقيق إظهار الحق:، (الدوحة، قطر: دار إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٩٨٠ م)، ص ٢٨.
[ ٤٧ ]
ويقول: "قد حاولت جهدي تصحيح هذه الهنوات حتى تستقيم العبارة ويقرأ النص صحيحا، وقد نبهت على ذلك في الهامش تبعا لاحترام النص" (١).
صدى الكتاب في الأوساط النصرانية والإسلامية:
إن النصارى قد غاظهم صدور هذا الكتاب وترجمة الحكومة العثمانية له ونشره، فأخذوا يشترون هذا الكتاب من الأسواق بجميع ترجماته وطبعاته، ويجمعونها، ثم يتلفونها بالحرق؛ قاصدين إعدام وجوده من الأسواق العالمية، ومنع وصوله إلى أيدي القراء عامة والنصارى خاصة، وقد علقت صحيفة اللندن تايمز على هذه العملية الحاقدة بقولها: " لو دام الناس يقرؤون هذا الكتاب لوقف تقدم المسيحية في العالم " ولكن وقوف الحكومة العثمانية - آنذاك - وراء ترجمة هذا الكتاب، وطباعته، ساعد على ظهوره، وانتشاره، رغم الجهود المبذولة لطمسه.
وأما في الأوساط الإسلامية: فقد أخذ الطلاب والعلماء والباحثون عن الحق يتلقفون طبعات هذا الكتاب للدراسة والاستفادة منه، وأقبل الناس على شراء طبعاته وترجماته المختلفة وإقبالا منقطع النظير، وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء، ونقلوا منه، واعتبروه من المراجع الهامة في علم مقارنة الأديان، وأوصوا باقتنائه وإعادة طباعته (٢).
تقريظ الشيخ محمد رشيد المعصراني الدمشقي للكتاب:
نعم مبناه رياض أثمرت در معناه لمن يدري الخطاب
حكمة بالغة آياته فصلت من فكر ذي القدر المهاب
جامع المعقول والمنقول في صدره بحر العلوم المستطاب
رحمت الله لنا المقصود من شاع من تأليفه هذا العجاب
والشاعر: أحمد فارس بن يوسف الشدياق المتوفي سنة ١٣٠٤ هـ - ١٨٨٧ م وكان نصرانيا مارونيا لبنانيا فأسلم وتسمى بأحمد فارس وكتب تقريظا أنقل منه ما يلي:
بنيت دلائله على أحكام عقل ثم شرع
رقت معانيه وراقت كل ذي نظر وسمع
وكان مجموع طبعات كتب العهدين التي رجع إليها مؤلف إظهار الحق (٣٢) طبعة بأربع لغات منها (١٣) بالعربية، و(٨) بالفارسية، و(٦) بالهندية، و(٥) بالإنجليزية، هذا بالإضافة إلى (٥٨) مصدرا أساسيا من التواريخ والتفاسير التي كتبها العلماء المحققون من أهل الديانتين اليهودية والنصرانية (٣).
_________________
(١) مرجع سابق: إظهار الحق، تحقيق: عمر الدسوقي، ص ٢٩.
(٢) مرجع سابق: إظهار الحق، تحقيق الملكاوي، ص ٧٤، ص ٧٥.
(٣) المرجع السابق، ص ٨٣.
[ ٤٨ ]
المبحث الثاني
التعريف بالقس فندر (١٨٠٣ م- ١٨٦٥ م)
مقدمة:
ولد عام ١٨٠٣ م وتوفي عام ١٨٦٥ م وكان د. فندر مستشرقا كاثوليكيا تحول إلى البروتستانتية لأجل الطمع الدنيوي كما بينه صديقه القسيس فرنج؛ وذلك لأنه رغب في استيطان انجلترا؛ ولأجل خاطر زوجته البروتستانتية؛ [ورغبة في رئاسة المنصرين في الهند] (١).
أرسلته كنيسة انجلترا رئيسا للمنصرين في الهند، فأظهر نشاطا كبيرا بحيث عده المنصرون ثالث أخطر منصر يدخل الهند.
تزعم فندر الحملة التنصيرية داخل الهند بإلقاء المواعظ والخطب في الاجتماعات العامة، والمآتم، والأفراح الإسلامية والهندوسية (٢).
مؤلفاته (٣):
١ - إظهار الدين النصراني.
٢ - حل الإشكال: طبع عام ١٨٤٧ م.
٣ - طريق الحياة: طبع عام ١٨٤٧ م.
٤ - [ملاحظات محمدية عام ١٨٤٠ م].
٥ - مفتاح الأسرار: ألفه عام ١٨٣٧ م وطبع عام ١٨٤٣ م ومفتاح الأسرار الجديد فطبع بالفارسية عام ١٨٥٠ م وقد رد عليه الشيخ هادي علي في كتابه كشف الأستار.
٦ - ميزان الحق: أخطر كتب فندر، وأخطر كتب المنصرين على الإطلاق، وألفه بالإنجليزية عام ١٨٣٣ م، وأعيد طبعه في عام ١٨٤٣ م، ورد فيه على النسخة القديمة الشيخ ناصر الدين أبو المنصور الدهلوي في كتابه ميزان الميزان، كما رد عليه الشيخ محمد آل حسن الرضوي في كتابه الاستفسار ١٨٤٣ م، ورد عليه الشيخ رحمت الله في أول كتاب له " إزالة الأوهام بالفارسية "، ثم قام فندر بتصحيحه وطباعته من جديد باسم حل الإشكال بالفارسية عام ١٨٤٩ م، وبالأردية عام ١٨٥٠ م؛ للرد على الاستفسار، فقام الشيخ / الرضوي - من جديد - بالرد عليه في كتاب الاستبشار، كما قام رحمت الله الهندي بالرد عليه في معدل اعوجاج الميزان؛ لإظهار فوارق النسختين، فقام فندر بتعديل النسخة وطباعتها بالتركية، ثم قام سنكلر بطباعة النسخة العربية المصرية، فقام الشيخ / علي بن عبد الله
_________________
(١) مرجع سابق: المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس كتبها: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، ص ١٢٣ وما بعدها (بتصرف يسير).
(٢) إظهار الحق، تحقيق: د. الملكاوي، جزء التحقيق (بتصرف يسير).
(٣) انظر إظهار الحق - تحقيق د. عبد القادر ملكاوي.
