المبحث الأول: الفلاسفة وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات
المطلب الأول: التعريف بهم
المطلب الأول: التعريف بهم.
"الفلاسفة، اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها.
وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.
وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين"١.
والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:
الأول الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.
الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.
فتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان (٢/ ٢٥٧) .
[ ٦٩ ]
فإيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق - أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة -، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة"١.
ويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.
فالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.
فالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات ويقولون بدلا من ذلك: "إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة وعالم ومعلوم وعلم"، وجعلوا كل ذلك أمورا عدمية.
ودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله وفساد هذا القول جلي واضح، فالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلا.
كما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة٢.
_________________
(١) ١ الرد على المنطقيين ص ١١٤. ٢ الرد على المنطقيين ص ٣١٤.
[ ٧٠ ]
ومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمد عليهم الصلاة والسلام، فضلا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح جلي في النقل والعقل.
أما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وكذا العقل أيضا شاهد بفساد هذا المعتقد فكيف يجهل الله أمورا سيرها بأمره وأجراها بقدره وأخبر عنها في كتابه.
ومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيارأكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم.
وهذا القول مردود بقول الله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [القصص: ٦٨]، ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يشبه فعله بفعل الجماد.
فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.
"وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نورانية، هي العقول عندهم، وهي مجردات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبر شيئا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تصف عند ربها، ولاتصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله
[ ٧١ ]
وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.
وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.
وأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب إليهم ممن ينتسب للمسلمين يقول: الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعاني، وتشكلت في نفسه بحيث توهم أصواتا تخاطبه، وربما قوي في الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه وربما قوي ذلك حتى يخيلها لبعض الحاضرين، فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج.
وأما الرسل والأنبياء فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبي:
أحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة.
الثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل في نفسه أشكالا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره.
الثالثة: قوة التأثير بالتصرف في هيولى العالم. وهذا يكون عنده بتجرد النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة.
وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب. ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهم. والنبوة عند هؤلاء صنعة من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هي سياسة العامة وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة.
[ ٧٢ ]
وأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات، وانتشار الكواكب وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وأوجد هذا العالم بعد عدمه.
فلا مبدأ عندهم، ولامعاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى.
فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء.
وحسبك جهلا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانا، وضلالا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول"١.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١- ٢٦٢) .
[ ٧٣ ]
المطلب الثانى: قولهم في توحيد الأسماء والصفات
الفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نعتا، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئا. ولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا عالما قادرا حيا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة. وفساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيها فساد، فهم ينفون جميع الأسماء والصفات، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة كالفارابي١، أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية قرمطية كابن سينا٢، وإخوان الصفا، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات، كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم من نفي أسماء الله الحسنى، كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول"٣.
فهؤلاء جميعا لا يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى. ويمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة
_________________
(١) ١ منهاج السنة (٢/ ٥٢٣، ٥٢٤) . ٢ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٧٦) . ٣ النبوات (ص ١٩٨) .
[ ٧٤ ]
وهي التي عليها طائفة من الفلاسفة١ كابن سينا وأمثاله.٢
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان٣، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات٤.
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة٥.
فهؤلاء هم غلاة الغلاة٦ لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم، ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/ ٧- ٨) . ٢ الصفدية (١/ ٢٩٩، ٣٥٠) . ٣ مجموع الفتاوى (٣/ ٧)، شرح الأصفهانية (ص ٥١، ٥٢) . ٤ مجموع الفتاوى (٣/ ٨) . ٥ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٧٦) . ٦ مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٠) .
[ ٧٥ ]
النقيضين، كلاهما من الممتنعات١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات"٢.
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللاأدرية
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه٣.
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/ ٧- ٨) . ٢ شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٧٦) . ٣ الصفدية (١/ ٩٦، ٩٨) .
[ ٧٦ ]
يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه وختامه١
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وبين القول الذي يسمعه موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] .
بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله"٢.
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني.
