"تحليل ومقارنة المنهج بين رحمت الله وفندر"
[ ٢٣٠ ]
تمهيد
بعدما عرضنا في الفصل الأول حياة الشيخ والقس، وعرض أهم ما أنتجوه من كتب، وكما تم دراسة منهجهما من خلال الفصلين الثاني والثالث، نتوجه في هذا الفصل - بمشيئة الله تعالى - إلى مقارنة ما ورد في الفصلين الثاني والثالث، من خلال أهم ما قدموه من مباحثات ومناظرات والقضايا المتنازع فيها بين كل من الشيخ والقس ومن خلال المدخل، ثم مبرزا القواعد الجدلية التي يجب أن يسير عليها المتناظران في ختام الفصل، بعد عقد المقارنة بين كل منهما، ووضع كل منهما على تلك القواعد، وبيان من التزم ومن لم يلتزم بها.
[ ٢٣١ ]
مدخل
إن المباحثة تكون مكتوبة غالبا، أما المناظرة فتكون علانية في الغالب لكن قد يشير كل منهما إلى الآخر أو يكمل كل منهما الآخر.
المناظرة (١)
كانت وقائع هذه المناظرة بين الشيخ والقس في الفترة الزمنية التي كانت الهند تحت نيران الاحتلال الإنجليزي، حيث أخذ نشاط علماء النصارى ودعاة التنصير يزداد بمرور أربعين عامًا على ذاك الاحتلال؛ فأخذوا يكتبون الرسائل، ويؤلفون الكتب، ويلقون الكلمات والمحاضرات في الأماكن العامة وحيث يجتمع الناس.
إن سبب عناية واحتفاء المنصِّرين والقُسُس بكتاب ميزان الحق هو شموله جميع الشبه والافتراءات على دين الإسلام، كما أنه يعد جامعا لأوجه الرد والدفاع عن العقائد النصرانية؛ فأصبح هذا الكتاب المرجع الرئيسي للكتاب الذين يطعنون في الإسلام.
وقد تصدى علماء المسلمين في الهند لمواجهة التنصير آنذاك؛ فكان من تلك الجهود الرد على كتاب " ميزان الحق " وتفنيد شبهه، وكشف افتراءاته؛ حيث ألفت عدة كتب منها: ميزان الميزان، والاستفسار، ولسان الصدق، وأدلة اليقين، ورد الشيخ رحمة الله بثلاثة كتب بلغات مختلفة هي: إزالة الأوهام، ومعدِّل اعوجاج الميزان، وإظهار الحق.
ونتيجة لهذه الردود قام فندر بإخراج نسخة جديدة منقحة، غيَّر فيها أشياء كثيرة زيادة ونقصًا وتبديلًا، ثم أخذ الكتاب يصدر في الأزمنة اللاحقة بنسخٍ يتضح فيها الحذف والإضافة والتغيير والتبديل.
لذلك كله طلب الشيخ رحمة الله الهندي مناظرة عامة أمام الناس مع كبير الحملة التنصيرية في الهند القسيس فندر، وجرت المناظرة في مدينة أكبر آباد بالهند، في شهر رجب سنة ١٢٧٠ هـ، الموافق نيسان/ إبريل ١٨٥٤ م.
- أطراف المناظرة:
أولًا: الشيخ رحمة الله ابن خليل الرحمن الكَيرانوي العثماني
ثانيا: القِسِّيس فندر Pfander
- التهيئة للمناظرة:
دارت عدة مكاتبات بين الطرفين الرئيسيين في المناظرة من أجل الإعداد لها وتحديد شروطها؛ واشترط فندر في أول مكتوب له لرحمت الله شروطا ووضع قواعد وهي:
١ - أن تكون المناظرة في النسخ والتحريف كما استدعوا؛ حيث قد اختارهما رحمت الله في مكتوبه الأول له بناء على أن النصارى يرونهما أهم مبحثين على الإطلاق؛ فأراد رحمت الله أن يبدأ بهما لما يرونه فيهما من أهمية.
٢ - يتكلم في أمر يكون مختارا للطرفين.
٣ - أن لا يذكر أمرا خارجا عن المبحث في أثناء المناظرة.
_________________
(١) انظر مرجع سابق: المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس كتبها: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، ص ١٢٣ وما بعدها.
[ ٢٣٢ ]
٤ - أن يكون واحدا حكما يقال له: جيرمن Chairman في عرف الإنجليز، لئلا يكون محفل المناظرة عاريا من حسن الانتظام والتهذيب.
ثم اختار رحمت الله د. محمد وزير خان مساعدا له، معللا في مكتوبه أن لغته الإنجليزية ضعيفة، وطلب توضيح الشرط الثاني، واعترض على الرابع وأضاف شرطا خامسا: وهو ألا يكون لأحد دخل في أثناء المناظرة، ولا يتكلم بلا أو نعم غير الأربعة، فوافق فندر في مكتوبه التالي على الشرط الخامس، واختار القس فرنج مساعدا له. ثم حدثت بعض الاختلافات بعد ذلك على تحديد ميعاد الجلسة ومقدارها لكنهما اتفقا فيه بعدما تدخل فندر لرئيس عمل د. وزير خان في المستشفى؛ للحصول على إجازة له في يوم المناظرة، كما اختلفا في ترتيب المباحث الخاص بالشرط الثاني الموضوع، هل النبوة قبل التثليث؟ كما أراد فندر أو أن التثليث قبل النبوة كما أراد رحمت الله حيث مدار إثبات التثليث هو إبطال النبوة، ومن خلال المكتوب التالي تم الاتفاق على أن المباحث أربعة على الترتيب: النسخ والتحريف ثم التثليث والنبوة.
عند بداية المناظرة تحدث القس فندر، والواضح أنهما قد اتفقا على أن المباحث تكون ستة وهي النسخ والتحريف وألوهية المسيح ثم التثليث والنبوة وحقية القرآن حيث لم يعترض رحمت الله على ذلك؛ وحيث يكون فندر مجيبا في المسائل الأربع الأولى، ويكون الفاضل معترضا، وفي المسألتين الأخيرتين يكون رحمت الله مجيبا وفندر معترضا.
وقائع المناظرة
الجلسة الأولى: في مبحث النسخ
انعقدت جلسة المباحثة الأولى في الحادي عشر من رجب سنة ١٢٧٠ من الهجرة، والعاشر من نيسان/ إبريل الإفرنجي سنة ١٨٥٤ من الميلاد، يوم الإثنين وقت الصبح في خان عبد المسيح.
وكان من حضور تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني] رئيس الديوان [أي: مشير الضبطية] حاكم وزارة العدل [، وكرسجن سكرتير صدر بورد- مستشار النظارة المالية] وزارة المال [، ووليم William حاكم المعسكر- أي حاكم قشله] ثكنة، أو معسكر [، وليدلي Laidly، والقسيس وليم كلين William Clean، والمفتي الحافظ رياض الدين، والفاضل فيض أحمد سرتشته دار صدر بورد- أي باشكاتب النظارة المالية] أمين سر وزارة المال [، والفاضل حضور أحمد، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد، والكاتب خادم علي صاحب " مطلع الأخبار "، و] الصحفي [الفاضل سراج الحق بن فيض أحمد؛ وكان أناس آخرون غيرهم أيضا من المسلمين والمسيحيين ومجوس الهند، زهاء خمسمئة أو ست مئة.
الجلسة الثانية: في التحريف
انعقدت هذه الجلسة يوم الثلاثاء الثاني عشر من رجب سنة ١٢٧٠ هـ من الهجرة، والحادي عشر من نيسان/ إبريل الفرنجي سنة ١٨٥٤ من الميلاد، وقتَ الصباح، في المكان المعهود؛ واجتمع فيه الخواص والعوام أزيد من الجلسة الأولى.
وكان من حضَّار تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني] رئيس الديوان [أي: مشير الضبطية] حاكم وزارة العدل [، وريد Red حاكم صدر يورد- أي مشير النظارة المالية] حاكم وزارة المال [، ووليم William حاكم المعسكر، والقسيس وليم كلين William Clean، والقسيس هارلي Harly، وغيرهم من أمراء الإنكليز، والمفتي محمد رياض
[ ٢٣٣ ]
الدين، والفاضل أسد الله قاضي القضاة، والفاضل فيض أحمد سرشته دار صدر يورد- أي باشكاتب النظارة المالية] أمين سر وزارة المالية [، والفاضل حضور أحمد، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد، والفاضل أمجد علي وكيل الدولة الإنكليزية- أي: دعو به ناظري - و] الصحفي [الفاضل سراج الحق] بن فيض أحمد [، والكاتب خادم علي مهتم " مطلع الأخبار "، وغيرهم من رؤساء البلد من عوام المسلمين والمسيحيين والمشركين زهاء ألف رجل، وكانت الكتب الدينية أيضًا بين أيدي الفريقين أزيد من الجلسة الأولى.
واختتمتِ المباحثةُ (التقريرية) على هذا وودَّع كلٌّ من الفريقين الفريقَ الآخر، ثم وقعَ التحريرُ على رجاء المباحثة التقريرية، لكنها لم تقع.
خاتمة المسائل (١)
عرض السيد الهندي في مكاتبات الشيخ والقس بعد انتهاء مبحثي النسخ والتحريف أن رحمت الله وضع قواعد جديدة لاستكمال المباحثات لكن هناك شرطا لم يقبله فندر؛ ولذا كان هذا الشرط سببا رئيسيا في عدم استكمال المناظرة، وكذلك مع عدم اعتراف القس وتحريفه لما حدث في المناظرة، ومطالبته بالاعتراف بأنه لايوجد تحريف في المتن ويقصد في آيات التثليث.
١ - أن يوقع الطرفان على أقوالهما بعد الانتهاء.
٢ - أن الكلام كان ولا يزال على مجموع العهدين لا على العهد الجديد فقط.
٣ - ألا يظهر لفظ " لا " من جانبهم وقت الجواب وألا تكون المباحثة على طريقة الحكام وأن تراعى آداب المناظرة.
٤ - مباحثة النبوة وحقية القرآن بعد التثليث وألوهية المسيح.
وحصل السيد عبد الله الهندي على توقيعات الحضورالخاصة بمطابقة المناظرة للواقع بعد تحريف فندر لها وإسقاط كثيرمن الأقوال بعد طباعتها ومنهم:
- محمد أمير الله (وكيل راجه بنارس) "كيفية هذه المناظرة التي حررت في هذه الرسالة صحيحة ألبتة، وصادقة جزما ".
- قادري فيض أحمد (باشكاتب النظارة المالية) "هذه المباحثة وقعت بحضوري ".
- محمد سراج الحق ابن الفاضل فيض أحمد المزبور" كنت موجودا في جلسة اليوم الثاني، فالقدر الذي نقل عن تقرير هذا اليوم أشد ضبطا وأصح ".
- محمد أسد الله (قاضي القضاة ببلدة أكبر آباد) "كنت موجودا في الجلستين كلتيهما، وهذا التقرير كله وقع بين يدي، وضبط بالاحتياط التام ".
- محمد رياض الدين (المفتي) "كنت في جلسة اليوم الثاني، فضبط تقرير هذا اليوم بالصحة".
- محمد أمجدعلي (وكيل الدولة الإنجليزية أي دعويه ناظريه) "كنت في الجلستين، فالتقدير كله صحيح ومطابق للواقع".
- السيد الحافظ مولى حسن " كنت في الجلستين، وهذا التقرير كله وقع بحضوري ".
- الحافظ خدابخش "هذا بيان واقع وقع في الحضور، لا شبهة فيه".
- إمام الدين " كنت حاضرا في جلستي المناظرة، فالتقرير كله صحيح لاريب فيه".
_________________
(١) مرجع سابق: السيد عبد الله الهندي، وقائع المناطرة، ص ١٩٦ وما بعدها.
[ ٢٣٤ ]
- محمد قمر الإسلام (إمام الجامع الكبير في بلدة أكبر آباد) "كنت شريكا في المباحثتين، والتقرير كله ضبط بالصحة ".
- قادري محمد جعفر نجش " هذا التنميق واقع وأنا حاضر في الجلستين ".
- خادم علي مهتم (مطلع الأخبار) " سمعت تقرير نصف الجلسة في اليوم الثاني، فحرر بعينه كما كان، لا تفاوت فيه بمقدار ذرة".
- محمد قمرالدين مهتم (أسعد الأخبار والمدرس الأول في مشنيري كالج) " التقرير الذي سمعته في الجلستين، رأيته مكتوبا في هذه الأوراق ".
- محمد عبد الشهيد كولوي " هذا العبد كان حاضرا في الجلستين، والتقرير المنقول في هذه الرسالة وقع بلا زيادة ونقصان ".
كما عرض د. الملكاوي المسائل الثلاث الباقية من وجهة نظر المنصرين، والرد عليهم بما يجوزون الاستدلال به من كتبهم وبما يصلح للمناظرة معهم مستعينا بكتاب إظهار الحق الذي عرض فيه الشيخ رحمت الله الهندي مسائل المناظرة الخمس عرضا وافيا، لكنه زاد على منهاجه في المناظرة؛ لأنه كان في كتابه مؤلفا وليس مناظرا (١).
تحليل ودراسة منهج المناظرة فيما بينهما
جرت مناظرة بين الشيخ رحمت الله ومعه د. محمد وزير خان والقس كئي في منزل القسيس فرنج - أولا - عام ١٨٥٤ م - بمدينة أكره بالهند - وتم نشرالمناظرة في هامش المجلد الثاني من كتاب الشيخ رحمت الله " إزالة الشكوك "، ونقلها أ. إمداد صابري في كتابه " آثار رحمت الله " في فصل المناظرة الشفهية. كان كتاب "إزالة الأوهام" هو أول كتاب لرحمت الله للرد على كتاب ميزان الحق لفندر. دارت المناظرة مع القس كئي حول سند الكتاب المقدس، والتناقضات الواردة فيه: مثل الأعداد، وكلا القسين لم يستطيعا إثبات صحة السند، أو إبطال التناقضات، واتضح من خلال المناقشة دراية د. وزير خان بكلام كبار مفسري الكتاب المقدس (٢).
دارت المناظرة الكبرى والتي سجلها عبد الله الهندي - المترجم الثاني للدولة الإنجليزية - في دار الحكومة - أكبر آباد - وطبقت سنة ١٢٧٠ هـ. دارت تلك المناظرة الكبرى بين رحمت الله الهندي والقس فندر، حول التحريف وكذلك معنى النسخ عند النصارى معرفة حقيقية وجلية؛ حيث فرق بين النسخ في الأخبار وبين الأحكام والأمور العقدية والتي ليس فيها نسخ (٣).
حيث تقرر عقد مجلس المناظرة في (١٠ من إبريل ١٨٥٤ هـ) في أكره إحدى مديريات الولاية الشمالية الرئيسية وأحد مجالات النشاط التنصيري في الهند، وفي حي من أحيائها
_________________
(١) د. محمد أحمد عبد القادر خليل الملكاوي، بشرية المسيح ونبوة محمد، (الرياض: مطابع الفرزدق التجارية، ط ١، ١٩٩٣ م)، ص ٩.
(٢) انظر مرجع سابق: المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس كتبها: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، ص ١٢٣ وما بعدها
(٣) المرجع السابق.
