موقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة
الفصل الأول:
- التعريف بعلماء الحديث ومنهجهم.
- التعريف بالمعتزلة وأصولهم الخمسة.
- دوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين.
- علم الكلام لدى علماء الحديث والسنة.
[ ٨٥ ]
التعريف بعلماء الحديث ومنهجهم:
إن الحديث والسنة يعني حديث رسول الله - ﷺ - وسنته المنقولة إلينا عن الثقات منذ الجيل الأول - أي الصحابة - ثم التابعين وتابعيهم إلى أن تلقاها المحدثون بمنهجهم الدقيق في الجرح والتعديل.
ولم يقتصر علماء الحديث بطبيعة الحال على نقل الأحاديث المتعلقة بالفقه والعبادات والأعمال فحسب بل تناولت أحاديث الرسول - ﷺ - كلها بما في ذلك ما يتناول أصول الدين من توحيد الله - سبحانه - والإيمان باليوم الآخر والملائكة والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار وما إلى ذلك من عالم الغيب الذي يشكل موضوعات أصول الدين، وأفرد له المحدثون في كتبهم أبوابًا خاصة. والحديث قد دون - في أرجح الروايات - أيام الرسول - ﷺ - (١) .
وكان المسلمون في عصر الصحابة والتابعين يستمدون عقائدهم عن أصول الدين من الكتاب والسنة، وذلك قبل أن يطرأ عامل الترجمة والفلسفة اليونانية، وتحولت المناهج بعدها إلى نزاع بين المحدثين من جانب والمتكلمين والفلاسفة من جانب آخر، إذ ظل أهل الحديث على طريقة الأوائل، بينما ظهر علم الكلام على يد المعتزلة كواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ممن استخدموا منهجًا ظنوه عقليًا في أصول الدين استخدامًا خاطئًا لأنهم أطلقوا ألفاظ الفلسفة اليونانية على المعاني الإسلامية.
وقد قام أهل الحديث بمهمة كبرى في تاريخ الإسلام إذْ حفظوا للمسلمين الأصل الثاني من أصول الإسلام ممثلًا في سنة رسول الله - ﷺ - إذ لا تستقيم حياة المسلمين بدون معرفتها واتباعها، وقد نيط بعلماء الأحاديث تنقيتها وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع فحفظوا لنا تراث النبوة فلم يضع كما ضاع غيره من تراث الأنبياء والرسل من قبل وصانوه من التحريف والتبديل والتعديل الذي حدث في تراث الرسل والأنبياء من قبل، وبقي الإسلام بدعامتيه الكبيرتين - كتاب الله وسنة
_________________
(١) الخطيب البغدادي: تقييد المعالم ص ٥٧، ص ٩٣ دار إحياء السنة النبوية بتحقيق يوسف العش ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م.
[ ٨٧ ]
رسوله - ﷺ -.
والحديث هو اسم من التحديث وهو الإخبار ثم سمي به قول أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي - ﷺ - (١) .
وجمع المحدثون بين طريقتي الحفظ والتدوين، وظهرت مراحل تدوينه وحفظه من المسانيد إلى الصحاح.
وأقيم العلم على صروح متينة من التنقيح والتعديل والتجريح والتثبت من صدق الرواة الناقلين للحديث، وانكبّ على خدمته الآلاف من العلماء يتناقلونه جيلًا بعد جيل بحرص ودأب دون أن يعتريهم الكلل أو الملل. بل يحدوهم الفخار والزهو لأنهم يؤدون عملًا يتقربون به إلى الله تعالى ودخل في دائرة العبادة، لأنهم يحافظون على سنة رسولهم - ﷺ -، التي بها يعرف المسلمون تفاصيل عبادتهم ويتفقهون في دينهم ويستنبطون أحكامه ويعرفون شريعته ويقفون على أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن السنة تعكس مرآة صادقة لحياة الرسول - ﷺ - وأقواله وأفعاله وتقريراته، وقد قال - ﷺ -: "نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها" (٢) .
سلاسل الإسناد:
ويمتد الإسناد - نقلًا عن العلماء - إلى الصحابة وتابعيهم.
ويبدأ بالصحابة وعلى رأسهم العشرة المبشّرون بالجنة إلى غيرهم وهم أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول - ﷺ - وعلم خاصته مثل الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ممن كان أخص الناس بالرسول - ﷺ - وأعلمهم بباطن أمورهم وأتبعهم لذلك.
وقام العلماء المحققون أمثال مالك وابن حنبل والبخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي وأبو داود والترمذي وأبو يعلى، والدارمي إلى الحاكم والبيهقي والدارقطني والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم (٣) كل هؤلاء قاموا بدورهم في خدمة هذا العلم ينفون عنه تحريف المغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وأصل هذا الحديث عن أسامة بن زيد ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال:
_________________
(١) القاسمي: قواعد التحديث ص ٦١.
(٢) رواه الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود (القاسمي - قواعد التحديث ص ٤٨) .
(٣) قواعد التحديث ص ٣٤١.
[ ٨٨ ]
"يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولهُ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (١) حديث ضعيف.
ورواه من الصحابة غير واحد، أخرجه ابن عدي والدارقطني وأبو نعيم.
وكانت جماهير المسلمين الغفيرة تتلقى الأحاديث من علمائه لتعرف دينها وتقيم شعائره، فلما ظهرت علوم الكلام والتصوف والفلسفة واتبعها البعض، ظلت الغالبية العظمى من المسلمين متذرعة بمنهج علماء الحديث، فنبذت غيرها من المناهج لمعرفتها بأنها طارئة دخيلة، وفدت إليهم من طرق غير طرق المحدثين الناقلين لتراث النبوة، فإن عندهم علم خاصة الرسول - ﷺ - وبطانته.
منهج علماء الحديث في أصول الدين:
إذا كانت دائرة الحديث قد أكملت في المرحلة الثالثة على أيدي أصحاب الصحاح المعروفين فإن سندهم في الحقيقة يتصل - جيلًا بعد جيل - منذ الصحابة، وهم الطرف الأعلى في نقل الحديث، فإذا عرفنا مكانة الصحابة وعلو قدرهم في الدين، عرفنا مضمون ما نقله علماء الحديث، ودورهم ومكانتهم مما جعل الإمام الشافعي ﵀ يقول: "أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم) (٢) .
فالصحابة قد ورثوا عن الرسول - ﷺ - العلم والإيمان. فهم أهل حقائق الإيمان، وأهل الفهم لكتاب الله تعالى والعلم والفهم لحديث الرسول - ﷺ - (٣) .
ولكن بامتداد العصور والأزمنة واختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم والنزاع الحادث بين المتكلمين وغيرهم على أثر ظهور الفرق تأسست مناهج جديدة في سماعه أو كتابته أو روايته بل شمل كل من كان حافظًا له عارفًا به ظاهرًا وباطنًا مع اتباعه وكذلك أهل القرآن (٢) .
وكشأن أي طائفة من الناس ظهرت قلة قليلة ضمن المنتسبين إلى أهل الحديث، غالوا في إثبات صفات الله تعالى وأخذوا يروون أحاديث موضوعة في
_________________
(١) قواعد التحديث ص ٤٨.
(٢) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.
(٣) المصدر: نقض المنطق ص ٥٥، ٨١، ٧٧.
(٤) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.
[ ٨٩ ]
الصفات، وقد تبرأ منهم أهل الحديث وأعلنوا أنهم أبرياء منهم (١) .
وبسبب الخصومات الناجمة عن اختلاف المناهج وتحزب كل فريق لآراء أتباعه، أطلق خصوم أهل الحديث عليهم أسماء أخرى تخالف الحقيقة وتدل على شدة الخصومة المبنية على الهوى.
قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: (علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر أي الحديث، وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية) (٢) .
_________________
(١) نقض المنطق ص ١١٩.
(٢) القاسمي - قواعد التحديث ص ٥٨.
[ ٩٠ ]
موقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة
تعريف المعتزلة ونشأتهم:
تكاد تجمع المصادر التاريخية وكتب الفرق على أن نشأة مذهب الاعتزال ترجع إلى اختلاف واصل بن عطاء مع شيخه الحسن البصري (١١٠ هـ) في الحكم على مرتكب الكبيرة، واعتزاله مجلسه لهذا السبب، وفيما عدا هذه الرواية الشهيرة فإن الملطي (توفي ٣٧٧ هـ) يعود بنشأة المعتزلة إلى أيام تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، لأنهم كانوا من أصحاب "علي" فاعتزلوا الناس ولزموا البيت والمساجد قائلين: (نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك: المعتزلة) والأرجح الرواية الأولى.
وعلى أية حال، قد انفصل الخوارج عن الجماعة للأسباب التي ذكرناها آنفًا، وفعل المعتزلة بالمثل بطريقة أخرى، وأطلقوا على أنفسهم اسم المعتزلة مشتركين معًا في اعتقاد الأصول الخمسة التي وضعوها. ففارقوا جماعة المسلمين وانفضوا عنهم حريصين على التميز والظهور بما أعلنوه من عقائد مخالفة، ولهذا فقد قوبلوا بالاستنكار والمعارضة من جانب العلماء، لأنهم ابتدعوا آراء لم يعرفها الأوائل كالحكم على مرتكب الكبيرة بأنه (منزلة بين المنزلتين) ونفي القدر. فكان عبد الله بن المبارك حينذاك يحذر المسلمين منهم بقوله: (أيها الطالب علمًا ايت حماد بن زيد، فخذ العلم بحلم، ثم قيده بقيد، وذر البدعة من آثار عمرو بن عبيد) ومنه نفهم الانشقاق الذي بدأ يظهر بين علماء الحديث والمتكلمين منذ بزوغ المسائل الكلامية في مهدها، إذ كان عمرو بن عبيد قبل ذلك منخرطًا في سلك الجماعة الإسلامية، مرتبطًا بإعلانه لرأيه المخالف لرأي الجماعة، اعتبر مبتدعًا، فوصفه "ابن حبان" بأنه كان من أهل الورع والعبادة، إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن، وجماعة معه؛ فسموا معتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهمًا لا تعمدًا.
الأصول الخمسة عند المعتزلة:
والأصول الخمسة التي اتفقوا عليها هي: التوحيد، العدل، والوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن أنقض منها أو زاد عليها أصلًا واحدًا لا يستحق لقب الاعتزال.
[ ٩١ ]
ولأفكار المعتزلة مظهر براق كالذهب المزيف يجذب بظاهره العيون، ولكن سرعان ما يظهر بريقه الزائف لمن يتعمق في فهمه، فإذا دققنا في فهم أصولهم واحدًا فواحدًا، تحليلًا لها ومقارنة لهما يقابلها من عقائد أهل السنة والجماعة، ظهر لنا زيف بريقها.
(١) التوحيد:
ومرادهم بالتوحيد نفي صفات الله تعالى، وقد أورد عقيدتهم كاملة أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين)، ومنها نعرف بعض ما ذهبوا إليه في هذا الأصل، إذ أجمعوا على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أزلًا، أولًا سابقًا للمحدثات، موجودًا قبل المخلوقات، ولم يزل عالمًا قادرًا حيًا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار.
ويمضى الأشعري - وهو خبير بعقائدهم لأنه كان معهم طوال أربعين عامًا فينقل لنا كل ما قالوه في (التوحيد)، ويكفي من الاطلاع عليها معرفة الألفاظ والمصطلحات الفلسفية، فضلًا عن استخدام أوصاف غير لائقة تجعلنا ندرك خلو القلوب والنفوس من الهيبة التي استشعرها المسلمون الأوائل، ونفهم أيضًا التعليق المنسوب "للجنيد" القائل: (نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب) . وربما عنى بذلك مثل: إطلاقهم المترادفات الآتية (وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة، ولا لحم ولا دم.. إلى قولهم: ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق.. الخ) (١) .
وغيرها من الألفاظ التي تتنافى مع أدب الحديث عن رب العالمين - جل شأنه - ومن هنا نفهم حكمة سكوت السلف الصالح عن مثل هذا الكلام واكتفائهم بالقرآن العظيم، وهو دليل على عمق الإيمان والعناية الفائقة بكتاب الله - تعالى -
_________________
(١) الأشعري: مقالات الإسلاميين ج ١ ص ٢٣٥.
[ ٩٢ ]
تلاوة وحفظًا وعملًا فأيقنوا أنه يغنيهم عن كل ما سواه.
والمفهوم من (التوحيد) عند المعتزلة أنهم يعنون به إثبات وحدة الذات الإلهية فنفوا الصفات ظنًا منهم أن إثباتها يؤدي إلى الشرك وأنكروا رؤية الله تعالى في الآخرة وعن هذا الأصل أيضًا تفرع قولهم في القرآن بأنه محدث، مخلوق. وقد وقف لهم علماء السنة بالمرصاد ودحضوا عقيدتهم بالحجج العقلية وشكلت مجادلة الإمام أحمد معهم أهم سند لعقيدة أهل السنة والجماعة.
نقد المعتزلة:
ظن المعتزلة أنهم بنفي الصفات الإلهية يؤكدون عقيدة التوحيد، ويتحاشون التشبيه والتجسيم والحشو، ووصفوا من خالفهم بهذه الصفات، وهم أول من رموا مخالفيهم بهذه الصفات. ويرى "ابن تيمية" عند نقده لهم أن الأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين لا تكون إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودل عليها الكتاب والسنة والإجماع كالمؤمن والكافر والعالم والجاهل والمقتصد والملحد، فأما هذه الألفاظ الثلاثة فليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ولم ينطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيًا ولا إثباتًا.
ولذلك أصبح التوحيد عندهم مصطلحًا يعنون به نفي جميع الصفات الإلهية، وكل من أثبت شيئًا منها رموه بالتجسيم والتشبيه حتى أن من قال (إن الله يرى) أو (إن له علما) فهو عندهم مشبه مجسم (وأما التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فليس متضمنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها - هذا في العمل، وفي القول: هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه رسوله - ﷺ -) ولا بد من التوحيد بالقول والكلام - وهو أن يصفوا الله بما وصفته رسله وهذا وحده لا يكفي في السعادة، والنجاة في الآخرة، بل لابد من أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلهًا دون سواه وهو معنى قول (لا إله إلا الله) .
إن هذا الفصل بين العلم والعمل وترجيح جانب على آخر، وإثارة الجدل في قضايا مستقرة، كل هذه الأسباب قربتهم من الفلاسفة، وحولت العقيدة النابضة بالحياة إلى نظريات يدور حولها النقاش وتختلف عليها وجهات النظر بين أخذ ورد.
[ ٩٣ ]
أضف إلى ذلك، فإن أية مقارنة بين صفات الله تعالى وأفعاله وأسمائه الحسنى وبين ما ابتدعوه بحجة التوحيد، يرينا مدى الافتعال الظاهر في مصطلحاتهم فهي أدنى إلى ألفاظ الفلاسفة اليونان منها إلى آيات القرآن.
والقرآن الكريم مليء بإثبات صفات الله تعالى وأسمائه، فعن العلم نقرأ قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود، الآية: ١٢٣] .
كذلك قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه، الآية: ٥ - ٨] (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد، الآية: ٨، ٩] .
وتَفرُّده - ﷿ - بالألوهية: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء، الآية: ١٠٨] (إنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه، الآية: ٩٨] .
(قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) .
وعن القدرة: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحج، الآية: ٦] . (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النور، الآية: ٤٥]، وانظر إلى الآيات من ٨٤ إلى ٨٩ سورة المؤمنون.
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: الآية ٢] .
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [لقمان: الآية ٣٠] .
كلمة عن الصفات الإلهية وأثر الإيمان بها:
يتضح لقارئ القرآن الكريم، والمطلع على السنة النبوية، عنايتهما الفائقة بإثبات الأسماء والصفات الإلهية.
فما مغزى ذلك وما جدواه؟
[ ٩٤ ]
قلنا من قبل، إن الإنسان مفطور على معرفة ربه ﷿ والإقرار بوجوده، ونستطيع القول هنا أيضًا (على سبيل اليقين، لا على سبيل الظن، بأن صحائف الفكر البشري لم تشهد إنسانًا بغير عقيدة في إله) .
ولكن يأتي الاختلاف بين البشر في التصور نفسه لا في الاختلاف في أساس الاعتقاد بوجود الله (١) .
خذ مثلًا فلسفة أرسطو التي تصف المبدأ الأول بواجب الوجود، ولكنها ذاتًا مجردًا من كل وصف، ولا دخل له في أي شأن من شؤون الكون، فسدت بذلك باب الدعاء والالتجاء بل قطعت كل خيط من الأمل والرجاء لدى بني آدم، إذ لا جدوى من محاولة إيجاد أية علاقة بينهم وبين (المبدأ الأول) كما تصوره هذه الفلسفة.
وعلى العكس خلقت عقيدة العرب الجاهلية كل صفة من صفات الإله على أشخاص من خلقه، كالقدرة على الإحياء، والرزق، والعلم.. الخ.. فقطعت بذلك أيضًا الرجاء في سؤال الإله الواحد والالتجاء إليه ثم جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. مذكرة الإنسان بصفات الله أي بعلمه وقدرته وسائر صفاته، وأسمائه الحسنى.