[ ٤٩ ]
البحراني (١) بالرد عليه في كتاب اسمه " لسان الصدق "، كما رد عليه الشيخ / عبد الرحمن الجزيري في كتاب اسمه " أدلة اليقين، تلا ذلك إطلاق الكتاب بعدة لغات تحوي النسخة ثلاثة أجزاء تحت مسمى الطبعة الثالثة لمركز الشبيبة بازل بسويسرا، وحذفوا فيها المقدمة وغيروا أسماء الفصول والأبواب وأبدلوا كثيرا من المواضع.
أثار فندر بكتابه " ميزان الحق " والذي ألفه عام ١٢٤٨ هـ، الموافق ١٨٣٣ م، مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في دلهي، وأكرا، ولكهنؤ، وكان له اطلاع على اللغتين الفارسية والأردية، وكان له دوره في تزعم الحملة التنصيرية في الهند؛ فكان يتنقل بين المدن الهندية يلقي المحاضرات، ويقيم الندوات، ويدرب المنصِّرين الذين كان من جهودهم إلقاء محاضرات باللغة الإنجليزية على المسلمين المتنورين. أما كتابه " ميزان الحق " فقد أصبح مرجع الكتَّاب الذين يريدون الطعن في الإسلام، وأصبح أيضًا في نظر علماء الإسلام دليلًا على صحة دين الإسلام، على عكس ما أراد فندر؛ فأثبت رحمت الله تحريف التوراة والإنجيل من حيث يريد إثبات سلامتهما، وعمل على هدم دينه من أساسه من حيث يريد بناءه.
أما مساعد وشريك القسيس فندر في المناظرة فهو صديقه القسيس فرنج French، وكان فندر يعده المنصرون ثالث أخطر منصِّر يدخل الهند؛ فقد سبقه القس اليسوعي جيروم كزافييه Jerome Xavier، المتوفى سنة ١٠٢٦ هـ، الموافق ١٦١٧ م. ثم جاء المنصِّر هنري مارتين Henry Martin، الذي ترجم الإنجيل إلى الفارسية والأردية (٢).
وفي الختام سيتم عرض حياة القس فندر كاملا في ترجمة له عن الدكتور كلينتون الأستاذ بالجامعات الإنجليزية، والذي يحكي فيها عن نشأته ومنهجه وأعماله وتقييمه لدوره. وكما تم عرض هذا المبحث فقد تبين خطورة كتاب " ميزان الحق " شرقا وغربا وجهود فندر في ترجمة كتابه ذلك ومناظرة المسلمين فيه.
_________________
(١) علي بن عبد الله بن علي البحراني (١٣١٩ هـ - ١٩٠١ م) نزيل مسقط: فقيه إمامي، ولد في البحرين، وانتقل إلى " مطرح " حيث تقيم الطائفة " الحيدر آبادية " فمكث فيها إماما. ثم غادرها إلى لنجة (أحد مؤانئ إيران الشمالية على خليج فارس) فتوفي بها مسموما، ومن كتبه: " لسان الصدق -ط "، و" منار الهدى - ط " في الإمامة، و" الأجوبة العلمية للمسائل السقطية - ط " جمعها تلميذه وابن أخته أحمد بن محمد بن أحمد بن سرحان البحراني، ورتبها على ترتيب كتب الفقه، وله رسائل في " التقية " و" المتعة " و" التوحيد "-الأعلام، الزركلي، (بيروت: دار العلم للملايين، ط ٥، ١٩٨٠). (جـ ٤، ص ٣٠٨) ..
(٢) انظر مرجع سابق: المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس كتبها: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، ص ١٢٣ وما بعدها (بتصرف).
[ ٥٠ ]
فندر وعرض سابقيه ولاحقيه
قد سبقت فندر محاولات كثيرة في هذا الشأن، منها: جهود فردية متميزة مثل: ريموندلول، أو عمل جماعي مؤسسي مثل: مؤسسة الفرنسيكان والدومينيكان حيث تعدان أول مؤسستين تنصيريتين في هذا المجال.
الفرنسيسكان والدومنيكان (١)
الفرنسيسكان: من أشهر مدارس التبشير - الآن - في الشرق الأوسط، وهي واسعة النشاط في أنحاء العالم كله، وينتمي إليها رجال بارزون في الدراسات الشرقية والفكر الديني، وهي في بدايتها قامت على إقلال بالغ في العلم والمال، ثم مازالت تنمو وتمتد حتى وصلت إلى هذا المركز العالمي. كانت بدايتها في أوائل القرن الثالث عشر، ومؤسسها الذي تنسب إليه هو فرنسيس الأسيزي (١١٨٠ - ١٢٢٦) م، وكانت أول أمرها جماعة من الفقراء يعيشون على التبرعات والصدقات (٢).
الدومينيكان: أسسها القديس دومنيكوس (١١٧٠ - ١٢٢١) م سنة ١٢١٦ م، وكانت مهمتهم الأولى هي دحض البدع وإزالة الخرافات بطريق العلم والاستنارة العقلية، ولذا عنت بالتعليم العالي، فقدمت لأوروبا قواعد ثقافية مهمة، كانت ذات أثر في بناء نهضتها الحديثة، ومنذ القرن السابع عشر بدأوا يؤسسون لهم فروعا في الشرق وينشئون بها مكتبات ومعاهد، وفي أواخر القرن التاسع عشر أنشأوا مكتبة الكتاب المقدس، ومجلة الكتاب المقدس بالقدس، ثم معهد الدراسات الشرقية بالقاهرة في أعقاب الحرب الثانية عام ١٩٤٤ م ونظموا له مكتبة. ومكتبة المعهد بالقاهرة كبيرة ومنظمة على الطريقة الحديثة، وتحوي عددا من الكتب العربية وجميع المجالات الإسلامية من مختلف أنحاء العالم تقريبا (٣).
_________________
(١) لم يزد الصليبيين في المشرق إلا ضعفا وتمزقا ويأسا من استمرارية البقاء، فبرزت حركة التنصير إلى سطح الحوادث من جديد في صورة نظرية أو فكرة، نادى بها بعض المفكرين الصليبيين، هي ضرورة اتباع أسلوب آخر في طرح الحركة الصلبيية مع العرب والمسلمين، ألا وهو أسلوب الصليبية السلمية، ليس ليحل محل الصليبية المسلحة، وإنما ليكون مساندا لها، الأمر الذي يؤكد ما سبق ذكره من أن هذين الأسلوبين انبثقا عن حركة واحدة، ولتحقيق هدف مشترك، فكانا بذلك أشبه بوجهين لعملة واحدة، كما يؤكده أيضا ظهور هذا التوجه بوضوح في مشاريع ونظريات الدعاة الصليبيين الذين عاصروا تلك الفترة ومن جاء بعدهم من أمثالهم الذين زخر بهم أواخر القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر للميلاد بأسره. د. ممدوح حسين، مدخل إلى تاريخ حركة التنصير، (الأردن، عمان: دار عمار للنشر والتوزيع، ط ١، ١٩٩٥ م)، ص ١٦ - ٢١.