[ ٢٣٥ ]
المعروفة بحارة «عبد المسيح» (١) (بدأ الحفل في اليوم المعين، والساعة المحددة وقد حضرها ولاة المديرية من حكام وقضاه، وبعض كبار موظفي الثكنة الإنجليزية من الإنجليز، وحضر القس (وليم كلين WILLIAM CLEAN) وعدد كبير من أعيان البلد ووجهائه، ومن أبناء البلد المسلمين والمسيحيين والهنادك والسيخ، وكان الدكتور محمد وزير خان بجوار الشيخ رحمة الله يساعده ويتعاون معه، وكانت تلك القضايا موضوع البحث والمناظرة وهي (٢):
- التحريف في الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد).
- وقوع النسخ.
- التثليث.
- نبوة محمد ﷺ.
- صدق القرآن وصحته.
وقد تقرر أنه إذا انتصر الشيخ رحمة الله في المناظرة يدخل «فندر» في الإسلام، وإن كان العكس يتنصر الشيخ .. أسفرت هذه المناظرة التي لفتت أنظار المعنيين بالقضية في داخل البلد وخارجه، وكانت حديث النوادي، والشغل الشاغل، والمقيم في البلد عن اعتراف القس «فندر» بوقوع التحريف في ثمانية مواضع من الإنجيل، وقد أفزع ذلك الولاة وأنصار «فندر» وشيعته، ولكنه سهم أطلق من القوس فلا راد له، وتزايد عدد الحاضرين في الغد، وازداد عدد الحكام الإنجليز، والمسيحيين والهنادك والسيخ، وحضرها جم غفير من المسلمين، وأصر «فندر» على أن الأخطاء التي وقعت في الإنجيل كانت من سهو الكاتب، أما العبارات التي تتضمن عقيدة التثليث، وألوهية المسيح، والفداء والشفاعة فهي مصونة من التحريف، وقد رد عليه الشيخ بقوله: (إنك ما دمت قد اعترفت بوقوع التحريف في الإنجيل، فقد أصبح هذا الكتاب مشكوكا فيه برمته) وانتهى البحث على ذلك، ولم يرجع القس إلى البحث والمناظرة في اليوم الثالث (٣) وكان من الواضح أنه انسحب عن ميدان المناظرة، وكان انتصارا رائعا للجانب الإسلامي، قويت به معنوية المسلمين، وتشجعوا على مواجهة القسس ورد دعاويهم، وفقدت الدعوة التنصيرية الكثير من اعتبارها وقيمتها (٤).
يبدو أن المناظرة تركزت في البداية حول تحرير مصطلح النسخ، إلا أنه لو كانت وضعت في المكاتيب وتحددت المصطلحات التي سبقت التحرير لكانت أولى وأدق. سأورد تحليلي في المناظرة بعد الإتيان بالكلام نصا لأحدهما أو لكليهما مع استنتاجات موجزة.
_________________
(١) منسوبة إلى أحد المتنصرين من أبناء البلد، يظهر من ذلك نفوذ حركة التنصير في داخل البلد.
(٢) المرجع السابق.
(٣) راجع للتفصيل «البحث الشريف في مسألتي النسخ والتحريف» في خطابه هذه المناظرة وخبرها للشيخ رفاعي الخولي على هامش «إظهار الحق» طبع المطبعة العلمية باستنبول عام ١٣١٥ هـ.
(٤) انظر: أبي حسن الندوي (مقدمة) لإظهار الحق، طبعة الدوحة، قطر، ١٩٨٠ م.
[ ٢٣٦ ]
الجزء الأول: في النسخ
عندما قال الشيخ رحمة الله: هذا بعيدٌ من إنصافِكم أن القول الذي تسمعونه من أحدٍ من المسلمين تنسِبونَه إلى القرآن والتفاسير، وبالجملة، لا شك أنه (أي: ادِّعاء كون الزبور ناسخًا للتوراة ومنسوخًا من الإنجيل) غلط. قال القسيس: نعم!
[- فهذا إقرار بالخطأ؛ أنه نقل شيئا في كتابه دون علم وتحر].
ولما قال القسيس: لا يمكن نسخ الإنجيل قطعا؛ لأن قول المسيح في الآية العدد ٣٣ من الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا Luc هكذا: (السماءُ والأرضُ تزولان وكلامي لا يزولُ).
قال الحكيم محمد وزير خان: هذا القول ليس بعام، بل خاصٌ بالخبر عن الحادثة التي أخبر عنها المسيح ﵇ قبل تلك الآية، ومعناه: لو زالتِ السماءُ والأرضُ بالفَرَض، لكن كلامي هذا لا يزولُ عن الحادثةِ التي أخبرتُ به عنها. قال القسيس: إنّ هذا القول ليس بخاص بل عام.
[-إن تعميم الخاص أو تخصيص العام يحتاج إلى دليل].
قال القسيس: نعم! التوراةُ منسوخٌ، لكن كلامنا ليس في التوراة.
[-اعترف القس النبيل بنسخ التوراة في هذا الموضع].
قال الحكيمُ: لِمَ لا يكونُ كلامكم في التوراة وعندنا التوراةُ والإنجيلُ مستويان؟ ! وقد صرَّحتم في عنوان الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب "ميزان الحق": إنَّ الإنجيل وكُتُبَ العهد العتيق لم تُنْسخ في وقتٍ من الأوقات!
[- أظهر الحكيم أن قوله في كتابه يناقض ما أدلى به منذ قليل من الاعتراف بنسخ التوراة].
فتحيِّرَ القسيسُ وقال: أفتى بعض العلماء بِحِلِّيةِ هذه الأشياء نظرًا إلى تلك الآيات.
[-يعترف ببعض العلماء، ولكن سيأتي استنكاره للعلماء الذين يوردهم الفاضل بعد ذلك].
قال الفاضل الشيخ رحمة الله: إن قولَ المسيح في حق الحواريين في الباب العاشر من إنجيل متى هكذا: (إلى طريقِ أُمَمٍ لا تمضوا، وإلى مدينةٍ للسَّامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحَرِيِّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضَّالَّة)، وفي الباب الخامس عشر من إنجيل متى وقع قوله في حق نفسه هكذا: (لم أُرسَل إلاَّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضالة)؛ فأقر بخصوص نبوته إلى بني إسرائيل، ووقع قوله في خطابهم في الآية الخامسة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس Mac هكذا: (اذهَبُوا إلى العالم أجْمَع، وأكرزوا بالإنجيل للخليقَة)؛ فالقولُ الثاني ناسخٌ للأول. قال القسيس: إن المسيحَ نفسَه نَسَخَ الحكم الأول.
[ ٢٣٧ ]
[- الاعتراف الثاني أن النسخ جائز في الإنجيل كذلك].
ثم قال: بيِّنوا.
[- لا أراه إلا أنه قد أعطى نفسه مهلة للتفكير في حين أن رحمت الله أراد غلق الباب تماما].
قال القِسِّيسُ فرنج French: قد قلنا في السابق - يعنى في المباحثة السابقة- أنه نُسخَ من التوراة أحكامٌ كانت أظلالًا للمسيح، وكان نَسْخُها مناسبًا؛ لأن المسيحَ كمَّلها؛ وأمَّا البشاراتُ التي كانت في حق المسيح فهي غير منسوخة.
[-المباحثة السابقة يقصد بها المناظرة الصغرى].
قال الحكيم: لو سُلِّمَ أن أحكام التوراة كمُلَت بمجيء المسيح؛ فلا بد من إقرار النَّسخ في الأحكام التي نُسخِت قبلَ المسيح.
[-استدراك خطير من الحكيم].
قال القسيس فندر Pfander: نحن نفرِّق أيضًا بين إمكانِه ووقوعِه بالفعل، وتَمَّ الكلام في النَّسْخ؛ فاشرعوا في مبحث التحريف.
[-يحاول أن يثبت أن النسخ لم يقع على الرغم من اعترافه بإمكان وقوعه].
الجزء الثاني: في التحريف
الجلسة الأولى
قال الفاضل المناظر الشيخ رحمة الله، عامله الله بلطفه: التِماسنا أولًا أن تُبيِّنُوا أن التحريفَ بأيِّ وجهٍ يثبُتُ عندكم، ليثبت على ذلك الوجه (ويتم عليكم)؟ فما أجابَ القسيس بجوابٍ واضح.
[-يحاول تحرير مصطلح التحريف قبل الخوض في المناظرة].
قال القسيس: لا نقولُ في حق الألفاظ شيئًا.
[- سيورد رحمت الله كلام علمائهم المشهورين الذين يقولون أنها ليست إلهامية؛ حيث أثبتوا إسقاط بعض الآيات من النسخ].
[ ٢٣٨ ]
قال القسيس: إن جستن Justin كان رجلًا واحدًا، وسَها. قال القسيس: ماذا يكونُ بتحريرِ هنري واسكات Henry&Scott؟ ! لأنهما مفسِّران، والمفسرون غيرُهم مِئون.
[- لايعترف بجستن -كذلك لا يعترف بسكوت وهنري].
قال الفاضل الشيخ رحمة الله: إن هذَيْن المفسرَين ما كتَبَا آراءهما فقط، بل بَيِّنا مذهبَ جمهور القُدماء. قال القسيس: إن المسيحَ شهِدَ في حق كُتُب العهد العتيق، وشهادَتُهُ أزيد قبولًا من شهادة غيره، وهي هذه الآية ٤٦ من الباب الخامس من إنجيل يوحنا Jean، هكذا: (لو كُنتم تصدِّقون موسى لكنتم تصدِّقونني؛ لأنه كَتَب عني)، والآية ٢٧ من الباب ٢٤ من إنجيل لوقا Luc: (ثُم ابتَدأَ من موسى ومِنْ جميع الأنبياء يُفَسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّةَ به في جميع الكُتب)، والآية ٣١ من الباب ١٦ من إنجيل لوقا: (فقال له: إنْ كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إنْ قامَ واحدٌ من الأمواتِ يُصدِّقون).
[-استدراك خطير من القس؛ حيث يريد أن يثبت التوراة عن طريق نصوص الإنجيل، بينما كان يصر رحمت الله على إبطال التوراة ثم الإنجيل عن طريق السند وأقوال المفسرين المعتبرين، فغير فندر مجرى الإثبات].
قال القسيس: لا نُسَلِّمُ لبيلي Paley في هذا الموضع.
[-شعر فندر أنه قد اقترب من تحقيق النصر، وأن عدة رحمت الله ووزير خان قد أوشكت على الانتهاء؛ فأصر على موقفه من عدم قبول أقوال بعض العلماء على الرغم من تحججه في بداية حديثه بآراء بعض العلماء].
قال القسيس: أوردنا لِكتُبِ العهد العتيق شهادةَ المسيح، فعليكم إثبات تحريفِ الإنجيل.
[- أغلق فندر الباب، وشعر بالانتصار؛ حيث إن الخصم لا يدور إلا في فلك واحد مع الإصرار عليه دون غيره].
قال الحكيم: إن قولكم هذا، وإن كان غير صواب - لما علمتَ فيما مضى - لكنكم إن كنتم مشتاقين لثُبوت تحريف الإنجيل؛ فاسمعوا.
[- كانت المفاجأة! اسمعوا].
ثم أقر القسيس: إن التحريف وقَعَ ههنا، وكذا في موضع أو موضعَيْن آخرين.
[-اعتراف بتحريف الإنجيل].
[ ٢٣٩ ]
ثم التفت القسيس فرنج إلى الحكيم، وقال في لسان أردو: إن القسيس فندر أيضًا يُسلِّمُ أن التحريفَ قد وقَعَ في سبعة أو ثمانية مواضع.
[- الغريب أن فرنج يؤكد التحريف!].
فقال الفاضل قمرُ الإسلام إمامُ الجامع الكبير في أكبر آباد للكاتب خادم علي، مهتم " مطلع الأخبار: " اكتبوا أنّ القسيس أقرَّ بالتحريف في سبعة أو ثمانية مواضع، (واطبَعوا في جريدتكم). قال القسيس بعد استماعه: نعم! اكتُبوا. ثم قال: ما يلزم النقصان في الكتب المقدسة وإن وقع التحريف بهذا القدر، وقد اختلفَت العباراتُ يقينًا بسهو الكاتبين.
[-هنا اتضح موقف فندر من الاعتراف بالتحريف أنه يفرق بينه وبين النقص في المتن الذي يشير إلى عبارات التثليث، ويستمر موقفه حتى نهاية المناظرة على هذا الشكل .. إلى أن أنهيت المناظرة ورد عليه أحد الحضور: كيف يكون هناك تحريف ولا يكون هناك نقص في المتن!؟].
قال الحكيم: إنَّ اختلافات العبارة عند البعض مئة ألف وخمسون ألفًا، وعند البعض ثلاثون ألفًا، فمختاركم أيّ قولٍ من هذين القولين؟
[- تأكد الحكيم أن القس وقع في أزمة وأنه لامناص من الاعتراف، فأراد أن يجهز عليه وأن يغلق الباب تماما].
قال القسيس: لا نقدِرُ أن نعيِّن إحداهما جزْمًا.
[-تأكيد تام بالتحريف في الكتاب المقدس]
قال الفاضل المناظر النحرير: أقْرَرْتُم بالتحريف في ثمانية مواضع، ونحن نثبته إن شاء الله في خمسين أو ستين موضعًا بإقرار العلماء المسيحية؛ فإن كانت المباحثةُ مقصودةً لكم فلا بُدَّ من مراعاة ثلاثة أشياء: الأول: نطلب منكم السندَ المتصل لبعض الكتب، فلا بُد من بيانِه. والثاني: لا بد من تسليم خمسين أو ستين موضعًا التي أقرَّ فيها العلماء المسيحية بالتحريف، أولا بُدَّ من تأويلها، ولا نقولُ: إنَّهُ يلزمكم تسليم قول هورن Horne طَوعًا أو كرهًا، وأنتم أدونُ من هورن، بل نقول لا بُد أولًا من استماع هذه المواضع ثم اختيار أحد الأمرين، أعني: التسليم أو التأويل. والثالث: ما لم تفرغوا من تسليم هذه المواضع الخمسين أو الستين أو تأويلها لا تستدلّوا بهذا المجموع علينا. قال القسيس: نقْبَلُ بشرط، هو أنِّي أَسألُ غدا: إن الإنجيل الذي كان في عهد نبيكم أيّ إنجيل كان؟ .
[-يظن القس أنه بإثبات هذا يكون قد أثبت صحة الإنجيل دون تقديم إسناد]
[ ٢٤٠ ]
وأشار إلى إسمت مشير الضبطية؛ فقال: اسألوه. لكنه ما قال في هذا الباب شيئًا، ثم قال المفتي: إذا كان اختلافُ العبارات مسلَّمًا عندكم، فإذا وجدت العبارتان مختلفتين، فهل تقدرون أن تعيّنوا إحداهما أن هذه كلام الله جزما أم لا تقدرون؟ بل كلتاهما مشكوكتان!).