وأول مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر ويفتقر إليه وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده٣
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين
_________________
(١) ١ الفتوحات المكية (٤/ ١٤١) ط: دار صادر، بيروت. ٢ بغية المرتاد (ص ٣٤٩) . ٣ فصوص الحكم (١/ ٨٣) .
[ ٧٧ ]
الوجود والثبوت١ فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النفيضين مع سلب النقيضين٢.
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقا بلا ريب، لم ببق إلا ما سموه مظاهر ومجالي فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٣٩٧، ٣٩٨) . ٢ بغية المرتاد (ص ٤٠٨) .
[ ٧٨ ]
مع ما هم فيه من التعطيل والجحود١.
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا وإن قلت بالتشبيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا وكنت إماما في المعارف سيدا
فمن قال بالإشفاع كان مشركا ومن قال بالإفراد كان موحدا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه في عين الأمور مسرحا ومقيدا٢
خلاصة أقوال غلاة المعطلة:
كلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:
ا- الأصل الأول:
النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللاأدرية.
٢- الأصل الثاني:
أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية فى أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٤٧٣) . ٢ بغية المرتاد (ص ٥٢٧) .
[ ٧٩ ]
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولامباين له ومحايد، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
فكلام أولهم وآخرهم يدور على هذين الأصلين:
١- إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
٢- وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها. وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما١.
وهذا حالهم يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء "٣.
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٤١٠، ٤١١) . ٢ نقض تأسيس الجهمبة (٢/ ٤٦٧) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩) .
[ ٨٠ ]
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولامباين له ومحايد، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
فكلام أولهم وآخرهم يدور على هذين الأصلين:
١- إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
٢- وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها. وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما١.
وهذا حالهم يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء "٣.
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٤١٠، ٤١١) . ٢ نقض تأسيس الجهمبة (٢/ ٤٦٧) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩) .
[ ٨١ ]
المبحث الثاني: أهل الكلام وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات
المطلب الأول: التعريف بهم
المطلب الأول: التعريف بهم
وأما أهل الكلام فقد شاركوا الفلاسفة في بعض أصولهم، وأخذوا عنهم القواعد المنطقية والمناهج الكلامية، وتأثروا بها إلى درجة كبيرة. وسلكوا في تقرير مسائل الاعتقاد المسلك العقلاني على حد زعمهم، وهم وإن كانوا يخالفون الفلاسفة في قولهم: إن هذه الحقائق مجرد وهم وخيال، إلا أنهم شاركوهم في تشويه كثير من الحقائق الغيبية، فلا تجد في كتب أهل الكلام على اختلاف طوائفهم تقريرا لمسائل الاعتقاد كما جاءت بها النصوص الصحيحة، فبدل أن تسمع أو تقرأ قال الله أو قال رسوله ﷺ أو قال الصحابة، فإنك لا تجد في كتبهم إلا قال الفضلاء، قال العقلاء، قال الحكماء، ويعنون بهم فلاسفة اليونان من الوثنيين، فكيف جاز لهم ترك كلام الله وكلام رسوله ﷺ والأخذ بكلام من لا يعرف الله ولا يؤمن برسوله. والمطلع على كتب أهل الكلام يدرك عظم الضرر الذي جنته على الأمة المسلمة، إذ تسببت تلك الكتب في حجب الناس عن المعرفة الصحيحة لله ورسوله ولدينه، وجعل بدل ذلك مقالات التعطيل والتجهيل والتخييل. وأهل الكلام ليسوا صنفا واحدا بل هم عدة أصناف، وأشهرهم:
١- الجهمية، ٢- المعتزلة، ٣- الكلابية، ٤- الأشاعرة، ٥- الماتريدية. وهذه الأصناف الخمسة كل له قوله ورأيه بحسب الشبه العقلية التي استند إليها.
أولا: الجهمية، وهم أتباع جهم بن صفوان الذي أخذ عن الجعد بن درهم
[ ٨٥ ]
مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة١١، وقد نشر الجهم مقالة التعطيل وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المغالاة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه نظرا لما كان عليه من سلاطة اللسان وكثرة الجدال والمراء.
