الجمِيلُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الجمال: الحُسْن، وقد جَمُلَ الرجلُ- بالضم- جَمالًا فهو جميل» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الجيم والميم واللام أصلان: أحدهما: تَجمُّعُ وَعِظَمُ الخَلق … أَجْمَلْتُ الشَّيْء، وهذه جملة الشيء، وَأَجْمَلْتُهُ: حَصَّلْتُهُ … والأصل الآخر: الجمال، وهو ضد القبح، ورجل جميل وَجُمَال» (^٢).
ورود اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الجميل) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الجميل) في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٦٦١).
(٢) مقاييس اللغة (١/ ٤٨١).
[ ٣ / ٣٠١ ]
ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١).
ثبوت اسم الله (الجميل) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الجميل) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «ومن أسمائه الحسنى الجميل» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (الجميل) في حقه تعالى:
قال ابن القيم -﵀-: «وجماله سُبْحَانَهُ على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة» (^٤).
يقول الشيخ السعدي -﵀-: «الجميل من له نعوت الحُسْن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).
(٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٤١٩).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
(٤) الفوائد (ص: ١٨٢).
(٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٨ - ١٨٠).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لَا … وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأَكْوَانِ
مِن بَعْضِ آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّها … أَوْلَى وَأَجْدَرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فجمالُهُ بالذَّاتِ والأَوْصَافِ والـ … أَفْعَالِ والأَسْمَاءِ بالبُرْهَانِ
لا شيءَ يُشْبِهُ ذاتَهُ وصفاتِهِ … سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي البُهْتَانِ (^١)
الآثارالمسلكية للإيمان باسم الله (الجميل):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجميل) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله -﷿- جميل يحب الجمال، تفرَّد سُبْحَانَهُ بالجمال الكامل، ووهب بعض الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، وأعطى الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، وأعطى سُبْحَانَهُ الجمال مع الجلال لبعض خلقه، لكنه سُبْحَانَهُ سلبهم دوام الحال، وتفرَّد الربُّ الجميل سُبْحَانَهُ بالجمال والجلال مع دوام الحال.
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٣).
[ ٣ / ٣٠٣ ]
يقول ابن القيم -﵀-: «مِن أعزِّ أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمُّهم معرفة: من عرفه بكماله وجلاله وجماله سُبْحَانَهُ، ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضتَ الخلقَ كلَّهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبتَ جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سُبْحَانَهُ؛ لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله: (لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) (^١)، ويكفي أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظنُّ بمن صَدَرَ عنه هذا الجمال.
ويكفي في جماله سُبْحَانَهُ: أن له العزة والقوة، والجود والإحسان، والعلم والفضل، ونور وجهه أشرقت له الظلمات، كما قال النبي -ﷺ- في دعائه: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢)، وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نَورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ) (^٣)، فهو سُبْحَانَهُ نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره» (^٤)، فلا يستطيع بشر
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٤٧٦٤)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٢٩٣٣).
(٣) أخرجه أبو داود في الزهد، رقم الحديث: (١٥٨)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (٨٨٨٦)، قال الهيثمي: فيه أبو عبد السلام، قال أبو حاتم: مجهول، ينظر: في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨).
(٤) الفوائد (ص: ١٨٢).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون- حينئذ- إلى شيء غيره (^١).
ومن مظاهر جماله سُبْحَانَهُ:
أنه جميل في ذاته سُبْحَانَهُ: «فلا يمكن لمخلوق أن يعبر عن بعض جمال ذات الله تَعَالَى، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذات والسرور، والأفراح التي لا يُقَدر قدرها إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودُّوا أن لو تدوم هذه الحال؛ ليكتسبوا مِن جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم، ونزوع إلى رؤية ربِّهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب.
أنه جميل في أسمائه سُبْحَانَهُ: فأسماؤه كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسِم إلى كمال وغيره.
أنه جميل في أوصافه سُبْحَانَهُ: فإن أوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات، وأعمها، وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود.
_________________
(١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ٤٢١).
[ ٣ / ٣٠٥ ]
أنه جميل في أفعاله سُبْحَانَهُ: فإنها دائرة بين أفعال البِر والإحسان- التي يُحمَد عليها، ويُثنى عليه ويُشكر- وبين أفعال العدل التي يُحمَد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث ولا سَفه، ولا سُدًى ولا ظلم، كلها خير وهدى، ورحمة ورشد، وعدل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناءً، كَمُلَتْ أفعاله كلها، فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع، وأتقن ما صنعه، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]، وأحسن ما خلَق ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال -ﷺ-: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١)، فسبحان الله، وتقدَّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًّا كبيرًا، وحَسْبُهم مقتًا وخسارًا أنهم حُرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (^٢).
وحري بمن عرف اسم الله الجميل، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده جمال عفوه وعافيته في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ١٧٨ - ١٨٠).
[ ٣ / ٣٠٦ ]
الأثر الثاني: أعظم النعيم رؤية الجميل -﷿- في الجنة:
اشتاقت قلوب العابدين والمحبين لرؤية وجه الله الجميل يوم القيامة، يقول الله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون» (^١).
ولذا كان -ﷺ- يكثر في دعائه من قول: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (^٢)، وفي الحديث الآخر قال -ﷺ-: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﵎-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -﷿-».
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٦٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٣٠١).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
يقول ابن القيم -﵀-:
أو ما سمعتَ سؤالَ أعرفِ خلقِهِ … بجلالِهِ المبعوثِ بالقرآنِ
شوقًا إليه ولَذَّةَ النظرِ التي … بجلالِ وجهِ الرَّبِّ ذي السلطانِ (^١)
فالشوقُ لَذَّةُ روحِهِ في هذه الـ … ـدُنْيَا ويومَ قيامةِ الأبدانِ
والله ما في هذِهِ الدُّنيا ألـ … ـذُ مِن اشتياقِ العبدِ للرحمنِ
ويقول- أيضًا -﵀-:
والله لولا رؤيةُ الرحمنِ في … الجناتِ ما طابَتْ لِذِي عرفانِ
أعلى النعيمِ نعيمُ رؤيةِ وجهِهِ … وخطابُهُ في جنةِ الحيوانِ (^٢)
فرؤية الله سُبْحَانَهُ هي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، ورؤية الله سُبْحَانَهُ إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.
_________________
(١) النونية (ص: ٣٤٥).
(٢) النونية (ص: ٣٤٥).
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وقد وردت أحاديث كثيرة في أعمال تورث رؤية الله -ﷻ-، منها:
١ - الإيمان بالله وتوحيده:
يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
٢ - الحرص على أداء الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها:
خصوصًا الفجر والعصر، فعن جرير بن عبد الله -﵁-، قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» (^١).
٣ - الابتعاد عن المعاصي والذنوب:
يقول -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٦).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
٤ - الدعاء:
يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وكان النبي -ﷺ- يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^١).
الأثر الثالث: محبة الجميل سُبْحَانَهُ:
المحبة لها داعيان: داعي الجمال والإجلال، والله جميل يحب الجمال، بل الجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يُحَب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يُرَى من جمال في خلق الله -﷿- هو من جماله سُبْحَانَهُ، فحقيق بمن هذا وصفُه أن يُحَب لذاته؛ فليس في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة كلها، حسنى كلها، طيبة كلها، خير كلها.
قال ابن القيم -﵀-: «والله سُبْحَانَهُ تعرَّفَ إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له؛ فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله له الكمال المطلق من كل وجه؛ الذي لا نقص فيه بوجه ما» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥) والنسائي، رقم الحديث: (١٢٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠٥).
(٢) روضة المحبين (ص: ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ٣ / ٣١٠ ]
يقول ابن القيم -﵀-: «… وأما جمال الذات وما هو عليه، فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تَعَرَّفَ بها إلى مَن أكرمه مِن عباده؛ فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله -ﷺ- فيما يحكي عنه-: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي …) (^١)، قال ابن عباس -﵁-: (حجب الذاتَ بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمالٍ حُجِبَ بأوصاف الكمالِ، وسُتِرَ بنعوت العظمة والجمال)» (^٢).
الأثر الرابع: الجمال الحقيقي جمال المخبر لا المظهر:
الله جميل يحب الجمال، والجمال الحقيقي هو جمال المخبر لا جمال المظهر، فالقلب هو محل نظر الرب، والسلامة منوطة به في قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨].
يقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في شرح حديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (^٣): «هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فالله -﷾- لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٠١٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، وهو عند مسلم بنحوه، رقم الحديث: (٢٦٢٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥١١٠).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).
[ ٣ / ٣١١ ]
ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدًا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذًا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدًا، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك، فاحمد الله عليه؛ لقوله -﵊-: (وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)، فالقلوب هي التي عليها المدار» (^١).
ولذلك أثنى الله سُبْحَانَهُ على الذين جاءوا من بعد الصحابة، في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، وهي أفضل صفة ذكرت فيهم، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (^٢).
الأثر الخامس: الله -﷿- هو واهب الجمال والحُسْن لمن يشاء:
من تأمل في مخلوقات الله، رأى فيها الجمال والحسن بالخلق والتصور، ومما ورد نصه في القرآن والسنة، ما يلي:
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (١/ ٦٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦).
[ ٣ / ٣١٢ ]
خلق الإنسان: فقد خلق الله تَعَالَى الإنسان في أحسن صورة وأجمل تقويم، وجعلهم متفاوتين في هذا الحُسن والجمال، وجمال الإنسان على ضربين: جمال مظهر، وجمال مخبر، جمال المظهر الخلق وهبه الله خلقه، وجعلهم متفاوتين فيه، وجمال المخبر الخلق خص به من عباده من شاء:
فأعطى يوسف شطر الحُسن، كما قال -ﷺ-: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ -ﷺ-، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ -ﷺ-، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ …» (^١)، ويقول تَعَالَى عن حال النسوة لما رأينه: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (^٢)، وأعطاه حسن الخلق والإحسان للخلق ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
وأعطي محمد -ﷺ- من جمال المظهر والمخبر حظًّا وافرًا،، فعن أنس بن مالك في وصف النبي -ﷺ-: «كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ …» (^٣)، وعن البراء بن عازب -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٢).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٤٧).
[ ٣ / ٣١٣ ]
أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» (^١).
وقد كان النبي -ﷺ- أحسنَ الناس أخلاقًا: سماحة وشجاعة، وحلمًا وكرمًا، ورحمة وشفقة، وصلة وبِرًّا، كما وصفته خديجة -﵂- بقولها: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (^٢)، وعن أنس -﵁- قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ» (^٣)، وقال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ …» (^٤)، وفي حديث عن عبد الله بن عمرو، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٥).
خلق السماء ومافيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «أي ولقد جمَّلنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، (وجمالًا)، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٤٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٠٩).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٢٠)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٠٧).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٩٩) ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢١).
(٦) تفسير السعدي (ص: ٨٧٥).
[ ٣ / ٣١٤ ]
خلق الأرض وما فيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فالله هو الذي زين الأرض وجمَّلها بأنواع الحدائق والبساتين والأشجار والأزهار والخضرة، ذات البهجة والحُسن والجمال، بحيث إن الناظر إليها يبتهج وتفرح نفسه بها، وينشرح صدره بسببها.
خلق الأنعام: وفي ذلك يقول تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، أي: «في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك» (^١).
ومن نظر في سائر الكون وما يحويه، رأى الإعجاز والجمال والإتقان في كل ما حوله، فتبارك الله وتَعَالَى أحسن الخالقين.
الأثر الخامس: ملازمة كل خلق جميل:
إن من أفاض الله عليه من صفة الجميل فتح له جمال المعاني، وحلاوة الإيمان، وحسَّن خَلْقَهُ وخُلُقَهُ، وزادت هيبته في بحر جماله، فلا يرضى العبدُ بقبيح الفعال وسوء الخصال؛ لئلا يخرج عن فيض الجمال، فيأنف العبد بطبعه وذكاء روحه كل قبيح، ولا يرضى أن يتدنس بحرام قط، أو بخلق ذميم.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٣٦).
[ ٣ / ٣١٥ ]
وبيَّن الله سُبْحَانَهُ في مواضع كثيرة أن جمال الظاهر لا يكفي، وأمر وأوصى نبيه -ﷺ- وأمته بالتجمل في الأقوال والأفعال في آيات عديدة:
فأمر تَعَالَى بالصبر الجميل في قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] أي: «اصبر على دعوتك لقومك صبرًا جميلًا، لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خيرًا كثيرًا» (^١).
وأمر تَعَالَى بالهجر الجميل في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] «أمره بالصبر على ما يقول فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا يصده عنه صادٌّ، ولا يرده رادٌّ، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن» (^٢)، وقيل: الهجر في ذات الله، كما قال -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وأمر سُبْحَانَهُ بالصفح الجميل، في قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقامُ
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٨٨٥).
(٢) المرجع السابق (ص: ٨٩٢).
[ ٣ / ٣١٦ ]
العقوبةَ، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة (^١).
أمر سُبْحَانَهُ بالسراح الجميل، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقال- في السورة نفسها-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] … أي: أن يفارقوهن فراقًا جميلًا من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك (^٢).
الأثر السادس: ملازمة كل قول جميل:
وبذلك تظهر جمال اللغة وجمال الأدب، وجمال هذا الدين العظيم، وأصل هذا الباب: قوله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضًا بغير التي هي أحسن، فَرُبَّ حربٍ وقودُهَا جثثٌ وهام، أهاجها القبيحُ من الكلام، وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي» (^٣)، و«خَبُثَتْ»، و«لَقِسَتْ»، و(غَثتْ) متقاربة المعنى؛ فَكَرِهَ رسولُ الله -ﷺ- لفظ (الخبث) لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٤٣٤).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٦٦٨).
(٣) أخرجه البخاري (٦١٧٩)، ومسلم (٢٢٥١).
[ ٣ / ٣١٧ ]
بمعناه تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحَسَن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال» (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «ومن محاسن الفراسة:
أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل: الخيزران؛ لموافقة اسم أمه (^٢).
ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده- وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: محاسنك يا أمير المؤمنين (^٣). وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ، وهو باب عظيم، اعتنى به الأكابر والعلماء.
وله شواهد كثيرة في السنة، وهو من خاصية العقل والفطنة، فقد رُوِّينَا عن عمر -﵁-: «أنه خرج يعس المدينة بالليل، فرأى نارًا موقدة في خباء، فوقف وقال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول: يا أهل النار» (^٤).
وسأل رجلًا عن شيء: «هل كان؟ قال: لا. أطال الله بقاءك، فقال: قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟» (^٥).
وسئل العباس: «أنت أكبر أم رسول الله -ﷺ-؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله» (^٦).
_________________
(١) الطرق الحكمية، لابن القيم (ص: ٤٠ - ٤١).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٣) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٤) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٥) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٦) المصدر السابق (ص ٤٠).
[ ٣ / ٣١٨ ]
وسئل عن ذلك قَبَاثُ بنُ أَشْيَمَ؟ فقال: «رسول الله -ﷺ- أكبر مني، وأنا أسن منه» (^١).
وكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة» (^٢).
ومن ألطف ما يحكى في ذلك: «أن بعض الخلفاء سأل رجلًا عن اسمه؟ فقال: سعد، يا أمير المؤمنين، فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بلع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك، فأعجبه ذلك» (^٣).
الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر:
الجميل يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شُكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها.
ولمحبته سُبْحَانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسًا وزينةً تُجمِّلُ ظواهرهم، وتقوى تُجَمِّلُ بواطنهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٠).
(٣) المصدر السابق (ص ٤٠).
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقال في أهل الجنة: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١١ - ١٢]، فهو سُبْحَانَهُ جمَّل وجوهَهُم بالنضرةِ، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.
قال أبو الدرداء -﵁-: «كنا مع رسول الله -ﷺ-، فقال لنا: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ؛ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ الله -﷿- لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «والله -﷿- يحب من عبده أن يجمِّل بدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ، والختان، وتقليم الأظفار إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (^٢)، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ -﷿- يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مكلَّف أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمِّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة، والبدع الضالة المضلَّة، فيكون قلبه موافقًا ظاهرَه؛ ولهذا جاء في الحديث: (وَآفَةُ الْجَمَالِ الْبَغْيُ) (^٤)، وكذلك لا يتعرض بجماله لمعصية
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٨٩٧)، واللفظ له، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٨٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٠٨٩).
(٢) الفوائد (١/ ١٨٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٢٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨١٩)، وقال: حديث حسن، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨١٩).
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٣٢٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٦٨٨)، حكم الألباني: موضوع، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث:) ١٣٠٢).
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ربه، وهذه الآفة ربما اعترضت نعمة الجمال، فعرضتها للزوال والنقص والاضمحلال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]» (^١).
والناس في التجمل الظاهر الذي هو الملبس والهيئة على ثلاثة أضرب، بعد اتفاقهم في الجمال الباطن:
فمنهم: من حسن ثوبه، وطيب ريحه، ورجل شعره، وادهن، واكتحل، واقتصد في ذلك كله، واحتسب على الله -﷿- ما وجد حلالًا واتسع له، استقامت قلوبهم على ذلك، وهذه طريقة الشاكرين، وقد دَرَجَ على ذلك الكثيرُ من الصحابة والتابعين.
ومنهم: من لَزم البذاذة والشَّعث، واحتمل التَّفَث في الهيئة، إلا ما أقام به السُّنة، وإن وجد الحلال واتسع له؛ زهدًا في التنعم، وإيثارًا لِشَظَف العيش، وهذه طريقة الخائفين والمحزونين، وقد درج على ذلك كثير من الصحابة والتابعين.
ومنهم: من يتقلَّب بين هذا وهذا، وجد الحلال والاتساع فيه؛ ليعمر إلى ربه الطريقتينِ، وتَسَلَّكَ في عبادته الجادتين، وهذه كانت سنة إمام المتقين وسيد المرسلين -ﷺ-، قد كان يلبس الحُلَّة الحمراء- وكان أحسن شيء فيها- والثوبَ ذا العَلَم تارة، ويلبس الرداء النجراني الغليظ الحاشية، والجبَّة الشامية، ويأكل اللحم، ويجوع مرة، ويشبع أخرى، ويرهن درعَه فيما يؤكَل في بيته، ومات- بأبي هو وأمي -ﷺ- في كساء مُلَبَّد، وإنما كانوا يراعون في ذلك كله قوامَ قلوبهم، فإذا استقامت قلوبهم لبسوا وأخذوا من ذلك
_________________
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص: ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ٣ / ٣٢١ ]
ما استقام عليه أمرهم، مما لا يشهرهم باتِّضاع ولا بارتفاع.
وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بثمانية دراهم يلبسها للجُمَع والأعياد، وكان كثيرًا ما يتطيَّب لقيام الليل ويَدَّهِنُ.
وعن نافع، أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا به في ثوب، فقال: «أَلَيْسَ لَكَ ثَوْبَانِ تَلْبَسُهُمَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ إِلَى وَرَاءِ الدَّارِ لَكُنْتَ لَابِسَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَمِ النَّاسُ؟ قَالَ نَافِعٌ: فَقُلْتُ: بَلِ اللهُ» (^١).
وقال عمر بن الخطاب -﵁-: «إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا» (^٢).
فهؤلاء ونظراؤهم- في أعصارهم والأعصار التي بعدهم- هم الذين علموا أن الجمال والتجمل هو الاستقامة فيما بينهم وبين ربهم عز جلاله، فعملوا لذلك وتركوا المذموم من زينة الدنيا وزخرفها، وتفاخرها وتكاثرها، سمعوا الله -﷿- يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم دل على حقيقة الزينة والحسن بقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق، رقم الحديث: (١٣٩٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥).
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧].
وقال -ﷺ-: «إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ» (^١)، جوابًا لمن قال له: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً»، فبين -ﷺ- أن مجرد فعل ذلك ومحبته لا يُدخل صاحبَه في الكبر المذموم.
يقول ابن القيم -﵀-: «إن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيُعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويُعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة، والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (^٢).
والجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ فإنه قد ثبت في الصحيحِ قوله -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الفوائد (ص: ١٨٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فأخبر -ﷺ- أن الله يحب التَّجمل في اللباس الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس مِن الكبر.
وفي الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (^١).
فعُلم أن من الفقراء من يكون مختالًا فلا يدخل الجنة، وأن من الأغنياء من يكون متجملًا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (^٢).
وعن جمال الصورة واللباس، يقول ابن القيم -﵀-: «وجمال الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع: منه: ما يُحمد، ومنه: ما يُذم، ومنه: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي -ﷺ- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا، والرياسة، والفخر، والخيلاء، والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد، وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وأما ما لا يُحمد ولا يُذم: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين» (^١).
الأثر الثامن: الرضا عن الجميل، وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال:
كلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عنه، وكلما قل علمه قل رضاه، فالعلم متعلق بالرضا؛ إذ الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، والرضا من لوازم القرب، والسخط من لوازم البعد، فالرضا بما يقدر الله -﷿- ويقضيه من صلب الإيمان، ومما يرقي العبد في درج الجنان؛ لأنه سُبْحَانَهُ لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا يثمر في قلب المؤمن الطمأنينة إلى جميع أقدار الله -﷿-، وحسن الظن بالله تَعَالَى، وذلك بعد الأخذ بالأسباب الشرعية لمدافعة ما يمكن مدافعته.
فمن آمن بجميل تولي الله لعبده أنزل الله على قلبه الرحمة، والسكينة التي تسعده ولو فقد كل شيء.
فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم جمِّلنا بالصبر الجميل، وَزَيِّنَّا بالخلق الحسن، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٦).
[ ٣ / ٣٢٥ ]
الحَيِيُّ السِّتِّير -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: معنى (الحيي):
قال الجوهري -﵀-: «الحياة: ضد الموت، والحى: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياى ومماتي، والجمع: المحايى …، وقال أبو زيد: حييت منه أحيا: استحييت» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل، أصلان: أحدهما: خلاف الموت، والآخر: الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حَيَا؛ لأن به حياة الأرض، قولهم: استحييت منه استحياء، وقال أبو زيد: حَيِيتُ منه أَحْيَا، إذا استحييتَ» (^٢).
ثانيًا: معنى الستير:
قال الجوهري -﵀-: «الستر: واحد الستور والأستار، والسترة: ما يستر به كائنًا ما كان والستر بالفتح: مصدر سترت الشئ أستره، إذا غطيته …» (^٣).
_________________
(١) الصحاح (٦/ ١٧٣).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٢).
(٣) الصحاح (٢/ ٢٣٩)
[ ٣ / ٣٢٦ ]
- قال ابن فارس -﵀-: «(سَتَرَ) السين والتاء والراء كلمة تدل على الغِطاء. تقول: سَتَرْتُ الشَّيء سترًا …» (^١).
ورود اسمي الله (الحيي الستير) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله الحيي في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله الحيي في القرآن الكريم.
ثانيًا: ورود اسم الله الستير في القرآن الكريم:
لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الستير) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الحيي الستير) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحيي) في السنة النبوية، ومن وروده:
عن يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ -﷿- حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^٢).
عن سلمان عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٣).
_________________
(١) مقاييس اللغة (٣/ ١٣٢).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٢١١)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٧).
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ورد اسم الله (الستير) في السنة النبوية، ومن وروده:
حديث يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ -﷿- حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^١).
ثبوت اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «حيي ستير، يحب أهل الحياء والستر» (^٢).
السعدي -﵀-: في قوله: «وهو الحيي الستير، يحب أهل الحياء والستر» (^٣).
معنى اسم الله (الحيي الستير) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الحيي:
قال ابن القيم -﵀-: «وأما حياء الرب تَعَالَى من عبده فذاك نوع آخر لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبِر وجود وجلال؛ فإنه: (حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي مِن عبدِهِ إذا رفعَ إليه يديه أنْ يردَّهما صفرًا) (^٤)» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٦).
(٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، (ص: ٢٣٦)
(٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٤)
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
قال الشيخ السعدي -﵀- عن اسمه سُبْحَانَهُ (الحيي): «هذا مأخوذ من قوله -ﷺ-: (إنَّ الله حييٌّ كريمٌ، يَستَحْيِي مِن عبدِهِ إذَا رَفَعَ إليهِ يديهِ أنْ يَردَّهُما صفْرًا) (^١)، وهذا من رحمته وكرمه وكماله وحلمه، أن العبد يجاهر بالمعصية مع فقره الشديد، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه، وفضيحته، وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيض له من أسباب الستر، ويعفو عنه، ويغفر له» (^٢).
قال الإمام ابن القيم -﵀- (^٣):
وهوَ الحَيِيُّ فليسَ يَفضحُ عبدَهُ … عندَ التَّجَاهُرِ منهُ بِالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليهِ سِتْرَهُ … فهوَ السَّتِيْرُ وصاحِبُ الغفرانِ
ثانيا: معنى اسم الله (الستير):
قال البيهقي -﵀-: «وقوله: ستير، يعني: أنه ساتر يستر على عباده كثيرًا، ولا يفضحهم في المشاهد، كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم» (^٤).
قال ابن الأثير -﵀-: «أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون» (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٤ - ٥٥).
(٣) النونية (ص ٢٠٤).
(٤) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ٢٢٣).
(٥) النهاية، لابن الاثير (٢/ ١٣٤).
[ ٣ / ٣٢٩ ]
قال القرطبي -﵀-: «فالله سُبْحَانَهُ ساتر ذنوب عباده بالتوبة الصادرة منهم، أو بعفوه وغَفْره لهم؛ تفضلًا منه عليهم» (^١)؛ بل ويستر سُبْحَانَهُ مَن ستر المسلمين؛ ففي الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- (^٣):
وَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ
عِنْدَ التَّجَاهُرَ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ
فَهْوَ السَّتِيْرُ، وَصَاحِبُ الْغُفْرَانِ
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحيي الستير):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحيي الستير) من صفات الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ هو الحيي الستير، حياء وسترًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فحياؤه وستره يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه سُبْحَانَهُ.
ومن مظاهر حياء الله وستره ما يلي:
حياؤه وستره سُبْحَانَهُ، مِن هتك ستر عبده المذنب في الخفاء وفضيحته، في الدنيا، قال النبي -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ:
_________________
(١) الأسنى، للقرطبي (١/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٤٢).
(٣) النونية (ص: ٢٠٧).
[ ٣ / ٣٣٠ ]
يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^١).
حياؤه وستره سُبْحَانَهُ، لا يقتصر على ستر عبده المذنب، بل إنه سُبْحَانَهُ مَن كمل غناه عن خلقه، إلا أنه يهيئ أسباب التوبة له، ويتوب عليه ويغفر له ذنوبه، يقول تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
حياؤه سُبْحَانَهُ من رد دعوة الداعي له، يقول -ﷺ- «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِىٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢).
حياؤه سُبْحَانَهُ من رد من أقبل على مجلس يذكر اسمه فيه، عن أبي واقد الليثي: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٣١ ]
ستره سُبْحَانَهُ، كما يكون في الدنيا فكذلك يكون في الآخرة، ففي حديث ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (^١)، وقال -ﷺ-: «لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).
فالله سُبْحَانَهُ كريم عفو غفور، حليم على عباده، يسترهم ولا يفضحهم، ويتحبب لهم بجزيل النعم مع كمال وتمام غناه سُبْحَانَهُ.
الأثر الثاني: توحيد الله باسمي الله الحيي الستير:
- دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الألوهية والربوبية:
من آمن باسمي الله الحيي والستير؛ غلب على قلبه استشعار كمال اطلاع الله على أعمال السر والعلن، وتذكر دوام إحسان الله إليه، وقلة شكره لربه، وعلم أن هناك يومًا ينتظره سيسأل فيه عما اقترف، من آمن بذلك كله علم أنه لا إله يستحق العبادة إلا الله سُبْحَانَهُ، وأخلص التوحيد لله تَعَالَى، وأحسن في العمل والحب والخضوع والتضرع لله تَعَالَى، واستحى أن يخالف أمره، أو يقترف ما نهى عنه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٠).
[ ٣ / ٣٣٢ ]
- دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الأسماء والصفات:
يقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في إثبات الحياء لله -﷿- كما يليق بجلاله: «هو حياء الكمال، يليق بالله -﷿- وقد قال النبي -ﷺ-: (إِنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيمٌ) (^١)، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، والله -﷾- يوصف بهذه الصفة، لكن ليس مثل المخلوقين؛ لأن الله -﷾- يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (^٢).
فالقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سُبْحَانَهُ، فتثبت من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أن لله علمًا ليس كعلم خلقه، وبصرًا ليس كأبصارهم، وسمعًا ليس كسمعهم، فكذلك له حياء وستر ليس كحيائهم وسترهم تَعَالَى وتقدس سُبْحَانَهُ، وعليه فلا يصح تأويل الحياء بالرحمة أو المغفرة أو غير ذلك.
ومن تأمل في هذين الاسمين، وجد فيهما معنى اسم الله العفو والغفور والرحيم والحليم والكريم، إلى غيره من أسماء الله تَعَالَى.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) شرح رياض الصالحين (ص: ١٦٥٧)
[ ٣ / ٣٣٣ ]
الأثر الثالث: الاقتداء بحياء صفوة البشر:
فمن تأمل في سير الأنبياء والمرسلين، وجدهم أشد الناس حياء من الله؛ وفي ذلك يقول -ﷺ-: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: التَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْحَيَاءُ» (^١)، وذلك لكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته، ثم يليهم الصحابة وأتباعهم من المؤمنين، ومن شواهد ذلك ما يلي:
- حياء أبينا آدم وأمِّنا حواء:
فحينما أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، بدت لهما سوءاتهما، فأسرعا يأخذان من أوراق الجنة ليسترا عوراتهما، فتحدث القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهذا يدل على أن الإنسان مفطور على الحياء، وأما قلة الحياء فهي منافية للفطرة، بل من اتِّباع الشَّيطان.
- حياء موسى -﵇-:
فكان -﵇- حييًّا ستيرًا يغتسل بناحية من قومه، ففي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ، إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ: وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى …» الحديث (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٠٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٨٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٧٦٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٩).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
- حياء محمد -ﷺ-:
فقد كان أشد الخلق حياءً من الله تَعَالَى، ففي حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» (^١).
- حياء عائشة -﵂-:
عن عائشة -﵂-، قالت: «كنت أدخل بيتي، الذي دُفِنَ فيه رسول الله -ﷺ- وأبي، فأضع ثوبي، فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي؛ حَيَاءً من عمر» (^٢).
- حياء فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-:
يقول ابن عباس -﵄-: «قَدْ مَرِضَتْ فَاطِمَةُ مَرَضًا شَدِيدً، فَقَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: أَلَا تَرَيْنَ إِلَى مَا بَلَغْتُ أُحْمَلُ عَلَى السَّرِيرِ ظَاهِرًا؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: أَلَا لَعَمْرِي، وَلَكِنْ أَصْنَعُ لَكِ نَعْشًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَتْ: فَأَرِينِيهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَتْ أَسْمَاءُ إِلَى جَرَائِدَ رَطْبَةٍ، فَقُطِعَتْ مِنَ الْأَسْوَافِ، وَجُعِلَتْ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا كَانَ النَّعْشُ، فَتَبَسَّمَتْ فَاطِمَةُ، وَمَا رَأَيْتُهَا مُتَبَسِّمَةً بَعْدَ أَبِيهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ حَمَلْنَاهَا وَدَفَنَّاهَا لَيْلًا» (^٣)، فكانت تستحي -﵂- من الظهور مجللة على سرير أمام الرجال في حال وفاتها!
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٠٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، واللفظ له.
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٦٦٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٧٧١).
(٣) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٤٧٩١).
[ ٣ / ٣٣٥ ]
- حياء المرأة مع نبي الله موسى -﵇-:
قال تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].
وقد أثنى الله على مشيتها، فقال: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشيةَ الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة، حين تلقى الرجال ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في غير ما تَبَذُّل ولا تبَرُّجٍ، يقول السعدي -﵀-: «وهذا يدل على كرم عنصرها، وخلقها الحسن؛ فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء» (^١)، وقد جاءته لِتُنْهِيَ إليه دعوةً في أقصَر لفظ، وأخصرِه، وأدلِّه، يحكيه القرآن بقوله: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].
- حياء المرأة التي تُصرَع:
عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس -﵄-: «أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَع، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (^٢).
حدثنا محمد، أخبرنا مخلد عن ابن جريج، أخبرني عطاء: «أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦١٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢).
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وحكي عن بعض السلف: «خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستَحِ منه على قدر قربه منك»، وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان (^١).
الأثر الرابع: محبة الحيي الستير:
الإيمان باسمي الله الحيي الستير يورث في القلب محبة الله، وذلك بما يقتضيه معناهما من الحلم، والكرم، والعفو، والحياء، والستر منه سُبْحَانَهُ على عباده، وحق لمن هذه صفاته أن يجرد له الحب كله، والإخلاص، والتعظيم، والحمد والثناء، واللهج بشكره والتقرب إليه بطاعته.
الأثر الخامس: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» (^٢):
فالله سُبْحَانَهُ يكره من عبده إذا ابتلي بمعصية أن يذيعها ويشهرها، بل يدعوه إلى أن يتوب إلى الله منها، وسترُ الله مسبولٌ عليه، وعليه أن لا يُظهِرَها لأحد من الناس.
وقد جاءت السُّنَّة بالنهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، فالمجاهر بالمعاصي لا يعافى منها أو من عقوبتها، يقول -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^٣).
_________________
(١) فتح الباري، لابن رجب (١/ ٩٦).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وفي معنى قوله -ﷺ-: «مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرينَ» قولان:
الأول: «مُعَافَى» بضم الميم وفتح الفاء، مقصورًا اسم مفعول من العافية، أي: يعفى عن ذنبهم، ولا يؤاخذون به «إِلَّا المُجَاهِرُينَ» بكسر الهاء إلا المعلنون بالفسق؛ لاستخفافهم بحق الله تَعَالَى ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد، فارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها؛ لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها.
ثانيًا: قال الطيبي -﵀-: والأظهر أن يقال المعنى: كل أمتي يتركون في الغيبة إلا المجاهرين، والعفو بمعنى الترك، ومعنى «مُعَافًى»، أي: يترك من ألسنة الناس، فلا يغتابونه (^١).
«سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يجوز لمن ارتكب ذنبًا وستر الله عليه أن يخبر به غيره؟ قال: لا يجوز لمن ارتكب ذنبًا، وتاب منه، أن يخبر به غيره؛ لأن هذا من كشف ستر الله -﷿-، وهو من خلاف العافية، وجاء في الحديث: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ)، وهم الذين يذنبون فيحدثون بما فعلوه، نعم لو كان الذنب له حد وعقوبة، وأراد الإنسان أن يخبر به ولي الأمر ليطهره من هذا الذنب، وهذه العقوبة، فهذا لا حرج فيه، وإن كان الأولى أن يتستر بستر الله، أما لو كان الذنب ليس هكذا فلا يجوز للإنسان أن يتحدث به أمام الناس؛ لما في ذلك من ظلم نفسه وفتح باب التهاون به عند غيره» (^٢).
_________________
(١) ينظر: شرح المشكاة، للطيبي، (١٠/ ٣١١٩)، وفتح الباري (١٠/ ٤٧٨).
(٢) فتاوى نور على الدرب، للعثيمين (٢٤/ ٢).
[ ٣ / ٣٣٨ ]
أما في الجمع بين هذا حديث: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ» (^١)، وحديث ثوبان -﵁-، قال -ﷺ-: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُم، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا» (^٢).
قال الشنقيطي -﵀-: «هناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله -﷿-، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، فهم في السر لا يرجون لله وقارًا، ولا يخافون من الله -﷾-، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر، وعنده الندم والحرقة ويتألم، فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله -﷿-؛ لأنه- في الأصل- معظِّم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته فينكسر لها، أما الآخر فيتسم بالوقاحة والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٥) حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٠٢٨).
[ ٣ / ٣٣٩ ]
من الناس من إذا خلا بالمعصية خلا بها جريئًا على الله، ومنهم من يخلو بالمعصية وهو تحت قهر الشهوة وسلطان الشهوة، ولو أنه أمعن النظر وتريث، ربما غلب إيمانُه شهوته وحال بينه وبين المعصية، لكن الشهوة أعمته، والشهوة قد تعمي وتصم، فلا يسمع نصيحة ولا يرعوي، فيهجم على المعصية فيستزله الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فإذا حصل الاستزلال من الشيطان، فزلت قدم العبد، لكن في قرارة قلبه الاعتراف بالمعصية، والله يعلم أنه لما وقع في المعصية أنه نادم، وأنه كاره لها، حتى إن بعضهم يفعل المعصية وهو في قرارة قلبه يتمنى أنه مات قبل أن يفعلها، فهذا معظم لله -﷿-، ولكنه لم يرزق من الإيمان ما يحول بينه وبين المعصية» (^١).
ولذا فعلى المؤمن أن يستتر بستر الله، وأن يجتنب الذنوب ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ عورته، ويصون عرضه، ويجتنب أبواب الرذائل ودروب الفساد، ويقبل على الله تائبًا منيبًا، داعيًا ربه بالستر والعفو والقبول، ومن هنا كان من أذكار الصباح والمساء الدعاء بالستر، فعن ابن عمر -﵁- قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^٢).
_________________
(١) شرح زاد المستقنع، للشنقيطي (٣٣٢/ ١٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (٢٧).
[ ٣ / ٣٤٠ ]
الأثر السادس: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة:
من آمن بأن الله سُبْحَانَهُ رحيم يحب الرحماء، وستير يحب من يستر على عباده، وعفو يحب من يعفو عنهم، ويجازي عباده بحسب هذه الصفات فيهم وجودًا وعدمًا، فمن سترهم سَتَرَه، ومن صفح عنهم صَفَحَ عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، فمن عامل خلقه بصفة عامله الله تَعَالَى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه (^١)، وجاء في الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢).
وليس من سمات المسلم أن يشهِّر بإخوانه، ويتتبَّع عثراتهم، ويتصيد أخطاءهم، ويفضح مستورهم، ويكشف مكنونهم، وكان -ﷺ- أعظم المتخلقين بهذا الخلق، والملتزمين بهذا الأدب، والأحاديث بذلك كثيرة، فقد جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا) (^٣).
_________________
(١) انظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم (ص: ٤٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٩٥).
[ ٣ / ٣٤١ ]
وجاء في الحديث: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ -أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ -) (^١).
وكان -ﷺ- في النصيحة العامة لا يذكر الناس بأعيانهم، بل يعمها بقوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ» (^٢) يفعلون كذا …
وما أحسن تبويب البخاري لمثل هذا الخبر بقوله: «بَابُ: مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ»! (^٣).
قال ابن بطال -﵀- معلقًا: «هذا العتاب وإن كان خطب به، فلم يعين من أراد به، ولا يقرعه من بين الناس، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم الكل ولا يقصد به أحدًا بعينه، فهو رفق بمن عنى به وستر له، كما أراد عمر بن الخطاب- حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة، وهو يخطب- من
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٥٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٥٠٤).
(٣) صحيح البخاري (٨/ ٢٦).
[ ٣ / ٣٤٢ ]
أجل الرجل الذي أحدث بين يديه؛ للستر له والرفق به، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له لو فعل ذلك» (^١).
وقد نهج الصحابة -﵃- وسلف الأمة العظماء هذا النهج الأكمل والخلق الأجمل، كما ذكر طرفًا من ذلك ابن بطال في نصه السالف، فهذا أبو بكر -﵁- يقول: «لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله -﷿-» (^٢).
وبلغ عمر بن الخطاب -﵁- أن أحد قوَّاده على جيش من الجيوش قال لمن معه: إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا فِيهَا نِسَاءٌ وَشَرَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا، فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُطَهِّرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «لَا أُمَّ لَكَ تَأْمُرُ قَوْمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْتِكُوا سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» (^٣).
وهذه أم المؤمنين عائشة -﵂-، تعبر عن معنى الستر تعبيرًا موجزًا رائعًا بديعًا يأخذ بالألباب، تقول: «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْجِزُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا أَذْنَبَتْ فَسَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَهُ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيَّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيَّرُ» (^٤).
ومن الستر على عباد الله: النهي عن تتبع عوراتهم، وتوعد -ﷺ- في ذلك، ففي الحديث: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا
_________________
(١) شرح ابن بطال لصحيح البخاري (٩/ ٢٨٦).
(٢) مكارم الأخلاق، للخرائطي، رقم الحديث: (٥٣٨).
(٣) أخرجه وكيع في الزهد، رقم الحديث: (٤٥٥)، وهناد في الزهد (٢/ ٦٤٦).
(٤) أخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده، رقم الحديث: (١٦٦٠).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (^١)، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فَمَنِ استتر بستر الله عليه، فلا يجوز فضحُهُ، وكشفُ سترِ الله عليه.
الأثر السابع: العناية بستر العورات:
أمر الله -﷿- بني آدم بستر العورات، وأخبر في كتابه أن كشفها من عمل الشيطان الذي ينزع عن الإنسان لباسه، فحذرنا الله منه، فقال تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وأكد رسول الله -ﷺ- على الاعتناء بالستر، والنهي عن التعري، فقال -ﷺ-: «وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» (^٢)، وقال -ﷺ-: «فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ قَوْمٌ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللهُ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٧٧٦) وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٨٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٧٩٨١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤١).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ) (^١)، قال السندي -﵀-: «أي: فاستر طاعة له وطلبًا لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد، فاستتر منه، إذ لا يمكن الاستتار منه جل ذكره وثناؤه، والله تَعَالَى أعلم» (^٢) وقال -ﷺ-: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (^٣).
الأثر الثامن: الحياء من الله -﷿- الحيي الستير:
فأعظم الحياء وأوجبه هو الحياء من الله سُبْحَانَهُ، الذي يمن بنعمة الليل والنهار، ويعلم تقصير عبده ويستره.
ويبيِّن النبي -ﷺ- معنى الحياء الحق في حديث ابن مسعود -﵁-، قال: قال -ﷺ-: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» (^٤).
قال ابن رجب -﵀-: «يدخل فيه: حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧٦٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٧٠٦).
(٢) فتح الودود في شرح سنن أبي داود (٤/ ٨٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦١٧٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٤)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣١١٢).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٢٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٨)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٦٠٨).
[ ٣ / ٣٤٥ ]
على ما حرَّم الله، ويتضمن- أيضًا- حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله -﷿-: اللسان والفرج» (^١).
وفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه الخلة العظيمة والمنزلة الكريمة.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا، اللهم اغفر ذنوبنا وزلاتنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص: ٤٦٤).
[ ٣ / ٣٤٦ ]
«حيي ستير، يحب الحياء والستر»
في موضوع الحياء سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: المقصود بالحياء:
قال الحافظ ابن حجر -﵀-: «الحياء خُلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة» (^٢).
ثانيًا: فضل الحياء:
ورد في فضل الحياء أدلة وشواهد كثيرة، منها:
أن الحياء علامة الإيمان، فعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الإيمانُ بِضْعٌ (^٣) وَسِتُّونَ شُعْبَةً (^٤)، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ» (^٥)، وعن عبد الله بن عمر -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٢).
(٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٥٧).
(٣) البضع: العدد من ثلاثة إلى تسعة.
(٤) الشعبة: الخصلة.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» (^١).
الحياء خُلق الإسلام، وكان أخصَّ أوصاف رسول الله -ﷺ-، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» (^٢)، ولقد ضرب رسول الله المثل الأعلى فيه، فقد كان أرقَّ الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة، وأعمقهم شعورًا بالواجب، ونفورًا من الحرام، وأشدهم حياء، وعن أبي سَعيد الخدري -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- أشد حياءً من العذارء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه» (^٣).
الحياء مفتاح كل خير، يقول النبي -ﷺ-: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (^٤)، يقول ابن القيم -﵀-: «الحياء أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه» (^٥).
الحياء مغلاق لكل شر، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (^٦).
قال المناوي -﵀- عن القاضي -﵀-: «معناه: أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين: أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٤٠).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٧).
(٥) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٩٦).
(٦) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٨٤).
[ ٣ / ٣٤٨ ]
بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل، وذلك أمر قد علم صوابه وظهر فضله واتفقت الشرائع والعقول على حسنه، وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل» (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «هو مِن أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهم الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء» (^٢).
من أعظم أسباب دخول الجنة، ففي الحديث الصحيح: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» (^٣).
ذهاب الحياء أمارة النفاق؛ فعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» (^٤).
الدين كله قائم على الحياء، عن قرة بن إياس -﵁-، قال: «كنا مع النبي -ﷺ- فذُكر عنده الحياء، فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله -ﷺ-: بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ، ثم قال رسول الله
_________________
(١) فيض القدير (١/ ٤٣).
(٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٦٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٩٩).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٧٤٣)، واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٢٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢٠١).
[ ٣ / ٣٤٩ ]
-ﷺ-: إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَفَافَ وَالْعِيَّ، عِيَّ اللِّسَانِ لا عِيَّ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ، مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ وَيُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الشُّحَّ وَالْفُحْشَ وَالْبَذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ، وَمَا يُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» (^١).
الحياء من مفاتيح الزينة والبهاء، يقول -ﷺ-: «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ» (^٢).
ثالثًا: أقسام الحياء:
قسَّم العلماء الحياء باعتبارات مختلفة، قسموه باعتبار أصله، وباعتبار نوعه، وباعتبار المستَحَى منه.
أولًا: تقسيم الحياء من حيث الأصل إلى قسمين:
حياء فطري غريزي، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يمنحها الله للعبد، ويجبله عليها، ومن هذا الحياء: حياء البكر التي جعل النبيُّ -ﷺ- إذنَها صَمْتَهَا، وفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْض، وَكَانَ مُوسَى
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٣١٣)، وأبو نعيم في الحلية، (٣/ ١٢٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٣)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٥٣٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٨٦)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٠١).
[ ٣ / ٣٥٠ ]
-﵇- يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ، ونزل قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]» (^١).
حياء مكتسب، ويكتسب الإنسان الحياء بقدر معرفته بالله، وقربه منه، وإيمانه باطلاع الله على خائنة العين وما يخفي الصدر، وحُكي عن بعض السلف: «خَفِ اللَّهَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ فِي قُرْبِهِ مِنْكَ» (^٢).
ثانيًا: تقسيم الحياء من حيث النوع:
قسمه ابن القيم -﵀- إلى عشرة أقسام:
حياء الجناية: فمنه حياء آدم -﵇- لما فرَّ هاربًا في الجنة، قال الله تَعَالَى: «يَا آدَمُ فِرَارًا مِنِّي؟ قَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ سَيِّدِي» (^٣).
٢ - حياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٩).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف، رقم الحديث: (٢٣).
(٣) أخرجه ابن ابي الدنيا في الرقة والبكاء، رقم الحديث: (٣٢٨).
[ ٣ / ٣٥١ ]
٣ - حياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفته بربه يكون حياؤه منه.
٤ - حياء الكرم: كحياء النبي -ﷺ- من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا الجلوس عنده، فقام واستحى أن يقول لهم: انصرفوا (^١).
٥ - حياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب -﵁- أن يسأل رسول الله -ﷺ- عن المذي؛ لمكان ابنته منه (^٢).
٦ - حياء الاستحقار، واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه -﷿- حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه، واستصغارًا لها، وقد يكون لهذا النوع سببان:
أحدهما: استحقار السائل نفسه، واستعظام ذنوبه وخطاياه.
الثاني: استعظام مسئوله، وهو المولى -﷿-.
٧ - حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه ولا يُدْرَى ما سببه.
٨ - حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدرَه أعلى وأجلُّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
٩ - حياء الشرف والعزة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان، فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥١٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤٢٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠٣).
[ ٣ / ٣٥٢ ]
١٠ - حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر (^١).
ثالثًا: تقسيم الحياء باعتبار المستحيَى منه:
١ - الحياء من الله:
إن أعظم أنواع الحياء على الإطلاق وأرفعها وأجلها: هو الحياء من الله تَعَالَى، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
والحياء من الله يكون باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، قال رسول الله -ﷺ-: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ -﷿-، كَمَا تَسْتَحْيِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ» (^٢) وهذا الحياء يسمى حياء العبودية الذي يصل بصاحبه إلى أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان الذي يُحس فيها العبد دائمًا بنظر الله إليه، وأنه يراه في كل حركاته وسكناته، فيتزين لربه بالطاعات، وهذا الحياء يجعله دائمًا يشعر بأن عبوديته قاصرة حقيرة أمام ربه؛ لأنه يعلم أن قدر ربه أعلى وأجلُّ.
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٢) أخرجه أحمد في الزهد، رقم الحديث: (٢٤٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٥٣٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٥٤١).
[ ٣ / ٣٥٣ ]
ومن أنواع الحياء من الله: الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق؛ كالتعري، كما في حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا، وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (^١).
ولذلك عقد الإمام البخاري -﵀- بابًا سماه: «بَابٌ: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ» (^٢).
٢ - الحياء من الملائكة:
من المعلوم أن الله قد جعل فينا ملائكةً يتعاقبون علينا بالليل والنهار … وهناك ملائكة يصاحبون أهل الطاعات مثل: الخارج في طلب العلم، والمجتمعين على مجالس الذكر، والزائر للمريض، وملائكة لا يفارقوننا، وهم الحفظة والكتبة.
قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الأنفطار: ١٠ - ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨].
والحياء من الملائكة يكون بالبعد عن المعاصي والقبائح وإكرامهم عن مجالس الخنا، وأقوال السوء، والأفعال المذمومة المستقبحة، قال
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧٦٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٩٢٠)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣١١٧).
(٢) صحيح البخاري، (١/ ٦٤).
[ ٣ / ٣٥٤ ]
-ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» (^١).
٣ - الحياء من الناس:
وهذا النوع من الحياء هو أساس مكارم الأخلاق، ومنبع كل فضيلة؛ لأنه يترتب عليه القول الطيب، والفعل الحسن، وكل خلق حسن، والحياء من الناس قسمان:
قسم صاحبه يستحي من الناس؛ بأن لا يأتي هذا المنكر والفعل القبيح؛ خوفًا من الله تَعَالَى أولًا، ثم اتقاءَ ملامة الناس وذمهم ثانيًا، فهذا يأخذ أجر حيائه كاملًا؛ لأنه استكمل الحياء من جميع جهاته؛ إذ ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين والشرع ويذمه عليها الخَلق.
قسم يترك القبائح والرذائل حياءً من الناس، وإذا خلا من الناس لا يتحرَّج من فعلها، وهذا النوع من الناس عنده حياء، ولكنه حياء ناقص ضعيف، يحتاج إلى علاج وتذكير بعظمة ربه وجلاله، وأنه أحقُّ أن يُستحيا منه؛ لأنه القادر المطَّلع الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكيف يليق به أن يأكل من رزقه ويعصيه، ويعيش في أرضه وملكوته ولا يطيعه، ويستعمل عطاياه فيما لا يرضيه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٠٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٩٤).
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وعلى ذلك فإن هذا العبد لا يليق به أن يستحي من الناس الذين لا يملكون له ضرًّا ولا نفعًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم لا يستحي من الله الرقيب عليه، المتفضل عليه، الذي ليس له غناء عنه.
أما الذي يجاهر بالمعاصي، ولا يستحي من الله، ولا من الناس؛ فهذا من شر ما مُنِيَتْ به الفضيلة، وانتُهكت به العفة؛ لأن المعاصي داء سريع الانتقال، لا يلبث أن يسري في النفوس الضعيفة، فيعم شر معصية المجاهر ويتفاقم خطبها، فشره على نفسه وعلى الناس عظيم، وخطره على الفضائل كبير.
٤ - الحياء من النفس:
وهو حياء النفوس العزيزة من أن ترضى لنفسها بالنقص أو تقنع بالدون.
ويكون هذا الحياء بالعفة، وصيانة الخلوات، وحسن السريرة، فيجد العبد المؤمن نفسه تستحي من نفسه، حتى كأنَّ له نَفْسَينِ تستحي إحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدرُ.
فكما أن هناك نفسًا أمارة بالسوء تأمر صاحبها بالقبائح، قال تَعَالَى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، فهناك النفس الأخرى الأمارة بالخير، الناهية عن القبائح وهي النفس المطمئنة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وليس من الحياء الإخلال بالحقوق والواجبات الشرعية، ومن فعل الخير والدعوة إلى الله وطلب العلم والتفقه في الدين، فلا يصح الحياء في طلب العلم ولا في السؤال عما يشكل على المؤمن في أمر دينه خاصة.
وقد كانت أم سليم -﵂- تسأل رسول الله -ﷺ- في مسائل دقيقة من أحكام النساء وتستفتح سؤالها بقولها: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ» (^١)، وفي ذلك يقول مجاهد أيضًا: «لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ» (^٢)، وقالت عائشة -﵂-: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (^٣).
رابعًا: تحقيق مرتبة الحياء من الله تَعَالَى:
لا بد للعبد- ليكون من أهل الحياء- أن يستحضر عدة أمور، ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:
الدعاء: وهو سلاح المؤمن، فيلجأ إلى ربه؛ ليرزقه الحياء، ويصرف عنه سيء الأخلاق، وقد كان النبي -ﷺ- يقول في دعاء الاستفتاح: «وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» (^٤)، وكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (٣١٣).
(٢) صحيح البخاري، (١/ ٣٨).
(٣) صحيح البخاري، (١/ ٣٨).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
[ ٣ / ٣٥٧ ]
الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ» (^١)، ولا ريب أن الحياء من الأخلاق الحسنة.
مراقبة الله تَعَالَى في السر والعلن: ومن ثمَّ فيقوى الإيمان في القلب بزيادة الطاعات واجتناب المنكرات، وقال ابن القيم -﵀- عن الله -﷿-: «فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع- وكان حيًّا حَيِيًّا- استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه» (^٢).
العلم بالله -﷿-: وذلك من خلال التفقه في أسمائه وصفاته التي تستوجب مراقبته كالرقيب والشهيد والعليم والسميع والبصير …
معرفة أهمية الخلق في الإسلام، والتأمل في الآثار المترتبة عليها: ومن ذلك الحياء خاصة، والأخلاق الحسنة بعامة؛ فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من دواعي فعلها، وتمثلها، والسعي إليها.
الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بشيء مما يُسيء الأخلاق، وحاول التخلص منه فلم يفلح أيس من إصلاح نفسه، وترك المجاهدة، وهذا الأمر لا يَحْسُن بالمؤمن القوي، بل ينبغي عليه أن يقوي إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجُدَّ في تلافي عيوبه.
مخالطة الصالحين، والتخلق بأخلاقهم: قال مجاهد -﵀-: «إنَّ المسلم لو لم يُصبْ من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه»، والمرء فطرةً مولعٌ بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فمجالس
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٦٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٤٧١).
(٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢٧٠).
[ ٣ / ٣٥٨ ]
الأخيار تقوي الحياء المكتسب وتنميه، أما مجالسة الأرذال، فإنها تحول بين العبد وبين اكتساب الحياء.
مطالعة سير أهل الفضل والحلم، والنظر في تراجمهم عامةً مما يُحرك العزيمة على اكتساب المعالي، ومكارم الأخلاق؛ ذلك أنَّ حياتهم توحي إلى القارئ بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
فاللهم إنا نسألك أن ترزقنا مِن خشيتك والحياء منك، ما يحول بيينا وبين معصيتك!
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الرفيقُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الرفق: ضد العنف، وقد رفق به يرفق، وحكى أبو زيد: رفقت به وأرفقته بمعنى، وكذلك ترفقت به، ويقال أيضًا: أرفقته، أي نفعته» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الراء والفاء والقاف أصل واحد يدل على موافقة مقاربة بلا عنف، فالرفق: خلاف العنف؛ يقال: رفقت أرفق، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ (^٢)» (^٣).
ورود اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عائشة -﵂- قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا
_________________
(١) الصحاح في اللغة (٤/ ١٦٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).
(٣) مقاييس اللغة (٢/ ٤١٨).
[ ٣ / ٣٦٠ ]
عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^١).
وعن عبد الله بن مغفل -﵁-: قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» (^٢).
ثبوت اسم الله (الرفيق) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الرفيق) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن، الرفيق، فإنه رفيق يحب الرفق» (^٣).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٤).
معنى اسم الله (الرفيق):
قال الخطابي -﵀-: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (^٥)، أي: «ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الفوت، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس يعجل فيها» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٢٧)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٢/ ٢٧٠).
(٤) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) النهج الأسمى، للنجدي (٣/ ١٠).
