موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية:
- حياته وعصره
- منهجه
- هدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني.
نظرية ابن تيمية في المعرفة
- الفطرة الإنسانية وطرق المعرفة.
- الهدى والبينات.
موقفه إزاء القضايا الكلامية:
- الصفات الإلهية.
- طرق البراهين القرآنية.
- إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية.
الميزان القرآني.
- قياس الأولى.
- الاعتبار واللزوم.
- النبوة.
[ ٢٠٥ ]
موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية
مقدمة:
ولد تقي الدين بن تيمية يوم الاثنين عاشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ في حران ونشأ في بيت علم أتاح له الاطلاع إلى التراث الإسلامي واستيعاب علوم المسلمين، فبزَّ علماء زمنه لتفرده بالإحاطة الشاملة دونهم بأغلب هذه العلوم - كالتفسير واللغة وحفظ السنن والآثار، وعلم الفقه والتاريخ، والفلسفة وعلم الكلام وغيرها. وقد ساعدته مواهبه العقلية على بلوغ مرماه إذ كان يتمتع بذكاء حاد وحافظة متميزة استطاع بهما أن يفهم ويعبر عن أعوص المسائل في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه بحيث ارتفع إنتاجه العلمي إلى مصاف المتخصصين في هذه الفروع كلها كما يذكر مترجموه، إلى جانب خصائص أخلاقية تتمثل في النهم والتشوق للمعرفة وقوة الجلد والصبر على قراءة ما يشبه الموسوعات، بحيث مكنته من استحضار النصوص وقت الحاجة والاستشهاد بها وتأييد صحة آرائه.
ويضاف إلى ذلك انقطاعه للعلم انقطاعًا تامًا فلم تشغله صاحبة ولا ولد، ولم يحل دونه منصب أو يعوقه سعي لطلب مال أو جاه لزهده وتقلله في معيشته. وعندما اضطهد وسجن، بسبب آرائه الجريئة التي ساقته إليها اجتهاداته المدعمة بالأدلة، انتهز فرصة سجنه واستمر في القراءة والبحث إلى أن أجبر في فترة سجنه الأخيرة عن التخلي عن أدوات الكتابة.
ومن أخلاقه الشخصية الدقة والأمانة في رواية النصوص المنقولة من مصادرها المختلفة؛ فحفظ لنا صفحات كاملة من كتب تعد في حكم المفقودة، مع شجاعته في إعلان رأيه مهما قوبل من صنوف الاضطهاد بسببها، وخوضه المعارك الحربية في مواجهة التتار وقيامه بحث الأمراء على مقاومة حروبهم مهما كلفهم ذلك من نفوس وأموال.
ولقي العنت بسبب خصومته لعلوم الكلام والطعن في شيوخ الصوفية ونقد آراء بعض الفقهاء، كما انتقد مظاهر الاضطراب والضعف في عصره لأنه عاش وسط جو صاخب مليء بالحروب الخارجية ومظاهر التشتت والاختلاف في الداخل
[ ٢٠٧ ]
بعد انهيار الخلافة العباسية في بغداد سنة ٦٥٦ هـ وانقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولايات متعددة، فقامت بمصر والشام حينذاك دولة المماليك التي عاش فى ظلها ابن تيمية، وقد كتب لها أن تقوم بالنصيب الأوفى في خدمة الإسلام ودفاع المعتدين من المغول في الشرق والصليبيين في الشمال (١) .
ولم يأل ابن تيمية جهدًا فى شن الغارة على النصيرية والباطنية في الشام، لأن السواحل الشامية إنما استولت عليها النصارى من جهتهم وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، كما قام ابن تيمية بالسفارة لدى ملك المغول غازان.
وجمع في شخصيته صفات العالم المجاهد الذي ضحى - كما يصفه الشيخ المراغي - بمتع الدنيا لنصرة دعوته، فانتقد انتقاد الرجل المثالي الذي كان يرى ألا حكم إلا لله، وأن الجماعة يجب أن تكون على النحو الذي شرعه الله، فله في الدين رأي، وله في الدولة رأي، وله في الصوفية رأي، وله في رجال الكلام رأي، وله في النصرانية رأي، والباطنية رأي (٢) .
وأمضى حياة حافلة في التأليف والجدل والجهاد بنفسه ضد التتار والإفتاء ومحاربة البدع.
ومثل هذه الشخصية الفذة لابد أن تتعرض للابتلاءات والمحن، ولذا فقد استطاع خصومه إدخاله السجن أكثر من مرة في حياته، فكان موته بسجن القلعة بدمشق عام ٧٢٨ هـ (٣) .
والآن يحسن بنا أن نفصل هذه المقدمة.
حياته وعصره:
ولد الشيخ كما قلنا في بيت ثقافة إسلامية سلفية، فإن جده كان محدثًا مشهورًا، وكذلك كان أبوه. يصف ابن تيمية جده بقوله: (كان جدنا عجبًا في حفظ
_________________
(١) المراغي: ابن تيمية ص ٥٩ ط الحلبي (سلسلة أعلام الإسلام) .
(٢) المراغي: ابن تيمية ص ٣٧- ٣٨.
(٣) ينظر كتاب المستشرق الفرنسي هنري لاوست (نظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع) ترجمة الأستاذ محمد عبد العظيم وتقديم وتعليق د. مصطفى حلمي دار الأنصار ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٧ م.
[ ٢٠٨ ]
الأحاديث وسردها وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة) ويصفه بأنه كان معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله (١) .
أما والده فإنه (أتقن العلوم وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه.. كان محققًا كثير الفنون، وكان من أنجم الهدى، وإنما احتفى من نور القمر وضوء الشمس ويشير الذهبي في هذا الوصف إلى كل من أبيه وابنه) (٢) .
وتلقى شيخنا الفقه والحديث والعلوم الأخرى، وكان مضرب المثل في قوة الحفظ والذكاء، كما استطاع أن يستوعب ثقافة العصر كما قلنا ويجيدها ويحاجج أهلها عن مقدرة ودراية. يصفه تلميذه الذهبي بأنه (برع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام، وغير ذلك.
وكان من بحور العلم والأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد. وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد) (٣) .
وكان عصره يموج بالتيارات السياسية العنيفة، فإن حروب التتار التي بدأت تغزو البلاد منذ عام ٦١٦ هـ - ١٢٢٩ م، وظلت أمواجها تتلاحق دفعة وراء الأخرى عبر السنوات الطويلة حتى سنة ٦٨٠ هـ - ١٢٨١ م حيث وصلت إلى حماه، واشترك ابن تيمية بنفسه في إحدى المعارك. إلى جانب صراع المماليك على السلطة في الداخل.
وكان سقوط بغداد عام ٦٥٦ هـ - ١٢٥٧ م على أيدي التتار هو النتيجة الطبيعية التي تمخض عنها ضعف الدولة العباسية، لأنها بدأت منذ أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس (وكأنها جدار يريد أن ينقض وكان لا بدّ لها أن تنتهي إلى إحدى النهايتين: إلى الانحلال التام والفناء أو اليقظة والإحياء) (٤) . ولكن مع الأسف
_________________
(١) الألوسي: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص ١٨.
(٢) نفس المصدر ١٩.
(٣) الذهبي: تذكرة الحفاظ ج ٤ ص ٢٨٨ وقد لاحظ لاوست وحده النظرة الدينية عند ابن تيمية في وقتها ودوامها (حيث كانت الأفكار التي عرضها في مطلع فجر تأليفه هي نفس الأفكار التي تناولها شرحًا وتفصيلًا في سائر تواليفه المتأخرة) ص ٨٣٥ من كتاب أسبوع الفقه - ابن كثير - البداية ج ١٣ ص ٨٣.
(٤) د. جمال الدين الشيال: تاريخ الدولة العباسية ص ٨٩.
[ ٢٠٩ ]
انتهت إلى ما نعرفه من انقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى دويلات عديدة، وعاصر ابن تيمية دولة المماليك.
وكان للشيخ دور بارز في مقاومة الغزو التتاري وهذا يعطينا فكرة عن ارتباط العقيدة بالعمل عنده.
وقد أفرغ ما في جعبته من آيات وأحاديث لحث المسلمين على الجهاد، وتخليصهم من روح اليأس والهزيمة التي دفعت بجموع كبيرة منهم إلى الفرار هربًا من جحافل الجيش التتاري، الذي شرب من كأس النصر حتى الثمالة، وانتشى بروح السيطرة والتفوق.
وفي مقابل الحرب والغزو الخارجي الذي ملأ التاريخ بصفحات عديدة من المآسي والكوارث التي أصابت العالم الإسلامي، كانت هناك في الداخل تيارات عدائية تتمثل في روح الهزيمة، وبث روح اليأس، وترويج الإشاعات التي تروع القلوب وتخلعها لكي يسلم الناس دون قتال.
يقول ابن كثير: (وأشاع المرجفون بأن التتار وصلوا إلى حلب، وأن نائب حلب تقهقر إلى حماه، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم) (١) .