[- سؤال في غاية الأهمية للتأكيد على إقراره التحريف؛ حيث إن الكلام كان به ثغرة لم يدركها فندر في حينها، وهي أنه قد يكون هناك تحريف لكنه مع تعيين مواضعه يبطل الغرض، إلا أن فندركان يخشى إن أقر بشيء كهذا أن يلزم بإحضاره وهو لايعرفه]
الجلسة الثانية
قال الفاضل: لم يثبتْ براويةٍ ضعيفةٍ أو قويةٍ تعينهُ حتى يتبين أنَّه إنجيل متى أو يوحنا أو شخص آخر، وما كُنَّا مأمورين بتلاوتِه ليُعلم حاله. أشارَ القسيس إلى أمراء الإنكليز، وقال: هؤلاء الجالسون كلُّهم أهلُ الكتاب؛ فاسألوهم: أيّ إنجيل كان؟
قال الحكيم: إنّ الثابت بالقرآن هذا القدر فقط: إن الإنجيلَ نَزلَ على عيسى ﵇، ولا يعلم أنَّه أيّ إنجيل كان، وكان الأناجيلُ الكثيرةُ مشتهرةً في ذلك الزمان، مثل إنجيل برناباه Barnabas، وبَرْتُولُمَا Bartholomew وغيرهما.
[-يحاول الحكيم الإشارة إلى الأناجيل الصحيحة مع السقيمة حتى يقرب له معنى الآية الواردة عقلا لا نقلا ولا بتفسير المفسرين].
فأرادَ الحكيمُ أن يجيبُ؛ فمَنَعَهُ القسيس فندر، وكلما أرادَ الحكيم أنْ يجيب كان القسيس فندر يمنعه ويقول: لا!
[- شعر فندر أن الحكيم هوالمختص بالإجابة على تلك النوعية من الأسئلة وأنه الأقوى في تلك الجزئية؛ فأراد أن يحرج رحمت الله ووزير خان خلافا لآداب المناظرة وحتى يستطيع أن يحقق أي انتصار جزئي ولو على حسابهما بعد توالي انتصارات رحمت الله عليه].
ثم التفتَ القسيس إلى الفاضل المناظر؛ فقال المفتي رياض الدين: لابُدَّ أن يُبَيِّن أولًا معنى التحريف، ثم يُباحث عليه لينكشف الحال للحاضرين حق الانكشاف.
[-تدارك المفتي الأمر، وانتقل إلى تحرير التحريف بدقة، حتى يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح].
قال القسيس: إن هذه الأشياء كلّها داخلةٌ عندنا في سهو الكاتب، سواءٌ كان وقوعُها قصدًا أو سهوًا أو جهلًا أو غلطًا، لكن مثل هذا السهو يوجد في الآيات في خمس أو ست، وفي الألفاظ في مواضع كثيرة.
[-تأكيد أن النزاع في المصطلح كان لفظيا وأن التحريف لا يعني سوى التحريف].
[ ٢٤١ ]
قال القسيس: إن تحريفَ المتنِ يثبُتُ إذا وجدتُم نسخةً عتيقةً لا يكون فيها ذكر ألوهية المسيح ﵇ ويوجد في هذه النسخة المتداولة الآن، ولا يكون فيها ذكر كفّارة المسيح ويوجد في هذه.
[- وهنا خروج آخر عن قواعد التناظر؛ لأن المفروض أن القاعدة تقول: رحمت الله معترضا وفندر مجيب وليس العكس، وبما أن رحمت الله قد أثبت التحريف، وتحول فندر إلى معترض؛ فأصبح يلزمه إثبات ذلك والجواب عليه، كما أن سند الكتاب المقدس لم يقدم، وكان الأمر يتطلب إثبات كيفية التحريف بضرب الأمثلة لا أكثر، فلما تبين ذلك لم يحتج الأمر إلى الوصول لإثبات نص التثليث؛ لأن النسخ الأصلية غير موجودة فضلا عن إثبات تحريف النسخ الحالية؛ فيلزم من تحريف البعض إمكان تحريف أي شيء آخر].
قال الفاضل النحرير: كان على ذِمَّتِنا هذا القدر فقط، أن نُثبِتَ كونَ هذه النسخة مشكوكة؛ فثبت بحمد الله، وصارَ الكتابُ كلُّه بهذا الإثبات مشكوكًا، لكنَّكم لما ادَّعَيتم سلامة بعض المواضع عن التحريف مع اعتراف وقوعه في بعض آخر؛ فإثبات تلك السلامة على ذِمَّتِكم لا على ذِمَّتِنا. وبقي أمرٌ آخر قابلٌ لأن يُسألَ عنه، وهو هذا: أَتُسَلِّمون أنّ سهوًا من هذه السهوات التي هي مسلَّمة عندَكم، وهي تحريفات بعينها عندنا، يوجد في جميع النُّسَخ أم لا؟
[- استدراك خطير من رحمت الله، لكن كالعادة يخشى القس أن يجيبه بما لا يعلم فإذا أجاب في البعض لكان السؤال التالي إذن فعينها].
قال القسيس: نعم! مثل هذا السهو يوجَدُ في جميع النُّسَخ. فاعترض عليه القسيس فرنج؛ فقال القسيس فندر: غلطتُ، ورأي القسيس فرنج أحسن.
[-تدارك فندر الفكرة بعدما كان ذهنه مشوشا، وأراد الرجوع، وعلى الرغم من خطأ ذلك وتم إثباته إلا أن رحمت الله سمح له بالتراجع واستمر في التناظر].
قال القسيس: أجيبوني بالاختصار، أتُسلِّمون المتْنَ أم لا؟ فإنْ سَلَّمتم تكون المباحثة في الأسبوع الآتي؛ لأنا لا نستدلُّ في المباحثة الباقية إلا بالأدلَّة النقلية من هذا الكتاب، ونعلَمُ أن العقلَ محكومُ الكتاب، لا أنّ الكتابَ محكومُ العقل.
[-أغلق فندر الباب بإصراره، بل أغلق كل ما تلى من مناظرات؛ لأن أدلته في التثليث لم تكن مستندة على العقل بل النقل، وفي حد ذاته أنا أرى أن المناظرة قد تمت في التثليث بتلك العبارة وقد أبطل التثليث من ناحية العقل دون الخوض في الحديث فيه وبالتالي فتح الباب أمام الناظرين للاعتراف بتحريف الديانة وصرف النظر عنها لديانة أكثر سلامة وأمنا ومقبولة عقلا ومعتمدة نقلا].
قال الفاضل: لما ثَبَتَ الزيادةُ والنقصانُ في هذه الكُتُبِ على اعترافكم أيضًا، وثَبَتَ التحريفُ فيها، صارت مشتَبَهةً عندنا بهذا السَّبب، ولا نعتقدُ البَتَّةَ أنَّ الغَلَطَ لم يقع في المتْن، فلا يصحّ لكم أن تُورِدوا دليلًا من هذه الكتب علينا في المباحثة الآتية في مسألَتَي التثليث والنبوة؛ لأنه لا يكون حُجَّةً علينا.
[ ٢٤٢ ]
[- أدرك رحمت الله سؤال فندر أنه وضع شرط الاستمرار في المناظرات التالية مقابل هذ الاعتراف، إلا أنه بذكاء رحمت الله الحاد ودربته في التناظر اكتفى بإن إثبات التحريف والنسخ دال على إبطال التثليث كذلك؛ لأنه لايوجد لفندر سوى الأدلة النقلية وأقوال المسيح، وعلى الرغم من ذلك فإن رحمت الله لما شرع في تأليف إظهار الحق بنى مبحث إبطال التثليث على صحة الكتاب المقدس حتى يكون أبلغ وأقوى في الرد بالإضافة إلى إبطالها بالنقل وأقوال المسيح كذلك، كما اهتم بمبحث انقطاع السند].
قال الفاضل النحرير: إنَّ هذَين المفِّسرَين كما كَتَبا الأمورَ التي نقلتموها زاعمين أنها مفيدةٌ لمقصودِكم هكذا كتباهما وسائر المفسِّرين كافة أنَّ محمدًا ﷺ رسول الله ومنكره كافرٌ، والقرآنَ كلامُ للهِ بلا شك؛ فهل تُسَلِّمون أقوالهم هذه أيضًا؟ قال القسيس: لا! .قال الفاضل: فكذا لا نُسَلِّم القولَ الآخر لعلمائكم.
[- سؤال للتسلل والهروب لكن الجواب رادع بحق].
والتفت الفاضل فيض أحمد باشكاتب إلى القسيس فندر، وقال: العجبُ أن يقع التحريفُ في الكتاب ولا يقع نقصٌ ما! !
فبالنسبة للتحريف - أثبت فندر عدة مواضع للتحريف بما يسمى (سهو الكاتب)، ولكنها ليست في المتن؛ حيث قصد أمور التثليث وما شابهها .. محتجا بقبول ذلك بنسخة قديمة مقابل حديثة - إن وجدت - مع إصراره على أن الإنجيل ما حرف إلا بعد بعثة النبي ﷺ. ثم تهرب فندر، وحرف ما ورد في المناظرة - من تقريرات - استلزم ايقاف المباحثات، والمكتوبات، من جانب رحمت الله (١).
نتائج المناظرة (٢):
١. لم يمهل فندر خصمه رحمت الله كثيرا حتى يستوفي مسألته فكان يقاطعه في كثير من الأحيان وهذا يفسد عليه توارد أفكاره.
٢. يختار أحد المتناظرين دور المدعي أو المعلل أو المجيب والآخر دور المعترض أو السائل أو المانع، وقد كان فندر يكثر من كونه معللا ورحمت الله من كونه معترضا أو سائلا.
٣. لم يتقيد فندر بالمناظرات الفرعية التي تولدت عن تعرض دعاوى المنع كأنه لا يجدد منع ما سبق إثباته، وثبت جليا بعد انتهاء أعمال المناظرة والمكاتبات التي تلت ذلك.
٤. لم يخل رحمت الله بالقواعد التي تم إرساؤها سواء كان قولا أو فعلا يؤدي إلى جعل فندر يمتنع عن الجواب وينسحب من المناظرة.
٥. أفحم رحمت الله فندر إذ أعجزه عن إقامة الدليل على صحة دعواه.
٦. من حق رحمت الله على فندر أن يقدم تفسيرا أو شواهد ترفع الغرابة والإجمال.
_________________
(١) انظر المرجع السابق: المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس كتبها: السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، ص ١٢٣ وما بعدها.
(٢) انظرمرجع سابق: طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص ٣٥ - ٨٥.
[ ٢٤٣ ]
وتبين من المناظرة:
- إلمام رحمت الله الواسع بأمور التوراة والإنجيل، كما اتضح تدليس القس فندر.
- إصرار فندر أن المناظرة في الإنجيل فقط على خلاف العبارة المتفق عليها " مجموع العهدين ".
[ ٢٤٤ ]
المبحث الأول
مقارنة بين فندر ورحمت الله
إن منهج رحمت الله وفندر في المباحثات حول مجموع العهدين أو في كتبهما حول قضايا السند والنسخ والتحريف والتثليث والنبوة أو ما تفرع عنهم كقضية القرآن وألوهية المسيح وكذلك عصمة الأنبياء هو المنهج النقدي الإلزامي؛ الذي يلزم كل طرف باعتناق عقيدة الطرف الآخر، إلا أنه بمقارنة بين المباحثات أو المناظرات بينهما وبين الكتب المختلفة لكل منهما نجد أن المواجهة شيء مختلف عما كتب في الكتب؛ فقد يتغير مسار الحديث تماما عند المواجهة التي تسلتزم التغيير ناحية إلزام الخصم، أما الكتاب فيعتمد على السرد أكثر وسد كل الثغور والاحتمالات التي قد تتبادر إلى ذهن القارئ.
ظهر أثناء التحليل أن المناظرة قد سارت بشكل وكأنها تدور حول تحرير المصطلحات بشكل ما أو بآخر؛ فلم تكن المناظرة - خارجيا - إلا أداة لتحرير المصطلح؛ والذي تبين - أثناء المناظرة - اختلافه اختلافا جذريا في ذهن كل مناظر؛ فما كانت المناظرة في التحريف والنسخ إلا أنها أداة لإظهار وإيضاح معنى كل من التحريف والنسخ عند كل جانب.
فبينما يرى فندر أن النسخ غير جائز في الشرع فضلا عن العقل وأن النسخ بمعنى التكميل أو التحويل لشيء آخر، يرى رحمت الله أن النسخ جائز في الأحكام المطلقة المقيدة بشروط ولا تجوز في الأحكام الأخرى أو في الاعتقاد. كما يرى فندر أن التحريف يعني سهو الكاتب، بينما رحمت الله يرى أن التحريف هو أي زيادة أو نقصان أو تبديل أو خلافه- في النص- ولو كان في الكلمة أو حتى الحرف.
إن الاختلاف في الاصطلاح وصل إلى حد الدليل؛ فبينما يرى فندر أن الدليل يكفي بآراء أو بشهادة أكثر من رجلين مقبولين دون قواعد في العلم أو في الجرح والتعديل، ودون إسناد واضح، فيقبل فيها الروايات التاريخية إن كانت تؤيد الحجج المطروحة ويرفضها على عكس ذلك، بينما لا يقبل رحمت الله سوى الدليل المسند المعتمد الموافق للكتاب والسنة أو منهما من أشخاص معتمدة موثوقة تم عرضهم على قواعد للجرح والتعديل. ولا يرى تعارضا بين العقل والنقل.
لم تكن المناظرة سوى ضربا من ضروب إثبات الحق، وتثبيت الأفئدة السائرة على الحق أو التي تنشد الحقيقة. لم تكن المناظرة سوى كشف الدليل في إطار المصطلح.
كما يبدو أن علم المنطق الموضوع حتى لم يفلح - عند كثير من الناس - في الوصول للحقيقة؛ فحتى قواعد المنطق عجزت عن أن تقدم - في كثير من الأحيان - ثوب الحقيقة، أو أنها قد قدمته لكن المشكلة كانت في القلوب التي تعي وتسمع ذلك.
[ ٢٤٥ ]
إن تحرير مضامين المصطلحات، واكتشاف مناطق الاتفاق ومناطق التمايز في معاني ومفاهيم هذه المصطلحات -وخصوصا تلك المصطلحات الأكثر شيوعا، والأكثر إثارة للجدل بين تيارات الفكر في عصرنا، وفي واقعنا - هو مهمة أساسية، وأولية بالنسبة لأي حوار فكري حقيقي وجاد ينقذ حياتنا الفكرية من خطر الاستقطاب الحاد ويوجد لغة فكرية واحدة بين بين الفرقاء المتحاورين (١).
كذلك تحرير المصطلحات "فمن هو النبي ومن هو الملك ومن هو الكاهن الذي يكهن للرب؟ إن هناك اختلافا في المفاهيم. فمن كان نبيا في القرآن قد لايكون سوى كاهن يخدم في بيت الرب. ومن كان أبا الأنبياء كإبراهيم - ﵇ - قد لايكون في العقيدة النصرانية سوى جد من أجداد عيسى المسيح إذا اعتبرناه نبيا بشرا جسدا وروحا" (٢).
لاشك - على الرغم مما سبق - أن فندر يعد من أهم المنصرين الذين استخدموا المنهج العلمي - وإن لم يكن على الوجه الأكمل - في سبيل الدفاع عن المسيحيين، وفي سبيل القضاء على الإسلام، كذلك يعد رحمت الله من أهم المنظرين والدعاة عند المسلمين تجاه تلك النصرانية.