[ ٣ / ٣٦١ ]
قال الزرقاني -﵀-: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (^١)، أي: لطيف بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيكلفهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم ويلطف بهم» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فالله تَعَالَى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومَن تدبَّر المخلوقات وتدبَّر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء، شاهَدَ من ذلك العجبَ العجيبَ» (^٣).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَهُوَ الرَّفِيْقُ يُحِبُّ أَهْلَ الرِّفْقِ يُعْـ … ـطِيهِمُ بِالرِّفْقِ فَوْقَ أَمَانِ (^٤)
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرفيق):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرفيق) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الرفيق سُبْحَانَهُ هو اللطيف بعباده، القريب منهم، يغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم، وهو الذي تكفل بهم من غير عوض أو حاجة، يسَّر أسبابهم، وقدَّر أرزاقهم، وهداهم لما يصلحهم، فنعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) شرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٦٢٤).
(٣) الحق الواضح المبين (ص: ٦٣).
(٤) النونية، لابن القيم (ص: ٢٠٨).
[ ٣ / ٣٦٢ ]
يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم، ويقربهم وينصرهم على عدوهم، ويعاملهم بلطف وعطف ورحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التفكر والتذكر والتوبة والإيمان، فهو الرفيق المحسن في خفاء وستر، يتابع عباده في حركاتهم وسكناتهم، ويتولاهم في حلهم وترحالهم بمعية عامة وخاصة، العالم بخفايا أمورهم، والخبير ببواطن شؤونهم، تعددت مظاهر رفقه وإحسانه في خلقه، ومن ذلك:
- رفقه سُبْحَانَهُ في أفعاله:
الرفيق سُبْحَانَهُ خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع قدرته على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومن ذلك:
خلق السموات والأرض في ستة أيام، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الأعراف: ٥٤].
خلق الإنسان مراحل من نطفة حتى اكتمل الخلق، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥].
فخلق الله قائم على التدرج، وهذا دليل على رفق الله وحكمته وعلمه ولطفه.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وأصحاب رسول الله -ﷺ- عرفوا ذلك وبينَّوه للناس، وعرفوا أنَّ حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق، وأن له ربًّا خلقه ويحدث فيه الحوادث» (^١)، وكان سُبْحَانَهُ قادرًا على خلق الحوادث كلها في وقت واحد وهيئة واحدة، لكنه الرفيق الذي لا يعجل سُبْحَانَهُ.
رفقه سُبْحَانَهُ في أحكامه:
فالله سُبْحَانَهُ لا يكلف عباده إلا بما يطيقون، فأوامره كلها بقدر الاستطاعة، وما فيه مشقة عليهم أسقطه ورخصه، حتى تزول مشقته.
بل إن الأحكام والتكاليف الشرعية فُرضت على العباد بالتدريج، ولم تفرض دفعة واحدة، حتى تألف النفوس وتلين الطباع ويتم الانقياد، فقد مكث النبي -ﷺ- ثلاثًا وعشرين سنة يبني المجتمع الإسلامي لبنة لبنة، ويعده نفسيًّا وذهنيًّا لتقبل الأحكام، فالخمر- مثلًا- حُرِّمَ على عدة مراحل، وهي:
تأثيم شرب الخمر، يقول تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
التحريم القطعي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
والصلاة كذلك فُرضت في أول الأمر ركعتين ركعتين، ثم أُقرت في
_________________
(١) جامع الرسائل، لابن تيمية (ص: ١٣٩).
[ ٣ / ٣٦٤ ]
السفر على هذا، وزِيدت في الحضر إلى أربع (الظهر والعصر والعشاء)، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂- تقول: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا» (^١)، وفي حديث آخر: «فُرِضَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ» (^٢)
والصيام فُرِضَ أولًا على التخيير، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، ثم أنزل الله فرض صيامه في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وأخرج البخاري عن أم المؤمنين عائشة -﵂- قولها: «إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا» (^٣).
ومن آثار رفقه سُبْحَانَهُ بعباده: ما شرع لهم من الرخص الشرعية التي ترفع عنهم الحرج، والعبد إذا ترفه بالرخص الشرعية، فإنما يتعبد لله تَعَالَى باسمه «الرفيق» كما وضح ذلك الإمام ابن القيم -﵀- بقوله: «فرق بين أن يكون التفاته إليها- أي: الرخص- ترفهًا وراحة، وأن يكون متابعة وموافقة،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩٣٥).
(٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (٩٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٧٣٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨١٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٩٣).
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ومع هذا فالالتفات إليها ترفهًا وراحة لا يُنافي الصدق، فإن هذا هو المقصود منها، وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبد باسمه: (البرِّ)؛ (اللطيف)؛ (المُحسن)؛ (الرَّفيق)، فإنه (رفيق) يحب الرفق» (^١).
رفقه سُبْحَانَهُ بعباده العصاة:
فهو الرفيق الذي يمهل من عصاه ليتوب إليه، ولو شاء لعجل بعقوبته، لكنه رفق به وتأنى، وحلم عليه، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].
يقول الطبري -﵀-: «ولو يؤاخذ الله عصاة بني آدم بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ [النحل: ٦١]- يعني: الأرض- ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تَدُبُّ عليها ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١] يقول: إلى وقتهم الذي وقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقَّت لهلاكهم لا يستأخرون عن الهلاك ساعة فَيُمهَلُون، ولا يستقدمون قبله حتى يستوفوا آجالهم» (^٢).
وحري بمن عرف اسم الله الرفيق وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده عفوه ورفقه.
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٢).
(٢) جامع البيان (١٤/ ٨٥).
[ ٣ / ٣٦٦ ]
الأثر الثاني: محبة الله الرفيق:
إن من رأى آثار لطف الله ورفقه بعباده، في خلقه، وشرعه، وقدرته، ورأفته ورحمته (^١)، مع غناه سُبْحَانَهُ عن خلقه؛ أحب ربه وعظمه، وأجله وحمده، ووحده.
الأثر الثالث: الرفق في أخذ الدين، وعدم التشدد:
فالإسلام دين يُسر وسهولة، لا يكلف بما لايطاق، والنبي -ﷺ- كان ينهى عن تكليف النفس فوق ما تطيق ولو كانت عبادة، يقول -ﷺ-: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^٢).
يقول الشيخ السعدي -﵀- في شرح الحديث: «ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة، فقد أسس -ﷺ- في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ): أي: ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه، فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرًا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة
_________________
(١) للاستزادة في آثار الرحمة واللطف تراجع الأسماء: الرحمن، الرحيم، اللطيف.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).
[ ٣ / ٣٦٧ ]
بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة … وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي -ﷺ-، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: (وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ)، فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى» (^١).
ومن شواهد الرفق والنهي عن التشدد في العبادة فوق ما شرع الله، ما يلي:
- حديث عائشة -﵂-: «أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العزَّى مرَّت بها، وعندها رسول الله -ﷺ- قالت: فقلتُ: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» (^٢).
- حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَر: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (^٣).
_________________
(١) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ٧٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٨٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠٦٣).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
- حديث أنس بن مالك -﵁- قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (^١).
ومن الرفق في أخذ الدين: الترخص برخص الرفيق سُبْحَانَهُ، واستشعار العبودية في ذلك، وابتغاء محبته ورضاه، فعن ابن عمر -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ مَعْصِيَتُهُ» (^٢)، وفي حديث حمزة بن عمرو الأسلمي -﵁-، أنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (^٣).
الأثر الرابع: الرفق في كل الأمور، اقتداءً برسول الله -ﷺ-:
كان نبينا محمد -ﷺ- أرفق الناس، وشواهد رفقه في سنته ظاهرة، ودلائل حلمه وأناته في سيرته واضحة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الرفق والأناة في تعامله مع الناس ودعوته إلى دين الله، ومعالجته لما قد يقع من أخطاء ومخالفات، ومن شواهد ذلك:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٨٤).
(٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (٢٠٢٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٠٥٩).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٢١).
[ ٣ / ٣٦٩ ]
عن أنس -﵁- قال: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ» (^١).
يبول في مسجد رسول الله -ﷺ-، ومع ذلك فالنبي -ﷺ- يقول: «دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ» (^٢) ولم يكن منه -ﷺ- إلا أن دعا بدلو من ماء فَصُبَّ عليه، فحلَّ النبيُّ -ﷺ- المسألةَ ببساطة وبغير فظاظة، لا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره، وفي رواية أن هذا الأعرابي قال وهو في الصلاة: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» (^٣).
عن عائشة -﵂- أنها قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُم» (^٤).
عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: دَعُوه، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٠).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠١).
[ ٣ / ٣٧٠ ]
عن أنس -﵁- أنه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (^١).
عن معاوية بن الحكم السلمي -﵁-، قال: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (^٢).
عن أبي أمامة -﵁-، قال: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٨٠٩) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٣٧).
[ ٣ / ٣٧١ ]
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (^١).
عن أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- أتى على أزواجه، وسَوَّاق يسوق بهن، يقال له: أنجَشَة، فقال: فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ» (^٢).
عن أسامة بن زيد -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (^٣).
بل إن من وصايا النبي -ﷺ- العامة: الرفق في كل الأمور، ففي الحديث: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٤١)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٦٧٩، ٢٢٢٦٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١/ ٧١٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٤٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٣).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٣).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٥٩)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٤٥٣٠) حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٥٢٤).
[ ٣ / ٣٧٢ ]
الأثر الخامس: التفريق بين الرفق والتفريط:
إن الرفق لا يعني التفريط والكسل وتفويت فرص الخير، بل الرفق الممدوح وسط بين العجلة والطيش وبين الكسل وتفويت الفرص، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم -﵀-: «والفرق بين المبادرة والعجلة: أن المبادرة انتهاز الفرص في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في إدبارها، ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها، ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها، والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها، فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين؛ أحدهما: التفريط والإضاعة، والثاني: الاستعجال قبل الوقت؛ ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خفة وطيش، وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور وتمنعه من الخير، وهي قرين الندامة، فقل من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة» (^١).
وقال أبو حاتم -﵀-: «الواجب على العاقل: لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها؛ إذ الله تَعَالَى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب، إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة» (^٢).
_________________
(١) الروح، لابن القيم (ص: ٢٥٨).
(٢) روضة العقلاء، لابن حبان البستي (ص: ٢١٦).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وقال أيضًا -﵀-: «العاقل يلزم الرفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرِّفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز تُرجَى السلامة، وفي ترك الرِّفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تُخَافُ الهلكةُ» (^١).
الأثر السادس: الرفق في التعامل مع الخلق:
فحقيقة الرفق هي: التحكم في هوى النفس ورغباتها، وحملها على الصبر والتحمل والتجمل، وكفها عن العنف والتعجل، والعلم بأن الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، والرفق بالترفق، وحسن الخلق كله بالتخلق، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه.
يقول ابن الجوزي -﵀-: «اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب؛ فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد، وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار؛ فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء، وقال ابن المبارك- في قوله تَعَالَى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] قال: هو جهاد النفس والهوى» (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق، نفس الصفحة.
(٢) ذم الهوى، لابن الجوزي (ص: ٤٠).
[ ٣ / ٣٧٤ ]
ومن مظاهر رفق المؤمن بغيره ما يلي:
الرفق بأهل البيت خاصة:
فإن أولى الناس بالحلم والرفق واللين: الأهلُ وذوو الأرحام، يقول -ﷺ- في ذلك: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خيرًا أَدْخَلَ عَلَيهِمُ الرِّفْقَ» (^١)، ويقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (^٢)، وقد ورددت نصوص كثيرة في الرفق بأهل البيت، منها:
الرفق بالوالدين، يقول تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
الرفق بين الزوجين، فقد أوصى النبي -ﷺ- بالنساء خيرًا في قوله: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (^٣)، وأخبر -ﷺ- عن الزوجة الصالحة الخيرة بقوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: كُلُّ وَلُودٍ وَدُودٍ،
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٠٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤٦٨).
[ ٣ / ٣٧٥ ]
إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا أَوْ غَضِبَ -أَيْ: زَوْجُهَا- قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى» (^١).
الرفق بالأبناء، وفي ذلك روى أبى هريرة -﵁-، أن الأقرع بن حابس -﵁- أبصر النبى -ﷺ- يقبِّل الحسن، فقال: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^٢).
الرفق مع عامة الناس:
يقول ابن القيم -﵀-: «من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه» (^٣)، وفي هذا المعنى شواهد نبوية كثيرة، منها:
قوله -ﷺ- لعائشة: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (^٤).
قوله -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، رقم الحديث: (١١٨) حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٩٤١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨).
(٣) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٣٥).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
قوله -ﷺ-: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ» (^١).
قوله -ﷺ-: «الأَنَاةُ مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^٢).
الرفق بمن أساء:
كان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح يتعاملون بالرفق مع من يسيئون إليهم، يقول عبد الله بن عباس -﵄- لرجل سَبَّهُ-: «يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فَنَكَّسَ الرجل رأسه، واستحى مما رأى من حلمه عليهِ» (^٣)، وعن علي بن الحسين -﵁-: «أن رجلًا سَبَّهُ فرمى إليه بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعده عن الله -﷿-، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدحٍ بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير» (^٤).
ويدخل هنا- أيضًا- الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله، أو التعامل مع المخالف، يقول سُبْحَانَهُ في بيان هذه العلة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٧٠٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦٥).
(٣) موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، لياسر عبد الرحمن (١/ ٣٤٦).
(٤) نضرة النعيم (٥/ ١٧٤٩).
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَارَفَ ذَنْبًا، فَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كُنَّا لَا نَقُولُ فِي أَحَدٍ شَيْئًا، حَتَّى نَعْلَمَ عَلَى مَا يَمُوتُ، فَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ عَلِمْنَا - أَوْ قَالَ: رَجَوْنَا - أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ، خِفْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ» (^١).
وعليه فالرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متعيِّن، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ومنهجهم جميعهم في الدعوة، ومنه رفق إبراهيم مع أبيه رغم كفره وجفاء قوله، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٧].
قال الشنقيطي -﵀-: «بيَّن الله -﷿- في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق، والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يُبصر، ومن عذاب الله تَعَالَى، وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بُنَي، في
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد، رقم الحديث: (٨٩٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٥٧٤).
[ ٣ / ٣٧٨ ]
مقابلة قوله له: يا أبت، وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان، أي: مُعرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده -﷿-، وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه، قيل: بالحجارة، وقيل: باللسان شتمًا، والأول أظهر، ثم أمره بهجره مليًّا، أي: زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل- أيضًا- جوابه العنيف بغاية الرفق واللين، في قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]» (^١).
الرفق بالحيوان والنبات ونحوه:
ومن الرفق بالحيوان: أن يُدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش والجوع، والمرض، والحمل الثقيل، فعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (^٢).
وعن سعيد بن جبير -﵀-، قال: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» (^٣).
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٢٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٨).
[ ٣ / ٣٧٩ ]
ومن الرفق بالنبات ونحوه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
الأثر السابع: الحرص على نيل ثواب الرفق:
الله سُبْحَانَهُ رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه بثواب الدنيا والآخرة، ومن ذلك:
- تحريم النار على كل ليِّن سهل رفيق:
قوله -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (^١)، وفي رواية «قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ» (^٢).
- الخير الجزيل منه سُبْحَانَهُ:
ففي الحديث: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (^٤)، ودعاؤه -ﷺ- لمن يتولى أمر المسلمين ويرفق بهم في قوله: «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٨)، واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب رقم الحديث: (١٧٤٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠١٧)، واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًا، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٥٤).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٢).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٨).
[ ٣ / ٣٨٠ ]
- الرفق يزين الأشياء كلها:
ففي الحديث: «مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ» (^١)، فالنفوس تنشرح للرفق وتأنس به.
- الرفق سبب في لين القلب:
فقد شكا رجل إلى رسول الله -ﷺ- قسوة قلبه، فقال له: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (^٢).
فاللهم ارزقنا الرفق في الأمور كلها، وارفُق بنا، واشملنا بعطفك ورحمتك وغفرانك، اللهم ارزقنا الحلم والأناة، واهدنا إلى ما تحبه من الأعمال والأخلاق.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٦٥٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤٠٩).
[ ٣ / ٣٨١ ]
السُبُّوح القُدُّوس -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (السبوح):
قال الجوهري -﵀-: «… والتسبيح: التنزيه، وسبحان الله، معناه: التنزيه لله، نصب على المصدر، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءة، والعرب تقول: سبحان من كذا، إذا تعجبت منه … وسبوح من صفات الله، قال ثعلب: كل اسم على (فعول) فهو مفتوح الاول، إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(سبح) السين والباء والحاء أصلان … ومن الباب التسبيح، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء، والتنزيه: التبعيد، والعرب تقول: سبحان من كذا، أي: ما أبعده … وفي صفات الله -﷿-: سبوح، واشتقاقه من الذي ذكرناه أنه تنزه من كل شيء لا ينبغي له» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (١/ ٣٧٢).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٢٥).
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ثانيًا: (القدوس):
قال الجوهري -﵀-: «والقدوس: اسم من أسماء الله تَعَالَى، وهو فعول من القدس، وهو الطهارة» (^١).
- قال ابن فارس -﵀-: «القاف والدال والسين أصل صحيح، وأظنه من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدل على الطهر، ومن ذلك الأرض المقدسة هي المطهرة، وتسمى الجنة: حظيرة القدس، أي: الطهر، وجبرئيل -﵇- روح القدس، وكل ذلك معناه واحد، وفي صفة الله تَعَالَى: القدوس، وهو ذلك المعنى؛ لأنه منزه عن الأضداد والأنداد، والصاحبة والولد، تَعَالَى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا» (^٢).
ورود اسم الله (السبوح القدوس) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله السبوح:
لم يرد اسم الله (السبوح) في القرآن.
ثانيًا: ورود اسم الله القدوس:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القدوس) مرتين في كتاب الله، وهما:
قوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ٩٩).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٣ - ٦٤).
[ ٣ / ٣٨٣ ]
قوله -﷿-: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]
ورود اسم الله (السبوح القُدُّوس) في السنة النبوية:
أولًا: ورد اسم الله السبوح في السنة، مقرونًا باسمه القدوس في حديث عائشة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (^١).
ثانيًا: ورد اسم الله (القدوس).
من وروده ما يلي:
حديث عائشة -﵂- السابق.
حديث أبي بن كعب -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (^٢).
حديث عائشة -﵂-، لما سئلت بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١١٤٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٣٠)، واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٢٧٥).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٥)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٥).
[ ٣ / ٣٨٤ ]
ثبوت اسم الله (السبوح) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله السبوح (^١) في حق الله تعالى:
النووي -﵀-: في قوله: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبَّح مقدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (السُّبُّوح القُدُّوس):
أولًا: (السُّبُّوح):
قال الطبري -﵀-: «… قولهم: (سبوح قدوس)، يعني بقولهم: (سبوح)، تنزيه لله … فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، ونصلي لك» (^٤).
قال الخطابي -﵀-: «السبوح: المنزه عن كل عيب، جاء بلفظ: فعول من قولك: سبحت الله؛ أي: نزهته، وقد روي عن النبي -ﷺ-: أنه سئل عن تفسير قوله: سبحان الله فقال: (إنكاف الله من كل سوء)؛ أي: تنزيهه» (^٥).
_________________
(١) لم نورد اسم الله (القدوس) هنا؛ لأنه ثيت بنص القرآن الكريم، فلا حاجة.
(٢) شرح النووي على مسلم، (٤/ ٢٠٤).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين، (ص: ١٥).
(٤) تفسير الطبري (١/ ١٦٧).
(٥) شأن الدعاء (١/ ١٥٤).
[ ٣ / ٣٨٥ ]
قال الحَليمي -﵀-: «ومنها السبوح: ومعناه: المنزه عن المصائب، والصفات التي تعتور المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح التنزيه» (^١).
قال النووي -﵀-: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مُسبَّح مُقَدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (^٢).
ثانيًا: القدوس:
يدور اسم الله القدوس في حق الله - تَعَالَى - على معنين:
١ - الطاهر من الأدناس والنقائص والمعايب.
٢ - المبارك ذي الخير الواسع العظيم.
ومن الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري -﵀-: «والتقديس هو التطهير والتعظيم، فمعنى قول الملائكة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد، والأولاد» (^٤).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٤).
(٣) تفسير الطبري، (١/ ١٦٧).
(٤) شأن الدعاء، (١/ ٤٠).
[ ٣ / ٣٨٦ ]
قال البيهقي -﵀-: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأولاد والأنداد، وهذه صفة يستحقها بذاته» (^١).
قال البغوي -﵀-: «(القدوس) الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «(القدوس): المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير: هو (الطاهر) من كل عيب المنزه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «ومن أسمائه: (القدوس) (السلام) أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها، وعن أن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه، أو يماثله أحد في شيء من الكمال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، فـ (القدوس) كـ (السلام) ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه؛ لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله» (^٤).
_________________
(١) الاعتقاد، للبيهقي (ص: ٥٩).
(٢) تفسير البغوي (٨/ ٧٨).
(٣) شفاء العليل (٢/ ٥١٠).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).
[ ٣ / ٣٨٧ ]
- قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
هَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ القُدُّوسُ ذُو التَّـ … ـنْزِيهِ بِالتَّعْظِيمِ لِلرَّحْمَنِ (^١)
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال قتادة -﵀-: «القدوس أي: المبارك» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «والقدوس: المبارك» (^٣).
قال ابن كثير -﵀-: «قال مجاهد، وقتادة: أي: المبارك» (^٤).
الفرق بين السُّبُّوح والقُدُّوس:
اختلفت أقوال أهل العلم -﵏- في التفريق بينهما، ومن هذه الأقوال:
١ - أن التسبيح تنزيه الله وتبرئته مما أضافه إليه أهل الشرك، والتقديس نسبته سُبْحَانَهُ إلى ما هو من صفاته من الطهارة من الأدناس، وما أضافه إليه أهل الكفر به. قاله الطبري (^٥).
٢ - قال الحليمي -﵀-: «القدوس: ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس؛ لأن نفي المذام إثبات للمدائح، … إلا أن قولنا: هو كذا ظاهرة
_________________
(١) النونية (ص: ٢١٠).
(٢) تفسير الطبري (٢٣/ ٢٠٣).
(٣) لسان العرب، لابن منظور (٢/ ٤٧٢).
(٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٧٩).
(٥) ينظر: تفسير الطبري (١/ ٤٧٥).
[ ٣ / ٣٨٨ ]
التقديس، وقولنا: ليس بكذا ظاهرة التسبيح؛ لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح، وقد جمع الله -﵎- بينهما في سورة الإخلاص، فقال عز اسمه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، فهذا تقديس، ثم قال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]. فهذا تسبيح» (^١).
٣ - أن التسبيح يكون بالقول والعمل، وأما التقديس فيكون بالاعتقاد.
قال ابن عاشور -﵀-: «فمعنى ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: نحن نعظمك وننزهك، والأول بالقول والعمل، والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية، فلا يتوهم التكرار بين (نسبح) و(نقدس)» (^٢).
٤ - التسبيح يختص بالله -﷿-، بخلاف التقديس، فيستعمل في حق الآدميين، فيقال: فلان رجل مقدَّس إذا أريد تبعيده عن مسقطات العدالة ووصفه بالخبر، ولا يقال: رجل مسبَّح، بل ربما يستعمل في غير ذوي العقول، قال تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] أي: أرض الشام (^٣).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).
(٢) التحرير والتنوير (١/ ٤٠٦).
(٣) ينظر: معجم الفروق اللغوية، لابن مهران (ص: ١٢٥).
[ ٣ / ٣٨٩ ]
اقتران اسم الله (القُدُّوس) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
أولًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (الملك):
ورد اقتران هذين الاسمين الجليلين في كتاب الله -﷿- في موضعين، هما:
قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ
الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الحشر: ٢٣].
قوله تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].
وجه الاقتران:
أن ملكه جل في علاه لا يمثل ملوك الدنيا؛ فقد تنزه عما في ملكهم من النقائص والمعايب (^١).
ثانيًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (السلام):
تقدم بيانه في اسم الله (السلام).
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٨/ ١٠٧).
[ ٣ / ٣٩٠ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله السبوح القدوس:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السبوح القدوس) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى هو السبوح القدوس في أسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله؛ فأسماؤه كلها حسنى لا عيب فيها، وصفاته كلها عليا لا نقص فيها، وأفعاله كلها حكمة لا شر فيها، وأقواله كلها فصل لا هزل فيها ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤].
برأ من كل نقص وعيب، وتنزه عن كل ما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
ومجموع ما تنزه عنه -﵎- شيئان:
١ - تنزهه جل في علاه عن كل ما ينافي صفات كماله، فإن له المنتهى في كل صفة كمال.
فهو السبوح القدوس الحي القيوم الذي تنزه عن ضدها من الموت والفناء، والسنة، والنوم، قالتَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقال النبي -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).
[ ٣ / ٣٩١ ]
وهو السبوح القدوس العليم الذي تنزه عن الجهل، والنسيان والغفلة، وأن يعزب عنه شيء في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وهو السبوح القدوس القادر القدير الذي تنزه عن العجز، والتعب، والإعياء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣].
وهو السبوح القدوس الحكيم الذي تنزه عن العبث والسفه، أو أن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
وهو السبوح القدوس الغني الذي تنزه عن الفقر والفاقة، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل
[ ٣ / ٣٩٢ ]
عمران: ١٨١]، وتنزه عن الحاجة إلى الولد، والصاحبة، والشريك، والمعين أو إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
وهو السبوح القدوس الكريم الذي تنزه عن البخل والشح قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال النبي -ﷺ-: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).
وهو السبوح القدوس المؤمن الذي تنزه عن الظلم والجور، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤١١).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وفي الحديث القدسي:
«يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» (^١).
وهو السبوح القدوس الحق الذي تنزه كلامه عن الكذب والباطل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وهكذا في جميع صفاته منزه عن كل ما ينافيها ويضادها.
٢ - تنزهه جل في علاه عن مماثلة أحد من خلقه، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]؛ فالمخلوقات كلها وإن عظمت وشرفت وبلغت المنتهى من العظمة والكمال اللائق بها؛ فليس شيء منها يقارب أو يداني الباري جل في علاه، بل جميع صفاتهم تضمحل إذا نسبت إلى صفات باريها وخالقها، بل جميع ما فيها من الكمالات هو الذي أعطاها إياها؛ فهو الذي خلق فيها العقول والسمع والأبصار والقوى الظاهرة والباطنة، وهو الذي علمها وألهمها، وهو الذي نماها ظاهرًا وباطنًا وكملها، فتَعَالَى وتقدس وتنزه.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وبهذا تنزه -ﷻ- عن أن يكون له شريك في عبادته، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
فتبارك السبوح القدوس الذي لما انتفى عنه كل نقص ثبت له كل كمال؛ فكملت أوصافه وكثرت خيراته (^١)، ولو تتبع المتتبع أوجه كماله وتسبيحه وتقديسه محاولًا استقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنها لا نهاية لها، كما قال النبي -ﷺ-: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢)، فشأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق، أو أن يبلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سُبْحَانَهُ (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السبوح القدوس) على التوحيد:
إذا علم العبد معنى اسم الله -ﷻ- (السبوح القدوس) وما فيهما من تنزيه الرب -﵎- عن النقائص والمعايب وعن كل ما لا يليق بجلاله، فعليه أن يعلم أن تسبيحه وتقديسه إنما يكون مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن «النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٧٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٦).
(٣) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (ص: ٢٧٣).
[ ٣ / ٣٩٥ ]
فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَنَفْيُ السِّنةِ والنومِ يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم …» (^١).
ومن هنا يُعلم أن ما يفعله المعطلة من أهل البدع من النفي المحض، والتعطيل للصفات عن معانيها وحقائقها بحجة التسبيح والتقديس، إنما هو في الحقيقة جحود وإنكار، وضلال وبهتان، نزه الله نفسه عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١] فسبَّح نفسه عما وصفه المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في حقه سُبْحَانَهُ (^٢).
ولا بد أن يعلم أن التنزيه عن النقائص، وإثبات الكمال إنما يكون على وفق دلائل الكتاب والسنة، وفي ضوء فهم سلف الأمة، لا على الأهواء
_________________
(١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية (ص: ٥٧).
(٢) ينظر: التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية، (ص: ٩)، وفقه الاسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٢٢٣ - ٢٢٤).
[ ٣ / ٣٩٦ ]
المجردة أو الظنون الفاسدة أو الأقيسة العقلية الكاسدة، وهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات (^١).
ثم إن تنزيهه -﵎- شامل لتنزيهه عن الشريك في الربوبية، فلا رب ولا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا محي ولا مميت معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].
وشامل أيضًا لتنزيهه عن الشريك في الألوهية، فلا إله حق إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
وبهذا كان اسم الله (السبوح القدوس) دالًّا على أقسام التوحيد الثلاثة.