ومما زاد الأمر سوءًا في هذا العام - أي عام ٧٠٠ هـ ١٣٠٠ م حيث بدأ التتار يقصدون بلاد الشام - أن هذه البلاد شهدت شتاء قارسًا مما أدى إلى صعوبة الهجرة (حيث جعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرقاب، وقد ضعفت الدواب من قلة العلف، مع كثرة الأمطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشيء) (٢) .
رأى ابن تيمية هذه الظروف العصيبة التي تضافرت فيها توالي انتصارات الأعداء، مع ضعف المسلمين ويأسهم، ومما زاد الطين بلة الأحوال الجوية التي جرت على غير المألوف. وهنا يتجلى إيمان الشيخ، وتظهر آثار التشبع بالروح السلفية فعالة قوية، في الوقت الذي كان بعض الفقهاء غيره يتركون دمشق فرارًا بأنفسهم
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٩٥.
(٢) نفس المصدر ١٥٠.
[ ٢١٠ ]
وعائلاتهم إذ (كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق، كبيت ابن صصري، وبيت ابن فضل الله وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة) (١) .
وبذل الشيخ جهدًا كبيرًا ليقف في وجه كل العوامل التي تدعو إلى الهزيمة واليأس معلنًا على الملأ آراءه الكفيلة بتحويل الهزيمة إلى نصر. فأخذ يحرض الناس على القتال بدلًا من الفرار (وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذود عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا) (٢) .
كذلك سافر بنفسه إلى مصر لحث السلطان على الدفاع عن الشام، وأقنعه بضرورة تجهيز الجيش لهذا الغرض. وجاء ضمن أقواله للسلطان في هذا الصدد: (لو قدر أنكم لستم حكامًا للشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟) (٣) .
وعندما حان أوان المعركة المرتقبة بأرض الشام، وصلت جحافل التتار إلى حمص وبعلبك، ولم يكن جيش مصر قد وصل للنجدة بعد، تخبط الناس ومسهم الفزع والذعر، وعادوا يتحدثون عن التقهقر، ولكن ابن تيمية عاد ينفث من قوة إيمانه في صدور الأمراء والجند، مؤكدًا لهم النصر، متأولًا قوله تعالى: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج: ٦٠] وإذا ما طلبوا منه ذكر مشيئة الله، أجابهم: (إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا) (٤) .
أما عن تردد بعض المسلمين في حرب التتار لأنهم أعلنوا الإسلام تظاهرًا، فقد أوضح لهم شيخنا هذا اللبس، إذ إن التتار كالخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، زاعمين أنهم أحق بالرياسة منهما، وكذا يفعل التتار، فبينما هم متلبسون بالمظالم والمعاصي (يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق بين المسلمين) .
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ١٤. ٢١ (نفس المصدر والصفحة.
(٢) نفس المصدر ص ١٥.
(٣) نفس المصدر ص ٢٣.
[ ٢١١ ]
وحتى لا يدع مجالًا للشك في صحة رأيه لإدخال الطمأنينة والثبات في قلوب المترددين، أعلن لهم في وضوح قاطع (إذا رأيتموني من ذلك الجانب - يقصد التتار - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني) (١) .
وقاتل الشيخ مع الجند، حاثًا إياهم على الإفطار في شهر رمضان، لأن الفطر أقوى لهم، وذلك تشبهًا بالمسلمين حين أفطروا عام الفتح تنفيذًا لنصيحة الرسول - ﷺ - (٢) .
خلقه:
اتصف الشيخ بمكارم الأخلاق. أما عن حدة الطبع التي توصف بها كتاباته وشدته في نقد المذاهب والطوائف المخالفة للسنة، فهي كرد فعل لشدة خصومه ومخالفيه.
وكان هو على يقين بأنه على الحق بالأدلة الشرعية العقلية.
فالواقع أن الرجوع إلى مراحل حياة الشيخ، والاطلاع على التهم التي كيلت إليه ظلمًا، وما نسب إليه زورًا وبهتانًا (٣) . كل هذا دفع بالشيخ إلى الثورة على المظالم التي أحدقت به.
ويزيد الأمر إيضاحًا ما يحدثنا به عن نفسه فيقول: (فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا وصبرًا على مر الكلام، وأعظم الناس عدلًا في المخاطبة لأقل الناس) (٤) فبم إذن يفسر ثورته وغضبه؟
هنا يجيب قائلًا: (فمتى ظلم المخاطب، لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل عنف أبو بكر الصديق - ﵁ - عروة بن مسعود بحضرة النبي - ﷺ - لما قال: إني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وأجابه بحدة بالغة الشدة:
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٢٤.
(٢) نفس المصدر ص ٢٦.
(٣) يقول ابن تيمية: (وكان قد بلغني أنه زور عليَّ كتاب) ويقول: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ) ٢٠٧. من كتاب العقود الدرية لابن عبد الهادي.
(٤) محنة الشيخ ص ٤٤.
[ ٢١٢ ]
(أنحن نفر عنه وندعه)؟ (١) .
وفيما عدا هذا، فقد كان الشيخ متسامحًا، مطبقًا لأخلاقيات الإسلام في العفو وتصفية قلبه من الأحقاد والضغائن، إذ لما انقلبت الأوضاع السياسية وحل الملك محمد ابن الملك المنصور قلاوون، بدلًا من المظفر الجاشنكير بيبرس - وكان يكن للشيخ المحبة والتقدير في بداية حكمه - طلب منه أن يفتي بقتل بعض القضاة - الذين أفتوا بعزله عن الملك أيام الجاشنكير - فأبى، بل دافع عنهم بقوله: إذا قتلت هؤلاء، لا تجد مثلهم بعدهم. فلما ذكره الملك بأنهم سبق أن آذوه وأرادوا قتله مرارًا أجاب (من آذاني فهو في حل) .
وإزاء هذا التصرف، اضطر ابن مخلوف قاضي المالكية إلى الاعتراف بأنه لم ير مثل ابن تيمية، لأنه حرض عليه فلم يقدر عليه، فلمّا قدر عليهم جميعًا صفح عنهم، وحاج عنهم (٢) وهذا صحيح. لأننا لو عقدنا مقارنة بين حديث هذا القاضي بعد أن زال عنه الصولجان، ووصف ابن تيمية له في السجن، لظهر الفرق بين الرجلين، إذ يقول عنه: (وابن مخلوف ولو عمل مهما عمل - والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه.. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين) (٣) .
فإذا ما انتقل من هذه العلاقة الخاصة مع خصمه القاضي ونظر إلى المسلمين بعامة، فإنه يدعو لهم بالخير في دينهم ودنياهم، ويحب أن يراهم وقد اختفت من بينهم بذور الفتن والخلاف، فلن (ينقطع الدور وتزول الحيرة، إلا بالإنابة إلى الله والاستغفار والتوبة، وصدق الالتجاء، فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٤) .
كذلك يعلن أنه لا يهدف إلى تحقيق غرض دنيوي، ولا يطمع في تحقيق
_________________
(١) نفس المصدر والصفحة ١٩، ٢٠ ابن كثير ص ٥٤، ج ١٤.
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٥٤.
(٣) محنة الشيخ ص ٥٩.
(٤) نفس المصدر.
[ ٢١٣ ]
منصب، أو جاه، أو الحصول على أموال، فإنه (لم يقبل من أحد شيئًا من النفقات السلطانية، ولا من الكسوة، ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنس بشيء من ذلك) (١)، فهو يسعى إلى تحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ما قابلته بعض الخصومات، فإنه لا ينظر إليها نظرة شخصية خاصة، وإنما يتحمل كل الصعاب في سبيل هدفه العام الذي عاش من أجله (نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ورسوله - ﷺ - والمؤمنون، ليس لنا غرض مع أحد، بل نجزي بالسيئة الحسنة، ونعفو ونغفر) (٢) .
وكانت حياة الشيخ برهانًا على صدق قوله، واقتران العلم بالعمل. إنه تمكن من خصومه كما بينا فلم يصبهم بأذى، وعندما سجنه الملك الناصر، أصبح ذلك دليلًا على أنه لم يحاول أن يستمد قوته من الأمير، بل كان يعلن ما يراه حقًا (ولو كان يستمدها من الناصر ما ألقاه في غيابة السجن، فكان هذا هو الدليل القاطع على أنه متبوع لا تابع، وحر سيد نفسه، وليست نفسه، ولا فكره ملكًا لأحد) (٣) وبذلك نراه يتخلق بأخلاق العالم المسلم.
منهجه:
تكاد تنحصر معالم المنهج لدى ابن تيمية في مميزات ثلاثة:
أحدها: إثبات اتفاق الدليل العقلي مع الدليل النقلي.
الثانية: رفضه لمصطلحات المتكلمين والفلاسفة وإخضاعها للمعاني الإسلامية قبل البت في قبول استخدامها أو رفضها لأن التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بألفاظ محدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، والثالثة هدمه للمنطق الأرسططاليسي واستبعاده.
فبالنظر إلى الدليلين العقلي والنقلي فإن التعارض يأتي بسبب ضعف أحدهما أو كليهما أما الدليلان القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، لأن القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٤٢.
(٢) محنة الشيخ ص ٥٨.
(٣) محمد أبو زهرة: التعريف بابن تيمية ص ٦٩٠ من كتاب أسبوع الفقه الإسلامي.
