البَرُّ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «البِر: خلاف العقوق، والْمَبَرَّة مثله، تقول: بَرِرْتُ والدي بالكسر، أَبَرُّهُ بِرًّا، فأنا بَرٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرَّ: أَبْرارٌ، وجمع البار: البررة، وفلان يبر خالقه ويَتَبَرَّرُهُ، أي: يُطِيعُهُ، والأمُّ بَرَّةٌ بولدها، وبَرَّ فلان في يمينه، أي: صَدَقَ، وبَرَّ حَجُّهُ، وبُرَّ حجه، وبَرَّ الله حجَّهُ، بِرًّا، بالكسر في هذا كلِّه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(بر) الباء والراء في المضاعف أربعة أصول: الصدق …، فأما الصدق فقولهم: صدق فلان وبَرَّ، وبرَّتْ يمينُه: صدقت …» (^٢).
ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (البر) في كتاب الله مرة واحدة، وهي:
قوله -﷿-: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٥٨٨).
(٢) مقاييس اللغة (١/ ١٧٩).
[ ٣ / ٥ ]
ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (البَر) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] «يعني: اللطيف بعباده» (^١).
قال الزجاج -﵀-: «والله تَعَالَى بَرٌّ بخلقه بمعنى: أنه يحسن إليهم، ويصلح أحوالهم» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «البر هو العَطُوفُ على عباده، المحسن إليهم، عَمَّ ببرِّهِ جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه» (^٣).
قال الحليمي -﵀-: «البر الرفيق بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ويعفو عن كثير سيئاتهم، ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئة إلا مثلها، ويكتب لهم الهَمَّ بالحسنة، ولا يكتب عليهم الهَمَّ بالسيئة» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «وصفُهُ البَرُّ، وآثار هذا الوصف: جميع النعم الظاهرة والباطنة؛ فلا يستغني مخلوق عن إحسانه وبره طرفة عين» (^٥).
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٢١/ ٥٩١).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦١).
(٣) شأن الدعاء (١/ ٨٩).
(٤) المنهاج (١/ ٢٠٤).
(٥) الحق الواضح المبين (ص: ٨٤).
[ ٣ / ٦ ]
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
والبَرُّ فِي أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ … هُوَ كَثْرَةُ الخَيْرَاتِ والإِحْسَانِ
صَدَرَتْ عَنِ البَرِّ الَّذِي هُوَ … وَصْفُهُ فَالبِرُّ حِينَئِذٍ نَوْعَانِ
وَصْفٌ وَفِعْلٌ فَهُوَ بَرٌّ مُحْسِنٌ … مُولِي الجَمِيل ودَائِمُ الإِحْسَانِ (^١)
اقتران اسم الله (البَر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقترن اسم الله (البَر) باسمه (الرحيم):
وذلك في آية واحدة، وهي قوله -﷿-: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]
وجه الاقتران:
لعل اقترانهما من باب المسبب والسبب، فإن بِر الله -﷿- بعباده- الذي هو عبارة عن توالي مننه، وتتابُع إحسانه وإنعامه- أثر من آثار رحمته الواسعة التي غمرت الوجود، وتقلَّب فيها كلُّ موجود، وعن طريق تلك المنن الجزيلة، وذلك الإحسان العميم عرف العباد أن ربهم رحيم، وتقديم (البَر) على (الرحيم) أبلغ في المدح والثناء، بالترقي من الأخص إلى الأعم، ومن المسبب إلى السبب (^٢).
_________________
(١) النونية (ص: ٢١٠).
(٢) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء كردي (ص: ٦٢٤).
[ ٣ / ٧ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البَر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتوحيد الله به:
الله -﵎- بر رحيم لطيف رؤوف بعباده، عطوف عليهم، محسن إليهم، مصلح لأحوالهم في الدنيا والدين، ومن مظاهر بره سُبْحَانَهُ ما يلي:
بر الله تَعَالَى لعباده في الدنيا:
من بره سُبْحَانَهُ بخلقه وإحسانه إليهم: أن جعل بره وفضله مشتركًا فيه المؤمن والكافر، فهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي لا ساحل لكرمه، خيره إليهم نازل وشرهم إليه صاعد، يتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي، يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بأموال وبنين، ويجري لهم الأنهار وينبت لهم جنان الأرض، ويخرج لهم كنوزها، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وكل ما في هذه الدنيا لا يأتي قطرة من بره سُبْحَانَهُ بعباده المؤمنين في الآخرة في جنات النعيم، ففيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، لا يهرمون ولا يبأسون، ولا يموتون، ولا يمرضون ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]
ومن بره سُبْحَانَهُ: أنه أعطى عباده وقسم لهم من الصحة والقوة والمال والجاه والأولاد والأنصار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ
[ ٣ / ٨ ]
وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ويدخل في ذلك كل معروف وإحسان؛ لأنها ترجع إلى البِر.
بر الله تَعَالَى لعباده في الدين:
فالبرسُبْحَانَهُ كثير الخيرات، صاحب الإحسان المطلق الذي لا ينقطع حتى مع العبد العاصي.
فمن بره سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين: التوفيق للإيمان والطاعات، ثم إعطاؤهم الثوابَ الجزيل على ذلك في الدنيا والآخرة، فهو الذي وفَّق وأعان أولًا، وأثاب وأعطى آخرًا.
ومن بره سُبْحَانَهُ: أنه بارٌّ بأوليائه، صادق فيما وعدهم به من الأجر والثواب، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤].
«والمقصود: أن الله سُبْحَانَهُ أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومَن يصلح لها، ومن لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله، كما تأبى أن يمنعه من يصلح له، وهو سُبْحَانَهُ الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلًا وقابلًا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب» (^١).
ومن بره سُبْحَانَهُ بعباده: إمهاله للمسئ منهم، وإعطاؤه الفرصة بعد الفرصة للتوبة، مع قدرته على المعاجلة بالعقوبة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَبُّكَ
_________________
(١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٩٩).
[ ٣ / ٩ ]
الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].
ومِن بِرِّه سُبْحَانَهُ أيضًا: معاملة عباده بالصفح والعفو وستر الذنوب والتجاوز عنها، فعن ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» (^١).
يقول ابن القيم -﵀- في شرحه أسرار التوبة: «ومنها: أن يعرف بِرَّهُ سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بِرِّه، ومن أسمائه (البَرُّ)، وهذا البِرُّ مِن سيده كان به مع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ؛ وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه: هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤١)، ومسلم، رقم الحديث (٢٧٦٨).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١٠ ]
وقد أطال ابن القيم -﵀- في شرح مظاهر البر في قبول توبة العبد، وملخص ما قال:
شهود حلم الله في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة.
معرفة العبدِ كرمَ ربِّهِ في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها- أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده، والواقع شاهد بذلك؛ فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.
أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبةً، وإنابةً إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفةً له باسم (الغفار) ومشاهدةً لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة (^١).
وحري بمن عرف اسم الله البر ومظاهر بره وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده بره ورفقه.
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١١ ]
الأثر الثاني: محبة البَر سُبْحَانَهُ:
إن الله هو «البر الذي شمل الكائنات بأسرها ببره ومنِّه وعطائه، فهو مولي النعم، واسع العطاء، دائم الإحسان، لم يزل ولا يزال بالبر والعطاء موصوفًا، وبالمن والإحسان معروفًا، تفضل على العباد بالنعم السابغة، والعطايا المتتابعة، والآلاء المتنوعة، ليس لجوده وبره وكرمه مقدار، فهو سُبْحَانَهُ ذو الكرم الواسع والنوال المتتابع، والعطاء المدرار» (^١)، وهو الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة؛ لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يَبَرُّ عبدَه المؤمن بما يوافق نفسه، فربما بَرَّهُ بالنعمة وربما بَرَّهُ بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى» (^٢) ومن كانت هذه صفته، فقد وجبت محبته سُبْحَانَهُ.
الأثر الثالث: الثقة بالبر سُبْحَانَهُ والرضى بأقداره:
من آمن باسم الله البر اطمأن قلبه، وعلم أن ما يعيشه من محنة فمن البر الرحيم سُبْحَانَهُ، وما ابتلاه إلا لأنه أحبه، وبعد كل عسر يسران، ومع شدة الليل يكون ظهور الفجر، ومع المحن المنح، ولذلك كان من أخلاق الأبرار: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ لأن لديهم من بعد النظر ما يجعلهم لا يقفون مع ظاهر المصيبة، وإنما يتأملون ما بعدها من حسن العاقبة.
كما رُزقت أمهات المؤمنين برسول الله -ﷺ- زوجًا بعد مصائب عظيمة عانينها، ومن ذلك: أم سلمة يموت زوجها، ورملة بتنصُّر زوجها الذي
_________________
(١) فقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ٢٢٦).
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (٧/ ٣٠١).
[ ٣ / ١٢ ]
خرج مهاجرًا، وصفية السيدة تقع في الأسر لتكون سبيًا، وعائشة تبتلى في عرضها لينزل فيها قرآن حتى قالت مقولتها: «وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى» (^١)، وقصة صاحبة الوشاح التي كان سبب دخولها الإسلام اتهامها بالسرقة، فعن عائشة -﵂-: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ (^٢)، وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِه، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ، لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ» (^٣).
وقصة يوسف -﵇- قصة لكل محزون، تجعل الأمل لا يفارقه البتة، وهي قصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١٤١).
(٢) حدياة: هي طائر، قيل: يأكل الجرذان، وهي الحدأة، وهي من الحيوانات المأذون بقتلها للمحرم، وفي الحرم.
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).
[ ٣ / ١٣ ]
من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار، فتبارك مَن قصها فأحسنها، ووضحها وبيَّنها.
وهذا إنما هو بِر البَر الرحيم سُبْحَانَهُ في عباده المصابين المكروبين في الدنيا، فكيف ببره لهم في الآخرة!
[ ٣ / ١٤ ]
«البَرُّ يحب الأبرار»
في موضوع البر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف البر:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وكذلك لفظ (البِر) إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فالبِر إذا أُطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البِرِّ، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]» (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٧٢).
[ ٣ / ١٥ ]
وقال -﵀- في موضع آخر: «فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ (البر) يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ (التقوى)، وكذلك (الدين، أو دين الإسلام) وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ … الآية [البقرة: ١٧٧]، وقد فسر البر بالإيمان، وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله، والجميع حق، وقد روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- أنه فسر الإيمان بالبر (^١)، وجاء في الأثر أن رجلًا جاء إلى أبي ذر، فسأله عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية؛ فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى قال له: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته، ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته، وخاف عقابها» (^٢).
ثانيًا: فضائل البر وأهله:
فضائل البر كثيرة، منها:
١ - أن أهل البر في الدنيا يلحقون بالبررة في السماوات العلى، ففي حديث النبي -ﷺ-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، رقم الحديث: (١٥٣٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٠).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٩٨).
[ ٣ / ١٦ ]
أمنية عباد الله الصالحين- الذين أثنى الله على دعائهم في القرآن-: الوفاة مع الأبرار، يقول تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] وقد ذكر القَفَّال في تفسير هذه المعية وجهين:
أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالِهم، حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، فقد يقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونَهُ مساويًا له في ذلك الاعتقاد.
يقال: فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي: هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفًا.
النعيم العظيم في الحياة الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة، يكون للأبرار، يقول ابن القيم -﵀- (^١): «ولا تظنَّ أن قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٣] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورِهِمُ الثلاثةِ، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب مِن بِر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرَّب تَعَالَى، ومحبته والعمل على موافقته.
الخير العظيم من الله الذي يرتقبه الأبرار، فهو جنات تجري من تحتها الأنهار، تأمَّلْ قوله تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].
_________________
(١) الجواب الكافي (ص ١٢١).
[ ٣ / ١٧ ]
أسماء الأبرار مرقومة في عليين، يقول تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]، فكتابهم في (عِلِّيِّين) أعلى الجنان وأوسعها، يَشهدُ رقم أسمائهم في هذا الكتاب المبارك الملائكةُ المقرَّبون وأرواحُ الأنبياء والصديقين والشهداء.
الأبرار ينالون خير نعيم وأعظمه، وهو النظر لوجه البَر: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢١ - ٢٨].
ثالثًا: من هم الأبرار؟
١ - الأبرار هم أهل بِر الوالدين والإحسان إليهم:
الذين اقتدوا بأنبياء الله والبررة من عباده، يقول تَعَالَى عن نبيه يحيى -﵇-: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] وقال عن عيسى -﵇-: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]، فهم الذين التزموا وصيةَ الله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٤٦].
وهم الذين تقرَّبوا بأحب الأعمال إلى الله، كما جاء في حديث ابن مسعود -﵁- قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
[ ٣ / ١٨ ]
قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^١).
وَلْيَهْنَهُمْ ما بشَّرهم به رسول الله -ﷺ-، بأن عملهم أفضل من الجهاد في سبيل الله؛ فقد «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (^٢).
وهم الموفقون، أهل الرزق في الدنيا وطول العمر، فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^٣).
٢ - الأبرار هم أهل الصدقات:
وهم أهل البذل، والإحسان على كل قريب ويتيم وفقير ومحتاج، وأموالهم في كل وجه للخير تبذل ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فالإسلام دين يقوم على البذل والإنفاق، ويضيق على الشُّحِّ والإمساك؛ ولذلك حَبَّبَ إلى بنيه أن تكونَ نفوسُهم سخيَّةً، وأكفُّهم نديَّةً، وأوصاهم بالمسارعة إلى دواعي الإحسان ووجوه البر، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٤٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٥).
[ ٣ / ١٩ ]
الناس شغلهم الدائم، لا ينفكون عنه في صباح أو مساء: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]
والبذل الواسع عن إخلاص ورحمة يغسل الذنوب ويمسح الخطايا، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨]
والعبد إذا انزلق في ذنب، وشعر بأنه باعد بينه وبين ربه، فإن الطهور الذي يعيد إليه نقاءَهُ، ويردُّ إليه ضياءَهُ، ويلفُّهُ في ستار الغفران والرضا: أن يجنحَ إلى مالٍ عزيزٍ عليه فينخلع عنه للفقراء والمساكين، زلفى يتقرب بها إلى أرحم الراحمين، وقد غفر الله لبغيٍّ من بني إسرائيل بشربة ماء لكلب أرهقه العطشُ، كما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁-، أن النبيَّ -ﷺ- قال: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (^١).
بل إن المرء وقت الاحتضار يتمنى الاستزادة من جميع الطاعات على وجه العموم، والصدقات على وجه الخصوص، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٥).
[ ٣ / ٢٠ ]
٣ - الأبرار هم أهل الخُلق الحسن:
عن النواس بن سمعان -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (^١)، وأهل الأخلاق الحسنة هم خير الناس، عن عبد الله بن عمرو -﵁-، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٢).
والخلق الحسن به يثقل ميزان العبد يوم القيامة، عن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ-، قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (^٣)، وزاد في رواية له: «وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» (^٤).
و«سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (^٥)، وقال رسول الله -ﷺ-: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٣٥٥٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢١)، واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث (٤٧٩٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٢)، واللفظ للترمذي، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٢).
(٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٣).
(٥) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤).
[ ٣ / ٢١ ]
مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» (^١).
وعند أحمد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو -﵄-، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (^٢).
٤ - الأبرار هم أهل الصدق:
الصدق معنى واسع يدخل فيه صدقك مع ربك أولًا، ثم مع نفسك، ثم مع الناس، والصدق يهدي صاحبَهُ لجميع أنواع الخيرات، ويقوده إلى الجنة، وفي الحديث الصحيح: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» (^٣).
وكان أبغض خُلُق إلى رسول الله الكذب؛ فعن عائشة -﵂-، قالت: «مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْكَذِبَةَ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٧٦٥٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٠٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٦٥٠).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٠٧).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٢٥٨٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٧٣) حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٨).
[ ٣ / ٢٢ ]
٥ - الأبرار هم من يخلصون في أعمالهم ويبتغون وجه الله تعالى:
الأبرار هم الذين لم يتركوا بابًا للخير إلا طرقوه، إن تكلموا عُلم مافي قلوبهم من إيمان عظيم بالله وملائكته واليوم الآخر، وإن أصابتهم السراء شكروا، وإن أصابتهم الضراء صبروا، قال الله عنهم في آية جامعة لصفاتهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]
نسأل الله البر سُبْحَانَهُ أن يسلك بنا سبيل الأبرار، وأن يتوفانا معهم، وأن نقول غدًا إذا تمَّت لنا النعمة في جنات النعيم: ﴿ى ى ئا ئا ئ؟ ئ؟ ئو ئو ئ؟ ئ؟﴾ [الطور: ٢٨].
[ ٣ / ٢٣ ]
الحسيب الديَّان -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (الحسيب):
قال الجوهري -﵀-: «حسب: حَسَبْتُهُ أَحْسَبُهُ بالضم حَسْبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة، إذا عددته … والمعدود محسوبٌ وحَسَبٌ أيضًا … وحاسبته من المحاسبة واحتسبت عليه كذا، إذا أنكرته عليه. قاله ابن دريد، واحتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم: الحِسْبة بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسب …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:
فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تَعَالَى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] … ومن الباب الحَسَبُ الذي يعد من الإنسان، قال أهل اللغة: معناه أن يعد آباء أشرافًا.
والأصل الثاني: الكفاية، تقول: شيء حِسَابٌ، أي: كاف، ويقال: أَحْسَبْتُ فلانًا، إذا أعطيته ما يرضيه …» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (١/ ١١٠).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٥٩ - ٦١).
[ ٣ / ٢٤ ]
ثانيًا: (الديَّان):
قال الجوهري -﵀-: «الدَّيْنُ: واحد الديون، تقول: دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مدينٌ ومَدْيونٌ … والدينُ بالكسر: العادة والشأن … والدينُ: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَهُ دينًا، أي: جازاه، يقال: (كَمَا تَدِينُ تُدانُ) (^١)، أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تَعَالَى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيُّون محاسَبون، ومنه: الدَيَّانُ في صفة الله تَعَالَى …» (^٢).
قال ابن فارس -﵀-: «(دين) الدال والياء والنون أصل واحد، إليه يرجع فروعه كلها:
ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم الحكم، وقال قوم: الحساب والجزاء، وأي ذلك كان فهو أمر ينقاد له …
ومن هذا الباب الدَّيْنُ، يقال: دَايَنْتُ فلانا، إذا عاملته دَيْنًا، إما أخذًا وإما إعطاء» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، رقم الحديث: (١٣٢)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٥٧٦).
(٢) الصحاح (٥/ ٢١١٧).
(٣) مقاييس اللغة (٢/ ٣١٩).
[ ٣ / ٢٥ ]
ورود اسمي الله (الحسيب - الديَّان) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله (الحسيب):
- ورد اسم الله (الحسيب) ثلاث مرات في كتاب الله -﷿-، ووروده كالتالي:
قوله -﷿-: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
قوله -﷿-: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
ثانيًا: ورود اسم الله (الديّان) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (الديان) في القرآن الكريم.
ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الحسيب) في السنة:
لم يرد اسم الله (الحسيب) في السنة النبوية.
ثانيًا: ورود اسم الله (الديان) في السنة:
من وروده ما يلي:
حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله -ﷺ-، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس -﵁-، فقلت للبواب:
[ ٣ / ٢٦ ]
قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَوْ قَالَ الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ [مَنْ قَرُبَ]: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ -﷿- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (^١).
وزاد في رواية: «وتلا رسول الله -ﷺ-: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]» (^٢).
ثبوت اسم الله (الديان) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الديان) في حق الله تَعَالَى:
- ابن القيم -﵀-: يقول في نونيته:
جَهْمُ بْنُ صَفْوَانٍ وَشِيعَتُهُ الأُلَى … جَحَدُوا صِفَاتِ الخَالِقِ الدَّيَّانِ (^٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (١٦٢٨٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٥٧٠).
(٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٣٦٥٩).
(٣) نونية ابن القيم (ص: ٧).
[ ٣ / ٢٧ ]
- ابن منده -﵀-، قال: «ومن أسماء الله -﷿-: الدائم والدافع والديان، قال عمر -﵁-: ويل لديان الأرض من ديان السماء» (^١).
معنى اسمي الله (الحسيب- الديان) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله (الحسيب) في حق الله -﷿-:
أ- يدور اسم الله الحسيب على معنيين (^٢):
الأول: الكفاية.
الثاني: الحفظ للعمل والمحاسبة عليه.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال أبو عبيدة -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] «أي كافيًا مقتدرًا، يقال: أَحْسَبَنِي هذا، أي: كفاني» (^٣).
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه» (^٤).
_________________
(١) التوحيد لابن منده (٢/ ١١٨).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٦٦).
(٣) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (ص: ١٣٥).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٤٢٩).
[ ٣ / ٢٨ ]
قال ابن الأثير -﵀-: «الحسيب: هو الكافي، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، من أَحْسَبَنِي الشيء: إذا كفاني، وأَحْسَبْتُهُ وحَسَّبْتُهُ بالتشديد: أعطيته ما يرضيه حتى يقول: حَسبي» (^١).
وقال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ الحَسِيبُ حِمَايَةً وَكِفَايَةً … وَالحَسْبُ كَافِي العَبْدِ كُلَّ أَوَانِ (^٢)
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]: «إن الله كان على كل شيء مما تعملون- أيها الناس- من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه … وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي: فعيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه» (^٣).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مُدْخَلَة مُرَوَّجٌ حسابُها مُدَلَّسٌ أمورُها؟ الله عالم بذلك كله» (^٤).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٨١).
(٢) النونية (ص: ٢١٠).
(٣) تفسير الطبري (٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٩).
[ ٣ / ٢٩ ]
من الأقوال في المعنى الأول والثاني:
قال الزجاج -﵀-: «الحسيب يجوز أن يكون من حسبتُ الحساب، ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني … فالله تَعَالَى محسب، أي: كاف، فيكون فعيلًا في معنى مفعل، كأليم ونحوه» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «الحسيب: المحاسب على الشيء، الموافق عليه، فالله -﷿- حسيب عباده، أي: محاسبهم على أعمالهم، ومجازيهم عليها …
والحسيب: الكفي … ويقال: (حسبك كذا)، أي: يكفيك، ومنه قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيك الله ومن اتبعك من المؤمنين …» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «الحسيب: هو المكافئ، فعيل بمعنى: مُفْعِل، كقولك: أليم بمعنى مؤلِم، تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأَحْسَبَنِي، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي … والحسيب أيضًا بمعنى المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمعنى موازر ومنادم، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: محاسبًا» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «والحسيب بمعنى: الرقيب، المحاسب لعباده، المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل، وبمعنى: الكافي عبده همومه، وغمومه،
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٤٩).