فهو سبحانه الحي القيوم، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف عنه السوء وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه ﷿ معه بعلمه أينما كان حيث يطمئن قلبه، ويجعله شديد الثقة بالعون الإلهي، إذ يؤمن أن لا ملجأ منه إلا إليه، فيصبر عند البلاء ويشكر عند الرخاء: يستنصره فينصره ويسأله فيعطيه، يستسقيه فيسقيه، ويتقرب إليه فيقربه.
وهكذا تأتي الأسماء والصفات الإلهية منبهة بني آدم إلى حاجتهم الدائمة إلى خالقهم ورازقهم لكي لا يتوهموا الاستقلال والغنى بذواتهم عن مولاهم، وتفتح أمامهم باب الأمل في حياة أفضل دائمًا سواء في الدنيا أو الآخرة.
فمعرفة العبد لربه ذاتًا وصفاتًا تجعله يدرك أن الله يراقبه في حركاته وسكناته في سره وعلنه، فيخشاه ويتقيه ويلجأ إليه عابدًا داعيًا متضرعًا.
_________________
(١) د. زكي نجيب محمود: الله وحياة الإنسان في فكره وسلوكه ص ١٨، ١٩ مجلة الهلال جمادى الأولى سنة ١٣٩٩ هـ إبريل ١٩٧٩ م.
[ ٩٥ ]
وبوسعك الإلمام بطرف من عقائد أهل الملل والنحل الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية، فلا تعثر في تصوراتها الإلهية، بمثل تصور المسلم لربه ﷿ مما أدى إلى الافتقار إلى الألوهية، بالنسبة إلى الإنسان الغربي، وإحلال العلم والإنسان مؤلهين، محلها على الأرض، وليتدبر بعد ذلك ما أوقعته كوارث القرن العشرين المتلاحقة بتلك الألوهية الجديدة للعلم والإنسان من دمار.
والأسوأ من ذلك انتقال العدوى إلينا معشر المسلمين بعد ضعف عقيدة التوحيد وهي الحصن الذي نلوذ به لرفع هذه البلوى، بعد أن تسرب إلينا انحراف الغرب فأصبح خضوعنا لحواسنا يكاد يكون تامًّا مثلهم، وكادت الغالبية منا تفقد القدرة على تخطي الظواهر ببصائرها وعقولها إلى الله ﷿ خالق الكون ومدبره (١) .
وعلى المستوى الحضاري، قامت الحضارة الإسلامية على عقيدة التوحيد، فظلت متماسكة عندما وازن المسلمون بين أطرافها، أي بين الإيمان بالله غيبًا ذاتًا وصفاتًا - وبين إعداد العدة بالأساليب العسكرية المعروفة آنذاك، فاجتاح المسلمون الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية بفضل إيمانهم بالله تعالى على هذه الصورة، إذ أيقنوا أنه ناصرهم، فلم ترهبهم قوى الأعداء الظاهرة الملموسة ولم يخفهم الفارق المشاهد في القوى والعتاد والعدد، لأنهم أيقنوا أن الله من وراء الغيب يؤيدهم ويشد أزرهم.
(٢) العدل:
والمقصود بالأصل الثاني وهو العدل، إرجاع كل عمل إلى الإنسان لتفسير ظهور الشر ونسبته إلى الإنسان فقط. وإذا كان المسلمون كافة يؤمنون بعدل الله ﷾، فإن المعتزلة فرعوا الكلام عن هذا الأصل، فأدى بهم إلى إيجاب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وانبثقت فكرتهم عن الحسن والقُبْح العقليين وأنهما ذاتيان عقليان كما تفرعت أيضًا مسألة خلق أفعال العباد قالوا (يمتنع عليه إرادة الشر والمعاصي والقبائح) وقالوا: (يريد ما لا يقع، ويقع ما لا يريد) فزعموا أنه تعالى أراد
_________________
(١) الندوي: دعاء النبي - ﷺ - معجزة من معجزات السمو ودليل من دلائل النبوة مجلة البعث الإسلامي للكهنوت [[كذا في المطبوع، والصواب: "لكهنو" وهي بلدة معروفة في الهند]] . (الهند) ص ١٦، ١٧ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ - مايو ١٩٧٦ م.
[ ٩٦ ]
الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية
من الكافر الإيمان وإن لم يقع إلا الكفر، إن وقع، وكذا أراد من الفاسق الطاعة لا الفسق، حتى زعموا أن أكثر ما يقع من عباده على خلاف مراد الله، تعالى عن ذلك.
وظاهر عقيدتهم إرادة تنزيه الله تعالى، ولكننا سنعرف عندما نعرض لآراء أهل السنة، كم أخطأوا وشذوا، لأنهم لم ينتبهوا إلى التمييز بين الأمر والرضا والمحبة إذ الأخيرة لا تكون إلا في الخير، ولكن الإرادة قد تكون في غيره فهي تتعلق بكل ممكن كما يذكر ابن تيمية. قال الله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر، الآية: ٧]، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف، الآية: ٢٨] فإن قيل، قد قال الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة، الآية: ١٨٥] وقال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) [الإسراء، الآية: ١٦]، فالمقصود هنا أن الإرادة التي تعنيها هي الإرادة الكونية المتصلة بالحكمة من خلق العالمين.
وأما الإرادة الدينية المتصلة بالأوامر الشرعية فهي ترادف الرضا والمحبة.
وربما يلخص لنا موقف المعتزلة عبارة القاضي عبد الجبار في قوله: (سبحان من تنزه عن الفحشاء)، بينما يعبر عن اتجاه أهل السنة والجماعة رد أبي إسحاق السفاريني "سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء) (١) وللقارئ مزيد إيضاح: الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية:
من أفضل ما نستهل به هذا الموضوع، هو إجابة السؤال الذي وجه إلى جعفر الصادق ﵁ عندما سئل عن قول الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون، الآية: ١١٥] لم خلق الله الخلق؟
فأجاب: لأن الله كان محسنًا بما لم يزل فيما لم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه وكان غنيًا عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم فأرسل إليهم الرسل ليفصلوا بين الحق والباطل فمن أحسن كافأه الجنة ومن عصى كافأه النار (٢) .
ويشرح "ابن القيم" أنواع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان أثناء حياته في
_________________
(١) شرح عقيدة السفاريني ص ٢٣١: ٢٣٢.
(٢) ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٥٩ منشورات المكتب الإسلامي ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م.
[ ٩٧ ]
الدنيا، محصيًا الآيات القرآنية الدالة عليها.
ويذكر أن الله ﷾ ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب، وأن ذلك كله ابتلاء فقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء، الآية: ٣٥] .
وقال: (أَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر، الآية: ١٥ - ١٦] (١) .
وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك، الآية: ٢]
فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء (٢) .
كذلك وردت الأحاديث الكثيرة في بيان ما يقابله المؤمن في حياته من ابتلاءات طوال عمره، منها:
عن صهيب الرومي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" رواه مسلم.
وعن "مصعب بن سعد" عن أبيه قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً أي: محنة وشدائد؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والعبد المؤمن أمام شكره على النعم وصبره على البلاء حتى يجتاز طريق الدنيا ويعود إلى الجنة - موطنه الأصلي - كوعد الله تعالى إياه (فإنه ما حرمه - ﷿ - إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما
_________________
(١) في تفسير ابن القيم الآية: قال الله تعالى: (كلا) أي: ليس الأمر كما يقول الإنسان، بل قد أبتلي بنعمتي وأنعم ببلائي.
(٢) ابن القيم: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ١٢٥ مطبعة الإمام.
[ ٩٨ ]
أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل وجه. كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها) (١) .
موقف الإنسان:
الإنسان إذن أمام هذه الحقيقة لا يملك فرارًا، فهو بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، والصبر مع هذين الطرفين لازم لا يخلو من نوعين:
أحدهما: يوافق هواه ومراده كالصحة والسلامة والجاه والمال.
والآخر: المخالف للهوى وهو على شكلين؟
أ - يرتبط باختياره كالطاعات والمعاصي، وعليه يترتب الأجر.
ب - لا يرتبط باختياره كالمصائب، وبها تمحى السيئات وترفع الدرجات (٢) .
ولكن الثابت أن الإنسان لا يملك منح نفسه القدرات والمزايا الجبلية كالذكاء والصحة والأنوثة أو الذكورة، ولا يملك اختيار أبويه يرث عنهما مواهب وسمات معينة دون الأخرى، ولا انتخاب الزمان الصالح ليعيش فيه، ولا البيئة الصالحة ليمضي فيها طفولته. هذه كلها أمور لا يملكها الإنسان وخارجة عن نطاق اختياره وليس مسؤولًا عنها (٣) .
ولكن المتعللين بالقدر على أفعالهم الإنسانية يحتجون بآيات قرآنية يختارونها وفق أهوائهم، كقول الله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [فاطر، الآية: ٨] .
وهذا الاحتجاج سرعان ما يدحض أمام النظرة القرآنية لآيات أخرى تخير الإنسان بين فعلين، كقوله ﷿: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان، الآية: ٣] .
وقوله ﷾: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس، الآية: ٧، ٨] .
_________________
(١) ابن القيم: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٤٧.
(٢) نفسه ص ٥١: ٦٩.
(٣) علي الطنطاوي: تعريف عامر [[كذا في المطبوع، والصواب "عام"]] بدين الإسلام ج ١ ص ١٣١ / ١٣٢ دار الرائد ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م.
[ ٩٩ ]
والقرآن يفسّر بعضه بعضًا، وهذا التفسير هو أدق التفاسير الذي يلجأ إليه العلماء لأن القرآن ميسر لكل ذي بصر وبصيرة.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر، الآية: ١٧]
وبهذا الفهم يصبح تفسير الآية الأولى واضحًا لا لبس فيه، إذ معناه أن إضلال الله لشخص أنه آثر الغي على الرشاد فأقره الله على مراده وتم له ما يبغي لنفسه قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [الصف، الآية: ٥] .
إذن، فمعنى قوله تعالى (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ) لا يتعارض وقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة، الآيتان: ٢٦ و٢٧] وكذلك الحال في قوله تعالى: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ) وللنظر إلى دور الإرادة الإنسانية في قول الله تعالى وهو يتكلم عن إرادته: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد، الآيتان: ٢٧، ٢٨] .
ثم يأتي دور مناقشة المحتجين بالأحاديث النبوية وربما يقع أكثرهم على الحديث الآتي - ويفسرونه خطأ بأنه يدل على الجبر ونفي حرية الإرادة الإنسانية.
والحديث: "ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، فقالوا يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فيصير لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل، الآيتان: ٥ - ١٠] .
وروى أبو بكر الضحاك بن مخلد الشيباني في كتابه "السنة" بسنده عن عمر - ﵁ - أنه قال قلت: يا رسول الله، أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه، أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "بل أمر قد فرغ منه"، فقال عمر: ففيم العمل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "كلا، لا ينال إلا بعمل" فقال عمر: إذا نجتهد (١) .
والحديث - للبصر النافذ - لا لبس فيه (٢) .
_________________
(١) ص ٧١ بتحقيق الألباني - المكتب الإسلامي (١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م) .
(٢) الشيخ محمد الغزالي: عقيدة المسلم ص ١٤٠ - والحديث رواه البخاري بألفاظ متقاربة.
[ ١٠٠ ]
أما سبق علم الله تعالى فإنه ليس حجة أيضًا للمحتجين بالقدر على معاصيهم. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة، الآية: ١٤٣] .
وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران، الآية: ١٤٢] .
وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد، الآية: ٣١] .
فروي عن ابن عباس في قوله: (إِلَّا لِنَعلَمَ) أي: (لنَرَى) وروي لنميز.
وكذلك قال عامة المفسرين: (إلا لنرى ونميز) وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون. ولفظ بعضهم، قال: العلم على منزلتين - علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده. والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب.
قال: فمعنى قوله (لِنَعْلَمَ) أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب ولا ريب أنه كان عالمًا سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد (١) .
(٣) الوعد والوعيد:
ويتصل الأصل الثالث بالوعد والوعيد ومضمونه كما يعبر عنه الشهرستاني أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، ولكن عقابه يكون أخف من عقاب الكفار (٢) .
وانسياق المعتزلة في هذا الأصل يتصل بدفاعهم عن الحرية الإنسانية واحتكامهم إلى العقل إذ أصبح الثواب والعقاب عندهم ينصب على أفعال الإنسان نفسها والتي يقتضيها العقل ومعنى هذا اعتقادهم أن إثابة المطيع ومعاقبة العاصي إن لم يتب - أمر محتوم أي: يجب على الله تعالى أن يفعله، فخلطوا بين الوعد والوعيد،
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٤٤٦ ط لاهور ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م.
(٢) الملل والنحل ج ١ ص ٥٩.
[ ١٠١ ]
بينما يعتقد أهل الحديث والسنة أنه يجوز على الله تعالى إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد، والفرق بينهما أن الوعيد حقه فخلافه عفو وهبة، وإسقاط ذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد على نفسه بوعده، والله لا يخلف الميعاد.
ويعتقد أهل السنة والجماعة أنه من موانع وقوع الوعيد التوبة والتوحيد والحسنات العظيمة والمصائب المكفرة وإقامة الحدود في الدنيا وأضعاف أضعافها.
(٤) المنزلة بين المنزلتين:
ويأتي أصلهم في (المنزلة بين المنزلتين) الذي فارقوا به الجماعة ليرتبوا عليه اعتقاد أن مرتكب الكبيرة فاسق، وهو في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان ولكنهم لم يكفروه كما فعل الخوارج، كما لم يستحلوا الدماء والأموال في الدنيا.
(٥) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ولا ينفرد المعتزلة بالأصل الأخير - أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه مبدأ إسلامي اعتنقته كل الفرق، وهو يقضي بأمر المسلمين وتكليفهم بالجهاد في سبيل الله بأمر الآية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران، الآية: ١٠٤] . إلى جانب اعتقادات أخرى اختلفوا فيها تزيد عن هذه مثل قولهم بأن العلم بالله تعالى يحصل بالنظر والاستدلال أي: ترتيب الأقيسة العقلية، فخالفوا جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم، لأن سلف الأمة وأئمتها اتفقوا على أن معرفة الله تعالى والإقرار به لا يقف على الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر، لأن الأصل المعرفة والإقرار بالصانع يحصل بديهة وضرورة ولا يتوقف على النظر والاستدلال، ويدلل ابن تيمية على ذلك بأن جميع الأمم تقر بالصانع مع عظيم شركهم وكفرهم (ولهذا يوجد له عند كل أمة اسم يسمونه، والتسمية مسبوقة بالتصور. فلا يسمي أحدًا إلا ما عرفه، ثم المستمع لذلك الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبوله لأسماء سائرها ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد والاثنين بل هذا أكمل وأشرف) .
[ ١٠٢ ]
بالإضافة إلى مآخذ أخرى أخذها أهل السنة والجماعة على المعتزلة ومنها:
- ردهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله ﷿ في الآخرة وكذلك حديث الذباب ومقله وأنه يقدم الذي فيه الداء.. وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.
- قدحهم في الرواة من الصحابة والتابعين ﵃ وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم.
كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذاهب وأحيانًا كانوا يردون فتاوى الصحابة أمام العامة، لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها.
- ذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة والاقتصار على ما تستحسنه عقولهم في فهم القرآن (١) .
والآن، بعد أن نزعنا الوجه البراق للفكر الاعتزالي، ووقفنا على حقيقته ومراميه، فإن أقل ما يطعن فيه أنه حول الدين الذي جاء به رسول الله - ﷺ - الذي تستجيب له الفطرة الإنسانية، ويستسيغه العقل بكل سهولة - حوله إلى فلسفة نظرية دقيقة يعجز عن فهمها وإساغتها كثير من العقلاء والأذكياء فكان تنمية العقل على حساب العاطفة وإضعافًا للإيمان وإثارة للشكوك والشبهات وعدم الثقة على وجوده، وما أكثر ما في العالم مما يعجز العقل عن تعليله وإقامة الدليل عليه.
دوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين:
بالرغم من المناقشات الكلامية الدائرة بين أهل الكلام والتي خصصت كتب
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي ج ١ ص ١٤٠. يذكر الشاطبي أنهم بنفيهم أخبار الآحاد واستحسان عقولهم أباحوا الخمر بفهمهم المعوج لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [المائدة، الآية: ٩٣] ويقول: ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله - ﷺ - (لا ألقين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي، لاحق بمن ارتكب رد السنة.
[ ١٠٣ ]
الفرق والمذاهب عرضها والتوسع في شرحها، بالرغم من ذلك كانت الغالبية العظمى من المسلمين يتبعون علماء السنة والحديث في العقيدة المتلقاة بالقبول.