(٢) عبد الجليل شلبي، الإرساليات التبشيرية، (الإسكندرية: المعارف، [د. ط]، [د. س])، ص ١٧٣.
(٣) المرجع السابق، ص ١٨٠ (بتصرف يسير).
[ ٥١ ]
ريموند لول (١):
قد سبق فندر المنصر اليسوعي (جيروم كزافييه) والذي عمل في لاهور على فتح باب الجدل في مسائل التوحيد والتثليث وألوهية المسيح وصحة الكتب المقدسة، فسبب ذلك قيام أحمد بن زين العابدين بتأليف كتابه: (الأنوار الإلهية في دحض خطأ المسيحية).
ثم جاء المنصر هنري مارتين والذي وضع أساسا قويا للتنصير بترجمة الإنجيل إلى الفارسية والأردية (٢).
وسبقهما ريموند لول ١٣١٤ هـ، ولكن المسلمين قتلوه عام ١٣١٥ هـ، وهو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها فتعلم اللغة العربية، وجال في بلاد الشام، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة، كما تبع فندر صفدر علي وعماد الدين.
اعتمد ريموند لول في خطته لتنصير المسلمين التالي:
١ - إصدار الكتب التي تشرح الخطط.
٢ - إنشاء الجامعات التي تعلم الكيفية.
٣ - تعليم اللغة العربية في الجامعات.
وأشارت بعض المصادر على أن لول قد أوصى أحيانا باستخدام العنف في التنصير إذا لم تفلح الطرق السلمية في ذلك (٣).
وقد كان التبشير هو البديل النصراني للحملات الصليبية الفاشلة في تحطيم العالم الإسلامي أو محوه من الوجود، وأصبح القرآن الكريم موضوعا للتبشير، وأصبحت ترجمته إلى اللغات الأوروبية أحد الأغراض الأساسية للتبشير (٤).
بدأ تلاعب الغربيين بترجمات القرآن الكريم بتصدي غير المؤهلين منهم لهذا العمل غير الهين، فقام مترجمون من الدرجة الثانية والثالثة بهذه المهمة الجليلة، كما عامل هؤلاء المترجمون النص القرآني معاملة المؤلفات البشرية، ولم تكن هذه المعاملة موضوعية علمية بل كانت معاملة غير أمينة، كذلك كان هدفها لي النص وتمزيقه؛ كي يكون مولودها مشوها يلائم مهمته غير النبيلة التي لم يخفها المترجمون (٥).
_________________
(١) ريمون لول (١٢٣٥ - ١٣١٥) م - شخصية عجيبة - فيلسوف متواضع، ولعله لولا محاولة منطقية سبق بها ليبنتزلم يكن اسمه ليذكر في تاريخ الفلسفة، ولد بجزيرة ميورقة في أسرة غنية، ولما أتم دراسة الفنون الحرة، حوالي الرابعة عشرة، انتظم في سلك الغلمان بالبلاط الأسباني وعاش عيشة لهو وقصف، أقبل على اللاتينية يجودها، وعلى المنطق، وصرف في ذلك تسع سينين وضع بعدها مؤلفه الأول والأشهر " الفن الأكبر " أو " الفن الكلي " ثم أعقبه بمؤلفات كثيرة في المنطق وفي الرد على ابن رشد والرشديين. كان لاهوتيا فيلسوفا متصوفا، وله في ذلك كتب باللاتينية، وكان أديبا دون القصص ونظم الشعر، وخاصة بلغته القطالونية، ومما نظمه بها كتاب في منطق الغزالي، وآخر في العروض والجوهر، وكان متضلعا في العربية حتى نقل عنها وصنف بها. انظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، (القاهرة: دار هنداوي، د. ط، ٢٠١٢). ص ١٧٣ وما بعدها.
(٢) انظر إظهار الحق، تحقيق د. الملكاوي، ص ٢٢ وما بعدها.
(٣) انظر: على بن نايف الشحود، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة (١٦)، الإلحاد، ج ٤٦، ص ٣٠٢.
(٤) عبد الراضي عبد المحسن، ماذا يريد الغرب من القرآن، (الرياض: مجلة البيان، ط ١، ٢٠٠٦ م)، ص ٣٧.
(٥) المرجع السابق، ص ٤٨.
[ ٥٢ ]
وفي باب معرفة سابقيه ولاحقيه، لابد من التعرف كذلك على معاصريه، والذين ناظروا فندر غير رحمت الله ..
١ - المناظرة التحريرية بين فندر ووزير خان:
ووقعت بين هذا القسيس النبيل وبين الحكيم الفطين المكرم (محمد وزير خان) - المساعد القوي لرحمت الله في المناظرة الكبرى - وذلك بعد رجوع رحمت الله إلى دهلي - مناظرة تحريرية - وطبعت هذه المناظرة سنة ١٨٥٤ م في أكبر أباد، فكتب القسيس النبيل إليه في المكتوب الثاني الذي كتبه ٢٩ مارس سنة ١٨٥٤ م هكذا: (لعل جنابكم أيضًا داخلون في زمرتهم) أي زمرة الدهريين (كما يوجد في الملة الإسلامية أناس هم محمديون في الظاهر ودهريون في الباطن) فكتب الحكيم الممدوح في جوابه أمورًا منها هذان الأمران أيضًا (قد اعترفتم في المجمع العام أن أحكام التوراة منسوخة، وسلمتم في المجمع المذكور التحريف في سبعة أو ثمانية مواضع، واعترفتم في ثلاثين أو أربعين ألف موضع في النسخ المتعددة بسهو الكاتب الذي دخلت بسببه الفقرات من الحاشية في المتن، وخرجت الفقرات الكثيرة منه، وبدلت الفقرات، فأي مانع أن يقال لأجل ذلك لكم: "إنكم تعتقدون قلبًا أن الدين العيسوي باطل، وتعلمون أيضًا أن كتبكم المقدسة منسوخة ومحرفة ولا اعتبار لها عندكم أصلًا؟، لكنكم لأجل الطمع الدنيوي فقط متمذهبون بهذا المذهب في الظاهر وحامون لهذه الكتب المحرفة، أو يظن لأجل أنكم كنتم من مريدي كنيسة (لوتيرين) مدة حياتكم، وصرتم من عدة شهور إلى كنيسة إنكلتره أن سببه أيضًا هو الطمع الدنيوي لأن عزمكم أن تستوطنوا إنكلتره كما سمعت من رفيقكم القلبي أيضًا) أي القسيس فرنج (أو أن سببه أمر منزلي) يعني أن زوجة القسيس النبيل كانت من كنيسة إنكلتره فبدل القسيس النبيل مذهبه لأجل استرضاء خاطرها، كما ظهر لي من بيان الحكيم الممدوح أن مرادي بالأمر المنزلي هذا" (١).