_________________
(١) ينظر: فقه الاسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٢٢٣)، النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١١١ - ١١٢).
[ ٣ / ٣٩٧ ]
الأثر الثالث: تنزيه العبد لله السبوح القدوس:
الله -﷿- قدوس سبوح، يحب من عباده أن ينزهوه في أقواله، وأفعاله، وأسمائه وصفاته عن كل نقص وعيب، ويتعبدوا له سُبْحَانَهُ بذلك.
ولهذا التنزيه صور عدة، منها:
١ - تنزيه الله -﷿- عن الشريك، والند، والمثيل، والصاحبة، والولد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].
٢ - تنزيه الله عن العدم، بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فجمع بين نفي مماثلة المخلوقات، وإثبات الصفات، فدل على أن تنزيهه لا يعني نفي الصفات والأفعال التي أثبتها لنفسه (^١).
٣ - تنزيه حكم الله الشرعي عن النقص والعيب، واعتقاد كماله؛ تصديقًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
٤ - تنزيه الله -﷿- عن أن يظن به سوءًا، أو يظن به ما لا يليق بحمده وحكمته ورحمته وعلمه؛ فإن هذا من شأن الكافرين والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).
[ ٣ / ٣٩٨ ]
السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وقال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢].
قال ابن القيم -﵀- معلقًا على آية الفتح، ومستعرضًا لبعض صور سوء الظن بالله تَعَالَى المنافية لتنزيهه سُبْحَانَهُ: «وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق، اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا- فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج
[ ٣ / ٣٩٩ ]
تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته.
الأثر الرابع: المحبة للسبوح القدوس:
إذا آمن العبد باسم الله السبوح القدوس، وتدبر ما فيه من كمال، وتعالٍ عن النقائص والمعايب، أورثه ذلك محبته وإجلاله؛ لأن النفوس جبلت على محبة من اتصف بالكمال، ثم هذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.
الأثر الخامس: التسبيح لله تَعَالَى وتقديسه -ﷻ-:
الله -ﷻ- لكماله وعظمته وسعة سلطانه لهج ويلهج على الدوام جميعُ ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة، والصامتة، والأشجار والنبات، والجوامد، والأحياء، والأموات؛ بالتسبيح والتقديس له بمختلف اللغات، وأنواع الأصوات، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (^١).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير، (٥/ ٧٩)، وتفسير السعدي (ص: ٨٣٧).
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وهذا التسبيح تسبيح حقيقي يصدر من الكائنات، بحسب ما يليق بحالها دون أن يفقهه الناس أو يسمعونه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (^١).
قال السعدي -﵀-: «كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تَعَالَى، كسائر المخلوقات غير ذلك» (^٢).
فسبحه وقدسه أولياءه، وأهل طاعته من الملائكة والإنس والجن.
فأما ملائكته فتسبيحهم في جميع الأوقات بلا ملل ولا توقف، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] (^٣).
وأما الإنس: فعلى رأسهم الأنبياء -﵈-، وقد حكى الله لنا تسبيحهم في كتابه، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]،
_________________
(١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر، (١/ ٢١٣، وما بعدها).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٧٠).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٠).
[ ٣ / ٤٠١ ]
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال في يونس -﵇-: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وأكثرَ رسولُ الله -ﷺ- من تسبيح ربه، كما جاء في حديث ربيعة بن كعب -﵁-، قوله: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَارِي، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَوَيْتُ إِلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَبِتُّ عِنْدَهُ، فَلَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ رَبِّي، حَتَّى أَمَلَّ أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَنَامُ» (^١) (^٢).
وكان من هديه -ﷺ- قول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. في الركوع والسجود» (^٣)، وقول: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثلاثًا، رافعًا صوته بالآخرة، إذا سلم من الوتر» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني، رقم الحديث: (٤٥٧٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٨٨).
(٢) قال أهل العلم: ويستفاد من الحديث: أن العبد إذا أنهى ورده قبل النوم، يسن له أن ينتقل إلى التسبيح.
(٣) سبق تخريجه، وينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، (١/ ٢١١).
(٤) ينظر: المرجع السابق (١/ ٣٢٦).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وذكر الله تسبيح الصالحين ممن هم دون أنبيائه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
وأما الجن فحكى الله تنزيههم له عن الصاحبة والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
وسبحه وقدسه الرعد بحمده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].
وسبحه وقدسه الجبال الصم، والطير البهم، قال تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
وسبَّحه وقدَّسه الطعامُ، والحصى الصغارُ، كما قال ابن مسعود -﵁-: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (^١)، أي: في عهد رسول الله -ﷺ-، وقال أبو ذر -﵁-: «إِنِّي لَشَاهِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٧٩).
[ ٣ / ٤٠٣ ]
فِي حَلْقَةٍ، وَفِي يَدِهِ حَصًى، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَبَّحْنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دُفِعْنَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا، فَلَمْ يُسَبِّحْنَ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا» (^١).
وقال عكرمة -﵀-: «الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح» (^٢).
وقال بعض السلف: «إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]» (^٣).
وهذا التسبيح من المخلوقات لا سيما غير المكلف منها، يدعو المكلف للانضمام إلى هذه العوالم ومشاركتها بالتسبيح والتقديس، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على هذا.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٢٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة، رقم الحديث: (١١٤٦).
(٢) ينظر: الدر المنثور (٥/ ٢٩١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٨٠).
[ ٣ / ٤٠٤ ]
في موضوع «التسبيح والتقديس» سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف التسبيح والتقديس:
فسر السلف -﵃- التسبيح، بتنزيه الله -﷿- عن كل ما لا يليق به.
قال ابن عباس -﵄-: «تنزيه الله -﷿- نفسه عن السوء» (^١).
قال ميمون بن مهران -﵀-: «(سُبْحَانَ اللَّهِ) اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنَ السُّوءِ» (^٢).
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى -﵀-: «(سبحان الله) تنزيه الله وتبرئته» (^٣).
ونحوه معنى التقديس، قال ابن عباس -﵄-: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك» (^٤).
قال الطبري -﵀-: «ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (^٥) (^٦).
_________________
(١) ينظر: الدر المنثور (١/ ٢٦٩).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير، رقم الحديث: (٣٤٤).
(٣) ينظر: الدعاء، للطبراني (ص: ٤٩٩ - ٥٠٠).
(٤) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).
(٥) تفسير الطبري (١/ ٤٧٥).
(٦) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر (١/ ٢١٩).
[ ٣ / ٤٠٥ ]
قال البغوي -﵀-: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (^١).
ثانيًا: فضل التسبيح (^٢)؟
شرع الله -﷿- لعباده تسبيحه، وعظم سُبْحَانَهُ شانه؛ فجعله من أفضل العبادات الموصلة إليه، ومن أجلِّ القربات التي يتقرب بها إليه، ونوع الدلائل من الكتاب والسنة في بيان فضله، وعظيم شأنه، ورفيع مكانته، وجزيل ثواب أهله، وبيان هذه الفضائل على النحو الآتي:
أن الله -﷿- كرر ذكر التسبيح في القرآن بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة، فورد التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين مرة، تارة بصيغة الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وتارة بصيغة الماضي، كما في قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، وتارة بالمضارع كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وتارة بلفظ المصدر كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وقال بعض أهل العلم: «والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجهًا، ستة منها للملائكة، وتسعة لنبينا محمد -ﷺ-، وأربعة لغيره
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).
(٢) ينظر: الأذكار، للنووي (ص: ١٥ - ١٦)، وفقه الأدعية والأذكار، للبدر، (١/ ٢٠١، وما بعدها).
[ ٣ / ٤٠٦ ]
من الأنبياء، وثلاثة للحيوانات والجمادات، وثلاثة للمؤمنين خاصة، وستة لجميع الموجودات.
أما التي للملائكة، فمنها قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾ [غافر: ٧] …، وأما التي لنبينا -ﷺ- فمنها قوله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩] …، وأما التي للأنبياء فقول الله تَعَالَى لزكريا -﵇-: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] …، وأما التي للمؤمنين فقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] …، وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] …، وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١] …»، ولا شك أن هذا التكرار والتنويع دال على جلالة قدر التسبيح، وعظم شأنه في الدين» (^١).
أن الله -﷿- جعله من سنة رسول الله -ﷺ- الذي أمرنا بالاقتداء به؛ فعن عائشة -﵂- لما سئلت: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ،؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ (^٢) مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ
_________________
(١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر (١/ ٢٠١).
(٢) هب، أي: استيقظ، من هب النائم هبًّا وهبوبًا إذا استيقظ. ينظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم (١٣/ ٢٩١).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (^١).
وعنها -﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يقول في سجوده وركوعه: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (^٢).
وعن أبي بن كعب -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (^٣).
٣ - أن الله -﷿- جعل التسبيح أفضل الكلام وأحبه إليه، كما في حديث سمرة بن جندب -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤)، وعن أبي ذر -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٥)، وفي رواية: سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ، أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٦)، وجاء في حديث أبي أمامة -﵁-: «مَنْ هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣١).
(٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣١).
[ ٣ / ٤٠٨ ]
يُنْفِقَهُ، وَجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَلْيُكْثِرْ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُنْفَقَانِ فِي سَبِيلِ اللهِ -﷿-» (^١).
٤ - أن الله -﷿- جعلها سبب لذكره للعبد؛ فعن النعمان بن بشير -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يَذْكُرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللهِ شَيْءٌ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (^٢).
٥ - أن الله -﷿- جعل التسبيح ومعه الحمد، والشهادة، والتكبير خيرًا مما طلعت عليه الشمس؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٣).
٦ - أن الله -﷿- جعل التسبيح من أفضل ما يأتي به الآتي يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ (^٤).
٧ - أن الله -﷿- جعله سببًا لمغفر الذنوب، وزيادة الحسنات؛ فعن أبي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٥٤١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣٦٢)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٤٧)، حكم الألباني: صحيح، مختصر العلو، رقم الحديث: (٢٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٥).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٢).
[ ٣ / ٤٠٩ ]
هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١)، وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: «كنا عند رسول الله -ﷺ-، فقال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» (^٢)، وعن جبير بن مطعم -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ -فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (^٣).
٨ - أن الله -﷿- جعله ثقيلًا في الميزان، كما أخبر -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-، حيث يقول: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٤) (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٨).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٨٥)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٧٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨١).
(٤) قال الشيخ عبدالرزاق البدر: «وفي أكثر هذه الأحاديث قرن مع التسبيح حمد الله تَعَالَى؛ وذلك لأن التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميد فيه إثبات المحامد كلها لله -﷿-، والإثبات أكمل من السلب، ولهذا لم يرد التسبيح مجردًا، لكن ورد مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد كما في هذه النصوص، وتارة يقرن باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك».
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).
[ ٣ / ٤١٠ ]
وعنه -ﷺ- أنه قال: «وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (^١).
٩ - أن الله -﷿- جعل التسبيح غرسًا للجنة؛ فعن جابر -﵁-، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (^٣).
١٠ - أن الله -﷿- أخبر أنه من عبادة الملائكة، كما قال الله عنهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وما سبق من فضل التسبيح يندرج تحت التقديس؛ إذ كل منهما تنزيه للرب -﷿- من النقائص.
وفي قول الملائكة السابق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] معنى لطيف للتقديس، ألا وهو تطهير النفس لله -﷿-.
قال البغوي -﵀- كما سبق: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٣).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٣٠٤).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢).
[ ٣ / ٤١١ ]
والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة» (^٢).
اللهم يا سبوح يا قدوس، ارزقنا تسبيحك آناء الليل والنهار،
وطهرنا من كل ما لا يرضيك.
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٤٨ - ٤٩).
[ ٣ / ٤١٢ ]
السَّيِّد -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «ساد قومه يسودهم سيادة وسوددًا وسيدودة، فهو سيدهم، وهم سادة، … وقال أهل البصرة: تقدير سيد (فيعل)، وجمع على فعلة، كأنهم جمعوا سائدًا، مثل قائد وقادة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «السين والياء والدال كلمة واحدة، وهي السيد أما السيادة، فقال قوم: السيد: الحليم، وأنكر ناس أن يكون هذا من الحلم، وقالوا: إنما سمي سيدًا؛ لأن الناس يلتجئون إلى سواده … والسيد هو: الرئيس … وقيل: الكريم» (^٢).
ورود اسم الله (السيد) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (السيد) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (السيد) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (السيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه -﵁-، «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: السَّيِّدُ اللهُ،
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٥٢).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٢٠).
[ ٣ / ٤١٣ ]
قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (^١).
ثبوت اسم الله (السيد) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (السيد) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «وأما وصف الرب تَعَالَى بأنه السيد، فذلك وصف لربه على الإطلاق؛ فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم، الذي إليه يرجعون، وبأمره يعلمون، وعن قوله يصدرون» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (السيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي -﵀-: «قوله -ﷺ-: السيد الله، أي: السؤدد كله حقيقة لله -﷿- وأن الخلق كلهم عبيد الله» (^٤).
قال الحليمي -﵀-: «السيد المحتاج إليه بالإطلاق، فإن سيد الناس إنما هو رأسهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوله يستهدون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا للباري- جل ثناؤه-، ولم يكن بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود؛ إذ لو لم يوجدهم
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢١١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٠٦).
(٢) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: ١٢٦)
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).
(٤) معالم السنن (٤/ ١١٢).
[ ٣ / ٤١٤ ]
لم يوجدوا، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، وكان حقًّا له- جل ثناؤه- أن يكون سيدًا، وكان حقًّا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم» (^١).
قال الأصبهاني -﵀-: «قيل: السيد: المُحتاج إليه، والمحتاج إليه بالإطلاق هو الله؛ ليس للملائكة ولا الإنس ولا الجن غنية عنه؛ لو لم يوجدهم لم يوجَدوا، ولو لم يُبقهم بعد الإيجاد لم يكن لهم بقاء، ولو لم يعنهم فيما يعرض لهم لم يكن لهم معين غيره، فحق على الخلق أن يدعوه بهذا الاسم» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له، وملكًا له، ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو السيد على الحقيقة» (^٣)، وقال: «السيد إذا أُطلق عليهتَعَالَى فهو بمعنى: المالك والمولى والرب؛ لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ
الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ
_________________
(١) الأسماء والصفات (١/ ٦٧).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٦٨).
(٣) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: ١٢٦).
(٤) بدائع الفوائد (٣/ ٧٣٠).
[ ٣ / ٤١٥ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السيد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السيد) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
السيد سُبْحَانَهُ هو الذي ساد الكون سيادة مطلقة بكل أوجه الكمال والجلال، فالسموات والأرض، والملائكة، والإنس والجن، والنبات والحيوان، كل هؤلاء خلق للسيد سُبْحَانَهُ، ليس بهم غنية عنه في بدء أمرهم الوجودي، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض التي قد تطرأ أثناء البقاء، فكلها تزيد بأمره، وتنقص بأمره، وتحيا بأمره، وتموت بأمره، وتتحرك بأمره، وتسكن بأمره، وتنفع وتضر بأمره أيضًا، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٣].
فله سُبْحَانَهُ كل صفات السؤدد وكمالها، «فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف: الذي قد كمل في شرفه، والعظيم: الذي قد كمل في عظمته، والحليم: الذي قد كمل في حلمه، والغني: الذي قد كمل في غناه، والجبار: الذي قد كمل في جبروته، والعالم: الذي قد كمل في علمه، والحكيم: الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللهسُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (^١).
فحري بالعبد الموحد أن يلجأ إلى رب العزة والجلال، السيد سُبْحَانَهُ، ويوحده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه.
_________________
(١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٣).
[ ٣ / ٤١٦ ]
الأثر الثاني: محبة الله السيد:
الإيمان باسم الله السيد يورث في القلب محبة الله -﷿-، ويجعل العبد يدرك ألا مالك للكون سوى السيد سُبْحَانَهُ، ولا مدبر للعالم غيره، ولا مصرف للكائنات إلا هو، فينصرف القلب إلى محبة الله -﷿-، ويزداد ارتباطًا بمن ملك السؤدد كله على الحقيقة، والخلق كلهم عبيده.
الأثر الثالث: لا سيادة لفاسق:
الشرف والسؤدد الحقيقي في هذه الدنيا إنما ينال بطاعة الله وتقواه، حيث إن الكرامة والشرف والرفعة وعلو الذكر- وهذه أركان السؤدد- إنما هي لأنبياء الله -﷿- وأوليائه وهم السادة على الناس، أما الكفرة والمنافقون والفساق فلا كرامة لهم ولا سيادة، وإن حصلت لهم السيادة الزائفة في وقت من الأوقات، ولذا جاء النهي عن تسمية المنافق بالسيد، كما جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ» (^١)، لأن المنافق يقع في فخ الذنوب والمعاصى، ويهوى في درك الفواحش والآثام، وهذا مخالف لمعنى السيد من المنظور الشرعي، الذي هو: الترفع عن الآثام، والتطهر من المعاصي، والتحلى بمعالي الأخلاق، ولذلك قال جعفر بن أبي طالب -﵁-، للنجاشي عندما سأله عن الإسلام: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٧٧)، والبخاري في الأدب المفرد رقم الحديث: (٧٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٩٧٧).
[ ٣ / ٤١٧ ]
عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ» (^١)، فوصف جعفر الإسلام بأنه مجموعة من القيم الأخلاقية، وعليه ينبغي على كل مسلم أن يلتزم بتلك القيم؛ ليرتفع قدره عند خالقه، وليكون سيدًا بين الناس.
الأثر الرابع: التذلل بين يدي السيد:
إن الإنسان مهما بلغ من السؤدد في هذه الدنيا فهو سؤدد ناقص زائل، وهذا الشعور يثمر التواضع في قلب المسوَّد، وعدم استخدام سيادته في ظلم الناس والتكبر عليهم؛ لأن السؤود الحقيقي السرمدي لله -﷿-.
وقد توعد الله من يستكبر عن التذلل بين يديه بالعذاب الأليم، والبعد عن مرضاة رب العالمين، يقول الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، فإنه يعني: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلل لألوهيته وعبادته، وتسليم الربوبية والوحدانية له ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يعني: عذابًا موجعًا ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها- إذا عذبهم الله الأليم من عذابه- سوى الله لأنفسهم وليًّا؛ ينجيهم من عذابه وينقذهم منه ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: ولا ناصرًا ينصرهم» (^٢)، فعلى العبد الخضوع والتذلل للسيد سُبْحَانَهُ خضوع الفقير المحتاج الذي لا طاقة له في البعد عن جناب سيده.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٤)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إسحاق، وقد صرح بالسماع، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٦/ ٢٧).
(٢) تفسير الطبري (٧/ ٧١٠).
[ ٣ / ٤١٨ ]
الأثر الخامس: أحسِن لمن تحت يدك:
حين يتعرف العبد على خالقه، ويعلم أن الله له السيادة الكاملة، فالسؤدد كله حقيقة لله، والخلق كلهم عبيده، فإنه يتعامل مع الناس على هذا الأساس، وخاصة مع الخدم، ومن هم أقل منه شأنًا ومنزلة.
ومن يتتبع سيرة النبي -ﷺ- يجد أنموذجًا عمليًّا يحتذى به في هذا الجانب، ومن ذلك:
تحذيره -ﷺ- من ضرب العبد أو إيذائه، فعن أبي مسعود الأنصاري -﵁- قال: «كنت أضرب غلامًا لي، فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١)، وجعل -ﷺ- كفارة ضرب العبد بعتقه، فعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «… مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» (^٢).
حضه -ﷺ- على المعاملة الحسنة لهم حتى في الألفاظ والتعبيرات، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٧).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٩).
[ ٣ / ٤١٩ ]
نهيه -ﷺ- عن تكليف العبيد والخدم بأعمال شاقة تفوق طاقتهم، أو الدعاء عليهم، فقال -ﷺ-: «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^١)، وعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^٢).
وصيته -ﷺ- لأصحابه بالعفو عن إساءة الخدم وخطئهم … فعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^٣).
أمره -ﷺ- بالإحسان إلى العبيد والخدم، وعدم الاستهزاء بهم؛ بل وإطعامهم وإلباسهم من نفس طعام ولباس أهل البيت، فعن المعرور بن سويد قال: «لقيت أبا ذر بالربذة (موضع قرب المدينة)، وعليه حُلَّة (ثوب) وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا، فعيرته بأمه، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٤)، وعن
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٦٤).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).
[ ٣ / ٤٢٠ ]
عائشة -﵂- قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا» (^١).
بل بلغ اهتمامه -ﷺ- بالعبيد في حياته مبلغًا عظيمًا، حتى أوصى بهم خيرًا حين موته وفي آخر كلامه، فعن علي -﵁- قال: «كَانَ آخِرُ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (^٢)، وفي هذا كله دلالة على وجوب اللين مع الخدم والعمال والضعاف، واستحضار أن لاسيد إلا الله.
الأثر السادس: حكم إطلاق اسم السيد على المخلوق:
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن إطلاق اسم السيد على المنافق والكافر لا يجوز، لحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال -ﷺ-: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ -﷿-» (^٣).
اختلف العلماء على إطلاق اسم السيد على المسلم، على ثلاثة أقوال، وهي:
القول الأول: الجواز، واستدلوا بعدد من الأدلة، منها:
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٥٨)، حكم الألباني: صحيح، الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٧٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٩٧٧).
[ ٣ / ٤٢١ ]
قول الله تَعَالَى عن نبيه يحي بن زكريا -﵉-: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، قال ابن الأنباري -﵀-: «إن قال قائل: كيف سمَّى الله -﷿- يحيى سيدًا وحصورًا، والسيد هو الله؛ إذ كان مالك الخلق أجمعين، ولا مالك لهم سواه؟ قيل له: لم يُرد بالسيد هنا المالك، إنما أراد الرئيس والإمام في الخير، كما تقول العرب: فلان سيدنا، أي: رئيسنا والذي نُعظِّمه» (^١).
قول الله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فسمى الزوج بالسيد.
القول الثاني: التحريم، واستدلوا بعدد من الأدلة منها:
حديث أبي نضرة عن مطرف، قال: قال أبي: «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، قَالَ: السَّيِّدُ اللهُ، قَالُوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (^٢).
القول الثالث: الكراهة، واستدلوا بعدة أدلة منها:
أن النبي -ﷺ- لما قالوا له: «أَنْتَ سَيِّدُنَا»، قال لهم: «السَّيِّدُ اللهُ» (^٣)، مع أنه -ﷺ- هو سيد ولد آدم، وقوله هذا يدل على الكراهة
_________________
(١) اللسان (٣/ ٢١٤٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
الشديدة أن يقال لأحد: أنت السيد؛ لأنه قد يفهم منه استغراق معاني السيادة؛ والبشر ليس مستغرقًا لمعاني السيادة، لكن له سيادة تخصه وتميزه» (^١).
يقول الشيخ صالح آل الشيخ تعليقًا عليه: «إن إطلاق لفظ السيد على البشر مكروه، ومخاطبته بذلك يجب سدها، فلا يخاطب أحد بأن يقال له: أنت سيدنا، على جهة الجمع، وذلك لأن فيها نوع تعظيم من جهة المخاطبة، يعني: الخطاب المباشر، والجهة الثانية من جهة استعمال اللفظ، والنبي -﵊- سيد، كما قال عن نفسه: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ) (^٢)، ولكن مخاطبته -﵊- مع كونه سيدًا كرهها ومنع منها؛ لئلا تؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك، من تعظيمه والغلو فيه -﵊-، … وفيه ما يفيد أنه -﵊- حَمَى حِمَى التوحيد، وسد الطرق الموصله للشرك، ومنها طريق الغلو في الألفاظ» (^٣).
وبعد عرض هذه الأقوال، لعل الصواب والله أعلم: أن إطلاق اسم السيد على المخلوق جائز؛ لأن السيد بمعنى المقدم في القوم، وكذلك بمعنى الرئيس، وبمعنى المولى، وما أشبه ذلك، ولكن إذا أطلق على الله -﵀- فهو بمعنى الرب المالك المتصرف، فهو غير ما يطلق على البشر، ولا سيما وقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ»، ثم ذكر حديث الشفاعة (^٤).
_________________
(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب الله التوحيد، لصالح آل الشيخ، (٢/ ٣٢٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١١٤٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٣٠٨)، حكم الالباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٧٤١).
(٣) المرجع السابق، (ص: ٥٨٢).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
فهذا صحيح ثابت عنه -ﷺ-، وأما إطلاقه على الله -﵀- فله معنى غير هذا، وهو المولى والمالك والمتصرف والرب الذي يربي خلقه بالنعم، وبما يصلح لهم، وما يصلحهم (^١).
ويمكن الجمع- أيضًا- بأن يحمل النهي على إطلاق لفظ السيد على غير المالك والإذن بإطلاقه على المالك، وكذلك أن الكراهة خاصة بالنداء، فيكره أن يقول: يا سيدي، ولا يكره في غير النداء» (^٢).
فاللهم إنا نسألك يا الله يا سيدنا، أن تغفر لنا ذنوبنا،
وأن لا تحوجنا لغيرك.
_________________
(١) ينظر: شرح فتح المجيد، للغنيمان. هذا الكتاب عبارة عن دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، ورقم الدرس هو: ١٣٤، ويوجد أقوال أخرى في المسألة مدارها على الجواز، وهي: الجواز مطلقًا بلا كراهة، إلا إذا خيف من الغلو؛ فإن النبي -ﷺ- خاف عليهم من الغلو، فإذا خيف على الإنسان من الغلو يُنهى عن ذلك، أما إذا لم يُخفْ عليه من الغلو فلا بأس؛ عملًا بالأحاديث الكثيرة التي جاء فيها إطلاق السيد على المخلوق، وهناك قول رابع ألمح إليه المشايخ، وهو: أنه لا يجوز إطلاق السيِّد على الشخص في حضوره ومواجهته، ويجوز إطلاقه عليه وهو غائب؛ لأن النبي -ﷺ- إنما استنكر هذا لما واجهوه به -ﷺ-، فيُمنع مواجهة الإنسان بقول: «أنت السيِّد»، «أنت سيِّدنا»، أو ما أشبه ذلك؛ خوفًا عليه من الإعجاب بنفسه، كما نهى النبي -ﷺ- من مدح الإنسان حال حضوره. إعانة المستفيد (٢/ ٢١٣/ ٢١٤).
(٢) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٧٩).
[ ٣ / ٤٢٤ ]
الشَّافي -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «وشفاه الله من مرضه شفاء، ممدود، … واستشفى: طلب الشفاء، وأشفيتك الشيء: أي أعطيتكه تستشفى به، ويقال: أشفاه الله عسلًا، إذا جعله له شفاء» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(شفى) الشين والفاء والحرف المعتل يدل على الإشراف على الشيء؛ يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه، وسمي الشفاء: شفاء؛ لغلبته للمرض وإشفائه عليه، ويقال: استشفى فلان؛ إذا طلب الشفاء، ويقال: أعطيتك الشيء تستشفي به، ثم يقال: أشفيتك الشيء» (^٢).
ورود اسم الله (الشافي) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (الشافي) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الشافي) في السنة النبوية:
ورد اسم الشافي في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
- عن عائشة -﵂-: «أن رسول الله -ﷺ-، كان إذا أتى مريضًا أو أتي به، قال: أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِى، لَا شِفَاءَ إِلَّا
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٤٤).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٩٩).
[ ٣ / ٤٢٥ ]
شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١).
ثبوت اسم الله (الشافي) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الشافي) في حق الله تَعَالَى:
ابن تيمية -﵀-: في قوله: «ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين … اسمه: الشافي، كما ثبت في الصحيح» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (الشافي) في حقه سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ هو الشافي من أمراض الأبدان والشافي من أمراض القلوب.
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]: «يقول تَعَالَى ذكره: وننزل عليك- يا محمد- من القرآن ما هو شفاء يُستشفى به من الجهل ومن الضلالة، ويُبصَّرُ به من العمى للمؤمنين، ورحمة لهم دون الكافرين به» (^٤).
- قال الحليمي -﵀-: «الله -﷿- يشفي الصدور من الشبه والشكوك، ومن الحسد والغلول، والأبدان من الأمراض والآفات لا يقدر على ذلك غيره، ولا يدعى بهذا الاسم سواه» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٩١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٥).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
(٤) تفسير الطبري (١٥/ ٦٢ - ٦٣).