(٢) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٢٩).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٩٦ - ٧٠).
[ ٣ / ٣٠ ]
وأخص من ذلك: أنه الحسيب للمتوكلين ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه أمور دينه ودنياه» (^١)، وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] «أي: عالمًا بأعمال العباد، حافظًا لها، مثبتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها ومقادير ثوابها، وعقابها، واستحقاقها، موصلًا للعمال جزاءها» (^٢).
ثانيًا: معنى اسم الله (الديّان) في حق الله -﷿-:
يدور اسم الله (الديان) على معنيين:
١ - الحاكم القاضي الذي دانت له الخليقة.
٢ - المحاسب المجازي.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء الله تَعَالَى (الديان) قيل: هو القهار، وقيل: هو الحاكم والقاضي، وهو فعال، من دان الناس: أي: قهرهم على الطاعة، يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا» (^٣).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الحليمي -﵀-: «وهو الحاسب والجازي، لا يضيع عملًا،
_________________
(١) توضيح الكافية الشافية، للسعدي (ص: ١٩٧).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٢٥).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤٨).
[ ٣ / ٣١ ]
ولكنه يجزي بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا» (^١).
من الأقوال في المعنى الأول والثاني:
قال الخطابي -﵀-: «(الديان): وهو المجازي، يقال: دنت الرجل؛ إذا جزيته، أدينه، والدين: الجزاء … والديان أيضًا: الحاكم، ويقال: من ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها؟» (^٢).
اقتران اسم الله (الحسيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الحسيب) بغيره من الأسماء.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحسيب - الديان):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحسيب- الديان) من صفاته سُبْحَانَهُ:
اسم الله (الحسيب- الديان) يقتضي إثبات جملة من الصفات لله -﷿-، والتي منها:
أ- الكفاية:
فهو -ﷻ- الحسيب الكافي، الذي كفى خلقه ما أهمهم من أمور دينهم ودنياهم، فيسر لهم كل ما يحتاجونه من الطعام، والشراب، واللباس، والمركب،
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).
(٢) شأن الدعاء (١/ ١٠٥).
[ ٣ / ٣٢ ]
والرزق، والأمان، ونحوها، وبالمقابل حفظهم من الشرور وكفاهم إياها، فدفع عنهم كل ما يكرهون من الأمراض، والأسقام، والأوجاع، والمخاوف، والهموم، والغموم ونحوها، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] (^١).
ثم إن كفاية الحسيب على ضربين (^٢):
الكفاية العامة، وهي: كفايته لجميع خلقه ما أهمهم من تحصيل المنافع، ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
الكفاية الخاصة، وهي: كفايته لأوليائه وأهل طاعته كفاية يصلح بها أمر دينهم ودنياهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أي: كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين شر أعدائهم، سواء أكانوا كفارًا أم منافقين أم فاسقين أم ظالمين، أكانوا أقوياء أم ضعفاء، كثارًا أم قلالًا، فالكل كافيك الحسيب شره» (^٣).
ثم إن كفاية الحسيب وحفظه للعبد مرتبط بحكم الله القدري، فمن شاء كفاه، ومن شاء أصابه ما قدر عليه، كما جاء عن ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] قال: «ملائكة
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٦٦).
(٢) ينظر للاستزادة: اسم الله الكافي.
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٤٨)، وتفسير السعدي (ص: ٣٢٥).
[ ٣ / ٣٣ ]
يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه» (^١).
وقال مجاهد -﵀-: «ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك! إلا شيئًا يأذن الله فيه فيصيبه» (^٢).
ب- الحكم والقضاء (^٣):
فهو -ﷻ- الديان الذي له الحكم والقضاء، فيحكم في خلقه قبل خلقهم بحكمه الكوني القدري، ويحكم فيهم بعد خلقهم بحكمه الشرعي، ويحكم فيهم يوم الدين بحكمه الجزائي العدل، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
وبهذه الأحكام الثلاثة دانت الخلائق للديان، فالكل منها مقهور مدبر لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، والكل منها وجهه عانٍ للحي القيوم، ذليل لعظمته، خاضع لعزته، ملك قاهر على عرش السماء مهيمن، يرضى على من يستحق الرضا ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويقرب من يشاء، ويقصي من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، فتبارك الديان الحكم رب العالمين.
ج- الحفظ والإحصاء:
فهو -ﷻ- الحسيب الديان الذي أحصى كل شيء عددًا، فلا يفوته
_________________
(١) تفسير الطبري (١٦/ ٣٧١).
(٢) المرجع السابق (١٦/ ٣٧٣).
(٣) للاستزادة ينظر: اسم الله الحكم الحاكم جل في علاه.
[ ٣ / ٣٤ ]
مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل الكل مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
ومن ذلك: أعمال العباد، فقد علمها وحفظها وأحصاها قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، فالكل محسوب محصى صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، ظاهره وباطنه، مميز صالحه من فاسده، وحسنه من قبيحه، وخيره من شره، لا يخفى عليه شيء منه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
علم مقاديره، ومقادير ثوابه وعقابه، وما يستحقه عامله من الجزاء قبل الخلق وبعد الخلق ويوم العرض ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (^١).
ومن تمام حفظ الحسيب الديان لها: أمر الملائكة الحفظة أن يدونوا جميع أعمال الخلق صغيرها وكبيرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قال ابن عباس -﵄-: «يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]» (^٢).
وبهذه الكتابة صارت الدواوين عند الديان -﷿- ثلاثة: (^٣)
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٢٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٩٩).
(٣) ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ١٩).
[ ٣ / ٣٥ ]
١ - ديوان لا يغفر منه شيئًا، وهو الشرك به،، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
٢ - ديوان لا يترك منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تَعَالَى يستوفيه كله، ويقتص لصاحبه؛ فعن عبد الله بن أنيس -﵁-، قال: قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أو قال: الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله -﷿- عراة غرلًا بهمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (^١).
٣ - ديوان لا يعبأ به، وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، فإن الله -﷿- يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، كما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
د- المحاسبة على الأعمال:
فهو -ﷻ- الحسيب الديان الذي يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة يوم الدِّين، عراة ليس عليهم ثياب، حفاة بلا نعال، غرلًا غير مختتنين، بُهمًا ليس معهم شيء من متاع الدنيا، وإنما هي أعمالهم حاضرة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة حتى ما يزن حبة الخردل ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٦ ]
حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وحتى ما كان خفية من العمل ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالكل مكشوف الجسد، والعمل، والنفس، والقلب، وما تكنه الصدور، ساقطة جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار وما يخفيه الإنسان ويحرص على ستره حتى عن نفسه.
فتقف الحشود من خلق الله إنسًا وجنًّا وملائكة تحت جلال الله، وعرشه مرفوع فوق الجميع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨].
فينادينهم الديان جل في علاه بصوت يسمعه القريب والبعيد على حد سواء، فيقول: «أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» (^١).
والكل خاضع خاشع لهيبة الله وعظمته ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
حتى إذا اشتد الكرب بأهل الموقف لطول العناء والانتظار وشدة الأهوال، ذهبوا للأنبياء ليشفعوا لهم عند الديان -ﷻ-؛ ليفصل بينهم، فيجيء الديان لفصل القضاء كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ
_________________
(١) صحيح البخاري، رقم الحديث: (٩/ ١٤١).
[ ٣ / ٣٧ ]
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٠] (^١).
فتتطاير الصحف في الأيمان والشمائل، وينادى العباد بأسمائهم على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ هلم إلى العرض على الديان.
وقد وكلت الملائكة بأخذ المنادى، لا يمنعها اشتباه الأسماء والألوان والأشكال حتى توقفه ماثلًا بين يدي الله الحسيب، وصحيفته في يده مخبرة بعمله، لا تغادر بلية كَتَمَها، ولا مخبأة أَسَرَّهَا، ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
فكم من بلية نسيها صاحبها قد ذكره إياها! وكم من سيئة أخفاها قد أظهرها وأبداها! وكم من عمل ظن أنه سلم وخلص فرد عليه وأحبط (^٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: حسابهم (^٣).
ثم إن هذا الحساب بين يدي الحسيب الديان يبدأ بأمة محمد -ﷺ-، ويتفاوت بحسب أعمال العباد، فمنهم من حسابه عسير، فهؤلاء هم: الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمها.
وكل ما كان العبد أشد عصيانًا وتمردًا، كلما كان الله أشد حسابًا له، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٣٣٥).
(٢) ينظر: التوهم في وصف أحوال الآخرة، للحارث المحاسبي (ص: ٢٢)، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ١٤١).
[ ٣ / ٣٨ ]
وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠].
ومنهم من يكون حسابه يسيرًا، فلا يناقش في الحساب، ولا يدقق ويحقق معه، وإنما تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها، وإنما ذلك إظهارًا لنعمة الله عليه بالستر في الدنيا، وبالعفو في الآخرة.
وهذا معنى قوله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢].
وقول رسول الله -ﷺ-: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس قد قال الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال رسول الله -ﷺ-: إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ» (^١).
ومنهم من يدخل الجنة بغير حساب، كما جاء في الحديث «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، … فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ … هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^٢).
ثمّ إن هذه المحاسبة والمحاكمة من الحسيب الديان بلغت الكمال الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٠).
[ ٣ / ٣٩ ]
لم تشهد البشرية له مثيل من قبل، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]؛ وذلك أن محاكمة الديان -﷿- ومحاسبته قائمة على جملة من القواعد، والتي منها:
العدل الذي لا يشوبه ظلم بوجه من الوجوه، فيوفى كل عامل عمله من غير أن يزاد في السيئات، أو ينقص من الحسنات، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
لا يؤخذ أحد من الخلق بجريرة غيره؛ قال تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، فكل إنسان يلازمه عمله خيره وشره ولا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] (^١).
إطلاع العباد على ما قدموه من العمل، وذلك بإعطائهم صحائف أعمالهم، وقراءتهم لما قدموه من صالح أعمالهم وطالحها، فيحكموا على أنفسهم، ولا يكون لهم بعد ذلك عذر، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٥٥).
[ ٣ / ٤٠ ]
أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
إقامة الشهود على العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].
وأعظم الشهداء عليهم ربهم وخالقهم وفاطرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، ولكنه سُبْحَانَهُ يحب الإعذار على خلقه، فيبعث من مخلوقاته شهداء، فتشهد الملائكة، والرسل، والجوارح والأعضاء، والأرض (^١).
مضاعفة الحسنات دون السيئات، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وجاء في الحديث عن ابن عباس -﵄- عن رسول الله -ﷺ-، فيما يروي عن ربه، -﷿- قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^٢).
إطلاع العباد على مقادير أعمالهم، وذلك بنصب الموازين التي تزن أعمالهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ
_________________
(١) للاستزادة ينظر: اسم الله الشهيد.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).
[ ٣ / ٤١ ]
نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
سرعة الحساب؛ قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
قال الحسن البصري -﵀-: «حسابه أسرع من لمح البصر» (^١).
وقيل لعلي بن أبي طالب -﵁-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: «كما يرزقهم في يوم» (^٢).
قال الطبري -﵀-: «هو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم أيها الناس، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها؛ لأنه لا يحسب بِعَقْدِ يَدٍ، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» (^٣).
ثم هو سهل لا مشقة فيه على الحاسب جل في علاه، بل هو يسير عليه، فكما أن خلقهم وبعثهم كنفس واحدة ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، فكذلك حسابهم كنفس واحدة (^٤).
هـ- الجزاء على الأعمال:
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢/ ٤٣٥).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٤٣٥).
(٣) تفسير الطبري (٩/ ٢٩٣).
(٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٧٤).
[ ٣ / ٤٢ ]
فهو -ﷻ- الديان الذي يملك يوم الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: يوم القيامة، وإنما سمي بيوم الدين؛ لأنه يوم الجزاء على الأعمال، قال ابن عباس -﵄-: «ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه» (^١).
فلا يضيع عمل خلقه، بل يجازيهم على الخير والشر وإن صغر وقل، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
وهذا الجزاء قد يعجل لصاحبه في الدنيا، وهذا يكثر في أعمال البر التي يعملها الكفار، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ بِهَا لِلهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^٢)، وربما يؤخر الجزاء إلى الآخرة، وربما يجمع لصاحبه بين الجزاءين؛ جزاء الدنيا والآخرة، نسأل الله من فضله.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٨).
[ ٣ / ٤٣ ]
الأثر الثاني: دلالة اسماء الله (الحسيب- الديان) على التوحيد:
إذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب «الكافي»، فلا بد أن يعلم أن الكفاية إنما تكون من الله الحسيب وحده لا مشارك له فيها، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
قال ابن القيم -﵀-: «أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد …
فإن (الحسب) و(الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سُبْحَانَهُ على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله … ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه … فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله -﷾-.
[ ٣ / ٤٤ ]
ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فالحسب: هو الكافي، فأخبر -﷾- أنه وحده كاف عبده …» (^١).
ثم إن الكفاية التي قد تتوهم من المخلوقين إنما هي مجرد أسباب سخرها الله، فكل شيء لا يتم إلا بخلق الله وأمره وتقديره؛ فحاجة الإنسان للطعام والشراب، والأرض والسماء، والشمس ونحو ذلك لا يعني كفايتها له، وأنها حَسْبُه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلقها وتسخيرها، فلولاه ما وجد الطعام والشراب، وما طلعت الشمس ولا استقرت الأرض ولسقطت السماء.
وحاجة الطفل إلى أمه في الرضاع والرعاية والحضانة لا يعني كفايتها له وأنها حسبه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلق أمه، وخلق اللبن في ثديها، وخلق الهداية له إلى التقامِه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مَكَّنَتْهُ من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه، ونحو ذلك.
فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها (^٢).
وهذا كله دال على توحيد الربوبية، من جهة أن الكفاية ملك لله وحده تفرد بها، ودال- أيضًا- على توحيد الألوهية من جهتين:
توحيد الله الحسيب في طلب الكفاية؛ إذ هي ملك له وحده دون ما سواه.
ومن هنا: يقال: حسبي الله، ولا يقال: حسبي فلان، أو كافني فلان، ونحو ذلك.
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٣٧ - ٣٩).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧ - ٣٦٩).
[ ٣ / ٤٥ ]
٢ - توحيد الله الحسيب بالعبادة؛ إذ إن من بيده كفاية العباد وحده مع فقر كل من سواه إليها، هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩].
ثم إن معنى المحاسبة في هذه الأسماء الكريمة دال على توحيد الألوهية أيضًا، من جهة أنه يبعث على التساؤل: ما أعظم ما يحاسب الله العباد عليه؟
والجواب: حقه على العباد، كما جاء في حديث معاذ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (^١) فمن حقق ذلك كان مآله الجنة، كما قال -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (^٢)، ومن أخل بذلك بالشرك كان مآله النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وعن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٥٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٣٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣).
[ ٣ / ٤٦ ]
الأثر الثالث: التوكل على كفاية الله الحسيب:
إذا تأمل الإنسان في نفسه وحاجته للكفاية في وجوده، ودوام وجوده، وكمال وجوده، حاجته للكفاية جنينًا في بطن أمه، ومولدًا خارج بطن أمه، وطفلًا وغلامًا وشابًّا وشيبًا، بل وميتًا (^١).
ثم نظر في اسم الله الحسيب، وعلم أن من معانيه الكافي الذي يكفي خلقه تحصيل المنافع بمختلف أنواعها، ودفع المضار بمختلف أنواعها ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]؛ قاده ذلك للتعلق به سُبْحَانَهُ والتوكل عليه في سائر شؤونه، ورفع حوائجه إليه دون غيره، والثقة به دون الركون للأسباب والاعتماد عليها.
ولا سيما إذا علم أن الله خص المتوكلين عليه بمزيد من الكفاية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
قال ابن القيم -﵀-: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه، أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش … قال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ولم يقل: نُؤْتِهِ كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
[ ٣ / ٤٧ ]
المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره» (^١).
الأثر الرابع: الاطمئنان إلى الله الحسيب الديان:
من علم يقينًا اسم الله الحسيب الديان؛ لم يستوحش من إعراض الخلق عنه، ولم يستأنس بقبولهم له؛ ثقة بأن الذي قُسم له لا يفوته وإن أعرضوا، والذي لم يقسم له لا يصل إليه ولو أقبلوا.
إذ إن الإيمان باسم الله الحسيب الديان يورث العبد الاطمئنان والراحة، وذلك من جهتين:
دلالته على الكفاية؛ إذ تذكره يكسب القلب الطمأنينة والسكينة بكفاية الله الحسيب لجميع ما يهمه من أمور الدين والدنيا، وما يهمه من تحصيل المنافع ودفع المضار.
وهذا بدوره يزيل القلق والهلع على الرزق؛ إذ تكفل سُبْحَانَهُ بأرزاق العباد بالليل والنهار وكفاهم إياها، فلا بد أن تصل إليهم شاء من شاء وأبى من أبى، كما جاء في الحديث: «أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (^٢)، وقد أرشد الله لهذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٤٤) واللفظ له، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٩)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليق الرغيب، رقم الحديث: (٣/ ٧).
[ ٣ / ٤٨ ]
مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩].
كما يزيل- أيضًا- الخوف والخشية من المخلوقين، وإن عظمت قوتهم وجاههم وسلطانهم وأموالهم؛ فهو الحسيب الكافي الذي يكفى العبد شرورهم.
ولذا شرع لمن خاف من المخلوقين أن يتذكر ربه الحسيب، فيلهج قائلًا: «حسبي الله ونعم الوكيل» متذكرًا قول إبراهيم -﵇- لها حين ألقي في النار، فجاءته كفاية الحسيب؛ إذ قال للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
ومتذكرًا قول محمد -ﷺ- وأصحابه لها، حينما قيل لهم بعد أُحُد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فكفاهم الله شر أبا سفيان وجيشه بالخوف؛ إذ قذف الحسيب في قلوبهم الرعب، فرجعوا إلى مكة خائبين، ورجع رسول الله -ﷺ- وصحابته إلى المدينة ظافرين برضوان الله ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (^١).
ومعناها (^٢):
- «حسبنا الله» أي: كافينا كل ما أهمنا، فلا نتوكل إلا عليه ولا نعتمد إلا عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
_________________
(١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (٣/ ١٩١ - ١٩٢).
(٢) ينظر: المرجع السابق (٣/ ١٩١).
[ ٣ / ٤٩ ]
- «ونعم الوكيل» أي: نعم المتوكل عليه في جلب النعماء ودفع الضر والبلاء وكيد الأعداء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
قال ابن القيم -﵀-: «وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته، فإن الله بالغ أمره، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، لا يتقدم عنه ولا يتأخر» (^١).
دلالته على محاسبة الظالم والاقتصاص منه؛ إذ تذكُّر المظلوم لهذا، وتذكُّره لنداء الرب -﷿-: «أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ» (^٢)، وقول رسول الله -ﷺ-: «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (^٣) - سبب في تسليته واطمئنان
_________________
(١) بدائع الفوائد (٣/ ٣٤٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٨٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٩٧٠)، وفي خلق أفعال العباد (ص ٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٢٥٠).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٢).
[ ٣ / ٥٠ ]
قلبه؛ ليقينه بأن هناك يومًا لا ريب فيه، سيقتص فيه الديان سُبْحَانَهُ له من ظالمه، ويشفي صدره ممن ظلمه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقد يعجل عقوبته ويجازيه على ظلمه وطغيانه في الحياة الدنيا قبل الآخرة، كما حصل ذلك لكثير من الظالمين والطغاة والجبابرة.
الأثر الخامس: متابعة رسول الله -ﷺ- تحصيلًا لكفاية الحسيب:
إذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب: (الكافي)، وأن هذه الكفاية نوعان: عامة وخاصة، والخاصة أعظم الكفايتين؛ تطلع إليها، وتاقت نفسه لتحصيلها، والدخول في زمرة أهلها.
ولا بد أن يُعلم أن هذه الكفاية الخاصة إنما تكون بقدر متابعة العبد لرسول الله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية الله تَعَالَى» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أنه بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٧١).
(٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٨).
[ ٣ / ٥١ ]
والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصَّغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^١).
ولا شك أن هذا يدعو العبد إلى المتابعة واقتفاء أثر الرسول الكريم -ﷺ-.
الأثر السادس: محبة الله الحسيب الديان:
من تأمل في اسم الله الحسيب الديان، وقف على عدة معاني، الواحدة منها كافية في ملأ القلب من محبته -﷿-، ومن هذه المعاني:
- الكفاية: فإذا تأمل العبد في كفاية الله -﷿- له، التي بها وصلته كثير من النعم، واندفعت عنه كثير من النقم؛ أحبه جل في علاه.
ثم إذا تأمل أن هذه الكفاية لم تقتصر عليه، بل شملت غيره، حتى العاصي والمنافق والكافر، بل وحتى الحيوان والنبات؛ امتلأ قلبه بمحبته.
- مضاعفة الحسنات دون السيئات: فإذا تأمل العبد في كرم ربه في الحساب، وعظم جوده وفضله؛ دفعه ذلك لمحبته.
- العدل: فإذا تأمل العبد في أن ربه مع كمال ملكه وقدرته وغناه وقوته، لا يُسأل عما يَفعل، حكم بالعدل في الدنيا وكذا في الآخرة؛ امتلأ قلبه بمحبته.
ثم إذا تأمل تمام عدله يوم الدين من إحضار الصحف، وإقامة الشهود،
_________________
(١) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٣٥).
[ ٣ / ٥٢ ]
ونصب الموازين؛ زاد حبه للديان العدل جل في علاه.
- الاقتصاص للمظلوم من ظالمه: فإذا تأمل المظلوم أن ربه معه ينصره ويجيب دعوته، ويأخذ له حقه من ظالمه؛ أحبه كما يحب من يدافع عنه وينصره على ظالمه من البشر.
الأثر السابع: الاستعداد ليوم الحساب:
إذا عرف العاقل أن ربه سُبْحَانَهُ الحسيب الحاسب الديان، وأن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب، الذي قال الله فيه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأيقن أنه ملاقٍ ربه الديان الحكم العدل لا محالة، واقف بين يديه للحساب، وعمله كله محضر خيره وشره، حسنه وسيئه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]- خاف من ربه -﷿-، وخاف من القدوم عليه يوم الحساب مفلسًا، كما قال سُبْحَانَهُ عن أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] (^١)،
وقاده هذا الخوف إلى الاستعداد لهذا اليوم العظيم والموقف المهيب، فيحسب له حسابه ويُعدُّ له عدَّته.