٢ - المناظرة التحريرية بين فندر وبين محمد آل حسن الرضوي عام ١٨٤٤ م:
فكتب الشيخ محمد آل حسن "صاحب كتاب الاستفسار" إليه في مكتوبه الثاني لقبول أربعة شروط في المناظرة، وكان الشرط الأول منهما هذا: (يذكر اسم نبينا ﷺ أو لقبه بلفظ التعظيم، وإن لم يكن هذا الأمر منظورًا لكم فاكتبوا هكذا نبيكم أو نبي المسلمين، وصيغ الأفعال أو الضمائر التي ترجع إلى جنابه الشريف تكون على صيغ الجمع كما هو عادة أهل لسان الأردو، وإلا لا نقدر على التكلم ويحصل لنا الملال في الغاية) فكتب هذا القسيس في جوابه في مكتوبه الذي كتبه في ١٩ تموز سنة ١٨٤٤ م هكذا: "فاعلموا أننا معذورون في ذكر نبيكم بالتعظيم أو بإيراد الأفعال والضمائر في صورة الجمع، هذا الأمر غير ممكن منا، لكنا لا نكتب باللقب السوء أيضًا بل أكتب نبيكم أو نبي المسلمين، أو محمد - ﷺ -.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٠ وما بعدها.
[ ٥٣ ]
ويتبين من خلال معاصريه أن فندر كان مجادلا قد تحول إلى البروتستانتية إما إرضاء لزوجته أو بهدف الطمع الدنيوي أو بكليهما معا.
بعد عرض السابقين والمعاصرين للقس فندر نتعرف الآن على لاحقيه، والأمثلة كثيرة (١):
إنه في أثناء الحروب الصليبية أدرك أصحاب المشاريع الصليبية في الغرب الأوروبي، خطورة مصر وأهميتها بالنسبة إلى مشاريعهم، بوصفها القاعدة الكبرى التي ارتكز عليها الأيوبيون في حروبهم مع الغربيين في الشام، والتي استمد منها صلاح الدين معظم موارده البشرية والمادية لذلك دخلت الحركة الصليبية مع بداية القرن الثالث عشر مرحلة جديدة شهدت استئثار مصر بالجزء الأكبر من اهتمام الصليبيين، ودار العمل التنصيري في هذه الفترة على عدة محاور من خلال دخول مصر والعمل على خلق قاعدة مسيحية وطنية ومحاولة التقرب من رأس الكنيسة القبطية (٢).
فمن جانب الكاثوليك واعتمادا على الأطروحة التي تقدم بها ريموند لول الفرنسيسكاني، ورسالة وليم الطرابلسي الدومنيكاني في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر واللتين رسمت من خلالهما الخطوط العريضة، التي ارتشف منها العمل التنصيري رشفة مازالت تحييه إلى الآن، يتضح لنا أن بعض الآباء الفرنسيسكان والدومنيكان كانوا من أوائل المخططين للعمل التنصيري الكاثوليكي بين العرب والمسلمين بل المنفذين له أيضا، والذين دخلت مؤسساتهم مع الحروب الصليبية ثم اشتد الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس على أماكن النفوذ في الأماكن المقدسة بالعالم العربي في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر (٣).
والفرق بين هذه الجماعات والجماعات البروتستانتية، أن - الأخيرة - لم تأت بتعاليم جديدة تخالف ما درجت عليه الكنيسة الكاثوليكية، وبعض المؤسسين لهذه الجماعات كان عملهم مجرد اعتزال لحياة الناس، وعكوفا على العبادة، وحملهم إخلاصهم الديني على بث أفكارهم
_________________
(١) وحديثا يرى زكريا بطرس أن الإنترنت قد كسرت حواجز الثقافة واللغة وأشياء أخرى كثيرة. قسم المبشرون- حديثا - العمل التبشيري من خلال عصور ثلاثة: القديم والوسيط والحديث وأبرزوا أهم المبشرين: يوحنا الدمشقي. فرانسيس الأسيسي. صموئيل زويمر. ولقد عزز بطرس منهجه بعرض منهج صموئيل زويمر واهتمامه بوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في التنصير والتي تجاوزت عيوب ومشاكل وسائل التنصير القديمة. من الملاحظ أن المبشرين ينكرون صلتهم بالحملات الصليبية، إلا أن الحملات الصليبية كانت داعمة لفكرة التنصير في سبيل إخراج المسلم من دينه، وترك عقيدة الجهاد؛ من أجل سيطرة الغرب على الأرض والشعب معا، فلما لم تفلح القوة العسكرية لجأوا إلى التبشير بهدف التشكيك والإقناع. وزكريا بطرس هو قمص قبطي أرثوذكسي ولد في سنة ١٩٣٤ م، ورسم في شبين الكوم ثم نقل إلى طنطا، ثم أرجع إلى كنيسة مارمرقص في القاهرة، ثم عمل كاهنا في استراليا عام ١٩٩٢ م، ثم عاد إلى مصر، ثم عمل في برايتون بانجلترا. درس في كلية الآداب، وحصل منها على ليسانس التاريخ. أثر في تكوين شخصيته واتجاهه، ورث عن أخيه إنجيله الذي أصبح إنجيل بطرس فيما بعد، أعطته مجلة وورلد جائزة دانيال العالم عن برنامجه حوار الحق عام ٢٠٠٨ م، وصفته صحيفة الإنسان الجديد بعدو الإسلام رقم واحد. من موسوعة الويكيبيديا ومن خلال متابعة قنواته وأحاديثه، إلا أنه يصعب الرد على أمثال زكريا بطرس في بحث علمي؛ لأن أغلب أعماله عبر مواقع الكترونية - يمكن تغييرها أوالتحريف فيها - ولا يمكن الرد إلا بنفس طريقته ومنهجه وهي مواقع الكترونية، لكن باستثناء ما يقوم فيها بتسجيل أحاديثه وكلامه بطريقة صوتية أو مرئية.
(٢) عبد الفتاح إسماعيل غراب، العمل التنصيري في العالم العربي، رسالة ماجستير، (القاهرة: مكتبة البدر، [د. ط]، [د. س])، ص ٥٤ وما بعدها.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٧، ٤١ وما بعدها.