(٥) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ٢١٩).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشَّافي):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشافي) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ هو الشافي بقدرته وحكمته، وعلمه وإحاطته، فلا شافي على الإطلاق إلا الله وحده، يقول -ﷺ-: «وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١)، فهو سُبْحَانَهُ الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يُبرأ الداء مع انعدام الدواء، وقد يُشفى الداء بلزوم الدواء، ويرتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما باعتبار قدرة الله سواء، فهو الشافي الذي خلق أسباب الشفاء، ورتب النتائج على أسبابها والمعلولات على عللها، فيشفي بها وبغيرها؛ لأن حصول الشفاء عنده يحكمه قضاؤه وقدره، فالأسباب سواء ترابط فيها المعلول بعلته، أو انفصل عنها هي من خلق الله وتقديره، ومشيئته وتدبيره.
وشفاء الشافي سُبْحَانَهُ نوعان، دل عليهما عموم قوله -ﷺ-: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (^٢)، وهما:
النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي، وهو الشفاء من علل القلوب.
يقول تَعَالَى ممتنًّا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٨).
[ ٣ / ٤٢٧ ]
يقول ابن كثير -﵀- في تفسير الآية: «أي: زاجرًا عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] أي: محصل لها الهداية والرحمة من الله تَعَالَى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه» (^١).
ويفصل الإمام ابن القيم -﵀- القول في أمراض القلوب وشفائها، فيقول: «ومرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال؛ … كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات.
وهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يُحس بالألم، ولأن سَكْرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.
والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه.
فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٤).
[ ٣ / ٤٢٨ ]
إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: «شفي غيظه» فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ستَّ فوائد.
فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شَفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضًا من حيث ظن أنه يشفيه …، وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبُرْئه، قال النبي -ﷺ- في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» (^١)، فجعل الجهل مرضًا، وشفاءه سؤال أهل العلم.
والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها ما لايزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية» (^٢).
النوع الثاني: الشفاء المادي، وهو الشفاء من علل الأبدان:
فإن الشفاء من الأمراض لا يحدث بالطبيب وخبرته، أو بالدواء وقوته، وإنما يحدث بإذن الله وقدرته، فالله -﷿- خالق البدن ومدبر أمره، يعلم الداء والدواء
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٣٦)، حكم الألباني: حسن لغيره، رقم الحديث: (٥٣١).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٦ - ١٩).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
جملة وتفصيلًا؛ ولذا جاء الشفاء مخصصًا في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] بـ (هو)، وكذلك أكدها النبي -ﷺ- في الحديث: «اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (^١)، ومن دلائل ذلك أيضًا ما يلي:
قول جبريل -﵇- للنبي -ﷺ- حين عاده في مرضه، فعن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: «يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (^٢)، فجبريل هو خير الأطباء من الخلق؛ لأنه يعالج بالوحي، والمريض هو خير الناس وأطيبهم بدنًا ونفسًا، وهو رسول الله -ﷺ-، والدواء هو خير دواء؛ لأنه رقية (بسم الله الشافي)، ومع ذلك فإن جبريل يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ويقول: «الله يَشْفِيكَ» أي: أن الرقية مني، ولكن الشفاء كله من الله وحده.
ما أكرم الله به نبيه عيسى -﵇- من شفاء المرضى، وإبراء الأعمى فيبُصر، والأبرص فيُشفى، وحتى إحياء الموتى، ولكن هذا كله بإذن الله، وهذا ما قاله نبي الله عيسى -﵇- في قوله تَعَالَى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
قصة أصحاب الأخدود، عندما جاء جليس الملك وقد عمي إلى الغلام المؤمن بهدايا، وقال: «مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٨٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠٠٥).
[ ٣ / ٤٣٠ ]
ومن المعلوم أن اعتقاد العبد وإيمانه بأن الشافي هو الله وحده، وأن الشفاء بيده ليس مانعًا من بذل الأسباب النافعة بالتداوي، وطلب العلاج، وتناول الأدوية المفيدة، فقد جاء عن النبي -ﷺ- أحاديث عديدة في الأمر بالتداوي، وذكر أنواع من الأدوية النافعة المفيدة (^١)، وهذا لا ينافي التوكل على الله واعتقاد أن الشفاء بيده.
الأثر الثاني: توحيد الله باسمه (الشافي):
- دلالته على توحيد الألوهية والربوبية:
إن الله -﷿- هو القدير الحكيم، فبالقدرة خلق الأشياء وأوجدها وهداها وسيَّرها، وانفرد بذلك دون سواه، وهذا توحيد الربوبية، وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها، وعلق عليها الشرائع والأحكام تحقيقًا لتوحيد العبودية، والعبد المؤمن يوقن تمامًا بأن الشفاء بيد الله وحده، «وأن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعًا، لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه، مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلُّف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلَّف» (^٢).
وفي ذلك يقول السعدي -﵀- عند قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)
_________________
(١) سيأتي مزيد بيان في الأثر الثالث.
(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، (٣/ ٣٩٨).
[ ٣ / ٤٣١ ]
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨١]: «فهو وحده سُبْحَانَهُ المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب، فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها» (^١).
- دلالته على توحيد الأسماء والصفات:
وكما تقدم فاسم الله (الشافي) يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والسمع والبصر، والعلم والقدرة، والخبرة والحكمة، والغنى والقوة، وغير ذلك من صفات الكمال.
الأثر الثالث: التوكل على الله الشافي:
فالله سُبْحَانَهُ هو خالق الأسباب ومسبباتها، وفارق كبير بين التعلق بالأسباب، والأخذ بالأسباب، فإن من صدق توكل العبد على الله أن يأخذ بالأسباب وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذنه تَعَالَى، ولا ترد شيئًا من أقداره، ومن أدلة ذلك: ما رواه أبو خزامة، قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ قَال: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» (^٢).
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «إن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء، ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء، كانت له أدوية
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٢).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٣٧)، حكم الألباني: حسن، تخريج مشكلة الفقر، رقم الحديث: (١٣).
[ ٣ / ٤٣٢ ]
أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمع أمورها عليه، واستعانتها به وتوكلها عليه، فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية» (^١).
فالأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تَعَالَى يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد العباد عليها، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده، كما تقدم في قول النبي -ﷺ-: «اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (^٢)، والله سُبْحَانَهُ لم ينزل داء إلا ومعه الدواء، كما في الحديث: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (^٣)، ودل عباده على أسباب تنفع بإذنه تَعَالَى للشفاء، ومن تلك الأسباب:
١ - القرآن:
قال الله -﷿- عن أثر القرآن في شفاء القلوب وهدايتها: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
_________________
(١) الطب النبوي، لابن القيم، (ص: ١١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٥٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٣٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٤٨٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٠٥).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
قال ابن القيم -﵀-: «فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها» (^١).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁-: «أنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم» (^٢).
وعن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» (^٣).
وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ،
_________________
(١) الطب النبوي، لابن القيم (ص: ٢٧٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٠١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٩٢).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا: بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (^١).
وعلى هذا فالقرآن فيه شفاء لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم.
٢ - العسل:
يقول تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].
قال ابن كثير -﵀-: «أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم، … ثم ذكر الحديثُ الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما- عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَال: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (^٢).
قال بعض العلماء بالطب: «كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالًا، فاعتقد الأعرابي أنَّ هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٩٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢١٧)، واللفظ له.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته» (^١).
وعن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (^٢).
٣ - الحبة السوداء:
عن عائشة -﵂-، أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنَ السَّامِ، قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» (^٣).
٤ - ماء زمزم:
ثبت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- شرب من ماء زمزم، وأنه قال: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (^٤)، وقد غسل جبريل -﵇- صدر النبي -ﷺ- بماء زمزم.
٥ - الصدقة:
عن ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» (^٥)، وهذا هو الطب الحقيقي الذي لا يخطئ، لكن لا يظهر نفعه إلا لمن رق حجابه وكمل استعداده ولطفت بشريته … فإن الصدقة دواء
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٠١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨٧).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٧٣).
(٥) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٣٢٧٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٥٨).
[ ٣ / ٤٣٦ ]
منجح، ونبه بها على بقية أخواتها من القُرَب، كعتق، وإغاثة لهفان، وإعانة مكروب (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تَعَالَى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جربوه» (^٢).
٦ - التلبينة:
عن عائشة -﵂-، أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض، وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (^٣).
قال المناوي -﵀-: «(مَجَمَّة) بفتح الميمين والجيم مشدد، أي: مريحة لفؤاد المريض، وفي رواية: الحزين، أي: تريح قلبه وتسكنه، بإخمادها للحمى من الإجمام، وهو الراحة (تذهب ببعض الحزن)، فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه ومعدته؛ لقلة الغذاء، والحساء، يرطبها ويغذيها ويقويها» (^٤).
_________________
(١) شرح الجامع الصغير، للمناوي (٢/ ٢).
(٢) الوابل الصيب (١/ ٤٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨٩).
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوى (١/ ٩٣٦).
[ ٣ / ٤٣٧ ]
٧ - التداوي بالطب الحديث:
وهو ما يكون على أيدي الأطباء، فعلى المريض مع يقينه بأن الشافي هو الله أن يأخذ بالأسباب بجوارحه دون قلبه، فلا يمتنع من الأسباب ومن بينها الطب الحديث الذي ثبتت دراساته، وقد بين رسول الله -ﷺ- ذلك جليًّا لما سأله الأعراب: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا» (^١).
وقال النووي -﵀-: «إن الطب غير قادح في التوكل؛ إذ تطبب رسول الله صلى الله عليه وسلم والفضلاء من السلف، وكل سبب مقطوع به كالأكل والشرب للغذاء والري لا يقدح في التوكل عند المتكلمين في هذا الباب، ولهذا لم ينف عنهم التطبب» (^٢).
الأثر الرابع: محبة الله الشافي:
الله -﷿- هو الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، والذي لا يكشف الضر إلا هو ولا يأتي إلا بالخير إلا هو، وهو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليشفي الناس من أمراض الشرك والكفر والشكوك، والحقد والحسد وغيرها من أمراض القلوب، ويعافيها بالهداية إلى الدين القيم، والصراط المستقيم الذي يوصل إليه، وهو الذي يحفظ أبدانهم ويشفي أبدانهم من الأسقام والآفات، وهذا كله يثمر في القلب محبة مَن هذه صفاته، وتوحيده والتعبد له بكل أنواع العبادة لا شريك له.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢٩١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد (٢٩١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩١).
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدِّر من الأسباب الموصلة إليه (^١).
الأثر الخامس: تحريم التداوي بمحرم:
من آمن باسم الله (الشافي) كان متحريًا في طلب الدواء الحلال، ومتجافيًا عن الحرام الذي يباعد بينه وبين ربه، يقول -ﷺ-: «فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^٢)، وفي حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (^٣)، فقالت له زوجته: لِمَ تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت اختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله -ﷺ- يقول: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^٤).
وعلل الشيخ ابن عثيمين -﵀- التحريم بقوله: «التداوي بالمحرم لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرمه عليها؛ ولأن الله لا يحرم علينا الشيء إلا لضرره، والضار لا ينقلب نافعًا أبدًا، حتى لو قيل: إنه اضطر
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ١٤٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٤٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٣).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٦٨٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٨٨٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٣٠)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣٩).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
إلى ذلك فإنه لا ضرورة للدواء إطلاقًا؛ لأنه قد يتداوى ولا يشفى، وقد يشفى بلا تداوٍ، إذًا: لا ضرورة إلى الدواء» (^١).
وقد ذكر ابن القيم -﵀- عدة أدلة لتحريم التداوي بما حرمه الله، وقسم هذه الأدلة إلى قسمين، كالتالي:
أولًا: الأدلة الشرعية، ومنها:
قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^٢).
عن ابن مسعود -﵁-: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (^٣).
حديث أبي هريرة -﵁-، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ (^٤).
حديث طارق بن سويد الجعفي -﵁-، أنه سأل النبي -ﷺ- عن الخمر: «فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (^٥).
_________________
(١) لقاءات الباب المفتوح (٥٦/ ١٥)، حكم التداوي بالمحرم.
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٩٧٤٣)، حكم الالباني: شطره الأول صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٥٣٨).
(٣) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٧٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٩٧٤١).
(٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٤٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٥٩)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٥٣٩).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٨٤).
[ ٣ / ٤٤٠ ]
ثانيًا: الأدلة العقلية، ومنها:
أن الله سُبْحَانَهُ إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبًا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل، بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
في التحريم حمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في أزالتها لكنه يعقب سقمًا أعظم منه في القلب، بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
أن التداوي بالخبيث يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالًا بينًا، فإذا كانت كيفيته خبيثة أكسب الطبيعة منه خبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته.
أن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء، فإن النافع هو المبارك، … ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها (^١).
الأثر السادس: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]:
فإن عقل العبد يعجز ويضيق عن استيعاب كل ما يجري عليه؛ إذ الله يعامله بعلمه، ولا يخلو من فضل تَعَالَى، فكثير مما يُقدر عليه من أمراض أومكروهات هي في ذاتها شفاء لأمراض في القلب قد تفتك به لو استمرت
_________________
(١) انظر: الطب النبوي، لابن القيم (ص: ١٢١).
[ ٣ / ٤٤١ ]
فيه، فيأتي المرض أو المصيبة؛ ليكونا سببًا في التخلص منها، فالشفاء ليس بالضرورة هو المعافاة من المرض، أو زواله بالكلية، وفي هذا يقول ابن القيم -﵀- وهو يعدد حكم الله -﷿- ورحمته في المصائب: «السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه (الطبيب) العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا، والثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته، فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره» (^١).
ويؤكد السعدي -﵀- ذلك بقوله: «إن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع؛ لأنه يعلم أن الله تَعَالَى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم» (^٢).
ومما يعين العبد على ذلك: أن يعلم بعضًا من الحِكم في دائه الذي يرجو منه شفاء، ومنها:
١ - مغفرة الذنوب:
عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة -﵄-، عن النبي -ﷺ-
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (١/ ٤١٦).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٩٦).
[ ٣ / ٤٤٢ ]
قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (^١)، والوصب: المرض.
وعن ابن مسعود -﵁-، قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (^٢).
٢ - النجاة من النار:
عن أبي هريرة -﵁-، «أنَّ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَادَ مَرِيضًا وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعَكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَبْشِرْ إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ (^٣).
٣ - المريض يظفر بمعية الله:
عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنّ اللهَ -﷿- يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٦٧٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٨٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٩).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
٤ - دخول الجنة:
عن أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (^١)، بحبيبتيه: أي: عينيه.
وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس -﵄-: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (^٢).
٥ - أجر عيادة المريض:
عن علي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، إِنْ كَانَ مُصْبِحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِيًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).
غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦١٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٩٦٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٤٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٣).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
٦ - ومن المرضى من له أجر الشهداء:
عن أنس -﵁-، أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٢).
المبطون: الذي يموت بداء البطن، والمطعون: الذي يموت بالطاعون، وصاحب الهدم: الذي يموت تحت الهدم.
وعن جابر بن عَتِيكٍ -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» (^٣).
والمريض متسبب في أجر لمن زاره: وهذه بركة خُص بها المريض:
عن علي -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٦).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٧٥٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣١١١)، والنسائي، رقم الحديث: (١٨٤٥)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣٩).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى.
الأثر السابع: الدعاء باسمه (الشافي):
فمتى ما أراد العبد الشفاء، أوبحث عن أسباب الدواء فإن من أهم الاسباب التي يأخذ بها: دعاء الله باسمه (الشافي) أن يتولاه بقدرته ويشفيه، ويدله على دائه ودوائه، كما كان يقول ويفعل نبينا -ﷺ- بأن يمسح على المريض، ويقول: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١)، ومنه رقية جبريل -﵇- لنبينا، فقد ثبت في الصحيح أن جبريل أتى النبى -ﷺ-: «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (^٢).
وقد كان ذلك نهج صحابته من بعده، كما ثبت عن أنس -﵁-، قال: لثابت: أَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^٣).
فاللهم رب الناس، اذهب البأس، أنت الشافي، اشف قلوبنا من عللها، واشف أبداننا من أمراضها، شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء أنت أهله ووليه.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٨٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٤٢).
[ ٣ / ٤٤٦ ]
الطَيِّب -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الطيب: خلاف الخبيث، وطاب الشيء يطيب طيبة وتطيابًا» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الطاء والياء والباء أصل واحد صحيح؛ يدل على خلاف الخبيث» (^٢).
ورود اسم الله (الطيب) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (الطيب) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (الطيب) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الطيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٩٢).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ٤٣٥).
[ ٣ / ٤٤٧ ]
[البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).
ثبوت اسم الله (الطيب) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الطيب) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (الطيب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال النووي -﵀-: «قال القاضي: الطيب في صفة اللهتَعَالَى بمعنى: المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاء والطهارة والسلامة من الخبث» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في شرحه لقوله -ﷺ-: «وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (^٥)، وذلك في دعاء التشهد: «وكذلك قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ) هي
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).
(٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ١٥١).
(٣) ينظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٣٥).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).
[ ٣ / ٤٤٨ ]
صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه» (^١).
قال ابن رجب -﵀-: «الطيب معناه: الطاهر، والمعنى: أن الله مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها» (^٢)، فهوسُبْحَانَهُ المنزه عن الآفات والعيوب، وعن كل وصف خلا عن كمال، أو عن طيب الثناء.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الطيب) (^٣):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الطيب) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
«الله سُبْحَانَهُ الطيب، فالأسماء الطيبات، والصفات الطيبات، والكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، كلها له سُبْحَانَهُ لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سُبْحَانَهُ، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته» (^٤).
ومن مظاهر كون الله طيبًا ما يلي:
_________________
(١) الصلاة وحكم تاركها (ص: ٢١٤).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٤).
(٣) للاستزادة: تراجع آثار اسم الله (السبوح القدوس).
(٤) الصلاة وحكم تاركها، لابن القيم (ص: ٢١٤).
[ ٣ / ٤٤٩ ]
كلام الطيب أطيب كلام:
فالقرآن أطيب الكلام؛ لأنه خرج من أطيب من تكلم، قال تَعَالَى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤].
يقول ابن كثير -﵀-: «قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة» (^١)، ويقول السعدي- أيضًا- في تفسير ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]: «الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله» (^٢).
ولا ينبغي أن يتقرب إليه العبد إلا بالطيب من الأقوال، والأعمال المنبعثة من المقاصد الطيبة.
عقيدة الطيب أطيب العقائد:
يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٥٢].
قال السعدي -﵀-: «﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، وهي النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا﴾ منتشر ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ وهي كثيرة النفع دائمًا، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٨).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٣٦).
[ ٣ / ٤٥٠ ]
علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائمًا، يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، ويجد ثمرتها في حياته؛ بل ويجدها بعد مماته وهذه الكلمة مع العبد حتى يصل إلى البرزخ، فإذا قيل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله في ذلك الموقف من يشاء سُبْحَانَهُ» (^١).
شرع الطيب أطيب الشرائع:
يقول الطبري -﵀- في تفسير قول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين، إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها» (^٢).
الطيب أحل الطيبات، ورزقه أطيب الأرزاق:
يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال تَعَالَى عن رسوله -ﷺ-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة طيب الله تَعَالَى، وشموله لصفاته كلها؛ تيقن أن لا إله ولا رب يستحق التوحيد والعبادة إلا الرب الطيب الجميل
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٤٢٥).
(٢) تفسير الطبري (٨/ ٤٩٤).
[ ٣ / ٤٥١ ]
الكريم السبوح القدوس، الذي له الكمال كله، والطيب كله، والحمد كله، والقدرة كلها.
وكما أن اسم الله (الطيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الكريم والجميل والرحيم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة الله الطيب:
من آمن بأن الله طيب في ذاته، بأسمائه، وصفاته، وطيب في أفعاله، وأنه لايقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا؛ أحب ربه وأجله.
الأثر الثالث: المؤمن طيب في أحواله كلها:
أهل الإيمان بالله هم الطيبون الذين عمرت قلوبهم بمحبة الله واتباعه، فطابت أقوالهم وأعمالهم، فلا يحبُّون إلا الطيب من كل شيء، ومن ذلك:
طيب أقوالهم:
فلا يتكلمون إلا بالطيب الحسن من الكلام، كما قالتَعَالَى في وصفهم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
قال مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين: «المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من
[ ٣ / ٤٥٢ ]
الناس للطيبات من القول» (^١)، وقيل المعنى: «الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الطيبات للطيبين» (^٢).
وقد قسم اللهتَعَالَى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، و﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقالتَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].
يقول ابن القيم -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: «وهو طيب سُبْحَانَهُ، لا يصعد إليه إلا طيب، والكلم الطيب إليه يصعد، فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، وإليه مصعدها ومنتهاها» (^٣) (١).
طيب أفعالهم:
فلا يقدمون إلا على الأفعال والأخلاق الطيبة؛ وهي التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمةُ مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرعُ والعقلُ والفِطرةُ، فهي المنبعثة من مقاصد وأهداف طيبة، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٢/ ٢١١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ١٦٢).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ومن أعظم ما تحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب المطعم، وذلك بأن يكون حلالًا، فيزكو بذلك عمله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨].
ولذا أمر الله عباده المؤمنين بأن يأكلوا حلالًا طيبًا ثم يعملوا صالحًا، ولا يقبل الله منهم إلا ما كان طيبًا من الطعام والأعمال، ومما يدل على ذلك قول النبي -ﷺ-: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).
ومما ذكره ابن القيم -﵀-: «فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكُن إلا إليه، ولا يطمئن قلبُه إلا به، فله من الكلام الكَلِمُ الطيب الذي لا يصعد إلى اللهتَعَالَى إلا هو، وهو أشدُّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبُهت، وقول الزور وكل كلام خبيث، وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويُحسن إلى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به ويَدَعَهم مما يحب أن يدعُوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنًا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئًا كتمه، ويقبل أعذارهم ما استطاع؛ فيما لا يُبطل الشريعة، ولا يُناقض لله أمرًا ولا نهيًا، وله- أيضًا- من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة، والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول.
وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يُغذِّي البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته، وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الروائح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعُشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيبة، وبدنُه طيب، وخُلُقُه طيب، وعملُه طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فالله -﷾- جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار.
فجعل الدور ثلاثة: دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين،
[ ٣ / ٤٥٥ ]
وقد جمعت كل طيب وهي الجنة، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث، وخلط بينهما وهي هذه الدار؛ ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين (^١).
الأثر الرابع: الحياة الطيبة جزاء الطيبين في الدنيا والآخرة:
فالمؤمن حاز طيب الحياة الأبدي في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك ما يلي:
أولًا: الحياة الطيبة في الدنيا:
إن أطيبَ العيشِ العيشُ مع الله، من ناله فقد نال أوفر الحظ والنصيب، يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «قد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا، والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات
_________________
(١) ينظر: زاد المعاد (ص ٦٥، ٦٦).
[ ٣ / ٤٥٦ ]
يرقص فيها طربًا، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح، فإنه ملكها، ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطيبة، وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، والمعيشة الضنك- أيضًا- تكون في الدور الثلاث، فالأبرار في النعيم هنا وهنالك، والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]» (^١)
ثانيًا: الحياة الطيبة في الآخرة:
لما طابت أقوال المؤمنين وأفعالهم في الدنيا، طابت لهم الدار الآخرة، وأنزلهم الله المساكن الطيبة، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (^٢)، فلايسمعون فيها إلا طيبًا: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، ولايرون إلا طيبًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والزيادة هي رؤية وجه الكريم سُبْحَانَهُ، وحتى أنفسهم وأنفاسهم طابت؛ كما قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٤٣).
(٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٢٠٠)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٢٨٢٥)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٣٥).
[ ٣ / ٤٥٧ ]
يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقالتَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] «فعقَّب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها» (^١).
وقد وصف الله تَعَالَى منقلَب المؤمنين في الآخرة بالطيب، فحياتهم طيبة، ومساكنهم طيبة ومطاعمهم ومشاربهم طيبة، وذلك في غير ما آية من كتابه، فقالسُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
اللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩].
اللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا.
_________________
(١) الوابل الصيب (ص: ٤٠).
[ ٣ / ٤٥٨ ]
القابِضُ الباسِطُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: معنى القابض:
قال الجوهري -﵀-: «قبضت الشيء قبضًا: أخذته، والقبض: خلاف البسط، ويقال: صار الشيء في قبضتك، أي: في ملكك» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(قبض) القاف والباء والضاد أصل واحد صحيح يدل على معنيين، أحدهما: أخذ الشيء، تقول: قبضت الشيء من المال وغيره قبضًا، ومقبض السيف ومقبضه: حيث تقبض عليه، والثاني: جمع الشيء وتجمعه، ومنه القبَض، بفتح الباء: ما جمع من الغنائم وحصل» (^٢).
ثانيًا: معنى الباسط:
قال الجوهري -﵀-: «بسط الشيء: نشره، وبالصاد أيضًا، وبسط العذر: قبوله، والبسطة: السعة … والبساط، بالفتح: الأرض الواسعة» (^٣).
- قال ابن فارس -﵀-: «(بسط) الباء والسين والطاء أصل واحد، وهو امتداد الشيء في عرض أو غير عرض، فالبساط: ما يبسط، والبساط: الأرض،
_________________
(١) الصحاح (٤/ ٢٣٧).
(٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٥٠).
(٣) الصحاح (٤/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٤٥٩ ]
وهي البسيطة … ويد فلان بسط: إذا كان منفاقًا، والبسطة في كل شيء السعة، وهو بسيط الجسم والباع والعلم، قال الله تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]» (^١).
ورود اسم الله (القابض الباسط) في القرآن الكريم:
لم يرد هذان الاسمان في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (القابض الباسط) في السنة النبوية:
ورد الاسمان في السنة النبوية، من حديث أنس -﵁-، «قال الناس: يا رسول الله، غلا السعرُ، فَسَعِّرْ لنا، فقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ -﷿- وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٢).
ثبوت اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تَعَالَى:
- ابن القيم -﵀-: يقول في النونية:
هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ= هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ (^٣)
- ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٤).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٤٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٢٧٣)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣١٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٠٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣).
(٣) نونية ابن القيم (ص: ٢١١).
(٤) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
[ ٣ / ٤٦٠ ]
معنى اسمي الله (القابض الباسط) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]: «(يقبض): يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه، ويعني بقوله: (ويبسط): يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء على حسب ما يرى من المصلحة لعباده، فالقبض ها هنا: التقتير والتضييق والبسط: التوسعة في الرزق والإكثار منه، فالله -﷿- القابض الباسط يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «فالقابض الباسط هو الذي يوسع الرزق ويقتره، ويبسطه بجوده ورحمته، ويقبضه بحكمته على النظر لعبده، كقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧]، فإذا زاده لم يزده سرفًا وخرقًا، وإذا نقصه لم ينقصه عدمًا ولا بخلًا، وقيل: القابض هو الذي يقبض الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد» (^٣).
قال الحليمي -﵀-: «ومنها الباسط: ومعناه الناشر فضله على عباده، يزرق ويوسع ويجود ويفضل ويمكن ويخول ويعطي أكثر مما يحتاج إليه، ومنها القابض، يطوى بره ومعروفه عمن يريد، ويضيق ويقتر أو يحرم فيفقر، ولا ينبغي أن يدعى ربنا -ﷻ- باسم القابض، حتى يقال معه: الباسط» (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٩).
(٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٩٧).
(٣) شأن الدعاء (١/ ٥٨).
(٤) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٤٦١ ]
قال ابن الأثير -﵀-: «القابض هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته، المتقابلة التي لا يطلق كلُّ واحد منها إلا مع الآخر» (^١).
والسبب في ذلك- والله أعلم-: أن الكمال المطلق إنما يكون باجتماعهما؛ وذلك لأن في اجتماعهما جمع بين صفات الجمال والإحسان والتودد والرحمة التي يدل عليها اسم الله (الباسط)، وبين صفات الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام التي يدل عليها اسم الله (القابض) (^٢)، يقول الخطابي -﵀-: «قد يحسن في مثل هذين الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر بالآخر، وأن يوصل به ليكون ذلك أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة على المنع والحرمان، إذا أوصلت أحدهما بالآخر، فقد جمعت بين الصفتين منبئًا عن وجه الحكمة فيهما …» (^٣).
ويقبض الأرواح عند الممات». (^٤)، وقال في الباسط: «هو الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة» (^٥).
_________________
(١) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤١).
(٢) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٣٩).
(٣) شأن الدعاء (١/ ٥٨).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٦).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٢٧).