كذلك اتضح أن منهج ريموند لول كان أقوى من فندر، بل إن فندر هو من سار على منهج ريموند لول من خلال عمل المنظمات التبشيرية التي سارت على خطط ريموند، إلا أن كتاب فندر هو الذي يتوج أعمال لول في هذا المجال. وبالمقارنة بين لول ورحمت الله نجد أنهما يتشابهان كثيرا في الحركة، إلا أنه قد أشارت بعض المصادر على أن لول قد أوصى أحيانا باستخدام العنف في التنصير إذا لم تفلح الطرق السلمية في ذلك. كما عمل رحمت الله على تأسيس المدرسة الصولتية في مكة المكرمة بعد جهاده في الهند باليد واللسان والقلم، وعمل على تعليم وتفهيم الناس خطورة المستعمر والمبشر، بالإضافة إلى تعليم الناس علوم دينهم الحنيف، بينما عمل ريموند لول على المساعدة في إنشاء الجامعات، وإصدار الكتب، وتعليم اللغة العربية. وأستنتج من هنا أن رحمت الله كان أقوى من فندر - كذلك - على وجه الخصوص - من حيث النشاط العام الجماهيري المؤثر، وليس فقط من خلال الكتب أو المناظرة.
أما عن القمص زكريا بطرس - والذي ورد في هامش الحديث - فهو لا يعتمد المنهج العلمي أصلا في حواره أو مناظراته؛ فقد تتبعت بعض مصادر كلامه في الهجوم على الدين الإسلامي فلم أجد لها أي أساس من الصحة بل إنها مجرد تأليف ووهم من الناقد فقط! وهذا يضعه في مصاف الدعاة المدلسين فلا يقف حتى في الدرجة الدعوية عند سلم الشيخ أحمد ديدات - ﵀ - مثلا؛ فيعمد منهج بطرس إلى شيئين:
١ - الجماعية
٢ - الفردية؛ فالجماعي يكون من خلال الوسائل الإعلامية كالتلفاز أو الانترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، أما الفردية فتكون بالشخص منفردا تماما عن غيره.
_________________
(١) د. محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، (القاهرة: نهضة مصر للنشر والتوزيع، [د. ط]، [د. س])، ص ١٢.
(٢) حسن الباش، العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل، الجزء الثاني، (لبنان: دار قتيبة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١.)
[ ٢٤٦ ]
إن مرحلة ابن تيمية هي الفترة التالية لنشأة الحركة الكلامية وطغيان مناهجها وأساليبها الكلامية في الحجاج ومقارعة الخصم، وقد تفرد ابن تيمية بطريقته، وهي إضافة جديدة لطبيعة المناهج النقدية فإلى جانب تميزه الفقهي يومها بقيادة حركة التجديد الفقهي والاجتهاد، عمل على تأسيس منهج جديد في الدفاع عن العقيدة والتصدي للانحراف الداخلي والوقوف في وجه التحدي الخارجي (١). وإن كلا الطريقين: التدمير الداخلي عند رحمت الله، أوالبناء العقائدي الإسلامي عند ابن تيمية، هو المنهج التربوي الذي سلكه الرسول في دعوة أهل الجاهلية إلى الإسلام (٢). إن ابن تيمية يعد من واضعي حجر الأساس لهذا العلم وتلك القواعد، ويعد رحمت الله امتدادا له مطورا لتلك القواعد مستفيدا منه، لكن مع التركيز بشكل أكبر على نصوص العهدين، وتقويض المقولات من الداخل.
ولقد حاول ابن تيمية وضع منهج تجريبي، رافضا منطق اليونان بجميع أقسامه، ناقدا له ابتداء من الحد وانتهاء بالقياس. كما أنه وضع منهجا في الاستدلال، شبيها بالمناهج الاستقرائية الحديثة، من حيث عدم حصر المقدمات في عدد معين لا ينقص ولا يزيد؛ حيث يرى ابن تيمية أن القياس لا يصل إلى شيء من النتائج والعلوم إذا انفصل عن التجربة؛ فالتجربة وحدها تؤدي إلى كشف الحقيقة، كما أن تكرار التجربة يؤدي إلى تكوين الكليات العقلية اليقينية (٣).
إن الأبواب أو القضايا المثارة - بين المسلمين والنصارى - لم تظهر إلا بعد عصر ابن تيمية، وعند المقارنة بين منهجي كل من ابن حزم وابن تيمية نجد المذهب الظاهري لدى ابن حزم في المقابل نجد المذهب الحنبلي هو الغالب عند ابن تيمية، ويلجأ ابن حزم إلى نقد التوراة والإنجيل بتقويض مقولاتها بينما ينقضهما ابن تيمية عن طريق إثبات الإسلام والنبوة ونقد منطق التثليث في مقابل التوحيد؛ لذلك بدأ إرساء المنهج النقدي عند ابن حزم بينما بدأت تتشكل موضوعات وأبواب هذا المنهج عند ابن تيمية لتنتهي عند رحمت الله، إلا أن ابن تيمية وابن حزم قد اتفقا في القضية الأساسية والقضية الفرعية من خلال قاعدة (والكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم الرسالة وخصوصها)، لكن ابن حزم رأى أن الحديث في العقائد أولى من الأحكام؛ فيرى ابن حزم أن المناظرة تكون في المعتقدات لا الأحكام؛ أي يقصد القضايا الأساسية لا الفرعية، إلا أنه قد نجد أحيانا أن القضية في الأحكام كالنسخ توصلنا إلى نقد ونقض الدين وأساس الاعتقاد، ولكني أتفق معه في مبدأ قضية فرعية كقضية ما إذا كانت معجزة يونس ﵇؛ فليس لها الأثر الكبير كما كنا نناقش عقيدة التثليث أو النسخ حتى! إلا أن الشيخ ديدات - حديثا - انتهج منهج ابن حزم في عدم الأخذ بتفسيرات الرهبان واختلف منهج رحمت الله في أنه يثبت خطأ وتناقض تفسيراتهم كما
_________________
(١) انظر: محمد الفاضل بن علي اللافي، دراسة العقائد النصرانية، (بتصرف يسير)، ص ٣٠.
(٢) انظر: المرجع السابق، ص ٥٠٢.
(٣) ابن تيمية، الرد على المنطقيين، نشر: عبد الرحمن شرف الدين الكتبي (باكستان: دار ترجمان السنة، ط ٣، ١٩٧٧)، (الهند: طبعة بومباي، ١٩٤٩ م) (بتصرف يسير)، ص ٣٨٦.
[ ٢٤٧ ]
يناقشهم في الأحكام فضلا عن المعتقدات. كما أن لانتشار ديدات الكبير والتأثر الكبير به هو دليل على أهمية قضية الإعلام والتكنولوجيا الحديثة في باب الدعوة والتناظر.
كما جمع رحمت الله بين منهج ابن حزم الجدلي ومنهج ابن تيمية الدفاعي في بوتقة علمية جديدة. كما لا أجزم بأن رحمت الله قد استمد منهجه من ابن تيمية أو غيره؛ فلا دليل على ذلك واضح، لكن الواضح أنه امتداد لهذا المنهج الإسلامي في باب الردود كامتداد ابن تيمية لمنهج ابن حزم وغيره من العلماء.
وقد تميز ديدات عن رحمت الله في مدة التناظر؛ فقد كان رحمت الله في مناظرته مع فندر يسير على منهج سؤال وجواب أو معلل ومجيب على قدر زمن الإجابة، كما أن الأسئلة والأجوبة في الجلسة الواحدة تنطلي على مناقشة مبحث أو موضوع واحد فقط، أما ديدات فقد كان يناقش - غالبا - من خلال أسئلة تنظلق منذ البداية وتحتوى على مناقشة موضوع واحد أو عدة موضوعات متداخلة في زمن طويل يتيح له إخراج كل ما لديه. لكن في الحقيقة أرى أن منهج رحمت الله كان أوفقا في هذا الباب؛ فقد كان يسلك مسلك العلماء لا مسلك الدعاة كما فعل ديدات، كذلك لم يكن يعتمد ديدات على آراء المفسرين الشارحين للنصوص كما كان يفعل رحمت الله.
إن قضية السند والدليل المتصل وتحرير المصطلح هم من أهم القضايا للبحث والتفنيد؛ ولذا فإن النص عند قبوله لابد أن يصل إلينا من طريق ثقة حتى منتهاه؛ أي من أوله إلى آخره، وبصرف النظر عن المخطوطة، فما هي إلا سبيل لإثبات النقل السليم، إلا أن الحديث يفترض أن يكون عن كيفية النقل عموما سواء أكان في مخطوطة أو في شخص أو في جماعة أو نقل بالتواتر أم بالآحاد بطريق الصدق أو بالتدليس وهكذا.
وقد كان بعد عرض قضايا السند والدليل من الأهمية بمكان تحليل الأقوال والآراء حول سند العهدين القديم والجديد وما دار حولهما من كلام ..
سند التوراة والإنجيل:
أولا: التوراة
يحلل اسبينوزا (١) أسفار التوراة سفرا سفرا مبينا نصيب كل منها في الصحة التاريخية فالأسفار الخمسة لم يكتبها موسى، بالرغم من تأكيد الفريسيين ذلك حتى أن ابن عزرا - وهو العالم الناقد الحر - لم يجرؤ على الجهار بذلك.
_________________
(١) سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د. حسن حنفي، مراجعة د. فؤاد زكريا، (بيروت، لبنان: دار التنوير، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥)، ص ٢٢ - ص ٢٨.- سبينوزا (١٦٣٢ - ١٦٧٧) "ولد باروخ اسبينوزا في أمستردام من أسرة برتغالية يهودية ألقت عصاها في هولندة بعد ما أصابها من نفي وتشريد بسبب عقيدتها الدينية اليهودية التي شب عليها الفيلسوف في عهد الصبا. وكان أبوه تاجرا ناجحا ود لو انخرط في سلك التجارة عسى أن يخلفه، ولكنه نفر وأبى وآثر أن ينفق وقته في معبد اليهود"-زكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بدون ط، ١٩٣٦ م)، ص ١٢٨.
[ ٢٤٨ ]
كتب الأسفار الخمسة إنسان آخر، عاش بعد موسى بمدة طويلة، وذلك لبعض الأسباب التي يذكرها ابن عزرا مثل (١):
- لم يكتب موسى مقدمة سفر التثنية لأنه لم يعبر نهر الأدرن.
- كان سفر موسى مكتوبا على حائط المعبد الذي لم يتجاوز اثني عشر حجرا، أي أن السفر كان أصغر بكثير مما لدينا الآن.
- قيل في سفر التثنية: " وقد كتب موسى التوراة، ولايمكن أن يقول موسى ذلك إن كان هو كاتبها ".
- في سفر التكوين، يعلق الكاتب قائلا: " وكان الكنعانيون في هذه الأرض " مما يدل على أن الوضع قد تغير وقت تدوين الكاتب هذا (السفر) أي بعد موت موسى وطرد الكنعانيين وبذلك لايكون موسى هو الراوي.
- في سفر التكوين سمى جبل موريا "جبل الله، ولم يسم بهذا الاسم إلا بعد بناء المعبد، وهو ما تم بعد عصر موسى.
- وفي سفر التثنية وصفت بعض الآيات في قصة أوج، توحي بأن الرواية كتبت بعد موت موسى بمدة طويلة، إذ يروي المؤلف أشياء حدثت منذ زمن بعيد، ثم يضيف سبينوزا على ملحوظات ابن عزرا تلك ملحوظات أخرى: -
- كتابة الأسفار بضمير الغائب، وليست بضمير المتكلم.
- مقارنة موت موسى ولحده والحزن عليه بموت الأنبياء التالين له.
- تسمية بعض الأماكن بأسماء مختلفة عما كانت عليه في عصر موسى.
- استمرار الرواية في الزمان حتى بعد موت موسى.
- خلاصة القول إن أسفار الكتب المقدسة لم يكتبها مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل كتبها مؤلفون كثيرون - في عصور متعاقبة - لجماهير مختلفة في المزاج والتكوين - ويمتد التدوين إلى ألفي عام وربما أكثر من ذلك.
ثانيا: الإنجيل
إنه بظهور كتاب أيشهورن (J.G.Eichhorn) عام ١٨٠٤ م " مدخل إلى العهد الجديد " بمجلداته الخمسة، يكون النقد التاريخي لسند العهد الجديد قد خطا خطوات بعيدة، إذ يتتبع أيشهورن في هذا الكتاب أسفار العهد الجديد سفرا سفرا بفحص صحة الإسناد وحقيقة النص، مع استبعاد مسألة إلهامية الأسفار وطرحها جانب الطريق، فيقرر:
أولا: أن العهد الجديد كمجموعة من الكتب لم يكن له وجود قبل منتصف القرن الثاني.
ثانيا: أن هناك كتابات كثيرة من التي استبعدتها الكنيسة يجب أن تأخذ مكانها في قائمة القانون.
ثالثا: أن هناك عددا من الكتب التي يتضمنها القانون يجب إخراجها منه لعدم صحة نسبتها إلى الرسل الذين تحمل أسماءهم مثل:
_________________
(١) المرجع السابق ذكره، ص ٢٨
[ ٢٤٩ ]
١ - رسائل بولس الثلاثة.
٢ - رسالة بطرس الثانية (١).
الأستاذ رودلف سيدل العالم اللاهوتي البروتستانتي، والأستاذ في جامعة لايبسيغ (الألمانية) وأحد الكبار في زمانه يقول في كتابه (أسطورة بوذا) (٢): " فإنه من ثمانين وعشرين إصحاحا التي يتألف منها إنجيل متى، فإن إصحاحين منها فقط هما الثاني والعشرون والرابع والعشرون خاليان من النصوص الهندوسية، ومن إنجيل مرقس الذي يتكون من ستة عشر إصحاحا، فإن إصحاحين أيضا هما: السابع، والثاني عشر غير منقولين، وفي إنجيل لوقا، الإصحاح السادس عشر والسابع عشر والعشرون فقط من مجموع أربعة وعشرين إصحاحا التي يتشكل منها الإنجيل المذكور، هي ليست منتحلة - أي مسروقة - ثم إنجيل يوحنا المتضمن واحدا وعشرين إصحاحا، فإن الإصحاحين العاشر والسابع عشر فقط خاليان من النقل ".
والعالم البروتستانتي هابل مؤرخ الأديان، يوافق ويؤيد أقوال (رودلف سيدل)، ويذكر ويسمي ستة وثلاثين نصا في الكتاب المقدس، مقتبسة عن العقائد الوثنية، منها: تجسد يسوع، الطفل يسوع في الهيكل، قصة مريم المجدلية الخاطئة ومعجزة المشي على الماء.
والعالم (برنهارد سبيس Prof.Bernhard spies) العليم بالسنسكريتية، وبالخط المسماري يقرر ويثبت ويجزم بأن الأمثال بأجمعها - تقريبا - التي في الأناجيل، هي نسخ عن أمثال الهندوسيين والسومريين والآشوريين، وخصوصا سلسلة الأمثال التي تتعاقب في الإصحاح الثالث عشر من انجيل متى.
وغارب Garbe يقول: إن أكبر وأعظم علمائنا اللاهوتيين أمثال (هارناك Harnack (وغونكل Gunkel يعدون النصرانية ويحسبونها بسهولة وببساطة وإخلاص وصراحة كدين توفيقي تلفيقي، أي يعادل التوفيق بين النقيضين، أو بين المذاهب والآراء المتناقضة وهو مذهب توحيد المذاهب المتناقضة (Sineretism) .