[ ٢١٤ ]
ونستطيع أن نستدل بالآيات العديدة على الأمر بالتدبر والفهم والتعقل، ولكن ابن تيمية يشترط ألا نقدم العقل بالإطلاق ويرى أن الجزم بتقديم الدليل العقلي ظاهر الفساد بالضرورة لأن وجود الله ﷾ لا يتوقف على وجود الإنسان أو عقله المخلوق، وقد جاءت آيات الله السمعية والعقلية العيانية والسماعية كلها متوافقة متصادقة لا يناقض بعضها بعضًا.
وإذا تكلم أهل الكلام فيما يسمونه بـ (أصول الدين) كمسائل التوحيد والصفات الإلهية والنبوة والقدر والمعاد وغيره، فلا بد أن يكون المبين الأول والشارح لها هو الرسول - ﷺ - ما دامت باعترافهم أصولًا في الدين، ولا حجة لهم بالاستمساك بدعوى (الأدلة العقلية)؛ لأنه كان - ﷺ - يتمتع بأكثر العقول وأعلاها ذكاء وفطنة، وهو كغيره من الأنبياء الذين خاطبوا عقول البشر وتسلحوا بأدلتها المتوافقة مع الفطرة فأخبروا الأمم التي بعثوا إليها بمجيزات العقول لا بمحالات العقول.
وقبل استخدام المصطلحات الكلامية والفلسفية كان على ابن تيمية توضيح مدلولاتها لا سيما ما تردد كثيرًا بحكم القضايا المعروضة للبحث والمناقشة كالتأويل مثلًا، فالتأويل لغة ما يؤول الأمر إليه إن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، أو تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقًا له. أو صرف اللفظ من الأمثال الراجحة إلى الاحتمال المرجوح.
ويظهر معنى التأويل الذي استأثر الله بعلمه (١) أي: الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو كصفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان فلا نعرف كيفيتها - فإن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين وكذلك صفاته وأفعاله ليست كصفات المخلوقين وأفعالهم.
وعارض الفلسفة التي اعتبرها إسلامية مجازًا لأنها في أصلها يونانية، وكان يشير دائمًا إلى أن الرومان واليونان كانوا مشركين وكانوا يعبدون الهياكل والأصنام
_________________
(١) فإذا تحدث عن الاستواء (فإننا لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب مع أننا نعرف أن تفسيره العلو والاعتدال ولكننا لا نعرف الفارق الذي امتاز به الرب، فصرنا نعرفه من وجه ونجهله من وجه، وذلك تأويله) تفسير سورة الإخلاص ص ١١٢.
[ ٢١٥ ]
الأرضية ومنهم أرسطو وأمثاله من الفلاسفة المشائين.
كذلك في مناقشاته مع المتكلمين، عارض الألفاظ والاصطلاحات التي استخدمها علماء الكلام لأنها لا تعطي مدلولات إسلامية صحيحة، ولكنه لم يعارض استخدام الأدلة العقلية، بل ذهب إلى خطأ القول بأن الأدلة الواردة بالكتاب والسنة مجرد أدلة نقلية، فذهب إلى أنها عقلية أيضًا - أي أن العقول تجيزها فتزنها مستندة لآيات القرآن المنوهة بشأن العقل كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [طه، الآية: ١٢٨] أي العقول وقوله ﷿: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [الفجر، الآية: ٥] لذي عقل وقوله ﷿: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة، الآية: ١٩٧] وقوله ﷾: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال، الآية: ٢٢] فإن الله ﷾ مدح وأثنى على ذوي العقول وبالعكس ذم غيرهم ممن لا يسمع أو يعقل في قوله تعالى عن أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك، الآية: ١٠] (١) .
[وسيأتي بيان ذلك كله عند حديثنا عن طرق القرآن] .
الواجب إذن أن يجعل ما أنزل الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع أصول الدين فإن القرآن جعله الله تعالى شفاء لما في الصدور.
ومن هنا عارض كافة البدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفات أو ذوقيات ووجدانات وحقائق وغير ذلك لأنها لا بد أن تشتمل على لبس حق بباطل وكتمان حق.
ويعلل ابن تيمية ظهور البدع الكلامية والصوفية والفلسفية بسببين أحدهما ذاتي والآخر خارجي:
الأول: ابتداع ألفاظ ومعاني جعلوها هي الأصل المعقول المحكم وساروا في طريق التأويل تبعًا لما اعتقدوه صحيحًا وفقًا لأحكامهم العقلية.
الخارجي: وموجزه: أنه قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة؟ حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول - ﷺ -، فإما أن لا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج ١٠ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.
[ ٢١٦ ]
اللفظ ولا يعرفون معناه.
أما طريقة القرآن الحكيم في الجدل فقد تضمنتها الآية الكريمة في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥] حيث أنها راعت حال المخاطبين حسب أحوالهم لأن الإنسان له ثلاثة أحوال:
إما أن يعرف الحق ويعمل به فيدعى بالحكمة، وإما أن يعرفه ولا يعمل به، إذ تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة، فهذان هما الطريقان - الحكمة والموعظة. وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا؟ فإن النفس لها هوى يدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة؟ فلا بد من الدعوة بهذا وهذا.
ولكن النوع الثالث من الناس لا يعرف الحق فحسب بل يعارضه.
ولهذا فلا يدعى بالجدل، بل هو من باب دفع الصائل، فإذا عارض الحق معارض، جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال: (جَادِلْهُمْ)، فجعله فعلًا مأمورا به مع قوله: (ادعهم) فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن ولم يقل: بالحسنة كما قال في الموعظة لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة؛ فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن؛ حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة.
وهكذا فإن مقصود القرآن بيان الحق ودعوة العباد إليه لا الجدال بغير علم، فهذا مما ذمه الله تعالى بقوله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [آل عمران: ٦٦] .
كذلك من سمات منهجه - الاكتفاء بالقرآن والسنة - ففيهما بيان كافة ما يحتاج إليه الإنسان في معرفة الدين وتنظيم المعاش في الدنيا، واستلزم منه هذا التصور أن يجمع في مؤلفاته بين المباحث التي شغلت المتكلمين والفلاسفة والصوفية، فأخذ يناقش كل طائفة مستدلًا على صحة أقواله بالآيات والأحاديث، مثبتًا أن في هذين المصدرين وحدهما كافة ما يحتاج إليه من معارف في أمور الدين، وأنهما يعبران عن ذاتية الإسلام في مواجهة كل الآراء والنظريات والفلسفات التي ابتدعها البشر، على اختلاف طرقهم في البحث والاستدلال.
[ ٢١٧ ]
قال شيخ الإسلام في هذا الصدد: (ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه بل بغيره، سواء كان من علم المحدثين والملهمين، أو من أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء) (١) .
وسنعرض فيما يلي بالترتيب لتفاصيل منهج شيخ الإسلام الذي برهن به على ضرورة الاكتفاء بطرق القرآن وأدلته العقلية اليقينية المتفقة مع الفطرة الإنسانية.
وكانت عناية الشيخ الفائقة متجهة إلى هدم المنطق الأرسططاليسي واستبعاده ونقض حدوده وقضاياه كما سيأتي.
وكان يحاول أيضًا التقريب بين وجهات النظر، ما دامت الأصول المتفق عليها واحدة، إذ بالرغم من الخصومات العنيفة الحادثة بين الفرق والمذاهب في عصر شيخ الإسلام، فإنه حاول التقريب بين الاتجاهات المتقاربة إذ وجد مواضيع الالتقاء كثيرة، وأظهر الاتفاق في الأصول وأغضى عن الخلافات في دقائق المسائل التي تخفى على الكثير فإن الكلام في مسألة الكلام حير عقول أكثر الأنام ودوافعه في ذلك أن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف، فقال لنا في القرآن: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣] .
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩] .
وقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [آل عمران: ١٠٥] .
_________________
(١) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٤٤ - ٤٥ ط - دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.
[ ٢١٨ ]
وكان يبرز أمام مخالفيه الأصول الكبار المتفق عليها فيذكرهم بأن ربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا - ﷺ - واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف (١) .
وفي إحدى مرات النقاش والجدل قال لمخالفيه:
لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا: (أنا حنبلي)، ويقول هذا: (أنا أشعري) ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها.
ثم شجب هذا الاختلاف والتفرق آتيًا بما يثبت اعتناق الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، مؤيدًا ذلك لما أعلنه أبو الحسن الأشعري نفسه في كتابه (الإبانة) وما حكاه عنه ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) .
وقال: وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، ولم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في (الإبانة) (٢) .
هدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني:
لعل من أبرز معالم منهج شيخ الإسلام ابن تيمية هو هدمه للمنطق الأرسططاليسي وتقويضه من أساسه، فقدم بذلك خدمة لا تقدر - لا للعقيدة والفكر الإسلامي فحسب - بل أسهم في انتشال فلسفة أوروبا وحضارتها من عقم المنطق الصوري وعرقلته للعقل البشري، إلى المنهج الحقيقي الوحيد الصحيح للتقدم العلمي والمعارف الصحيحة ألا وهو المنهج التجريبي.