[ ٣ / ٤٦٢ ]
قال الشيخ السعدي -﵀-: «هذه الأسماء الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يُثنى على الله بها إلا كل واحد مع الآخر؛ لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق، والرحمة، والقلوب …» (^١)، وقال في موضع آخر: «من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر فإن الكمال من اجتماعهما» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ … هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (^٣)
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القابض الباسط):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القابض الباسط) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ القابض الباسط الذي له الكمال في ذلك والمنتهى؛ فهو القابض الباسط الملك الذي له ملك السموات والأرض وبيده مقاليد كل شيء وخزائنه، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (^٤).
_________________
(١) الحق الواضح المبين (ص: ٨٩).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٣٨).
(٣) نونية ابن القيم (ص: ٢١١).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).
[ ٣ / ٤٦٣ ]
ومن مظاهر قبض الله وبسطه ما يلي:
- هو القابض الباسط الفعال لما يريد، يبسط لمن يشاء ويقبض، ويصرف كيف شاء، لا حجر له، ولا مانع يمنعه مما أراد، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (^١)، وقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^٢).
- هو القابض الباسط العليم الخبير، الذي يعلم أحوال عباده وما يصلح لكل واحد منهم، فيبسط عليهم بعلم، ويقبض عنهم بعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وجاء في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٣٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧٣٢)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٩٩)، وابن أبي عاصم في السنة، رقم الحديث: (٣٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٩٧).
[ ٣ / ٤٦٤ ]
يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير» (^١).
- هو القابض الباسط الكريم الحكيم، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارًا، وخزائنه ملأى، لا تغيضها النفقة، فإذا بسط بسط بجوده وكرمه من غير إسراف ولا تبذير، وإذا قبض فلحكمة بالغة، لا بخلًا وشحًّا، ولا نقصًا وفقرًا، ولا ظلمًا وجورًا (^٢).
- هو القابض الباسط الرحيم اللطيف، يعطي عبده حاجته رحمة منه وشفقة به، ويمنعه رحمة به ولطفًا؛ لعلمه أنه لو بسط له لكان في ذلك هلاكه وشقائه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^٣).
- هو القابض الباسط الحليم الذي لا يمنع من عصاه بسطه، ولا يحرمه خيره، فهؤلاء اليهود- قبحهم الله- قالوا مقالتهم القبيحة ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فلم يمنعه مقالهم من أن يبسط خيره عليهم (^٤).
- هو القابض الباسط الواسع الذي شمل بسطه الحركات، وقبضه السكنات، قال ابن القيم -﵀-: «يشهد العبد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تَعَالَى في كل متحرك وساكن، فيشهد تعلق الحركة باسمه (الباسط)،
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٥١١)، تفسير السعدي (ص: ٧٥٤، ٧٥٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٣٨).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢٧).
(٤) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٣٨).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وتعلق السكون باسمه (القابض) فيشهد تفرده سُبْحَانَهُ بالبسط والقبض» (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القابض الباسط) على التوحيد:
المتأمل في اسم الله القابض الباسط يجده دالًّا على توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
فأما دلالته على الربوبية: فلما فيه من تفرد الله ووحدانيته في القبض والبسط، فهما بيده وتحت تصريفه وتدبيره لا يشاركه فيه أحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال الطبري -﵀-: «أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربًّا دونه يعبدونه» (^٣)، ويؤيد ذلك قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]، وعن أنس -﵁- قال: «غلا السعر على عهد رسول الله -ﷺ-، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا! فقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٤)، فدل على «أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره» (^٥).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٤١).
(٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٠ - ٣٤١).
(٣) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٨).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٨).
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وأما دلالته على الألوهية: لما فيه من إقامة الحجة بما ثبت في الربوبية على الألوهية، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣] فمن كان بيده القبض والبسط، والنفع والضر، وتدبير الأرزاق مستبدًّا بها من غير مشارك ولا مؤزر؛ استحق العبادة وحده دون ما سواه؛ فكما أنه الواحد في قبضه وبسطه وتصريفه وتدبيره فليكن الواحد في عبادته جل في علاه» (^١).
وأما دلالته على الأسماء والصفات: لما في هذا الاسم من الدلالة على أسماء وصفات أخرى، فأما الأسماء: فهذا الاسم دال على اسم الله الحي، القيوم، الرزاق، العزيز، العليم، الخبير، الحكيم، الحليم، الرحيم ونحو ذلك.
وأما الصفات: فهذا الاسم دال على صفة الإرادة، واليدين لله -ﷻ-، فأما الإرادة فلكونه -﵎- يبسط لمن أراد وشاء، ويقبض عمن أراد وشاء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦].
وأما اليدين فلكونه -﵎- يبسط يداه بما شاء، ويقبضهما بما شاء، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤)، تفسير السعدي (ص: ٦٣٥).
[ ٣ / ٤٦٧ ]
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (^١)، وعنه -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنّ اللهُ -﷿- قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٢)، وقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ، أَوِ الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» (^٣)، وعن أبي موسى -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٤)، إلى غير ذلك من الأدلة التي يطول ذكرها (^٥).
الأثر الثالث: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠]:
وأرزاق الله لعباده عديدة ومتنوعة، لا تقتصر على رزق المال أو الولد، بل هي أعم من ذلك وأشمل، والله سُبْحَانَهُ يبسط بها على من يشاء من خلقه بالتوسيع والكثرة، ويقبضه عمن يشاء بالتضيق والقلة، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٩٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).
(٥) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٣/ ١٣٣، وما بعدها).
[ ٣ / ٤٦٨ ]
* ومن أنواع الأرزاق:
-الهداية: فيبسط لمن شاء قلبه حتى يتسع لأمر الله انشراحًا وإقبالًا وعملًا، فيستنير قلبه للإسلام ويُهدى إلى سواء السبيل، ويقبض لمن شاء صدره عن الخير فيضل الطريق، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. (^١)
- العمر: فيبسطه الله على من يشاء حتى يصل به إلى سن الهرم والشيخوخة، ويضيقه على من يشاء حتى يموت في شبابه وقواه، ولربما زاد تضيقه فيموت في طفولته، بل ربما مات وهو جنين في بطن أمه، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ (^٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^٣) (^٤).
- الجسم: فيبسط على من يشاء فيه ويقبض على من يشاء، فيظهر القوي والضعيف، والحسن والقبيح، والصحيح والمريض.
- الأولاد: فيعطي من يشاء الذكور، ومن يشاء الإناث، ومن يشاء الذكور
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٩٨)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠).
(٢) ينسأ، أي: يؤخر، والأثر: الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠٦٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٦)، تفسير السعدي (ص: ٥٣٤).
[ ٣ / ٤٦٩ ]
والإناث، ويمنع من يشاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
-العلم والفهم: فيفتح على من يشاء فيه حتى يبلغ المراتب العالية، ويضيق على من يشاء فيقل حظه ونصيبه منه، ولربما ضيق عليه جدًّا، حتى لم يكن له منه حظ أصلًا.
قال تَعَالَى عن طالوت وبسطه له في العلم والجسم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
- الأموال: فيقبضها ويبسطها سُبْحَانَهُ كيف شاء، فيظهر على أثرها الغني والفقير، والحر صاحب الأملاك والثروات، والرقيق الذي لا يملك شيئًا حتى نفسه التي بين جنبيه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] (^١).
- المناصب: فيقسمها على خلقه وينوعها بينهم، فيوجد الرئيس والمرؤوس، والملك والمملوك، والوزير والخادم، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
- الأمطار والسحب: فيرسلها على ما يشاء من الأرض، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، ويمسكها عما يشاء من الأرض، فتجدب وتغبر لا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٤).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
خضر فيها ولا نبات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] (^١).
- الرحمة: فيفتح رحمته ويبسطها على من يشاء من خلقه، فيجدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، حيثما كان، وكيفما كان، ويقبضها عمن يشاء فيفقدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان، وما من نعمة إلا وتنقلب عليه نقمة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
الأثر الرابع: الرضى بما قسم القابض الباسط للعبد:
إذا تيقن العبد أن قبض الله وبسطه ناشئ عن علم تام بمصالح العبد، وحكمة بالغة، ورحمة عظيمة؛ رضي بما قسم الله له وقدر من الأرزاق وغيرها، سواء كان بسطًا أو قبضًا، ولم ينظر لمن فوقه نظرة حسد وبغضاء، فيعيش في نكد وشقاء، بل ينظر لمن هو دونه فيزداد بذلك رضى وقناعه، قال رسول الله -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (^٢).
فله الحمد على كل أفعاله، وله الحمد في خلقه وأمره.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٤، ٦٤٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣).
[ ٣ / ٤٧١ ]
الأثر الخامس: التوكل على القابض الباسط:
إذا علم العبد أن الله وحده القابض الباسط، فلا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط كما قال -ﷺ- في دعائه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^١) تعلق قلبه به وحده توكلًا وتفويضًا واعتمادًا واستعانة واستغاثة، وانقطع عن التعلق بالمخاليق ولو كان على يدهم رزقه، فإذا شكرهم لإعطائهم شكرهم شُكر الموقن بأن الله هو الذي بسط له الرزق وأمره بشكر من أحسن إليه، وإذا ذمهم أو مقتهم لمنعهم الرزق فإنما ذلك لكونهم أساؤا إليه مع يقينه أن الله هو الباسط القابض.
ثم إن هذا التوكل لا يعني عدم الأخذ بالأسباب؛ لأن الله -﷿- قدر الأشياء وجعل لها أسبابًا متى قام العباد بها حصلت لهم.
قال الشيخ السعدي -﵀- في هذا الاسم الكريم وأمثاله: «وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور كلها جارية تحت أقداره، فإن الله جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يوجب للعبد القيام بتوحيد الله، والاعتماد على ربه في حصول ما يحب، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة، فإنها محل حكمة الله» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٩٠).
[ ٣ / ٤٧٢ ]
وقد جمع رسول الله -ﷺ- بين التقدير والأخذ بالأسباب في قوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١)، فبسط الرزق والعمر بيد الله وتقديره، وصلة الرحم سبب من العبد متى ما قام به حصل له الموعود بإذن الله.
وكذلك كون الله هو المسعر «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ» (^٢) لا يمنع أن يكون هناك أسباب، إذا قام بها العباد اندفع عنهم الغلاء وحصل لهم الرخص، كما قيل لأحد الفضلاء: «لقد غلت الأسعار! فقال: أرخصوها بالترك» (^٣).
وهكذا في سائر الأمور، فإن سنة الله وحكمته اقتضت ربط الأسباب بمسباتها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
الأثر السادس: اليقين بأن القبض والبسط لا يدل على المحبة والبغض:
إذا علم العبد اسم الله (القابض الباسط) وما فيه من التفاوت بين الخلق في البسط والقبض، لا بد أن يعلم أن البسط من الدنيا ليس دليلًا على الرضا والمحبة، وليس القبض منها دليلًا على السخط والبغض، بل ربما كان العكس، فيقبض الله على أوليائه رحمة ولطفًا بهم ومنحة عاجلة توصلهم للنعيم المقيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ويوسع ويبسط على أعدائه إملاءً لهم
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٨٧).
[ ٣ / ٤٧٣ ]
واستدراجًا، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]، فظنوا أن زيادتهم بالأموال والأولاد دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن هذا امتداد لخير الآخرة ومقدمة له، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] فرد الله عليهم ظنهم الخاطئ بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٦ - ٣٧]، فبين أن بسط الرزق وتضيقه ليس دليلًا على ما قالوا، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء بسط وإن شاء ضيق، وفق ما تقتضيه حكمته (^١).
وقد أشار الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف -﵁- لهذا المعنى، حينما قدم له الطعام وكان صائمًا، فخشي من بسط الدنيا وفتحها عليه، فقال: «قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٢٧٥).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
الأثر السابع: الصبر والشكر فيما يصيب العبد من قبض وبسط:
إذا عُلم ما سبق من أن القبض والبسط ليس دليلًا على الكرامة على الله، ولا الإهانة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، فليعم أن الله قدره ابتلاء وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ومن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل، كما فعل بقارون، حينما بطر وأشر وكفر نعمة الله عليه ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]، وكما فعل بصاحب الجنة الذي بُسط له في رزقه، فكان له جنتان من الكروم محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر من بينهما الأنهار، فأذهله رزقه حتى نسي مُسديه وباسطه، فكفر به وجحد قيام الساعة، فأتاه العذاب الأليم ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢ - ٤٣] (^١).
وإذا استشعر العبد هذا وكان له على بال؛ سعى إلى ما يرضي الله في الحالين، فإن قبض عنه وضيق عليه رضي وصبر، وتيقن أن هذا قضاء قُدر عليه قبل أن يخلق، ومع ذلك لم ييأس من رحمة الله وفتحه وتبديل حاله من قبض لبسط، ومن منع لعطاء، ومن عسر ليسر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] فيسعى لدفع هذا التضييق بالأسباب المشروعة مع تعلق
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٤).
[ ٣ / ٤٧٥ ]
قلبه بالرَّازق؛ إذ هو مسبب الأسباب وهو القابض الباسط على الحقيقة، حيث لا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط، قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]،
واللجوء إليه بالتضرع والدعاء، كما قال صلى الله عيله وسلم داعيًا ربه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^١).
وإن بسط له وفتح عليه لم يستعمل ذلك في معصية الله، بل شكره بقلبه اعترافًا واقرارًا بنعمته، وبلسانه حمدًا وتحدثًا بنعمته، وبجوارحه عملًا بها في طاعته، وسعيًا في بذل شيء منها للخلق والإحسان إليهم فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وبهذا يكون المؤمن كما قال -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).
[ ٣ / ٤٧٦ ]
الأثر الثامن: محبة الله القابض الباسط:
إذا تيقن العبد أن البسط والقبض بيد الله -﷿-؛ تولاه بنفسه، ولم يجعل لمخلوق فيه يدًا، فما من نعمة بسطت له إلا بفضله، وما من نعمة قبضت عنه إلا لحكمة وخير أريد به؛ حمله ذلك اليقين على محبته وتوليه، والتجرد إليه إخلاصًا وإقبالًا.
فاللهم يا قابض يا باسط، ابسط علينا من بركاتك
ورحمتك، وفضلك ورزقك.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
المُحْسِن -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن، على غير قياس … والحاسن: القمر، وحسَّنت الشئ تحسينًا: زيَّنته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشئ، أي: يعمله، ويستحسنه: يعده حسنًا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي، والحسنى: خلاف السوأى» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحُسن ضِدُّ القبح، يقال: رجل حسن، وامرَأة حسناء وحسانة … والمحاسن من الإنسان وغيره: ضدُّ المساوي …» (^٢).
ورود اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم.
ورود اسم الله (المحسن) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المحسن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
١ - ما جاء عن أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا، فَإِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ» (^٣).
_________________
(١) الصحاح، (٦/ ٣٧٧).
(٢) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٧).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٢٩٩٩)، وابن أبي عاصم في الديات (ص ٥٢)، = = حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٩٤).
[ ٣ / ٤٧٨ ]
٢ - ماجاء عن شداد بن أوس، قال: حفظت عن رسول الله -ﷺ- اثنتين قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ثُمَّ لِيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^١).
ثبوت اسم الله (المحسن) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (المحسن) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: «فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية» (^٣).
معنى اسم الله (المحسن) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله المحسن في حق الله على معنيين:
١ - الإتقان والإحكام.
٢ - الإنعام والجود والعطاء.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «أحكم خلقها» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧١٢١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٢٤).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٧٠)
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
(٤) تفسير الطبري (٢٠/ ١٧٠).
[ ٣ / ٤٧٩ ]
قال مجاهد -﵀-: «أتقن كل شيء خلقه» (^١).
قال الطبري -﵀- في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن …» (^٢).
قال ابن كثير -﵀- فيها: «إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها» (^٣).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال المناوي -﵀- في قوله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ» (^٤)، «أي: الإحسان له وصف لازم، لا يخلو موجود عن إحسانه طَرْفة عين، فلا بد لكل مُكوَّن من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد» (^٥).
اقتران اسم الله (المحسن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (المحسن) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.
_________________
(١) المرجع السابق (٢٠/ ١٧١).
(٢) المرجع السابق (٢٠/ ١٧١).
(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٦٠).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) فيض القدير (٢/ ٢٦٤).
[ ٣ / ٤٨٠ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحسن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المحسن) من الصفات:
لما كان لله -﷿- كمال الحُسن في الأسماء والصفات ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] كان كذلك في الأفعال؛ فهو سُبْحَانَهُ المحسن في فعله كله إيجادًا وإنعامًا، وإمدادًا وحكمًا، وهداية وجزاء.
وإحسانه -﵎- عام وخاص:
فأما العام (^١): فعم إحسانه الخلق أجمع، وغمرهم بجوده وفضله، فلا يخلو موجود من إحسان المحسن طرفة عين، بل لا قيم لهم إلا بإحسانه وإنعامه.
أحسن المحسن إلى الخلق بالإيجاد من العدم، قال تَعَالَى على وجه الامتنان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، ثم أحسن إليهم بأن أوجدهم على وجه محمود في غاية الإحكام والإتقان، فلا يرى في خلقهم خلل، ولا نقص، ولا فطور، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]، أي: «خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات» (^٢)، فأبدع خلقه، وأحكم صنعه، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، وجعله وافيًا بالمقصود من خلقه، «فصلابة الأرض مثلًا للسير عليها، ورقة الهواء؛
_________________
(١) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٥١٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٩).
[ ٣ / ٤٨١ ]
ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوق؛ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يمينًا وشمالًا لكثرت الحرائق، فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق» (^١)، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وأحسنَ المحسنُ خلقَ الإنسان، فخلقه في أحسن تقويم، حتى صار في أكمل الصور، وأبهى المناظر، وأحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، قال تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «وإذا أردت أن تعرف حُسن الآدمي وكمال حكمة الله تَعَالَى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه، يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر- أيضًا- إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور» (^٢).
ثم أحسنَ المحسنُ إلى خلقه بعموم نعمه التي لا تبلغ الأوهام تصورها، ولا تطمع العقول في إحصائها وعدها (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢١/ ٢١٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٤١).
(٣) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٤٧٠).
[ ٣ / ٤٨٢ ]
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وأحسن إليهم برزقه الواسع الظاهر والباطن، وبرزقه الطيب من المأكل، والمشرب، والمنكح، والملبس، والمنظر، والمسمع، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤]، فذكر إحسانه بخلق الدار، والسكان، والأرزاق، تبارك الله رب العالمين (^١).
وأحسن إليهم بالهداية إلى تحصيل المنافع والمصالح، ودفع المضار والمخاطر، حتى أعطى الحيوان البهيم منهم القدرة على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
ثم أحسن إليهم المحسنُ غايةَ الإحسان وأعظمه، بأن عرفهم بمعبودهم الحق بما أودع في فطرهم، وبما أرسل إليهم من الرسل، وأنزل من الكتب، ولم يتركهم يتخبطون في معرفته والزلفى إليه.
وأحسن إليهم بما حكم وقضى من الأقدار التي لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، قال تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، وأحسن إليهم بما حكم في الشرائع والأديان التي بُنيت على علم، وعدل، ورحمة حتى صارت في غاية الحسن والبهاء والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٥٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٤١).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، تفسير السعدي (ص: ٢٣٥).
[ ٣ / ٤٨٣ ]
ثم زاد المحسنُ أمةَ محمد -ﷺ- إحسانًا وفضلًا، بأن شرع لها أحسن الأديان دين الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، قال الطبري -﵀-: «يعنى تَعَالَى ذكره بـ (الصبغة: صبغة الإسلام) (^١)، وكمَّله لهم غاية الإكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأنزل لهم أحسن كتاب، وأكمل حديث، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، ومعانيه أجلُّ المعاني وأعظمها، وقصصه أصدق القصص وأحقُّها، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فكان بذلك متشابهًا في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه (^٢).
وأما إحسانه الخاص:
فإحسان المحسن سُبْحَانَهُ إلى أوليائه وأهل طاعته، فأحسن إليهم أعظم الإحسان بأن هداهم للدين الحق، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ثم أحسن إليهم بما علَّمهم من دينه وشرعه، ورزقهم العمل به، فوفقهم للطاعات ودفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبين فعلها، وأحسن إليهم بعصمته لهم من الذنوب والآثام، فما من قول طاعة ولا فعل طاعة ولا مسابقة للخيرات إلا والله المحسن به على العبد، وما من حرام ولا مكروه ترك ولا مشتبه تورع عنه إلا والله المحسن به
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ١١٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٣، ٧٢٢).
[ ٣ / ٤٨٤ ]
على العبد، لا بحوله وقوته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وأحسن إليهم بأن وفقهم لنشر العلم وتبليغه، وأحسن إليهم بالثبات على الحق إلى الممات (^١).
وأحسن إليهم المحسن بمعيته الخاصة، ونصرته، وإجابته لدعواتهم، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^٢).
وأحسن إليهم المحسن بما يجازيهم من حسن الثواب على فعل الخيرات؛ فيجازيهم بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بل يحسن إليهم بما يعطيهم من الأجور التي لا تبلغها أعمالهم، بل ولا تبلغه أمنيتهم، فيعطيهم من الأجر بلا عدٍّ ولا كيل، قال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] [النحل: ٩٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩)، فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
[ ٣ / ٤٨٥ ]
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (^١).
ويحسن إليهم بما يجازيهم من الجنة الكاملة في حسنها ونعيمها، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، بل يزيدهم إحسانًا بما ينعم عليهم من لذة النظر إلى وجهه الكريم، وسماع كلامه العظيم، والفوز برضاه والبهجة بقربه ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦] (^٢).
ومن صور هذا الإحسان الخاص: إحسانه -﵎- لنبيه ورسوله يوسف -﵇-، الذي قال عن ربه: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، فأحسن له الإحسان الجسيم من أوجه عدة، منها (^٣):
١ - أن صرف إخوته عن قتله إلى إلقائه في غيابات الجب، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].
٢ - أن أوحى إليه في الموقف العصيب، حينما ألقاه إخوته في الجُبِّ، أن العاقبة له، وأنه سيخبر إخوته بفعلهم هذا، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٦٢).
(٣) ينظر: تفسير سورة يوسف، للسعدي في تفسيره.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وفي هذا بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض.
٣ - أنْ حفِظه في الجُبِّ من الهلاك، مع أنه مظنة لذلك.
٤ - أن قدَّر شراء عزيز مصر له دون غيره، وعزمه على إكرامه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق.
٥ - أن آتاه النبوة والرسالة وتأويل الرؤيا، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢١ - ٢٢].
٦ - أن صرف عنه الوقوع في السوء والفحشاء، مع دعوة امرأة العزيز لذلك، وتوافر الدواعي للإجابة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
٧ - أن أظهر براءته من الفاحشة، بإنطاق شاهد من أهل بيت المرأة.
٨ - أن صرف عنه كيد النسوة بإجابته لدعوته، حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)
[ ٣ / ٤٨٧ ]
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٥].
٩ - أن جعله موحدًا مخلصًا العبودية له -﵎-، وهذا أعظم الإحسان والفضل، قال تَعَالَى حكاية عن قول يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧ - ٣٨].
١٠ - أن رفع شأنه وأعلى ذكره بما قدر من رؤيا المك وتعبيرها، مع عجز القوم عن ذلك.
١١ - أن أخرجه من السجن وأظهر براءته، بقول النسوة لما سألهم الملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١].
١٢ - أن مكَّن ليوسف في الأرض، وجعله على خزائن الأرض واليًا، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٥، ٥٦].
١٣ - أن قدر إتيان إخوته إليه محتاجين، ثم قدر له إبقاء أخيه عنده، قال تَعَالَى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
[ ٣ / ٤٨٨ ]
١٤ - أن وفقه للإحسان لإخوته بالعفو العظيم والصفح الجميل: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
١٥ - أن أكرمه وأقر عينه بأبويه وإخوته وإتيانهم من البادية إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
١٦ - أن حقق رؤياه التي رأى في الصغر، فأسجد له أبويه وإخوته على وجه الإكرام والتبجيل، قال تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
١٧ - أن وفقه لشكر إحسان المحسن إليه، قال تَعَالَى عن قول يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
١٨ - أن أبقى ذكره في العالمين، وجعله قصته أحسن القصص، قال تَعَالَى في مطلع قصة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
١٩ - أن جمع له مع الإحسان في الدنيا الإحسان في الآخرة، الذي به تمام الإحسان وكماله، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧].
[ ٣ / ٤٨٩ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحسن) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله (المحسن) وما فيه من الإحسان إلى الخلق بخلقهم، وتربيتهم بما أدرَّ عليهم من النعم الظاهرة والباطنة؛ علم أن من كان كذلك هو الإله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح الربوبية لغيره، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤ - ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، فكيف يسوَّى بين الله المحسن -ﷻ- وبين صنم لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلم؟ فما هذا إلا من أعظم الضلال والسفه والغي؟! (^١).
وكما أن اسم الله (المحسن) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الخالق، العليم، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الكريم، الحليم، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: محبة الله المحسن:
إذا تأمل العبد في اسم الله (المحسن) ثم نظر في آثاره عليه، وكيف أنه أحسن إليه بإخرجه من العدم إلى الوجود، وأحسن إليه بكمال الصورة، واعتدال الخلقة وفصاحة اللسان، وسلامة الهيئة من التشوه ونقص الأعضاء،
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤١٠)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠٧).
[ ٣ / ٤٩٠ ]
حتى خرج صحيحًا سليمًا عاقلًا، لا مجنونًا ولا معتوهًا ولا سفيهًا، وأحسن إليه بما رزقه من الطعام والشراب واللباس وسعة المال حتى لا يحتاج معه إلى أحد من الخلق، وأحسن إليه بأن علمه بعد أن كان جاهلًا ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وأحسن إليه بالأهل والولد والعشيرة الذين يأوي إليهم ويأنس بهم ويتقوى بقربهم، وأحسن إليه بالأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من آلائه وإحسانه الذي لا ينقطع مع كل شهيق وزفير (^١).
فإذا تأمل ذلك العبد امتلأ قلبه محبة ومودة له -﵎-؛ «فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، فأيُّ إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه فضلًا عن أنواعه، فضلًا عن أفراده، وكلُّ نعمة منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه» (^٢).
الأثر الرابع: الفرح بشريعة المحسن والتمسك بها:
كان من إحسان المحسن -﷿- إلى خلقه أن تولى بنفسه الحكم والفصل بينهم بما أنزل من الأحكام والشرائع، ولم يتركهم هملًا يحكمون بأهوائهم وآرائهم وعقولهم القاصرة، بل تكفل بذلك، فحكم عن رحمة وحكمة وعلم حتى صار حكمه أكمل الأحكام، وشرعه أتم الشرائع وأحسنها، متميزًا عن القوانين الوضعية والديانات المحرفة، قال تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
_________________
(١) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٥١٢).
(٢) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤٢).
[ ٣ / ٤٩١ ]
ومن أوجه كمال وحسن حكمه وتشريعه (^١):
١ - أنه رباني؛ فالله -﷿- هو الذي خلق الخلق وهو الأعلم بما يصلحهم وبما يفسدهم، فشرع لهم ما يلائمهم ويناسبهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
٢ - أنه شامل لجميع جوانب الحياة الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأخلاقية، والسياسية … إلخ، قال تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
٣ - أنه عام شامل للثقلين ولكل زمان ومكان، فلا يختص بشعب دون شعب ولا مجتمع دون مجتمع، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٤ - أنه باق دائم؛ إذ تكفل الله بحفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
٥ - أنه ثابت مَرِن؛ إذ حوت أحكامه أمورًا تتسم بالثبات، ولا تقبل التغيير أبدًا، وأمورًا أخرى تقبل التغيير بما يتمشى مع المجتمعات والأعراف، وتغير الأحوال والبيئات.
٦ - أنه وسط، بعيدًا عن الإفراط والتفريط في جميع جوانبه، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) ينظر: مدخل إلى دراسة النظم الإسلامية، لإسماعيل علي محمد، (ص: ١٤٢، وما بعدها)، والنظم الإسلامية، لعبد الرحمن الضحياني (ص: ٤٣ - ٤٥).
[ ٣ / ٤٩٢ ]
٧ - أنه مراعٍ للطبيعة الإنسانية وما فيها من حاجات، ورغبات، وضعف، ونسيان، ونحو ذلك.
٨ - أنه قائم على العدل بين العباد، فلا فرق في أحكامها بين العربي والأعجمي، ولا الغني والفقير، ولا الشريف والوضيع، قال تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال -ﷺ-: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (^١).
٩ - أنه جاء بالحرية والإكرام للبشرية؛ إذ يحررهم من التحاكم لأمثالهم من البشر والخضوع إليهم، وينقلهم إلى التحاكم لحكم رب البشر والخضوع إليه الذي هو مقتضى فطرهم وحاجتهم النفسية.