[ ٥٤ ]
بين الآخرين، ثم تطورت دعواتهم فتعددت وسائلها وكثرت مدارسها في الشرق وكان يعوقها تضارب بعضها مع بعض ولكنها عملت أخيرا على اتحاد نشاطها رغم اختلاف مذاهبها (١).
اتفق الكاثوليك والبروتستانت وتنوسيت الخلافات والمعارك الداخلية بين الفريقين، وأمست المؤتمرات المسيحية تجمع بين الفريقين ليواجهوا الإسلام معا (٢).
فمن عام ١٧٩٨ م إلى عام ١٨٨٢ م وفي مصر، قام البروتستانت - في بداية عملهم - بالتنصير بالعمل في أوساط المسلمين، وذلك في محاولة منهم لتجنب الصدام مع الكاثوليك - أصحاب النفوذ عند الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت - وعدم إثارة حفيظة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الموقورة، بعد أن أفقدتهم الكنيسة الكاثوليكية عددا لا يستهان به من أبنائها (٣).
المؤسسات التنصيرية:
إنه عند مقارنة فندر سواء بسابقيه أولاحقيه لابد من الأخذ في الاعتبار أن عمله - في الأساس - عمل جماعي ينبثق من منظمة عمل جماعي تبشيري يطلق عليه CMS ومقرها الرئيسي في بريطانيا، وقد سبقها في العمل مع جامعة بازل والتي تخرج منها، لكن CMS هي منظمة تنصيرية نبعت من الاستعمارالبريطاني، وهدفها تدمير عقائد المسلمين بإنشاء وتشجيع الفرق الضالة: كالقاديانية والبهائية وغيرهما أو تنصير المسلمين؛ بإنشاء تلك المنظمات التنصيرية، وكانت تتبع شركة الهند الشرقية في الهند، وهي من كانت تدير شبه القارة حتى إعلان انضمام الهند بالكامل - كولاية - تحت دولة بريطانيا العظمى عقب فشل الثورة الهندية - آنذاك - وسيطرة الإنجليز عليها وقمعها بكل قوة.
وعند المقارنة بسابقيه لابد من وضع وسائل التنصير قبل الاستعمار في الاعتبار- إلا أنه قد وجد أنها لم تترك الأثر الذي تركته الحركة الصليبية وما تلاها في العمل التنصيري الممنهج حتى وإن كان فرديا مثل: ريموند لول - وكذلك وضع سابقيه داخل المنظمة ممن كان لهم التأثير الواضح، والانتشار الواسع، والحجة القوية قياسا على مجمل عددهم وكذلك وسائل تنصيرهم الحالية؛ كهنري مارتين (١٧٨١ م - ١٨١٢ م) والذي عمل محبوه على التوسع في أعماله وبعد وفاته قاموا بإنشاء منظمة تنصيرية تتبع اسمه وأطلق عليها HMT عام ١٨٨١ م.
وتبين لي من متابعة بعض المؤسسات التنصيرية مثل: منظمة هنري مارتين
حيث قمت بتصفح موقع المؤسسة " HMT" على الشبكة العالمية، فوجدت بعض المقالات العلمية التي تتحدث عن تجارب المنظمة، وأدوارها، وطبيعة عملها في مختلف دول العالم، ووقع بصري على ورقة بحثية - باللغة الانجليزية - لإحدى مديري تلك المؤسسة، وكان أول مدير لا يحمل الجنسية البريطانية - بل الباكستانية - وقد كتب عن هنري مارتين. بتصفح تلك الورقة والتي تتحدث في مقدمتها عن سيرته الذاتية وكيف وصل
_________________
(١) مرجع سابق: عبد الجليل شلبي، الإرساليات التبشيرية، ص ١٦٧ (بتصرف يسير).
(٢) محمد الغزالي، الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر، (القاهرة: مكتبة وهبة، ط ٣، ١٩٩٠ م)، ص ٨٩.
(٣) مرجع سابق: عبد الفتاح إسماعيل غراب، العمل التنصيري في العالم العربي، ص ٦٣.
[ ٥٥ ]
إلى الهند، فوجدت أن من أسباب اشتراك هنري مارتين في أعمال مؤسسة CMS كان في الأساس بسبب الفقر والحاجة، وأن أبويه قد توفيا في زمن مبكر، وتحمل بنفسه أعباء أشقائه الصغار، ولذلك لجأ إلى السفر- من خلال المنظمة؛ حتى يستطيع أن يحصل على المبلغ الكافي ليسد بها حاجته وحاجة أشقائه الصغار إلا أنه توفي مبكرا في مقتبل الثلاثين من عمره. عمل هنري مارتين بجد في ترجمة كتب العهد الجديد إلى الفارسية والأردية؛ حيث كان قد تعلمهما من خلال رحلاته إلى إيران والخليج العربي، كذلك تعلم اللغة العربية. فربما كان هذا العمل الجاد بسبب فقره وحاجته إلى المال.
وكذلك منظمة " CMS ": حيث تأسست المنظمة عام ١٧٩٩ م، ومقرها الرئيسي في شرق مدينة أكسفورد بإنجلترا، وموقعها على شبكة الانترنت العالمية هو" CMS-UK.ORG"، ولها فروع في مختلف دول العالم منها: مصر، إلا أن تجاربها في بعض الدول لم تنجح بالشكل الكافي - كمصر - لربما بسبب انتشار طائفة الأرثوذكس مقارنة بالطوائف الأخرى الكاثوليك والبروتستانت - حيث عمل المنظمة الرئيسي- وربما بسبب اعتراضات الدولة المصرية على مصادر تمويل تلك المنظمات أيام الرئيس جمال عبد الناصر، وعلى كل حال فقد تصفحت موقعها ووجدت أعمالها وقيمها منشورة على ذلك الموقع. مبادئ المنظمة السبعة (١):
١ - أريد أن تكون حياتي مهمة.٢ - أعتقد أن الله لا يزال يعمل في هذا العالم.٣ - المنظمة ليست شخصا آخر بل وظيفة، إنها أنا.٤ - أريد أن أعيش ليسوع كل يوم.٥ - أنا أدرك أنني بحاجة لوقود في رحلتي.٦ - أريد أن أساعد مجتمعي المحلي المسيحي حفاظا على مهمته الأساسية. أريد بانتظام تجديد عقلي وروحي. أما قيم المنظمة (٢):
_________________
(١) «CMS-UK.ORG
(٢) I want my life to be about mission.
(٣) I believe God is still working in this world.
(٤) Mission isn't someone else is job، it's mine.
(٥) I want to live for Jesus every day.