وإنما يكون ذلك بفعل الخيرات والاستزادة من الطاعات، والتي من أهمها:
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤١٧).
[ ٣ / ٥٣ ]
- الصلاة: التي هي أول ما يحاسب عليه العباد؛ فعن أبي هريرة -﵁-، قال -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ -﵎-: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» (^١).
- أداء الأمانة التي تحملها: فعن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٢).
فمن أدى الأمانة استحق الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها استحق من الله العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله ولرسوله ولأمانته.
- التجاوز عن المعسر والفقير والمسكين ونحوهم: لعل الله أن يتجاوز عن العبد يوم الدين، وقد جاء في الحديث عن أبي مسعود -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٤١٣)، واللفظ له، والنسائي، رقم الحديث: (٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٩٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٩٣)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢٩).
[ ٣ / ٥٤ ]
شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ -﷿-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (^١).
وما من عبد كان مع الناس سهلًا ميسرًا هينًا لينًا، إلا كان الله معه في الحساب كذلك، وما من عبد كان مع الناس عسيرًا شديدًا إلا كان الله معه في الحساب شديدًا عسيرًا، والجزاء من جنس العمل.
- الدعاء بالنجاة والمغفرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
ثم إن الدعاء بالمغفرة يوم الدين من دعاء الملائكة لأهل الإيمان، فقد جاء في حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^٢).
بل وذم رسول الله -ﷺ- ابن جدعان بعدم دعائه به؛ فعن عائشة -﵂- أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٦١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٤).
[ ٣ / ٥٥ ]
ويكون كذلك باجتناب المحرمات، ومظالم الناس كما سيأتي في الأثر التالي.
الأثر الثامن: اجتناب مظالم العباد ورد حقوقهم (^١):
اسم الله الحسيب الديان دال على محاسبة الله للظالم، وأخذه بظلمه، والاقتصاص للمظلوم من ظالمه، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- أن الرب -﷿- بنادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: «أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» (^٢).
وهذا يدعو العباد إلى الحذر من الظلم واجتنابه، والخروج من المظالم وردها إلى أهلها قبل أن ترد يوم القيامة؛ فعن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ»، قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ:
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣١٦ - ٣١٨).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٦ ]
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]،، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ» (^١).
ثم إن وفاء الحقوق وردها يوم القيامة لا يكون بالدينار والدرهم، وإنما بالحسنات والسيئات، التي أحوج ما يكون الإنسان إليها في ذلك اليوم، كما جاء في حديث المفلس الذي رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^٢)، وقال الشافعي -﵀-: «بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على العباد» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٠٤٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٢٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨١).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤١).
[ ٣ / ٥٧ ]
ويدعوهم أيضًا إلى توخي العدل مع الناس، لا سيما من ابتلي منهم بالحكم بينهم، أو مجازاتهم في الدنيا.
كما يدعوهم إلى الحكم بين الناس بما أنزل الله؛ لأنه الحكم العدل الذي لا يتطرق إليه ظلم ولا جهل ولا هوى، وكل ما سواه من الأحكام لا يخلو من النقص والظلم والجهل والهوى، قال عمر -﵁-: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إِلَّا مَنْ أَمَّ الْعَدْلَ وَقَضَى بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَى هَوًى، وَلَا عَلَى قَرَابَةٍ، وَلَا عَلَى رَغَبٍ وَلَا عَلَى رَهَبٍ، وَجَعَلَ كِتَابَ اللهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد، رقم الحديث: (٦٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (٢٠٤١٨)، حكم الألباني: صحيح، مختصر العلو، رقم الحديث: (ص ١٠٣).
[ ٣ / ٥٨ ]
«المحاسبة» (^١)
في موضوع المحاسبة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف المحاسبة:
قال الماوردي -﵀- في تعريف المحاسبة: «أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل» (^٢).
ثانيًا: ثمرات المحاسبة:
للمحاسبة ثمرات عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
امتثال أمر الله -﷿-؛ إذ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرًا في أمر من أوامر
_________________
(١) ينظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٨١)، وما بعدها.
(٢) أدب الدنيا والدين (ص ٣٥٦).
[ ٣ / ٥٩ ]
الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله، فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة» (^١).
الاطلاع على عيوب النفس وعدم الاغترار بها، ومن ثمَّ إصلاح عيبها؛ فإن من لم يعرف العيب لم يمكنه إزالته.
قال مالك بن دينار -﵀-: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تَعَالَى فكان لها قائدًا» (^٢).
الخوف والحياء من الله -﷿-؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره العظيم في الواجبات، وتفريطه في النوافل، وارتكابه للذنوب والمكاره، وكل ذلك موجب للخوف والحياء من الله -﷿-.
تعين صاحبها على استدراك ما نقص من الفرائض والنوافل؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره فيستدركه.
التوبة وكثرة الاستغفار؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره وذنبه فيتوب منه ويستغفر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
الاستعداد للقاء الله، قال عمر -﵁-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٣).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٠٥).
(٣) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٣٩٤).
[ ٣ / ٦٠ ]
ثالثًا: تحقيق المحاسبة:
تحقيق المحاسبة إنما يكون بالقيام بنوعين من أنواعها:
المحاسبة قبل العمل.
المحاسبة بعد العمل.
فأما المحاسبة قبل العمل، فيراد بها: التفكر قبل البدء في العمل، وذلك في جملة من الأمور، والتي منها:
التفكر في العمل، هل هو مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن كان غير مقدور تُرك حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدورًا أتبعه بالتفكر.
التفكر في العمل، هل فعله خير من تركه، أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله، وإن كان تركه خيرًا من فعله أتبعه بالتفكر.
التفكر في النية والقصد، هل مراده بالعمل الله -﷿- أو مراده غيره، فإن كان مراده الله أمضاه وإلا تركه، قال الحسن البصري -﵀-: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، يحاسب، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل» (^١).
وأما المحاسبة بعد العمل، فهي على ثلاثة أنواع:
المحاسبة على الطاعة، هل قام بحق الله فيها؟ وحقه فيها: الإخلاص له، والمتابعة لرسوله -ﷺ-، والإحسان والإتقان في أدائها، ومشاهدة منته عليه بالتوفيق إليها، ومشاهدة تقصيره بعد الانتهاء منها، وأنه مهما عمل لله فهو مقصر.
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن قيم الجوزية (١/ ١٣٨).
[ ٣ / ٦١ ]
المحاسبة على عمل كان تركه خيرًا من فعله، ويدخل في هذا: المعاصي، والاشتغال بالمفضول عن الفاضل، فيحاسب نفسه عليها باللوم والتوبيخ والندم ونحو ذلك.
المحاسبة على العمل المباح، هل كان له فيه نية صالحة يحصل بها الأجور، أم غفل عن ذلك وعمله على سبيل العادة، ففاته الأجر؟
ويمكن للإنسان أن يحاسب نفسه أيضًا عن طريق التفكر في الجوارح: ماذا فعلت برجلي؟ بيدي؟ بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟ ثم التفكر في النوايا: ماذا أردت بعملي هذا؟ وما نيتي فيه؟ ونحو ذلك.
فيجعل له ساعة من ليل أو نهار يطالب فيها نفسه، ويحاسبها على جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء، فينظر في رأس المال وفي الربح وفي الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه: الفرائض، وربحه: النوافل والفضائل، وخسرانه: المعاصي.
قال وهب بن منبه -﵀-: «مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب» (^١).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٣٣).
[ ٣ / ٦٢ ]
وأول ما يبدأ الإنسان، يحاسب نفسه عليه:
- الفرائض: فإذا رأى فيها نقصًا تداركه، بالقضاء أو التكميل والإتمام.
-ثم المحرمات: فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا، تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحيات ولا يتساهل ويتهاون؛ فإنه لو رمى بكل معصية يفعلها حجرًا في داره لامتلأت الدار في مدة يسيرة، ولكنه التساهل في حفظ المعاصي وهي مثبتة ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
- ثم ما يصدر منه من الغفلة، فإذا لحظ من نفسه ذلك، تداركه بالذكر والإقبال على الله، وحضور مجالس الذكر ونحو ذلك.
وإن مما يعيين على تحقيق المحاسبة ما يلي:
تذكر أسماء الله وصفاته واستشعارها على الدوام، فاستشعار اسم الله العليم، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، الحسيب، الديان، ونحوها يدعو الإنسان إلى مراجعة العمل والنظر فيه قبل البدء وبعده.
تذكر اليوم الآخر، وما فيه من الحساب والعرض على الملك الديان، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
النظر في سير السلف الصالح، وتأمل ما هم عليه من المحاسبة؛ ومن ثمَّ الاقتداء والتأسي بهم.
فاللهم إنا نسألك يا حسيب يا ديان، أن ترزقنا محاسبة أنفسنا، وأن تثقل موازينا وتيمن كتابنا، وتجعلنا ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.
[ ٣ / ٦٣ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «حفظت الشيء حفظًا، أي: حَرَسْتُه، وحَفِظْتُهُ أيضًا بمعنى: استظهرته … والمحافظة: المراقبة … والحفيظ: المحافظ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، يقال: احتفِظ بهذا الشيء، أي: احفظه، والتحفُّظ: التيقُّظ وقلَّة الغفلة، وتَحَفَّظْتُ الكتاب، أي: استظهرته شيئًا بعد شيء» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الحاء والفاء والظاء أصل واحد يدل على مراعاة الشيء، يقال: حفظت الشيء حفظًا … والحفاظ: المحافظة على الأمور» (^٢).
ورود اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحفيظ) في القرآن الكريم ثلاث مرات، ووروده كالتالي::
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧].
قوله -﷿-: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ١١٧٢).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٨٧).
[ ٣ / ٦٤ ]
قوله -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦].
وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحافظ) مرة واحدة، وهي:
قوله -﷿-: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
وورد مرتين بصيغة الجمع:
قوله -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
قوله -﷿-: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢].
ولم يرد اسم الله (الحفيظ- الحَافِظ) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله الحافظ الحفيظ على معنيين:
الحافظ الذي يحفظ المخلوقات من سماء وأرض وما فيهما.
الحافظ الذي يحفظ أعمال عباده خيرها وشرها (^١).
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الخطابي -﵀- أيضًا، قال: «الحفيظ هو الحافظ، فعيل بمعنى: فاعل؛ كالقدير والعليم يحفظ السموات والأرض وما فيها لتبقى مدة بقائها،
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٩١).
[ ٣ / ٦٥ ]
فلا تزول ولا تندثر؛ كقوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]، أي: حفظناها حفظًا، والله أعلم، وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء؛ كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمره» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «(الحافظ) ومعناه: الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه» (^٢).
قال القرطبي -﵀- أيضًا، قال: «فهذا الاسم يكون من أوصاف الذات، ومن أوصاف الفعل … وإذا كان من صفات الفعل فيرجع إلى حفظه للوجود، وضد هذا الحفظ الإهمال، وعلى هذا خرج قوله تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤]» (^٣).
قال السعدي -﵀- أيضًا: «الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون» (^٤).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀-، في قوله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]: «وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها (حفيظ) لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مُجَازٍ جميعهم يوم
_________________
(١) شأن الدعاء (ص ٦٧ - ٦٨).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).
(٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٣٠٩).
(٤) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ١٥٩).
[ ٣ / ٦٦ ]
القيامة بما كسبوا في الدنيا من خير وشر» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الحفيظ هو الحافظ … يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نياتهم وما تُكِنَّ صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «حفظ على عباده ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-:
وهوَ الحفيظُ عليهِمُ وهوَ الكفيـ … ـلُ بحفظِهِم مِنْ كلِّ أمرٍ عان (^٤)
اقتران اسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الحفيظ بأي اسم من أسمائه سُبْحَانَهُ.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٩٣).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٦٧ - ٦٨).
(٣) الحق الواضح المبين (ص: ١٥٩).
(٤) النونية (ص: ٢٠٧).
[ ٣ / ٦٧ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحافظ الحفيظ) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ الحفيظ الذي حفظ كل شيء ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]، فلا يخرج شيء ولا يند عن حفظه، حفظ على العباد ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فلا يضيع منها شيئًا، ولا ينسى ولا يغيب عنه شيء منها لكمال علمه وحفظه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
فهو الحفيظ الذي يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم ما تكن صدروهم، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣]، فكل ما فعلوه من خير وشر مكتوب عليهم، مسطر في الكتب القدرية، قال السعدي -﵀-: «وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تَعَالَى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (^١).
وهو الحفيظ الذي وكل ملائكة كرام كاتبين يحفظون على العباد أعمالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (^٢)، فلا يسقط من الصحف التي كتبوها شيء من عمل العبد ولو صغر،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).
(٢) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩٠ - ١٩١)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٥٣).
[ ٣ / ٦٨ ]
قال تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وهو الحفيظ الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض وما فيهما، حفظ بحفظه العام، وحفظ بحفظه الخاص، فأما حفظه العام:
حفظه لجميع المخلوقات، فحفظ السماء بإقامتها بلا عَمَدٍ، وحفظها من الزوال والدثور، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، وحفظها من أن تقع على الأرض: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، كل ذلك من غير أن يثقله ويعجزه ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] (^١).
وجعلها سقفًا محفوظًا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] من أن تنال الشياطين أسرارها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨]، وحفظها من أن ينالها أحد بهدم أو نقض أو يصل لها بحيلة (^٢).
وحفظ الأرض أن تميد أو تضطرب بما جعل عليها من الجبال الرواسي ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١].
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٤).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ١١)، وتفسير القرطبي (١١/ ٢٨٥).
[ ٣ / ٦٩ ]
وحفظ ما فيها مما يدب على ظهرها بتيسيره ما يقيتها ويحفظ بنيتها، وتسيرها إلى هدايتها، وإلى مصالحها، وهدايته العامة لها التي قال عنها: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، هدى كل مخلوق إلى ما قَدَّرَ له وقَضَى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل، والمشرب، والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، فلو تأملنا النملة كيف تخزن طعامها وتحفظه من الفساد وكيف تقسم الحبة إلى فلقتين كي تحميها من أن تنبت؛ لعلمنا عظمة من خلقها وحفظها بهدايته لها إلى ذلك.
ولو تأملنا خلية نحل ورأينا سكانها من ملكة وجنود وخادمات، وكيف يقمن بخدمة البيض ويرعينه؛ حتى لا يتعرض للخطر، فيقمن بتهوية مكانه، وتهيئة أسباب السلامة فيه حتى يفقس، فسبحان من حفظها.
ومن حفظه العام: أن يدفع عن خلقه أصناف المكاره، والمضار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن كثير -﵀-: «للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ
[ ٣ / ٧٠ ]
وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).
وقال مجاهد -﵀-: «ما من عبد إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال له: وراءَك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه» (^٢).
وهذا الحفظ يشترك فيه البَرُّ، والفاجرُ، بل حتى الحيوانات، وغيرها من خلق الله -﷿- (^٣).
وأما حفظه الخاص:
فحفظه لأوليائه سوى ما تقدم، بحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل يقينهم من الشُّبَهِ، والفتن، والشهوات، فيعافيهم منها، ويخرجهم منها بسلامة، وحفظ، وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجنِّ والإنس فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدَهم، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وهذا عام في دفعِ جميعِ ما يضرُّهم في دينهم ودنياهم» (^٤).
فحفظه سُبْحَانَهُ لهم على ضربين:
الأول: حفظهم في مصالح دنياهم، كحفظهم في أبدانهم وأهلهم وأولادهم وأموالهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨).
(٣) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩١).
(٤) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٩ - ٦١).
[ ٣ / ٧١ ]
الثاني: حفظهم في دينهم وإيمانهم، فيحفظهم في حياتهم من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظهم عند موتهم فيتوفاهم على الإيمان (^١).
ومن صور حفظه لهم، ما يلي:
حفظه لأوليائه من مكر الأعداء:
إبراهيم -﵇- وضعه قومه في المنجنيق؛ ليرموه في النار التي أشعلوها، فأتى جبريل -﵇- لإبراهيم، فقال له: «هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأمَّا إلى الله فَبَلَى، فقال إبراهيم -﵇-: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]» (^٢).
رسول الله -ﷺ- أجمع الكفار على قتله، وأسندوا المهمة إلى شباب ذوي قوة وجَلَد من قبائلهم، فحفظه الله بحفظه ورد كيدهم، ثم دخل الغار مع أبي بكر، وصارت قريش قاب قوسين أو أدنى منه -﵊-، حتى إن أبا بكر -﵁- قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا» (^٣)، فحفظه الله من قريشٍ ولم يروه ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥ - ٤٦٩).
(٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٦٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٦٣).
[ ٣ / ٧٢ ]
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم يدركه سراقة بن مالك، فغارت قدَما فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخرَّ عنها، فاستسلم وبشَّرَهُ الرسول -ﷺ- بأن يلبسَ سوارَي كسرى» (^١).
حفظه لأوليائه بتسخير الكون لهم:
موسى -﵇-، حفظه الله، فها هي أمه ترضعه، وتحذَرُ عليه من فرعونَ ومَلَئِهِ أن يقتلوه، فيوحي الله إليها ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، فيذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فحفظه الحفيظ في أمواج البحر المتلاطمة، وحفظه في قصر فرعون، بل وأنزل محبته في قلوبهم ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
يونس -﵇-، حفظه الله في بطن الحوت، فلم يكسر له عظمًا، ولا أكل له لحمًا، بل يُذكر أنه أوحي إلى الحوت: إن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنًا (^٢).
حفظه لأوليائه في دينهم:
حفظ الله يوسف -﵇- من الوقوع في السوء والفحشاء، مع قوة الدواعي الداعية للوقوع فيها، فهو شاب عزب، غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا
_________________
(١) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٧).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٦٦).
[ ٣ / ٧٣ ]
كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدي المرأة، وهي سيدته، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر،، ومع ذلك ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، ودعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم، ومع ذلك كله حفظه الحفيظ في دينه، قال تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (^١).
وحينما يتكفل الحفيظ بحفظ شيء، فمن المحال أن يضيع أو يهلك، وكيف يهلك وقد تعهد الله بحفظه وتولاه برعايته، وهو خير الحافظين، قال تَعَالَى: ﴿فَالله خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
تكفَّل بحفظ كتابه العزيز من التحريف والتغيير والتبديل على مر العصور والدهور ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فبقى هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الحفيظ له -﵎-، بينما التوراة والإنجيل لما أوكل حفظها إلى الرَّبَّانيين والأحبار ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ حصل التبديل والتغيير (^٢).
وتكفل بحفظ بيته الحرام، قال ابن تيمية -﵀-: «وكذلك الكعبة؛ فإنها بيت من حجارة بوادٍ غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٦).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
[ ٣ / ٧٤ ]
عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعًا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبةً وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.
وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل، أي: جماعات في تفرقة فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم؛ فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة على صدقهم» (^١).
وتكفل بحفظ دينه «ولو كره المشركون ذلك وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
_________________
(١) ينظر: النبوات (ص ١٦٠ - ١٦١).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٣٣٥).
[ ٣ / ٧٥ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحافظ الحفيظ) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في سعة حفظ الحفيظ للخلائق كله، وأن كل شيء إنما حفظ بحفظه وقام بقيوميته، فهو الحي القيوم الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد والحفظ- تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فإن كل من دونه عاجز عن حفظ نفسه، فضلًا عن أن يحفظ غيره (^١)، فلو أوكل سُبْحَانَهُ حفظ هذه الكواكب والنجوم إلى ذواتها ولم يتولَّها بحفظه ورعايته، لتهافتت وتهاوت وتساقطت، وذهب كلٌّ منها إلى حيث لا يُعلم له غاية ولا مستقر، ولو أوكل حفظ السماء والأرض للخلق، لعجزت قواهم عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، فمن كان هذا حاله كيف يتخذ إلهًا من دون الله؟!
كما أن العبد إذا تأمل في حفظ الحفيظ لأهل التوحيد وإكرامه لهم، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك- كان في ذلك دلالة له على توحيد الله دون ما سواه، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلًا إلى كل خير، دافعًا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببًا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تَعَالَى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون، فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢١).
(٢) ينظر: المرجع السابق (١٢٥).
[ ٣ / ٧٦ ]
الأثر الثالث: محبة الله الحفيظ:
إن التفكر والتدبر في حفظ الله للعبد يملأ القلب حبًّا للحفيظ سُبْحَانَهُ، الذي حفظ له دينه وحفظ له جوارحه، وحفظ له معاشه في هذه الدنيا؛ إذ لو خُلِّيَ بين العبد وبين المهلكات؛ لَمَا بَقِيَ على ظهرها مِن دابَّة ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١].
وهذا حفظه العام للناس- مؤمنهم وكافرهم- أما حفظه الخاص لأوليائه فشيء آخَرُ ونعمة أخرى تقتضي من أهلها المحبة العظيمة والحمد والقيام بحقوق عبوديته سُبْحَانَهُ وطاعته، وبقدر تحقيق العبودية والطاعة لله -﷿- يكون الحفظ والرعاية من الله -﷿- لعبده.
الأثر الرابع: مراقبة العبد للحافظ الحفيظ:
إذا علم العبد أن الله -﷿- حفيظ يحفظ عليه عمله ويرصد أقواله وأفعاله ولا يفوته شيء منها، ثم هو سُبْحَانَهُ يحاسبه عليها يوم القيامة؛ دفعه ذلك إلى مراقبتهسُبْحَانَهُ في السر والعلن، في ظاهره وباطنه، في حركاته وسكناته حتى يصل إلى درجة الإحسان التي فسرها رسول الله -ﷺ- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، فيعبد ربه مستحضرًا قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (^٢)، ويوجب له- أيضًا- النصح
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠).
[ ٣ / ٧٧ ]
في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها (^١).
الأثر الخامس: «احفظ الله يحفظك»:
ليس ثَمَّ حافظ حفيظ غير الله -ﷻ-، فهو سُبْحَانَهُ وحده الذي يحفظ من الشرور والآفات والمهالك، يحفظ من عقابه وعذابه وسخطه (^٢).
وإنما حظ العبد من حفظه سُبْحَانَهُ، بحسب ما عنده من إيمان وتقوى، كما قال -ﷺ-: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (^٣)، قال ابن رجب -﵀-: «يعني: احفظْ حدود الله، وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدَّى ما أمر به إلى ما نهي عنه» (^٤).