١٠ - أنه جمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي، ولم يقتصر على الجزاء الدنيوي كما في أحكام البشر، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وبهذا كملت وكمل حسنها، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ثم إن المؤمن إذا تيقن هذا واستشعره؛ كان ذلك داعيًا له للفرح والغبطة بشرع الله وحكمه، وداعيًا له- أيضًا- لتحكيمه والتمسك به والدعوة إليه،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
والسعي في نشره، لتهنأ البشرية بهذا الإحسان العظيم من الله المحسن جل في علاه؛ وذلك بالعيش في ظلال الشريعة الحسنى المتقنة التي كفلت الخير والمصلحة للبشرية في الدارين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
الأثر الخامس: اتصاف العبد بالإحسان:
الله سُبْحَانَهُ (المحسن) يحب من عباده أن يتقربوا له بمقتضى معاني أسمائه، فهو الكريم يحب الكرماء، وهو الرحمن يحب الرحماء، وهو المحسن يحب المحسنين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
والإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها، فإذا كان الإسلام هو الأركان الظاهرة، والإيمان هو الأركان الباطنة، فإن الإحسان هو تحسين الظاهر والباطن (^١).
وفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه الخلة العظيمة والمنزلة الكريمة.
_________________
(١) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، للحكمي (٣/ ٩٩٨).
[ ٣ / ٤٩٤ ]
«المحسن يحب المحسنين»
في موضوع الإحسان سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الإحسان:
ينقسم الإحسان إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله.
فأما الإحسان في عبادة الله:
فهو كما عرفه رسول الله -ﷺ- في حديث جبريل -﵇-: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها» (^٢).
والإحسان في عبادة الله على مرتبتين (^٣):
١ - مرتبية المشاهدة التي أشار إليها رسول الله -ﷺ- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (^٤)، وهي: دوام استحضار قرب الله من عبده ومعيته حتى
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٨).
(٢) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ١٤١).
(٣) ينظر: شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٥٣)، وشرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٧٣ - ٧٥).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
كأنه يراه، وهذه المرتبة أعلى المرتبتين.
٢ - مرتبة المراقبة التي أشار لها رسول الله -ﷺ- بقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، وهي: استحضار دوام نظر الله للعبد، واطلاعه على سره وعلانيته وباطنه وظاهره.
وأما الإحسان إلى عباد الله:
فهو: «بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون» (^٢).
قال الراغب -﵀-: «والإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا. والإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له.
والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له» (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «بذل الخير لهم من مال، أو جاه، أو غير ذلك» (^٤).
والإحسان إلى الخلق على درجتين:
١ - إحسان واجب، وهو: القيام بما يجب للخلق من حقوق، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) المرجع السابق (ص: ١٤٢).
(٣) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٣٧).
(٤) شرح الأربعين النووية (ص: ٥٣).
(٥) ينظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ١٤١ - ١٤٢).
[ ٣ / ٤٩٦ ]
٢ - إحسان مستحب، وهو: «ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان، وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان» (^١).
قال ابن رجب -﵀-: «الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام، بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره، وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها» (^٢).
ثالثًا: فضائل الإحسان:
للإحسان فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
أن الله -﷿- ذكره في مواضع عديدة من كتابه بصور مختلفة، فتارة يأتي به مقرونًا بالإسلام، كما في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وتارة مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح، كما في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وتارة مقرونًا بالتقوى، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وتارة مفردًا كقوله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (^٣).
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ١٤٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١).
(٣) ينظر: المرجع السابق (١/ ١٢٥).
[ ٣ / ٤٩٧ ]
وهذا كله دال على فضله وعظيم شأنه؛ فإن الله -﷿- عظيم ولا يأمر إلا بعظيم، فإذا أمر بالشيء مرة واحدة كان عظيمًا، فكيف إذا كرره وأبداه وأعاده!!.
أن الله -﷿- أمر به في كل شيء، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^١).
قال ابن رجب -﵀-: «وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.
والإحسان في ترك الحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] [الأنعام: ١٢٠]، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب» (^٢).
أن الله -﷿- جعل امتحان العباد على حسن العمل، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
أن الله -﷿- جعل هداية كتابه ورحمته وبشارته لأهل الإحسان، فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٢ - ٣]،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢].
أن الله -﷿- يحب أهله- أهل الإحسان-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٤].
أن الله -﷿- أعلن البشرى لأهل الإحسان، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].
أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بأنه يجازيهم بالإحسان كما أحسنوا، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
أن الله -﷿- يتقبل من أهل الإحسان، ويحفظ عليهم عملهم، ويشكر سعيهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] (^١).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩١).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالجزاء الحسن في العاجل والآجل، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ووعدهم بالزيادة فيه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦١] (^١).
أن الله -﷿- يكون مع أهل الإحسان بالهداية والتوفيق والعون والنصر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (^٢).
أن الله -﷿- يهديهم إلى الطرق الموصلة إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (^٣).
أن الله -﷿- يؤتي أهل الإحسان الحكم والعلم، قال تَعَالَى عن نبيه يوسف -﵇-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، ونبيه موسى -﵇-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٦١٥)، وتفسير السعدي (٦٤٦).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٣٦).
[ ٣ / ٥٠٠ ]
أن الله -﷿- يجازي أهل الإحسان بصلاح ذريتهم بحسب إحسانهم، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] (^١).
أن الله -﷿- يمكِّن لأهله في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].
أنَّ الله -﷿- ينشر الثناء على أهل الإحسان، ويرفع ذكرهم بحسب إحسانهم إلى يوم الدين، قال تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٨٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]، وكذا قال سُبْحَانَهُ في موسى وهارون وآل ياسين (^٢).
أن الله -﷿- جعل الإحسان سببًا لانشراح الصدر، قال ابن القيم -﵀- في أسباب انشراح الصدر: «ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريمَ المحسنَ أشرحُ الناسِ صدرًا، وأطيبُهُم نفسًا، وأنعمُهُم قلبًا، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسانٌ أضيقُ الناسِ صدرًا، وأنكَدُهم عيشًا وأَعْظَمُهُم همًّا وغمًّا.
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٦٣).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٠٥).
[ ٣ / ٥٠١ ]
وقد ضَرَبَ رسولُ الله -ﷺ- مثلًا للبخيل والمتصدق، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁-: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ) (^١)؛ فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه، ومثل صدر البخيل وانحصار قلبه» (^٢).
أن الله -﷿- جعل اللوم ساقطًا عن أهل الإحسان إذا فعلوا ما يقدرون عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] (^٣).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «ويستدل بهذه الآية على قاعدة، وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن- وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان» (^٤).
أن الله -﷿- جعل رحمته قريبة من أهل الإحسان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٢١).
(٢) زاد المعاد (٢/ ٢٢).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٤٨).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٣٤٨).
[ ٣ / ٥٠٢ ]
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فكلما كان العبد أكثر إحسانًا؛ كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبًا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى» (^١).
أن الله -﷿- جعل الإحسان سببًا لتكفر السيئات، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٤، ٣٥].
أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالأجر العظيم، قال تَعَالَى لزوجات رسول الله -ﷺ-: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].
أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤].
أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالنظر إلى وجهه الكريم، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والزيادة: النظر لوجه الله الكريم، كما جاء عن رسول الله -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٢٩٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨١).
[ ٣ / ٥٠٣ ]
قال ابن رجب -﵀-: «وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك: النظر إلى الله عيانًا في الآخرة.
وعكس هذا ما أخبر الله به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حُجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجبوا عن رؤيته في الآخرة» (^١).
ثالثًا: تحقيق مرتبة الإحسان:
تحقيق الإحسان إنما يكون بالقيام بقسميه: الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله.
وتحقيق الإحسان في عبادة الله إنما يكون بأمور، منها:
١ - إخلاص العبودية لله -﷿- (^٢).
٢ - المتابعة لرسول الله -ﷺ- في أداء العبادة (^٣).
قال تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال الفضيل بن عياض -﵀-: «أخلصه وأصوبه» (^٤)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٥).
(٢) ينظر: شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٥٣).
(٣) ينظر: المرجع السابق.
(٤) تفسير البغوي (٥/ ١٢٤).
[ ٣ / ٥٠٤ ]
وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، قال ابن كثير -﵀-: «وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص، ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع فيه الرسول -ﷺ-.
فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١) (^٢).
٣ - بذل الجهد في القيام بالعبادة وتحسينها وإتمامها وإكمالها (^٣).
وقد وصف الله -﷿- أهل الإحسان بجملة من العبادات، منها:
أ-الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٥].
ب- التقوى، قال تَعَالَى عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٨).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٨٥).
(٣) ينظر: جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٦)، وتفسير السعدي (ص: ٢٩٢).
[ ٣ / ٥٠٥ ]
وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣١ - ٣٢]، واجتناب الكبائر من التقوى.
ج- الصبر بأنواعه، كما في قول يوسف السابق: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، وكما في قول تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، لا سيما الصبر في جهاد الأعداء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
د-اليقين بالآخرة وإقام الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٢ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩].
هـ- الإنفاق في سبيل الله كما في الآيات السابقة، وكما في قول الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
[ ٣ / ٥٠٦ ]
و-الدعاء لله -﷿- بقلب مخلص خائف طامع، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦].
ي- الإحسان إلى الخلق الذي هو القسم الثاني من أقسام الإحسان، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].
وأما تحقيق الإحسان إلى عباد الله، فيكون: بالقيام بحقوقهم وبذل الخير لهم، ودفع ما يكرهون، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا.
والإحسان للخلق عام لا يخص بصورة معيّنة، ولا بمخلوق دون مخلوق، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^١).
ومن صور الإحسان للخلق (^٢):
أ-الإحسان إلى الوالدين، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وهذا شامل للإحسان إليهم بالقول الكريم والخطاب اللطيف والدعاء
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٧٨).
[ ٣ / ٥٠٧ ]
الصادق، وبالفعل الجميل من طاعة أمرهما واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلُّق بهما، ونحو ذلك.
وقد أشار الله لهذا الإحسان القولي والفعلي، لا سيما حال الكبر في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (^١).
ب- إحسان المرأة لزوجها، والرجل لزوجته: قال تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قال علي وابن مسعود -﵄-: «المرأة» (^٢)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وذلك بالصحبة الجميلة، وحسن المعاملة، وبذل النفقة والكسوة ونحوهم، وكف الأذى حتى مع الكراهة والطلاق والنزاع، قال تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وعدم نسيان الفضل وكفران العشير، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال ابن
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥١).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٠).
[ ٣ / ٥٠٨ ]
عباس -﵁-: إن النبي -ﷺ- قال: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» (^١) (^٢).
ج - الإحسان إلى ذوي القربي والأرحام، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] من صلته وبره وإكرامه بالقول والفعل، والعفو عن زلاته والمسامحة عن هفواته، والنفقة عليه والصدقة على المحتاج، كما قال -ﷺ-: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صِلَةٌ وَصَدَقَةٌ» (^٣) إلى غير ذلك من أوجه الإحسان (^٤).
د- الإحسان إلى الجار، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ
والإحسان إلى الجار راجع إلى العرف، ومنه: تعاهده بالهدية والصدقة والدعوة، وملاطفته بالأقوال والأفعال وعدم أذيته بقول أو فعل، وقد حذر
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٧٢).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٤٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٦٥٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٨٥٨).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٢).
[ ٣ / ٥٠٩ ]
النبي -ﷺ- من ذلك بقوله: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْجَارُ؛ جَارٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، قَالُو: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا بَوَائِقُهُ؟ قَالَ: شَرُّهُ» (^١)، وفي رواية لمسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).
هـ- الإحسان إلى الصاحب، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قال زيد بن أسلم -﵁-: «هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر» (^٤).
والإحسان إليه يكون بمساعدته في أمر دينه ودنياه، وبذل النصح له، والوفاء معه في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، ونحو ذلك.
و- الإحسان إلى عموم الناس، فعن أبي ذَرٍّ -﵁-، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٨٧٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٥٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٦٤)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١١٩)، والبزار، رقم الحديث: (١٩٠٢ - كشف الأستار).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٠).
[ ٣ / ٥١٠ ]
النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (^١)، كذلك الإحسان إليهم بالكلمة الطيبة، يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ويدخل في ذلك النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، وبذل السلام ورده، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والموعظة والجدال بالأحسن، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، كذلك الإحسان إليهم بقضاء حوائجهم؛ فعن أبي هريرة -﵁-، قال -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (^٢).
ز- الإحسان إلى الخدم ونحوهم، فعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ (^٣) جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٤)، وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ،
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٣٥٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٠٨٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٨٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٠٩).
(٣) الخول: جمع خائل، وهم حشم الرجل وأتباعه.
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).
[ ٣ / ٥١١ ]
فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» (^١).
ح- الإحسان إلى الحيوانات؛ فعن شداد بن أوس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^٢)، ومن ذلك: الإحسان إليهم بالطعام والشراب؛ فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (^٣).
ومن الإحسان إليهم: الإحسان حال الذبح والقتل؛ فعن شداد بن أوس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^٤)، وعن ابن عباس -﵄- قال: «مر رسول الله -ﷺ- على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أَفَلَا قَبْلَ هَذَا، أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَانِ!» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٥٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٤).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).
(٥) أخرجه الضياء في المختارة، رقم الحديث: (١٧٤)، واللفظ له، والحاكم، رقم الحديث: (٧٥٦٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٤).
[ ٣ / ٥١٢ ]
ومن الإحسان إليهم أيضًا: عدم تعذيبهم وأذيتهم، وقد جاء الوعيد على ذلك، فعن ابن عمر -﵄-، أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوه تفرقوا عنها، فقال: «من فعل هذا؟ إن رسول الله -ﷺ- لعن من فعل هذا» (^١)، وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^٢)، وعن ابن عباس -﵄- أن النبي مر على حمار قد وسم وجهه، فقال: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» (^٣).
وما سبق من الصور ليس على سبيل الحصر وإنما المثال؛ إذ المقام يطول جدًّا بذكرها.
اللهمَّ اجعلنا من عبادك المحسنين، الذين هم أحبابك وأهل معيتك.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٥٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣١٨)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦١٩).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١١٧).
[ ٣ / ٥١٣ ]
المُقدِّمُ المؤخِّرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
معنى اسم الله (المقدم) في اللغة:
قال الجوهري -﵀-: «قدم بالفتح يقدم قدمًا، أي: تقدم، قال الله تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «القاف والدال والميم أصل صحيح يدل على سَبْقٍ ..» (^٢).
معنى اسم الله (المؤخر) في اللغة:
قال ابن فارس -﵀-: «الهمزة والخاء والراء أصل واحد، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم، وهذا قياس أخذناه عن الخليل، فإنه قال: الآخر نقيض المتقدم، والأخر نقيض القدم، تقول: مضى قدمًا، وتأخر أخرًا، وقال: وآخرة الرحل وقادمته، ومؤخر الرحل ومقدمه» (^٣).
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٢٨٤).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٥).
(٣) مقاييس اللغة (١/ ٧٠).
[ ٣ / ٥١٤ ]
ورود اسمي الله (المقدِّم المؤخِّر) في القرآن الكريم:
لم يرد أي من الاسمين في القرآن الكريم.
ورود اسمي الله (المقدِّم المؤخِّر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المقدِّم المؤخِّر) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ-، «أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي، وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).
٢ - علي بن أبي طالب -﵁- في وصفه لصلاة النبي -ﷺ-، إذ يقول: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).
٣ - عن ابن عباس -﵄-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٤).
[ ٣ / ٥١٥ ]
وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١).
ثبوت اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تَعَالَى:
- ابن القيم -﵀-: يقول في نونيته:
وَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (^٢)
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسمي الله (المقدِّم - المؤخِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي -﵀-: «(المقدِّمُ) هو المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء، قدم المقادير قبل أن يخلق الخلق، وقدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدم
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).
(٢) النونية (٢/ ٢٤١).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
[ ٣ / ٥١٦ ]
من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخر الشيء عن حين توقعه؛ لعلمه بما في عواقبه من الحكمة، لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «المقدِّمُ هو المعطي لعوالي الرُّتَب، والمؤخِّرُ هو الدافع عن عوالي الرُّتب» (^٢).
قال النووي -﵀-: «يقدِّم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «المقدِّمُ والمؤخِّرُ من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يُطْلَقُ واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخَر؛ فإن الكمال من اجتماعهما؛ فهو تَعَالَى المقدِّم لمن شاء، والمؤخِّر لمن شاء بحكمته» (^٤).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (^٥)
_________________
(١) شأن الدعاء (١/ ٨٧).
(٢) المنهاج (١/ ٢٠٧).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٠).
(٤) الحق الواضح المبين (ص ١٠٠).
(٥) النونية (٢/ ٢٤١).
[ ٣ / ٥١٧ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المقدِّم - المؤخِّر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (المقدم المؤخر) من الصفات، ودلالتهما على التوحيد:
الله سُبْحَانَهُ هو المقدم المؤخر بعلم وحكمة، فهو العليم الخبير المحيط القدير سُبْحَانَهُ، يدبر الكون كيفما شاء، ويمكن تقسيم تقديمه وتأخيره سُبْحَانَهُ على نوعين، وهما:
تقديم وتأخير كوني.
تقديم وتأخير شرعي.
يقول السعدي -﵀- في ذلك: «وهذا التقديم يكون كونيًّا كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها، وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له، ويكون شرعيًّا كما فضَّل الأنبياء على الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض، وفضَّل بعض عباده على بعض، وقدَّمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخَّر مَن أخَّر منهم بشيء من ذلك، وكلُّ هذا تبعٌ لحكمته» (^١).
ويقول ابن القيم -﵀-: «والله قدَّم بعضًا من مخلوقاته على بعض في الخلق والإيجاد، ففي الحديث: (أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ -﵎- الْقَلَمُ)، (^٢)
_________________
(١) الحق الواضح المبين (ص: ١٠٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣١٤٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٠٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣١٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣٣).
[ ٣ / ٥١٨ ]
وخلق السموات والأرض في ستة أيام، وقدَّمَ خلق الملائكة على خلق الإنس والجن، وتقدَّم خلق الجن على خلق الإنس ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وأول البشر خلقًا آدمُ -﵇-، ثم تتابَع بنيه في الخلق والوجود، فمنهم المتقدِّم، ومنهم المتأخِّر، وهذا التقديم كوني قدري، ولا يلزم منه أن يكون المتقدِّم أفضل مِن المتأخِّر، فآدم خُلِق في آخر الأيام الستة، وله فضل هو وبنوه على كثير ممن تقدَّمهم في الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]»، أما التقديم والتأخير الشرعي الديني، فكتقديم الأذان على الصلاة، وخطبة الجمعة على صلاة الجمعة، وصلاة العيد على خطبة العيد.
وحري بمن عرف اسمي الله المقدم والمؤخر، وآمن بهما أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده بهذين الاسمين خيري الدنيا والآخرة.
الأثر الثاني: المقدَّم مَن قدَّمَهُ اللهُ ورفعه:
إن ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله -﷿- في ذلك كله، لا كما يزن به أكثر الناس اليوم، حين يقدمون أهل الجاه والمال والرئاسات وغيرها من أعراض الدنيا على غيرهم من أهل الدين والتقوى، وهذا يخالف ميزان الله -﷿- في التقديم والتأخير، قال الله -﷿-: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، ولقد كان الرسول
[ ٣ / ٥١٩ ]
-ﷺ- وأصحابه الكرام يسيرون بهذا الميزان في تقديم الرجال والمواقف وغيرها.
«جاء في سيرة عمر بن الخطاب -﵁- أن سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام، وأبا سفيان بن حرب -﵄- وجماعة من كبراء قريش من الطُّلَقاء استأذنوا على عمر بن الخطاب -﵁-، فأذن قبلهم لصهيب وبلال؛ لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال بانفعال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فيقول له صاحبه- وقد استقرت في حسِّه حقيقة الإسلام-: أيها القوم، إني- والله- أرى في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟
ويفرض عمر -﵁- لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر، حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك، قال له: لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَلَى حِبِّي» (^١).
هذا هو المؤمن الحق الذي يعز من أعز الله بطاعته من إخوانه المؤمنين، مقياسه: التقوى والإيمان، وعن سهل بن سعد قال: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ:
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨١٣)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٦١٧٣).
[ ٣ / ٥٢٠ ]
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (^١).
الأثر الثالث: الإيمان بحكمة المقدم المؤخر سُبْحَانَهُ:
فلله الحكمة البالغة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخَّر، وأي أمر قدَّم أو أخَّر فإنما هو بعلم الله تَعَالَى وإرادته وحكمته البالغة، وهذا يشمل كل شيء قدم أو فضل على غيره، أو أخر عنه، ومن ذلك: تقديم الآجال وتأخيرها، وتقديم أو تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعضها، وتقديم بعض خلقه وتفضيلهم على بعض، وتقديم إيجاد شيء على شيء آخر، وتقديم عقوبة أقوام وتأخير آخرين، وكذلك فيما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره، فإن مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته سُبْحَانَهُ يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأن الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر.
الأثر الرابع: محبة الله المقدِّم المؤخِّر:
الإيمان بأنه سُبْحَانَهُ المقدم والمؤخر يثمر في قلب المؤمن محبة لله وحده، والتعلق به؛ لأنه مهما حاول البشر من تقديم أمر لم يرد الله -﷿- تقديمه، أو تأخير أمر لم يرد الله تَعَالَى تأخيره فلن يستطيعوا، وهذا يجعل القلب يتعلق بمحبة الله؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والنفس بطبيعتها
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٤٧).
[ ٣ / ٥٢١ ]
تميل إلى محبة صاحب القدرة والعلم، والله تَعَالَى هو المقدم المؤخر بعلمه وقدرته، لا رادَّ لتقديمه أو تأخيره، ولا مُعَقِّبَ لحكمه.
الأثر الخامس: التقدم الحقيقي هو التقدم في الطاعات:
إن التقدم الحقيقي النافع هو التقدم في طاعة الله -﷿- وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو التأخر الحقيقي المذموم، فقد قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ» (^١)، وقال -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (^٢).
وفي كتاب الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
أما التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر؛ ولذا ينبغي للمسلم أن يتوسل إلى ربه سُبْحَانَهُ بهذين الاسمين الكريمين؛ لنيل التقدم الحقيقي عنده سُبْحَانَهُ، وترك كل ما يؤخر عن جنته ومرضاته.
يقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٦٧٩)، واللفظ له، وابن حبان، رقم الحديث: (٢١٥٦)، حكم الألباني: صحيح لغيره دون قوله: «فِي النَّارِ». السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٦٤٤٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣٧).
[ ٣ / ٥٢٢ ]
ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٥٣ - ٧٣] ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
فإن قلت: كلُّ مُجَدٍّ في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور، ثم ينهض إلى طلبه، قلت: لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجمَّ نفسه، ويعدها للسير، فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة؛ فـ «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ» (^١)، وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخره ولا بد! فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه على سبق الراكب له وعلى تأخره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب واشتد سعيًا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر، وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركًا» (^٢).
ويكفي السابقين أن جُعلوا من المقربين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، فما من عبد سابق إلى الطاعات إلا فاز بالتقريب من رب البريات.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٨٨٠)، وابن حبان، رقم الحديث: (١١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨٥٠).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
[ ٣ / ٥٢٣ ]
وفي كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال والخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات، وهم المقربون عند الله في جنات النعيم في أعلى عليين.
وهم الذين يعطون من أنفسهم مما أمروا به من كل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وطاعات وأعمال صالحة.
ومع هذا قلوبهم وجلة وخائفة عند عرض أعمالها على ربها، والوقوف بين يديه؛ خشية أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله؛ لكمال علمهم بربهم، وما يستحقه من أنواع العبادات، السابقون هم أعلى الخلق درجات، وأعلاهم مقامات.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات؛ لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم، ويرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
والسابقون بالخيرات نوعان: أبرار ومقربون، «فالسابقون المقربون جملة أمرهم: أنهم قوم امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت قلوبهم محبة الله وخشيته، ومراقبته وإجلاله، فسرت المحبة في قلوبهم وأبدانهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، وقد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد استغنوا بحبه عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ورجاء من سواه، وصارت رغبتهم إليه، وتوكلهم عليه، ورهبتهم منه، وإنابتهم إليه، وسكونهم إليه، وانكسارهم بين
[ ٣ / ٥٢٤ ]
يديه، فلم يتعلقوا بشيء من ذلك بغيره» (^١).
ولا يزال العبد الموفق يتقرب من ربه حتى يحتفي الله به، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] أي: رحيمًا رءوفًا بحالي، معتنيًا بي، كثير الحفاوة بي والإكرام لي؛ لعلم إبراهيم مقام ربه في قلبه، وحبه له، فإذا أراد العبد أن يعرف أين هو من الله فلينظر أين الله منه؟ فإذا أراد الله أن يقدم عبدًا رفعه درجات بطاعته ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
فإذا تيقن المؤمن ذلك وعلم أن الله هو المقدم والمؤخر لم يطلب لنفسه جاهًا أو مالًا أو منصبًا ليتقدم به، وإنما يتقدم بقربه من ربه، وبحرص أن يقدم من قدمه الله.
ومن أراد أن يقدمه الله ويرفعه، فعليه أن يأخذ بأسباب التقديم، وهي:
الحرص على الأعمال الصالحة، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فلا يزال العبد يرتفع عمله حتى يرفع الله ذكره، فيعرف عند الملائكة، ويطرح قبوله وذكره في الأرض، وفي الحديث الصحيح حين أثنى الناس على جنازة، قال رسول الله -ﷺ-: «نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» (^٢) وإن من عباد
_________________
(١) موسوعة فقه القلوب، لمحمد إبراهيم التويجري (١٤/ ٦٦).
(٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٤٠١)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٨٨٧٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٩٤).
[ ٣ / ٥٢٥ ]
الله من هو في الأرض وذكره في السماء، قد عمرت دوره في الفردوس الأعلى، ألم يصح: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي! فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْن، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: بِهِمَا» (^١)، وفي الحديث الآخر: «بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، وَكَانَ حَارِثَةُ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ» (^٢)، ورأى -ﷺ- قصرًا في الجنة، فسأل عنه، فأخبرته الملائكة أنه قصر عمر بن الخطاب -﵁- (^٣)، فقدم نفسك في الخير؛ لترفعها بالدرجات العلى، وأعد لك مستقبلًا عامرًا في الجنة.
العناية بكتاب الله تلاوةً وحفظًا وتدبرًا وتطبيقًا، فعن عامر بن واثلة: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان- وكان عمر يستعمله على مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولًى؟! قال: إنه قارئ لكتاب
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٩٩٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٦٨٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٣٢٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٤٦٠٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٤٦٧)، والحاكم، رقم الحديث: (٤٩٥٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩١٣).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٧٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٩٤).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
الله -﷿-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^١).
طلب العلم والإخلاص فيه، يقول تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
التخلق بالأخلاق الفاضلة الحسنة، عن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ» (^٢)، ومن ذلك التواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، في صحيح مسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (^٣)، وفيه: «وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^٤)، وفي الطبراني: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ (^٥) بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حِكْمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حِكْمَتَهُ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، رقم الحديث: (٥٩)، حكم الألباني: صحيح، تحقيق رياض الصالحين، رقم الحديث: (٦٣٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).
(٥) الحَكَمَة: ما أحاط بحَنَكَيْ الفرس من لجامه، وفيها العِذَاران، وهما من الفرس، كالعارضَيْنِ من وجه الإنسان.
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (١٢٩٣٩)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٣٨).
[ ٣ / ٥٢٧ ]
الأثر السادس: التقديم والتأخر يوم القيامة في دخول الجنة:
أعظم تقديم وتأخير للمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ هو ما كان في يوم القيامة، وهذا من عظيم عدله، فإن من كان سابقًا للخيرات مسارعًا للطاعات في الدنيا يسبق الناس في دخول الجنة، ويقدمه الله على رؤوس الأشهاد، ومن تأخر عن ربه أُخِّر يوم القيامة، وفي صحيح مسلم حديث طويل في تفاوت الناس في عبورهم الصراط إلى الجنة بقدر أعمالهم، الشاهد منه: « فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -ﷺ-، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ، يَقُولُ: رَبِّ، سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا - قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ»، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا (^١).
وقد بين النبي -ﷺ- حال وصفة أول زمرة تدخل الجنة، وحال آخر من يدخلها أيضًا، فيقول -ﷺ- في وصف حال السابقين: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ الْأَنْجُوجُ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥).