ويرى أستاذنا الدكتور النشار - ﵀ - أنه ليس هناك في الحقيقة من تكلم - فيما قبل العصور الحديثة - بما تكلم به ابن تيمية.
لقد وصل إلى أوج الدرج في فلسفة المنهج التجريبي، بنقده للمنطق اليوناني القياسي وبدعوته إلى المنطق الإسلامي التجريبي وعبر عن روح الحضارة الإسلامية الحقة.
ويضيف إلى ذلك رأي الشيخ مصطفى عبد الرازق بقوله: (إن الدراسات المنطقية لو سارت منذ عهد ابن تيمية على نهجه في النقد، بدل الشرح والتعمق،
_________________
(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٣.
(٢) أبو المعالي محمود شكري الألوسي: غاية الأماني في الرد على النبهاني ج ١ ص ٢٨٩.
[ ٢١٩ ]
لكنا بلغنا بها من الرقي مبلغًا عظيمًا) (١) .
وقد نقد ابن تيمية بشدة المنادين بتطبيق المنطق الأرسططاليسي والمعجبين به في العالم الإسلامي؛ باعتباره القانون الذي يعصم الذهن من الوقوع في الخطأ، وأظهر بكتاباته ومناقشاته العميقة لحدود هذا المنطق وطرق استدلالاته، أظهر أنه لا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو منطق اليونان للأسباب الآتية:
أولًا: إن الله - تعالى - أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان، في عهد نوح وإبراهيم وموسى ﵈ وغيرهم، وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلاثمائة سنة فقط، فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به؟ ويثبت بذلك أن الله تعالى خاطب الأمم بالميزان العقلي، فإن الوحي المنزل قائم على أدلة العقول (٢) .
ولما كان القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الأخير للبشرية، قد عظم من شأن العقل، وجعله أساسًا للتكليف، فإن مسلوب العقل أو المجنون غير مكلّف، وقد رُفع عنه العقاب، ولا يصح إيمانه ولا صلاته ولا صيامه ولا شيء من أعماله، فإن الأعمال كلها لا تقبل إلا مع العقل؛ فمن لا عقل له لا يصح شيء من عباداته - لا فرائضه ولا نوافله - ومن لا فريضة له ولا نافلة ليس من أولياء الله تعالى.
ولهذا قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [سورة طه: آية: ١٢٨] أي: العقول وقال تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [سورة الفجر: آية: ٥] أي: لذي عقل؟ وقال تعالى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة: آية: ١٩٧] وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف، الآية: ٢] .
ويتضح من آيات قرآنية أخرى أن الله تعالى قد مدح وأثنى على من كان له عقل فأما من لا يعقل فإن الله لم يحمده ولم يثن عليه ولم يذكره بخير قط، بل قال تعالى عن أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقال (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال: ٢٢]
_________________
(١) د. علي سامي النشار: مناهج البحث لدى مفكري الإسلام. واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي ص ٢٨٩، ٣٠٣ دار المعارف ١٩٦٥ م.
(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢ ص ١٥٥٧.
[ ٢٢٠ ]
وقال سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف، الآية: ١٧٩] وَقال: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان، الآية: ٤٤] (١) .
ثانيًا: كان السلف من هذه الأمة يستخدمون الموازين العقلية التي بينها القرآن الكريم ولم يلجأ أحد منهم إلى المنطق اليوناني الذي لم يعرف في العالم الإسلامي إلا بعد الترجمة في عهد دولة المأمون أو قريبًا منه.
وقد لجأ ابن تيمية لاستخلاص طرق الحجاج العقلي من القرآن الحكيم مستندًا إلى مواقف الرسل والأنبياء ﵈ مع الكافرين، فقد ذكر الله تعالى في كثير من السور القرآنية المناقشات التي دارت بين الملوك والعلماء التابعين لهم من ناحية والرسل من جهة أخرى، ولذلك فقد أعلمنا القرآن بما دار مع المعاندين، فذكر في كتابه في غير موضع قصص فرعون والذي حاج إبراهيم في ربه لما آتاه الله الملك، والملأ من قوم نوح وعاد وغيرهم من المتكبرين المكذبين للرسل، أخبرنا بردود علمائهم، كقول الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر، الآيات: ٨٣ - ٨٥] (٢) .
وقال ابن عباس ﵄: (كل سلطان في القرآن فهو حجة) وقد قصت لنا سورة (غافر) أحوال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء، مثل: أقوال الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم مما يشكل عبرة لمن أتى بعدهم.
وكذلك في سورة الأنعام وعامة السور المكية وطائفة من السور المدنية، فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب الأمثال والمقاييس لهم، وذكر قصصهم وقصص
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية المجلد العاشر ط الرياض ص ٤٣٥.
(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢ ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٢٢١ ]
الأنبياء وأتباعهم معهم، فقال سبحانه: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف، الآية: ٢٦] (١) .
فكيف يعقل أن يترك المسلمون هذه الحجج العقلية ويلجأون إلى منطق اليونان؟ لقد أغناهم الله ﷿ بالميزان التي أنزلها مع الكتاب حيث قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: ١٧] وقال ﷿: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) [الحديد: ٢٥] وهي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه، فيسوي بين المتماثلين ويفرّق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.
ويضاف إلى القرآن الحديث أيضًا، وبهما تتبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويتبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، ويتبين الإنكار على من يخرج عن ذلك، كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية، الآية: ٢١] وقوله ﷾: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم، الآية: ٣٥، ٣٦] (٢) .
إذن مما تقدم يتبين أن حجج القرآن وأدلته ميسرة مفهومة للناس وفقًا للفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، وبها يعرفون ويستدلون.
ويقتضي التوضيح إلمامنا أولًا بنظرية ابن تيمية في المعرفة ثم بيان طرق البراهين التي استقرأها من القرآن الكريم وهي على الترتيب:
١ - الميزان القرآني.
٢ - قياس الأولى (على وزن الأعلى) .
٣ - دليلا اللزوم والاعتبار.
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية ج ٩ ص ٣٨ - ٣٩.
(٢) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٣٨٢ - ٣٨٣.
[ ٢٢٢ ]
أولا: نظرية ابن تيمية في المعرفة
الفطرة الإنسانية وطرق المعرفة:
لا يمكن فهم عملية المعرفة الإنسانية إلا بالنظر إلى الإنسان ومكوناته، ذلك أن تضخيم أحد جوانبه على الجوانب الأخرى يؤدي إلى أخطاء في التصورات ناشئ عن انحراف الفهم.
ويعد تعريف ابن تيمية للإنسان مدخلًا للنظر إلى تفسير كيف تتم عملية المعرفة، لأن الاختلاف الأساسي في رأيه بين الفلاسفة والمتكلمين من ناحية والصوفية والفقهاء من ناحية أخرى يرجع إلى تجزئة القدرات الإنسانية وعدم التصور الصحيح للإنسان كما خلقه الله تعالى. ومن ثم فإن الإسلام جاء مخاطبًا الفطرة الإنسانية كما خلقها الله تعالى باعتبار أن الإنسان حي حساس متحرك بالإرادة - أو أنه علم وعمل، عقيدة وعبادة، معرفة وسلوك، فأثبت ابن تيمية أن الإسلام جاء موافقًا لهذه الثنائية في خلقه الإنسان، فيعلمه بكل ما هو حق ويأمره باتباع المعروف، ويلفت أنظاره إلى الآيات الكثيرة الدالة على وجود الله ﷿، وعلى حكمته وعدله ورحمته وقدرته وسائر الصفات والأسماء الكاملة له سبحانه، كما أنه لا يأمره إلاّ بالمعروف، ولا ينهاه إلا عن المنكر. ويهتم ابن تيمية ببيان الصلة التي ينبغي أن تكون بين العبد وربه حتى تستقيم الحياة ويسعد الإنسان فيقول: (أما النفس فإن لها قوة الإرادة مع الشعور وهما متلازمان، والنفس تتقوم بمرادها، وهو المعبود، والله سبحانه هو المقصود المعبود وحده لا بمجرد ما تشعر به) (١) .
ويستند ابن تيمية إلى النصوص يفسرها ويشرحها، فالإنسان قد سماه النبي - ﷺ - بقوله (أصدق الأسماء حارث وهمام) فهو دائمًا يهم ويعمل ولكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو يدفع مضرته. وينطبق ذلك الوصف على من صحت فطرته، فالفطرة السليمة تعرف الحق وتحبه وتطمئن إليه وتكذب بالباطل وتبغضه وتنكره، كما قال تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) [الأعراف، الآية: ١٥٧] (٢) .
_________________
(١) ابن تيمية: النبوات ص ٩٠ - ٩١.
(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٩.
[ ٢٢٣ ]
ولكن المشاهد في أحوال كثيرة أن من الناس من يعلم أن شيئًا يضره ومع ذلك يفعله، ويعلم أن شيئًا ينفعه ومع ذلك يتركه، فما تعليل ذلك؟
ويرى شيخ الإسلام أن ذلك عارض ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم آخر، فأصبح جاهلًا، حيث قدم هذا على ذلك ولهذا قال أبو العالية (متوفى ٩٠ هـ) (وهو من كبار التابعين) سألت أصحاب محمد - ﷺ - عن قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء، الآية: ١٧] (١) فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب من قبل الموت فقد تاب من قريب.