كما نجد أن الآيات فيما بينها اشتراك تعود لكتابات وسيطة وليست إلى الكتابات النهائية الأصلية والتي قد ترتبط أو لا ترتبط بالسند لأقوال عيسى - ﵇ - ذاته.
إن أقدم الأناجيل هو إنجيل مرقس، قد كتب بعد رفع المسيح بحوالي ٣٥ سنة، وأن أحدث الأناجيل، وهو إنجيل يوحنا قد كتب بعد المسيح بحوالي ٧٠ أو ٩٠ سنة. ولقد كتب بولس رسائله قبل كتابة أقدم إنجيله بفترة تصل إلى ١٥ سنة (٣).
ويتحدث موريس بوكاي عن مصدر الأناجيل بقوله:
_________________
(١) عبد الراضي عبد المحسن، المعتقدات الدينية لدى الغرب، (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط ١، ٢٠٠١ م)، ص ٢٧٥، ص ٢٧٦.
(٢) د. شوقي أبو خليل، الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين، (دمشق: دار الفكر، الإعادة الأولى، ١٩٩٨)، ص ٢٢ - ٢٣.
(٣) «ا. د. محمد عبد الله الشرقاوي، مقارنة الأديان، بحوث ودراسات (لبنان: دارالجيل، مكتبة الزهراء، الطبعة الثانية، ١٩٩٠ م)، ص ١٥٨.
[ ٢٥٠ ]
- آيات مشتركة بين اللوائح الثلاث ٣٣٠.
- آيات مشتركة بين مرقس ومتى ١٧٨.
- آيات مشتركة بين مرقس ولوقا ١٠٠.
- آيات مشتركة بين متى ولوقا ٢٣٠.
- الآيات الخاصة هي: متى ٣٣٠ آية، لوقا ٥٠٠٠ آية، مرقص ٥٣ آية (١).
إن تنقيحات النصوص وتكييفها من أولئك الذين نقلوها إلينا، أجريت بأسلوب يقدمه الأب بوامار بصورته المعقدة التي هي تطوير للنظرية المسماة ذات المصدرين ثمة أربع وثائق أصلية تسمى أ - ب - ث - ك تمثل المصادر الأصلية للأناجيل.
أ: ناشئة في وسط يهودي - مسيحي، وقد أثرت في متى ومرقس.
ب: هي إعادة لترجمة الوثيقة، لاستعمال الكنائس الوثنية - المسيحية، وقد أثرت في جميع الإنجيليين ماعدا متى.
ث: أثرت في مرقس ولوقا ويوحنا.
ك: تؤلف أكثر المصادر المشتركة بين متى ولوقا. إنها الوثيقة المشتركة ذات المصدرين.
على أن واحدة من هذه الوثائق التي اعتمدت كأساس، لم توصل إلى كتابة النصوص النهائية التي بين أيدينا. إذ قد انتصبت بينها وبين الكتابات النهائية، كتابات وسيطة، أطلق عليها الكاتب واسطة متى، وواسطة مرقس، وواسطة لوقا ويوحنا. وهذه الوثائق الأربع الوسيطة هي التي أوصلت إلى الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة (٢).
إن مسيحيي اليوم ينطبق عليهم تماما اسم (البولسيون) لاتباعهم أوامر بولس ولسيرهم معه في التيار الذي سار فيه، ولتمسكهم بدينه الذي اخترعه لهم اختراعا، وأنشأه لهم إنشاء، والذي اقتبسه لهم من ديانات الأمم الوثنية المختلفة واستعاره من عقائد بعض الشعوب (٣).
إن رسائل بولس في الواقع ليست إلا النصوص الأولى للعهد الجديد ما دام أنها كتبت بين سنة ٥٠، ٦٠ للميلاد، بينما لم تكتب أناجيل " العهد الجديد " التي وصلت إلينا إلا بين ٧٠، ١١٠ للميلاد، أي أن مؤلفي هذه الأناجيل تأثروا برسائل بولس التي كتبت قبلهم وتشربوا بأفكاره وتأويلاته لأعمال عيسى - ﵇. إن بولس حاضر ناظر في العهد الجديد منذ كلمته الأولى، على الرغم من أن هذه الأناجيل تتحدث عن أمور وقضايا سبقت تأثير بولس. ولاشك أن مفاهيم بولس ونظرته قد طغت على الأناجيل طغيانا دل على انتصار نظرته على كل ما فعله المسيح على الأرض، وذلك في عقيدة الكنيسة بعد ذلك، ولقد كانت هناك
_________________
(١) موريس بوكاي، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة الشيخ حسن خالد (بيروت: المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٩٩٠ م)، ص ٩٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٦ وما بعدها (بتصرف يسير).
(٣) سامح وصفي، المسيح والتثليث، دارالفضيلة، ط ٤، ص ٦٧ - ص ٦٩
[ ٢٥١ ]
تفسيرات مختلفة عن تفسيرات بولس، وكانت متماشية مع المسيحية الأولى، غير أن هذه التفسيرات والآراء أزيلت واتهمت بالكفر عندما ثبتت الكنيسة البولسية لائحة الكتابات التي صارت تعرف بعد ذلك بالعهد الجديد (١).
فضلا عن ذلك الآراء الشاذة والغريبة التي تناولها الكتاب المقدس مثل (٢):
نقل عن ميلانكتون العالم البروتستانتي في كتابه (الأماكن اللاهوتية) ص ٩٢ طبعة اكسبرج ١٨٢١ قوله: إن كنت سارقا أو زانيا أوفاسقا، فلا تهتم بذلك، عليك فقط، ألا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك، قبل أن تخطئ بزمن مديد.
ونقل عن القس (بطرس حنا) في كتابه (فضائح الكنيسة الانجيلية) قوله: أنه مسموح للراعي الإنجيلي أن يوجد في بيته لبعد منتصف الليل في غياب زوجته عن البلد فتاة عظيمة الجمال، رشيقة القد، عديمة الحشمة، هذا ما صرح به سنودس النيل للمحكمة الدينية العليا لطائفة الانجيلية " مسموح للراعي الإنجيلي أن يختلس من مال الرب ما يستطيع اختلاسه، وإن وصل القدر إلى أكثر من سبعة آلاف جنيه وفي كل هذا لاعقاب عليه.
ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه حتى تعرف به حد النصرانية وخاصة قولهم في الإلهية. وكيف تقدر على ذلك، وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف قول أخيه وضده، وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية؛ ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية كما نعرف جميع الأديان.
إلا أن آريوس (٣)
كان دائما يلجأ إلى المنطق والتعليل، ولأن اسكندر لم يستطع أن يواجهه بنفس منطقه فقد كان يحتد دائما عند انتهاء الجدال، وكان آريوس عند تقديم افتراضاته يقول " أين الخطأ في استنتاجي وفي قياسي المنطقي " وفي عام ٣٢١ م أصبح آريوس قسيسا متمردا محبوبا وواثقا ومتأكدا بعمق من معتقداته، وبعد هذا التقاعس الشخصي من جانبه طلب اسكندر عقد مجمع كنسي محلي للحكم على مذهب آريوس، وحضر هذا المجمع حوالي مائة قسيس مصري وليبي وتمسك آريوس بالموقف الذي اتخذه بشجاعة وقدرة كبيرة قائلا:
_________________
(١) هيم ماكبي، ترجمة سميرة عزمي الدين، بولس وتحريف المسيحية، سلسلة من أجل الحقيقة (٣) منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، ص ١٥.
(٢) «أبو عثمان بن عمرو بن بحر الجاحظ، المختار في الرد على النصارى، تحقيق أ. د. محمد عبد الله الشرقاوي، (لبنان: دار الجيل، مكتبة الزهراء، الطبعة الأولى، ١٩٩١)، ص ٦٨.
(٣) آرْيُوس (٢٥٦؟ - ٣٣٦ م). قس إغريقي من سكان الإسكندرية، بمصر، أنشأ في حوالي عام ٣١٨ م مذهبًا لاهوتيًا نصرانيًا يعرف بالآريوسية، أكد فيه أن المسيح مخلوق وليس إلهًا. وكان يؤمن بالوحدانية ويقر بنبوة عيسى ﵇، لا بألوهيته. انظر: الأريوسية. وفي حوالي عام ٣١٨ م، استنكر الإسكندر، مطران الإسكندرية تعاليم آريوس، الذي استمر في القول بتعاليمه وجذب الكثير من الأتباع، فطرده وأتباعه من الإسكندرية، فذهب إلى فلسطين وسوريا، وتبعه أساقفة كثيرون منهم أسقف قيصرية وأساقفة بيروت وصور واللاذقية وغيرها. ولما خشي قسطنطين استفحال أمره بعد الانتشار السريع لآرائه، دعا المجمع المسكوني للانعقاد، فانعقد في نيقية عام ٣٢٥ م، وحكم بالأقانيم الثلاثة، وشجب أقوال آريوس، وأمر بحرق كتاباته وتحريم اقتنائها، وحكم عليه بالهرطقة (الابتداع). من الموسوعة العربية العالمية السعودية، مرجع سابق.
[ ٢٥٢ ]
كان يوجد زمن لم يكن فيه المسيح موجودا فأين كان يوجد الله عندئذ، ولأن المسيح خلقه الله فإن وجوده له نهاية، ولذلك ليس لديه صفة الخلود؛ لأن الله فقط هو الخالد، ولأن المسيح مخلوق فإنه خاضع للتغيير مثل كل المخلوقات الأصلية والله فقط هو الذي لايتغير، وهكذا فإن المسيح ليس الله (١).
إلا أن النصارى لا يريدون النصوص الدينية أن تخرج لأرض الواقع وقد "صارحهم المسيح بن مريم بالحقيقة ووضح لهم أن هذا موجود في الكتب التي بين أيديهم ولكنهم لا يهتمون بها، ولا يتدبرونها، ويريدونها فقط نصوصا مدفونة في بطون الكتب، ثم قرأ لهم بشارة داوود في الحجر المرفوض وهو نسل الجارية هاجر وأن نسل هذه الجارية سوف يرث النبوة من اليهود، ثم وضح لهم أكثر فقال " لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " ثم حذرهم من العناد، ومحاولة القضاء على هذا النبي القادم الموصوف بالحجر فقال: من سقط على هذا الحجر ترضض؛ أي من حاول الصدام معه ومحاربته يتهشم ومن سقط عليه يسحقه، ومن أعلن هو الحرب عليه يسحقه " (٢). وهذا يؤكد النبوة ويهدد اليهود ..
إن المسيحية البوليسية الجديدة قد بنيت على دعامة قوية قامت عليها وبهدمها لايكون لها معنى ألا وهي عقيدة التثليث ولذا سأحاول التعرض إليها بشيء من التفصيل.
عقيدة المسيحية الجديدة:
لم تكن قضية تثليث في وحدة ووحدة في تثليث مقنعة للعقل البشري فضلا عن إنكارها شرعا بل إن الإسلام ردها وأظهر بطلانها نقلا وعقلا.
أولاَ: قول النصارى في المسيح يتناقض مع دعوة عيسى إلى التوحيد.
قال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار ) [المائدة ٧٢_٧٣].
ثانياَ: إن نسبة الولد إلى الله قول باطل وبهتان كبير.
قال الله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئاَ إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) [مريم ٨٨_٩٣]
ثالثاَ: اتصاف الله عزوجل بالكمال في ذاته وصفاته يستحيل معه نسبة الولد إليه سبحانه.
_________________
(١) محمد عطا عبد الرحيم، عيسى المسيح والتوحيد، ترجمة: عادل حامد محمد، مركز الحضارة العربية، ص ٩٥ (بتصرف يسير).
(٢) مرجع سابق: عثمان القطعاني، الحوار المثمر مع القس فندر حول صفات النبي المنتظر، (الاسكندرية: دار الايمان للنشر والتوزيع، [د. ط]، ٢٠٠٠)، ص ٣٨.
[ ٢٥٣ ]
قال الله تعالى: (بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم)] الأنعام ١٠١ [
رابعاَ: رد القرآن على شبهة النصارى في ولادة عيسى من أم دون أب
قال الله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون)] آل عمران: ٥٩ [
قال ابن تيمية " وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح فإن حواء خلقت من ضلع آدم وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم وخلق آدم أعجب من هذا وهذا وهو أصل خلق حواء فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون " (١).
خامسا: الرب لايكون محتاجا كالبشر. قال تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلارسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام)] المائدة: ٧٥ [.
دائماَ ما يدافع النصارى عن عقيدتهم بأنها حقائق فوق العقل والقياس فلا مناص من تصديقها من غير محاولة الاعتماد على العقل فيها.
يقول ابن تيمية عن النصارى أنهم " لا يميزون بين ما يحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ولا يعلم منه بنفي ولا إثبات فلم يفرّقوا بين محالات العقول ومحارات العقول " (٢).
ويقول ابن القيم (٣): " ولهذا قال بعض ملوك الهند: أما النصارى فإن كان أعداؤهم
من أهل الملل يجادلونهم بالشرع فأنا أرى جهادهم بالعقل " (٤).
وفيما يلي بعض الردود عليهم:
_________________
(١) الجواب الصحيح، ج: ٤ ص: .٥٥
(٢) الجواب الصحيح لابن تيمية ٣/ ١٨٥ باختصار.
(٣) ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ، ١٢٩٢ - ١٣٥٠ م). محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، من أعلام الإصلاح الديني في القرن الثامن الهجري. ولد في دمشق وتتلمذ على يد ابن تيمية، حيث تأثر به تأثرًا كبيرًا وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه. وسُجن ابن قيم الجوزية وعُذِّب عدة مرات، وأطلق من سجنه بقلعة دمشق بعد وفاة ابن تيمية. ومن أبرز كتب ابن قيّم الجوزية في مجال السياسة كتابه الشهير الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، كما أن له العديد من المؤلفات الأخرى في الشريعة والتفسير والفقه نذكر منها: أعلام الموقّعين؛ زاد المعاد؛ مدارج السالكين؛ تلبيس إبليس؛ الوابل الصيّب من الكلم الطيّب؛ التبيان في أقسام القرآن. ولمحمد أويس الندوي كتاب التفسير القيّم، للإمام ابن القيّم - استخرجه من مؤلفاته. وقد أدى ابن القيم دورًا بارزًا في الفكر الإسلامي الحديث. الموسوعة العربية العالمية السعودية، مرجع سابق.
(٤) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم: ص ٢١، وانظر مختصر إظهار الحق: ١٢٩، فقد اعترف أحدهم بأن في دينه ما يناقض العقل!
[ ٢٥٤ ]
١ - عقيدة التثليث عقيدة اجتهادية بحتة، مصدرها فهم بعض رؤساء الدين ولا يصح في منطق العقل أن تكون أمور العقائد من وضع البشر- بل هي من الله- ومن رأى قرارات المجامع!