(٦) I realise I need fuel for my journey.
(٧) I want to help my local Christian community keep mission a priority.
(٨) I want to regularly renew my mind and spirit.
(٩) CMS core values: Pioneering We are sent out in mission by the God who says، "I am making all things new." So it's natural that CMS people will try new things in new places and won't be afraid to take a look at mission from a new angle. Evangelistic It's there in our motto: Sharing Jesus، Changing Lives. CMS people are driven by a desire to share Jesus - in all the breadth and fullness of that phrase. And that is what changes people's lives - and ours.
[ ٥٦ ]
الريادة: أرسلنا في مهمة من قبل الله الذي يقول: " أنا أعمل كل شيء جديدا " لذلك فمن الطبيعي على رواد المنظمة أن يحاولوا تقديم أشياء جديدة في أماكن جديدة لا يخشون التحرك نحو زاوية جديدة من العمل. التبشير: شعارنا؛ مشاركة يسوع - تغيير الحياة - رواد المنظمة لديهم الرغبة في تقاسم يسوع في كل نفس بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا ما يغير حياة الناس وحياتنا. العلاقة: المنظمة تمثل كل شيء عن الناس - ونعمل على أن يصل الناس لمشاركة يسوع وتغيير حياتهم، ولذا نوعية علاقاتنا ستكون دائما لها الأولوية. الخلاص: بعد أكثر من قرنين من الزمان تعلمنا أشياء قليلة عن كوننا مبشرين في إرسالية المسيح، ليس أقل من الأوقات الفاشلة، لكننا لن نستسلم لليأس، نريد من العالم معرفة المسيح. أما أعمال وأنشطة CMS الحالية فهي (١): - رفع مستوى شركاء المهمة.- رفع مستوى برامج شركاء تيموثي.- رفع وتيرة تدريب قيادة رواد البعثة.- مهمة تعبئة الكنيسة.- رفع مستوى كل مسيحي.
إن التنصير هو إخراج الناس من دينهم إلى دين النصارى بغية وقف التمدد الإسلامي، ووقف الجهاد، وامتداد للحروب الصليبية بعد فشلها فالتنصير حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه. إن العقول النصرانية - التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة - تريد أن تفرض النصرانية بالقوة؛ فقوة الحديد والنار والانقلابات العسكرية مع الشعوب التي لا تستجيب إلا لذلك ولكن بأيد خفية (٢).
تلجأ المنظمات التنصيرية إلى تبرير الانقلابات العسكرية والتواطؤ مع منفذيها لتحقيق أغراضها في مكان تراه منطلقا للعمل الإسلامي، أو تعذر عليها فيه التنصير، فيبدأ التخطيط لقلب نظام الحكم في ذلك الموقع، وإحلال نظام بديل يأذن لهم بممارسة التنصير، أو
_________________
(١) Relational CMS is all about people - we raise up people to share Jesus and change lives. So the quality of our relationships will always be a priority. Faithful After more than two centuries، we've learned a few things about being faithful in God's mission، not least through the times we've failed. But we won't give up. We want the world the know Jesus.
(٢) - Raising up mission partners. - Raising up Timothy partners programs. - Raising up pioneer mission leadership training. - Mobilizing church mission. - Raising up every Christian. -
(٣) عبد الرحمن بن عبد الله صالح، التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين، (بيروت: دار الكتاب والسنة، ط ١، ١٩٩٩ م)، ص ٥ - ص ١٠.
[ ٥٧ ]
التضييق على المناشط الإسلامية المتواجدة في ذلك الموقع، أو محاربة الجمعيات الإسلامية التي تنطلق من ذلك المكان إلى أماكن أخرى (١).
يعتبر الإعلام بوسائله المتعددة - من مقروءة ومسموعة ومرئية - الوسيلة الهامة في نظر المنصرين - إذ يتمكنون من خلاله من بث الأفكار والمعتقدات الباطلة والترويج لها والدعوة إليها (٢).
فالتنصير في حقيقته - إنما يعتمد على الإكراه أكثر مما يعتمد على حرية الاعتقاد وذلك عندما يعمل المنصرون في ركاب الغزاة الغربيين لبلاد الإسلام مستظلين بحمايات قوات الاحتلال وشركات الاستغلال .. فيصنع الغزو الكوارث التي تخل بتوازنات الضحايا، ليأتي المنصرون فيقدمون المساعدات باسم " يسوع " وليحولوا ضحايا الغزو عن دينهم ودين آبائهم، لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء! (٣).
ويشجعون نشر الفلسفات المادية والإلحادية في بلاد الإسلام باعتبارها عقبات في سبيل سيادة الإسلام في المجتمعات الإسلامية (٤).
في يونية سنة ١٩٧٦ -، عقد في جنيف بسويسرا مؤتمر بين المسلمين والنصارى دعا إليه مجلس الكنائس العالمي حول موضوع: " نظرة الأديان السماوية إلى الإنسان وإلى تطلعه نحو السلام ". وفي ذلك المؤتمر أبدى مجلس الكنائس العالمي أسفه الشديد؛ لأن الواقع أثبت أن إرساليات التبشير النصرانية في ديار المسلمين قد تسببت في إفساد الروابط بين المسلمين والنصارى، كما اعترف بأن تلك الإرساليات كان طابع نشاطاتها في خدمة الدول الأوروبية المستعمرة، وأنها كانت تستخدم التعليم وسيلة لإفساد عقائد المسلمين. وقد تعهد الجانب النصراني في هذا المؤتمر بإيقاف جميع الخدمات التعليمية والصحية التي تستخدم لتنصير المسلمين (٥).
في مؤتمر كولرادو الذي انعقد بأمريكا عام ١٩٧٨ م لتنصير المسلمين، تحدثوا عن ضرورة اختراق الإسلام، لتنصير المسلمين من خلال الثقافة الإسلامية، وبالاعتماد المتبادل مع الكنائس الوطنية في الشرق الإسلامي، والعمالة الفنية المدنية الأجنبية في بلادنا الإسلامية (٦).
ليس هذا فحسب بل إن د. سعد إبراهيم - الذي يحتمي بالجنسية الأمريكية .. والذي يدرس في الجامعة الأمريكية التي تأسست في الأصل مدرسة لتنصير المسلمين، وتحويل الأرثوذكس
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٦٧.
(٣) د. محمد عمارة، الفارق بين الدعوة والتنصير، (القاهرة: مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٧ م). ص ٣ (بتصرف يسير).
(٤) المرجع السابق، ص ٤ (بتصرف يسير).