وقد مدح الله سُبْحَانَهُ عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣].
وأعظم ما يجب على المسلم حفظه من أوامر الله: حق الله في التوحيد، فيعبده وحده ولا يشرك به شيئًا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،
وقال -ﷺ- لمعاذ: «يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ:
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٣٠٢).
(٤) نور الاقتباس، لابن رجب (ص ٣٤).
[ ٣ / ٧٨ ]
هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (^١)، فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سُبْحَانَهُ عباده أن يحفظوه ويراعوه، وهو الذي من أجل حفظه أرسل الرسل وأنزل الكتب.
ومن أعظم ما أمر الله بحفظه: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩، المعارج: ٣٤].
فمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها، حفظه الله من نقمته وعذابه، وكانت له نجاة يوم القيامة.
قال ابن القيم -﵀-: «وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أُعطِيَتْ حقَّها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله -﷿-، وعلى قدر صلة العبد بربه -﷿- تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه موارد التوفيق من ربه -﷿-، والعافية، والصحة، والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٦٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠).
(٢) الطب النبوي (ص ٣٣٢).
[ ٣ / ٧٩ ]
ومما أمر الله بحفظه: السمع والبصر والفؤاد، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وأمر بحفظ الفروج، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، ومدح المؤمنين بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وقال -﵇-: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (^١).
وأمر بحفظ الأيمان، فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه، فكثير من الناس يتساهل في الحلف والقسم، وقد تلزمه كفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها، فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه (^٢).
والمؤمن مأمور بحفظ دينِه أجمع، فلا يترك منه شيئًا إلا حفظه، وبقدر حفظه يكون حفظ الله له في دينه وماله وولده، وجميع ما آتاه من فضله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، قال تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧٤).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٢ - ٤٦٥).
(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١).
[ ٣ / ٨٠ ]
وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله -﷿-: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن عباس -﵄-: «هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه» (^١).
ومَن حَفِظَ اللهَ في صباه وقوته، حفظه اللهُ في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.
وقد يحفظ اللهُ العبدَ بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قيل في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب -﵀- لابنه: «لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]» (^٢)، وقال عمر بن عبد العزيز -﵀-: «ما من مؤمن يموت، إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه» (^٣).
وقال محمد بن المنكدر -﵀-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحَ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَيَحْفَظُهُ فِي دُوَيْرَتِهِ، وَالدُّوَيْرَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير، رقم الحديث: (١٣٥٩)، والطبري في التفسير، رقم الحديث: (٢٠٢١٧).
(٢) تفسير البغوي (٥/ ١٩٦).
(٣) الجامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٥٥٥).
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد، رقم الحديث: (٣٣٠)، والحميدي في المسند، رقم الحديث: (٣٧٧).
[ ٣ / ٨١ ]
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان.
وفي الجملة، فإن الله -﷿- يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارهًا له، كما قال في حق يوسف -﵇-: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
قال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: «يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار» (^١).
وقال ابن مسعود -﵁-: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز جل» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٣٢٦٥)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٣٢٧).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥ - ٤٦٩).
[ ٣ / ٨٢ ]
الأثر السادس: الأسباب المحصلة لحفظ الحفيظ:
شرع الله أسبابًا تعين العبد على الفوز بحفظه -﵎-، ومن ذلك:
١ - الصلاح والتقوى:
فكلما كان العبد أكثر صلاحًا وتقوى، كلما كان أقرب إلى حفظ الله تَعَالَى، وكلما كان محافظًا على حدوده، مجتنبًا لمحارمه؛ كان بحفظه أحظى، كما قال -ﷺ-: «احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ» (^١).
قال ابن رجب -﵀-: «متى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال، وفي مسند الإمام أحمد عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا، قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا -﵎-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا، وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا» (^٢)» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٣٠٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٦٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٩٣٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥٥).
[ ٣ / ٨٣ ]
٢ - التوكل على الله:
فإن العبد إذا توكل على الله واعتمد عليه في جلب منافعه ودفع مضاره، وأخذ مع ذلك بالأسباب، وجد الله متوليًا لأمره، مراعيًا لحاله، حافظًا له ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] «كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء» (^١)، وهذا عين التوفيق.
وضد ذلك: الخذلان، فإن العبد إذا اعتمد على نفسه وحوله وقوته؛ تركه الله لهذا كلِّه وخلَّاه، وهذا هو عين الخذلان.
وأوضح الله لنا هذا المعنى بما أورد في كتابه من قصص:
فها هي أم موسى لما فوَّضَت أمرها إلى الله حفظ ابنها وردَّه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٧ - ٨].
وهذا موسى يقول له قومه- بعد أن كان البحرُ أمامَهم والعدوُّ وراءَهم-: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فيصدع قائلًا: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فكانت النتيجة ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٧٠).
[ ٣ / ٨٤ ]
والصحابة عندما أعجبتُهُم كثرتُهُم يومَ حنينٍ فاعتمدوا عليها، تخلَّى الله عنهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
بينما في بدر كان العدد قليلًا، والعتاد قليلًا، لكن التوكُّل على الله كبير، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
٣ - تلاوة القرآن:
أنزل الله كتابه وجعله هدى ورحمة ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧]، ومن هدايته ورحمته: أن بعض سوره وآياته نص رسول الله -ﷺ- على أنها حفظ ووقاية للعبد من الشرور، ومن ذلك:
آية الكرسي:
جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: دَعْنِي،
[ ٣ / ٨٥ ]
فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتَ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).
وعن أُبيّ بن كعب -﵁-، «أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَكَانَ أُبَيٌّ يَتَعَاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَحَرَسَهُ، فَإِذَا هُوَ بِدَابَّةٍ تُشْبِهُ الْغُلَامَ الْمُحْتَلِمَ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ أَجِنٌّ أَمْ إِنْسٌ؟ قَالَ: جِنٌّ، قَالَ: فَنَاوِلْنِي يَدَكَ، فَنَاوَلَنِي يَدَهُ، فَإِذَا يَدُ كَلْبٍ، وَشَعَرُ كَلْبٍ، قَالَ: هَكَذَا خَلْقُ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنُّ مَا فِيهِمْ أَشَدُّ مِنِّي، قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣١١).
[ ٣ / ٨٦ ]
قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ أُبَيٌّ: فَمَا الَّذِي يُجِيرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ; آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ غَدَا أُبَيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: صَدَقَ الْخَبِيثُ» (^١).
خواتيم سورة البقرة:
جاء في الحديث، عن أبي مسعود -﵁-، أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (^٢).
واختلف في المراد بـ «كَفَتَاهُ»، فقيل: «أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، قال ابن حجر -﵀- بعد أن ساق هذه الأقوال: «يجوز أن يراد جميع ما تقدم» (^٣).
وجاء عن النعمان بن بشير، قال: قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ فَخَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٧٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٦٦٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٠٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٠٨).
(٣) فتح الباري (٩/ ٥٦).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦٤٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨٨٢)، حكم الألباني: صحيح، الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٨٠).
[ ٣ / ٨٧ ]
سورة البقرة:
جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (^١).
وعن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-، قال: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» البطلة: السحَرة (^٢).
سورة الإخلاص والمعوذتان:
جاء في الحديث عن عبد الله بن خُبَيب، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (^٣).
ومعنى «تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»: من كل شر وتدفع عنك كل سوء، ويحتمل أن يكون المعنى: تغنيك على كل ورد يتعوذ به (^٤).
٤ - ذكر الله -﷿-:
شرع الله -﷿- ذكره، وجعله حرزًا للعبد يحترز به من الشرور كلها، كما قال -ﷺ-: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٨٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٠٤).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥).
(٤) ينظر: عون المعبود، للعظيم آبادي (١٣/ ٢٩٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (١٠/ ٢١).
[ ٣ / ٨٨ ]
خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تَعَالَى انخنس عدو الله تَعَالَى، وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سُمِّيَ الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تَعَالَى خنس، أي: كف وانقبض» (^٢).
والأذكار التي ورد النص بحفظها للعبد كثيرة، ومنها:
أ- ما جاء في حديث خولة -﵂-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (^٣)، و«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» (^٤)، أي: لم تضرك العقرب، بأن يُحَالَ بينك وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوُّذ وقوته وضعفه؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضرَّهُ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٦٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٦٣).
(٢) الوابل الصيب (ص: ٣٦ - ٣٧)
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٨).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٩).
(٥) أوجز المسالك إلى موطأ مالك، للكاندهولي المدني (١٧/ ٦٦).
[ ٣ / ٨٩ ]
ب- ما جاء في حديث عبد الرحمن بن خنبش، «جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجِبَالِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَرُعِبَ - قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ، قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ - قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ -﵇- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ، قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ، فَطُفِئَتْ نَارُ الشَّيَاطِينِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ -﷿-» (^١).
ج- ما جاء عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^٢).
د- ما جاء عن عثمان بن عفان، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧٠٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨٤٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، واللفظ له، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨).
[ ٣ / ٩٠ ]
٥ - التصبح بسبع تمرات من العجوة:
جاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ - وفي رواية: مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»، أي: لابتي المدينة (^١).
٦ - استيداع الله الأمور:
جاء في الحديث، عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا اسْتُودِعَ اللهُ شَيْئًا حَفِظَهُ» (^٢).
٧ - الدعاء:
الدعاء من أهم الوسائل التي يحصل بها العبد حفظ الله -﷿- (^٣)، لذا كثرت الأدعية النبوية في سؤال الله الحفظ، ومن ذلك:
«احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، وَلَا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا، وَاللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ» (^٤).
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، وَقَالَ عُثْمَانُ:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٤٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٠٤٧).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٢٦٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٦٩٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤).
(٣) فقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩٣).
(٤) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٩٣٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٤٤٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٦٠).
[ ٣ / ٩١ ]
عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).
فاللهم يا حفيظ، إنا نعوذ بك من جهد البلاء، وَدَرَك الشَّقاء،
وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١).
[ ٣ / ٩٢ ]
ذُو الفضلِ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الفضل والفضيلة: خلاف النقص والنقيصة، والإفضال: الإحسان» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(الفاء والضاد واللام) أصل صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك: الفَضل: الزيادة والخير، والإفضال: الإحسان» (^٢).
ورود اسم الله (ذي الفضل) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (ذو الفضل) في كتاب الله اثنتي عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]
قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٦٩).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥٠٨).
[ ٣ / ٩٣ ]
قوله -﷿-: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]
ورود اسم الله (ذي الفضل) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (ذي الفضل) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «ذو فضل، يتفضل به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلقه، ثم وصف فضله بالعِظَم، فقال: فضله عظيم؛ لأنه غير مشبه في عظم موقعه ممن أفضله عليه إفضال خلقه، ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يدانيه» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «فالله سُبْحَانَهُ ذو الفضل العظيم، والإحسان العميم، أعطى خلقه ما لا يلزمه، وتفضَّل عليهم بما لا يجب عليه، فَسُبْحَانَهُ من رءوف رحيم، تفضَّل على جميع خلقه بنعمته، وعلى المؤمنين بدار كرامته، ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]» (^٢).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «أي: اختصكم- أيها المؤمنون- من الفضل بما لا يُحَدُّ ولا يوصف، بما شرَّف به نبيَّكم محمدًا -ﷺ- على
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ٥٠٧).
(٢) الأسنى شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٥١١).
[ ٣ / ٩٤ ]
سائر الأنبياء وهداكم به لأحمدِ الشرائع» (^١).
قال الشوكاني -﵀-: «فضل الله يؤتيه من يشاء، أي: يعطيه من يشاء إعطاءه إيَّاه تفضلًا وإحسانًا، والله ذو الفضل العظيم، فهو يتفضل على من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل» (^٢).
قال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]: «الذي لا يصفه الواصفون، ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]» (^٣).
فكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عند الله، يتفضل به عليهم ذو الفضل سُبْحَانَهُ!
قال الإمام ابن القيم -﵀- في نونيته:
يَا مَنْ يُرِيدُ وِلَايَةَ الرَّحمنِ دُو … نَ وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ والأَوْثَانِ
فَارِقْ جَمِيعَ النَّاسِ في إشراكِهِم … حتَّى تَنَالَ ولايةَ الرَّحمنِ
يَكفِيكَ مَن وَسِعَ الخلائقَ رحمةً … وكفايةً ذو الفَضْلِ والإِحْسَانِ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٦٠).
(٢) فتح القدير (٥/ ٢١١).
(٣) تفسير السعدي (ص ١٣٤).
[ ٣ / ٩٥ ]
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ ألطافُهُ … تأتي إليكَ برحمةٍ وحنانِ
يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ في ستْرِهِ … ويراكَ حينَ تجيءُ بِالعصيانِ (^١)
اقتران اسم الله (ذي الفضل) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (ذو الفضل) مقترنًا بأسماء أخرى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذي الفضل):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذو الفضل) من صفات الله، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ ذو الفضل الواسع والنعيم الوفير، ينعم على عباده بفضله ويمتن عليهم بخيره، ومن مظاهر أفضال الله تَعَالَى ما يلي:
أولًا: الأفضال الدنيوية:
وهي الأفضال التي تعم المسلم والكافر، البَر والفاجر، الإنسان والحيوان، بل كل ما سوى الله متقلِّب في فضله وبرِّه، ومن أمثلة هذه الفضائل: الرزق، فكل ما رزقك إياه في الدنيا: من عافية وسعة رزق وبيت وولد ووالد، تنام بالليل، وتسعى بالنهار، لا تعاني من قلق وأرق، ولا تعيش بطالة وكسلًا، هو من فضله تَعَالَى، تأمل قول سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]
_________________
(١) النونية (ص ٣٠٠).
[ ٣ / ٩٦ ]
وعن ابن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي، وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (^١).
ثانيًا: الأفضال الدينية:
وهي الأفضال التي تخص المؤمن في دينه، ومن أبرزها:
فضل الهداية للإسلام، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]
فضل تزكية نفوس المؤمنين وتنوير بصائرهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]
يقول ابن القيم -﵀-: «فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة؛ فإذا أراد اللهسُبْحَانَهُ بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح- من الإرادات والتصورات- وإذا لم يُرد بها ذلك تركها على حالها التي خُلِقَتْ عليها من الجهل والظلم» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٥٨)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٧)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٣٩٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٥٨).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٧٧).
[ ٣ / ٩٧ ]
فضل إنزال القرآن، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، يقول أبو سعيد الخدري -﵁- في معنى الآية: «بِفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله» (^١)، ومن فضل القرآن: أن جعله ذو الفضل شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -ﷺ-: قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (^٢).
ومن فضله أيضًا: أن الله يرفع قدر أهل البيت الذين يتلى في بيوتهم كلام الرحمن يقول النبي -ﷺ-: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُم فِي بُيُوْتِكُم، وَلَا تَجْعَلُوْهَا عَلَيْكُم قُبُوْرًا، كَمَا اتَّخَذَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى فِي بُيُوْتِهِم قُبُوْرًا، وَإِنَّ البَيْتَ لَيُتْلَى فِيْهِ القُرْآنُ، فَيَتَرَاءى لأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَرَاءى النُّجُوْمُ لأَهْلِ الأَرْضِ» (^٣).
فضل إرسال محمد -ﷺ- لهداية الناس إلى الطريق القويم، ومَن تأمَّل ما جاء به -ﷺ- جملة وتفصيلًا؛ عرف أنه لا صلاح للبشر إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وأنه كما أن بهما إصلاح العقائد والأخلاق والأعمال، فقد جاء فيهما ما يصلح أمور الدنيا كذلك، وكل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص.
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ١٩٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٣٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٤٦٧٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٤٣)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (١٩٦٣).
(٣) أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٢٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١١٢).
[ ٣ / ٩٨ ]
فضل تثبيت المؤمنين على دينهم، ومدافعته عنهم، ونصرتهم على أعدائهم، فيعصمهم من الزيغ والخذلان واتباع الشيطان، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
فضل طلب الجنة، والسعي للوصول إليها، يقول تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]
فضل تنوير بصائر من اتقاه، وتكفيره لسيئاته، ومغفرته لذنوبه، وتزكية نفسه، قالسُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
فضل إعطاء المؤمنين فوق ما يستحقون من ثواب، يقول تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]
فحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الفضائل سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر من التضرع بأن يمن الله عليه من أفضال الدنيا والآخرة.
[ ٣ / ٩٩ ]
كما أن اسم الله (ذا الفضل) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذي الجلال والإكرام)، و(المنان)، و(الكريم)، و(الرحيم)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: تحقيق صدق الافتقار لذي الفضل سُبْحَانَهُ:
من أيقن أن الفضل بيد ذي الفضل وحده سُبْحَانَهُ؛ صح في قلبه صدق الاضطرار وكمال الافتقار، وتجرد من جبروت النفس والجاه والمال، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وفي حديث النبي -ﷺ- لعبد الله بن عباس -﵄- قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (^١).
يقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في شرح الحديث: «الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة؛ لأنه هو الذي كتبه له، وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله -﷿-، ونعلم أن الأمة لا يجلبون لنا خيرًا إلا بإذن الله -﷿-» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٥٣٠٢).
(٢) شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٢٠٢)
[ ٣ / ١٠٠ ]
«فإذا جرَّد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تَعَالَى، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، … قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة، فالتوحيد حصن الله الأعظم، الذي من دخله كان من الآمنين: قال بعض السلف: من خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء» (^١).
الأثر الثالث: محبة ذي الفضل سُبْحَانَهُ:
إن العبد إذا عرف فضل الله -﷿-، وآمن بأنه ذو الفضل العظيم؛ ازداد حبُّه لله، وعظم شوقه إلى لقائه، فيكون راجيًا فضل ربه، محسنًا الظن بخالقه -﵎-.
الأثر الرابع: الفرح بفضل الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ يحب أن يرى فرح وسعادة عبده بكريم وجزيل فضله، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن، وهو يحب من عبده: أن يفرح بذلك ويسر به، بل يحب من عبده: أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها، وهو في الحقيقة فرح بفضل
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٤٥)
[ ٣ / ١٠١ ]
الله، حيث وفقه الله لها، وأعانه عليها ويسرها له، والفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته، … والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فَرِح راض، وليس كل راضٍ فَرِحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط، والحزن يؤلم صاحبه، والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام، والله أعلم» (^١).
«وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق: جاء في الذم، كقوله تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].
والمقيد: نوعان أيضًا:
مقيد بالدنيا: يُنسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضًا:
فضل ورحمة بالسبب، وفضل بالمسبب، فالأول: كقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] والثاني: كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسنة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات العارفين، قال الله تَعَالَى:
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]، فالفرح بالعلم والإيمان والسنة:
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ١٥٨).
[ ٣ / ١٠٢ ]
دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له: على قدر محبته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته، فالفرح تابع للمحبة والرغبة» (^١).
الأثر الخامس: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (^٢):
على العبد أن يكون باذلًا لخلق الله الفضل، يرجو ببذله أن يناله فضلُ الله ورحمته، فالله -﷿- يحب المحسنين إلى خلقه، ويحسن إليهم، كما دل عليه الحديث الصحيح عن أبي مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ الله -﷿-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (^٣).
عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٤).
فينبغي على العبد أن يسارع ببذل الفضل الذي أنعم الله به تَعَالَى عليه، فيبذل ماله إن كان ذا مال؛ تقربًا به لله، وشاكرًا لنعمه عليه، وكذا صاحب الجاه وصاحب العلم، وليتذكر دائمًا حديث النبي -ﷺ- الذي رواه عنه أبو
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ١٥٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٦١).
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٢٥٦)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٥١٦٢)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٢٦٢٧).
[ ٣ / ١٠٣ ]
هريرة -﵁-، حيث قال فيه المصطفى -ﷺ-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١)، وروي عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٢).
وهذا من باب المسارعة إلى فعل الخيرات، التي أمر الله بالسباق إليها والزحام عليها، قال تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] وهذه المغفرة والجنة فضل يؤتيه الله من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
فاللهم يا بَر، يا رؤوف، يا رحيم، يا ذا الفضلِ العظيم، يا غفور، يا ودود، يا حليم، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٠٤ ]
الرَّقيبُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الرقيب: الحافظ، … تقول: رقبت الشيء أرقبه رقوبًا، ورِقْبَةً ورِقْبانًا بالكسر فيهما، إذا رَصَدْتَهُ …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(رقب) الراء والقاف والباء أصل واحد مطرد، يدل على انتصاب لمراعاة شيء، من ذلك الرقيب، وهو الحافظ، يقال منه: رقبت أرقب رقبة ورقبانًا …» (^٢).
ورود اسم الله (الرقيب) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرقيب) في كتاب الله ثلاث مرات، ووروده كالتالي:
قول الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
قوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
ورود اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية.
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٢٧).
[ ٣ / ١٠٥ ]
معنى اسم الله (الرقيب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- عند قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]: «حفيظًا محصيًا عليكم أعمالكم متفقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصلَتكم إياها وقطْعَكُموها وتضييعَكُم حرمتها» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «الرقيب الذي لا يَغفل عن ما خلق فيلحقه نقص أو يدخل عليه خلل» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «فهو سُبْحَانَهُ الرقيب المُرَاعي أحوال المرقوب، الحافظ له جملة وتفصيلًا، المحصي لجميع أحواله، وذلك راجع إلى العلم والمشاهدة، وهو الإدراك والإحصاء وهو عَدُّ ما يَدِقُّ ويَجِلُّ من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وسائر أحواله وتصرفاته، ومراعاة وجوده وعدمه، وحياته وموته» (^٣).
قال الزجاج -﵀-: «الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه، يقال: رقبت الشيء أرقبه رقبة، وقال الله تَعَالَى ذكره: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «(الرقيب) المطلع على ما أَكَنَّتْه الصدور، القائم
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٣٥٠).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).
(٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥١).
[ ٣ / ١٠٦ ]
على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام، وأكمل تدبير» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وَهُوَ الرَّقِيْبُ عَلَى الْخَوَاطِرِ وَاللَّوَا … حِظِ كَيْفَ بِالْأَفْعَالِ بِالْأَرْكَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (الرقيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الرقيب بأي اسم من أسماء الله تعالى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرقيب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرقيب)، ودلالته على التوحيد:
الله هو الرقيب الذي لا يخرج شيء عن رقابته ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] «رقيب للمبصرات ببصره الذي لا يغيب عنه شيء، ورقيب للمسموعات بسمعه الذي وسع كل شيء، ورقيب على جميع المخلوقات بعلمه الذي أحاط بكل شيء» (^٣)، يرقب السموات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، والبحار وما فيهن، ويرقب عباده وما يصدر منهم.