وإذا عدنا إلى مبدأ الثنائية في خلق الإنسان، وعرفنا حقيقة العداء بينه وبين الشيطان، استطعنا الوقوف على أسباب أخرى للمفاسد والمعاصي لأنّ مبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة من لمة الملك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من لمة الشيطان، وذلك تفسير قول الله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) [البقرة، الآية: ٢٦٨] وقال تعالى أيضًا: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) [آل عمران، الآية: ١٧٥] أي يخوفكم أولياؤه.
الأصل إذن أن الله تعالى خلق عباده على الفطرة التي إن تركت على سجيتها عرفت الحق وعملت به - لأنها جُلبت على الصحة في الإدراك وفي الحركة (٢) لذلك يأتي دور الرسل ﵈ بتكميل الفطرة الإنسانية لا بتغييرها. قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣] وهذا التطابق والتوافق بين آيات الله تعالى في الآفاق والأنفس يأتي متطابقًا مع الآيات القرآنية السمعية (لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول) .
ومما يساعد الإنسان في الوصول إلى معرفة الحق أن يهتدي بالطرق العقلية التي استخدمها القرآن الكريم والتوافق بين آيات الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس - أي
_________________
(١) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٩ - ٣٠.
(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٨٣ والنبوات ص ٣٠٣.
[ ٢٢٤ ]
العيانية والعقلية وكذلك السمعية.
وينقد ابن تيمية الفلاسفة القائلين بأن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح النفس لتستعد للعلم الإلهي وهي الحكمة النظرية في تعريفهم الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة أي الحكمة العملية.
ويظهر تميز ابن تيمية في نقده للمناطقة والفلاسفة عندما يربط في مناقشاته لهم بين العلم الإلهي عندهم وعند المسلمين - فالعلم بالله هو (العلم الأعلى) ويتحقق هذا العلم على الوجه الصحيح باكتمال ناحيته النظرية والعملية، ولا يقتصر الأمر على أن النفس تكمل بمجرد العلم به فقط كما زعموه، لأن النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله تعالى، وعبادته.
وبناء على هذا التفسير يسقط زعم الفلاسفة ويقصد ابن سينا خاصة - بأن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس، فيجعلون العبادات وسيلة محضة إلى ما يدعونه من العلم (ولهذا يرون ذلك ساقطًا عمن حصل المقصود، كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في الإلحاد أو بعضه، وانتسب إلى الصوفية، أو المتكلمين، أو الشيعة، أو غيرهم) (١) .
ويبدع ابن تيمية في تحليله لمكونات النفس الإنسانية واشتمالها على القوة العلمية والقوة الإرادية العملية لكي يعطي العبادات مكانتها الصحيحة ودورها الفعال في العلاقة بين الإنسان وربه، فإن عبادته - ﷾ - تجمع بين محبته والذل له.
تتميز إذن نظرية ابن تيمية بنظرة شمولية جامعة، فالنفس لها قوة نظرية علمية، وقوة إرادة عملية، وهي مفطورة على معرفة الله ﷿ كذلك تعرف المعروف وتنكر المنكر ويؤيدها الملك بالعلم الحق والإرادة الصالحة، بينما الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من هواتف الشيطان.
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ١٤٥.
[ ٢٢٥ ]
وإزاء هذا التصور للإنسان ومكوناته ودوافعه النفسية، لا تكفي المعرفة؛ لأنها تتصل فقط بالقوة النظرية العلمية، بل لكي يقف الإنسان على قدميه مقاومًا الأهواء وهواتف الشيطان ومعوقات سيره نحو الله - تعالى - لا بد له من عبادة الله وحده لا شريك له (والعبادة تجمع معرفته، ومحبته والعبودية له. وبهذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب الإلهية: كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له) (١) .
وبهذا يتبين انحراف قول الجهمية، بأن الإيمان مجرد معرفة الله ففصلوا بين علم النفس وبين إرادتها وجعلوا الكمال في نفس العلم وإن لم يصدقه قول ولا عمل، ولا اقترن مع الخشية، والمحبة، والتعظيم وغير ذلك من أصول الإيمان ولوازمه (٢) .
الهدى والبينات:
تحدثنا من قبل عن نقد ابن تيمية للمتكلمين لا سيما في ظنهم بأن الصحابة لم يكونوا أهل نظر، واستخدامهم لأساليب كلامية بدعية مخالفة لأساليب القرآن في النظر والاستدلال العقلي.
بينما استدل القرآن الحكيم بالهدى والبيان والأدلة والبراهين وهي تغني عن مناهج النظر التي أسسها أهل الكلام، فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البينات، ومن الممتنع أن يرسل الله رسولًا يأمر الناس بتصديقه ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه.
وقال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة: ١٥٩] .
ويفصل ابن تيمية المعاني القرآنية لكلمات البينات والهدى والفرقان كما يلي:
أ - فإن البينات جمع "بينة" وهي: الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها أي:
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) ويلحظ الباحث أن ابن تيمية يشتد في خصومته للجهمية ويحملهم مسؤولية الانحرافات كلها وأنهم أصل البلاء الذي حدث بتفرق المسلمين شيعًا وأحزابًا ويصفهم بقوله فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين، بل جعلهم غير واحد خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة، كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط (الرد على المنطقيين ص ١٤٦) .
[ ٢٢٦ ]
بديهيات، وأوليات وضروريات وكلها ألفاظ مترادفة تطلق منهجيًا على القواعد الأساسية للمعارف والعلوم، وبها يتبين غيرها، يقال: بين الأمر أي تبين في نفسه ويقال بين غيره، فالبين: اسم لما ظهر في نفسه ولما أظهر غيره، وكذلك المبين كقوله فاحشة مبينة أي: متبينة. ومقدمات الأدلة تكون معلومة بنفسها كالمقدمات الحسية والبديهية، وبها يتبين غيرها فيستدل على الخفي بالجلي والهدى أيضًا هو بيان ما ينتفع به الناس ويحتاجون إليه وهو ضد الضلالة، فالضال يضل عن مقصوده وطريق مقصوده وهو سبحانه عرفهم أن الله هو المقصود المعبود وحده وأنه لا يجوز عبادة غيره.
ويوضح الصلة بين البينات والهدى فيذكر أن البينات فيها بيان الأدلة والبراهين وعلى ذلك فليس ما يخبر به ويأمر به من الهدى قولًا مجردًا عن دليله ليؤخذ تقليدًا واتباعًا للظن، بل هو مبين بالآيات والبينات - وهي الأدلة اليقينية والبراهين القطعية.
ثم يخطو خطوة أخرى فيذكر أن الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان، ولهذا قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة، الآية: ١٨٥]، فالفرقان هو المفرق بين الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب والمأمور والمحظور والحلال والحرام، وأيضًا فإن الأدلة تشتبه كثيرًا بما يعارضها فلا بد من الفرق بين الدليل الدال على الحق وبين ما عارضه ليتبين أن الذي عارضه باطل، فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق لكن لا بد مع ذلك من الفرقان وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه (١) .
ويضرب الأمثلة على ما يقصده بالفرق بين الهدى والفرقان، فالهدى مثل أن يأمر بسلوك الطريق إلى الله كما يؤمر قاصد الحج بسلوك طريق مكة مع دليل يوصله، والبينات ما يدل ويبين أن ذلك هو الطريق وأن سالكه سالك للطريق لا ضال، والفرقان أن يفرق بين ذلك الطريق وغيره وبين الدليل الذي يسلكه ويدل الناس عليه وبين غيرهم ممن يدعي الدلالة وهو جاهل مضل. وهذا وأمثاله مما يبين
_________________
(١) ابن تيمية: النبوات، ص ١٦٢.
[ ٢٢٧ ]
أن في القرآن الأدلة الدالة للناس على تحقيق ما فيه من الأخبار والأوامر كثيرة (١) .
والله - سبحانه - أنزل في كتبه البينات والهدى، فمن تصور الشيء على وجهه فقد اهتدى إليه، ومن عرف دليل قبوله فقد عرف البينات، فالتصور الصحيح اهتداء وهو سبحانه - إذا ذكر الأنبياء - نبينا وغيره - ذكر أنه أرسلهم بالآيات البينات وهي الأدلة والبراهين البينة المعلومة علمًا يقينًا إذْ كان كلّ دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها قد تسمى بديهيات وقد تسمى ضروريات وقد تسمى أوليات، وقد يقال هي معلومة بأنفسها، فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات (٢) .
أيحتاج الناس بعد ذلك إلى أقيسة وأدلة المتكلمين والفلاسفة، إن الكتب المنزلة وآخرها القرآن الحكيم - كلها بذاتها - آيات بينة لأنها كلام الله تعالى أوحى به إلى أنبيائه ورسله، كذلك اتجه الوحي إلى مخاطبة الفطرة التي فطر الناس عليها، ومنها تمييزها الموازين العقلية بين الحق والباطل إذا حافظت على فطرتها ولم تنصت إلى هواتف الشيطان أو تجنح مع هوى النفس.