من أشهر معتقداتهم:
١- إنكارهم لجميع الأسماء والصفات كما سيأتي تفصيله.
٢- إنهم في باب الإيمان مرجئة، يقولون: إن الإيمان يكفي فيه مجرد المعرفة القلبية، وهذا شر أقوال المرجئة.
٣- إنهم في باب القدر جبرية، ينكرون قدرة العبد واختياره في فعله. ٤- ينكرون رؤية الخلق لله يوم القيامة.
٥- يقولون: إن القرآن مخلوق.
٦- يقولون بفناء الجنة والنار.
إلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة التي قال بها الجهمية.
ثانيا: المعتزلة، وهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي:
١- التوحيد، ٢- العدل، ٣- الوعد والوعيد، ٤- المنزلة بين المنزلتين، ٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والاعتزال في حقيقته يحمل خليطا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة يين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج والرافضة.
_________________
(١) ١ مختصر تاريخ دمشق (٥٠١٦)، والبداية (٣٥٠١٩) .
[ ٨٦ ]
فقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات فزعموا أن ذات الله لا تقوم به صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا: إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.
كما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.
كما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وانه إذا ذهب بعضه زال الإيمان. وبناء على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.
وأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أنهم شاركوا الروافض في الطعن في أصحاب النبي ﷺ، فقد كان من كلام واصل بن عطاء في أهل صفين قوله: " إن كليهما فاسق لا بعين" وقوله عن علي ومعاوية ﵄: (لو أن كليهما جاء عندي يشهد على حزمة بقل ما قبلت شهادتهما"، وأواخر المعتزلة كانوا أقرب إلى التشيع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة بذلك (يعني مسائل الصفات والقدر)، فأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك، فإنهم سار فيهم أن يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء إلى ما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى ونحوهم هو من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع إما تسوية علي
[ ٨٧ ]
بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانا المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر. وقدماء المعتزلة كعمرو بن عبيد وذويه كانوا منحرفين عن علي حتى كانوا يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها، لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه. فهذا الذي عليه متأخروا الشيعة والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم "١
كما أخذوا عن الشيعة الرافضة أكثر آرائهم الخاصة بالإمامة.
وعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم. وأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.
ثالثا: متكلمة الصفاتية (الكلابية- الأشاعرة- الماتريدية) .
١- الكلابية، وهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان٢ (ت ٢٤٣هـ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين: فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
_________________
(١) ١ نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤- ٥٥) .
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥) .
[ ٨٨ ]
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه راجع عن قوله١. فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن كان في طريقته نوع فن البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
وقد كانا له جهود في الرد على الجهمية٢ ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك٣ فأصبح بعد ذلك قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول"٤
فابن كلاب أحدث مذهبا جديدا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة " الصفاتية " التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية٥
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل (٢/١) ٢ مجموع الفتاوى (١٢/٣٦٦) . ٣ مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦) . ٤ مجموع الفتاوى (١٢/٣٦٦) ٥ مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٦) .
[ ٨٩ ]
وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقته هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي"١
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكئر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري٢
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئا فشيئا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فاكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه٣ ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في
_________________
(١) ١ منهاج السنة (٢/٣٢٧) ٢ مجموع الفتاوى (١٢/٢٥٢،٢٥٣) . ٣ مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٣) .
[ ٩٠ ]
كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه. ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة١
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخا والأسبق ظهورا في الأشعرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت٤٠٦هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول " ٢
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣هـ)، وفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.
٢- الأشعرية:
يعد أبو الحسن الأشعري امتدادا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠هـ- ٣٢٤هـ) كان معتزليا إلى سن الأربعين، حيث عاش في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٤٥١) ٢ الاستقامة (١/ ١٠٥) .
[ ٩١ ]
رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة لكنه وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته فنفى كمالا المعتزلة أن الله يتكلم بمضيئته وقدرته. كما نفى أيضا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.
وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطا يؤلف ويناظر ويلقي الدروس في الرد على المعتزلة سالكا هذه الطريقة.
ثم التقى بزكريا بن يحي الساجي فأخذ عنه ما أخذ من أصول أهل السنة والحديث١ (١)، وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها٢ ثم لما قدم بغداد أخذ من حنبلية بغداد أمورا أخرى وذلك بآخر أمره.
ولكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك٣
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦) تذكرة الحفاظ (٢/ ٧ ٠ ٩) ٢ العلو (ص ١٥٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧) . ٣ مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٤) .
[ ٩٢ ]
وقال عنه السجزي: " رجع في الفروع وثبت في الأصول"١ أي أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الأعراض وغيره٢
وقال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولا فاسدة صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقا "٣
وقال أيضا: " والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشأها ويختارها، وأمثال ذلك"٤ وقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية. " فالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع من التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة الصحابة"٥
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني
_________________
(١) ١ الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٨) ٢موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٣٦٧) ٣الاستقامة (١/ ٢١٢) . ٤درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧) . ٥المصدر السابق.
[ ٩٣ ]
وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء١ (١) . لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يطلون تأويلات النفاة٢ (٢) . وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضها يقر ببعضها، وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
_________________
(١) ١مجموع الفتاوى (٤ ١ ٤٧ ١، ٤٨ ١) ٢منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) .
[ ٩٤ ]
وابن الباقلاني أكثر إثباثا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين١
فما إن جاء أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها٢ وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي يين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل٣ ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري٤
ثم جاء بط بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأكد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي
_________________
(١) ١منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) . ٢مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصرى محمد. ٣مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة. ٤نشأة الأشعرية وتطررها (ص ٣٢٠) .
[ ٩٥ ]
على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس١ وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥هـ) وابن الخطب الرازي (ت ٦٠٦هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدا وانحرافا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضموما إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه الشفا، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك. وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) . وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما٢ والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث٣.
_________________
(١) ١بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف. ٢بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف. ٣مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥) .
[ ٩٦ ]
والأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد ومنها على سبيل المثال:
١- أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك وسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل. ٢- زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان. ٣- بناء على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نطر له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.
٤- وبناء- كذلك- على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الإتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.
٥- خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته وهذا سيأتي بيانه.
٦- خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.
٧- خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.
[ ٩٧ ]
٨- خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي.
إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.
٣- الماتريدية:
تعد الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لمابينهما من الائتلاف والاتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق منهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة والماتريدية بأن كلا من أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم١
ولعل هذا التوافق مع كونه يرجع إلى سبب رئيس هو توافق أفكار الفرقتين وقلة المسائل الخلافية بينهما خاصة مع الأشعرية المتأخرة، هناك أسباب مهمة يرجع إليها يجب اعتبارها وأخذها في الحسبان ولعل أهمها التزامن في نشأة الفرقتين مع كون كل فرقة استقلت بأماكن نفوذ لم تنازعها فيها الفرقة الأخرى. فالماتريدية انتصرت بين الأحناف الذين كانوا متواجدين في شرق العالم الإسلامي وشماله فقل أن تجد حنفيا على عقيدة الأشاعرة إلا ما ذكر من أن أبا جعفر السمناني- وهو حنفي- كان أشعريا.
بينما نجد الأشعرية قد انتصرت بين الشافعية والمالكية وهم اليوم يتواجدون في وسط وغرب وجنوب وجنوب شرق العالم الإسلامي، فجل الشافعية والمالكية على الأشعرية.
والماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد
_________________
(١) ١ مفتاح السعادة (٢/ ١٥١، ١٥٢) . تأليف: طاش كبرى زاده.
[ ٩٨ ]
الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣هـ) ١ كان معدودا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار٢ (٢)، وقد نهج منهجا كلاميا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما. وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها٣.
ومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عموما كانوا من أسبق الناس تأثرا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: "وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة"٤
فبشر بن غياث المريسي (٢٢٨هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٥هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علما من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه. فالماتريدي لا يبعد كثيرا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لدود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (١/ ٢٠٩) للدكتور شمس الدنى الأفغاني. ٢ العقيدة السلفية في كلام رب البرية (ص ٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف ٣ مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٣)، كتاب الإيمان (ص ٤ ١ ٤)، منهاج السنة (٢/ ٣٦٢) . ٤ الرد على الجهمية (ص ١٠٣- ١٠٥) .
[ ٩٩ ]
كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الاعتقادية شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعد امتدادا لمدرسة ابن كلاب التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرا يين أهل السنة والجماعة من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجا ثالثا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.
فالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كادت تغص بمختلف الطوائف والفرق١.
ولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.
_________________
(١) ١انظر أحسن التقاسيم للمقدسي (ص ٣٢٣) .
[ ١٠٠ ]
المطلب الثاني: مواقفهم من توحيد الأسماء والصفات
١- الجهمية:
أتباع الجهم بن صفوان وهم ينفون جميع الأسماء والصفات.
أما في أسماء الله ﷿ فقد عرف عن الجهم بن صفوان أنه له مسلكان: الأول: نفيه جميع الأسماء الحسنى عن الله ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا لا حيا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز"١
الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما "الخالق" و"القادر".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا "بالخالق" و"القادر" لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له"٢ وقال ﵀: "ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم والسميع، والبصير، بل يسميه قادرا خالقا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية"٣
وأما في صفات الله ﷿ فالجهمية ينفون جميع الصفات ولا يصفون الله إلا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٢/ ٣١١) . ٢ منهاج السنة (٢/ ٥٢٦، ٥٢٧)، الأنساب للسمعانى (٢/ ١٣٣) . ٣ درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٧)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٠) .
[ ١٠١ ]
بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان١ فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات٢
٢- المعتزلة ومن وافقهم:
ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وابن حزم وغيرهم وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات٣ وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق٤ فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسما ونفيها فعلا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/ ٧)، شرح الأصفهانية (ص ٥١، ٥٢) ٢مجموع الفتاوى (٣/ ٨) . ٣مجموع الفتاوى (١٣/ ١٣١) . ٤مجموع الفتاوى (٦/ ٥١) .
[ ١٠٢ ]
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته١
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها٢
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية٣ والإباضية. وابن تومرت٤ وابن حزم٥
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به٦
_________________
(١) ١ المعتزلة وأصولهم الخمسة (ص ١٠٠) . ٢ المصدر السابق (ص ١٠١) . ٣ لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية (ص ٦٨) . ٤ كان أبو عبد الله محمد بن ترمرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية (صر، ٢٣) . ٥ درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٤٩، ٢٥٥) . ٦ مجموع الفتاوى (٦/ ٤٧ ١، ٤٨ ١، ٣٥٩) .
[ ١٠٣ ]
٣- النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبا. وكان-يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادا بنفي البخل عنه، وأنه لم -يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء١
٤- الضرارية:
وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه"٢
فكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية كما قال البغدادي عنهم: "من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه"٣
وكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن٤
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤١- ٣٤٢)، وانظر الفرق يين الفرق (ص ٢٠٧)، والملل والنحل (١/ ٨٩، ٩٠) . ٢ مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٩) . ٣ الفرق يين الفرق (ص ٢١٥) . ٤ مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٥١، ٣٥٢) .
[ ١٠٤ ]
٥- الكلابية وقدماء الأشاعرة
ومن وافقهم (نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة) .