[ ٣ / ٥٢٨ ]
عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» (^١)، أما آخر من يدخل الجنة، فقال عنه -ﷺ-: «ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ -﵎-: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ -﵎- لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ -﵎- مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٣٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢).
[ ٣ / ٥٢٩ ]
الأثر السابع: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]:
الإيمان بالمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ يجعلنا نؤمن بحكمته في تأخيره لعذاب من تجبر وتكبر، فيفسح لهم الزمان ويمد لهم في الأعمار حتى تنقطع حجتهم، فإن تابوا ورجعوا فهو الغفور الرحيم، وإن أصروا واستكبروا لم يُعجِزُوه، تأمل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، فهو سُبْحَانَهُ يؤخِّر العقوبة لحكمة بالغة، ويُقَدِّمُ المكافأة لحكمة بالغة.
ومن الحكم في تأخير العقوبة:
رحمة من الله تَعَالَى بالظالم؛ حتى يتدارك خطأه فيتوب إليه ويندم على ما فعله، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، وقد أرسل الله نبيه موسى -﵇- إلى فرعون وقد ظلم وزاد في ظلمه حتى طغى، فقال تَعَالَى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] فالآية الكريمة توضح إمكانية رجوع هذه الطاغية، بإرسال الرسل إليه لينصحوه.
استدراج من الله تَعَالَى، فإذا أراد الله بالظالم شرًّا استدرجه، ومدَّ له، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر، عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦).
[ ٣ / ٥٣٠ ]
تسلُّط الظالمين بعضهم على بعض، ومن الأدعية المشهورة «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين»، قال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فما من ظالم إلا ويُبتلى بأظلم منه؛ لنجد في النهاية أنهم يفنون بعضهم البعض في الدنيا، وينالون أشد العذاب في الآخرة.
فتح باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المؤمنين، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^١).
معرفة المؤمنين لشره، وإدراكهم خطورته؛ ومِن ثَمَّ يلتجئون إلى ربهم فيدعونه، ليكفيهم هذا الشرَّ، فلو عوقب الظالم فور ظلمه لما شعر الناس بالشر ولما خافوا من الظلم والظالمين.
الأثر الثامن: دعاء الله المقدِّم المؤخِّرِ:
ومن علم معنى اسم الله المقدم المؤخر تضرع لله به، وولقد كان مِن هدي النبيِّ -ﷺ- أن يدعو الله بهذين الاسمين المشَرَّفين؛ فعن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ-، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^٢)، وعن علي بن أبي طالب -﵁- في وصفه لصلاة
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٥٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).
[ ٣ / ٥٣١ ]
النبي -ﷺ- إذ يقول: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١)، ومما رواه ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أو: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ- قال سفيان: وزاد عبد الكربم أبو أمية: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (^٢).
فاللهم إنا نسألك أن ترفع لنا الدرجات، وأن تقربنا منك، وأن تغفر لنا الخطأ والزلل.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
المَنَّانُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «المَنُّ: القَطْعُ، ويقال: النقص، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] … ومن عليه منا: أنعم، والمنان، من أسماء الله تَعَالَى. ومَنَّ عليه مِنَّةً، أي: امْتَنَّ عليه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الميم والنون أصلان، أحدهما: يدل على قطع وانقطاع، والآخر: على اصطناع خير.
الأول (المنُّ): القطعُ، ومنه يقال: مننتُ الحبلَ: قطعتُهُ.
والأصل الآخر (المنُّ)، تقول: مَنَّ يَمُنُّ مَنًّا، إذا صنع صنعًا جميلًا، ومن الباب: المنَّةُ، وهي القوة التي بها قوام الإنسان» (^٢).
ورود اسم الله (المنان) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم المنان في كتاب الله -﷿-.
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٢٠٧).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٦٧).
[ ٣ / ٥٣٣ ]
ورود اسم الله (المنان) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المنان) في السنة النبوية، في عدة مواضع وأحاديث؛ ومن وروده ما يلي:
حديث أنس -﵁-: أنه كان مع رسول الله -ﷺ- جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي -ﷺ-: «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
ثبوت اسم الله (المنان) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله المنان في حق الله تعالى:
- ابن القيم -﵀-: يقول في ذلك: «فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان …» (^٢)
- ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (المنان) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور اسم الله المنان على معنيين:
١ - كثير النعم والعطايا.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٦١١)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، حكم الألباني: مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٢٩٠).
(٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٢٦).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).
[ ٣ / ٥٣٤ ]
٢ - المانُّ على عباده بما أولاهم من النعم.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:
فمن الأقوال في المعنى الأول:
قال الخطابي -﵀-: «وأما المنان: فهو كثير العطاء، والمن: العطاء لمن لا تستثيبه» (^١).
وقال الحليمي -﵀-: «ومنها المنان: وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم وأكثر العطايا والمنح، قال- وقوله الحق-: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾» (^٢).
قال شيح الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والمنَّان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال» (^٣).
وقد أنكر بعض العلماء المعنى الثاني، وقال: المنة تكدر النعمة، كما نقل ابن القيم -﵀- عنهم، وقد رد عليهم هذا الإنكار وأبطله، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]: «وقوله ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، أي: غير مقطوع، ولا منقوص، ولا مكدَّر عليهم، وهذا هو الصواب.
وقالت طائفة: غير ممنون به عليهم، بل هو جزاء أعمالهم، ويُذكَرُ هذا عن عكرمة ومقاتل، وهو قول كثير من القدرية، قال هؤلاء: إن المنة تُكَدِّرُ
_________________
(١) شأن الدعاء (١/ ١٠٠).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٣).
(٣) النبوات (١/ ٣٦٥).
[ ٣ / ٥٣٥ ]
النعمةَ، فتمام النعمة أن يكون غيرَ ممنونٍ بها على المنعَم عليه.
وهذا القول خطأ قطعًا، أُتي أربابُهُ من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن المنة التي تُكَدِّرُ النعمةَ هي منة المخلوق على المخلوق، وأما منة الخالق على المخلوق ففيها تمام النعمة، ولذتها، وطيبها؛ فإنها منة حقيقية، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٥]؛ فتكون منةً عليهما بنعمة الدنيا، دون نعمة الآخرة، وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- قال للأنصار: (أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي، وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) (^١)؛ فهذا جواب العارفين بالله ورسوله -ﷺ-، وهل المنة إلا لله المان بفضله، الذي جميع الخلق في منته؟ وإنما قبحت منة المخلوق؛ لأنها منة بما ليس منه، وهي منة يتأذى بها الممنون عليه، وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته، وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه، فتلك لا يجوز نفيها.
وكيف يجوز أن يقال: إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة؟ وهل هذا إلا من أبطل الباطل؟! فإن قيل: هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء، وليس مرادهم ما ذكر، وإنما مرادهم:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٦١)، واللفظ له.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
أنه لا يمن عليهم به، بل يقال: هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، وهذا أجركم، فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم، قيل: وهذا- أيضًا- هو الباطل بعينه؛ فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنًا له، ولا معاوضةً عنه، وقد قال أعلم الخلق بالله -ﷺ-: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) (^١)؛ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض مِنَّتِهِ عليه، وعلى سائر عباده، وكما أنه سُبْحَانَهُ المانُّ بإرسال رسله، وبالتوفيق لطاعته، وبالإعانة عليها، فهو المانُّ بإعطاء الجزاء، وذلك كله محضُ مِنَّته وفضله وجوده، ولا حق لأحد عليه» (^٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المنان):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المنان) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ هو المنان كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، يُدِرُّ العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم، فلا يبلغون شكرها فضلًا عن إحصائها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
وهو المنان الذي شهدت الخليقة كلها برها وفاجرها بإحسانه وعظيم نواله، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وسعة رحمته وبِرِّه ولطفِه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفِها بعد وقوعها، ولطفِه تَعَالَى في ذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٣).
(٢) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص: ٥٠).
[ ٣ / ٥٣٧ ]
إلى ما لا تبلغه الآمال، كل ذلك تفضلًا منه وتكرمًا ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] لا طلبًا لأجر أو رزقًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] (^١).
وهو المنَّان المحسن إلى العباد والمنعم عليهم من غير أن يطلب الجزاء على إحسانه إليهم، بل من عظيم إحسانه أوجب لعباده حقًّا عليه، منةً منه وتكرمًا إن هم وحدوه في العبادة ولم يشركوا به شيئًا، فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ- فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (^٢).
وهو المنَّان الذي يمن على عباده بما أعطى وأولى،، له المنة ولا منَّة لأحد عليه، المنان على الإطلاق، قال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مسلم أن يعلمَ أن لا منَّانَ على الإطلاق إلَّا الله وحده، الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال» (^٣).
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، (ص: ١٣٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٣٤٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٢).
(٣) تفسير القرطبي (١٦/ ٩٤).
[ ٣ / ٥٣٨ ]
والمنان قد منَّ على عباده بنعمه العظيمة، وعطاياه الكريمة، ومن ذلك:
- منته على عباده المؤمنين بالهداية لهذا الدين، والإخراج من ظلمات الشرك والكفر برب العالمين، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وهذه النعمة والمنَّة أعظم منَّة يمن الله بها على عباده، قال ابن القيم -﵀- موضحًا لها: «وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه … وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا
[ ٣ / ٥٣٩ ]
لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلًا منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال … وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه» (^١).
- منته على هذه الأمة ببعث رسول الله -ﷺ- لهم، صفوة رسله وخيرة أنبيائه -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وقد ذكَّر رسول الله -ﷺ- الأنصار بهذه المنَّة العظيمة، فقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ» (^٢).
قال ابن حجر -﵀- في الفتح-: «وقد رتَّب -ﷺ- ما مَنَّ الله عليهم على يده من النعم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان- التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا- وثَنَّى بنعمة الأُلفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٦١).
[ ٣ / ٥٤٠ ]
الأموال تبذلُ في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لما وقع بينهم من حرب بُعاث وغيرها، فزال ذلك كلُّه بالإسلام، كما قال الله تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]» (^١).
- منته على أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين بالتمكين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
ومن ذلك: منته على يوسف بعدم تضييع صبره وتقواه، بل أورثه حُسن العاقبة والتمكين في الأرض، قال تَعَالَى عن يوسف عليه وسلم متذكرًا هذه المنة: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
- منته على عباده المؤمنين بدخول الجنة، والنجاة من النار، قال تَعَالَى حاكيًا عن أهل الجنة استشعارهم لهذه المنة العظيمة والعطية الجزيلة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨]،
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٥٠).
[ ٣ / ٥٤١ ]
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المنَّان) على التوحيد:
إذا عرف العبد ربه باسمه المنان، وعلم أنه وحده ولي المنِّ والعطاء صاحب الهبة والنعماء، صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها منه وحده، لا يشاركه فيها أحد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^٢) علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا هو -﵎-.
وقد نبه الله عباده على هذا المعنى، فقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥١ - ٥٤]، قال السعدي -﵀-: «يأمر تَعَالَى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية، فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ …
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من فقر ومرض وشدة ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٣ - ٣٤٥).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٤٦).
[ ٣ / ٥٤٢ ]
الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده» (^١).
وذم سُبْحَانَهُ المشركين على عبادتهم لغيره مع أنه المنعم، فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] قال ابن كثير -﵀-: «يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (^٢).
الأثر الثالث: التوكل على الله المنان:
إذا عرف العبد اسم الله (المنان) وأن ما يتقلب فيه من النعيم من أثر منته -﵎- عليه لا بحوله وقوته ولا بحول وقوة مخلوق مثله، وإنما المنة لله وحده؛ أورثه ذلك التطامن والاعتراف بالضعف والنقص والعجز، وأنه لو وكل إلى نفسه أو غيره طرفة عين لخاب وخسر وهلك.
قال ابن القيم -﵀-: «إذا وصل إلى القلب نورُ صفة المِنَّةِ، وشهد معنى اسمه (المنَّان)؛ وتجلَّى سُبْحَانَهُ على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه (الأول) - ذهِلَ القلبُ والنفسُ به؛ وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعًا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٤٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٢).
(٣) طريق الهجرتين، لابن القيم، (ص: ٥٧).
[ ٣ / ٥٤٣ ]
وهذا يثمر في قلب العبد التوكل على الله، والتعلق به، وقطع التعلق بالأسباب والركون إليها؛ فالأسباب إنما أثرت ونفعت بمنته وإذنه، ولولا ذلك لم تجد على فاعلها شيئًا.
فالمانُّ بكل خير هو الله وحده مسبب الأسباب، والقاهر لكل شيء، والفعال لما يريد فوجب التوكل عليه وحده وتفويض الأمور إليه.
الأثر الرابع: محبة الله المنان:
إذا تدبر المرء في اسم الله (المنان) وتأمل في عظيم مواهبه، وكثير عطاياه ومنحه، وما أسبغ به على العباد من النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم؛ أوجب له ذلك محبته والشوق إليه؛ فإن القلوب فُطِرَت على محبة من يحسن إليها، ولا أعظم إحسانًا وإنعامًا من المنَّان -﵎-.
الأثر الخامس: شكر الله المنان:
إذا تأمل العبد في اسم الله المنان، وتفكر فيما منَّ عليه به من الهداية للإسلام، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتكريمه بالعقل، والسمع والبصر، والصحة والمعافاة، والأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من ألوان النعم والمنن التي تفضل بها المنان قبل السؤال والطلب؛ أوجب له ذلك حمده -﵎- على نعمه، وشكره علي آلائه ومننه بالقلب واللسان والجوارح، وإعمالها في طاعته والتقرب إليه، وحفظها من أن تستعمل في معصيته، أو أن تنسب لأحد غيره، قال تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، أي: بإضافتهم النعمة إلى غير المنعِم (^١).
_________________
(١) ينظر: فقه الاسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٦).
[ ٣ / ٥٤٤ ]
الأثر السابع: المنة لله سُبْحَانَهُ:
المنَّة بالعطية إنما تكون لله وحده، وليست لأحد من الخلق؛ لذا نهى الله ورسوله -ﷺ- أن يتصف المؤمن بها وأن يؤذي الخلق بهذا الخُلق الذميم، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قال ابن عباس -﵄-: «لا تعط العطية؛ تلتمس أكثر منها» (^١).
قال السعدي -﵀-: «لا تمنُنْ على الناس بما أسديتَ إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فَتَتَكَثَّر بتلك المنة، وترى لك الفضل عليهم بإحسانك المنة، بل أحسِن إلى الناس مهما أمكنَك، وانْسَ عندهم إحسانك، ولا تَطْلُب أجرَه إلا من الله تَعَالَى، واجعل مَن أحسنت إليه وغيرَه على حَدٍّ سواء» (^٢).
قال -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (^٣)، وقال أيضًا -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ» (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٨/ ٢٦٤).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٩٥).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٦).
(٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٥٦٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٥٦٧٢).
[ ٣ / ٥٤٥ ]
وعلَّة هذا النهي بيَّنها ابن القيم -﵀-، فقال: «وحظر الله على عباده المَنَّ بالصنيعة، واختصَّ به صفةً لنفسه؛ لأنَّ مَنَّ العبادِ تكديرٌ وتعييرٌ، ومَنُّ الله إفضالٌ وتذكيرٌ، وأيضًا: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة.
وأيضًا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يَمُنُّ عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضًا فالمِنَّة أن يشهد المعطي أنه رب الفضل والإنعام، وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.
وأيضًا فالمان بعطائه يشهد نفسَه مترفعًا على الآخذ، مُستعليًا عليه، غنيًّا عنه عزيزًا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.
وأيضًا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، ورد عليه أضعاف ما أعطى، فبقي عوض ما أعطى عند الله، فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقه في قلبه، ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن؛ فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ، والمعاملة عنده، فمنَّ عليه بما أعطاه؛ أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له» (^١).
واتصاف المخلوق بالمنة على نوعين أوضحهما ابن القيم -﵀- أيضًا- في كلامه عن المنفقين وأنواعهم، حيث قال: «فالمن نوعان؛ أحدهما: من بقلبه، من غير أن يصرح به في لسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة، فهو من
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).
[ ٣ / ٥٤٦ ]
نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة غيره.
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقًّا وطوقه منةً في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: (يقول: أعطيتك فما شكرت)، وقال عبد الرحمن بن زياد: (كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكفَّ سلامك عنه).
وكانوا يقولون: (إذا اصطنعتم صنيعةً فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها)» (^١).
وللمنة آثار سيئة، لا سيما إذا كانت في الطاعة، فقد بين الله أثرها على الطاعات عمومًا وعلى الصدقات خصوصًا، فبين أنها:
١ - مبطلة للعمل، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قال ابن كثير -﵀-: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).
[ ٣ / ٥٤٧ ]
قطع نظره عن معاملة الله تَعَالَى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه» (^١).
والمَنُّ ولو كان بعد العمل بمدة ضار به، قال ابن القيم -﵀-: «نَبَّهَ بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] على أن المن والأذى، ولو تراخى عن الصدقة، وطال زمنه، ضرَّ بصاحبه، ولم يحصل له مقصودُ الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا مَنًّا ولا أذًى، لأوهَمَتْ تقييدَ ذلك بالحال، وإذا كان المَنُّ والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق، مانعًا من الثواب؛ فالمقارن أولى وأحرى» (^٢).
٢ - جعل رد السائل بالمعروف والعفو عنه خير من التصدق عليه مع المن والأذية له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣] وذلك؛ لأن رد السائل بالقول المعروف الكريم يدخل السرور على نفسه، والعفو عما قد يصدر من السائل مما لا ينبغي وعدم مؤاخذته بذلك، كله من الإحسان الذي لا مفسدة فيه، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنٍّ أو غيره (^٣).
وكل ما سبق دال على أن اتصاف المخلوق بالمنَّة كبيرة من كبائر الذنوب، فعلى المسلم أن يحذر من هذا الوصف الذميم، سلمنا الله منه ورزقنا كريم الخلق.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٦٩٤).
(٢) طريق الهجرتين، ابن القيم (ص: ٣٦٦).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١١٣).
[ ٣ / ٥٤٨ ]
الأثر الثامن: سؤال المنان من واسع فضله والتوسل إليه باسم المنان:
إذا علم العبد اسم الله المنان وما يحويه من عظيم المنن والنعم مع ما رغب به عباده من سؤاله والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ حرص على أن يكون لاسم الله (المنان) نصيب من دعائه.
وقد ورد دعاء الله باسمه (المنان) في السنة النبوية، ومن ذلك:
- حديث أنس -﵁-، أنه كان مع رسول الله -ﷺ- جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي -ﷺ-: «لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم: أن تمن علينا بالخير، والإحسان، واليقين، والإيمان، وأن تجعلنا من أهل القرآن،
وأن ترزقنا دوام ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
الوَتْرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الوِتر- بالكسر-: الفرد» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «… الوِتر: الفرد» (^٢).
ورود اسم الله (الوتر) في القرآن الكريم:
لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الوتر) في كتاب الله.
ورود اسم الله (الوتر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الوتر) في السنة النبوية، ومن ورودها ما يلي:
عن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «لِلهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (^٣).
عن علي -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ،
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٨٤٢).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ٨٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤١٠).
[ ٣ / ٥٥٠ ]
أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللهَ -﷿- وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» (^١).
ثبوت اسم الله (الوتر) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الوتر) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم -﵀-: في قوله: «فإن الله وتر يحب الوتر» (^٢).
ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).
معنى اسم الله (الوتر):
قال ابن قتيبة -﵀-: «الله -﷿- وتر، وهو واحد» (^٤).
قال الخطابي -﵀-: «الوتر هو الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ولا نظير ولا مثيل، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته: فهو سُبْحَانَهُ وتر، وجميع خلقه شفع، خُلقوا أزواجًا؛ فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]» (^٥).
قال الحليمي -﵀-: «ومنها: (الوتر)؛ لأنه إذا لم يكن قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغ لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعد معه، فيكون
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤١٦)، حكم الألباني: رقم الحديث: (١٤١٦).
(٢) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٣٠).
(٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).
(٤) غريب الحديث (١/ ١٧٢).
(٥) شأن الدعاء (ص: ٢٩).
[ ٣ / ٥٥١ ]
والمعدود معه شفعًا، لكنه واحد فرد وتر» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «الواحد الوتر: الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك» (^٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوتر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوتر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله تَعَالَى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعًا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته، ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته.
أما ربنا -﷿- فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، لا ولد له ولا والد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣ - ١] ولم يتخذ صاحبة: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]
وقد ثبت من حديث أبي هريرة: «إنَّ اللهَ -﷿- وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ» (^٣).
_________________
(١) المنهاج (١/ ١٩٠).
(٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٤٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
وكما أنه وتر في ذاته سُبْحَانَهُ، فهو الوتر الذي انفرد في صفاته، فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، والواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد من الخلق، فهو -ﷻ-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقد قال سُبْحَانَهُ عن نفسه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ومن آمن بهذا أفرد الله بالعبادة، ووحَّده ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
ونَزَّهَهُ عن المشابهة والمماثلة، فهو الوتر الذي لا مثيل ولا شريك له، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]
الأثر الثاني: استشعار أن كثير من العبادات والطاعات شُرعت وترًا:
يقول القرطبي -﵀- معلقًا على حديث: «وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» (^١): «الظاهر أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه، فيكون معناه أنه: يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له: أنه أمر به، وأثاب عليه … قال أبو العباس القرطبي: والوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله- في ذاته وكماله وأفعاله- واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحد ويعتقد انفراده دون
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره، وباطنه» (^١)، ومن تأمل في كثير من العبادات والأعمال الصالحة وجدها شُرعت وترًا، ومن ذلك:
أولًا: أركان الإسلام وما يتعلق بها:
جعل الطهارة ثلاثًا:
عن سلمة بن قيس أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ» (^٢)، أي: اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا، استنج بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو سبعة، ولا تستنج بالشفع.
جعل الصلاة خمسًا:
عن عبادة بن الصامت -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ -﵎- عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ -﵎- عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (^٣).
جعل نصاب الزكاة وترًا:
فكلها تشترك بالوتر، ففي الزروع خمسة أوسق، وفي الورق خمس أواق، وفي الإبل خمس من الإبل، يقول -ﷺ-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ
_________________
(١) المفهم (٧/ ١٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩١١٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي: رقم الحديث: (٢٧).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٩٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠١).
[ ٣ / ٥٥٤ ]
أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» (^١).
جعل الطواف والسعي سبعًا:
ففي الطواف: حديث جابر -﵁-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]» (^٢).
والسعي سبعًا: حديث عمرو بن دينار قال: «سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ -﵄-، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» (^٣).
رمي الجمار سبعًا:
عن ابن عمر -﵄- «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٥٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٧٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٨٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٨٦٢).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦٤٥).
[ ٣ / ٥٥٥ ]
ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَفْعَلُهُ» (^١).
ثانيًا: ما يتعلق بعامة السنن:
جعل آخر صلاته -ﷺ- بالليل وترًا:
عن نافع، أن ابن عمر قال: «مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا قَبْلَ الصُّبْحِ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْمُرُهُمْ» (^٢).
كان -ﷺ- يأكل التمرات وترًا:
فعن أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ إِفْرَادًا» (^٣).
أمر -ﷺ- بالاكتحال وترًا:
وإذا اكتحل فليكتحل وترًا؛ فلقد روي أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَكْتَحِلُ وِتْرًا» (^٤).
سن التكفين وترًا، وتغسيل الميت وترًا:
عن أم عطية -﵂- قالت: «لما ماتت زينب بنت رسول الله -ﷺ- قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦٣٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٥١).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٢٨٠٣).
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٦٠١٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٧٤٦).
[ ٣ / ٥٥٦ ]
الْخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَّلْتُنَّهَا، فَأَعْلِمْنَنِي، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (^١).
أعاد -ﷺ- الرقية وترًا:
قال -ﷺ- لأنس -﵁-: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ، ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (^٢).
* وهنا مسألة يكثر السؤال عنها: هل يشرع الوقوف على وتر فيما لم ينص الشرع فيه كالأكل أو التطيب وغيره؟
هذه المسألة محل خلاف بين العلماء -﵏-، فمنهم من قال بالقطع على وتر تبركًا، كما قال ابن حجر -﵀-: «وأما جعلهن وترًا فقال المهلب: فللإشارة إلى وحدانية الله تَعَالَى، وكذلك كان -ﷺ- يفعله في جميع أموره تبركًا بذلك» (^٣).
وذهب إلى هذا من المعاصرين الشيخ ابن باز -﵀-.
ومن العلماء من رأى أنه يقتصر على ما ورد في النص من القطع على وتر، وما عدا ذلك فلا يستحب له، منهم الشيخ ابن عثيمين -﵀-، حيث قال في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ (^٤):
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨).
(٣) فتح الباري (٢/ ٤٤٧).
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٨٣١).
[ ٣ / ٥٥٧ ]
«وهل كلما أكل الإنسان تمرًا في غير هذه المناسبة يقطعها على وتر؟ نقول: لا، وهل الإنسان يقطع كل شيء على وتر؟ فإذا أكل نقول له: اقطع ثلاث لقمات، فهذا غير مشروع، وعندما يحب أن يزيد من الطيب، فيقول: أوتر، ولكن هذا لا أصل له، فأنا لا أعلم أن الإنسان مطلوب منه أن يوتر في مثل هذه الأمور، فأما قول الرسول -ﷺ-: (إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) (^١)، فليس هذا على عمومه، لكنه -﷿- وتر يحكم شرعًا أو قدرًا بوتر، فمثلًا الصلاة في الليل نختمها بوتر التطوع، وفي النهار نختمها بوتر المغرب، وأيام الأسبوع وتر، السموات وتر، والأرض وتر، فيخلق الله -﷿- ما يشاء على وتر، ويحكم بما يشاء على وتر، وليس المراد بالحديث أن كل وتر فإنه محبوب إلى الله -﷿-، وإلا لقلنا: احسب خطواتك من بيتك إلى المسجد لتقطعها على وتر، احسب التمر الذي تأكله على وتر، احسب الشاي الذي تشربه لتقطعه على وتر، وكل شيء احسبه على وتر.
فهذا لا أعلم أنه مشروع، فأكل تمرات وترًا من السنن التي تفعل في عيد الفطر، خاصة أن لا تأتي المسجد حتى تأكل تمرات وترًا» (^٢).
الأثر الثالث: محبة الله الوتر:
الله سُبْحَانَهُ هو الوتر الأحد، الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٥٣).
[ ٣ / ٥٥٨ ]
وهذا الشعور يولد المحبة لله تَعَالَى وحده، ويريح القلوب من شتاتها، واضطرابها، ويجعلها تسكن إلى ربها ومعبودها، وتقطع التعلق بمن لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون على شيء، إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا، ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم!
الأثر الرابع: (فأوتروا):
يقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ الله -﷿- وِتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» (^١)، قال الطيبي -﵀- في كتابه شرح المشكاة: «أي: صلوا الوتر» (^٢)، ثم علل بتعليل لطيف لما خصَّ الأمر بالوتر لأهل القرآن، حيث قال: «المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه. أقول- والله أعلم-: لعل المناسبة لتخصيص النداء بأهل القرآن في مقام الفردانية إنما كانت لأجل أن القرآن ما أنزل إلا لتقرير التوحيد، قال تَعَالَى على سبيل الحصر وتكريره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]، أي: مقصور علي استئثار الله بالتوحيد، كأنه قيل: إن الله واحد يحب الوحدة، فوحدوه يا أهل التوحيد» (^٣).
وصلاة الوتر سنة مؤكدة، وقتها: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ الْوِتْرُ، جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٢٢٤).
(٣) المرجع السابق.
(٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٤٥٢)، حكم الألباني: صحيح دون قوله: «خير النعم»، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢).
[ ٣ / ٥٥٩ ]
وأقل الوتر ركعة واحدة، وأدنى الكمال ثلاثًا، وأكثره ثلاث عشرة ركعةً، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار؛ لقول النبي -ﷺ-: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِخَمْسٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِثَلَاثٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (^١)، وإن أوتر بأكثر من ذلك فلا حرج، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب زاد المعاد لابن القيم -﵀-.
فاللهم أنت الملك لا إله غيرك، ولا رب سواك، أنت الواحد لا شريك له، الأحد لا شبيه له، الوتر لا مثيل له، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تُعصى إلا بعلمك، تطاع فتَشْكُر، وتُعصى فتَغْفر، فلا إله إلا أنت؛ فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأعنَّا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك، يا أرحم الراحمين (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١١٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١١٩٠).
(٢) للاستزادة من الآثار، يرجع لاسم الله (الواحد الأحد).
[ ٣ / ٥٦٠ ]