فهو الرقيب الحفيظ الذي حفظ السموات وما فيها من كواكب ونجوم، حفظها من أن يخرجَ منها جِرْمٌ عن موضعه الذي أقامه فيه، أو ينقص من
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
(٢) النونية (ص: ٢٠٧).
(٣) فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨٢).
[ ٣ / ١٠٧ ]
سرعته التي أجراه بها وأداره عليها، أو ينحرف عن اتجاهه الذي وجَّهه إليه، لا تشغلُهُ رقابة كبارها عن الرقابة على صغارها، ولا يعوقه حفظ قريبها عن حفظ بعيدها.
ويرقب الأرض فيحفظها في دورتها حول نفسها أمام الشمس؛ حتى لا تنحرف عن دارها الذي رسمه، وحتى تحتفظ بالسرعة التي خصَّها بها، يرقبها في إنباتها وجريان أنهارها، يرقبها من أن تقع السموات عليها ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
ويرقب البحار، فيحفظها من أن تطغى على اليابسة، فتكون بحرًا يعج عجاجه وتصطخب أمواجه.
ويرقب الأجنة فيحفظها في بطون أمهاتها، وتطورها في خلقها ونموها، وتغذيتها وتمامها، وخروجها ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].
ويرقب عباده فيحفظهم من بين يديهم ومن خلفهم، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فللإنسان ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء (^١).
فسبحان الرقيب الذي لولا رقابته على كل هذه المخلوقات ما قام شيء في الوجود، وسبحان الذي لو تخلت رقابته عن هذا العالم طرفة عين لغرق في طوفان من الظلام وأصبح عدمًا.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤١٤).
[ ٣ / ١٠٨ ]
وهو الرقيب المطلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
وهو الرقيب المحصي أعمال عباده، يرقب حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم، بل حتى ما يجول في خواطرهم، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] «أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] علمًا وسمعًا وبصرًا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر» (^١).
وإذا تأمل العبد في عظم رقابة الله -﷿-؛ علم استحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، فهو «رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك لكل حركة وكلام، فهو سُبْحَانَهُ رقيب عليها بهذه الصفات تحت رقابته الكليات والجزئيات، وجميع الخفيات في الأرضين والسموات، ولا خفى عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقُبته التي هي من صفته» (^٢)، وكل معبود من دونه لا يملك من ذلك شيئًا، فكيف يتخذ إلهًا يُعبد؟!!
وكما أن اسم الله (الرقيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٢٤٩).
(٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).
[ ٣ / ١٠٩ ]
على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العليم، والشهيد، والحسيب، والسميع والبصير، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة الله الرقيب:
إذا علم المسلم أن الله الرقيب قائم عليه وعلى كل نفس، قائم بتدبيرها على أكمل نظام وأحسن إحكام، حافظ له وللمخلوقات من حوله فيحفظهم بحفظه ويكلؤهم بعينه، لا يغفل عن خلقه بل يرعاهم ويرعى أحوالهم ويدبر أمورهم، لا شك أن ذلك سيبعث في قلبه محبة الرقيب -ﷻ-.
الأثر الثالث: مراقبة الرقيب جل في علاه:
إذا أيقن العبد بأن الله هو الرقيب واستشعر نظره له في ظاهره وباطنه، وصغيره وكبيره؛ أورثه ذلك مراقبته سُبْحَانَهُ في السر والعلن، في الليل والنهار، في الخلوة والجلوة، فصار يلحظ أعماله، ويتفقد أفكاره وخطراته حتى يرتقي إلى درجة الإحسان التي أخبر عنها الرسول -ﷺ- بأنها «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، فيحفظ قلبه وسمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها من أن يكون منها أو فيها ما يسخط الله -﷿-.
ومراقبة الله من أعلى أعمال القلوب، ومن أعظم منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، فعلى المسلم أن يسعى لتحقيقها وأن يكون من أهلها، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١١٠ ]
المراقبة
في موضوع المراقبة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف المراقبة:
عرفها ابن القيم -﵀-، فقال: «دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق -﷾- على ظاهره وباطنه» (^١).
ثانيًا: ثمرات المراقبة:
إذا حقق العبد منزلة المراقبة، لا بد أن يجد ثمارها التي تعود إليه في أمر دينه ودنياه وآخرته، ومن ذلك:
١ - الإخلاص:
إذا راقب العبد ربه وعلم أنه مطلع على نيته ومقصده؛ بعثه ذلك إلى إخلاص عمله لله -﷿-؛ خوفًا وحياء من ربه أن يطلع على قلبه وفيه فلان وفلان من الناس، بل يبعثه ذلك- أيضًا- إلى إخفاء عمله عن أعين الناس، كما في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٢)، فهذا راقب الله، وأراد أن يكون
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).
[ ٣ / ١١١ ]
عمله خالصًا لوجهه سُبْحَانَهُ، حتى أن جزءًا من جسده وهو يده لم تعلم ما أنفقت يمينه، وهذا من كمال إخلاصه وتجرده لله تَعَالَى.
٢ - إتقان العمل:
إذا استحضر العبد حال قيامه بطاعة من الطاعات نظر الله إليه ومراقبته لعمله؛ أوجب ذلك له بذل الجهد في تحسينها وتكميلها وإتمامها (^١).
والعبد مأمور بتحسين عمله، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] قال ابن كثير -﵀-: «خير عملًا، كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل: أكثر عملًا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «إِنَّ الله -﵎- يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (^٣).
ولهذا المعنى جاء الأمر بإقامة الصلاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لا فعلها أو الإتيان بها؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة؛ إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها (^٤).
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ١٧٦).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٩٢٩)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٨٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٨٣).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٤١).
[ ٣ / ١١٢ ]
٣ - حفظ الظاهر والباطن من السيئات:
مراقبة الله -﷿- توجب للعبد صيانة ظاهره وباطنه ووقايته من اقتراف السيئات، فإن العبد إذا استحضر اطلاع ربه على ما بطن وخفي عن أعين الناس؛ دفعه ذلك إلى إصلاح باطنه وصيانته، فيحفظ قلبه من الحرام، ويحفظ فكره من الخواطر الرديئة، ويجرد باطنه من كل شهوة وإرادة تعارض أمر الله، ومن كل محبة تزاحم محبته، وهذه هي حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإذا صلح الباطن صلح الظاهر ولا ريب، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته، وقد قيل: من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه، فلا ينطق بحرام، ولا ينظر لحرام، ولا يسمع لحرام، ولا يبطش حرامًا، ولا يمشي لحرام (^١).
فاستشعار العبد لرؤية ربه؛ يدفعه إلى الإقلاع عن المعاصي والآثام؛ لذلك فإن الذي يقع في المعصية، لا بد أنه غاب عنه عند مواقعتها أن الله رقيب شهيد، قال ابن الجوزي -﵀-: «فقلوب الجهال تستشعر البعد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي؛ إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر، لَكَفُّوا الأكفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه، فحضرتهم المراقبة، وكَفَتْهم عن الانبساط» (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٥ - ٦٨).
(٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢١٣).
[ ٣ / ١١٣ ]
٤ - أعمال القلوب:
إذا حقق العبد مراقبة الله -﷿-؛ أوجب ذلك له جملة من الأعمال القلبية؛ وذلك أن المراقبة هي أساس أعمال القلب وعمودها الذي تقوم عليه، ومن تلك الأعمال:
- الخوف من الله ومهابته، فإذا هم بمعصية أو قارفها استشعر نظر ربه ورقابته، فخاف منه، واضطربت أركانه هيبة وتعظيمًا له (^١).
- محاسبة النفس والخلوة بها، ومعاتبتها بين الفينة والأخرى، فكلَّما همَّ العبد بمعصية استشعر أن ربه ناظر إليه فحاسب نفسه وراجعها، وكلَّما همَّ بتقصير في واجب تذكر مراقبة الله لعمله، فحاسَبَ نفسه وراجعها.
-الحياء من الله -﷿-، فيستحي أن يراه الله حيث نهاه، أو يراه وقد قصّر فيما أمره به، أو يراه وقد جعله أهون الناظرين إليه، كما قال بعض العارفين: «اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك» (^٢).
٥ - تفريج الهموم وتنفيس الكربات:
من حقق مقام المراقبة جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ومن كل عسر يسرًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وفي حادثة أصحاب الغار شاهد بيِّن على هذا:
_________________
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).
(٢) ينظر: المرجع السابق (١/ ١٣١).
[ ٣ / ١١٤ ]
فعن عبد الله بن عمر -﵄-، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا الله تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ الله يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ الله مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ الله اتَّقِ الله، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا،
[ ٣ / ١١٥ ]
فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله مَا بَقِيَ» (^١).
فالثلاثة راقبوا الله، فكان الجزاء أن فرج الله عنهم ما هم فيه، فإذا بالصخرة تتحرك من مكانها، وتفتح لهم باب النجاة، والخلاص من الهمِّ الذي حلَّ بهم.
٦ - سرور النفس وطمأنينة القلب:
من استحضر مراقبة الله -ﷻ-، وأدام ذكره، واجتنب الغفلة عنه؛ أثمر ذلك سرورًا في قلبه وانشراحًا في صدره ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقرت عينه بالقرب من ربه، وأحس بلذة وفرح لا يدانيه فرح من الأفراح عند فعل الطاعات؛ لعلمه أن الله مطلع عليه ناظر إليه وهو الشكور الحميد.
وما يجده المراقب لربه من السرور والحبور من النعيم المعجل في الدنيا (^٢)، قال ابن القيم -﵀-: «فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقرة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.
ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله -﷿-، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئًا منه،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٣٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٤٣).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٣٥)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨٤).
[ ٣ / ١١٦ ]
فليتهم إيمانه وأعماله؛ فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع، وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.
وقد ذكر النبي -ﷺ- ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد، وعلقه بالإيمان، فقال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١)، وقال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٢).
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا، فاتهمه؛ فإن الرب تَعَالَى شكور، يعني: أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول» (^٣).
٧ - زيادة الأجر:
مراقبة الله -﷿- أثناء عمل الخير ولو كان يسيرًا، ترفع من أجره وتعظمه، وتصيرّه كبيرًا مع صغره وكثيرًا مع قلته، وإنما نال السبعة الذين تحت الظل ما نالوا من الكرامة بسبب خشيتهم لله ومراقبته له، قال -ﷺ-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٧ - ٦٨).
[ ٣ / ١١٧ ]
عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).
فالرجل الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ما الذي دعاه لذلك والناس لا يرونه؟ والرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، وغابت عنه العيون ونفسه تشتهي وتتمنى، ما الذي دعاه لقوله: إني أخاف الله؟ والرجل الذي تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه مع أن المال محبوب للنفوس، ولا يسهل عليها أن تجود به إلا بطلب عوض أعظم، ما الذي دعاه للإنفاق؟ والشاب الذي نشأ في طاعة الله -﷿- مع قوة النوازع وتوقد الغرائز، ما الذي دعاه للطاعة والكف عن المعصية؟ إنها مراقبة الله -﷿- التي كانت سببًا لنيلهم هذه المكانة والمنزلة العظيمة.
٨ - دخول الجنة ورؤية وجه الله -﷿-:
مراقبة العبد ربه سبب لدخوله الجنة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] أي: «في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطَّلع عليهم فيها إلا الله، فلا يُقدِمون على معاصيه، ولا يُقَصِّرون فيما أمر به ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم وقاهم شرَّها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير، وهو ما أعده لهم في الجنة، من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والمشتهيات …» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٧٦).
[ ٣ / ١١٨ ]
وأعظم من ذلك: رؤية وجهه -﵎-، كما قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وذلك؛ «لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تَعَالَى به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة» (^١).
ثالثًا: وسائل تحقيق المراقبة:
يمكن للعبد أن يصل لمراقبة الله -﷿- من خلال عدة أمور، منها:
١ - العلم بالله -﷿- وأسمائه وصفاته؛ فإن العبد كل ما كان بالله أعلم كان له أخشى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (^٢)، وتوجب له هذه الخشية مراقبته سُبْحَانَهُ في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته.
ومن ذلك: استحضار معاني الأسماء الحسنى التي تورث مقام المراقبة، كالرقيب، والحفيظ، والعليم، والخبير، والشهيد، والمحيط، واللطيف، والقريب إلى غير ذلك من الأسماء التي إذا أدرك العبد معناها وتعبد ربه بمقتضاها، فإن ذلك يؤدي به إلى تحصيل مقام المراقبة، قال ابن القيم -﵀-: «والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٩).
[ ٣ / ١١٩ ]
عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة» (^١).
٢ - كثرة ذكر الله -﷿- بالقلب واللسان، قال ابن القيم -﵀- في بيان فوائد الذكر: «يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت» (^٢) وذلك لأن العبد كل ما كان لله ذاكرًا كان الله معه، كما جاء في الحديث القدسي: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^٣)».
٣ - الإكثار من عبادات السر والحرص عليها، كقيام الليل في جوف الليل، وصيام النهار حيث لا يعلم به مخلوق، والقيام بالأعمال الصالحة في غفلة عن المخلوقين، فإن ذلك كله يثمر مراقبة الله -﷿- في النفوس.
٤ - محبة الله؛ فإن المحبوب يلاحظ محاب محبوبه فيسارع إليها، ويلاحظ مساخطه فيبتعد عنها، كل ذلك سعيًا في رضاه عنه، فإذا حقق العبد محبة ربه راقبه في لسانه وجوارحه وقلبه، وسعى في كل قربة وطاعة تقربه إليه، حتى يحبه فيحفظه من الحرام، كما جاء في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٦٦).
(٢) الوابل الصيب (ص ٤٢).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٥).
[ ٣ / ١٢٠ ]
لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
٥ - تذكر الموت؛ فإن العبد إذا تذكره وتيقن أنه صائر إليه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أثمر ذلك في نفسه مراقبة الله في أعماله وأقواله، فلم يخف إلا الله ولم يرج إلا إياه، وفعل ما أمره، وترك ما نهاه عنه، استعدادًا له.
٦ - تذكر الآخرة والوقوف بين يدي الله -﷿- للسؤال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]؛ فإن العبد إذا استحضر واستشعر سؤال الله أوجب ذلك له مراقبته في السر والعلن في الصغير والكبير، فإذا تذكر مثلًا أنه مسئول عن رعيته كما قال -ﷺ-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٢)؛ راقب الله فيهم هل أعطاهم حقهم من التربية والنفقة والعلم … إلخ، أو لا؟ وإذا تذكر أن قدمه لن تزول حتى يسأل عن خمس، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (^٣)؛ راقب الله فيها ففعل ما يرضيه، وترك ما يسخطه فيها.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢٩).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤١٦)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٦٤٧)، حكم الألباني: حسن، المشكاة، رقم الحديث: (٥١٩٧).
[ ٣ / ١٢١ ]
٧ - استحضار الشهود الذين نصبهم الله شهودًا على أعمال العباد، من:
الملائكة الكرام الكاتبين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨].
والجوارح، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
والجلود، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
والأرض، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣ - ٤].
٨ - الدعاء، فيسأل العبدُ ربَّه، ويتضرع إليه ليلًا ونهارًا بلسان صادق وقلب خاشع، أن يرزقه خشيته ومراقبته في السر والعلن.
اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعَلن، واجعلنا نعبدك كأننا نراك.
[ ٣ / ١٢٢ ]
الفتَّاحُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «فتحت الباب فانفتح، وفتحت الأبواب، شدد للكثرة، فتفتحت هي، … واستفتحت الشيء وافتتحته، والاستفتاح: الاستنصار، والمفتاح: مفتاح الباب وكل مستغلق، والفتح: النصر، … والفتاح: الحاكم» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(فتح) الفاء والتاء والحاء أصل صحيح يدل على خلاف الإغلاق، يقال: فتحت الباب وغيره فتحًا، ثم يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء، فالفتح والفتاحة: الحكم، والله تَعَالَى الفاتح، أي: الحاكم» (^٢).
ورود اسم الله (الفتاح) في القرآن:
ورد اسم الله (الفتاح) في كتاب الله مرة واحدة مفردًا، وهي:
١ - قوله -﷿-: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
_________________
(١) الصحاح (١/ ٤١٢).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٤٦٩).
[ ٣ / ١٢٣ ]
وورد في كتاب الله مرة واحدة بصيغة الجمع، وهي:
قوله -﷿-: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
ورود اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الفتاح):
اسم الله (الفتاح) له ثلاث معان في حق اللهتَعَالَى:
الحاكم الذي يقضي بين عباده بالحق والعدل، بأحكامه الشرعية والقدرية الجزائية.
الذي يفتح لعباده أبواب الرحمة والرزق، وما انغلق عليهم من الأمور.
الناصر لعباده المؤمنين، وللمظلوم على الظالم.
وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال قتادة -﵀- في قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق» (^١).
قال الطبري -﵀- في تفسير قولهتَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «احكم بيننا وبينهم بحكمك الحق، الذي لا جور فيه
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٢١).
[ ٣ / ١٢٤ ]
ولا حيف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] يعني: خير الحاكمين» (^١).
وقال أيضًا -﵀- في قوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] «والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عنه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل» (^٢).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال السعدي -﵀-: «فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، … والرب تَعَالَى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله» (^٣).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال ابن عباس -﵄- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «يعني بذلك: المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد» (^٤).
قال ابن عاشور -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «فالاستفتاح هنا طلب الفتح، أي: النصر، والمعنى: إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٩).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٨٧).
(٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٨٤ - ٨٥).
(٤) تفسير الطبري (١١/ ٩٠).
(٥) التحرير والتنوير (٩/ ٣٠١).
[ ٣ / ١٢٥ ]
قال ابن القيم -﵀-:
وَكَذَلِكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والفَتْحُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ
فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلَهِنَا … والفَتْحُ بِالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثَانِ
والرَّبُّ فَتَّاحٌ بِذَيْنِ كِلَيْهِمَا … عَدْلًا وَإِحْسَانًا مِنَ الرَّحْمَنِ (^١)
اقتران اسم الله (الفتاح) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسم الله (الفتاح) باسمه (العليم):
تقدم بيانه في اسم الله (العليم).
الآثار المسلكية لاسم الله الفتاح:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الفتاح) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
إن فتح الله تَعَالَى ينقسم إلى قسمين: فتح بحكمه الديني والجزائي، وفتح بحكمه القدري، وفي ذلك يقول السعدي -﵀-: «وفتحه تَعَالَى قسمان: أحدهما فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري.
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق
_________________
(١) النونية (ص: ٢١١).
[ ٣ / ١٢٦ ]
حين يوفي كل عامل ما عمله.
أما فتحه القدري، فهو ما يقدره على عباده من خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، قالتَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]» (^١).
ومن مظاهر فتح الله سُبْحَانَهُ، ما يلي:
الفتح في الحكم بين عباده:
فالله سُبْحَانَهُ هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، ويتضمن ذلك أحكامًا وأحوالًا لا تنضبط بالحد ولا تحصى بالعد، ومن ذلك:
دعوة الأنبياء لربهم بأن يفتح بينهم وبين أقوامهم وينصرهم، ومنهم:
نوح -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨].
شعيب -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
فتح الله على من استعجل العذاب من أقوام أنبيائه، ومنهم:
قوم عاد، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] فيأتي الحكم من الله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ
_________________
(١) الحق الواضح المبين (ص: ٨٥).
[ ٣ / ١٢٧ ]
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢].
قوم ثمود، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]، واستعجل قومه العذاب فأتى الحكم والفتح من الله بقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧ - ٧٨].
كل من استعجل العذاب، يقول تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٧].
الفتح في الإيمان والهداية:
فمن فتح الله لعباده المؤمنين: أن حبب لهم الإيمان والطاعة، والأعمال الصالحة، وزينها في قلوبهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
[ ٣ / ١٢٨ ]
ومن فتحه: يسر فهم القرآن وتدبر وحفظه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
ويقول الطبري -﵀- عند تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]: «يقول تَعَالَى ذكره لنبيه محمد -ﷺ-: لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهل لهم اتباع الرشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها» (^١).
الفتح في الرزق والرحمة:
فالله سُبْحَانَهُ فتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وفتح لهم خزائن جوده وكرمه، فما يأتيهم من مطر، أو رزق، فلا يقدر أحد أن يمنعه، يقول تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وما أمسك سُبْحَانَهُ فلا يستطيع أحد أن يرسله، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، عنده الخزائن وبيده الخير، وهو الجواد المنان الفتاح، يفتح ما انغلق من الأمور والأحوال، فييسرها منه كرمًا، ويتفضل بقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، ويذهب ضيق النفس، وضيق الجهل، وضيق الفقر، فبعنايته تنفتح المغاليق،
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٣٤١).
[ ٣ / ١٢٩ ]
وبهداه تنفتح المشكلات، وبتيسيره تنفتح الصعوبات والكربات.
الفتح في العلم والفقه:
ففتح سُبْحَانَهُ لمن يشاء من عباده في أبواب العلم والحكمة والفقه في الدين، ولذا جمع الله بين الفتح والعلم، فقال: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
فحري بالقلب أن يتعلق بمن يملك هذه المفاتيح، ويوحده، ويديم النظر والتفكر في آلائه وصفاته، ويكثر من التضرع إليه أن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير في الدنيا والآخرة.
الأثر الثاني: اليقين بأن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:
وقد مر بأن اسم الله الفتاح لم يقترن إلا باسمه العليم، فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بعلم مفاتح الغيب، وهو مستغلق إلا على الرب -جل وعلا- فإنه يعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفي الحديث: قال رسول الله -ﷺ- «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^١).
أما الخلق فلا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله سُبْحَانَهُ، ولو كان لمخلوق أن يعلم الغيب لكان الرسل هم الأولى في هذا، ولكنهم بشر، لايعلمون إلا ما أطلعهم الله عليه، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، ويقول سُبْحَانَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٢٧).
[ ٣ / ١٣٠ ]
على لسان نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ومن شواهد ذلك، ما يلي:
عن عائشة -﵂-، قالت: «وَمَنْ زَعَمَ أَنَّه -ﷺ- يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]» (^١).
ولما رميت عائشة -﵂- بالإفك لم يعلم رسول الله -ﷺ- أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦].