مواقفه إزاء القضايا الكلامية
الصفات الإلهية:
إن أهم المسائل التي أثارت الجدل بين ابن تيمية وخصومه المعاضرين هي صفات الله ﷾، فقد اختلفت أهم الفرق بين نفيها - كجهم بن صفوان والمعتزلة - أو الغلو في إثباتها فوقعوا في التشبيه والتجسيم - كالهشامية والكرامية وقلة من الحنابلة الذين يصفهم ابن تيمية بأنهم أتوا من المنكرات والإمام أحمد بريء منهم - أو اتخاذ الموقف الوسط كما فعل الأشاعرة الذين أثبتوا لله صفات سبعة هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وفرقوا بين صفات الذات وصفات الفعل، وعدوا صفات الفعل كالتنزيل والإتيان والخلق والرضى والغضب وغيرها من الحوادث التي ينبغي تنزيه الله عنها تبعًا للأصل (ما لا يخلو من الحوادث
_________________
(١) النبوات، ص ١٦٣.
(٢) نفس المصدر، ص ١٦٥.
[ ٢٢٨ ]
فهو حادث) .
وفي اعتراض ابن تيمية على المتكلمين، يرى أنهم أقاموا برهانهم على محاولة إثبات الصانع بإثبات حدوث الأجسام التي لا يثبت حدوثها إلا بحدوث ما يقوم بها من الصفات والأفعال فألجأهم هذا إلى نفي صفات الله تعالى وأفعاله القائمة به وظنوا بهذه المقدمة أنهم سيبطلون قول الدهرية، ولكن الدهرية - في رأي ابن تيمية - كانت حجتهم أقوى إذ قالوا: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟
ويستند منهج المتكلمين بعامة إلى قاعدة (ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) وإن كان معتقدهم أن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم، ومن قال: إنه جسم أراد أنه مركب من الأجزاء.
ولكن ابن تيمية يرى أن هذا الطريق طويل ويؤدي إلى الوقوع في الخطأ أما الطريق الصحيح فهو إثبات صفات الكمال لله ﷿، إذ يثبت له - تعالى - صفات الكمال المطلق ذاتًا وصفاتًا مستخدمًا قياس الأولى - أي إنه ما من صفة يثبت وجودها للمخلوق فإن إثباتها للخالق أولى، فضلًا عن ثبوت الصفات الإلهية بالسمع والعقل.
وقد جاء الأنبياء جميعًا بإثبات هذه الصفات - بالتفصيل - أي بإثبات مفصل ونفي مجمل كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] فعكس المتكلمون الآية وجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، والدليل وصف المعتزلة لله بأنه ليس كذا وليس كذا إلخ. ويستخلص ابن تيمية من مذاهب المتكلمين إلزامات يؤدي إليها السياق: فإن التوحيد عند المعتزلة - وهو في حقيقته نفي الصفات الإلهية - قول من أبطل الباطل عقلًا، لأنهم يسلمون بأن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم أن حيًا بلا حياة وعليمًا بلا علم وقديرًا بلا قدرة يعبر عن موقف معاند للعقل والشرع واللغة، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، لا غيره.
وكذلك الأمر بالنسبة للأشاعرة الذين أثبتوا صفات الذات وفروا من إثبات الأفعال، إذ لا يعقل أن يكون الموصوف حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا رحيمًا مريدًا بحياة قامت بغيره ولا بعلم وقدرة قامت بغيره، ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره والكلام بمشيئة المتكلم وقدرته أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته.
[ ٢٢٩ ]
وفي تناوله لصفة الكلام لمشيئة الكلام بالذات التي أثارت أشد ألوان الجدل بين السلف والمعتزلة والأشاعرة، فإن ابن تيمية يثبت أن السلف قالوا: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء لأن الكلام صفة كمال لا صفة نقص وإنما تكون صفة كمال إذا قام به لا يتصف بما هو بائن عنه، فبرهن على خطأ المعتزلة لقولهم بأن كلام الله مخلوق، واعتبر قول الأشاعرة بدعة، لأنهم ميزوا - تأثرًا بابن كلاب - بين الكلام النفسي وغيره.
وعلينا بعد هذا البيان، الانتقال لمعالجة واحدة من أهم القضايا التي أثارت الخصومات ضد شيخ الإسلام، وألبت الخصوم عليه ورمته بسببها بتهمة التجسيم، وذلك توطئة لمناقشة هذه التهمة وتفنيدها فيما بعد:
إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية:
يثبت علماء السنة والحديث ما يقوم بالله تعالى من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر كما يثبتون الأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها كالخلق والإحياء والإماتة والاستواء وغير ذلك من الأفعال.
ولا نزاع بين أهل السنة وغيرهم بطبيعة الحال أن أدلة السمع توافرت على إثبات هذه الصفات والأفعال، لكن الذين يخالفون دلالة السمع من المتكلمين يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، ويرون أن الدلالة العقلية القاطعة خالفتها.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية فى شرح القواعد التي يستند إليها في الدلالة العقلية القاطعة التي يشجب بها رأي الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم وينقد بها أيضًا المتكلمين سواء المعتزلة الذين نفوا الصفات ونفوا الأفعال بالتأويل.
قال شيخ الإسلام: معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، الإتيان، والمجيء، والنزول ونحو ذلك؛ بل الخلق، والإحياء والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان فعله مقتصرًا عليه أو متعديًا إلى غيره. والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى
[ ٢٣٠ ]
حتى يقوم بفاعله، إذ لا بد من الفاعل. وهذا معلوم سمعًا وعقلًا (١) .
واستعان ابن تيمية في شرحه ببعض قواعد اللغة العربية التي يقرها الكافة ويعرفونها، فإن أهل اللغة التي نزل بها القرآن متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) أو قال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة.
إذًا كلتا الجملتين فعلية، وكلتاهما فيه فعل وفاعل، الثانية امتازت بزيادة المفعول.
فإذا وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا في التفسير لتبين لنا التفسير الواضح لمثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد: ٤] إذ تضمن فعلين: أولهما متعد لمفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى) فعلًا متعلقًا بالفاعل، فقوله: (خَلَقَ) كذلك، بلا نزاع بين أهل العربية.
ويستكمل ابن تيمية الشرح من حيث الأدلة العقلية، فيوضح أن من جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له، كالاستواء والمجيء ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق، كالخلق والبعث والإماتة والإحياء. كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر.
وينبغي أن نقرر أيضًا تبعًا لما نشاهده في الكون من مخلوقات حادثة، أن علم المخلوقات بأفعال الله تعالى الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه الأفعال سبب حدوثها، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفًا بأنه يتكلم بما يشاء. فعال لما يشاء.
إذن يثبت بذلك خلق السموات والأرض بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم إلاّ بإثبات الأفعال الإلهية لا - كما يزعم نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل دل على نفيها فالعقل عند التحقيق يبطل النفي ويوافق الشرع، لأن نفي
_________________
(١) موافقة ج ٢ ص ٣.
[ ٢٣١ ]
الأفعال يؤدي إلى إنكار حدوث المخلوقات، بينما هي مشهورة مرئية لنا جميعًا، دالة بنفسها على خالق حكيم قدير.
كذلك بالنظر إلى أفعال الله تعالى، يمكننا وضع القضية في الصيغة المنطقية
الآتية:
إن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص، فالخالق أحق به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وزال الإشكال وهو المطلوب.
ألا يدعو إلى الدهشة بعد هذا البيان وصف الشيخ بالتجسيم وتلفيق التهم إليه؟!
ولكن إذا استرجعنا ترجمة حياته وعلمنا كثرة حساده وخصومه زالت دهشتنا. ونبادر الآن لنكمل عرض الطرق البرهانية القرآنية التي طرحها ابن تيمية بديلًا لطرق المتكلمين والفلاسفة، مع تفضيله لمنهج الأنبياء لأنه الأكمل، مبرهنًا أيضًا على صدق نبوة نبينا محمد - ﷺ -.
[ ٢٣٢ ]
ثانيًا: طرق البراهين القرآنية
١ - الميزان القرآني:
ويرى ابن تيمية أن القياس الصحيح هو الميزان المنزل من الله تعالى الذي يستدل به العقل، فإن من أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدًا، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: ١٧] وقال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: ٢٥] وفسر السلف الميزان بالعدل وفسره بعضهم بما يوزن به، وهما متلازمان وقد أخبر أنه أنزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ويبين أيضًا في موضع آخر أن القياس الصحيح هو من العدل الذي أنزله الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يختلف الكتاب والميزان، فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح - لا قياس شرعي ولا عقلي، ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح على خلاف القياس الفاسد (١) .
وبعد عرض مسهب مقارن للأقيسة المنطقية والميزان القرآني، يقرر ابن تيمية أن الله تعالى يبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (٢) وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١] وقوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٥، ٣٦] أي هذا حكم جائر، لا عادل فإن فيه تسوية بين مختلفين.
وقال ﷿: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص الآية: ٢٨] وقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص ٣١٧.