٢ - إذا كان المسيح ﵇ أحد الأقانيم الثلاثة ومعروف أنه تلحقه الأعراض البشرية كالجوع والعطش والشبع والأكل وغير ذلك، بينما الآب والروح القدس لا يلحقهما شيء من هذا، فكيف يكون واحداَ من تلك الثلاثة ويلحقه ما لا يلحقها؟
٣ - عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء ولا في كتاب سماوي، ومن طالع التوراة لم يجد فيها لا تصريحاَ ولا تلميحاَ، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل وآخرهم عيسى ﵇ أن يبينوها حق التبين.
٤ - أهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا صريحًا، في وقت بينوا فيه أموراَ أقل أهمية بكثير.
٥ - جاءت امرأة وطلبت من عيسى أن يقعد ابنيها أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله فقال عيسى ﵊: ( وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا الذين أعد لهم من أبى) متى: ٢٠: ٢٤.
قال ابن حزم: " في هذا الفصل بيان أنه ليس إليه من الأمر شيء وأنه غير الأب كما يقولون بخلاف دينهم فإذا هو غير الأب وكلاهما إله فهما إلهان إثنان متغايران أحدهما قوي والآخر ضعيف لأنه بإقراره ليس له قدرة على تقريب أحد إلا من وهب له ذلك الذي يسمونه أبا وليت شعري كيف يجتمع ما ينسبون إليه ههنا من الاعتراف بأنه ليس بيده أن يجلس أحد عن يمينه ولا عن شماله وإنما هو بيد الله تعالى مع ما ينسبون إليه من أنه قدر على إعطاء مفاتيح السموات والأرض لأنذل من وجد وهو باطرة وأنه يفعل كل ما يفعله الأب " (١).
٦ - أنه باطل بأقوال المسيح الكثيرة ومنها: " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته " يوحنا ١٧: ٣ (٢).
وفي حديثنا عن السند والدليل وتحرير المصطلح ولكن على الجانب الإسلامي؛ نجد أن القرآن قد نقل بطريق التواتر من ثقة إلى ثقة ومن لسان إلى لسان ومن نص إلى نص، وبصرف النظر عن القضية المثارة حول حرق النسخة الأولى، إلا أنه قد نقل بطريق التواتر المتفق عليه المعتمد المشهور بين جمع إلى جمع.
_________________
(١) الفصل لابن حزم ٢/ ٣٧
(٢) للتوسع انظر: اظهار الحق ٣/ ٦٨٢ _٧٣٠، ومختصره ١٢٥ - ١٤٦، محمد أحمد الحاج، النصرانية من التثليث إلى التوحيد ([د. م]: دار القلم، ط ١، ١٤١٣ هـ- ١٩٩٢ م) ص ٢٤٢ وما بعدها.
[ ٢٥٥ ]
جوانب الاتفاق والاختلاف بين رحمت الله وفندر:
لابد عند المقارنة بين رحمت الله وفندر - مقارنة منهجية - في دراستهما للإسلام والمسيحية -أن نعتمد على أمور عدة هي (١):
١ - الهدف
اختلف الهدف عند كل منهما؛ فقد اعتمد فندر على إثارة الشبهات حول الدين الإسلامي، ودحض شبهات المسلمين - حول دين النصارى - ومحاولة تنصير أكبر عدد ممكن منهم. بينما اعتمد رحمت الله على صد القس فندر في محاولاته تشكيك المسلمين في دينهم، ورد تلك الشبهات ودحض افتراءاته، وإلزام فندر بالدين الصحيح، وتثبيت أفئدة المتزعزعين من عوام المسلمين ودحر محاولات التنصير.
٢ - المنهج
أنقد النصوص: تعرض كل منهما لنقد النص؛ سواء أكان النقد الداخلي للنص؛ من إثبات التناقض والتعارض، كما فعل رحمت الله، أونقد الإعجاز القرآني، كما فعل فندر.
ب الاحتجاج بالكتب: فقد احتج رحمت الله على النصارى، بما في كتبهم، وألزم خصمه بها، بينما ابتعد فندر على المنهج العلمي في الاحتجاج؛ لأنه لم يلتزم الشمول في العرض والدقة في النقل.
ت الاعتماد على المنهج التاريخي: فقد اعتمد رحمت الله على إثبات ضياع النسخ الأصلية من الإنجيل وفقدان السند المتصل، كذلك تحريف العقيدة الصحيحة في مجمع نيقية والانتصار لعقيدة التثليث. أما فندر فقد تعرض لقضية التواتر الكتابي للنص من خلال حرق الوثيقة الأصلية أو الوثائق الأخرى للقرآن على يد عثمان بن عفان بعد نسخ الأصل وتوزيعه على الأمصار.
ث المنهج المقارن: لجأ كل منهما إلى مقارنة الدينين الإسلامي والمسيحي معا وتفنيد الشبهات وردها بالعقل أو بالنقل أو بكليهما.
٣ - المصادر: اعتمد رحمت الله على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في الإسلام وعلى علماء النصارى المعتمدين لديهم في المسيحية، بينما اعتمد فندر على رأيه من خلال بعض التفاسير للقرآن والحديث وبعض المقولات الشاذة الغير مثتبة في الإسلام وعلى آرائه وتحليلاته من خلال نص الكتاب المقدس في المسيحية.
٤ - الدقة العلمية: لم يعتمد فندر الدقة العلمية في نسبة النصوص إلى أصحابها كذلك بعض آيات القرآن الكريم، وعدم نقل بعض التفسيرات كاملة لأصحابها، وفي مواضعها اللازمة، بينما كان رحمت الله يتحرى النقل في الأقوال - من الجانبين - الإسلامي والمسيحي - بدقة بالغة.
أما من حيث جوانب الاتفاق والاختلاف بينهما، فشملت الكتب والقضايا المثارة من خلال تلك الكتب أو المناظرة.
_________________
(١) انظر مرجع سابق: عبد الراضي عبد المحسن، منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى، ص ٤١٧ وما بعدها.
[ ٢٥٦ ]
أولا: بالنسبة للقضايا
١ - قضية التحريف
قسم رحمت الله أبوابه بشكل منظم سواء أكان التحريف بالزيادة أو بالنقصان أو بالتبديل. وأورد شواهد كثيرة جدا في هذا الباب.
أما فندر فيورد أدلته بدون شواهد، بل يقحم نفسه كمفسر وشارح للقرآن وزعم أن التحريف هو عبارة عن " سهو الكاتب " ولا غضاضة فيه.
٢ - قضية النسخ
أنكر فندر النسخ وقصره على النسخ اللفظي فقط، بينما أورد رحمت الله أمثلة على النسخ في الأحكام في الإنجيل، وعلله فندر بأنه روحي فقط أو تحول لشيء معنوي وكان بمثابة تدريبا بشكل مؤقت في ذلك الزمان ولا يعد نسخا.
كما بين رحمت الله أن النسخ لا يقع إلا في الأحكام المطلقة وألا يكون الوقت والمكلف والوجة متحدة بل لابد من الاختلاف في الكل أو البعض من هذه الثلاثة.
٣ - قضية التثليث
يرى فندر أن علاقة اللاهوت بالناسوت علاقة اتحاد فقط لا امتزاج، وأن التثليث سر عجيب غير مفهوم، ويجب الإيمان به، وساوى بين الصفات الإلهية والأقانيم الإلهية.
أما رحمت الله فقسم فصوله بشكل أكثر دقة وتحدث عن إبطال التثليث بأوجه عدة: بالعقل والنقل وأقوال السيد المسيح. وبرهن على أنه إذا وجد التثليث الحقيقي فلابد أن توجد الكثرة الحقيقية، وذكر أن غالب ما يتمسك به المسيحيون من أقوال هي أقوال مجملة منقولة من إنجيل يوحنا المملوء بالمجاز.
٤ - قضية القرآن
لم يؤكد فندر فصاحة القرآن بل ذكر أنه قد ورد ما هو أفصح من القرآن، كما يرى أن هناك كلمات في القرآن من لغات غير عربية، وأن هناك من يشهد بفصاحته كما ورد في الكتاب المقدس في سفر أشعياء والتثنية والمزامير، وجميع الحقائق التي ذكرت في القرآن هي حادثة في الكتاب المقدس.
بينما ذكر رحمت الله أمثلة عديدة على تحقق المعجزات الواردة في القرآن، وفي ذات الوقت حقائق أخرى لم تحدث في الكتاب المقدس، كما أن القرآن تحدى بفصاحته العرب الذين بلغوا في الفصاحة مبلغا عظيما، ولكنهم لم يأتوا بأفضل منه كما كان القرآن منطويا على الإخبار بأقوال القرون السابقة والأمم الهالكة، كما لم يحمل القرآن ما يفيد بزنا الأنبياء أو عبادتهم للأصنام أو ردتهم كما ورد ذلك في الكتاب المقدس أو أشياء أخرى خارجة عن المفاهيم العقلية كأن مريم هي والدة الله على الحقيقة.
[ ٢٥٧ ]
٥ - قضية النبوة
أورد فندر قضية القرآن بعد النبوة على عكس رحمت الله فقد أوردها قبل القرآن. أنكر فندر جميع البشارات الواردة في الكتاب المقدس عن محمد ﷺ وردها بتفسيرات مغايرة لما أوردها المسلمون، لكن رحمت الله رد المطاعن، وأورد البشارات المتعددة على إثبات النبوة، وأثبتها بوجوه متعددة منطقية.
ثانيا: من خلال كتبهما
يورد رحمت الله الهندي عندما يريد أن يرد قضية ما عند فندر: كقضية قتل المرتد، فينظر إلى عمق المسألة، فإن وجده متشددا في إثبات وجودها رده بالدليل النقلي والعقلي بما ورد في الإسلام وثبت. أما فندر فيرد على رحمت الله بنفس طريقته مثل: موضوع عدم وجود نسخ أصليه بأن عثمان قد أحرق النسخ الأخرى، أو أنه لايوجد سند، لأن هناك حفظة كما في الإسلام - وهذا دون تقديم سند واضح يتم الاعتماد عليه!
أورد رحمت الله مسألة مسألة ورد عليها أما فندر فلم يرد على كل الشبهات أو يفندها على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه.
تحدث رحمت الله عن صفات فندر وذكر بأنه كاتب غير مبال بالقول الكذب، والثاني أنه يشخصن الأمور، والثالث أنه يترجم الآيات القرآنية ويفسرها على رأيه ليعترض عليها في زعمه، كما وضح أن الأسلوب الذي اتبعه في الردود لايعني هذا تجاوزا منه، وسوء أدب مع الآخرين إن استعمل مصطلحات غير مألوفة في الردود الإسلامية وإنما هو استعمال لأسلوب النصارى المعتاد عندهم في توجيه النقد لكتبهم، أو تقرير حقائق نهائية، أو الحكم على الأشخاص، وذلك من خلال استعمال القساوسة هذه الاصطلاحات والنعوت عند مخاطبتهم للمسلمين وهم أحق بها من خلال نسبة القس، ويستند رحمت الله كثيرا إلى تفسير هنري واسكات عند النصارى، ويبين إنصاف بعض مفسري الكتاب المقدس - إن لزم الأمر - إنصافا منه وتقديرا واعتراضا بما لهم وما عليهم ويورد أحيانا الدليل بالفارسي مع ترجمته غالبا. أما فندر فيعتمد على تفسير البيضاوي كثيرا، ويخطئ في بعض الآيات القرآنية أو ربما كانت أخطاء مطبعية.
إن رحمت الله دقيق في التوصيف والنقد، ويستشعر القارئ بتعمقه وتبحره في علوم النصارى، لكن فندر يخطئ أحيانا باستدلالات في النواحي اللغوية، وطريقة تفسيره لبعض الآيات غير علمية، وتتبع طريقة " ولا تقربوا الصلاة " إلا أنه قد ذكر أن سورة فاطر تعني سورة الملائكة وربما يدل على ثقافة واسعة في العلوم الإسلامية لا تعني بالضرورة التعمق فيها، كما أنه غير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس، كذلك حرف معنى الختان إلى معنى روحي.
لجأ رحمت الله إلى النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين، أما فندر فعمد إلى الإثبات من خلال أجزاء من آيات القرآن الكريم موصولة بآيات من العهدين.
[ ٢٥٨ ]
عرض رحمت الله مقدمات منطقية رياضية ليثبت صحة كلامة وسلامه حججه، كما يورد بعض تعليقاته الشخصية، أما فندر فأسقط معان محددة - من واقع فهمه - للآيات ثم يقوم بالترجيح ثم الإثبات ولا توجد لديه استدلالات واضحة.
استدل رحمت الله بالحقائق التاريخية، وعن طريق ضرب الأمثال، وبأقوال النصارى، ومؤرخي المسلمين، أما فندر فلا أجد له استدلالات بأقوال النصارى إلا أنه استدل بأقوال بعض علماء المسلمين لكن أحيانا دون عزو محدد.
حدد رحمت الله مفاصل الكتاب الكبرى والموضوعات الجدلية، وقسم مباحث كتابه بشكل مفصل، أما فندر فاستخدم أسلوب التدرج والتتابع والاستنتاج بناء على معان محددة مبنية على اجتهاد شخصي ثم الترجيح والإثبات.
حدد رحمت الله المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابه، وكانت أغلبها منسوبة للبروتستانت؛ لغلبة منصريها في الهند آنذاك، أما فندر فيورد أقوالا غير مثبتة عند المسلمين مثل: توقيع علي بن أبي طالب، ولا يقدم سندا أو أوأية أدلة دامغة على ما يقول وما يثبت إلا أنه حدد القليل من مصادره مثل: عزوه لتفسير البيضاوي وكثيرا ما يلجأ إليه.
عرض رحمت الله نماذج مختلفة للتحريف الذي اتسمت به كتب المنصرين من ميزان الحق، وحل الإشكال، ومفتاح الأسرار، واعترف فندر بأنه على مدار التاريخ سقط المسيحيون في الوثنية على فترات مختلفة، كما اعترف بالتحريف في أكثر من موضع في المناظرة الكبرى.
اعتمد رحمت الله في قضية التثليث على المنهج العرضي النقدي؛ أي عرضها ونقدها في آن واحد، واعتمد البراهين العقلية والنقلية، أما طريقة فندر في الرد فتكون بما ورد في الكتاب المقدس فقط ولا اعتبار لأية زوايا أو احتمالات أخرى.
اعتبر رحمت الله المنطق والتاريخ في حججه؛ فقد أثبت التحريف والنسخ عن طريق ضرب الأمثال من الكتب المقدسة وإيراد الشواهد مثل: الحوادث التي مرت من تدمير ملكهم، وتغيير معتقدهم، وتناقض أخبار الأيام في الأسماء والأعداد، ولم يكن هناك رسم للكتابة فضلا عن صعوبتها في الحجارة، كما أن إنجيل متى مفقود، والموجود هو ترجمة الترجمة باليوناني، بالإضافة إلى الجهل بنسبة الترجمة واسم مترجمها. إلا أن فندر يرد على موضوع النسخ بذكر بعض آيات من القرآن الكريم؛ حيث يستشهد بها على جواز النسخ في القرآن فقط، وأنه لاتوجد آية دالة على نسخ القرآن للكتب السابقة، وأيد قوله ببعض مقولات - ذكرها - لرحمت الله الهندي في كتابه إظهار الحق! . ومن الواضح أن فندر لايفرق بين نسخ الأحكام ونسخ العقائد، وأن العهدين القديم والجديد يكملان بعضهما البعض، وعلى ذلك فالقرآن هو مجرد ناقل.