وذبح إبراهيم -﵊- عجلًا للملائكة، ولم يعلم بأنهم ملائكة حتى خبروه، وقالوا له ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
ولما جاء الملائكة للوط لم يعلم- أيضًا- أنهم ملائكة، ولذا قال تَعَالَى عنه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].
الأثر الثالث: محبة الفتاح:
من آمن باسم الله الفتاح؛ أحبه وتعلق قلبه به، فهو سُبْحَانَهُ وحده بيده مقاليد كل شيء، ومفاتيح العلم والهدى والخير، ومفاتيح الغيب وما انغلق من الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٧).
[ ٣ / ١٣١ ]
ومن أحب الفتاح سُبْحَانَهُ أكثر من التضرع إليه بأن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير والنصر.
الأثر الرابع: اليقين بفتح الله تعالى:
فمن آمن باسم الله الفتاح اطمأنت نفسه، وارتاح قلبه؛ وعلم أن ما يفتحه رب العالمين للناس من رحمته وإنعامه عليهم لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
فلا يخاف المؤمن ضياع رزقه، أو انتهاك حقه، فالفتاح سيفتح ويكشف الحقائق ولو بعد زمن، كما برأ سُبْحَانَهُ أم المؤمنين عائشة -﵂- حين اتهمت في عرضها، فقالت وهي موقنة واثقة بنصر الله: والله لا أقول إلا كما قال يعقوب -﵇-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، فجاء الفتح من الله والحكم ببراءتها في عشر آيات في سورة النور، تُقرأ إلى يوم القيامة.
بل مهما طال ليل الظالم وكثر بغيه وظلمه للعباد؛ لا بد أن يفتح الله بين عباده بحكمه ونصره لمن اتبعه، ومهما تأخر ذلك النصر أو أبطأ ذلك التمكين فلا يتطرق الشك إلى الموحدين، فله سُبْحَانَهُ الحكمة من تأخير الفتح والنصر والتمكين، فلابد أن النصر آت، يقول تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
[ ٣ / ١٣٢ ]
الأثر الخامس: السعي لتحصيل أسباب نيل الفتح من الله:
إن الفتح لا يكون إلا من الله -﷾-، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه؛ ليبين لعباده أن الفتح منه لا من غيره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وفي الآية الأخرى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقد هيأ الله تَعَالَى لعباده أسبابًا عدة لنيل الفتح منه تَعَالَى، ومن ذلك:
الإيمان والتقوى: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
محبة الله ورسوله، يقول -ﷺ- يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» (^١).
الصدق، يقول تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
الدعاء، يقول تَعَالَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١١].
تحري أماكن الفتح الإلهي، ومن ذلك المساجد، ففي الحديث: قال -ﷺ-: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُه» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٤٢١٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧١٣).
[ ٣ / ١٣٣ ]
الأثر السادس: ليس كل فتح نعمة، فقد يكون فتنة:
فقد يكون الفتح استدراجًا من الله، يقول -ﷺ-: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا -ﷺ-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (^١).
وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [سورة الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل أبتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء (^٢)، وفي الحديث: «وَإِنَّ الله -﷿- وَإِنَّ اللهَ -﷿- يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٨٥٤)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٩٢٧٢)، حكم الألباني: إسناده جيد، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٧).
(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص: ٣٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٢٧)، وأبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (٤/ ١٦٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٦٢٥).
[ ٣ / ١٣٤ ]
يقول ابن القيم -﵀- في التفريق بين النعمة والفتنة: «وأما تمييز النعمة من الفتنة: فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج، فكم من مستدرَج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح، ذلك مبلغهم من العلم.
فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة، وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة، فليحذر فإنما هو مستدرج، ويميز بذلك- أيضًا- بين المنة والحجة، فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى!
فإن العبد بين منة من الله عليه، وحجة منه عليه، ولا ينفك عنهما، فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته، قال الله تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]» (^١).
الأثر السابع: تذكر يوم الفتح الحقيقي والاستعداد له:
يوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي، فإن الله سُبْحَانَهُ في ذلك اليوم يقضي ويفصل بين جميع العباد، فيبين الضال من المهتدي، وهو سُبْحَانَهُ لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ١٨٩).
[ ٣ / ١٣٥ ]
ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
فيوم القيامة يوم الفتح الأكبر، حيث تجتمع الخلائق كلها في صعيد واحد، فيحكم الله بينهم بالعدل، ويجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ في المجازاة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
وقد سمى الله يوم القيامة بيوم الفتح، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]؛ لأن الله -﷿- في هذا اليوم يفتح فيه على المؤمنين.
فعلى المؤمن أن لا يستعجل في دنياه الفتح، ولا ييأس أو يبتئس إن تأخر الفتح من ربه، فالنصر آت، وفتح ربك إن لم تنله في دنياك فهو مدخر لك يوم الفتح الأكبر، يوم تجازى على إحسانك وثقتك بربك وصبرك، فلا تترك للشيطان ووسوسته مجالًا لك.
[ ٣ / ١٣٦ ]
الأثر الثامن: البذل والعطاء لمن جعل الله له مفاتيح الخير:
فمن مَنَّ الله عليه بشيء من الفتوح، سواء في علم أو مال أو جاه، فعليه أن يشكر الله بكريم بذله، وجزيل عطائه للناس، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، وفي الحديث، يقول -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» (^١)، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ لِلهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا يُقِرُّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٢).
الأثر التاسع: دعاء الله باسمه الفتاح:
فالمؤمن يسأل الله فتحه في كل أمر يستغلق عليه أو يستصعبه، وقد كان هذا منهج الرسل جميعًا، ومنهم: نوح -﵇- عندما دعا ربه وسأله الفتح، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، كذلك شعيب -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٧)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٨٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٧).
(٢) أخرجه الطبراني، رقم الحديث: (٨٣٥٠)، حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٦١٦).
[ ٣ / ١٣٧ ]
بل إن سؤال الله الفتح ثبت في أذكار الصباح والمساء، ففي الحديث قال -ﷺ-: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (^١).
اللهم إنا نسألك أن تفتح لنا من رحماتك ما تدخلنا به جناتك، وأفض علينا من خيراتك وبركاتك، إنك أنت الفتاح العليم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤)، والطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٦٧٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤).
[ ٣ / ١٣٨ ]
القويُّ المتين -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: اسم (القوي):
قال الجوهري -﵀-: «القوة: خلاف الضعف، والقوة: الطاقة من الحبل، وجمعها: قوى، ورجل شديد القوى، أي: شديد أسر الخلق …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «القاف والواو والياء أصلان متباينان، يدل أحدهما على شدة وخلاف ضعف، والآخر على خلاف هذا، وعلى قلة خير.
فالأول: القوة، والقوي: خلاف الضعيف، وأصل ذلك من القوى، جمع قوة من قوى الحبل … والأصل الآخر: القواء: الأرض لا أهل بها، ويقال: أقوت الدار: خلت» (^٢).
ثانيًا: اسم (المتين):
قال الجوهري -﵀-: «متن: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع، والجمع متان ومتون … هو متين، أي: صلب» (^٣).
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٤٦٩).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٧).
(٣) الصحاح (٦/ ٢٢٠٠).
[ ٣ / ١٣٩ ]
قال ابن فارس -﵀-: «الميم والتاء والنون، أصل صحيح واحد يدل على صلابة في الشيء مع امتداد وطول، منه المتن: ما صلب من الأرض وارتفع وانقاد، متان، ورأيته بذلك المتن، ومنه شُبِّه المَتْنَانِ من الإنسان: مُكْتَنِفَا الصُّلب من عصب ولحم …» (^١).
ورود اسم الله (القوي، المتين) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله (القوي) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (القوي) تسع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦].
وقوله تَعَالَى: ﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢].
وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
ثانيًا: ورود اسم الله المتين في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المتين) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
ورود اسم الله (القوي المتين) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (القوي) ولا (المتين) في السنة النبوية.
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٤).
[ ٣ / ١٤٠ ]
معنى اسم الله (القوي المتين):
أولًا: معنى اسم الله القوي:
قال الطبري -﵀-: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه رادٌّ، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه» (^١)، وقال -﵀-: «﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ [هود: ٦٦] في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه، كما أهلك ثمود حين بطش بها» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «القوي هو الكامل القدرة على الشيء، تقول: هو قادر على حمله، فإذا زدته وصفًا قلت: هو قوي على حمله، وقد وصف نفسه بالقوة، فقال عز قائلًا: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]» (^٣).
وقال الزجاجي -﵀- في موضع آخر: «القوي: ذو القوة والأيد … فالله -﷿- قوي قادر على الأشياء كلها، لا يعجزه شيء منها» (^٤).
قال الخطابي -﵀-: «القوي قد يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه، ويكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٢٣٣).
(٢) تفسير الطبري (١٢/ ٤٥٧).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٤).
(٤) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٤٩).
(٥) شأن الدعاء (ص: ٧٧).
[ ٣ / ١٤١ ]
قال الغزالي -﵀-: «القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله -﷾- من حيث إنه بالغ القدرة تامها قويٌّ» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «وقيل: القوي هو المقوي لغيره، فيكون من صفات الفعل» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «هذه الأسماء الثلاثة العظيمة (القدير، القوي، العزيز) معانيها متقاربة، فهو تَعَالَى كامل القوة، عظيم القدرة، شامل العزة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله العظيم: عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت …» (^٣).
قال الإمام ابن القيم -﵀- في النونية:
وَهوَ القَوِيُّ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْفُهُ … وَمَلِيكٌ يَقْدرُ يَا أَخَا السُّلْطَانِ
وقال:
وَهوَ القَوِيُّ لَهُ القُوَى جَمْعًا تَعَا … لَى اللهُ ذُو الأَكْوَانِ والسُّلْطَانِ
_________________
(١) المقصد الأسنى (ص: ١٢٩).
(٢) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٢٥٩).
(٣) الحق الواضح المبين (ص: ٤٤).
[ ٣ / ١٤٢ ]
ثانيًا: معنى اسم الله المتين:
قال ابن عباس -﵄-: «قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] الشديد» (^١).
قال الطبري -﵀-: «اختلفت القرَّاء في قراءة قوله (المَتِين)، فقرأته عامة قرَّاء الأمصار- خلا يحيى بن وثاب والأعمش-: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا، بمعنى: ذو القوة الشديد، فجعلوا المتين من نعت ذي، ووجهوه إلى وصف الله به … والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا على أنه من صفة الله جل ثناؤه» (^٢).
قال الأزهري -﵀- «ذو القوة المتين: ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله تَعَالَى القوي» (^٣).
قال الخطابي -﵀- في معنى المتين: «والمتين: الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة ولا يمسه لغوب» (^٤).
قال الحَليمي -﵀-: «المتين: وهو الذي لا تتناقص قوته فيهن ويفتر» (^٥).
قال ابن كثير -﵀-: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب» (^٦).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٥٧).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٤٥).
(٣) تهذيب اللغة (١٤/ ٢١٨).
(٤) شأن الدعاء (ص: ٧٧).
(٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٩).
(٦) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٨).
[ ٣ / ١٤٣ ]
قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: الذي له القوة والقدرة كلها …» (^١).
اقتران اسم الله (القوي المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (القوي) بأسمائه الأخرى:
- اقترن اسم الله القوي باسمه العزيز:
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ:
- اقترن اسم الله (المتين) باسم الله (الرزاق):
تقدم بيانه في اسم (الرزاق).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله القوي المتين:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القوي، المتين) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- القوي المتين الذي بلغ الغاية في القوة والمنتهى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: شدة القوة، وشدة العزة، وشدة معاني الجبروت كلها، ومن مظاهر قوته تَعَالَى:
أنه القوي المتين الذي قوته فوق كل قوة، بل القوى تتصاغر أمام قوته، وتتضاءل عند ذكر عظمته، ولا يثبت لها شيء مهما قوي.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨١٣).
[ ٣ / ١٤٤ ]
وما من مخلوق له قوة إلا والله أقوى منه، بل لا تناسب بين القوتين؛ فقوة المخلوق محدودة ببعض الشيء، وقوته سبقها عجز ويلحقها عجز كذلك، وقوته يعتريها التعب والوهن والفتور، وقوته تنزع بعض الأحيان منه، بل ولا بد لها من الفناء والزوال، إضافة إلى أنها قوة فقير يفتقر معها إلى الأعوان والجند، بل يفتقر إلى عون القوي المتين، وقوته -﵎- لا حدَّ لها، بل هو على كل شيء قدير، لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، ولا يعيه خلق شيء مهما كان، ولا يمسه نصب ولا لغوب، ولا تتناقص قوته ولا تفنى، بل لها الدوام أبدًا، ومع ذلك لا يحتاج معها إلى جند ولا مدد ولا إلى معين أو عاضد ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (^١).
بل إن قوة المخلوق إنما هي من آثار قوته، فجميع القوى هي له سُبْحَانَهُ، فهو الذي أودع المخلوقات ما فيها من قوة، ولو شاء لسلبها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] (^٢)، ولما اغترت عاد بقوتها، وقالت: من أشد منَّا قوة؟ ذكرهم الله بخلقه لهم ولقواهم، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] (^٣).
_________________
(١) ينظر: شرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٨).
(٢) ينظر: شرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٨ - ٧٩).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٦٩)، وتفسير السعدي (ص: ٧٤٦)، وشرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٩).
[ ٣ / ١٤٥ ]
وهو القوي المتين، الذي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، بل ولا يعارضه معارض، أمره نافذ، وقضاؤه في خلقه ماضٍ، يعز من يشاء، ويذل من يشاء بلا ممانعة ولا مدافعه، فالقوة لله جميعًا، لا منصور إلا من نصر، ولا عزيز إلا من أعز، ولا قوي إلا من قوَّى (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] «أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه» (^٢).
وهو القوي المتين، الذي له القوة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (^٣)، ومن شواهد ذلك ما يلي:
- أولًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الدنيا (^٤):
خلقه للمخلوقات العلوية والسفلية، لا سيما ذات القوة والعظمة منها، كما هو الشأن في السماء التي رفعها بغير عمد ووسع أرجاءها وأنحاءها، قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] «أي: بقوة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد» (^٥)، وكالأرض وما فيها من سعة ومعالم مختلفة: جبال، وهضاب، وأودية، وبحار، وأنهار، وسهول
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٦)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٧٨).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٧٧).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٢٨٣).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (٥٤٦)، والحق الواضح المبين، للسعدي (٤٥ - ٤٦).
(٥) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٤).
[ ٣ / ١٤٦ ]
ونحو ذلك، وكالمعادن والصخور والحجارة التي فيها من الصلابة والقسوة ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].
خلقه للسماوات والأرض، مع ما فيهما من عظم الخلقة في ستة أيام، من غير أن يمسه شيء من التعب أو النصب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، إضافة إلى إمساكه لهما من الزوال من غير أن يثقله ذلك أو يشق عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
كثرة الخلق واختلاف صورهم وألسنتهم وطباعهم، والكل كخلق نفس واحدة، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (^١).
تكفله بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وجويها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] (^٢).
نصرته لأوليائه، مع قلة عددهم وعُددهم، على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد والعُدة، قالتَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٥١).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٥).
[ ٣ / ١٤٧ ]
قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
ما أوقعه بالأمم المكذبين، والكفار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، وأنه لم يغن عنهم كيدهم ومكرهم، ولا أموالهم، ولا جنودهم، ولا حصونهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، قال تَعَالَى عن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ عن ثمود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] وقال عن الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢].
وكذا في العصر الحاضر، فإن هذه القوة الهائلة، والمخترعات الباهرة التي وصلت إليها مقدرة الأمم هي من آثار قوة الله، وتعليمه إياهم ما لم يكونوا يعلمون، فمن قوة الله وآياته: أن قوَّاهم وقدَّرهم، ومخترعاتُهم لم تغن عنهم شيئًا في صد ما أصابهم من النكبات، والعقوبات المهلكة مع بذل جدهم واجتهادهم في توقي ذلك، ولكن أمر الله غالب، وقوته فوق كل قوة، وقدرته تنقاد لها عناصر العالم العلوي والسفلي.
[ ٣ / ١٤٨ ]
- ثانيًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الآخرة: كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، والتي منها:
ما يحصل للأجرام القوية من ضعف واضطراب، فالأرض ترجف، والجبال تتصدع حتى تكون كالعهن، ثم تدك دكًّا، فتكون هباء منبثًّا، والبحار تسجَّر، والسماء تتفطَّر، والشمس والقمر تكوَّر، والنجوم تنتثر (^١).
بعث الخلق كلهم بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، ثم إن هذا البعث كله للأولين والآخرين في صيحة واحدة، وكأنهم نفس واحدة، فسبحان القوي المتين (^٢).
قيام الخلق كلهم، حتى القوي الشديد، خاشعة أبصارهم، ذليلة وجوههم، خاضعة رقابهم، جاثية ركبهم، خارصة ألسنتهم عن الكلام إلا بإذنه (^٣).
حسابه لعباده حسابًا سريعًا، مع كثرتهم وكثرة أعمالهم، وحكمه الحق فيهم، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (^٤).
النار وما فيها من العذاب، والتي إذا أبصرها الظالمون أيقنوا أن القوة
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٣، ٥٣٢).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨١٣).
(٣) ينظر: المرجع السابق (٥١٣).
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٣).
[ ٣ / ١٤٩ ]
لله جميعًا، وأن أندادهم ليس فيها، ولا له من القوة شيء، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئًا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (^١).
ما يحدثه لأهل النار من أنواع العقاب وأهل الجنة من أنواع الثواب، وأصناف النعيم المستمر الكثير المتتابع الذي لا ينقطع، ولا يتناهى، فسبحان القوي المتين الذي لا انقطاع لقوته ولا نهاية لها.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القوي، المتين) على التوحيد:
إذا علم العبد أن ربه القوي المتين، وأن كل من دونه ليس له شيء من الحول ولا القوة، فلا تحول له من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلا بالله القوي المتين، ولا قوة له في جلب خير، ولا دفع ضر، ولا القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلا بالله القوي المتين (^٢)، ولا قدرة له على خلق شيء ولو كان ذبابًا أو بعوضًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]- قاده ذلك العلم إلى توحيد الله في العبادة؛ إذ كل ما سواه شأنه ما ذكر، فكيف يتخذ إلهًا يعبد؟ وكيف يجعل مثلَ الله القوي ويشرك معه؟
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠).
(٢) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٢).
[ ٣ / ١٥٠ ]
إلا إن عُبَّاد الأوثان كما قال تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] (^١)، ولربما اشتبه عليهم الأمر، ولبَّست عليهم الشياطين، فظنوا أن لأندادهم من الأمر شيئًا، أو أنها تقربهم إلى الله زلفى، فإذا كانت القيامة انكشف الغطاء وتبين لهم بطلان زعمهم وظنهم.
فلا تدفع عنهم أندادُهم شيئًا، ولا تغني عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧] (^٢).
وكما أن اسمي الله القوي المتين دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله القدير، والعزيز، والجبار، والقهار، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٦٨٦)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٤)، وتفسير السعدي (ص: ٥٤٦).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠).
[ ٣ / ١٥١ ]
الأثر الثالث: التوكل على الله والاستعانة به:
كل إنسان عنده مطالب ومخاوف، وربما تعلق بما عنده أو عند غيره من القوة البدنية أو المالية أو النسبية أو نحو ذلك؛ لتحصيل مطلوبه أو دفع مكروهه، لكن إذا نظر لنفسه وللخلق من حوله بعين البصيرة، وجد أن الكل ولو أوتي من القوة ما أوتي فقير مسكين، ليس له من القوة ولا الحول إلا ما أعطاه الله إياه وأذن له فيه، ثم إن قوته قد تعجز عن مراده، ولربما بخلت بقضاء حاجته، وربما سعت، لكن وقفت أمامها قوة أخرى، فإذا كان هذا حال قوته، ففيما التعلق به؟!.
ثم إذا نظر من جانب آخر إلى ربه القوي المتين، وجد أنه غني لا يحتاج لإنفاذ قوته لإذن أحد ولا معونته، ثم إنه على كل مطالبه ومخاوفه قادر، وهو مع ذلك كريم لا يبخل، ولا يمكن لقوة مهما كانت أن تغلب قوته أو تدافعها أو تعارضها، فالقوة جميعًا له سُبْحَانَهُ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥].
فإذا حصل النَّظَران تواضع العبد لربه وخضع، وانقطع عن قلبه التعلق بقوته والاغترار بها (^١)، وكذا قوة المخاليق من حوله، وتعلق بالقوي المتين توكلًا واستعانة وتفويضًا لأمره كله، وتبرؤًا من الحول والقوة إلا به (^٢).
وهذه حقيقة «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ إذ هي كلمة إسلام واستسلام، وتفويض والتجاء وتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة له في جلب خير إلا بإذن الله،
_________________
(١) المراد: قوة نفسه.
(٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، البدر (ص: ١٨١).
[ ٣ / ١٥٢ ]
ولا قوة له على ترك معصية، ولا فعل طاعة إلا بالله، ولا تحوُّل له من حال إلى حال إلا بالله، فلا تحوُّل له من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد على القيام بأي شأن من شئونه- ولو صغر- إلا بالله، فما شاء الله كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدُّم ولا تأخر، وما لم يشأ لم يكن، فأزِمَّةُ الأمور بيده سُبْحَانَهُ، وأمورُ الخلائق معقودة بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، فسبحان القوي المتين (^١).
وكلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة إخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا الله» إخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق «لا إله إلا الله» إلا بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقَّق «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله» إلا بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة، أفضل سورة في القرآن، وذلك في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]،
فالأول تبرؤٌ من الشرك، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله -﷿-، والعبادة متعلِّقة بألوهية الله سُبْحَانَهُ، والاستعانة متعلِّقة بربوبيَّته، والعبادة غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة- العبادة- إلا بهذه الوسيلة- الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلاَّ به- (^٢).
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى (٢/ ٣٩ - ٤٠)، وفقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠١)، وفقه أسماء الله الحسنى، للبدر (ص: ١٨١).
(٢) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٣).
[ ٣ / ١٥٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «تأمَّلتُ أنفعَ الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]» (^١).
وقال أيضًا: «وقول: (لا حول ولا قوة إلاَّ بالله) يوجب الإعانة؛ ولهذا سنَّها النبي -ﷺ- إذا قال المؤذِّن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ولهذا يُؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر، ويقول: لا قوة إلاَّ بالله … وذلك أنَّها تتضمن التوكُّل والافتقار إلى الله تَعَالَى، ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلا ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلا هو … ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده في غير موضع، وفي الأثر: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ) (^٢)» (^٣).