وهنا لنا ملاحظتان:
الأولى: أن الاكتفاء بالاطلاع على مؤلفات الفرق يعطي انطباعا بأن هذه المسائل كانت الشغل الشاغل للمسلمين كافة، وهذا لم يحدث إلا بعد أن فرض المأمون القول بخلق القرآن - وفي هذه القضية وحدها - وفيما عدا هذا فقد كانت الأمة الإسلامية تمضي قدمًا في بناء حضارة زاهرة بعلومها وآدابها وفنونها ونظمها في السياسة والاقتصاد والاجتماع - وجهود علماء المسلمين في فروع العلوم المختلفة أكثر من أن تذكر في هذا الموضع.
الثانية: أن العلماء المهتمين بالحديث والسنة يمثلون الأغلبية ويظهر بجانبهم أصحاب الكلام كقلة قليلة لا تعبر إلا عن نفسها وبضعة أفراد يتأثرون بهم ويقولون بأقوالهم وكانوا على سبيل التحديد كالجعد بن درهم وجهم بن صفوان.
ويذكر لنا ابن قتيبة أن عقيدة السلف الصالح كانت هي عقيدة العلماء المبرزين المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم، مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الأمصار كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وداود الطائي وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زمانه. ثم يستطرد قائلًا: (فأما المستقدمين فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد) (١) .
كانت إذن الآراء الشاذة التي أظهرها جهم بن صفوان كالبثور في الجسم كبداية علامات المرض بعد أن كان صحيحًا معافًى به من المناعة ما يقاوم به المرض.
(لم يظهر جهم وأصحاب جهم في زمن أصحاب رسول الله - ﷺ - وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا، كما همَّ عمر بن الخطاب ﵁ بقتل صبيغ إذ تكلف في السؤال عن
_________________
(١) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص ١٧.
[ ١٠٤ ]
المتشابه أو كما قتل علي ﵁ الزنادقة، التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة) (١) .
ويرى الدارمي أن آراء جهم والمريسي بمثابة الردة، لأن القول بأن القرآن مخلوق يضاهي ما قاله الوليد بن المغيرة المخزومي (إن هذا إلا قول البشر) والنضر ابن الحارث قال: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي كما قال جهم والمريسي سواء، لا فرق بينهما في اللفظ والمعنى، إن هذا إلا مخلوق، فأنكر عليهم قولهم، وكأن نور النبوة قد بدد ظلام العصر الجاهلي وعقائده الباطلة، ولكن أقوال الجاهلية عادت للظهور مرة أخرى في عصر جهم ثم المريسي ونظرائهم (٢) .
وأمام هذه الموجة التي بدأت تهب على عقائد المسلمين، رأى علماء الحديث أن واجباتهم تقتضي الوقوف في وجهها وحماية المسلمين منها، واندفعوا بنية أداء ما أوجبه الله عليهم. يقول ابن قتيبة (كما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم تلقيه بالدواء حين بدأ.. إلى أن استحكم أساسه لم أر لنفسي عذرًا في ترك ما أوجبه الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر، فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني، لعل الله ينفع به، فإنه بما شاء نفع) (٣)، ولكنه كان حريصًا في منهج رده على المخالفين توضيح الأسرار اللغوية التي جهلوها فحادت بهم عن التفسير الصحيح للكلمات والآيات فأخذ يذكر ما تأولته الجهمية في الكتاب والحديث ليعلم المسلمون أن الحق مستغن عن الحيل، ولهذا لم يتعد في أكثر الرد عليهم طريق التفسير والشرح.
وقال بعد توضيح منهجه هذا: (فأما الكلام فليس من شأننا ولا أرى أكثر من
_________________
(١) نقض الدارمي على المريسي ص ٣٤٩.
(٢) نفس المصدر ص ٤٦٥، ٤٦٩.
(٣) ابن قتيبة: الاختلاف في اللفظ ص ٢٢٥.
[ ١٠٥ ]
هلك إلا به) (١) .
وإلى نفس السبب يرجع الدارمي اضطراره للخوض في علم الكلام، إذ إنه يشخص أحوال المسلمين ويفسر تاريخهم طبقًا للقاعدة الشرعية العقلية التي تقضي بأفضلية أهل العصور الأولى، لأن الله - تعالى - أثنى عليهم وعلى من بعدهم باتباعهم إياهم فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، وكانت قوة المسلمين المادية والمعنوية كفيلة باختفاء مخالفيهم خوفًا من الافتضاح، بل كانوا يتقلبون مع المسلمين في النعم. ويمضي الدارمي في وصف أحوالهم فيرى أنهم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين أذلة مدحورين حتى قل الفقهاء وقبض العلماء (ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل مشعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق ووجدوا فرصة للكلام، فجدوا في هدم الإسلام وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلًا ومن العلماء قلة.. فحين رأينا ذلك منهم، رأينا أن نبين من مذاهبهم رسومًا من الكتاب والسنة وكلام العلماء ما يستدل بها أهل الغفلة من الناس على سوء مذهبهم فيحذروهم على أنفسهم وعلى أولادهم وأهليهم ويجتهدوا في الرد عليهم، محتسبين منافحين عن دين الله تعالى طالبين به ما عند الله) (٢) .
كما اضطر الإمام أحمد بن حنبل - أمام هذه الأحوال الطارئة - أن يقف مدافعًا عن العقيدة الصحيحة، فقال: (كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدًا من مخالفتهم والرد عليهم) (٣) .
علم الكلام لدى علماء الحديث والسنة:
تقدم بيان تعريف علم الكلام لدى ابن خلدون الذي عبر به عن المدارس الكلامية التقليدية، وبقي أن نستطلع رأي علماء الحديث في هذا العلم وبيان موقفهم ودواعيه ومسائله والدوافع التي أدت بهم إلى استخدامه.
أما عن تعريفه فلم يختلفوا كثيرًا عن غيرهم، فنرى السفاريني يصفه بأنه (علم
_________________
(١) ابن قتيبة: الاختلاف في اللفظ ص ٢٢٥.
(٢) نقض الدارمي على المريسي ص ٢٥٩.
(٣) عقائد السلف ص ٤٦٧- ٤٦٨.
[ ١٠٦ ]
يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، ويسمى أيضا علم التوحيد والصفات وعلم أصول الدين) (١) . ويعرفه بمترادفاته فإنه علم الكلام والتوحيد وأصول الدين، والعلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي: اعتبر في أدلتها باليقين، لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقادات بل في العمليات أي: أمور الفقه فيقول: (واعلم أنا لا نأخذ الاعتقادات الإسلامية من القواعد الكلامية، بل إنما نأخذها من النصوص القرآنية والأخبار النبوية) .
وفي بيان الغرض منه، يرى أن القواعد الكلامية ما رتبت وبوبت منها الاعتقادات الإسلامية، بل لدفع شبه الخصوم ودحض نهج البدع، فإنهم طعنوا في بعض منها فإنه غير مقبول، فيبين علماء السنة بأن زعمهم غير صحيح، فإن الأنبياء تأتي بمحارات العقول - أي: ما يحير العقول، لا بمحالاتها - أي: بما تراه مستحيلًا، ثم بين علماء السنة بالقواعد الكلامية معقولية ما أنكروا، وذلك بالنظر والقياس، والنظر المقصود هنا المستند إلى دليل من كتاب أو سنة أو قياس جلي، لا التخمين، فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه لا الرأي المجرد بغير دليل، وسنجد هذا متحققًا عند محاورة عبد العزيز المكي لبشر المريسي.
ويتضح من هذا أن ذم علماء الحديث والسنة اقتصر على علم الكلام المشحون بالفلسفة والتأويلات الشاذة وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة.
والمراد بالعقائد الدينية المنسوبة إلى دين نبينا محمد - ﷺ - واعتبر في أدلتها اليقين.
كذلك يفصل في التعريف بين علم الصحابة وعلم من جاء بعدهم؛ فإن علم الصحابة يحتوي على كلام وأصول وعقائد وإن لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الاسم - حيث كان متعلقًا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية، مكتسبًا من النظر في الأدلة اليقينية، أو كان ملكة تتعلق بها بأن يكون عندهم من المآخذ والشرائط ما يكفيهم في استحضار العقائد (٢) .
_________________
(١) شرح عقيدة السفاريني ص ١٦٠ - ١٦١ ج ١ ط مجلة المنار الإسلامية مصر سنة ١٣٢٣ هـ.
(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٦١.
[ ١٠٧ ]
إن فيصل التفرقة إذن بين المنهجين: أن علماء الحديث والسنة تقيدوا بطريقة الأوائل في النظر واستندوا في ذلك إلى الكتاب والسنة والإجماع والنظر في الأدلة الشرعية، وذلك بخلاف أهل الكلام الذين استخدموا اصطلاحات الفلسفة اليونانية.
وبهذه الصفة وبهذا التمييز وصف بأنه أشرف العلوم باعتباره علم أصول الدين إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع (١) .
وغايته: أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنًا محكمًا لا تزلزله شبه المبطلين، فيتصدى للمعاندين بإقامة الحجج والبراهين وصحة النية والاعتقادات الإسلامية التي يقع بها العمل في حيز القبول.
وثمرته: الفوز بسعادة الدارين فمنفعته في الدنيا انتظام أمر المعاش بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدي إلى الفساد وفي الآخرة: النجاة من العذاب المترتب على الكفر وسوء الاعتقاد (٢) .
والمقصود بذلك أن موضوعاته تتصل بالإيمان بالله ﷾ ذاتًا وصفاتًا، ويقتضي الإيمان بصفات الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر وباقي الصفات والأسماء الحسنى التي أثبتها الله تعالى لنفسه، تؤدي في الدنيا إلى المراقبة والتقوى، واعتقاد المسلم بموضوعاته من الإيمان بعالم الغيب ومعرفة تفاصيله من عذاب القبر وهول المطلع والحساب وصفات الجنة والنار والصراط وغير ذلك، هذه المعرفة التفصيلية تعطيه إيمانًا مفصلًا يدفعه إلى خشية الله تعالى ومراقبته وتقواه في السر والعلن كما تجعله يتجه إلى مرضاة الله طمعًا في جنته وخوفًا من ناره. ومحصلة ذلك كله إقامة العدل بين الناس وتحقيق السعادة المتاحة على المستوى البشري في الدنيا ثم النعيم المقيم الخالد في الجنة.
ودخل علم الكلام عند علماء السنة دور التدوين والتبويب منذ الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - وصار إمام أهل السنة، وسبب ذلك أنه عندما ابتلي بالمحنة، وراج في عصره مذاهب الاعتزال، اضطر إلى إظهار عقيدة الأوائل والدفاع عنها وشرح ما التبس على أفهام المعتزلة والكشف عن خطأ منهجهم، وهو
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ١.
(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٦٦.
[ ١٠٨ ]
ما أشار إليه في مقدمة كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية)، فبعد أن حمد الله تعالى الذي جعل في كل زمن فترة من الرسل بقايا من أهل العلم الذي يبصرون الناس ويدعونهم إلى الهدى، أخذ في شرح سمات المعتزلة فوصفهم بأنهم (مختلفين في الكتاب، مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم) (١) .
ويرى شارح عقيدة السفاريني أن الإمام أحمد لما انتصر للسنة ورد على المعتزلة صار هو علم السنة وإمامها وصاحبها ومقدامها، حتى أن أبا الحسن الأشعري إمام الأشعرية، انتسب إلى الإمام أحمد، ورأى اتباعه على عقيدته وهو المنهج الأحمد (٢) .
_________________
(١) مقدمة كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد.
(٢) شرح عقيدة السفاريني ص ٥٣.
[ ١٠٩ ]
الفصل الثاني:
محاورات علماء أهل السنة مع المعتزلة:
(١) الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد.
(٢) عبد العزيز المكي وبشر المريسي.
[ ١١١ ]
محاورات علماء أهل الحديث والسنة مع المعتزلة:
بالرغم من تبني المأمون للمذهب الاعتزالي وفرضه على الناس بالقوة ووسائل الإغراء معًا حتى كانت محنة الإمام أحمد في قضية خلق القرآن وعانى فيها العلماء ما عانوه - بل عالق المسلمون أيضًا حتى امتحن أسرى المسلمين بالقول بخلق القرآن وإلا أعيدوا إلى أعدائهم!! - بالرغم من كل هذا فقد أخذ علماء الحديث والسنة على عاتقهم إظهار الحق، فحفظت لنا المصادر أهم محاورتين دارتا في هذا الصدد، ونعني بهما محاورة الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد، ومحاورة عبد العزيز المكي مع بشر المريسي أحد كبار المعتزلة.
وسنعرض بإيجاز لما دار في هاتين المحاورتين، لاستخلاص المنهج وبيان صدق النتائج التي توصل إليها كل من الإمام أحمد وعبد العزيز المكي:
١ - الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد ١٦٤ - ٢٤١ هـ:
لم تمض القرون المفضلة، حتى خاض علماء الكلام في مسائل الذات والصفات، وأثاروا مسائل توقيفية من الحقائق التي اكتفى بها الأوائل بما أمدهم به الوحي، وكان لظهور الحديث في الذات والصفات الإلهية بتأثير الفلسفة اليونانية آثارها الوخيمة على المجتمع الإسلامي، فبينما اتجه السابقون إلى الجهاد ونشر الدعوة، وصرف الهمم إلى تدوين العلوم التي يجدي بذل الجهود فيها، تقلص الاهتمام بالجهاد لتتحول الهمم إلى مسائل أفنى البعض فيها أعمارهم ولم يعودوا فيها بطائل، إذ ليست عندهم وسائل الوصول إليها، ومؤهلات الحكم عليها (١) .
من هنا جاءت المعارضة الشديدة للتيار المخالف لما كان عليه السلف، بادئًا بمعبد الجهني (٨٠ هـ) الذي تكلم في القدر، ثم غيلان الدمشقي، فشاع الكلام بعدهما بواسطة واصل بن عطاء (١٣١ هـ) وتوالى شيوخ الاعتزال في الظهور إلى أن تلقف هذا التيار أحد خلفاء المسلمين وهو المأمون (٢١٥ هـ) فاعتنق عقيدتهم، وأخذ على عاتقه نصرة مذهبهم بالإرهاب والبطش، فلم ينصت إلى أصوات المعارضة التي ارتفعت من الغالبية العظمى للمسلمين. وما من باحث يتعرض لهذه
_________________
(١) أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام ص ١١٥.
[ ١١٣ ]
الفترة من الفكر الإسلامي، إلا وتأخذه الدهشة من أساليب المعتزلة ضد خصومهم، فقد استخدموا أسلوبًا مضادًا لمبادئهم المعلنة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينكلوا بكل مخالف، فكم من الضحايا المعارضين لهم ألقي بهم في السجون! فانكمش أغلب المحدثين والفقهاء يلعقون جراحهم، حتى أصبح الانتساب إلى الاعتزال فاشيًا منتشرًا، وكل من كان متسننًا كان متخفيًا مستترًا (١) .
وظهر في هذه الفترة التي عم فيها الاضطهاد بأشد أساليب القمع، الإمام أحمد ابن حنبل ليعلن استمساكه بعقيدة الأوائل، وكانت محنة (خلق القرآن) هي مركز الدائرة التي دارت حولها المنافشات الكلامية، وظل الأمر كذلك في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وكأن التاريخ وقف عندهم حابسًا أنفاسه، ليدون تفاصيلها، مثبتًا أن الرأي لا يمكن أن يدحض إلا برأي مضاد، وأن أساليب القوة لا تجدي في مجال العقائد والأفكار، وظلت العقيدة الصحيحة حية توارثها الطائفة الظاهرة على الحق.
وقبل التعرض للمحنة، فإنه يجدر بنا تناول الحديث عن الإمام أحمد بإيجاز.
حياته وعصره:
هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الإمام عبد الله، ولد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ وتوفي أبوه محمد شابًا، فوليته أمه، وحفظ القرآن في صباه وتعلم القراءة والكتابة، وظهر فيه آثار النبوغ مبكرًا، اتجه إلى الحديث وبقي يتلقى الحديث ببغداد من سنة ١٧٩ هـ إلى ١٨٦ هـ، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط فقد روى عن نفسه (كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا) .
رحل إلى عدة بلاد طالبًا للحديث، فسار إلى البصرة، الحجاز، اليمن، مكة، وإلى الكوفة واستمر على الجد والطلب حتى بلغ مبلغ الإمامة في الحديث، ووصف بأنه أعلم الناس بالسنة وكان معجبًا بالشافعي استفاد منه في الفقه والاستنباط، وكان الشافعي معجبًا به أيضًا فوصفه بأنه لا أحد ببغداد أفقه من ابن حنبل. وعند الأربعين شرع في التدريس والفتيا، فأقبل الناس على مجالسه إقبالًا عظيمًا، ويذكر ابن الجوزي
_________________
(١) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص ٤١٠.
[ ١١٤ ]
في مناقبه أن عدد من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف. ولكنه كان ينهي حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ثم استدرك أصحابه، فنقلوا لنا علمه فانتصرت طريقته (١)، وهذا يدلنا على أنه لم يقصد تأسيس مذهب والأمر باتباعه.