(٢) نفس المصدر ص ٣٨٣.
[ ٢٣٣ ]
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) [البقرة: ٢١٤] .
وإذا سأل سائل: إذا كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل؟ وهذا السؤال في غير موضعه لأن صاحبه يفترض أن العقل مباين للشرع، وأن ما يعلم بالعقل قسيمًا - أو مقابلا - للعلوم النبوية وبعبارة أخرى يجعل الأحكام العقلية منفصلة عن العلوم النبوية، فهذه نقلية سمعية وتلك عقلية برهانية.
والإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة إذا قرأنا القرآن، حيث يتبين منه أن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل خاطبت الناس بما يعرفونه، ودلت على ما يفهمونه بفطرتهم التي خلقهم الله بها، فليست العلوم النبوية إذن مقصورة على مجرد الخبر، كما يظنه أهل الكلام، بل الرسل - صلوات الله عليهم - بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علمًا وعملًا، وضربت الأمثال، وذلك يظهر دور الرسل الذين جاءوا بتكميل الفطرة وإصلاحها، فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه لأسباب الغفلة، وكذلك تصلح الفطرة وتعيدها إلى طبيعتها إذا قيست بالآراء والأهواء الفاسدة، ويكون دور الرسل أيضًا إزالة ذلك الفساد وتذكير البشر ما كانت فطرتهم معرضة عنه (١) .
وكانت طريقة السلف الصالح تتلخص في الاستدلال بالأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بما لا يقدر عليه المتكلمون بإتيانه، بل إن غاية ما يذكرونه قد جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي وصفها بقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) [سورة الروم: آية ٥٨] .
ولا يمل ابن تيمية من تكرار وإعادة القول: بأن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم هي الأقيسة العقلية، ويضيف إلى ذلك أنه يدخل فيها ما يسميه المناطقة براهين، وهو القياس المؤلف من المقدمات اليقينية، بل إن لفظ البرهان في اللغة أعم
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٣٨٢.
[ ٢٣٤ ]
من ذلك، سمى الله تعالى آيتي موسى ﵇ برهانين، فقال سبحانه: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) [سورة القصص: ٣٢] .
٢ - قياس الأولى: (على وزن الأعلى):
ولعل أهم نقد لشيخ الإسلام ابن تيمية للقياس الأرسططاليسي أن هذا القياس إذا استخدم في الاستدلال على (واجب الوجود) ﵎، لا يدل على ما يختص به، وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره؛ لأن قياس الشمول تستوي أفراده، والله تعالى ليس كمثله شيء.
ولا يجتمع سبحانه، هو وغيره، تحت كلٍّ تستوي أفراده، وقد جعلوا الوجود المطلق موضوع الفلسفة الأولى.
فإن وصفهم (للوجود) الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم هو الوجود المطلق الكلي، فإذا كان هذا هو (العلم الأعلى) عندهم، لم يكن العلم (الأعلى) عندهم علمًا بشيء موجود في الخارج، بل علمًا بأمر مشترك بين جميع الموجودات، وهو مسمى (الوجود)، وذلك كمسمى (الشيء)، و(الذات)، و(الحقيقة)، و(النفس) و(العين)، و(الماهية) ونحوها من المعاني العامة.
ويرى ابن تيمية أن العلم بهذا ليس هو علمًا بموجود في الخارج، لا بالخالق ولا بالمخلوق، وإنما هو علم بأمر مشترك كلي تشترك فيه الموجودات، لا يوجد إلا في
_________________
(١) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ص ١٤ وجاء (تفسير الجلالين) (أدخل يدك اليمنى بمعنى الكف في جيبك - وهو طريق القميص وإخراجها (تخرج) بخلاف ما كانت عليه من الأدمة (بيضاء من غير سوء: برص، فأدخلها وأخرجها، تُضئ كشعاع الشمس، تغشي البصر (.. فذانك) بالتشديد والتخفيف أي: العصا واليد. والآية كاملة: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [سورة القصص: ٣٢] . ويقول الأصفهاني: فالبرهان أوكد الدلالة وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا، لا محالة قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة البقرة: ١١١] (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) [سورة الأنبياء: ٢٤] (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [سورة النساء، آية: ١٧٤] المفردات في غريب القرآن ص ٤٥.
[ ٢٣٥ ]
الذهن (١) .
وهذا بخلاف (العلم الأعلى) عند المسلمين؛ فإنه العلم بالله - تعالى - الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه. والعلم به أصل لكل علم ولاختصاص الله - تعالى - بصفات الكمال بالإطلاق، فقد استعمل الأنبياء - ﵈ - في الاستدلال عليه - تعالى - قياس الأولى (على وزن الأعلى)، لإثبات أن كل ما ثبت لغيره من كمال فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.
والآيات الكثيرة في القرآن في هذا الصدد تستند إلى قياس الأولى. قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) [الروم: ٢٨] .
وقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [النحل: ٥٧ - ٦٠] .
ويستخدم القرآن الكريم أيضًا قياس الأولى في بيان إمكان المعاد:
(أ) فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم، كما أخبر عن قوم موسى بقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة الآية: ٥٥، ٥٦] .
وكما أخبر عن المسيح ﵇ أنه كان يحيي الموتى بإذن الله.
وبنفس الطريقة أخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا [الكهف: ٢٥] وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) [الكهف: ٢١] .
وقد ورد تفسير هذه الآية عن غير واحد من العلماء أن قضية البعث أثيرت في ذلك الزمان أيضًا فتنازع الناس حول حقيقته، هل هو بالأرواح فقط أم بالأرواح
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ١٣٠ - ١٣١.
[ ٢٣٦ ]
والأجساد؟ ولذلك أعثر الله تعالى هؤلاء على أهل الكهف، وعلموا أنهم بقوا نيامًا لا يأكلون ولا يشربون ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع هلالية، فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان (١) .
(ب) وتارة يستدل القرآن الحكيم على البعث بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: ٧٨ - ٧٩] وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧] .
(جـ) وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: ٨١] وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف: ٣٣] .
(د) وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٥٧] وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: ٩] .
ومن طرق الميزان القرآني: اللزوم والاعتبار:
نقد ابن تيمية كما تقدم القياس المنطقي الأرسططاليسي للوصول إلى إثبات أنه لا يفيد العلم، ولا يدعي شيخ الإسلام أن النقد نقده، ولكن يرجعه إلى نظار المسلمين فمع كثرة التعب، ليس فيه فائدة علمية بل كثيرًا ما يمكن علمه بدونه، ففيه تطويل كثير متعب فإنه متعب للأذهان مضيع للزمان، ويضرب مثالًا على ذلك
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٣١٨ - ٣٢٠.
[ ٢٣٧ ]
بمن يريد مثلًا الوصول إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل، ولكن إذا قيض له من يدور به طرقًا دائرية - ويسلك به مسالك منحرفة يتعب تعبًا كثيرًا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل. وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب، فيعتقد اعتقادات فاسدة. وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه، ولا هو استراح.
ويرى ويشارك ابن تيمية نظار المسلمين في وصف هذا القياس بأنه استعمال لطرق غير فطرية ويعذب النفوس بلا منفعة، كما أن القياس الأرسطي لا يفيد إلا بأمور كلية، لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، بل الأيسر والأبين العلم بالمعينات لا الكليات (١) .
هذا القياس الذي لا يتضمن إلا شكل الدليل وصورته لأن الكليات تقع في النفوس بعد معرفة الجزئيات المعينة، أي أن النظريات العلمية العامة لا يتوصل إليها إلا بعد معرفة الجزئيات في العلوم المختلفة والتوصل منها إلى استنباط القانون العام الذي ينتظمها جميعًا (ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة في الطب والحساب والطبيعيات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك) (٢) .
ويستنتج من ذلك أن قياس التمثيل أقوى وأكثر يقينًا من قياس الشمول لأنه بالأول يصل إلى المفردات المعينة للقضية الكلية، ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، أي قياس الطرد وقياس العكس، وهو ما استخدمه القرآن الكريم بهدف الاعتبار.
الاعتبار (٣):
ويمضي ابن تيمية في الاستشهاد بالآيات القرآنية الدالة على ذلك، فإن ما أمر
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٤٨ - ٢٥٢.
(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢. ص ١٥٥.
(٣) ومعنى الاعتبار (العبور) بالفكر في المخلوقات إلى قدرة الخالق، فيسبّح عند ذلك ويقدّس ويعظّم، وتصير حركاته باليدين والرجلين كلها لله تعالى، ولا يمشي فيما لا يعنيه ولا يفعل بيده شيئًا عبثًا، بل تكون حركاته وسكناته لله تعالى، فيثاب على ذلك في حركاته وسكناته وفي سائر أفعاله. (شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والثلاثون) من عادى لي وليًا
[ ٢٣٨ ]
الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٠٥] وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٢٣] فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل سببًا للعقوبة، وهذا قياس الطرد. كما يعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمكذبين والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: ١١١] وقال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) إلى قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [آل عمران: ١٣] (١) .