(٥) دار الإفتاء السعودي، مناظرة بين الإسلام والنصرانية، (القاهرة: دار الحرمين للطباعة، ط ٢، ١٩٩٢ م)، ص ١٠، ص ١١.
(٦) د. محمد عمارة، في المسألة القبطية حقوق وأوهام، (القاهرة: مكتبة الشروق، ط ١، ٢٠٠١ م)، ص ٣٩.
[ ٥٨ ]
إلى البروتستانتية -يمارس الدعوة إلى إلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية والهوية الإسلامية لمصر من خلال مركز بحثي أطلق عليه اسم ابن خلدون (١). إن هذا المخطط التنصيري يعترف بأنه - في سبيل تنصير المسلمين - يلجأ إلى الميكيافيلية، وتنحية القيم والأخلاق! .. يعلنون عزمهم على: اختراق القرآن - بدلا من مواجهته! .. وصب المضامين النصرانية في مصطلحاته وتأويلاته! (٢).
إن الفارق الجوهري بين التبشير بالإسلام وبين التبشير بغيره من الأديان .. فارق الإضافة للإيمان والاحترام للرموز الدينية .. بدلا من الانتقاص والازدراء (٣).
وعلى سبيل المثال: عندما دخل الإسلام مصر"أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك، كما فرضت على المسيحيين سواء بسواء ودون اقتتال طالما قد أدوها " (٤). طالما اتفق الطرفان على الحماية المشتركة، وحرية العقيدة والدين فيما لا يضر بالآخر.
لكن في المقابل نرى أن جرائم الأوروبيين الأسبان باسم التنصير في استعمار القارة الأمريكية كالتالي: "ومع طلوع الفجر كان الأسبان يدخلون على هؤلاء المساكين الأبرياء النيام فيحرقون منازلهم المصنوعة من القش، ويحرقون النساء والأطفال وهم أحياء، كما يحرقون الرجال قبل أن يستيقظوا وكان القبطان لا يقدم لرجاله الطعام، ولكنه سمح لهم بأن يأكلوا الهنود الذين معهم أو الذين يلتقطونهم أثناء الغارات على المدن والقرى، هكذا صار معسكره أشبه بمسلخ يتراكم فيه لحم البشر، كان الرجال يقتلون الأطفال ويشوونهم، وكانوا يقتلون الإنسان من أجل لحم كفيه وقدميه قائلين إنها أشهى لحم الإنسان" (٥).
فشريعة الحروب لديهم تتمثل في:
الحكم الأول: أن يضرب جميع سكان المدينة الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوان بالسيف سواء المقاتل أو غيره، وتحرق المدينة كاملة بكل ما اشتملت عليه من بقاع (التثنية: ١٥ - ١٦)، صموئيل الأول ١٥، (الملوك الثاني ٢٠، ٣٥)، حزقيال ٢٥: ١٣ - ١٧، ميخا: ٧ - ٩، الخروج ٢٣: ٢٨ - ٣٢.
الثاني: أن يستبقي أسرة من المدينة مقابل قيامها بالتجسس لصالح الغزاة فحينئذ تحرق المدينة بعد إخراج الأسر المتعاونة، أما الفضة والذهب والحديد والنحاس فلا ينالها الحريق، بل تجعل في خزائن رب الذهب. يشوع ٢٢ - ٢٥.
_________________
(١) المرجع السابق: د. محمد عمارة، في المسألة القبطية حقوق وأوهام، ص ٨٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٨ (بتصرف يسير).
(٣) المرجع السابق، ص ٣٧ (بتصرف يسير).
(٤) المرجع السابق، ص ٤٥ (بتصرف).
(٥) كارلس المطران برتلومي دي لاس، المسيحية والسيف، وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحيين الأسبان، رواية شاهد عيان، ترجمة سمير عزمي الزين، منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، ط ١، ١٤١١ هـ، ص ٣٤ وما بعدها.
[ ٥٩ ]
الثالث: ألا يبقى شارد ولا طريد - يشوع ٨.
الرابع: قتل الملوك وتعليق جثثهم على أبواب المدينة إلى المساء - يشوع ٨، ١٠: ٢٦.
الخامس: تحريق الحيوانات أو قتلها تبعا للسكان أو تركها واستبقاؤها غنيمة - يشوع ٨، يشوع ١١، (التثنية ٢، ٣)، يشوع ١١: ٩، قضاة ٢٠: ٨، يشوع ٦: ٢١.
السادس: أن تكون الحرب بلا هدف فيقتل فيها الأبرار والأشرار - حزقيال ٢١: ٤.
السابع: أن الله يبيد الأمم والشعوب ويفنيهم من أمامهم. التثنية ٧: ٢ - ٦.
الثامن: الاغتسال بدم الخصم - مزمور ٥٨.
التاسع: التلذذ بمآسي الآخرين والتشفي منهم - أرمياء ٢٥: ٣٤، ٣٥ (١). يقول د. مراد هوفمان [ألماني تحول للإسلام] "ويغفل الغرب عن حقيقة مهمة، وهي أن الإسلام يهدف إلى أن يعيد المسيحية لتقف على قدميها، بدلا من الوقوف على رأسها، وأن الإسلام يمكن أن يكون ذا نفع هائل لإعادة الصحة إلى الحضارة الغربية. ولكن هذا ليس مقصدي هنا، ولكن ألا تستدعى مجرد أصول المعاملة المهذبة واللياقة، عدم تجاهل رسول يؤمن به ما يزيد على مليار إنسان ويحترمونه؟ " (٢).
وبعد كل هذا، فإن حركة التمرد على المسيحية بدأت في الظهور في القرن ١٩ من خلال محاولة إجراء مراجعة نقدية تاريخية للمصادر المكتوبة التي تستمد منها المسيحية بتعاليمها، ولقد قام بهذه الحركة لاهوتيون، وكان لها نتائجها المدمرة، وأذكر في هذا الصدد أسماء بعض أساتذة علم اللاهوت من الكاثوليك والبروتستانت مثل: John Hick . لم تشارك الجموع المسيحية في هذه العملية، خاصة أن عملية المراجعة هذه قد حرص القساوسة على حجبها عن الجماهير والتكتم على أمرها. لقد كان العهد الجديد كنص تاريخي أول ضحايا عملية نقد المصادر هذه، لقد قام Rudolf Buhmann (٣)
باتباع المنهج التاريخي النقدي
_________________
(١) د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم، موقف اليهود والنصارى من مخالفيهم من خلال كتابهم المقدس ومن خلال شواهد التاريخ- دراسة مقارنة، (مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (٤٧) رجب ١٤٣٠ هـ).