وهو قول الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي١ وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم٢
وهؤلاء يسمون الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافا للمعتزلة لكنهم لم يثبتوا لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته٣ وأصلهم الذي أضلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته٤ لا فعل ولا غير فعل٥
والفرق بينهم وبين المعتزلة: أن المعتزلة تقول: "لا تحله الأعراض
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الحارث المحاسبي يوافقه- أي يوافق ابن كلاب- ثم قيل إنه رجع عن موافقته؟ فإن أحمد ابن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث؟ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصرفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقرل إنه رجع عن قول ابن كلاب". مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢١، ١٥٢٢) ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ١ ١ ٤، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ٤٧ ١)، شرح الأصفهانية (ص ٧٨) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/٥٢٠) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤) . ٥ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٢)
[ ١٠٥ ]
والحوادث" فالمعتزلة لا يريدون (بالأعراض) الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون (بالحوادث)، المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك- مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجيزون أن يقوم به خلق) ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: (لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضا". ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته١
ففرقوا بين الأعراض- أي الصفات- والحوادث- أي الأمور المتعلقة بالمشيئة٢
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٦/٥٢٥، ٥٢١) ٢ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٥) . وتتميما للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال: قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث) . قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل. قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمر التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩) .
[ ١٠٦ ]
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله١، ويقولون: (لو قامت به لكان محلا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به٢
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف.
كقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥،، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات: ٥٨،، فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق إلى الله.
كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ الشمس: ١٣، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الحج: ٢٦،، وهذا القسم لا خلاف يين المسلمين في أنه مخلوق
والقسم الثالث: وهو محل الكلام هنا- ما فيه معنى الصفة والفعل. كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ النساء: ١٦٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ المائدة: ١١، وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب﴾ البقرة: ٩٥،.
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلايية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
_________________
(١) ١ الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى (٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠) . ٢ مجموع الفتاوى (٦ / ٦٩)، وانظر الرد على هذه الشبهة (٦/ ١٠٥)
[ ١٠٧ ]
١- إما قديما قائما به ٢- وإما مخلوقا منفصلا عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: (مسألة حلول الحوادث بذاته) ١ وذلك مثل صفات الكلام والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
١- إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي٢ وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره٣
٢- وإما أن يجعلوها من باب "النسب" و"الإضافة" المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع الخاطب فقط٤. فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به.
ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٤، ١٤٧) ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٢) . ٣ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٠) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩) . ٥ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١١، ٤١٢) .
[ ١٠٨ ]
٣- أو يجعلوها "أفعالا محضة" في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة١. مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري٢. وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا٣. ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء. ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض. وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأئمة الصحابة: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي بمر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من لا من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/ ٤١١، ٤١٢) . ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٧)، الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٧ ١ ٥) . ٣ مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦) . ٤ مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ٠٣٤ ١، ٠٣٦ ١) .
[ ١٠٩ ]
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها١.
٦- متأخرو الأشاعرة والماتريدية
(من يقول بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها) .
وهذا قول المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل ولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.
وهذه القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضا للسمع، بل ما جعله معارضا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات٢. فالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام٣، وزاد الباقلاني وإمام الحرمين
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧،١٤٨) ٢ درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧) . ٣ مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٨، ٣٥٩) .
[ ١١٠ ]
الجويني صفة ثامنة هي الإدراك١.
والصفات الثبوتية عند الماتريدية٢ هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين٣. وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها٤. وهؤلاء لا يجعلون السمع طريقا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان أ- منهم من نفاه ٢٠- ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه٥ وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها٦
_________________
(١) ١ تحفة المريد (ص ٧٦)، وبعض الأشاعرة توقف فيها والبعض نفاها ٢ انظر إشارات المرام (ص ١٠٧، ١١٤)، جامع المتون (١٢٠٨)، نظم الفرائد (ص ٢٤)، الماتريدية دراسة وتقويم (ص ٢٣٩) . ٣ أثبت الماتريدية صفة التكوين وعليه فهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وأما الأشاعرة فقد نفوها. انظر تحفة المريد (ص ٧٥) . ٤ الماتريدية دراسة وتقويم (ص ٢٣٩) . ٥ شرح الأصفهانية ص ٩، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٩) . ٦ تحفة المريد (ص ٩١) .
[ ١١١ ]