وقد تعددت المصادر التي وصلتنا تحمل أدق تفاصيل حياة الإمام ابن حنبل وآرائه، ويبدو أنه رأى أن يوضح وجهة نظره في المسائل التي طغت على ثقافة العصر واتجاهاته المختلفة، وأن يدعم المنهج النقلي مبرزًا في الوقت نفسه مضمونه العقلي فأخرج على هذا الأساس - ضمن مؤلفاته - روائعه الثلاثة: وكلها تحفظ لنا عقائد السلف وآراءهم وسط التيارات المختلفة السائدة في العالم الإسلامي حينذاك، فإن (المسند) عني بحفظ الحديث، وكتابه (الردّ على الجهمية والزنادقة) يتضح فيه حجاجه العقلي في أجلى وأدق صورة، لأنه يفسر القرآن بالقرآن ليوضح ما اشتبه على المخالفين من فهم، ثم مؤلفه في (الزهد) الذي يعد وثيقة على طريقة الاقتداء عند بداية التصوف وانتشاره، إذ كان معاصرًا للحارث المحاسبي.
أما عن سيرته وأخلاقه، فقد اشتهر بالزهد والعزوف عن زخارف الدنيا، وكان يأكل من عمل يده رافضًا عطايا الأمراء. ويظهر من سيرته في المحنة شجاعته في الحق والتشبث به، مهما كلفه من آلام، فقد ظل يواجه حربًا ضروسًا، فاستمسك بموقفه في مواجهة الفقهاء والمتكلمين المعارضين الذي سامتهم الدولة العباسية سوء العذاب حينئذ بالقوتين المعنوية والمادية معًا (ولقد ابتليت السنة الإسلامية في شخصه، فكان في صبره - لو صبر - فوزها ونهوضها، وفي ضعفه - لو فتن - سقوطها وخذلانها) (٢) .
وبوسعنا أن ننظر إلى النتائج المحتملة التي كانت ستترتب على انهياره وتسليمه بآراء خصومه ومن هنا اقترن اسمه باسم الصديق، فقيل: (أبو بكر يوم الردة وابن حنبل في المحنة) .
ويرى المستشرق باتون في دراسته عن المحنة أن الإمام أحمد أبقى بموقفه على
_________________
(١) ابن تيمية: مجموعة نصوص باسم مجموعة علمية ص ١٥٢.
(٢) باتون: أحمد بن حنبل والمحنة ص ٣٥.
[ ١١٥ ]
السنة ودعم أصولها، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيذكر أن الإسلام، إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه، ليظل إسلامًا، فما من سبيل يبلغ به هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السنة والاستمساك بعراها (١) .
ومما يوضح لنا منهجه، ما نقل لنا من كلامه المأثور في قوله (أصول الإسلام أربعة دال ودليل ومبين ومستدل، الدال: هو الله تعالى، والدليل هو القرآن، والمبين وهو الرسول - ﷺ -، والمستدل: أولو العلم وأولو الألباب الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم) (٢) .
وظل الإمام أحمد معظمًا عند أهل السنة والجماعة.
يقول شارح عقيدة السفاريني في نسبة المذهب السلفي إلى الإمام أحمد: (وإنما نسب لإمامنا الإمام أحمد؛ لأنه انتهى إليه من السنة.
قال بعض شيوخ المغاربة: المذهب لمالك والشافعى وغيرهما من الأئمة والظهور للإمام أحمد بن حنبل) (٣) .
منهجه مع المتكلمين:
ضمن الإمام أحمد كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) آراءه في الرد على المتكلمين فيرميهم بأنهم يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. ومضى في كتابه سالكًا طريق تفسير الكتاب بالكتاب فيما أثاروه من شبهات، ففندها جميعًا، مبينًا التفسير الصحيح.
وسنعتمد على هذا الكتاب في إيراد المسائل التي خاض فيها المعتزلة بخاصة. من ذلك إنكارهم رؤية الله تعالى في الآخرة، بين ابن حنبل أن تفسير الآية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٢] يعني الحسن والبياض (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٣] يعني: تعاين ربها في الجنة. ومضى شارحًا تفسير الآية الأخرى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام، الآية: ١٠٣] بأنها تعني في الدنيا والأخرة، وذلك أن
_________________
(١) ولتر باتون: ابن حنبل والمحنة ص ٣٥.
(٢) ابن تيمية: النبوّات ص ٤٢.
(٣) شرح عقيدة السفاريني ص ٦٤ ط المنار سنة ١٣٢٣هـ.
[ ١١٦ ]
اليهود قالوا لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) [النساء، الآية: ١٥٣] وقد سألت مشركو قريش النبي - ﷺ - فقالوا: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا)، فنزل قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) [البقرة، الآية: ١٠٨] وأوحى الله إلى رسوله أنه لا تدركه الأبصار، أي: لا يراه أحد في الدنيا، دون الآخرة.
ولا تعارض بين الآية الأولى التي تخبر برؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الجنة، والآية الثانية التي تعني استحالة رؤية الله ﷾ في الدنيا (١) .
ويفند الإمام أحمد دعوى الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى، ويوضح لنا جذور المسألة، وعلة اتخاذهم لهذا الموقف، يذكر لنا ما بلغه من أمر الجهم وينسب نفيه الصفات الإلهية، فقد كان الجهم من أهل خراسان، صاحب خصومات وكلام، فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم: السمنية (نسبة إلى سومنات بلدة بالهند وهم البوذية) فعرفوا الجهم، فناقشوه، مطالبين إياه بتقديم الحجة على صحة دينه. وسألوه:
ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له فهل رأيت إلهك؟ قال، لا، قالوا - فهل سمعت كلامه؟
سألوه - هل رأى ربه أو سمعه، أو وجد له حسًا؟ ومضوا في هذه الأسئلة المشبهة لله ﷿ بصفات المخلوقين، فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم استدرك حجة مثل حجة النصارى في زعمهم أن الروح الذي في عيسى هو روح الله، فاستدرك حجة مثل هذة الحجة فقال للسمني:
ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال هل رأيت روحك؟ واستمر في توجيه نفس الأسئلة وكان جواب السمني بالنفي، فظن أن هذا إفحام، إذ ختم أسئلته، بقوله: (فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان) .
ويرى الإمام أحمد أن الجهم يعتمد في حججه على ثلاث آيات من المتشابه. فيقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣]
_________________
(١) ابن حنبل: الرد على الزنادقة والجهمية ص ٥٩.
[ ١١٧ ]
و(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام، الآية: ١٠٣]، فتأول القرآن على غير تأويله، وكذب أحاديث رسول الله - ﷺ -، وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله، كان كافرًا، وكان من المشبهة، وتبعه قوم منهم أصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة سألهم الناس عن قول الله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أجابوا ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، وكما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم ولا يكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف، ولا يعرف، ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله..
ويرى الإمام أحمد أن إلزامات مذهبهم تؤدي إلى أنهم لا يؤمنون بشيء - ويوجه إليهم بدوره الأسئلة لاستدراجهم للإقرار.
ويسألهم: من تعبدون؟ فإذا قالوا: إنهم يعبدون من يدبر أمر هذا الخلق، قيل لهم (هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة. قالوا: نعم فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، لأن هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لا يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منفية. وهكذا يوهمون البعض بأنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، بينما يعود قولهم إلى ضلالة وكفرا (١) .
ويمضي الإمام في بيان تفصيل ما جحدته الجهمية، شارحًا معاني الآيات القرآنية التي يستندون إليها، في الرؤية، وصفة الاستواء، وعلو الله تعالى على خلقه:
قالوا في تفسير الآية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٢، ٢٣]، إنما تنظر الثواب من ربها وصحتها أنها مع ما تنتظر الثواب ترى ربها، وقد قال النبي - ﷺ -: "إنكم سترون ربكم" ويؤيد ذلك في تفسير قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس، الآية: ٢٦] أن الزيادة هي النظر إلى وجه
_________________
(١) ابن حنبل: الرد على الزنادقة ٧: ٦٩.
[ ١١٨ ]
الله تعالى. وعلى عكس ذلك فإن الكفار سيحجبون عن الله في قوله تعالى: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين، الآية: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
ويستند ابن حنبل إلى الآيات القرآنية المثبتة بأن الله تعالى على العرش كقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه، الآية: ٥] و(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد، الآية: ٤] بينما يزعم الجهمية أنه سبحانه على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان ولا يخلو منه مكان استنادًا إلى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣] فيتساءل قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. ويضرب الأمثلة على ذلك: أجسام البشر وأجوافهم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة، بينما أخبرنا الله أنه في السماء فقال: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) [الملك، الآية: ١٦]، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) [الملك: ١٧] وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر، الآية: ١٠] وقال: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران، الآية: ٥٥] (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء، الآية: ١٥٨] وغيرها من الآيات، بينما وجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، كقوله جل ثناؤه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) [فصلت، الآية: ٢٩]
أما معنى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣] التي أخطأ في تفسيرها الجهمية، فهي تعني: أنه إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق، الآية: ١٢] .
وواضح من منهج الإمام أحمد أنه يقرن الدليل الشرعي بالنظر العقلي: فيقدم الآية القرآنية، مقترنة بالتفسير الصحيح للناظر إلى القرآن بتدبر في شموله (في هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله. فرحم الله من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف
[ ١١٩ ]
الكتاب والسنة) (١) .
ويلجأ إلى الحجة العقلية لإثبات الصفة الإلهية مع توحيد الله ﷿، فإذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس أننا نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ ومثال ذلك النخلة، لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها، فذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (٢) .
وما أوقع الجهمية في الخطأ، تفسيرهم لآيات المعية الإلهية، فرأوا أن الله ﷾ بذاته معهم في كل مكان، مؤيدين ذلك بمثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة، الآية: ٧] .
ولكن ابن حنبل يسلك معهم طريقين لإثبات خطأ تفسيرهم، الأول: لفت نظرهم إلى أن الآيات السالفة الذكر بدأت بعلم الله وختمت بعلمه، المعية إذن مع العباد ليست بالذات ولكن بالعلم، فالله تعالى مع عباده بعلمه أينما كانوا. هذا هو التفسير الصحيح.
ويسلك الطريق الثاني بالحجاج العقلي، فيفحم الخصم بوضع الأسئلة المتعددة التي تضطره إلى اختيار إحدى الإجابات، فيلزمه بالخطأ أو يفحمه فيغير رأيه.
ونترك الإمام يتكلم هنا بأسلوبه الجدلي في نقاشه مع أحد الجهمية:
إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلق في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها، إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا حين
_________________
(١) الرد على الزنادقة ص ٧٧.
(٢) نفس المصدر ص ٩١.
[ ١٢٠ ]
زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع. وهو قول أهل السنة.
ومثل هذا النص يعطينا صورة عن طريقة الجدل عند الإمام، بل إن أكثر أجزاء كتابه تمضي على هذا النحو القائم على نظر عقلي محض. ويجعلنا ندرك أنه تصدى للمعتزلة بالمنهج العقلي قبل ظهور المذهب الأشعري بزمن طويل.
وها نحن أمام نموذج ثان من نماذج الاستدلالات العقلية المؤدية إلى إفحام الخصم وإقراره بخطئه، واضطراره إلى التنازل عن رأيه. ففي نقاشه لإثبات علم الله تعالى، يقول: إذا أردت أن تعلم أن الجهمي لا يقر بعلم الله فقل له: الله يقول: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) ويسرد آيات أخرى تصف الله ﷿ بالعلم. فإن قال الجهمي: ليس له علم، كفر، وإن قال: لله علم محدث، كفر، حين زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علمًا فعلم. فإن قال: لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا. رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة.
المحنة:
نفى المعتزلة الصفات الإلهية كما بينا في أصل من أصولهم وهو التوحيد، ولكنهم خرجوا على هذا الأصل عندما تطرقوا إلى صفة الكلام الإلهي، فلم يقولوا بأنه متكلم وكلامه ذاته خشية أن يتساوى كلام الله ﷿ مع ذاته فيكون هناك قديمان مما يؤدي إلى الشرك، ولهذا فإنهم يرون أن كلام الله - أي أن القرآن - مخلوق محدث وغير قديم، فيُحدثه وقت الحاجة إلى الكلام، مفسرين تكليم الله موسى بأن الله خلق الكلام في شجرة فسمعه موسى ﵇ (١) .
_________________
(١) د. أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ١٩٤ - ١٩٥ - أحمد بن أبي دؤاد: أحمد بن أبي دؤاد (على وزن فؤاد) بن علي أبو سليمان، يكثر ذكره إذا ما تطرق الحديث إلى محنة القرآن. كان قاضيًا، ثم أصبح وزيرًا نافذ الكلمة عند الخلفاء الثلاثة: المأمون (٢١٨ هـ) والمعتصم (٢٢٧ هـ) والواثق (٢٣٢ هـ) لا سيما الثاني منهم حتى قيل: إنه ما رؤي أحد قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دؤاد، وتشير المصادر إلى اهتزاز هذه المكانة لدى الواثق، ثم انهارت تماما أمام المتوكل، إذ رفع المحنة بخلق القرآن وأظهر السنة وأمر بنشر الآثار النبوية وأكرم الإمام أحمد بن حنبل وقدمه. ويقال: إن الواثق قبله قد ترك الاشتغال =
[ ١٢١ ]
_________________
(١) = بالمحنة بعد أن أفحم أحد الشيوخ القاضي ابن أبي دؤاد في جدال دار أمام الواثق - كما سيأتي. وابن أبي دؤاد أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، نشأ بدمشق ومنها رحل إلى بغداد، وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء. كان بليغًا، جوادًا، عارفًا بالأخبار والأنساب، ولكنه أثار أهل السنة عليه بموقفه في المحنة، يقول الخطيب البغدادي: (لولا ما وضع من نفسه من محبة المحنة لاجتمعت عليه الألسن)، وذلك لأنه اتسم بكريم الخصال، فقد كان موصوفًا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب. أصيب بالفالج قبل موته بأربع سنين، ونكب وأهين، وظلت عداوة أهل السنة ثابتة في صفحات الكتب عند الحديث عنه. وظهرت عداوة الغالبية له في مرضه الذي مات فيه، وكأنما كان مناسبة لإظهار الحنق عليه والازدراء به. وربما كان ذلك دليلًا على ما أثاره من السخط في النفوس: فقد دخل عليه بعضهم فقال له مخاطبًا: (والله ما جئت عائدًا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك، وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن) . ولد حوالي ١٦٠ هـ ومات سنة ٢٤٠ هـ. وقد عنيت معظم كتب تاريخ المسلمين - كالطبري والبغدادي وابن الأثير وابن خلكان واليعقوبي وكتب التراجم أيضًا بمحنة خلق القرآن وسجلت تفاصيلها من حيث آراء المتنازعين فيها بدقائقها وأسماء الشيوخ الذين أجابوا بخلق القرآن، والذين رفضوا الإذعان بالرغم من صنوف التعذيب والتنكيل، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، ومن ثنايا المحاكمات التي أجريت للإمام أحمد وكان على رأسها ابن أبي دؤاد والمناقشات التي جرت بين المتناظرين، يمكن أن نستخلص آراء ابن أبي دؤاد من حيث منهجه الكلامي، ونفي الصفات الإلهية، ونفي الرؤية، وهي الموضوعات الرئيسية التي أثارت الجدل حينذاك. وقد احتضن القاضي ابن أبي دؤاد عقيدة المعتزلة في هذه المسائل، وكان المحرك الحقيقي للمناظرات الدائرة حولها، والتي اتخذت من محنة خلق القرآن المحول الأساسي لها. والمحنة لغويًا: ما يمتحن به الإنسان من بلية وشدائد، واصطلاحًا ترتبط بما اتفق عليه المؤرخون من اتخاذ موضوع خلق القرآن موضوعًا لها، وكان أول من عقدها الخليفة المأمون وتابعه المعتصم والواثق. وفكرة خلق القرآن تمضي إلى قضية نفي الصفات عمومًا، والتي تستند إلى مبدأ التوحيد المنزلي ومن ثم القول بأن القرآن مخلوق يقول القاضي عبد الجبار (وليس هذا يعني أن الله أحدث الكلام في ذاته ولكنه أحدثه فى محل) وقد اشترط المعتزلة أن يكون المحل جمادًا حتى لا يكون هو المتكلم دون الله، لاعتقادهم بأن حقيقة المتكلم من أحدث الكلام وخلقه لا من قام الكلام به. ويذهب المعتزلة إلى أن كلام الله ﷿ من جنس الكلام المعقول فى الشاهد وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة. هو =
[ ١٢٢ ]
وأصدر المأمون سنة ٢١٨ رسالة إلى والي بغداد يأمره فيها بجمع القضاة وامتحانهم في عقيدة خلق القرآن وعزل من لا يقول بذلك منهم وإسقاط شهادة من لا يراها من الشهود، وأمره بأن يجمع الفقهاء وشيوخ الحديث في داره ويمتحنهم بهذه العقيدة فأجابوا، ثم ضيق الأمر وأمر بالتوسع في امتحان الناس، فأحضر كبار العلماء ورؤوس الناس وامتحنهم، وانتهى الأمر بعد مكاتبات وأوامر مشددة من المأمون للوالي إلى الإقرار من الجميع بأن القرآن مخلوق إلا أربعة - أحمد بن حنبل، والحسن بن حماد، والقواريري، ومحمد بن نوح.