قسم فندر الوصايا إلى طقسية وأدبية واستنتج أنه كما لايمكن نسخ الوصايا الأدبية مثل: الزنا والسرقة فلايمكن نسخ الإنجيل أو التوراة، وأن المسيحيين لم يلتزموا فقط بالوصايا الطقسية، ويساوي بين الأقانيم الإلهية والصفات الإلهية، ولايفرق بين الحواري والرسول كما لايفرق بين النسخ والقراءات المختلفة، ويرى أن وسائل الحصول على المغفرة في الإسلام سطحية، وخارجية، وغير قابلة للممارسة والتطبيق - في وجود القداسة الإلهية والعدالة - واعتبر هذا
[ ٢٥٩ ]
غير كاف للتأثير في القلب، والشعور براحة الضمير؛ حيث نلحظ هنا أن كل ماسبق عبارة عن اجتهادات وتحليلات شخصية، إلا أن الرجل تفوق في مهارة الإلقاء، وجانب الروحانيات، وتهيئة القارئ للحديث عن النصارى وحكايتهم كما حدث في حكاية اليهود.
قوض رحمت الله نصوصهم واستعان بها ضدهم، لكن فندر قد استعار نصوص المسلمين ليشهد لهم، وهذا فارق كبير؛ لأن شهادته لهم لابد أن تؤول لشهادته بالباقي وبالحق.
إن كتاب فندر لا يستهدف الخاصة بل العامة، ولذا نجده حريصا على الاستمرار فيه بالرغم من دفع الشبهات بأقوال كثيرة يصعب على العامة قراءتها وحصرها.
عند المقارنة بين سند "زيد بن ثابت" عند المسلمين وسند "عزرا" في التوراة نجد أنه بينما تشكلت لجنة من المسلمين لجمع المصحف من الحفاظ المتقنين وتقديم شاهدي عدل على كل آية أيام جمع المصحف على يد أبي بكر ثم مرة ثانية على يد عثمان بن عفان، نجد أن عزرا الغير معروف هويته بالتحديد يجمع التوراة بنفسه - بعدما مرت أعوام على هزيمة اليهود على يد بختنصر وتفرقهم وفقد نصوصهم الأصلية- كذلك المقارنة بين جمع "قسطنطين" للإنجيل الحقيقي واعتماده، وجمع "عثمان" للمصحف الحقيقي واعتماده - فارق كبير- فبينما كان قسطنطين وثينا، وأقر الإنجيل المزيف - الذي يخدم مصالحه - على الرغم من أن أغلبية المجلس - المشكل - مقرون بالإنجيل الحقيقي، نجد عثمان قد نسخ القرآن بلجنة مشكلة معتمدة من صحابة الرسول، ثم رد أصل النسخة إلى صاحبه، ونسخ منه للأمصارالمختلفة لاعتماده وحرق المخالف عنه حتى لا تنتشر النسخة المخالفة للأصل.
إن في اتهام فندر الإسلام أنه انتشر بالسيف- لو افترضنا صحة ما يقول - فالسيف مدعاة للتفكر في أصول الديانة وليس مجرد الخوف منه.
ناقش كل باب منفصلا عن الباب الآخر حيث لا يفترض إبطال التثليث في باب النبوة وهكذا؛ فليس ترتيب الكتاب ملزم بإبطال قضاياه واحدة تلو الأخرى كما يعرض القس فندر، كما أن رحمت الله قسم كتابه بناء على أبواب المناظرة، في حين أن فندر حاول أن يقسمها - كذلك - ولكنه يعود أدراجه في الحديث عن قضية سابقة عند مناقشة قضية لاحقة.
تسمية فندر لكتبه بمسميات غريبة لا تدل عليها، مثل: مفتاح الأسرار ولا يوجد مفتاح! ميزان الحق ولا يوجد ميزان! طريق الحياة ولا يوجد سوى التيه! ملاحظات محمدية وفي الحقيقة هي ملاحظات مسيحية! بينما ركز رحمت الله على كل القضايا من خلال كتابه " إظهار الحق " مع قواعد وتنبيهات من خلال كتابه " التنبيهات ".
[ ٢٦٠ ]
وفي الختام يجب علينا العمل على (١):
- أخذ الدين من مصادره فقط دون الاعتداد بسلوك معتنقيه سواء أكان سلوكهم طيبا أم غير ذلك، متفقا مع ديانتهم أم مخالف لها.
- عدم الأخذ بتمدين دولة ما دليلا على سلامة الدين الذي تعتنقه أو الحكم بعدم سلامة عقيدة ما لمجرد أن الدولة التي تأخذ بها ليس لها حظ من الرقي، إذ فضلا عن انعدام السببية بين الدين ومستوى الدولة، فإننا سنجد دولا عظمى لكنها لا تأخذ بأي دين من الأديان.
- أن نبتعد عن المناورة التي يلجأ إليها عادة بعض المتناظرين، وأن تتجنب المكابرة التي يتمسك بها ضعاف العقول، فقضية الدين أجل وأعظم من أن تكون مجالا للمحاورة، إنما ينبغي أن تتكاتف كافة الأطراف للبحث عن الحقيقة والوصول إليها، ليهتدي من يهتدي عن بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة.
- عدم تأويل النصوص الواضحة الصريحة أو تفسيرها بما يخرجها عن ظاهر النص إلى معنى آخر لا يتفق مع هذا الظاهر. أن يكون الحكم والفيصل فيما نقول للعقل وحده بعيدا عما استقر في الوجدان من اعتناق كل منا عقيدة بدأت معه طفلا لايميز شيئا، واستمرت معه صبيا وصاحبته حتى صار رجلا.
_________________
(١) المستشار حسن إمام إسماعيل، حوار مع زميلي المسيحي،، الكتاب الأول، السعودية، ١٩٩٢ م، ص ١١، ص ١٢.
[ ٢٦١ ]
المبحث الثاني
رحمت الله وفندر في الميزان
إن ادعى الغرب أن المسلمين طوروا آليات مقتبسة من الحضارة الغربية للرد على النصارى فمن باب أولى منذ ١٥٠ عاما وحتى الآن لم نجد أي تطوير إضافي لهم يرد على أسئلة المسلمين المثارة حول الديانة المنسوبة- تلك- إلى عيسى ﵇ ومدى صحتها.
ولوضع رحمت الله وفندر في الميزان لابد من وضع الميزان - أولا - للحكم عليهما من خلال التالي:
أولا: القواعد
١ - لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا كذلك المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط (١).
٢ - عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة.
٣ - تحرير كل المصطلحات أولا من قبل البدء في الحديث.
٤ - تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة.
٥ - الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور.
٦ - الاطلاع على جميع النسخ وتحقيقها قبل الرد.
٧ - الاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة والمعتمدة للنص.
٨ - لا تقتبس من نصوص غيرك لتشهد بها لنفسك في حين أنك تنكر الباقي منها إلا إن كانت بتفسير غيرك المعتمد لديه.
٩ - ألا يكون المناظر ملتزما في أمر من أموره بضد الدعوى التي يحاول أن يثبتها، فإذا كان ملتزما بشيء من ذلك، كان حاكما على نفسه بأن دعواه مرفوضة من وجهة نظره. مثال: قالوا: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق " مع أنهم يعتقدون برسالة كثير من الرسل السابقين وهم بشر وليسوا بملائكة كما يرون الرسالة تكون للملائكة فقط.
١٠ - ألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض، أي: ألا يكون بعض كلامه ينقض بعضه الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامه ساقطا بداهة. مثل: ساحر مجنون، سحر مستمر (٢).
_________________
(١) مرجع سابق: ابن تيمية، الرد على المنطقيين، نشر: عبد الرحمن شرف الدين الكتبي، ص ٩٩.
(٢) مرجع سابق، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، ص ٣٦٧ (بتصرف).
[ ٢٦٢ ]
ونلاحظ أن كل القواعد مستمدة من القرآن الكريم في الأساس كمثل: قل هاتوا برهانكم - أو لم يتفكروا - ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الخ وكذلك تستمد القواعد من القواعد الجدلية المسلمة في المنطق.
وإن كانت قاعدة كل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق والعكس صحيح هي قاعدة صحيحة إلا أني لا أتفق في الأخذ بها عند محاورة النصارى والأقوى هو فضح كذب الكاذب، وإثبات صدق الصادق كما فعل رحمت الله.
ثانيا: الالتزام بشروط التعريف:
[الشرط الأول] يكون التعريف جامعا أو منعكسا: أي أنه لا يخرج عنه شيء من المفرد التصوري الذي يشرح به، ومعنى كونه مانعا أو مطردا أنه لا يسمح بدخول شيء من غير المفرد التصوري الذي يشرح به.
[الشرط الثاني]: أن يكون أجلى وأوضح من المفرد التصوري الذي نشرحه، فإذا كان قولنا الشارح (تعريفنا) أخفى من المفرد الذي نشرحه أو مماثلا له في الخفاء، فإن المخاطب لن يستفيد شيئا من شرحنا وتعريفنا، بل يبقى في جهالته، ولا يستطيع أن نتصور هذا المفرد الذي نشرحه له عن طريق قولنا، كتعريف الأسد للأعجمي بأنه (الغضنفر) أو (القسورة)، والقول الشارح هنا أبعد وأخفى أو مماثل في الخفاء للقول المشروح، وكتعريف النار بأنها (استقصى من ألطف الاستقصات) فهذا أيضا تعريف بالأخص، وكل ذلك غير صحيح، لاختلال شرط كون التعريف أوضح وأجلى من المعرف.
هذان هما الشرطان الأساسيان للتعريف الصحيح، وهناك شرط ثالث يمكن أن يفهم من ضمنهما، وهو أن لا يتوقف العلم بالتعريف على العلم بالمعرف، وإلا لزم الدور وهو ممنوع عقلا، كتعريف العلم بأنه إدراك المعلوم، وذلك لأنه لا يعرف المعلوم حتى يعرف الحكم، فكيف يدخل المعلوم في تعريف العلم فهو إذن تعريف غير صحيح (١).
أخذ علماء فن آداب البحث والمناظرة قاعدتهم المشهورة التي يقولون فيها إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل. مثال من القرآن: سورة البقرة: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (٢).
يجب أن يضمن ضمن القواعد: التعريف بالموضوع بشكل جيد، وكذا حدوده، وغاياته، والهدف المرجو منه، بالإضافة إلى التعريفات الأخرى محل البحث والمناقشة والنظر مثل:
١ - النسخ وهل يعني نسخ اللفظ أم المعنى أم التحول لشيء آخر معنوي؟
٢ - المتن وهل يعني التثليث أم متن النص؟
٣ - السند وهل يعني سلسلة الرواة أم الروايات التاريخية فقط؟
_________________
(١) المرجع السابق،، ص ٦١.
(٢) المرجع السابق،، ص ٣٦٥.
[ ٢٦٣ ]
٤ - التحريف هل يعني التغيير ونقل اللفظ والمعنى أو كليهما أم سهو الكاتب؟
٥ - صفات الله هل تعنى الصفات الملازمة للخالق سبحانه أم أقانيم تنفصل عنه؟
٦ - النبي هل هو القدوة والمبلغ أم المبلغ فقط وليس معصوما؟
ومن القواعد الكلية في المناظرات عدم المجادلة في البديهيات فالبديهي معيار يعول عليه في كشف الحق في مسائل الخلافيات، فلا يطلب إقامة الدليل على البديهي، وطلب الدليل على البديهي سفسطة وتعطيل للمناظرات وشغب، فالبديهيات ضروريات تقوم العلوم بها (١)، وما حاولت القيام به من تأصيل لقواعد هو محاولة نقل العلم التصوري الكسبي المعرفي في علوم المنطق إلى علم بدهي.
إن القواعد الجدلية ليست وليدة الساعة؛ فابن تيمية وريموند لول ورحمت الله قد أصلوا قواعدهم، لكن الجديد هنا هو ضبط تلك القواعد وتطويرها بشكل عصري أكبر قوة، وأكثر وضوحا. فإن دعيت للمناظرة فأجب واعرض تلك القواعد- بشكل ملزم - وإن كنت معللا فافرض تلك القواعد.
إن الكذب لا يمكن قبوله في علوم المنطق، كذلك منهج المواراة والكذب والتدليس؛ لأن المنطق يكون بحقائق مجردة. وكما نقل د. حمد إبراهيم العثمان في كتابه: " المتناظران لابد أن يرجعا في المسألة التي اختلفا فيها إلى كليات ليتم تحرير المسألة المختلف فيها. فلابد للطرفين من الموافقة على هذه الكليات، وإذا نوزع في هذه الكليات لم تنتظم مناظرة، ولم يمكن إقامة حجة ولا تقرير مذهب " (٢).
وللمختصين بعد ذلك كلام كثير حول هذا السؤال: أتكون الأسس الصورية المجردة التي استخلصها أرسطو من فكر عصره، هي نفسها الأسس التي لا تتغير في أي فكر وفي أي عصر وعند جميع الأمم ومختلف الثقافات؟ وكان الجواب على هذا السؤال، هو أن تلك الأسس إنما يضاف إليها أسس أخرى، كلما استحدث الإنسان ضربا جديدا من فاعلية التفكير (٣).
وبتطبيق القواعد السابقة نجد أن فندر كان بعيدا جدا عن مفهوم التعريف الواضح الدقيق، وتحرير المصطلحات، والإنصاف، بالإضافة إلى التعارض والتناقض في الأقوال، وعدم تقديم الأدلة البينة الواضحة والسند المتصل - كما تبين من المبحث السابق - والالتباس في فهم النصوص وعدم الرجوع إلى المصادر وتحقيقها، واتضح أن هذا الدين هو دين جديد لشخص يدعى بولس وليس من رسول موحى به من الله، ومن ذلك اتضحت قوة وغلبة الشيخ رحمت الله فيما ناظر فيه.
ما معنى الانتصار أو الغلبة؟
_________________
(١) د. حمد بن إبراهيم العثمان، أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، (بيروت: دار ابن حزم، ط ٢، ٢٠٠٤ م)، ص ٤٧١.
(٢) المرجع السابق: أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، ص ٥٤٠.
(٣) نيقولا ربشر، تطور المنطق العربي، ترجمة ودراسة وتعليق: د. محمد مهران، (القاهرة: دار المعارف، ط ١، ١٩٨٥ م)، ص ١٠.
[ ٢٦٤ ]
ينتصر الشخص إذا توصل للهدف المطلوب أو النتيجة المرجوة، لكن إذا قصر كل طرف عن الوصول للهدف، فيقاس قرب أحدهما في كل موضوع من الهدف المنشود، وليحدد درجة كل واحد على حدى من مجموع الدرجات الكلي والذي يحدد المنتصر.
لذا كان رحمت الله هو من حقق الهدف المنشود بجدارة فائقة ومهارة عالية، واستطاع كشف الحقيقة الغائبة، كذلك استطاع إقناع جمهوره بمناظرته الكبرى مع فندر.