وإذا علم ما سبق؛ علم خطأ من يقولها حال المصائب بمنزلة الاسترجاع؛ إذ هي كلمة استعانة لا استرجاع (^٤).
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ١٠٠).
(٢) أخرجه الحارث في المسند، رقم الحديث: (١٠٧٠)، واللفظ له، والحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٧٧٠٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٩/ ٢٢٤).
(٤) ينظر: الاستقامة (٢/ ٨١)، وفقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٣).
[ ٣ / ١٥٤ ]
وهذه الكلمة جليلة الشأن، كبيرة القدر، عظيمة الأثر، رغب فيها الشارع ورتب عليها الأجور العظيمة، ومن ذلك (^١):
أن النبي -ﷺ- دل على قولها من لا يستطيع تعلم القرآن؛ فعن ابن أبي أوفى -﵄- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- هَذَا لِلهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ» (^٢).
أن عددًا من الصحابة والتابعين عدوها من الباقيات الصالحات، التي قال الله فيها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ فعن عثمان بن عفان -﵁-، أنه سُئل عن «الباقيات الصالحات» ما هي؟ فقال: «هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (^٣)، وعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله» (^٤).
_________________
(١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٢٩٥، وما بعدها)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٤١٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٨٣٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٩٢٤)، وعبد بن حميد، رقم الحديث: (٥٢٤)، حكم الألباني: حسن، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (١٨٠٧).
(٣) تفسير الطبري (١٥/ ٢٧٧).
(٤) تفسير الطبري (١٥/ ٢٧٧).
[ ٣ / ١٥٥ ]
أنها سبب لتكفير السيئات؛ فعن عبد الله بن عمرو -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).
أنها كنز من كنوز الجنة؛ فعن أبي موسى الأشعري -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: أَحْسِبُهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﷿-: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ» (^٣).
أنها غرس الجنة؛ فعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ، وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٥٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨١٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٨٨٧)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٦٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦١٤).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٠٣٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٨٢١)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٨٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٠٥).
[ ٣ / ١٥٦ ]
أنها باب من أبواب الجنة؛ فعن قيس بن سعد بن عبادة، أنَّ أباه دفعه إلى النبي -ﷺ- يخدمه، قال: «فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَدْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْن، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١).
أنها سبب في تسهيل الصعاب وحمل الثقال؛ قال ابن القيم -﵀-: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يذكر أثرًا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش، قالوا: يا ربنا، كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه … وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال» (^٢).
الأثر الرابع: الشعور بالعزة والنصر من القوي المتين:
اليقين باسم الله (القوي المتين) يعطي المسلم شعور بالعزة وعدم الخوف من الخلق مهما كانت قوتهم؛ لأن الكل ضعيف أمام قوة الله -﷿-، لا يملك حولًا ولا قوة.
كما أن هذا الاسم الكريم يعطي المسلم ثقة بنصر الله للإسلام والمسلمين وكفايته لهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١] «وهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧١٩)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١١٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨١)، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢٦١٠).
(٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٧٧).
[ ٣ / ١٥٧ ]
وعد لا يخلف ولا يغير؛ فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده» (^١).
فلا بد أن ينتصر الإسلام والمسلمين يومًا ما، وإن عظمت قوة أعدائهم وكثر عددهم، فالله فوقهم ونواصيهم بيده، وقوتهم لا شيء في جنب قوته.
ففي يوم الأحزاب الذي اجتمع فيه أهل الكفر من كل حدب وصوب، وجمعوا من القوة ما جمعوا كل ذلك لحرب ثلة من المؤمنين لا تكفؤهم في العدد ولا العدة، ومع ذلك نصر القوي عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ورد جموع الكفر خائبة لم تنل خيرًا، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] (^٢).
إلا أنه لا بد للنصر من الأخذ بالأسباب التي من أهمها التمسك بالدين، واجتماع الكلمة، ونصرة الدين بالقول والفعل، واتخاذ العدة والقوة اللازمة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
الأثر الخامس: محبة الله القوي المتين:
الإنسان بطبعة جُبِل على حُبِّ مَن له الكمال والعظمة، والله -﷿- القوي المتين الذي لا حد لقوته، ولا ضعف معها، ولا عجز، ولا نصب، ولا ظلم، بل بلغ فيها غاية الكمال ومنتهاه.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٤٨).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤٠ - ٤١).
[ ٣ / ١٥٨ ]
فإذا تيقن العبد هذا؛ أحب الله القوي المتين غاية الحب وأعظمه، فذلك من صفات أهل الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
الأثر السادس: اتصاف المؤمن بالقوة:
الله -﷿- القوي المتين، ويحب من عباده القوة فيما شرع لهم من الطاعات وأباح لهم من المنافع؛ فعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^١)، وقد أثنى رسول الله -ﷺ- على عمر بن الخطاب؛ لقوته في دين الله، فقال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ …» (^٢).
والقوة تختلف في كل شيء بحسبه؛ ومن ذلك:
القوة في الدين: القيام بما أوجب الله على أتم الوجوه وأكملها، مع الزيادة عليها بفعل النوافل التي شرعها الله، واجتناب ما حرم الله، مع العزيمة الصادقة والحزم المتين والصبر الجميل أمام المغريات والشهوات (^٣)، قال الإمام النووي -﵀- في تفسير قول رسول الله -ﷺ-: «والْمُؤْمِنُ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٨٦٨).
(٣) ينظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (٢/ ٧٧).
[ ٣ / ١٥٩ ]
الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (^١): «والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس، والقريحة في شئون الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على أعداء الله، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تَعَالَى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك» (^٢).
القوة في أخذ الكتاب: التي أمر الله بها يحيى، في قوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وأمر بها موسى وبني إسرائيل، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] وأمة محمد -ﷺ- من بعدهم تكون: بالجد والاجتهاد في حفظ ألفاظ الكتاب، وفهم معانيه، والعمل بأوامره واجتناب نواهيه (^٣).
القوة في طلب العلم الشرعي: بالاجتهاد في تحصيله حفظًا وفهمًا وعملًا، واتخاذ الوسائل والطرائق الموصلة إلى تثبيت ودوامه واستمراره.
القوة في العمل الدنيوي بالقدرة على القيام به أولًا، ثم الاجتهاد في إتقانه وتكميله، مع مراعاة الأمانة وعدم الخيانة، كما قالت المرأة في وصف
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٥).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٩٠).
[ ٣ / ١٦٠ ]
موسى -﵇-: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] «أي: إن موسى أولى من استُؤجِر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجَر: من جمعهما، أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها، فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل …». (^١)، وجاء في الحديث عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: (إِنَّ الله -﵎- يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) (^٢)، وهكذا القوة في سائر الأمور.
وليس معنى هذا: الظلم والتسلط والبطش بالضعفاء والمساكين، ومن تحت يد الإنسان من الزوجة، والولد، والعاملين، والتلاميذ، والخدم، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] بل هذه القوة سبب لعقوبة الله وعذابه، فهذه عادٌ لما استعملت قوتها في الظلم والبغي أهلكها القوي المتين، قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦]، وقال لهم نبيهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦١٤).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٦١ ]
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤١] (^١).
وهذا فرعون وملؤه حينما استخدموا قوتهم في تعذيب بني إسرائيل وقهرهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن صنيعهم: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] أخذهم القوي المتين أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٠ - ٤٢]، وهكذا في كل من استعمل قوته البدنية أو المالية أو الجاهية ونحو ذلك في الظلم والبغي؛ فإن كل قويٍّ اللهُ أقوى منه، وأقدر عليه من قدرته على من ظلم؛ وقد قال النبي -ﷺ- لأبي مسعود إذ رآه يضرب غلامًا له بسوط: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ» (^٢).
فاللهم يا قوي يا متين، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، أَعِنَّا بعونك، وَقَوِّنَا بقوتك، وأَمِدَّنَا بمددك، وانصرنا بنصرك.
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤١ - ٤٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث): ١٦٥٩).
[ ٣ / ١٦٢ ]
المُبِيْنُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا: أي أوضحته، واستبان الشيء: وضح، واستبنته أنا: عرفته، والتبيين: الإيضاح، والوضوح» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(بين) الباء والياء والنون أصل واحد، وهو بعد الشيء وانكشافه، … وبان الشيء وأبان إذا اتضح وانكشف، وفلان أبين من فلان: أي أوضح كلامًا منه» (^٢).
ورود اسم الله (المبين) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المبين) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تبارك تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].
ورود اسم الله (المُبِيْنِ) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله المبين في السنة النبوية.
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٣٦١).
(٢) مقاييس اللغة (١/ ٣٢٨).
[ ٣ / ١٦٣ ]
معنى اسم الله (المُبِيْنِ):
يدور معنى اسم الله (المُبِيْنِ) في حقه تَعَالَى حول معنيين:
الأول: بيانه وظهوره سُبْحَانَهُ لكل أحد، بأدلة واضحة ظاهرة بيِّنة تدل على وجوده تَعَالَى ووحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
الثاني: بيان الله الحق للخلق، وإظهاره لهم بأبين طريق وأوضحه، ومن ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكذلك الأقدار التي تبين للعبد أن الله هو الحق المبين.
وعلى هذين المعنيين تدور أقوال العلماء، ومنها:
قال الطبري عند قوله تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] «يعلمون يومئذٍ أنَّ الله هو الحق، الذي يُبيِّنُ لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشكُّ فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يَعدهم في الدنيا يمترون» (^١).
قال الخطابيُّ -﵀-: «المبين هو البَيِّنُ أمْرُهُ في الوحدانية، وأنه لا شريك له» (^٢).
وقال الحليميُّ -﵀-: «المبين وهو الذي لا يَخْفَى …؛ لأنَّهُ له من الأفعالِ الدَّالَّةِ عليه ما يستحيلُ معها أن يخفَى» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٨/ ٨٤).
(٢) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).
(٣) المنهاج (١/ ١٨٩).
[ ٣ / ١٦٤ ]
قال الزجاجيُّ -﵀-: «… فالله -﷿- المُبِيْنُ لعباده سبيلَ الرَّشاد، والموضِّح لهم الأعمالَ الموجبةَ لثوابه والأعمالَ الموجبةَ لعقابه، والمبينُ لهم ما يأتونه ويَذَرُونه» (^١).
اقتران اسم الله (المُبِيْنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسم الله (المُبِيْن) باسمه تَعَالَى (الحقِّ):
تقدم بيانه في اسم الله (الحق).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المبين):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المبين) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
إن من أعظم صفات الله -﷿- صفة البيان، فهو سُبْحَانَهُ الذي أبان لخلقه سبيل معرفته، وتوحيده، وأبان منهج الفوز بجنته ومرضاته، والنجاة من عقابه.
وللبيان الرباني مسلكان، وهما:
الأول: البيان بما فَطَرَ الله عليه الناسَ مِن التوحيد ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، وبما أنزل إليهم من الكتب، يقول تَعَالَى عن القرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]، وبما أرسل إليهم من الرسل، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ
_________________
(١) اشتقاق الأسماء الحسنى (ص: ١٨١).
[ ٣ / ١٦٥ ]
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال -﷿-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ولذا كانت معجزات الرسل آيات بَيِّنَات؛ لتدل على صدق الرسل الذين جاءُوا بها، وصِدْق الدِّينِ الذي جاءُوا به ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، كما بيَّن الله -﷿- الحقَّ في كتبه، وعلى ألسنة رسله في الدنيا، فإنه يُبِيِّن لهم الذي اختلفوا فيه يوم القيامة، قال تَعَالَى:
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢].
الثاني: البيان بالآيات الكونية الدالة عليه سُبْحَانَهُ، يقول ابن القيم -﵀-: «ومن الآيات التي في الأرض: ما يحدثه الله فيها كل وقت، ما يصدق به رسله فيما أخبرت به، فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم، وأدلة نبوتهم، يحدثها الله في الأرض؛ إقامةً للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل، حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]» (^١).
فالله سُبْحَانَهُ بهذا التنوع والشمول البياني قد أقام الحجة على عباده كلهم، فصار هذا القرآن نبراسًا وهدىً وبيانًا لمن أراد النفع والهداية في أمر دينه ودنياه، وبه يصل المؤمن لثمار عديدة، لعل من أبرزها:
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (١/ ١٨٤)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٩).
[ ٣ / ١٦٦ ]
- تحقيق التقوى في القلوب: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
- التأمل والتفكر في مخلوقات الله: يقول تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
- التذكر والاتعاظ: يقول تَعَالَى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
- سعة العلم: يقول تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
- حصول الهداية: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
- الشكر على النعماء: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
- إعمال العقل بمجاله: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].
وحريٌّ بمن عرف اسم الله (المبين) وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله إبانه الحق والهدى والتقوى، وسبل الرحمة والمغفرة.
[ ٣ / ١٦٧ ]
الأثر الثاني: محبة المبين سُبْحَانَهُ:
إذا علم العبد أن ربه لم يتركه هملًا ولا متخبطًا تائهًا في هذه الحياة، وإنما عرَّفه بخالقه وأسمائه وصفاته، وبيَّن له الغاية من وجوده، ثم بيَّن منهج تحقيق هذه الغاية بتشريع أحكام وعبادات تحقق له الاطمئان والسعادة الأبدية، وتقوده إلى دار الكرامة التي اشتاق لها وعرف الكثير من نعيمها ودوامها، إن علم العبد هذا كله عن ربه أحبه واشتاق لرؤيته وسعى لرضاه ومرضاته.
الأثر الثالث: تدبر كتاب الله المبين:
فهو كلام الله تَعَالَى ومن صفاته: أنه كتاب معجز مبين، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].
ففي القرآن البيان البيِّن الواضح لكل ما يحتاجه البَشَر في حياتهم، بأروع عبارة وأجمل أسلوب.
وفي القرآن بيان كل شيء من البداية إلى النهاية، حتى يستقر أهل الجنة في نعيمهم، وأهل النار في جحيمهم.
فمعرفة الله سُبْحَانَهُ، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يجب له تَعَالَى وما لا يجب، والعقيدة الإسلامية، وأحكام العبادات والمعاملات، وجميع الشئون الاجتماعية، والأحوال الشخصية، وكل ما تحتاجه المجموعة البشرية، في كل
[ ٣ / ١٦٨ ]
زمان ومكان، وأحكام المعاد، والبعث والنشور، والحساب والجزاء والعقاب … وغير ذلك مما هو مبيَّن وموضَّح، وصدق الله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
وبالقرآن تحدى الله عظماء العرب وبلغاءهم أهل البيان بأن يأتوا بمثل القرآن، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وفي آية أخرى تحدى الله العالمين أن يأتوا بعشر سور من مثل سور القرآن، فقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وفي موضع آخرتحداهم بالإتيان بسورة واحدة مثل القرآن الكريم، مهما صغرت هذه السورة، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
فالقرآن كتاب رباني بيِّن معجز في لفظه ومعانيه وأحكامه، وبيانه من عدة وجوه:
١ - البيان في اللفظ:
فالقرآن نزل باللسان العربي المبين، يقول تَعَالَى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٢ - ٣]، ولأجل هذا البيان أنكر الله على المشركين اعتراضهم الذي لاوجه له، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ ٣ / ١٦٩ ]
هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ففي هذه الآية: «يخبر تَعَالَى عن فضله وكرمه، حيث أنزل كتابًا عربيًّا، على الرسول العربي، بلسان قومه؛ ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاعتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنًا أعجميًّا، بلغة غير العرب، لاعترض المكذبون، وقالوا: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: هلَّا بُيِّنَت آياته، ووُضِّحت وفُسِّرت ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: كيف يكون محمد عربيًّا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون!! فنفى الله تَعَالَى كل أمر يكون فيه شبهة لأهل الباطل عن كتابه، ووصفه بكل وصف يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون الموفقون انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم» (^١).
٢ - البيان في المعنى:
يقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] «أي: في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تَعَالَى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تَعَالَى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٧٥١).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٤٤٦).
[ ٣ / ١٧٠ ]
٣ - البيان في الأحكام:
فالقرآن بيَّن الأحكام الشرعية ومنهج اتباعها، وعاقبة من استجاب ومن خالف، ومن دلائل أهمية البيان في الأحكام: أن الله سُبْحَانَهُ لايؤاخذ عباده إلا بعد التبيين وإقامة الحجة عليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥].
يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «إن الله تَعَالَى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تَعَالَى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد، في أصول الدين وفروعه، ويحتمل أن المراد بذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بيَّن لهم ما يتقون فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالإضلال؛ جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى» (^١).
الأثر الرابع: اليقين بأن محمد -ﷺ- خير مبيِّن للدين:
فكما أن الله -﷿- هو المبين؛ فإنه لا يرسل إلا من يتصف بالقدرة على التبيين وإظهار الدين جليًّا؛ فقد وصف الله نبيه -ﷺ- بأنه مبين، كما في قوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤]، وقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] وغيرها من الآيات.
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٣٥٣).
[ ٣ / ١٧١ ]
فرسول الله -ﷺ- أبان دين الإسلام بما لا يدع- مع بيانه- خفاءً، وبما لا يجعل الناس يجدون لغير دين الله التجاءً، وجد واجتهد لتبليغ رسالة ربه، وتحمل في سبيل ذلك أشد المشقة، وأبلغ العناء، ومن دلائل ذلك قوله: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^١)، وكان هذا البيان المحمدي مثيرًا لاستعجاب المشركين واستنكارهم، ففي الصحيح عن سلمان قال: «قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ صَاحِبُكُمْ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ بِالرَّجِيعِ، وَقَالَ: لَا يَكْتَفِي أَحَدُكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (^٢).
بل إن البيان والوضوح كان من صفاته -ﷺ- الشخصية، فقد كان الصحابة يعرفون في وجهه إن كان راضيًا مسرورًا، أو كارهًا غاضبًا، فلم يكن غامضًا، ولذا كانوا يتعلمون وينهلون من قوله وفعله وصمته وإقراره، بل حتى تبسُّمِه.
الأثر الخامس: العناية ببيان العلم وفضله:
فإن كتمان العلم خلق مذموم مطلقًا، وهو من أخلاق المغضوب عليهم، يقول الله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٤١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٦٠٧).
(٢) صحيح ابن خزيمة، رقم الحديث: (٨١).
[ ٣ / ١٧٢ ]
[النساء: ٣٦ - ٣٧]، فهم في حقيقة الأمر قد جمعوا بين أمرين ذميمين، كل منهما كاف في الشر، وهما: أنهم يبخلون، ويأمرون الناس بذلك أيضًا، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، سواء بقولهم أو فعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها (^١)، فمن أعرض عن تبليغ ما علمه الله وتفضل به عليه فقد عارض أمر الله تَعَالَى، في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
يقول السعدي -﵀- في ذلك: «الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تَعَالَى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل» (^٢).
الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (المبين):
من عرف اسم الله المبين دعاه والتجأ إليه، ودعاه أن يريه الحق حقًّا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه، سواء في أمر دينه أو دنياه.
وهذا ما فعله الفاروق -﵁- لما نزل تحريم الخمر، قال عمر -﵁-: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ:
_________________
(١) ينظر: اقتضاء الصراط، لابن تيمية (ص: ٦)، وتفسير السعدي (ص: ٨٤٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١٦٠).
[ ٣ / ١٧٣ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا» (^١).
فاللهم يا مبين، أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٤٩).
[ ٣ / ١٧٤ ]
المُحيطُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «… وقد حاطه يحوطه حوطًا وحيطة وحياطة، أي كلأه ورعاه وأحاط به، أي علمه. وأحاط به علمًا» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الحاء والواو والطاء كلمة واحدة، وهو الشيء يطيف بالشيء …» (^٢).
ورود اسم الله (المحيط) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المحيط) في كتاب الله ثمان مرات، ومن وروده ما يلي:
١ - قول الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
٢ - وقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٣ - وقوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦].
ورود اسم الله (المحيط) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (المحيط) في السنة النبوية.
_________________
(١) الصحاح (٣/ ١١٢١).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٠).
[ ٣ / ١٧٥ ]
معنى اسمِ الله (المحيط) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-، في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه» (^١).
وقال أيضًا في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]: «ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عباده من خير وشر، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرة» (^٢).
وقال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- محيط بالأشياء كلها؛ لأنها تحت قدرته، لا يمكن شيء منها الخروج عن إرادته فيه، ولا يمتنع عليه منها شيء، وقد قال الله -﷿-: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: علم كل شيء على حقيقته، بجميع صفاته فلم يخرج شيء منها عن علمه، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] قال المفسرون: تأويله: مهلك الكافرين، حقيقته أنهم لا يعجزونه ولا يفوتونه؛ فهو محيط بهم» (^٣).
وقال الخطابي -﵀-: «المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا» (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٩٥).
(٢) المرجع السابق (٩/ ٢٥٢).
(٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٤٦ - ٤٧).
(٤) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).
[ ٣ / ١٧٦ ]
وقال الحليمي -﵀-: «المحيط: ومعناه الذي لا يقدر على الفرار منه، وهذه الصفة ليست حقًّا إلا لله جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم ولقدرة، وانتفاء الغفلة والمعجز عنه» (^١).
وقال القرطبي -﵀-: «أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي، وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء، وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به» (^٢).
وقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» (^٣).
وقال السعدي -﵀-: «المحيط: بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا» (^٤).
اقتران اسم الله (المحيط) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله المحيط بغيره من الأسماء.
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٢) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٨).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
[ ٣ / ١٧٧ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحيط):
الأثر الأول: إثبات ما تضمنه اسم الله المحيط من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- المحيط العالي على خلقه، فهو فوق جميع المخلوقات، مستو على عرشه، وعرشه فوق السماوات كلها، قد أحاط بالعوالم كلها، وبجميع ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (^١).
وإحاطته سُبْحَانَهُ بالعوالم وما فيها؛ من وجوه؛ منها:
١ - إحاطة الملك:
فالله -﷿- المحيط الذي أحاط بالسموات والأرض وما بينهما وما فيهما ملكًا، فالجميع ملكه وعبيده، لا يشذ عن ذلك أحد، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] (^٢).
٢ - إحاطة القهر:
فالله -﷿- المحيط الذي أحاط بعباده قهرًا، فالكل تحت قهره وفي قبضته، يتصرف فيهم بما شاء، كيف شاء، متى شاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^٣).