وتنقل لنا معظم المصادر التاريخية النقاش الدائر بين الإمام أحمد بن حنبل وممتحنيه، وكان يرفض القول بالإيجاب أو السلب عندما يسأل هل القرآن مخلوق؟
_________________
(١) = عرض يخلق الله ﷾ في الأجسام على وجه يسمع ويفهم معناه. فالقرآن إذًا مخلوق محدث مفعول، لم يكن ثم كان، وأنه غير الله ﷿، وأنه أحدث بحسب مصالح العباد. ونُسِبَت المشكلة إلى أول من أثارها وهو الجعد بن درهم (١٢٤ هـ) وتذكر مصادر أهل السنة أن مصدر المشكلة يهودي، فيروي ابن عساكر أن الجعد أخذ مصادر بدعته من بيان ابن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله - ﷺ - عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان ثم أخذ بشر المريسي عن الجهم، وأخذ ابن أبي دؤاد عن بشر. وعن امتحان العلماء والفقهاء في هذه المحنة أجابوا جميعًا بأن القرآن مخلوق ما عدا أربعة وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد. ثم أجاب عبد الله بن عمر والحسن بن حماد، وبقي الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في السجن لرفضهما الإجابة. أهم المصادر عنه: القاضي أبو الحسن عبد الجبار (المغني في أبواب التوحيد والعدل) الجزء السابع: خلق القرآن - وزارة الثقافة والإرشاد ١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - الجزء السابع ط الخانجي ١٣٤٩ هـ ١٩٣١ م. الخياط: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ط دار الكتب ١٣٤٤ هـ ١٩٢٥ م. الذهبي: كتاب دول الإسلام ط حيدر آباد ١٣٤٦ هـ. - ابن كثير: البداية والنهاية الجزء العاشر مطبعة السعادة بمصر. ابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد بن حنبل ط الخانجي ١٣٤٩ هـ.
[ ١٢٣ ]
فمن إجابته (لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هنا إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله - ﷺ - أو عن أصحابه، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود) .
وكان المحرك للمناقشات القاضي ابن أبي دؤاد المعتزلي الذي يتعجب من إجابة الإمام بأنه لا يستند إلا لكتاب الله أو سنة رسول الله صلوات الله عليه.
ثم يدور الحوار بأسلوب جدلي إذ يتعرض القاضي لبعض الآيات القرآنية لاستخراج معنى الخلق كقوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء، الآية: ٢]، ومن صيغة السؤال الموجه للإمام أحمد، حاول ابن أبي دؤاد الوصول إلى إجابة ملزمة، فسأل (أفيكون محدث إلا مخلوق)؟ فأجاب ابن حنبل قال تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص، الآية: ١] فالذكر هو القرآن، ويحتمل أن يكون ذكرًا آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله - ﷺ - أو وعظه إياهم.
فسأل القاضي: أليس الله قال: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر، الآية: ٦٢] فأجاب ابن حنبل: قد قال: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) [الأحقاف، الآية: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد الله.
وعندما سئل مرة أخرى (أتقول إن القرآن مخلوق)؟ قال ابن حنبل: (القرآن كلام الله لا أزيد على هذا)، فعاد فسأله: (ما تقول في كلام الله)؟ فأعاد إليه الإمام أحمد السؤال بصيغة أخرى (ما تقول في علم الله)؟
وكانت هذه الحجة مفحمة لابن أبي دؤاد، لأن الإقرار بأن القرآن علم الله يعادل في نظره أن القرآن جزء لا ينفصل عن علم الله تعالى، فإذا قالوا بأن هذا العلم غير مخلوق، فالقرآن تبعًا لذلك ينبغي أن يكون غير مخلوق.
ودفع عبد الرحمن بن إسحاق القاضي المناقشة إلى نقطة أبعد من ذلك وهي (أكان الله ولا قرآن؟) فرد الإمام بحجة مماثلة (أكان الله ولا علم؟) ويعبر لنا ابن إسحاق عن رأي المعتزلة بسؤاله ابن حنبل (ما تقول في هذه الرقعة)؟ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى، الآية: ١١] وقد لاحت عندئذ الفرصة لانتقال الامتحان إلى مسألة جديدة وهي المتصلة بصفات الله سبحانه - وعلى رأي المعتزلة غير منفصلة عن الذات الإلهية أي: أنهم يقولون بأن الله تعالى حي بذاته، قادر بذاته،
[ ١٢٤ ]
وهكذا في سائر الصفات، أي: أنها ليست زائدة على الذات. وهنا سأل إسحاق الإمام أحمد (ما أردت بقولك سميع بصير)؟ وربما أراد أن يستخرج منه إجابة يلزمه بها بالتشبيه أو التجسيم، ولكن ابن حنبل أجاب بقوله: (أردت منها ما أراده الله منها، وهو كما وصف نفسه، ولا أزيد على ذلك) .
ويبدو أن هذه المناقشات قد تسربت إلى الجماهير الغفيرة من المسلمين، فضلًا عن علمائهم، فقد كانت القلوب تحيط بالإمام، مشفقة عليه تخشى عليه من ألوان الأذى التي أصيب بها. ولم يستطح السلطان الكبير للمأمون وأتباعه أن ينالوا من مكانة الشيخ في قلوب المسلمين الذين اتخذوه إمامًا لهم. ونعثر في هذا الصدد على عبارة قالها أحد أولئك الذين حاولوا شد أزره في المحنة، قال له: (وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك) (١) وقد ترددت حجج الإمام أحمد على الألسنة، وأخذت مكانها في الرد على أهل الاعتزال.
وتنقل لنا كتب التاريخ المناظرة بين الأذري شيخ أبي داود والنسائي، وبين ابن أبي دؤاد محامي المعتزلة، أمام الخليفة الواثق. وقد تمت المناظرة على النحو التالي:
وجه الإمام عبد الله الأذري الأسئلة الثلاثة الآتية إلى ابن أبي دؤاد:
الأول: هل ستر الرسول - ﷺ - شيئًا مما أمره الله ﷿ في أمر دينهم؟
الثاني: حين أنزل القرآن على رسول الله - ﷺ - يقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: ٣] .
هل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ وقد قوبل السؤالان بالصمت بلا إجابة.
الثالث: أخبرني عن مقالتي هذه، علمها رسول الله أم جهلها؟ فأجاب ابن أبي دؤاد: علمها، قال الإمام أحمد: فدعا الناس؟ فسكت، وهنا علق الأذري قائلًا: (فكيف وسعه - ﷺ - أن ترك الناس ولم يدعهم إليه وأنتم لا يسعكم؟) فبهت الحاضرون وأمر الواثق بخلاص الإمام الأذري وقد علق الذهبي على هذا الإفحام بقوله: إنه إلزام صحيح وبحث لازم للمعتزلة (٢) .
_________________
(١) ابن كثير: البداية ج ١ ص ٣٣٢.
(٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي (واسم الإمام كاملا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذري شيخ =
[ ١٢٥ ]
ومن هذا يتضح كيف اعتبر المعتزلة الاعتقاد بخلق القرآن المحور الأساسي في العقيدة حتى امتحنوا بها الأسرى المسلمين، فكأنهم أضافوا للإسلام أصلًا جديدًا بعد كماله. ومن هنا أثار الشيخ الأذري الآية القرآنية الآنفة.
والسؤال الثاني والثالث يوضحان هذا الغرض. وتنتهي المحنة، وتسدل الستار عن مأساة كادت تطيح بالمنهج الإسلامي المتوارث عن السلف، وخلقت لنا مغزى بالغ الأهمية، يتمثل في النزاع بين طرفين: أحدهما المأمون الذي جعل من الاعتزال مذهبًا رسميًا، يحميه ويدعو إليه بالقوة، فيدين به أصحاب المناصب والجاه والنفوذ، وجعل من عقيدة الاعتزال التفسير الوحيد للإسلام، فكانت محنة عظيمة على الأمة، وفكرة فلسفية ضاق عنها تفكير العامة وضاقت بها النفوس (١) .
وتظهر مأثرة الإمام أحمد الكبرى التي أكسبته مكانه الجديد، في وقوفه سدًا منيعًا في اتجاه الأمة إلى التفكير الفلسفي الذي لو سيطر على هذه الأمة لانقطعت صلتها بالتدريج عن منابع الدين الأولى وعن النبوة المحمدية وخضعت للفلسفات وأصبحت عرضة للآراء والقياسات، فحفظ الدين من أن يعبث به العابثون أو تتحكم فيه السلطة والأهواء (٢) .
وإذا توقفنا برهة لنتساءل عن سر هذا الاهتمام الكبير بالمحنة من وجهة نظر السلف، ولم كتبوا عشرات الكتب في الدفاع عن القرآن وإثبات أنه كلام الله تعالى، فلن نفتقد الإجابة بين طيات الصفحات.
إنهم خشوا من الآثار المترتبة على اعتقاد أن القرآن مخلوق، ففضلًا عن ضياع الهيبة من القلوب، وافتقاد الخشية والخوف من كلام الله فإن القائل: (إن هذا القرآن مخلوق) أو (إن القرآن المنزل مخلوق) كان بمنزلة المعتقد أن هذا الكلام ليس هو كلام الله (٣) .
_________________
(١) = أبي داود والنسائي) .
(٢) أبو الحسن الندوي: رجال الفكر والدعوة ص ١٢٣.
(٣) نفس المصدر ص ١٤٤.
(٤) ابن تيمية: موافقة ج ١ ص ١٥٧ تحقيق الفقي.
[ ١٢٦ ]
٢- عبد العزيز المكي. وبشر المريسي:
المنهج:
حرص عبد العزيز المكي على بيان المنهج أولًا، فقال: (ولكننا نؤصل بيننا أصلًا فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه. ثم وجه الحديث إلى المأمون عندما سأله عن الأصل بينه وبين بشر المريسي (٢١٨ هـ) قال: (يا أمير المؤمنين بيني وبينه ما أمرنا الله ﷿ واختاره لنا وعلمناه وأدبنا به في التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا فنعجز) . فطالبه المأمون بأصل ذلك في كتاب الله، فتلا المكي قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء، الآية: ٥٩] فهذا تعلم من الله وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين وبيننا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإن وجدناه فيها وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه) .
وقد أقر المأمون هذا المنهج، فقال: (فافعلا وأصِّلا بينكما هذا واتفقا عليه، وأنا الشاهد عليكما، والحافظ لما يجري بينكما) (١) .
وسنعرض في الصفحات التالية لأبرز المسائل التي دار حولها الحوار، وهي عن صفات الله تعالى وقضية القرآن الكريم.
صفات الله ﷿:
حاول بشر المريسي أولا جعل عبد العزيز المكي يقر بأن القرآن شيء، فإن كان المراد بأنه شيء إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم، فإنه شيء، وإن كان المراد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فليس كذلك.
وقد أقام عبد العزيز الدليل على ذلك بقول الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام، الآية: ٩١]، فذم الله
_________________
(١) الحيدة ص ١٢.
[ ١٢٧ ]
من نفى أن يكون كلامه الذي أنزله على رسوله شيئًا، ولكنه في آية أخرى أخبرنا تعالى بأنه لا كالأشياء حتى لا يدخله الملحدون في جملة الأشياء، فأظهره باسم الكتاب والنور والهدى فقال لنبيه - ﷺ -: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) .
وإزاء إصرار قول بشر بأن القرآن شيء كالأشياء ليدعم عقيدته في خلق القرآن وطالب بإتيان الدليل بنص التنزيل، فاحتج بآيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل، الآية: ٤٠] وقوله ﷿ (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فدل ﷾ بهذا الإخبار وأشباه لها في القرآن كثير على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء وأنه خارج عن الأشياء وأنه يكوِّن الأشياء، ثم أنزل الله ﷿ خبرًا مفردًا ذكر فيه خلق الأشياء كلها، لم يدع منها شيئًا إلا ذكره وأخرج كلامه وأمره من جملة الخلق وفصله منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء المخلوقة وخارج عنها فقال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف، الآية: ٥٤] .
فجمع ﷾ في قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ) جميع ما خلق فلم يدع منه شيئًا ثم قال: (وَالْأَمْرُ) يعني والأمر الذي كان به الخلق خلقًا، ففرق بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقًا والأمر أمرًا، وجعل هذا غير هذا وقال: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر، الآية: ٥٠] وقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم، الآي: ٤] .
ومن هذه الآيات وآيات أخرى سردها عبد العزيز المكي حتى طلب منه المأمون الاختصار، فأوضح بعد ذلك أن الله تعالى قد أخبر عن خلق السموات والأرض وما بينهما فلم يدع شيئًا من الخلق إلا ذكره فأخبر عن خلقه أنه ما خلقه إلا بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق وأنه خارج عن الخلق، وغير داخل في الخلق وهذا نص التنزيل (١) .
ولكن بشر لم يوافقه على هذا الذي ذهب إليه، ورأى أن عبد العزيز جاء
_________________
(١) الحيدة ص ١٨.
[ ١٢٨ ]
بأشياء متباينات متفرقات مدعيًا أن الله خلق بها الأشياء.
قال عبد العزيز: إن الله تعالى خلق الأشياء بقوله وكلامه وأمره بالحق فاعترض بشر على قوله لأنه جاء بأشياء متباينات متفرقات مدعيًا أن الله تعالى خلق بها الأشياء.
فأخذ المكي في بيان كلامه وشرحه بأن بين أن هذه أربعة أشياء لشيء واحد، لأن كلام الله هو قوله وقول الله هو كلامه وأمر الله هو كلامه وكلام الله هو أمره وكلام الله هو الحق والحق هو كلام الله فهذه أسماء لكلام الله، وأوضح أن الله تعالى سمى كلامه نورًا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنًا وفرقانًا وبرهانًا وسماه الحق، وهذه أشياء شتى لشيء واحد وهو كلام الله كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد صمد فرد. وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة معرفته بلغة العرب.
وهنا ظن بشر أن عبد العزيز يستخدم التأويل لا التنزيل ويخالف المنهج الذي أصّله منذ البداية، ولكن عبد العزيز أعاد إلى سمعه الآيات الدالة على ما ذكره، كقول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة، الآية: ٦]، وإنما يسمعه من قارئه وإنما عنى القرآن لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك. وقال تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) [الفتح، الآية: ١٥] وقال الله ﷿: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، وآيات أخرى مثل قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) [السجدة، الآية: ٣] وقال (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) [المائدة، الآية: ٨٣] .
وهذه الآيات وغيرها يتضح منها أن الله تعالى أخبر عن القرآن أنه الحق كما أخبر أن الحق قوله: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) [ص، الآية: ٨٤] فأخبر أنه الحق والحق قوله وقال: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة، الآية: ١٣] وقال: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ
[ ١٢٩ ]
رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) [سبأ، الآية: ٢٣] (١) .
كما أخبر الله تعالى أن أمره هو القرآن وهو كلامه، قال: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [الدخان، الآيات: ١ - ٥] يعني القرآن. وقال: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) [الطلاق، الآية: ٥] (٢) .
وثبت بذلك أن القرآن أمر الله تعالى وكلامه وأن أمره هو القرآن وهنا قال عبد العزيز المكي: (وهذا تعليم الله لخلقه وتأديبه لهم فقلت كما قال الله: إن القرآن كلام الله، وإنه أمر الله، وإنه الحق، وإن هذه أسماء لشيء واحد وهو الكلام الذي به خلقت الأشياء وهو غير الأشياء وخارج عن الأشياء وليس هو كالأشياء فهذا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير) .
فقال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز) (٣) .
إثبات أن كلام الله تعالى ليس مخلوقًا
وبعد أخذ ورد طويلين ومناقشات حول معاني القرآن وطرق قراءته بالفصل والوصل مما أثبت به عبد العزيز المكي جهل بشر المريسي بأسرار اللغة العربية، عاد المريسي ليقول: إن قول الله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا تخرج عنها شيء لأن تلك كلمة تجمع الأشياء كلها فلا تدع شيئًا يخرج عنها وكل ذلك داخل فيها.
وهنا أخذ عبد العزيز يسترسل في ذكر آيات من القرآن الحكيم، مثل قوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ) [طه، الآية: ٤١] (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران، الآية: ٢٨، ٣٠] وقوله ﷿ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام، الآية: ٥٤] وقال: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) [المائدة، الآية: ١١٦]، فأخبرنا الله ﷿ أن له نفسًا، وطلب من بشر المريسي الإقرار بذلك، فأقر.
وأشهد المأمون على هذا الإقرار. وهنا تلا قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)
_________________
(١) الحيدة ص ١٩- ٢٠.
(٢) الحيدة ص ١٩- ٢٠.
(٣) عبد العزيز المكي- الحيدة ص ٢٠.
[ ١٣٠ ]
[آل عمران، الآية: ١٨٥]، ثم سأل بشر (فتقول يا بشر إن نفس الله ﷿ داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت)، فصاح المأمون بأعلى صوته - وكان جهوري الصوت - معاذ الله، معاذ الله قال عبد العزيز: (معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة كما أن نفسه ليست بداخلة في الأشياء الميتة) .