في الختام أعرض بعض التجارب المهمة (١)
والتي مررت بواحدة منها شخصيا وهي: تجربة مناظرتي مع دكتور قس ألماني بروتستناتي، وكأن حلقة الحياة تدور مرة أخرى؛
_________________
(١) كذلك من التجارب المهمة في العصر الحديث التي تثبت صحة ما أكده رحمت الله عن الإسلام والدين الحق: راهب يشهر إسلامه: لاحقيقة "للتثليث" و"الصلب" .. وأدعو المسيحيين لدخول الإسلام: فيما يلي حوار مع مصطفي عبد الرؤوف أحمد جرجس بشاي جرجس هكذا اسمه بعد إشهارإسلامه والذي كان قبل ذلك الراهب بشري جرجس بشاي الأستاذ بالكلية الاكليركية، قال إنه اعتنق الاسلام في ١٩٩٣ م وتم اعتماده رسميا «كمسلم» في ٢٠٠٢ م في أول حواراته الإعلامية تم سؤاله: - لماذا تصر علي نطق اسمك كاملا؟ الغرض من نطق اسمي المركب «مصطفي عبد الرؤوف أحمد جرجس بشاي جرجس» أن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «زيد مني وأنا منه له مالي وعليه ماعلي» وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون «زيد بن محمد» لذلك نزلت الآية الكريمة «أدعوهم لآبائّهم أقسط عند الله» فلا تبني في الاسلام؛ لذلك فاسمي المركب بعد إشهار إسلامي هو مصطفي عبدالرؤوف أحمد وباقي الاسم لأبي وجدي. - لماذا خرجت عن صمتك الآن؟ يقول سيدنا عيسي ﵇ ماذا يكسب الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. وقد أعزني الله بنعمة الاسلام. كنت أتمني أن أعلن اسلامي قبل ذلك «فربما يهدي بك الله نفسا خيرا من حمر النعم» فربما هذا الحوار يكون سببا في أن يهدي الله من هم في ضلال وينير بصيرة غير المسلمين - هل حدث وأسلم أحدهم علي يدك كما تقول؟ - حدث بالفعل ولدي نسخة من صورة إشهار إسلامه وبطاقته الشخصية. - ماذا عن رحلتك من المسيحية إلي الاسلام؟ - نشأت في أسرة مسيحية وأقول مسيحية رغم أن النصاري يحبون إطلاق لفظة أقباط علي أنفسهم وهي كلمة تعني كل المصريين وليس المسيحيين، وبعد أن أنهيت الشهادة الاعدادية التحقت بالمدرسة الالكيركية، وأصبحت إحدي الركائز في الكنيسة وأستاذ دكتور فيها وبدأت أدرس الدين والعقيدة الاسلامية ليس حبًا في الاسلام بالمرة بل لإيجاد ثغرات للتشكيك في العقيدة الاسلامية ولتشكيك المسلمين أنفسهم، وكان التكليف داخليًا ونابعًا من إيماني بالمسيحية فإن كنت لاتعلم فتلك مصيبة وإن كنت تعلم فالمصيبة أفظع والساكت عن الحق شيطان أخرس والإنسان غير مسئول عن بدايته أو اختيار دينه أو اسمه. - يتردد دائما ألفاظ اللاهوت والناسوت فما المقصود بذلك؟ الأمور الكنسية مقسمة لجزئين لاهوت وناسوت، اللاهوت هو كل ما يخص ألوهية السيد المسيح وهي أمور غير قابلة للمناقشة، أما الناسوت فهو مايخص حياة المسيحي. وما استفزني في الإسلام وقتها أنه يشكك في صلب المسيح لذلك بدأت دراستي بتوسع وتساءلت: لماذا يقول الإسلام أن المسيح ليس إلهًا؟ فاعتراني الشك فمن هو الله ومن أنا يقول الانجيل أن الله أرسل ابنه الوحيد حتي لايهلك كل من يؤمن به، فكيف ترك الله ابنه لليهود حتي يقتلوه، فمثلا لو ضرب شخص ابني فأضعف الايمان أن أدافع عنه، وإذا افترضنا أن الله هو الذي نزل الأرض في صورة المسيح ومات أيا كانت صورته سواء هو الأب أو الابن أو الروح القدس وظل ميتًا ثلاثة أيام ثم قام في اليوم الثالث وهو عيد القيامة فمن أدار الكون خلال هذه الايام الثلاثة أثناء موت الله، فهل الكون أدار نفسه بنفسه أم هناك قوة أدارته، وإذا كان هذا الكون قد أدار نفسه بنفسه وللحظة قوة أدارته، فسوف يستغني عن الخالق ووجوده، أما إذا كان هناك من أدار الكون بدلا من الله الحي الميت فهو من يستحق العبادة - يضحك- «الحي أبقي من الميت». والله الذي مات أضعف من الله الموجود، لو افترضنا أن المسيح هو الله، إذن فهو الخالق والصانع فمن أقوي الصانع أم المصنوع. بالطبع الصانع. فكيف يتغلب المصنوع علي الصانع. فالله خلق آدم وآدم عصي الله ولذلك أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان يستطيع أن يرجع آدم إلي الجنة مرة أخري، إذن فربنا ليس في احتياج كي يهبط إلي الأرض بنفسه كي يكفر عن خطية آدم، وإذا افترضنا جدلا أن اليهود هم قتلة المسيح واليهود من ذرية آدم، فكيف للمخلوق أن يقتل الخالق
[ ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - لماذا بدأت تشك في عقيدة التثليث ولماذا رفضتها؟ - عقيدة التثليث مكملة للألوهية والصلب. وعقيدة التثليث تقول «باسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين». مما يعني أن الله هو الثلاثة وإذا استخدمنا المعادلات الرياضية نصل إلي أن واحدا في ثلاثة بثلاثة، وليس واحدا؛ فكيف يكون الآب والابن والروح القدس واحدا وتقول الآية في الإنجيل «لاهوته لايفارق ناسوته طرفة عين» فاللاهوت هو الله وهو الأب لايفارق الابن طرفة عين، بل فارقه عندما مات الابن وصلب الصليب وأنا أشبه نفسي بمن كان أعمي وذهب إلي طبيب جعله يبصر ويرى النور، فهل يستطيع هذا الانسان أن يغمض عينيه مرة أخري؟ ! محاله!، كذلك نعمة الإسلام. - وماذا عن بقية نقدك للديانة المسيحية وقولك في قضية صلب المسيح؟ - إذا افترضنا أن هناك إنسانا يحمل كرباجا وكلما رأي شخصًا ينهال عليه ضربا فهل سيحب هذا الشخص الكرباج، محاله كذلك الصليب وهو آداة تعذيب كان يعاقب بها المجرمون. والنصاري أنفسهم يقولون عن السيد المسيح إنه حمل صليب العار، فكيف يقدسون العار؟ وكيف يحبون الكرباج «الصليب»؟ والأب لن ينزل الأرض لأجل غلطة ارتكبها المخلوق والابن يعني الإنسان والإنسان يأكل ويشرب ويخرج فهل من المعقول أن الله القدوس الطاهر يحمل «نجاسة»، وإذا كان القرآن يقول: «السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا، ذلك عيسي بن مريم» ويقول «فنفخنا فيه من روحنا» فإذا كان عيسي بن مريم من روح الله وروح الله سوف تعطي له الحق في الألوهية فيكون كائنا حيا إلها كذلك كل كائن حي يحمل روحا والروح من عند الله! - يري البعض أن المسيح تعرض للصلب حتي يكفر عن خطيئة آدم .. فما ردك؟ - لم نتحدث بمافيه الكفاية في قضية صلب المسيح حيث يؤكد المسيحيون أن ماجاء في القرآن بعدم صلب المسيح مجرد خزعبلات لأن الله جل تعالي يقول في كتابه الكريم «وماقتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم» والصلب كما قلنا كان عقوبة المجرم شديد الإجرام، وهي أقسي أنواع العقوبة بمثابة الإعدام الآن فأي جرم ارتكبه الله حتي يصلب والقول بتكفير خطيئة آدم باطل، فإذا كان من يتحدث مجنونا فإن المستمع عاقل - يضحك - فما أهمية الانسان حتي ينزل الله من عرشه إلي الأرض يقول رب العزة في حديث قدسي عن نفسه» "لو اجتمع أهل السماء والأرض علي قلب رجل مؤمن، مازدا من ملك الله شيئًا وإذا اجتمع أهل السماء والأرض علي قلب رجل كافر مانقص من ملك الله شيئًا". - في أي الكنائس خدمت وما الفرق بين الكاهن والراهب؟ - تربيت في كنيسة العذراء بشبرا وخدمت في كنائس الاسكندرية وأسيوط. الرتب الكنسية أنواع منها الراهب والثاني القس وهو من يقوم بعمل القداسات في الأديرة وهناك القمص والكاهن والأنبا، ومن شروط الرهبنة عدم الزواج، كما يجب علي القس أن يتزوج وأنا حصلت علي درجة أستاذ دكتور راهب في الكنيسة الأرثوذكسية، والحقيقة أن الرهبنة بدعة «وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ولم تكن الرهبنة علي أيام السيد المسيح ﵇. - ماذا عن أسرتك المسيحية قبل الإسلام؟ - أبي المعلم جرجس بشاي جرجس كان تاجرا كبيرا بروض الفرج ولا أحب الحديث عن عائلتي، ولن أتطرق إلي أمور شخصية يقول سلمان الفارسي ﵁ «أما أنا فابن الاسلام وعندما قال هذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم عنه .. سلمان منا آل البيت» وأنا استشهد يقول الرسول «واشوقاه، واشوقاه» فقال له الفاروق عمر بن الخطاب: «إلي من» فقال الرسول إلي أحبابي، فقال الفاروق «ألسنا أحبابك يارسول الله، فقال الرسول» أنتم أصحابي أما أحبابي الذين يأتون بعدي ولم يروني» فكيف أبحث عن عز أكبر من عزة ونعمة الإسلام. - هل حفظت القرآن الكريم ومارأيك في أحوال المسلمين الآن؟ حفظت ٤ أجزاء من القرآن الكريم وأستعد لإنهاء جزءين آخرين وكل هذا بفضل الله «وربما يهدي بك الله نفسا خيرا من حمر النعم» وعندما أسلم أحد الاشخاص علي يدي تيقنت من مصداقيته أولا بأن جلست معه وعندما تأكدت من استعداده بعد أن قلت له «إذا كان علي المسلمين فلن تجد أفقر منهم، ولا أضعف منهم لأنهم استضعفوا فاستضعفهم الله فإذا كنت تريد اعتناق الإسلام لنواح مادية فالأفضل لك أن تظل في مكانك وبعد تيقني من قناعته بالإسلام هداه الله إلي دينه الحنيف! - ألا تشعر بالخوف وأنت تهدم أركان المسيحية بهذا الشكل؟ - أعلم علم اليقين أن هذا الكلام سوف يفتح علي نيران جهنم ورغم ذلك أقول لإخوتي غير المسلمين «إن الدين عند الله هو الاسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» ولو لم أتيقن مما أقوله أقسم بالله ماكنت أعلنت اسلامي. - أخيرا، ماذا عن عمل الكلية الإكليركية وأي الأبحاث تجريها؟ أكليركية اللاهوت تساوي كلية أصول الدين في الأزهر، ولا أريد الخوض فيما تدرسه وندرسه حتي لايقال إنني أشهر بالكنيسة. جريدة الشعب، حوار: عنتر عبد اللطيف، منقول: الساعة الثانية مساء - ٠٨ - ٠٤ - ٢٠١٥ منذ ١٣٦٥ يوم. (بتصرف)
[ ٢٦٦ ]
حيث دارت حلقات النقاش التي استمرت لساعات حول قضايا مختلفة: انقطاع السند - التحريف والتناقضات - التثليث - القرآن الخ
وكان من نتائج تلك المحاورات:
١ - في قضية انقطاع السند قدم لي دليلا من اليوتيوب لعالم مسيحي يدعي وجود أصول النسخ، فتتبعته معه وشاهدناه سويا فلم نجد إلا التطويل دون تقديم سند واضح! .
٢ - في قضية التحريف والتناقضات رأى أنه لكل آية معنى مختلفا أو في سياق مختلف دون الاستناد إلى آراء علماء.
٣ - لم يكن يسمع عن تلك المناظرة الكبرى أصلا، وتحمس للقراءة فيها بشدة حتى أنه ذكر صفدر علي وعماد علي وأنهما تنصرا بعد المناظرة، وكنت في ذلك الوقت لم أكن قد بحثت في أمرهما بعد، فعمدت إلى التفصيل حولهما وحول ما جرى معهما وتفنيد ذلك.
٤ - جادلته في التثليث إلا أنه ذكر أنه لا يقتنع بالفعل بتلك القضية، وأن هدمها هدم النصرانية بالكامل، وحاول التوفيق بين الإسلام والمسيحية في اعتناق دين يجمع بينهما إلا أنه لم يفعل.
٥ - جادلني في السبعة أحرف التي نزل بها القرآن وهذا دليل التناقض؛ فبينت له الفروق الجوهرية بين الحرف والاختلاف وبين التناقض المذكور، كما بينت في مبحث التحليل.
٦ - تناقشنا في باب المعجزات وخاصة آية انشقاق القمر فبحثنا سوية في وكالة ناسا؛ حيث أثبتوا بالفعل وجود خط يمر في منتصف القمر لكن لم يقدموا سببا يقينيا لذلك.
وفي موقع ناسا الفضائية (١):
توضح الصور أن الحفر تمتد لمئات الكيلومترات وتتقاطع مع بعضها البعض واندمجت فيما بينها لتشكل شريط لحامي يمتد عبرها وبأعماق كبيرة تحت سطح الكوكب، كما أن الحفر الكبيرة لا تظهر على سطح الكوكب كالحفر الصغيرة، وتلك المنحدرات لها شكل شبه دائري على شكل شحمة الأذن ويرجعها العلماء نتيجة للحمم البركانية والنيازك أو بفعل خطوط التصدع. يقارن العلماء بينه وبين كوكب عطارد على نفس المجموعة الشمسية حيث يرون أن عطارد قد انصهر ثم عاد فتشكل من جديد نتيجة للبرودة الموجودة على سطحه وأن حجم عطارد أزيد من ثلث حجم القمر، كما أن المنحدرات على كوكب عطارد أكبر من تلك التي على القمر ومن هنا أرى أنه من المرجح أن القمر
_________________
(١) http://apod.nasa.gov/apod/ap ٠٢١٠٢٩.html -- http://history.nasa.gov/SP-362/ch ٧.٢.htm -- http://www.nasa.gov/mission_pages/LRO/news/shrinking-moon.html
[ ٢٦٧ ]
قد أعيد تشكيله بعد انشقاقه وهذا ما يفسر الشريط اللحامي الممتد والبرودة الموجودة على سطح الكوكب ككوكب عطارد. وقد ذكر الدكتور توماس واترز من مركز الدراسات الأرض والكواكب في سميثسونيان الوطني للطيران ومتحف الفضاء في واشنطن أن المسافة بين مركز القمر وسطحه تقلصت بنحو ٣٠٠ قدم.
بالإضافة إلى ما سبق لم يستطع العلم الحديث أو أي من المراكز البحثية المنتشرة حول العالم أن يأتوا بمثل سورة في القرآن قوامها ١٥ كلمة (١)!
_________________
(١) انظر: د. إبراهيم خليل، لماذا أسلم صديقي ورأي الفاتيكان في تحديات القرآن، (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ط]، [د. س])، ص ٨٣.
[ ٢٦٨ ]