ولهذا المدلول يرى ابن تيمية أن كثرة الإشارة إلى قصة موسى - ﵇ - وفرعون في القرآن الكريم يرجع إلى الاعتبار في كل مرة تذكر فيها. إنه ينكر فكرة (التكرار) في القرآن. لأن المقصود من إعادة القصة في سور وآيات متعددة هو توضيح عبرة جديدة لم يشر إليها في موضع آخر من الكتاب.
ومن هنا فليس في القرآن تكرار أصلا.
أما أهمية قصة موسى وفرعون فترجع إلى أنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل فإن موسى ﵇ بلغ الغاية القصوى من الإيمان وكلمه الله سبحانه تكليمًا بلا حجاب، بينما كفر فرعون بالربوبية وبالرسالة، وكان موقفه أشد إنكارًا من باقي المخالفين للرسل لأن أكثرهم لا يجحدون وجود الله (وربما يقصد هنا أنهم يشركون) كذلك لم يكن للرسل من التكليم لرب العالمين.
فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتبارًا لأصل الإيمان ولأصل الكفر، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقص على - أمته عامة - عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال: (هذا فرعون هذه الأمة) (٢) .
_________________
(١) صون المنطق. ج ٢ ص ١٥٦.
(٢) فتاوى ابن تيمية: ج ١٢. ص ٩.
[ ٢٣٩ ]
اللزوم:
ويرى ابن تيمية أن الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو (اللزوم)، فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم بغير ذكر لفظ اللازم ولا تصور معنى هذا اللفظ لأن الإنسان بفطرته السوية يعرف أن كل شيء مصنوع لا بد له من صانع وكثيرًا ما يستخدم الناس أمثال هذه القضية بقولهم: (إن كذا لابد له من كذا أو إنه إذا كان كذا كان كذا) وبغير استخدام لفظ (اللزوم) فإن الصياغة نفسها تتضمن العلم باللزوم باعتباره حقيقة معتبرة.
كذلك الأمر في المخلوقات، فان كل ما في الوجود فهو آية لله تعالى، مفتقر إليه محتاج إليه، لا بد له منه، فيلزم من وجوده وجود الصانع.
والآية القرآنية الآتية واضحة الدلالة على معنى اللزوم قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: ٣٥] وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بسورة الطور قال فلما سمعت قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أحسست بفؤادي يتصدع.
ولا شك أن للآية تقسيمًا حاصرًا بين أمرين لا ثالث لهما، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع بالبداهة، أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلموا أن لهم خالقًا خلقهم، وهو ﷾.
ويمضى ابن تيمية في شرح الاستدلال العقلي في هذه الآية بقوله: (ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكاري ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية، بديهية، مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها. فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه) (١) .
النبوة:
استوعب ابن تيمية آراء السابقين عليه في موضوع النبوة والبرهنة عليها، وقد
_________________
(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٢٥٢، والسيوطي - صون المنطق ب ٢ ص ١٣٠ - ١٣١.
[ ٢٤٠ ]
تدخل في المواد التي قرأها فأضاف إليها وعدل بعضها، لأنه لم يوافق على ما كتبه الرازي - وهو أقرب المتكلمين إليه زمنًا.
ويقوم برهانه على إثبات النبوة بعامة ونبوة محمد ﷺ ومجيئه بالقرآن عند أهل الأرض وتواتر معجزاته وأخباره. ويستدل أيضًا على نبوته بنسبه المنتمي إلى سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته، وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا وهو من قريش صفوة بني إبراهيم.
وأيضًا يستند إلى سيرته وآياته وأخلاقه وشريعته من حين ولد إلى أن بعث ومن حيث بعث إلى أن مات وبتدبر نسبه وبلده وأصله.
فإذا قارن بين تواتر أخبار الفلاسفة وأخبار الأنبياء، رجح أخبار الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم لأن أنباءهم معلومة عند الناس من تواتر وجود أولئك فضلًا عن تواتر ما يخبرون به، ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم لظهور أمرهم عند الخاصة والعامة، فإن التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى قبله وبعده.
كما يفضلون من حيث أساليبهم في الإقناع والدعوة، فيأمرون البشر بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل الفلاسفة، فإن هذا الأسلوب كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. ويضرب مثلًا على النبي بالطبيب الذي يأمر مريضه بتناول الدواء المفضي إلى علاجه، فيسترد صحته إذا استمع لنصحه، ولكن الفيلسوف يتجه باهتمامه إلى الحديث عن أسباب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو سأله المريض عن الدواء الشافي لعجز عن الإجابة.
وقد يثار التساؤل حول من لم تبلغهم الرسالات السماوية، أو من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات الخالية من الأنبياء والرسل. وهنا، يختار من الأقوال أرجحها، وخلاصتها أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب، أما الحجة بالقرآن فقد قامت على من بلغه كما قال تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)
[ ٢٤١ ]
[الأنعام: ١٩] فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة فيما بلغه دون ما لم يبلغه.
كما تظهر وظيفة الأنبياء - أو دورهم، ومهامهم - في كونهم وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان ويكون.
وتفصح الآيات القرآنية عن الرسول بأنه لا يعلم الغيب وأنه ليس ملكًا يملك الخزائن، وإنما هو بشر لا يستغني عن المأكل والمشرب.
ولابن تيمية كتاب (النبوات) عالج فيه الموضوع باستفاضة، كما أشار في كتب كثيرة ربما أكثرها استفاضة (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إذ عرض فيه دلالة وبراهين نبوة محمد - ﷺ -، ومنها الأدلة العقلية التي استخدمها هرقل ملك الروم، إذ سأل أبا سفيان قبل إسلامه (كيف نسبه فيكم؟ قال هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قال: لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، قال فهل يغدر؟ قال: لا، قال فهل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه قال: فبماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة) .
ومن هذه الإجابات كلها تأكد هرقل من نبوة الرسول - ﷺ - وفسر إجابات أبي سفيان بالآتي (أن الرسل تبعث في أحساب قومها ولو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه والضعفاء هم أتباع الرسل، وأنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله) واستدل من عدم ارتداد أتباعه عن دينه بسبب الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وأنهم يزيدون - فكذلك الإيمان حتى يتم ومن الحرب الدائرة بينه وبين قومه وأنها سجال ينالون منه وينال منهم دلت على أن الرسل يبتلون ثم تكون لهم العاقبة إلى جانب أنه لا يغدر ولم يسبقه أحد قبله بقوله وكذلك أوامره بعبادة الله
[ ٢٤٢ ]
تعالى أي الصلاة والزكاة والعفاف.
قال هرقل في النهاية: (إن يكن ما تقول فيه حقًا إنه لنبي وكنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) (١) .
ونرى بعد ذلك استكمال الحديث عن معالم المنهج الذي عاش ابن تيمية من أجل توضيحه ولفت الأنظار إليه وحث المسلمين - خاصتهم وعامتهم - إلى اتباعه والاستضاءة به إذ إن العلاقة بين اجتهادات شيخ الإسلام وبين قضايا أصول الدين لم تنقطع بموته، فهي تمتد لكل الأعصار لأن محورها يتمثل في أهم قضية للإنسان يترتب عليها النتيجة الحاسمة في مصيره، أي قضية الإيمان بالله تعالى وعبادته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والملائكة وغيرها من كائنات عالم الغيب وحقائقه حيث لا تكتمل المعرفة الإنسانية الحقة إلا بعد الإحاطة بها مقترنة بالعبادة والاستسلام لله تعالى وحده.
ولهذا فإن دراسة اجتهادات شيخنا تصبح متجددة أبدًا لأنها تتصل بأهم ما ينبغي أن يشغل الإنسان إذا ما تطلع إلى مبدئه ومعاده وسبل تحقيق سعادته.
وكان من دواعي اطمئنان ابن تيمية ويقينه - بل تفاؤله رغم العوامل التي عاشها وكانت مثبطة للهمم - أن الإسلام يتميز بعناية الله تعالى وحفظه وظهوره إلى قيام الساعة، قال الشيخ: (وذلك أن الله ﵎ أكمل الدين بمحمد - ﷺ - خاتم النبيين، وبينه وبلغه البلاغ المبين، فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئًا من دينه، وإنما تحتاج إلى معرفة دينه الذي بعث به فقط، وأمته لا تجتمع على ضلالة، بل لا يزال في أمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأظهره بالحجة والبيان وأظهره باليد واللسان، ولا يزال في أمته أمة ظاهرة وهذا حتى تقوم الساعة) (٢) .
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ ١ ص ٩٣-٩٤ وجـ ٤ ص ٣١٦.
(٢) ابن تيمية - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ ١ ص ١٢٤، مطبعة المدني.
[ ٢٤٣ ]
وكل ما تحتاجه الأمة إذن، هو معرفة الدين بالمنهج الذي وضعه الله - تعالى - في كتابه وبالهدى النبوي الحق، وصحة المنهج ليست مرتبطة بعصر من العصور أو بمصر من الأمصار، بل صحته ثمرة أصوله ويقينية براهينه، وما على المسلمين إلا اتباعه.
وسننظر في الباب القادم، كيف وقف هذا المنهج شامخًا ثابتًا؛ لمواجهة التحديات حتى عصرنا الحاضر.
[ ٢٤٤ ]