وقد اعترف المأمون عندئذ بأن حجة عبد العزيز قد وضحت وانكسر قول بشر، وطالب عبد العزيز بالمزيد من هذه الأخبار في القرآن الكريم.
قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ شرف العرب وكرمهم وأنزل القرآن بلسانهم فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف، الآية: ٢] وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) [مريم، الآية: ٩٧] فخص الله ﷿ العرب بفهمه ومعرفته وفضلهم على غيرهم بعلم أخباره ومعاني ألفاظه وخصوصه وعمومه ومحكمه ومبهمه وخاطبهم بما عقلوه وعلموه ولم يجهلوه، إذْ كانوا قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في خطابهم فأنزل الله ﷿ القرآن على أربعة أخبار خاصة وعامة (١) .
فمنها: ١ - خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) [ص، الآية: ٧١] وقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران، الآية: ٥٩] ثم قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) [الحجرات، الآية: ١٣] والناس اسم يجمع آدم وعيسى وما بينهما وما بعدهما فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن آدم وعيسى لأنه قدم خبر خلقهما.
٢- خبر مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف، الآية: ١٥٦] فعقل عن الله أنه لم يعن إبليس فيمن تسعه الرحمة لما تقدم فيه من الخبر الخاص قبل ذلك وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص، الآية: ٨٥] فصار معنى ذلك الخبر العام خاصًا لخروج إبليس ومن تبعه من سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.
_________________
(١) الحيدة ص ٣٢- ٣٣.
[ ١٣١ ]
٣- خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى العموم وهو قوله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم، الآية: ٤٩]، فكان مخرجه خاصًا ومعناه عامًا.
٤- خبر مخرجه العموم ومعناه العموم.
فهذه الأربعة الأخبار خص الله العرب بفهمها ومعرفة معانيها وألفاظها وخصوصها وعمومها والخطاب بها، ثم لم يدعها اشتباهًا على خلقه وفيها بيان ظاهر لا يخفى على من تدبره من غير العرب ممن يعرف الخاص والعام، فلما قدم إلينا ﷿ في نفسه خبرًا خاصًا أنه حي لا يموت بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان، الآية: ٥٨] ثم أنزل خبرًا مخرجه مخرج العموم ومعناه الخصوص فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران، الآية: ١٨٥] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن نفسه مع هذه النفوس لما قدم إليهم من الخبر الخاص، كذلك وقدم إلينا في كتابه خبرًا خاصًا (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل، الآية: ٤٠]، فدل على قوله باسم مفرد فقال إذا أردناه - ولم يقل أردناهما - ففرق بين القول والشيء المخلوق الذي يكون بالقول مخلوقًا ثم قال ﷿ (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر، الآية: ٦٢] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن كلامه وقوله في الأشياء المخلوقة لما قدم من الخبر الخاص (١) .
الفرق بين الجعل والخلق
ولكن بشرا عاد إلى موقفه الأول مصممًا على أن قوله مؤيد بنص التنزيل، واستخرج من القرآن الكريم آية يدلل بها على رأيه بقول الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف، الآية: ٣] ذاهبًا إلى معنى جعلناه: خلقناه.
وفي مقدمة رد عبد العزيز المكي على بشر المريسي أرجع خطأه إلى أنه رجل من أبناء العجم يتأول كتاب الله تعالى على غير ما أنزل، ويحرفه عن مواضعه ويبدل معانيه ويقول ما تنكره العرب وكلامها ولغاتها، ويكفر بشر الناس ويستبيح دماءهم بتأويل لا بتنزيل.
وأخذ عبد العزيز المكي يستقرئ آيات القرآن التي يثبت فيها أن (جعل)
_________________
(١) الحيدة ص ٣٤.
[ ١٣٢ ]
ليست بمعنى (خلق) مثل قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) [النحل، الآية: ٩١] فإذا كان (جعلتم) هنا بمعنى خلقتم الله عليكم كفيلا، ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الله ﷿ وكفر به.
وقال ﷿: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) [البقرة، الآية: ٢٢٤]، وقال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ) [النحل، الآية: ٥٧] وقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف، الآية: ١٩٠]، وقال: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام، الآية: ٩١] .
وإزاء هذه الحجة المفحمة لما يترتب على تأويل معنى (جعل) بـ (خلق) من مقالات، اعترف المأمون بصحة ما ذهب إليه عبد العزيز المكي فقال: (ما أقبح هذه المقالة وأعظمها وأشنعها فحسبك يا عبد العزيز فقد صح قولك وأقر بشر بما حكيت عنه وكفر نفسه من حيث لم يدر) (١) .
إقامة الحجة بالتنزيل
وعندما ضيق الخناق على بشر المريسي، قال للمأمون: (يا أمير المؤمنين هذا يريد نص القرآن لكل شيء يتكلم به، وهذا مما لا يقدر عليه لأنه ليس كل ما يتكلم به الناس مما يحتاجونه إليه من علم أديانهم يوجد في كتاب الله بنص التنزيل، وإنما يوجد فيه بالتأويل)، أي أنه عاد يطالب بالتأويل بعد أن أفحمه عبد العزيز المكي بالتنزيل.
وظن أنه بهذه الطريقة سيعجز عبد العزيز عن إثبات صحة ما ذهب إليه، فأخذ يتحدى مطالبًا بآيات تدل على شمولها لكل المخلوقات.
وأخذ يطالب عبد العزيز بالإتيان ببراهينه، فقال: (أوجدني أن هذا الحصير مخلوق بنص القرآن) .
ولكن عبد العزيز لم يعجز عن إثبات ذلك، فطالب بشر المريسي أولًا بالإقرار
_________________
(١) الحيدة ص ٣٧- ٣٨.
[ ١٣٣ ]
بأن الحصير من سعف النخل وجلود الأنعام بالإضافة إلى صناعة الإنسان الذي يعمله حتى صار حصيرًا، ثم أخذ يردد آيات الله تعالى في هذا الصدد قال تعالى في النخيل: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) [الواقعة، الآية: ٧٢] فهو نص بخلق النخل والسعف.
وأما الجلود فقال الله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) [النحل، الآية: ٥] وهذا خلق الجلود وأما الصانع فقال الله ﷿: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) [ق، الآية: ١٦] فهذا خلق الصانع، فصار الحصير مخلوقًا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير. وسأل بشر: (فهل عندك مثل هذا لخلق القرآن، ما تذكره أو تحتج به وإلا فقد بطل ما تدعونه من خلقه وصح ولم يزل صحيحًا أن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل جهة وعلى أي جهة تصرفت) (١) .
ثم دارت المحاولة على النحو التالي:
قال بشر: يا أمير المؤمنين، عندي أشياء كثيرة إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس. فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره.
فتعجب المأمون من طريقة بشر في المناظرة وسأله في دهشة (تقول لرجل يناظر بالكتاب والسنة دعهما واخرج إلى النظر والقياس؟ هذا ما لا يجوز؟) (٢) .
إقامة الحجة بالنظر والقياس
ولكن عبد العزيز المكي فاجأ المأمون والحاضرين وأبدى تمام استعداده للمناظرة بالنظر والقياس دون الاحتجاج بآية من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ وسأل بشر المريسي: (تسألني أم أسألك؟ قال: اسأل أنت) وقال مستطردًا: (وطمع في هو وأصحابه وظنوا أني إن خرجت عن الكتاب والسنة لم أحسن أن أتكلم بغيرهما) (٣) .
_________________
(١) الحيدة ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) الحيدة ص ٥٠.
(٣) والمقصود بالحيدة الانصراف عن السؤال والهروب من إجابته. وقد استند عبد العزيز المكي إلى واقعتين أحدهما في القرآن الكريم والأخرى فى تاريخ المسلمين. فأما في القرآن فقال الله تعالى في قصة إبراهيم حين قال لقومه: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ =
[ ١٣٤ ]
قال عبد العزيز لبشر المريسي: (يلزمك في قولك بخلق القرآن واحد من ثلاث:
١- أن الله خلق كلامه في نفسه.
٢- أو خلقه في غيره.
٣- أوخلقه قائمًا بذاته أي شيئًا منفصلًا قائمًا بنفسه.
فقل ماعندك يا بشر) .
فأجاب بشر: (أنا أقول: إنه مخلوق وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها) فصاح عبد العزيز في وجهه ليثبت عليه الحيدة عن جوابه قائلًا: (تركنا الكتاب والسنة عند هرب بشر عنهما، وناظرته بالقياس والنظر لما ادعاه وذكر أنه يحسبه ويقيم على الحجة ولكنه مال إلى الحيدة ونقض ما شرط على نفسه، فإن بشرًا إنما يحسن أن يناظر من لا يفهم ولا يدري ما يقول) .
وهنا نهره المأمون وأمره بأن يجيب عبد العزيز المكي، فقال معترفا بعجزه عن الإجابة (ما عندي جواب غير ما أجبته به) (١) .
فأقبل المأمون على عبد العزيز فقال: (قد حاد بشر عن جوابك فتكلم أنت يا عبد العزيز في شرح المسألة) .
وهنا أعاد عبد العزيز المكي الإلزامات الثلاثة التي ذكرها في بداية سؤاله، وفصلها حسب البيان الآتي:
١ - إن قال بشر: إن الله خلق كلامه في نفسه، هذا محال باطل لا يجد للسبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله - تعالى عما يقولون علوًا كبيرا -
_________________
(١) = تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) [الشعراء، الآية: ٧٢، ٧٣] وإنما قال لهم إبراهيم هذا؛ ليذمهم ويعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم فعرفوا ما أراد به فصاروا بين أمرين، أن يقولوا نعم يسمعونا حين ندعو وينفعونا أو يضرونا فيشهد عليهم بلغة قومهم أنهم كذبوا ويقولوا: لا يسمعونا حين لا ندعو ولا ينفعونا ولا يضرونا فينفوا عن آلهتهم القدرة، وعلموا أن الحجة عليهم لإبراهيم لأنهم فى أي القولين أجابوه فهو عليهم، فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلامًا من غيرهم ما سألهم عنه فقالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون فلم يكن هذا جواب مسألته.
(٢) الحيدة ٥٢.
[ ١٣٥ ]
لا يكون مكانًا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصًا بشيء إذا خلقه.
٢- وإن قال: خلق كلامه في غيره فهذا أيضًا محال باطل لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر، ولا معقول، لظهور الشناعة من قبله لأنه يلزم قائل هذه المقالة في القياس والنظر والمعقول أن يجعل كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله، فيجعل الشعر وقول الزور والفحش والخنا وكل كلام ذمه الله وذم قائليه من كلام الكفر والسحر وغيره لله تعالى عن ذلك.
٣- وإن قال: خلق كلامه قائمًا بذاته، فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا رؤي ولا يرى أبدًا كلام الله قائم بذاته متكلم بنفسه، وهذا ما لا يعقل، ولا يعرف ولا يثبت من قياس ولا نظر، ولا غيره.
فلما استحال القرآن أن يكون مخلوقًا من هذه الجهات، ثبت أنه صفة لله ﷿ وصفات الله ﷿ غير مخلوقة، فيبطل قول بشر من جهة النظر والقياس كما بطل من الكتاب والسنة.
وهنا قال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز)، ولكن بشرًا انتقل إلى موضوع آخر فقال: (دع هذه المسألة واسأل عن غيرها) (١) .
وانتقلا من الحديث عن كلام الله تعالى إلى صفاته ﷿ وقد بدأ بالعلم ثم الحديث عن القدرة والفعل، واختتما المحاورة بالبرهنة بالمنهج القياسي على أن كلام الله تعالى غير مخلوق، ونرى كيف التزم عبد العزيز طرقًا ثلاثة في محاورته: أي التنزيل والنظر والقياس.
إثبات علم الله - تعالى - بنص التنزيل:
انتقل الحديث إلى الصفات الإلهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ومنها العلم، وقد تدخل المأمون في هذا الجزء من المحاورة، فسأل عبد العزيز (أتقول يا عبد العزيز: إن الله عالم؟) فأجابه (نعم يا أمير المؤمنين)، فسأله ثانيا (فتقول: إن لله علم؟) فأجاب
_________________
(١) الحيدة ص ٥٢- ٥٣.
[ ١٣٦ ]
بالإيجاب.
وذهب المأمون بعد ذلك إلى ما هو أدق من هذه القضية في الفهم والنظر، فسأل عبد العزيز: (فتقول: إن الله سميع بصير؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتقول: إن لله سمعًا وبصرًا؟ قلت: لا يا أمير المومنين) .
وكان عبد العزيز واعيًا لإجاباته مدعمًا عقيدته بالمنهج الثابت المنقول عن السلف الصالح وما فهمه المسلمون قبله، فقال:
(يا أمير المومنين، قد قدمت إليك فيما احتججت به أن على الناس جميعًا أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك الله عنه، فأخبرنا الله ﷿ أن له علمًا، فقلت: إن له علمًا، كما أخبر وأخبرنا أنه عالم بقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [التغابن، الآية: ١٨] فقلت: إنه عالم كما أخبرنا إنه سميع بصير، فقلت إنه سميع بصير كما أخبر في كتابه، ولم يخبر أن له سمعًا ولا بصر) .
فقال المأمون لبشر وأصحابه: (ما هو بمشبه فلا تكذبوا عليه) (١) . وهنا أراد بشر إحراج عبد العزيز فسأله: (قد زعمت يا عبد العزيز أن لله علمًا، فأي شيء هو علم الله؟ وما معنى علم الله؟) .
وأجاب عبد العزيز بشيء من التفصيل، مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم فقال: (هذا مما تفرد الله بعلمه ومعرفته، فلم يخبر به ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، بل احتجبه عن الخلق جميعهم فلم يعلمه أحد قبلي ولن يعلمه أحد بعدي، لأن علمه أكثر وأعظم من أن يعلمه أحد من خلقه) .
وأخذ يذكره بقوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة، الآية: ٢٥٥]، وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن، الآية: ٢٦، ٢٧]، وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [الأنعام، الآية: ٥٩] وقوله ﷿: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان، الآية: ٢٧] .
_________________
(١) الحيدة ٢٥- ٢٦.
[ ١٣٧ ]
وسأل بشرًا (أتدري يا بشر ما معنى هذا؟ وأي شيء مما نحن فيه؟) . فطالبه المأمون بالإجابة بنفسه على هذا السؤال شرحًا وتفسيرًا فاستكمل ذلك بقوله: (يا أمير المؤمنين يعني بقوله هذا ولو أن ما في الأرض من جميع الشجر والخشب والقصب أقلام يكتب بها، والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر، والخلائق كلهم يكتبون بهذه الأقلام من هذا البحر، ما نفدت كلمات الله، فمن بلغ عقله وفهمه وفكره كنه عظمة الله وسعة علمه؟!!
وقال ﷾: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف، الآية: ١٠٩] فمن يحد هذا أو يصفه أو يدعي علمه، وقد عجزت الملائكة المقربون عن علم ذلك واعترفوا بالعجز عنه فقالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة، الآية: ٣٢]؟
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .
وسئل النبي - ﷺ - عن علم الساعة فقال: (علمها عند ربي من خمس لا يعلمها إلا هو) وتلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) [لقمان، الآية: ٣٤] فأخبر النبي - ﷺ - أن هذه الخمس مما تفرد الله بعلمها، فلا يعلمها إلا هو، فإذا كان النبي - ﷺ - لا يعلم من علم الله إلا ما علمه، فكيف يجوز لأحد من أمته أن يتكلف علمًا أو يدعي معرفة) (١) .
ويبدو من تعليق عبد العزيز أنه غضب بسبب هذا السؤال الذي لا محل له للإجابة عنه واضطر إلى إفحامه بنصوص التنزيل لبيان أن مثل هذا السؤال منهي عنه من قبل الله تعالى، فقال عبد العزيز: (إنك لتأمرني بما نهاني الله عنه وحرم علي القول به، وتأمرني بما أمرني به الشيطان، ولست أعصي ربي وأرتكب نهيه وأطيع الشيطان وأتبع أمره وأمرك إذا كنتما قد أمرتماني بخلاف ما أمرني به ربي، بل نهاني) !!
_________________
(١) الحيدة ص ٢٦- ٢٧.
[ ١٣٨ ]
وكان المأمون يراقب الموقف منصتًا باهتمام، ودهش من رد عبد العزيز وأراد شرحًا له، فقال: (يا عبد العزيز أمرك بشر بما نهاك الله عنه وحرم عليك القول به وأمرك به الشيطان؟!!) فلما أجاب عبد العزيز بالإيجاب، طالبه بآيات من كتاب الله بنص التنزيل.