(٢) د. مراد هوفمان، الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود، تعريب: عادل المعلم، يس إبراهيم، (بيروت: مكتبة دار الشروق، بدون ط، ٢٠٠٠ م). ص ١٦٥.
(٣) لوتز، رودلف هيرمان (١٨١٧ - ١٨٨١ م). فيلسوف ألماني حاول أن يوفق بين العلم والنصرانية رغم الخلاف بينهما ٠ ولقد أثر في مفكرين كثيرين في القرن التاسع عشر الميلادي، وبالأخص الفيلسوف الأمريكي جوزيا رويس. ويؤيد لوتز التفسير الآلي للطبيعة، كأسلوب لا غنى عنه في البحث العلمي - من وجهة نظره - وهذا التفسير ينكر وجود الله ﷾ ويشرح الطبيعة من خلال المسببات الآلية وينكر وجود أي قاعدة منفصلة غير آلية تتحكم في الظواهر الطبيعية. ومع ذلك نجده يضع حدودًا وقيودًا على هذا التفسير ويرى أن القيم الأخلاقية تجبرالناس على التفكير فيما وراء الدلالة العلمية. ثم شكل نظريته التي تتفاعل فيها الطبيعة طبقًا لأسباب معينة، وأن الأشياء الطبيعية لها شخصية روحانية. ولد لوتز في بوتزن فيما كان يعرف باسم ألمانيا الشرقية. ودرس الفلسفة في جامعة جوتين، كما ألّف العديد من الكتب مثل: الميتافيزيقا عام (١٨٤١ م)، والمنطق (١٨٤٣ م) والعالم الصغير أعوام (١٨٥٦ - ١٨٦٤ م)، ونظام الفلسفة أعوام (١٨٧٤ - ١٨٧٩ م). الموسوعة العربية العالمية السعودية، مرجع سابق.
[ ٦٠ ]
المعمول به في الأدب في تحليله وتناوله للنص المقدس وهكذا قام بتفسير " علاقة رسالة المسيح الأصلية بالشخصية التاريخية لعيسى " ولقد سار في تحليله إلى أقصى مدى، وتوصل إلى استحالة القيام بعملية كتابة صحيحة لتاريخ عيسى للظروف المحيطة بنشأة الأناجيل، لايوجد رغم المجهودات المضنية مصدر أساسي، لايوجد إنجيل عيسى ولذلك لم يستطع الكثيرون نفي حقيقة أن نشأة النصوص المسيحية المقدسة لا تعود إلى أسباب تاريخية، بل تعود في حقيقة الأمر إلى مصالح تتعلق بالكنيسة (١). كذلك يقول هانز كينج عن الكتاب المقدس في المسيحية: " توافرت الدلائل في القرنين الأخيرين - بشكل لم يسبق له مثيل - على عدم إلهامية أسفار الكتاب المقدس، بل وتختمها بالمغالطات والأخطاء الشائنة لها كعمل أدبي، وهذا ما لا يستطيع عاقل اليوم أن ينازع فيه ولأن هذا الكتاب كذلك فأنا لا أعتقد بإلهاميته ولا بحقيقة الدعوة التي يروج لها" (٢).
بعد عرض تلك التوجهات والآراء، يتأكد لنا حقيقة تلك الأعمال التبشيرية وأن لها تأثيرا قويا جدا على الأرض، كما يؤكد حقيقة استمرارية تلك الأعمال وامتدادها على مدى عدة قرون متعددة في سبيل القضاء على الإسلام من تحويل أهله إلى النصرانية، أو العمل على بث الشبهات في عقيدة المسلم وخلعه من دينه. إلا أنه بالرغم من كل هذا قامت فيهم ومنهم حركات تصحيح ونقد للكتاب المقدس الذي بين أيديهم وأكدوا أن الأمر يتعلق بالمصلحة دون الدين.
عرض آثار العلماء زمن فندر وآرائهم فيه
بعد التعريف بالقس فندر وأعماله، ومناهج سابقيه ولاحقيه، أتعرض هنا لحياة وآثار مبشرين كانوا في زمن فندر، وآراء علماء الغرب في فندر.
تواجد مبشرون قبله وفي عهده ومن بعده أمثال: اسمن كارواور، عماد الدين، صفدر علي - صاحب كتاب نياز نامة ١٨٦٧ م وكتاب تحقيق الإيمان، وبركت الله - صاحب كتاب حاملو الصليب وكتاب أمهات المؤمنين- وتريكت سوسايني - صاحب كتاب إبطال الدين المحمدي، وراجرس - صاحب كتاب تفتيش الإسلام -، ومحبوب مسيح - صاحب كتاب تحفة الأعم، رجب علي (آثينة إسلام)، القسيس تي جي إسكات (تصديق الكتاب)، القسيس يونس (البراهين الإلهية)، جيروم كزافييه (المرآة المرئية للحق)، و(شريف النسبتين ١٨٦٧ م)، وغيرهم (٣).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٦٨، ص ١٦٩ (بتصرف يسير).
(٢) نقلا من ا. د. عبد الراضي عبد المحسن، سلسلة أبحاث جامعية، دراسات عربية وإسلامية، (القاهرة: دار الهاني للطباعة، ط ١، ٢٠١٥ م) ص ٣١ وهانز كينج البروفيسور بجامعة تيبنجن الألمانية، والذي فقد كرسي الأستاذية في كلية اللاهوت الكاثوليكية ١٩٧٩ م بسبب آرائه الحرة، نفس المرجع، ص ٢٦.
(٣) انظر مرجع سابق: رسالة الأزهر، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، ص ٢٦٢. محمد الفاضل بن علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية، ص ١٠٠، ص ١٠١.
[ ٦١ ]
قد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاة فندر؛ فقد ذكر د. الملكاوي أن وفاة فندر كانت في أوائل ديسمبر عام ١٨٦٥ م، وذكر د. كلينتون أنها كانت في عام ١٨٦٦ م، كما ذكر كلينتون أن تاريخ الميلاد كان ١٨٠٣ م (١).
إن من أهم المبشرين الذين كانا في زمن فندر هما: عماد الدين وصفدر علي، واللذان سأتعرض لحياتهما بشيء من التفصيل والتحليل ثم أتناول نظرة الغربيين في فندر والمناظرة من أمثال: (د. كريستين - د. كلينتون - البرت هوراني - د. جونسون).
أولا: آثار مبشرين زمن فندر
قمت بترجمة - قصة حياة عماد الدين- المساعد لوزير خان ورحمت الله - والذي كان داعية إسلاميا فتنصر - وذلك عن ترجمة قصته من الأردية إلى الإنجليزية للكاتب إرنست هان.