قال عبد العزيز: (قال الله ﷿ لنبيه ﵇: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف، الآية: ٣٣] وأمرهم الشيطان بضد ذلك، فقال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٨، ١٦٩] فأخبر الله ﷿ أن الشيطان يأمر الناس بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، فنهاهم عن اتباعه وقبول قوله، فهذا تحريم الله ونهيه لنا بها يا أمير المؤمنين أن نقول عليه ما لا نعلم، وهذا أمر الشيطان لنا أن نقول على الله ما لا نعلم، وقد اتبع بشر يا أمير المؤمنين سبيل الشيطان التي نهاه الله عن اتباعها ووافقه على قوله وأمرني بمثل ما أمرني به الشيطان أن أقول على الله ما لا أعلم) .
ويصف عبد العزيز انعكاسات هذه الإجابة على المأمون بقوله: (فكثر تبسم المأمون حتى غطى بيده على فيه وأطرق يكتب في الأرض بيده على السرير) (١) ويدهشنا أن تصل المجادلة إلى هذا الحد مع إصرار بشر المريسي على موقفه بالرغم من حجج عبد العزيز القوية الواضحة، ومنها يتضح أن المريسي قد أفلس بعناده وعجزه عن مجابهة أدلة عبد العزيز.
كما تعجب من تصرف المأمون لاتخاذه القضية البالغة الأهمية ذريعة للتضييق على الناس وكبت آرائهم، ثم وقوفه بنفسه على الأدلة وإقراره بصحتها في أكثر من موضع بقوله: (أحسنت يا عبد العزيز)، بينما في مجالسه الخاصة تكون مدعاة لابتسامه وربما ضحكه!!
_________________
(١) الحيدة ص ٢٨.
[ ١٣٩ ]
إثبات الفعل والقدرة بالنظر والقياس
أولا: بالنظر والمعقول:
استهل عبد العزيز المكي المحاورة في هذه القضية بسؤاله لبشر المريسي فسأله: (يا بشر تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان لم يفعل شيئًا، وكان لم يخلق شيئًا) فلما أقر بشر بهذه المقدمة، استخرج منها الإقرار بأن الله تعالى هو الذي أحدث الأشياء أي: خلقها بقدرته سبحانه. ولكنهما اختلفا بعد الاتفاق على هذه المقدمة، ويعبران عن وجهتي النظر المتعارضتين، إذ إن المعتزلة ينفون صفات الله تعالى بينما يثبت علماء أهل السنة والجماعة هذه الصفات كما اتضح لنا فيما تقدم من هذا البحث.
أقر بشر بأن الله ﷿ لم يزل قادرًا، ولكنه لم يقر بأن الله سبحانه لم يزل يفعل فانبرى إليه عبد العزيز المكي قائلًا (فلا أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة من صفات الله، ولا يقال لصفات الله هي الله، ولا هي غير الله، وهذا يلزمك القول به) .
فلما اعترض بشر على هذا التفسير قائلًا لعبد العزيز: (ويلزمك أيضًا أن تقول إنه لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك تبين أن المخلوق لم يزل مع الخلق)، هنا أضاف عبد العزيز إيضاحًا أكبر، متوسعًا في شرح العلاقة بين الخالق والمخلوقات، ليصل إلى إثبات صفة الفعل لله تعالى مع القدرة، وبذلك يضع البرهان العقلي لصفات الله تعالى وتغايرها.
قال عبد العزيز: (إني لم أقل هذا وليس لك أن تحكم علي وتحكي عني ما لم أقل وتلزمني ما لم يلزمني، إني لم أقل إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل فألزمني ما قلت، وإنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة الله يقدر عليها ولم يمنعه منها مانع) (١) .
وكان عبد العزيز حريصًا في اختيار ألفاظه أن يستخدم الفعل بصيغة المستقبل، لكي يتضح أمام السامع أن الله تعالى هو الأول بالإطلاق وأنه سبحانه متقدم قبل الخلق، وكان ولا شيء قبله ولا شيء معه.
_________________
(١) الحيدة ص ٥٣.
[ ١٤٠ ]
ولكن بشرًا أصر على موقفه بالاعتقاد أن الله تعالى أحدث الأشياء بقدرته ولم يقر بالفعل الذي كان عن القدرة.
وهنا اضطر عبد العزيز لإشراك المأمون في المحاورة، فقال:
(يا أمير المؤمنين، قد قال بشر: إن الله كان ولا شيء، وإنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا بقدرته، فقلت أنا: أحدثها بأمره وقوله عن قدرته) .
فقال المأمون: قد حفظت عليكما قولكما.
فقال عبد العزيز: (يا أمير المؤمنين لن يخلو أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله وبإرادة أرادها، وقدرة قدرها) .
واستمر في شرح معتقده، إذ ترتب على المقدمة السابقة أن ههنا إرادة ومريدًا، وقولًا وقائلًا ومقولًا له، وقدرة وقديرًا ومقدورًا عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان متقدمًا قبل الخلق فليس هو من الخلق في شيء.
وكان سكوت بشر يدل على أنه أفحم فلم يجد جوابًا فقال عبد العزيز: وقد كسرت والله قول بشر ودحضت حجته بإقراره بلسانه بالنظر والمعقول، ولم يبق إلا القياس. وأنا أكسره بالقياس إن شاء الله تعالى، فقال المأمون: هات وأوجز قبل خروج وقت الصلاة (١) .
ثانيًا: إثبات أن القرآن كلام الله بمنهج القياس:
واستخدم عبد العزيز المكي المنهج القياسي في إثبات أن القرآن الكريم كلام الله تعالى وليس شيئًا مخلوقًا، وكانت دوافعه للعودة مرة أخرى إلى هذا الموضوع أن يثبت صفة الكلام، فإذا تم ذلك أثبت باقي صفات الله تعالى قياسًا عليه.
وبدأ عبد العزيز بتوجيه كلامه إلى المأمون، قال:
يا أمير المؤمنين، لو كان لبشر غلامان وأنا لا أجد لهما خبرًا من أحد من الناس إلا من بشر، ويقال لأحدهما: خالد، وللآخر: يزيد، وكان بشر غائبًا عني بحيث لا أراه فكتب إلي بشر ثمانية عشر كتابًا يقول في كل كتاب منها: (ادفع إلى غلامي هذا الكتاب) وكتب إلي أربعة وخمسين كتابًا يقول: (ادفع إلى يزيد هذا
_________________
(١) الحيدة ص ٥٤.
[ ١٤١ ]
الكتاب ولم يقل: غلامي) .
وبعد هذه البداية، التي سنفهم بعدها سبب اختيار عبد العزيز لهذه الأعداد بالذات حالا، استكمل حديثه بقوله: ثم قدم بشر من سفره فقال لي: ألست تعلم أن يزيد غلامي، فقلت: قد كتبت إلي أربعة وخمسين كتابًا وقلت: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد ولم تقل غلامي، وكتبت ولم أسمعك تقول غلامي - وأنا لا أجد ذلك إلا منك ولا أعرف خبره من أحد غيرك. وكتبت إلي ثمانية عشر كتابًا (ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب)، فعلمت بكتابك أنه غلامك. ثم كتبت إلي كتابًا جمعتهما فيه فقلت: (ادفع هذا الكتاب إلى خالد غلامي وإلى يزيد - ولم تقل غلامي، فمن أين أعلم أن يزيد غلامك ولست أعلم خبرهما من أحد غيرك؟) .
وسياقًا لهذه الواقعة، وما يترتب على حدوثها من نتائج، أراد عبد العزيز الوصول إلى أنها لو حدثت بهذه الكيفية، سيتهمه بشر بأنه فرط حيث لم يعلم أن يزيد غلامه من كتبه ولكن عبد العزيز يلقي المسئولية عن كاهله ويرى أن بشرًا هو المفرط، وأشرك المأمون في الشهادة فسأله: (فأينا المفرط يا أمير المؤمنين)؟ فأقر المأمون بأن بشرًا هو المفرط (١) .
ومع غرابة هذه الواقعة التي يريد عبد العزيز القياس عليها، ظهرت دهشة بشر المريسي من غرضه فقال: (وأيش هذا مما نحن فيه تريد أن تثبت بهذا السؤال علي ما لم يكن مني كانت هذه المكاتبة وهذا الكلام)؟
وحينذاك حسم عبد العزيز الموقف مستخدمًا القياس في البرهنة على ما ذهب إليه، فقال: (اسمع حتى تقف على ما أردت) ثم أردف قائلًا: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ أخبرنا في كتابه بخلق الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، ما ذكره في موضع منها إلا أخبر عن خلقه. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعًا فلم يخبر عن خلقه في موضع منها ولا أشار إليها بشيء من صفات الخلق، ثم جمع القرآن والإنسان في آية من كتابه فأخبر عن الخلق للإنسان ونفى الخلق عن القرآن، فقال الله ﷿: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن، الآية: ١ - ٤]
_________________
(١) الحيدة ص ٥٤.
[ ١٤٢ ]
ففرق بين القرآن والإنسان فزعم بشر يا أمير المؤمنين أن الله فرط في الكتاب من شيء. فهذا كسر قول بشر بالقياس.
فقال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز) (١) .
إلى جانب تناول الجدل حول باقي صفات الله ﷾ من وجهتي النظر المتعارضتين: رأي المعتزلة الذي يعبر عنه بشر المريسي ورأي علماء السنة الذي يعبر عنه عبد العزيز المكي (٢) .
الاستواء على العرش:
من محاورات عبد العزيز المكي مع بشر المريسي في بيان استواء الله ﷿ على عرشه: فسر الجهمية قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه، الآية: ٥] بأن المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على مصر وعلى الشام. ويسأل عبد العزيز المكي عدة أسئلة يستخلص منها الإجابات الملزمة لها، فيسأل أولا (أيكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه؟) فالإجابة الصحيحة بالنفي، ومن زعم غير ذلك فهو كافر.
وبالنظر إلى آيات أخرى تتناول العرش، يلزم المريسي بأن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، فقد قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان، الآية: ٥٩] وقوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [غافر، الآية: ٧] وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [فصلت، الآية: ١١] ويستطرد المكي بعد هذا قائلًا: (فيلزمك أن تقول: المدة الذي كان العرش فيها قبل خلق السموات الأرض ليس الله بمستول عليه، إذ كان (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) معناه عندك استولى، فإنما استولى بزعمك ذلك الوقت لا قبله) .
وبقيت الصعوبة التي يثيرها الجهمية في كيفية الاستواء، إذ يستفسر المريسي
_________________
(١) الحيدة ص ٥٥.
(٢) وقد استخلصناه من ابن تيمية نقلًا عن الحيدة إذ لاحظنا أن الكتاب المتداول والذي استندنا إليه جاء خلوًا هن هذه المسألة.
[ ١٤٣ ]
عنه، أهو كما يقول: (استوى فلان على السرير) فيكون السرير قد حوى فلانًا وحده إذا كان عليه؟ ويلزم من ذلك القول أن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء إلا هكذا.
ويوضح عبد العزيز المكي إجابته على هذا التساؤل، فيؤكد أولًا أن الله تعالى لا يجرى عليه كيف، فلا مجال إذن للتساؤل (كيف استوى؟) فقد أخبرنا بأنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، إذ لم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه ما لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله تعالى.
بقي بعد هذه الإجابة أن يلزم الجهمي بإلزامين يستخرجهما من وصفه لله تعالى بأنه في كل مكان، أولهما فقد زعم أن الله تعالى محدود وقد حوته الأماكن، لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه، ويلزمه ثانيًا تقليد النصارى في الاعتقاد بأن الله ﷿ في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، ولكن قول الجهمية أشنع إذ يلزمهم القول أنه في أبدان الناس كلهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وفي ختام المحاورة يضطر المريسي إلى الوقوع في التناقض إذ يصف الله ﷿ بأنه في كل مكان، لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجًا عن الشيء، ولا مباينًا للشيء. ويسخر المكي من هذا الاعتقاد، لأن المريسى يدعي أنه يستند إلى القياس والمعقول، ولكنه دل بالقياس والمعقول على أنه لا يعبد شيئًا، لأن ما لا يكون داخلًا في الشيء ولا خارجًا منه فإنه لا يكون شيئًا، وأن ذلك صفة لمعدومٍ لا وجود له (١) .
وتلقف ابن تيمية بقراءاته المتشعبة مثل هذا الدليل العقلي، وزاده إيضاحًا، فبين أولا أن الألفاظ التي لم تنطق الرسل فيها بنفي ولا إثبات كلفظ الجهة والحيز ونحو ذلك لا يطلق نفيًا ولا إثباتًا إلا بعد بيان المراد، ثم أحصى الأدلة المستمدة من القرآن والسنة فرآها تقارب ألفًا، مع تطابق الأنبياء كلهم على أن الله ﷾ في العلو.
_________________
(١) ابن تيمية: مجموعة فتاوى ج ٥ ص ٣١٦ - ٣١٧ ط السعودية.
[ ١٤٤ ]
ولكن ماذا يقصد بالعلو؟
يقدم كعادته الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ)، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) [الملك، الآية: ١٦، ١٧]، فهو سبحانه العلي الأعلى لا يعلوه شيء من خلقه، كما أخبر الرسل بأن الله تعالى فوق العالم بعبارات متنوعة ولكن ليس مرادهم أن الله في جوف السموات أو أن الله يحصره شيء من المخلوقات، بل كلام الرسل كله يصدق بعضه بعضًا، كما قال تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢] وثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) ويناقش شيخ الإسلام كافة التصورات المحتملة فينفيها، ويثبت الصحيح، فمن التصورات الخاطئة اعتقاد أن يكون الرب محصورًا في شيء من المخلوقات أصلًا سواء سمي ذلك المخلوق جهة أو لم يسم جهة، ويخطئ أيضًا من يظن أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش، ومحمد صلوات الله لم يعرج إلى ربه، ولا تصعد الملائكة إليه، ولا تنزل الكتب منه، ولا يقرب منه شيء، ولا يدنو إلى شيء.
الاعتقاد الصحيح إذن أنه ليس موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن على مخلوقاته، عال عليها، فمن سمى ما فوق العالم جهة وجعل العدم المحض جهة وقال في جهة بهذا المعنى أي: هو نفسه فوق كل شيء فهذا معنى صحيح (١) .
_________________
(١) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج ٣ ص ٨٣.
[ ١٤٥ ]
الفصل الثالث:
صلة العقل بالشرع
- تعريف الشرع
- تعريف العقل بين فلاسفة اليونان ولغة عدنان
- أدلة الشرع عقلية
- تعقيب
[ ١٤٧ ]
صلة العقل بالشرع
لعل أبرز نقاط الخلاف بين شيوخ الحديث والسنة، والمتكلمين بعامة والمعتزلة بخاصة هي نقطة صلة العقل بالشرع، فبينما زعم المتكلمون أن بوسعهم استحداث أدلة مستوحاة من العقل وممزوجة بمصطلحات الفلاسفة والاستناد إليها في الدفاع عن الإسلام، يرى أهل الحديث والسنة أن الأدلة الشرعية بذاتها كافيةـ؛ لأنها تتفق مع أحكام العقل وقوانينه.
وهناك أيضًا مترادفات، فيقال: النقل والعقل أو الرواية والدراية والسمع والعقل، وكان مثار الخلافات الحادثة بين المسلمين أن أهل الكلام ظنوا أن الأدلة الواردة بالوحي لا صلة لها بالعقل، ولهذا حاولوا التوفيق بين أدلة الشرع وأدلة العقل ظانين أنهم بهذا المنهج يستطيعون الدفاع عن الإسلام وتقريب أصوله إلى الأذهان.
وتوطئة لتحليل هذه القضية الهامة التي تعتبر جوهر الخلاف بين المتكلمين والمحدثين فسنعرض لبعض المصطلحات التي حددها أحد علماء الحديث والسنة ليمكننا التمييز بين مناهج علماء الحديث ومناهج المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وأصحاب الفرق الأخرى.
تعريف الشرع:
وهو ينقسم إلى:
١ - الشرع المنزل: فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول - ﷺ - من الكتاب والسنة. وهذا هو الشرع المنزل، وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه.
٢- الشرع المبدل: ويطلق على ما يضيفه بعض الناس إلى الشرع، إما بالكذب والافتراء وإما بالتأويل والغلط، وهذا شرع مبدل لا منزل، ولا يجب، بل لا يجوز اتباعه.
ويضع شيخ الإسلام ابن تيمية في دائرة الشرع المبدل هؤلاء الذين يناقضونه في خبره، فينفون ما أثبته أو يثبتون ما نفاه، كأتباع جهم بن صفوان الذين ينفون ما أثبته من صفات الله ﷾، والقدرية النفاة الذين ينفون ما أثبته من قدر الله تعالى ومشيئته وخلقه وقدرته، والقدرية المجبرة الذين ينفون ما أثبته من عدل الله
[ ١٤٩ ]
تعالى وحكمته ورحمته، ويثبتون ما نفاه من الظلم والعبث والبخل ونحو ذلك عنه (١) .
تعريف العقل بين فلاسفة اليونان ولغة عدنان:
مدح الله تعالى مسمى العقل في القرآن الكريم في غير آية. كذلك رويت أحاديث نبوية كثيرة عن فضل العقل الإنساني، منها قول النبي - ﷺ -: (إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله) .
وعن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صيامًا ولا حجًا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله تعالى مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منه الجوارح ففاقوا الخليقة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة) (٢) .
ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن القرآن الحكيم مملوء من ذكر الآيات العقلية أي التي يستدل بها العقل، وهي شرعية دل عليها وأرشد إليها، ولكن كثيرًا من الناس لا يسمي دليلًا شرعيًا إلا ما دل بمجرد خبر الرسول - ﷺ - وهو اصطلاح قاصر (٣) .
ويذهب الشيخ/ الدكتور دراز إلى أننا نستطيع دراسة القرآن الكريم من زوايا جد مختلفة، لكنها جميعًا يمكن أن تنتهي إلى قطبين أساسين هما اللغة والفكر، فالقرآن كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت وبنفس الدرجة (٤) .
لكن ما أحدثه المتكلمون من الكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة بل هو في نفس الأمر مخالف للمعقول، ومرد ذلك إلى إدخال مصطلحات الفلسفة اليونانية والتعبير بها عن عقائد الإسلام.
والأصل أن الترجمة من اللغات الأخرى جائزة بل حسنه وقد تجب أحيانًا كما
_________________
(١) ابن تيمية: النبوات ص ٦٣- ٦٤.
(٢) ابن تيمية: بغية المرتاد فى الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص ٦٠.
(٣) ابن تيمية- النبوات ص ٥٢ المكتبة السلفية ١٣٨٦ هـ.
(٤) دكتور محمد عبد الله دراز: مقدمة الكتاب (مدخل إلى القرآن الكريم) .
[ ١٥٠ ]
أمر النبي - ﷺ - زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود لأن المعرفة بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفة مقاصدهم، ولكن المحظور هو عدم الدقة في فهم الفروق بين الكلمات والمعاني من لغة إلى أخرى.
وعلى سبيل المثال فإن لفظ (العقل) عند فلاسفة اليونان يقصد به جوهرًا قائمًا بنفسه، وليس الأمر كذلك في اللغة العربية، كذلك العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يراد به جوهر قائم بنفسه باتفاق المسلمين وإنما يراد به العقل الذي في الإنسان.
وبسبب الخلط بين اللغتين فسر بعض الفلاسفة المسلمين - نقلا عن اليونان - الخلق بنظرية الصدور، فتصوروا خلق العالم وكأنه صدر عن العقول العشرة والنفوس التسعة إلى أن انتهى بالعقل الفعال.
وعندما رفض المحدثون منهج المتكلمين وردوه، لم يفعلوا ذلك إنكارًا لأحكام العقل وقوانينه، ولا رفضًا للجدل المبني على أسس منطقية برهانية، ولكن لأن الأصول التي استند إليها علماء الكلام، إما أنها تلبس المعاني الإسلامية ثيابًا ليست لها كمصطلحات الجوهر والعرض والقديم والحادث ومثلها من التعبيرات النابعة من الفلسفة اليونانية والتي لا تعبر عن مدلولات مشابهة في الإسلام، أو أنها تشوه الفكرة وتخلط بين التصورات لأن صلة الفكر باللغة صلة وثيقة، (وقد وضع المتكلمون هذه المصطلحات أولًا ثم أرادوا إنزال كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ - على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح) (١) .
السبب الثاني: أنهم أقاموا حججهم على أدلة مخالفة للمعقول ولا تستقيم مع الأدلة العقلية يزعمون أنها كذلك.
ونضرب على ذلك مثالين:
أولًا: فكرة نظرية الجواهر الفردة التي يفسرون بها الخلق، وتتلخص أن
_________________
(١) ابن تيمية - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص ٢٠- أما الحديث المنسوب إلى النبي - ﷺ - أنه قال: (لما خلق الله العقل قال له: قم فقام ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال له: اقعد فقعد فقال: ما خلقت خلقًا هو خير منك ولا أكرم علي منك ولا أحسن منك آخذ وبك أعطي وبك أعرف وبك الثواب وعليك العقاب) فقد أجمع علماء الحديث ومنهم ابن الجوزي أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - نفس المصدر ص ٢.
[ ١٥١ ]
الأجسام مركبة من الجواهر الصغار التي قد بلغت من الصغر إلى حد لا يتميز منها جانب عن جانب وتلك الجواهر باقية تتقلب عليها الأعراض أو الصفات الحادثة.
وبناء عليه يرى هؤلاء المتكلمون أن الله تعالى أحدث أعراضًا كجمع الجواهر وتفريقها فالمادة التي هي الجواهر المنفردة باقية بأعيانها، ولكن أحدث صورًا هي أعراض قائمة بهذه الجواهر (١) .
ويترتب على هذه النظرية أشد النتائج انحرافًا، لأنه لا يختلف عن مذاهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فانهارت بذلك الحجج العقلية للمتكلمين الذين ظنوا أنهم بأدلتهم يدافعون عن الإسلام، وأصبحوا (كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ بلاده، بل سلطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه) (٢) .
أما الحقيقة الماثلة للأذهان، وأظهر ما تكون في خلق الإنسان نفسه، أنه خلق من تراب وحوله الله تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة، الآية: ٧ - ٨] .
فقد خلق الله الإنسان ولم يك شيئًا (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم، الآية: ٩] ولا تعني الآية الأخيرة أنه خلق من لا شيء لأنه قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء، الآية: ٣٠] وهذه هي القدرة التي تبهر العقول وتذهلها، وهو أن يقلب الحقائق الموجودة فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه ويحدث شيئًا آخر فأصل الإنسان التراب وفصله الماء المهين، فإذا خلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقة، والعلقة استحالت وصارت مضغة، والمضغة استحالت إلى عظام وغير عظام، فالإنسان مخلوق خلق الله جواهره وأعراضه كلها من المني أي: من مادة استحالت، فليست باقية بعد خلقه ويحدث الله فيها صورًا عرضية كما يزعم المتكلمون.
وعند إفناء الإنسان إذا مات وصار ترابًا فني وعدم وكذلك سائر ما على
_________________
(١) ابن تيمية: النبوات ص ٥٣ ط المنيرية ١٣٤٦هـ.
(٢) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٣.
[ ١٥٢ ]
الأرض كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن، الآية: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب ويخلقه خلقًا جديدًا، ولكن للنشأة الثانية أحكام وصفات ليست للأولى، فمعرفة الإنسان بالخلق الأول وما يخلقه من بني آدم وغيرهم من الحيوانات وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغيرهما من المخلوقات، هو أصل لمعرفته بالخلق بالمبدأ والمعاد. وهكذا تنهار الأصول التي استحدثها المتكلمون وظنوها عقلية.
المثال الثاني: طريقة المتكلمين في إثبات الصانع.
وهي الطريقة التي ابتدعها أهل الكلام، زاعمين أنها طريقة عقلية صحيحة وخلاصتها أن الله تعالى لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم. وطريقتهم في إثبات حدوث العالم مبنية على الاستدلال بالأعراض أو ببعض الأعراض: كالحركة والسكون أو الاجتماع والافتراق وهي الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله تعالى الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة (١) .
وأدى ذلك إلى نتائج مشابهة إلى زعم الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، إذ أثاروا الفلاسفة عليهم فقالوا: (هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلا عن الكلام والفعل دائمًا إلى أن أحدث كلامًا وفعلًا بلا سبب أصلًا، وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل) (٢) .
وبعد فإننا نرى من وجهة نظر الباحثين في نظرية المعرفة، كيف حددها القرآن الكريم مفصلًا الحديث عن الأحاسيس والعقل والشعور مثيرًا في الإنسان كوامن الفطرة الموحدة بآية الميثاق، مدللًا على صدق النبوة والرسالة والتوحيد وعالم الغيب بأدلة يمتزج بها العقل والوجدان لأن الخطاب موجه إلى الإنسان على الحقيقة بفطرته وروحه وقلبه ووجدانه وأحاسيسه وشعوره وعقله، فكان التوجيه الإلهي للإنسان بهذا المفهوم والتكوين الذي خلقه به الله تعالى، وفي الوقت نفسه
_________________
(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٨.
(٢) ابن تيمية: الصفدية ج ١ ص ٢٧٥ تحقيق د. محمد رشاد سالم. مطابع حنيفة - الرياض ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦م.
[ ١٥٣ ]
حض القرآن على التفكير والتعقل والتدبر في غير آية.
ومن غير المتصور وغير المنطقي أن يأتي الشرع بأدلة مخالفة للقوانين العقلية الفطرية كالتماثل والاختلاف فإنها الميزان الذي يزن به الإنسان المعلومات الواردة إليه. وهذا ما يقصده شيوخ الإسلام من وصفهم لحقيقة الآيات السمعية والقولية والعيانية والعقلية.
ولهذا فإن التنازع الموهوم بين العقل والنقل والأدلة العقلية والأدلة الشرعية أو أصحاب الرواية وأصحاب الدراية لا محل له في تراثنا بالصورة التي ظهرت في تراث أهل الكتاب، كل ما هنالك أن (عالم الغيب) بما يحتويه من أعاجيب تخالف المألوف مما يراه الإنسان ويشاهده ويحسه ويتعقله، جعل البعض يحاول إخضاعه للمقاييس العقلية الإنسانية، فحدث الاضطراب بين المتكلمين والفلاسفة (١) .
وتصبح القضية غير ذات موضوع لا سيما في عصورنا الحديثة التي كشف العلم فيها عما يحير العقل ويذهله في عالم المخلوقات كالأفلاك والحيوان والنبات.
أدلة الشرع عقلية:
أثبت علماء السلف أن أدلة الشرع عقلية أيضًا وليست نقلية فحسب، فإن القرآن الكريم جاء بالأدلة العقلية على أحسن بيان وأقومه، واستخلصوا منه الطرق المبنية على البراهين المنطقية التي تخاطب الإنسان أينما كان وحيثما وجد. وكلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله - تعالى - بأنه يهدي للتي هي أقوم:
ومن هذه الطرق دلالات الأنفس والآفاق التي يدعو القرآن الحكيم للنظر فيها والاعتبار بها والتفكر في نظمها.
أما الأولى فهي دلالة الأنفس، قال الله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس، الآيات: ١٧ - ١٩] .
وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات، الآية: ٢١] .
وقال ﷿: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: ٦ - ٨] وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ
_________________
(١) ينظر رأيه السابق ص ١٠.
[ ١٥٤ ]
بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: ٢٨] وقال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس: ٧٧ - ٧٩] .
أما دلالة الآفاق فإن القرآن الكريم يحثُّنا على تدبر ما يحدث حولنا في عالمنا الذي نعيش فيه وما يطرأ من تغيرات تتعاقب فيه في أوقات محدودة وأزمنة معروفة كطلوع الشمس والقمر والكواكب وغروبها ودوران الأفلاك والنجوم والسفن الجاريات في البحار والرياح وتغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق وإنزال الأمطار فتسقي الزرع وتنبت الأشجار والفواكه والأزهار والثمار وتمد البحار والأنهار والآبار، وما في اختلاف الليل والنهار والفصول، وقد جمع الله تعالى ذلك في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] (١) .
وقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣] (٢) وذلك أننا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين، عالمين، ناطقين، سامعين، مبصرين، مدركين، بعد أن لم نكن شيئًا وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها بغير صنع حكيم وما يختلف أجناسًا وأنواعًا وأشخاصًا.
أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ
_________________
(١) ابن الوزير اليماني: إيثار الحق على الخلق ص ٤٣- ٤٩- ٥٠.
(٢) وتزداد معرفتنا بأنفسنا على ضوء العلم حيث عرَّفنا بأن نحو الخلية البشرية يشكل معجزة إلهية. وكيف لهذه الخلية أن تتحول إلى جهاز هضمي وجهاز تنفسيِ وجهاز عصبي وإلى مخ لو أريد صناعة مثله لكان المصنوع في حجم الكرة الأرضية ص ٢٢ من كتاب (الذين يلحدون في آيات الله) للدكتور كامل سعفان دار المعارف ١٩٨٣ م.
[ ١٥٥ ]
يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور، الآية: ٤٥] .
وأما الأشخاص فبقوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس، الآيات: ١٧ - ٢٠] .
فهذا هو الفكر المأمور به، وهو أي النظر في هذه الأمور وهي طريقة السلف التي اتبعوها مستندين إلى كتاب الله ﷿ (١) .
وقد ظل هذا المنهج موحدًا بين علماء الحديث والسنة على مر الأعصار، فنجد الإمام عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه - ينبهنا في العصر الحديث إلى ضرورة اتباع هذا المنهج دون غيره لأنه العاصم من الزلات فيقول: (ونحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة) .
ويرى الإمام ابن باديس أن الأقيسة العقلية في القرآن كافية للرد على المخالفين، فقد قال تعالى (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: الآية ٣٣] .
وتفسير ذلك (ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون وأمثالهم بكلام يحسنونه ويزخرفونه ويصورون به باطلًا أو اعتراضًا فاسدًا إلا جئناك بالكلام الحق الذي يدفع باطلهم ويدحض شبهتهم وينقض اعتراضهم ويكون أحسن بيانًا وأكمل تفصيلا) (٢) .
وفي قوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان، الآية: ٥٢] .
يرى في هذه الآية نصًا صريحًا في أن الجهاد في الدعوة إلى الله تعالى وإحقاق الحق من الدين وإبطال الباطل من شبه المشبهين وضلالات الضالين وإنكار الجاحدين هو بالقرآن العظيم، فيه بيان العقائد وأدلتها ورد الشبه عنها (٣) .
_________________
(١) ابن الوزير اليماني: إيثار الحق على الخلق ص ٤٤.
(٢) تفسير الإمام عبد الحميد بن باديس ج ١ ص ٤٢١.
(٣) نفس المصدر ص ٤٢٩.
[ ١٥٦ ]
تعقيب:
بعد دراستنا لبعض المشكلات الكلامية التي أثيرت في العالم الإسلامي على صعيد العقيدة والفكر، انتهينا إلى الاقتناع بأن طريقة القرآن الحكيم تسمو ببراهينها على كافة الطرق، وأن منهج الاقتداء مع الوعي والفهم والتدبر يوصل إلى الحق من أقصر طريق لأنه الطريق المستقيم. وعلينا هاهنا أن نقف نستطلع بنظرة عامة مقارنة، ما كان عليه السلف وما طرأ على المسلمين من تغييرات وإذا اكتفينا بدليل واحد وهو الموقف من القرآن الكريم فما أشد المفارقة والتباين بين الصحابة وتابعيهم الذين آمنوا بأن القرآن كلام الله، فخشعت له قلوبهم وخضعت جوارحهم لأحكامه، فاستغرقهم التدبر في آياته وتنفيذ أحكامه، وبين القوى التي أهدرت في المناقشات والمحاورات والاختلافات.
إن الموازنة بين الاتجاهين توضح لنا الآثار التي خلفها علم الكلام بحجة استخدام النظر في الدفاع عن العقيدة الذي نشأ على أيدي المعتزلة - والنظر في اصطلاحهم وهو الفكر الذي يطلب من قام به علمًا أو غلبة الظن (١) - وليس اليقين. فما الذي أدى إليه هذا الفكر؟
كان الصحابة - ﵃ - وهم صدور هذه الأمة يعرفون حق القرآن الكريم عليهم، فوصفهم ابن عمر ﵄ بقوله: (كان القرآن ثقيلا عليهم، أي: يقدرونه حق قدره ورزقوا علمًا به وعملًا، وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئًا) .
ومهما يكن من أمر في تفسير ظهور المشكلة وآثارها، فإنها لا شك خلفت مظاهر لا تخفى على عين قارئ التاريخ الباحث عن الحقيقة متجردًا من الهوى فقد ارتفع نصيب المناقشات الجدلية على حساب الإيمان، فنقص هذا وزاد ذاك. يقول الأنصاري في كتاب (ذم الكلام): (وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم، فكفروا السلف وسموا الإثبات تشبيهًا.. فلا يكاد يرى منهم رجلًا ورعًا، ولا للشريعة معظمًا ولا للقرآن محترمًا ولا للحديث موقرًا، سلبوا التقوى ورقة القلب
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية ج ٥ ص ٣٣٣ تحقيق مخلوف.
[ ١٥٧ ]
وبركة التعبد ووقار الخشوع) (١) .
وبإيجاز شديد، تبين كيف كان الدارمي في حكمه صادقًا ومصيبًا في تعليل ما حدث بالردة، بعد أن كان القرآن قد أطلق العرب - بل والناس جميعًا - من عقال الجاهلية، وارتقى بهم إلى آفاق حضارة رائعة في مجال العقيدة والفكر والعلم والأخلاق بفضل الوحي الإلهي؛ لأنه يفوق طور العقل الانساني القاصر - عادوا ليصفدوا أنفسهم بالأغلال داخل أسوار أهوائهم!!.
وهكذا رجعوا القهقرى إلى الفلسفات التي كانت قبل الوحي المنزل من الله - تعالى - على رسوله - ﷺ - حيث أضاء العقول والنفوس بنور الحق، فكأنهم لا يقرون بالوحي أو لم يسمعوا به!
_________________
(١) نفس المصدر ص ٣٣٠ - ٣٣٢.
[ ١٥٨ ]