_________________
(١) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٤١٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٠٦)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١ - ٤٢).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٨).
[ ٣ / ١٧٨ ]
ثم إنه لا يمكن لأحد كائن من كان أن يخرج عن إرادة المحيط به، أو يمتنع منه، بل الكل مقهور مدان للمحيط القهار، نافذة مشيئته وحكمه فيه (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] «فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته» (^٢).
٣ - إحاطة العلم:
فالله -﷿- المحيط الذي أحاط علمه بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، خفيها وجليها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وأحاط سمعه بجميع الأصوات سرها وعلنها، قريبها وبعيدها، وأحاط بصره بجميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، فلا يحجبه عن خلقه ظاهر عن باطن ولا كبير عن صغير ولا قريب عن بعيد، بل هو نافذ العلم والسمع والبصر، لا يغيب عنه أحد، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر منها ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (^٣).
أحاط علمه بذوات خلقه، وبصفاتهم، كما أحاط بجميع أعمالهم: الفعلية بصرًا، والقولية سمعًا، سواء أكانت خيرًا أم شرًّا، حسنة أم قبيحة، ظهرت للناظرين والسامعين أم توارت عنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله الحسنى، للزجاجي (ص: ٤٦ - ٤٧)، تفسير السعدي (ص: ٢٠٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٩١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٤)، فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١)، تفسير السعدي (ص ٢٠٦).
[ ٣ / ١٧٩ ]
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]، لم يزل لها محصيًا، عادًا، عالمًا بها، لا تخفى عليه ولا تغيب (^١).
٤ - إحاطة القدرة:
فالله -﷿- هو المحيط الذي أحاطت قدرته بخلقه إحاطة تامة كاملة، لا يقدرون معها على إعجازه ولا فواته ولا الفرار منه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩ - ٢٠]، فليس لهم ملاذ يلوذون به عنه، ولا ملجأ يلجأون إليه، بل لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، ولا مفر منه، بل المفر إليه، قال تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] (^٢).
ثم إن الملوك والجبابرة وإن عظمت سطوتهم، وعظم ملكهم، وكثر جندهم، واشتد جبروتهم، وتفاقم طغيانهم، فإن الله لهم بالمرصاد، قد أحاط بهم، وأحصى وراقب كل حركاتهم وسكناتهم، ليس لهم خروج عن قدرته، ولا يستطع أحد منهم أن يعجزه، بل نواصيهم بيده ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (^٣).
٥ - إحاطة الرحمة:
فالله -﷿- المحيط الذي أحاط كل شيء برحمته، فالعالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات محاطة برحمة الرحمن الرحيم بها، أسبغ عليهم
_________________
(١) تفسير الطبري (٩/ ٢٥٢).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٣)، تفسير السعدي (ص: ٤٦١، ٩١٩)، النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١ - ٤٢).
[ ٣ / ١٨٠ ]
نعمه الظاهرة والباطنة، وصرف عنهم المضار والمكاره، وبها دبرهم أنواع التدبير، وصرفهم بأنواع التصريف، وبها امتلأت القلوب بالرحمة حتى حنت المخلوقات بعضها على بعض، إلى غير ذلك من آثار رحمة الله المحيطة بالخلق في الدنيا.
ثم إن رحمة المحيط أحاطت بالخلق حتى في الآخرة، بل هي في الآخرة أعظم منها في الدنيا، حتى قال -ﷺ-: «وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)، وقال أيضًا -ﷺ-: «إِنَّ لِلهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢) (^٣).
٦ - إحاطة الجزاء:
لما كان ربنا محيطًا؛ كان جزاؤه محيطًا أيضًا:
فجميع أعمال العباد قد أحاط بها، وأحصاها عدًّا، وعلم مقدارها، ومقدار جزائها في الخير والشر، ويجازيهم عليها أتم الجزاء، بما يقتضيه عدله ورحمته (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٢).
(٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٣)، المواهب الربانية، السعدي (ص: ١٠٩ - ١١١).
(٤) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١).
[ ٣ / ١٨١ ]
ثم إن جزاءه محيط، فإذا نزل عذابه على قوم أحاط بهم، فلم يفت منه أحد، ولم يُبق منهم أحد، ولم ينجو إلا من أمر الله بإنجائه (^١)، ولذا قال شعيب -﵇- لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، وقال الله في بيان إحاطة عذابه النازل بالأمم المكذبة من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] «والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين» (^٢).
ثم إنه سُبْحَانَهُ في الآخرة محيط بخلقه، فيبعثهم جميعًا، لا يتخلف منهم أحد، ولا ينسى منهم أحدًا، ولا يمتنع منهم أحد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
ثم هم في موقف الحشر محاط بهم أينما ذهبوا، قد طوقتهم الملائكة سبعة صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد منهم على فرار ولا هرب (^٣) حتى يقال لهم على وجه التعجيز: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] «أي: لا تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٨٧).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٠١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٦).
[ ٣ / ١٨٢ ]
يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟! ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسًا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرءوسون، والأغنياء والفقراء» (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحيط) على التوحيد:
لا شك أن اسم الله (المحيط) دال على كمال الله وجلاله وعظمته، فإذا تأمل العبد في هذا الكمال، ثم نظر في المعبودات من حوله، وتأمل ما فيها من المعايب والنقائص حتى في صفات كمالها، فملكهم، وقهرهم، وعلمهم، وقدرتهم، ورحمتهم وغيرها من صفات الكمال ناقصة فيهم، لا محيطة شاملة.
أدرك بذلك أن المعبود الحق هو المتفرد بالوحدانية والمتصف بالكمال والجلال، وليس ذلك إلا لله المحيط، وأدرك- أيضًا- أن كل من دون الله ناقص لا يستحق شيء من العبودية، وبهذا يوحد ربه المحيط بالعبادة.
الأثر الثالث: الخوف من الله (المحيط):
إن اسم الله (المحيط) يورث في قلوب العباد الخوف من الله -﷿- ومهابته وإجلاله وتعظيمه؛ إذ هو المحيط بعباده علمًا، وقدرة، وقهرًا، وملكًا، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).
[ ٣ / ١٨٣ ]
وقد جاءت النصوص مرغبة في الخوف من الله -﷿- بأساليب عدة، ومنها:
الأمر بالخوف منه -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
بيان أن الخوف من لوازم الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان؛ فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله» (^١).
الثناء على صفوة الخلق بالخوف والخشية، قال تَعَالَى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال عن رسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
مدح أهل الخوف، قال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
حصول النجاة من كل سوء في الدنيا والآخرة، فعن أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، …» (^٢).
تحقق الأمن يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١٠ - ١١]
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ١٥٧).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٣١)، وأبو نعيم في الحلية، (٢/ ٣٤٣)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٨٠٢).
[ ٣ / ١٨٤ ]
الدخول تحت ظل العرش يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ-، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ» (^١).
وللخوف أسباب تعين عليه، ومنها:
معرفة الله بأسمائه وصفاته، فإن من عرف أن الله محيط، عظيم، عزيز، جبار، متكبر، رقيب، حسيب، قوي، متين، شديد العقاب، ذو البطش الشديد، والعذاب الأليم، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون- خافه وحذر منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (^٢).
تدبر القرآن الكريم والسنة، قال ابن القيم -﵀-: «فإذا تدبر المسلم كلام الله وسنة نبيه؛ شهد قلبه أمورًا من صفات الله وعقوباته وانتقامه، وكيف خاف الأنبياء والملائكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل» (^٣).
التفكر في الذنوب والسيئات، والتقصير في الطاعات، التي نسي العباد أكثرها، والله محصيها لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، للقاسمي (ص: ٢٩٠).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٤٥١).
[ ٣ / ١٨٥ ]
التفكر في الموت وما بعده من أهوال القيامة، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠].
التفكر في النار وشدة عذابها، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال عنها: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥].
الدعاء بأن يُرزق العبد الخوف من الله، وقد جاء ذلك في دعاء رسول الله -ﷺ-، فقد ورد عنه دعائه: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ» (^١)، وقوله: «… اللَّهمَّ وأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ …» (^٢).
مجالسة الصالحين والعلماء الذين يكسبون الخشية والخوف من الله، وقراءة سيرهم أيضًا، وما فيها من الخوف من الله -﷿-، وهذه بعض النماذج للسلف -﵃- في خوفهم من الله تَعَالَى:
- عمر بن الخطاب -﵁- يقول: «لو مات جمل ضياعًا على جانب الفرات؛ لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٢٦٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٢٤٩٧).
(٣) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٤/ ٣٥٦).
[ ٣ / ١٨٦ ]
- عمر بن عبد العزيز -﵀- كان يقول: «إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فتقول زوجته: اللهم أعذه من النار» (^١).
الأثر الرابع: الخوف من ظلم العباد:
إذا تأمل العبد في اسم الله «المحيط»، وما فيه من إحاطة علم الله بجميع عمله، وإحاطة قدرته به؛ خاف من أن يظلم أحدًا، أو يعتدي عليه بقول أو فعل أو ظن سوء، وحذر من ذلك أشد الحذر، لا سيما وأن لله المحيط ينتصر للمظلوم ولا يرد دعوته، قال -ﷺ-: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -﷿-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).
قال أبو الدرداء -﵀-: «وَإِيَّاكَ وَدَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُنَّ يَصْعَدْنَ إِلَى اللهِ -﷿- كَأَنَّهُنَّ شَرَارَاتُ نَارٍ» (^٣).
وقال سفيان الثوري -﵀-: «إن لقيت الله بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه تَعَالَى، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد» (^٤)؛ وذلك أن حقوق الله مبنية على المسامحة فيغفر الله منها ما شاء، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فيوفي الله أصحاب الحقوق حقوقهم ولا يترك منها شيئًا (^٥).
_________________
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم (ص ٤٨).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٢٥٢٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: ٢٥٩٢.
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٠١٨٣).
(٤) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٧/ ١٦٨).
(٥) ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم (ص: ١٩).
[ ٣ / ١٨٧ ]
وهذا التأمل- أيضًا- في اسم الله «المحيط» يدعو الظالم إلى التوبة من ظلمه، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، والتحلل منهم، قال ابن القيم -﵀-: «وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها» (^١).
الأثر الخامس: الثقة بنصر الله المحيط:
إن الإيمان بإحاطة قدرته سُبْحَانَهُ وقهره لكل شيء، تثمر في القلب الاستهانة بقوة المخلوق من الأعداء الكفرة والمنافقين، بعد الأخذ بأسباب المدافعة لشرهم؛ لأن الله -﷿- محيط بهم وقاهرهم.
وإذا حصلت التقوى والصبر من المؤمنين، فلن يضرهم كيد الكائدين؛ لأن الله -﷿- محيط بما يعملون ويكيدون.
قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
الأثر السادس: محبة الله المحيط:
إذا تعرف العبد على اسم ربه «المحيط» وتأمل ما فيه من صفات الكمال والجلال؛ قاده ذلك إلى محبته سُبْحَانَهُ؛ إذ القلوب فطرت على محبة من له الكمال.
ثم إذا تأمل- أيضًا- ما فيه من إحاطة الله لأوليائه بالحفظ والرعاية والنصر على الأعداء؛ زاده ذلك حبًّا وتعلقًا بربه المحيط.
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٣ / ١٨٨ ]
ثم إذا ضم إلى هذه الصفة الكريمة صفة أخرى كالحلم والقدرة مثلًا، فتأمل كيف أن ربه المحيط أحاط بذنبه وتقصيره وسيء عمله، وهو قادر على معاجلته بالعقوبة وسلب النعمة التي عصاه بها، إلا أنه مع ذلك حلم وأمهل ولطف؛ زاده ذلك حبًّا لله -﷿-.
فاللهم يا من أحاط سمعه بالأصوات، وأحاط بصره بالمرئيات،
وأحاط بما تخفي الصدور، ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.
[ ٣ / ١٨٩ ]
المهَيْمنُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «المُهيمن: الشاهد، وهو من آمن غيرَهُ من الخوف، وأصله أَأْمَنَ فهو مُؤَأْمِن، بهمزتين، قُلبت الهمزة الثانية ياءً كراهةً لاجتماعهما، فصار مُأَيْمِن، ثم صُيِّرت الأولى هاء، كما قالوا: أراق الماءَ وهراقه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «فأما المهيمن، وهو الشاهد .. إنَّما هو من باب أمن، والهاء مبدلة من همزة» (^٢).
ورود اسم الله (المهيمن) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المهيمن) في كتاب الله مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية.
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٢١٧).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ٦٣).
[ ٣ / ١٩٠ ]
معنى اسم الله (المهيمن) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله «المهيمن» في حقه تَعَالَى حول أربعة معان:
القائم على خلقه بالرعاية والحفظ.
الرقيب على أعمال الخلق، والشاهد عليها.
الأمين المؤتمن على حق عباده.
المؤمن المصدق.
وحول هذه المعاني الأربعة تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول والثاني:
قال الطبري -﵀-: «وأصل (الهيمنة): الحفظ والارتقاب، يقال، إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم. بمعنى: هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «(المهيمن): المطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
[ ٣ / ١٩١ ]
قال ابن عاشور -﵀-: «والمهيمن: الرقيب بلغة قريش، والحافظ في لغة بقية العرب» (^١).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال الحليمي في قوله: «ومعناه: لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، … لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم، عقابًا على ما استحَقُّوه» (^٢).
ومن الأقوال في المعنى الرابع:
قال ابن زيد -﵀-، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المصدق لكل ما حدث، وقرأ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، قال: فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدَّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدَّث عن الآخرة» (^٣).
قال الحسن البصري -﵀-: «(المهيمن) المصدق، وهو في حق الله تَعَالَى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك التصديق بالكلام، فيصدق أنبياءه بإخباره تَعَالَى عن كونهم صادقين.
الثاني: أن يكون معنى تصديقه لهم هو أن يظهر المعجزات على أيديهم» (^٤).
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢١).
(٢) الأسماء والصفات، للبيهقي (ص: ١٦٤).
(٣) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٤).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى، للرازي (ص: ١٤٦).
[ ٣ / ١٩٢ ]
من الأقوال التي تجمع بين الأقوال الأربعة:
قال الطبري -﵀-: «اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن: الشهيد … وقال آخرون: المهيمن: الأمين … وقال آخرون: (المهيمن): المصدق» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «المهيمن: هو الشهيد، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، فالله -﷿- المهيمن أي: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل، كقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
وقيل: المهيمن، الأمين، وأصله مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء؛ لأن الهاء أخف من الهمزة …
وقيل: المهيمن: الرقيب على الشيء، والحافظ له، وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له» (^٢).
قال الغزالي -﵀- جامعًا بين بعض هذه المعاني-: «القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكلُّ مشرف على كنه الأمر مسؤول عليه حافظ له، فهو مهيمنٌ عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل،
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٤).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٤٦).
[ ٣ / ١٩٣ ]
فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن» (^١).
قال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء الله تَعَالَى (المهيمن) هو الرقيب، وقيل: الشاهد، وقيل: المؤتمن، وقيل: القائم بأمور الخلق» (^٢).
اقتران اسم الله (المهيمنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (المؤمن):
اقترن اسم الله «المهيمن» باسمه «المؤمن»، في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال الطاهر ابن عاشور -﵀-: «وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهُّم أن تأمينه عن ضعف، أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته، مع أنه رقيب مطَّلع على أحوال خلقه، فتأمينه إيَّاهم رحمة بهم» (^٣).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (العزيز):
اقترن اسم الله (المهيمن) باسمه العزيز في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور -﵀-: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث- العزيز الجبار المتكبر- عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات، لا
_________________
(١) المقصد الأسنى (ص: ٧٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٧٥).
(٣) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٢).
[ ٣ / ١٩٤ ]
يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك؛ فَعُقِّبَتْ بصفة العزيز؛ ليعلم الناسُ أن الله غالب لا يُعجزه شيء … فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المهيمن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المهيمن) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى «المهيمن» الذي لا يخرج شيء عن هيمنته، فالسماء والأرض ومن فيهما صغر أو كبر، دقَّ أو جلَّ، الكل تحت هيمنته جل في علاه ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] هيمنة القيام والحفظ، وهيمنة الرقابة والشهادة، وهيمنة الأمن والتصديق.
فهو المهيمن القيوم (^٢) الذي قام على الخلائق خلقًا ورزقًا وتدبيرًا وتصريفًا، فبهيمنته أقام السموات والأرض فثبتت ولم تزل، وبهيمنته أقام كل نفس من إنس وجن وغيرهما من سائر الدواب، فقلب الجنين خلقًا بعد خلق في ظلمات ثلاث، يحيل الدَّمَ نطفةً، والنطفةَ علقةً، والعلقةَ مضغةً، والمضغةَ عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخَرَ، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
وبهيمنته أقام للمكلفين الأديان؛ فأرسل الرسل وأنزل الكتب، ولم يترك عباده سدًى، ولم يدعهم هملًا، بل وضع لهم الشرائع التي تنظم سلوكهم،
_________________
(١) المرجع السابق (٢٨/ ١٢٣).
(٢) للاستزادة، يراجع اسم الله الحي القيوم.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وترسم لهم الحدود التي يسيرون فيها، ولا يتجاوزونها في أعمالهم ومعاملاتهم وعقائدهم.
وهو المهيمن الحفيظ (^١) الذي عم خلقه بحفظه، فبهيمنته حفظ السماء من أن تقع على الأرض، وبهيمنته حفظ الأرض من الاضطراب والميد بأهلها، وبهيمنته حفظ أهلها بما يسر من الأرزاق والأقوات لهم، وحفظهم من أصناف الشرور والمضار بما قيض من أسباب حفظهم.
وهو المهيمن الرقيب الشهيد (^٢) الذي اطلع على جميع الأشياء، وأحاط بها علمًا، ظاهرًا وباطنًا، فبهيمنته رقب الخفيَّات والجليَّات، والماضيات والمستقبَلات، وبهيمنته رقب جميعَ الأصوات؛ سرها وجهرها، وبهيمنته رقب جميع الموجودات؛ دقيقها وجليلها، وصغيرها وكبيرها، لا يحجبه من خلقه ظاهر عن باطن، ولا كبير عن صغير، ولا قريب عن بعيد.
وبهيمنته شهد أعمال العباد فأحصاها، وعلم مقاديرها، ومقدار جزائها خيرها وشرها، ثم يشهد عليهم بما عملوه ويفصل بينهم يوم الدين (^٣).
وهو المهيمن الأمين الذي لا يضيع عنده حق عباده، فلا ينقصهم شيئًا من حسناتهم، ولا يزيدهم شيئًا من السيئات، بل هم آمنون من ذلك.
قال الحليمي -﵀- في اسم الله «المهيمن»: «لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، فلا يُثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يُعجزه ولا هو مستكْرَهٌ عليه، فيضطر إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل
_________________
(١) للاستزادة، يراجع اسم الله الحافظ الحفيظ.
(٢) للاستزادة، يراجع اسم الله الرقيب والشهيد.
(٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٥ - ٣٦).
[ ٣ / ١٩٦ ]
فيحمله استكثارُ الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقصٌ بما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعًا بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعُهُ عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيعَ من حسناته شيئًا، لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم عقابًا على ما استحَقُّوه؛ لأن واحدًا من الكذب والظلم غير جائز عليه، وقد سمَّى عقوبة أهل النار جزاءً، فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاءً، ولم يكن وفاقًا» (^١).
وهو المهمين المؤمن (^٢) الذي صدق رسله بما أنزل من كتب وأظهر من معجزات، وصدق كتبه بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائرها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
فـ «جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، وأشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها» (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المهيمن) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]؛ وجد أن الله -﷿- وصف من يستحق
_________________
(١) الأسماء والصفات، للبيهقي (ص: ١٦٤).
(٢) للاستزادة يراجع اسم الله «المؤمن».
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٨).
[ ٣ / ١٩٧ ]
العبادة بصفات الكمال والجلال التي منها الهيمنة، وهذه الصفات لا تكون إلا له سُبْحَانَهُ، فإنها وإن وجدت في مخلوق فلا توجد مجتمعه، كما أنها لا توجد على صورة الكمال بل فيها من النقائص والمعايب ما فيها.
وبهذا يعلم أنه لا أحد كائن من كان يستحق من العبادة مثقال ذرة، وإنما هي خالصه له -﷾- عما يشركون (^١).
الأثر الثالث: الإيمان بهيمنة القرآن:
امتن الله -﷿- على أمة محمد -ﷺ- بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائر الكتب المتقدمة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، وذلك يعني:
١ - أنه أمين على كل كتاب قبله وحافظ له؛ وذلك بحفظه لأصول ما في تلك الكتب من عقائد وشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - أنه شاهد على الكتب قبله؛ وذلك من جهة:
أ - شهادته عليها بالصحة والثبات، كما قال تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).
[ ٣ / ١٩٨ ]
بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾
[آل عمران: ٣ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
ب - شهادته على أصولها بالصدق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[فاطر: ٣١].
ت - شهادته على ما وقع من أصحابها من تحريف وتبديل وإعراض عن العمل بها، كما قال تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦].
٣ - أنه حاكم عليها بإقرار بعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها كلية لم تختلف باختلاف الأمم والأزمان، كالصوم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وناسخ لبعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها جزئية مؤقته، مراعى فيها أحوال أقوام معينين (^١).
قال الطبري -﵀-: «﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٧)، تفسير السعدي (ص: ٢٣٤)، التحرير والتنوير، لابن عاشور (٦/ ٢٢٢)، مجلة البحوث الإسلامية (٢١/ ٣١٧ - ٣١٨)،
(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧).
[ ٣ / ١٩٩ ]
وإنما كانت هذه المنزلة لهذا الكتاب العظيم:
لأنه «قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين- أيضًا- ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب» (^١).
ولأن الله تكفل بحفظه، فلا يصير إليه النسخ ألبتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وبهذا تكون شهادته على الكتب السابقة باقية أبدًا، فيبقى العلم بها ببقائه (^٢).
فإذا تبين هذا؛ فليعلم العبد أن من الإيمان بالقرآن: الإيمان بهيمنته، وهذا الإيمان واليقين يورث في النفس تعظيمه وإجلاله والفرح به أعظم الفرح، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨].
كما أنه يثمر العمل والحكم به وتحكيمه ورفض ما سواه من أحكام وأهواء، كما نبه الله -﷿- على ذلك، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤).
(٢) ينظر: تفسير الرازي (١٢/ ٣٧١).
[ ٣ / ٢٠٠ ]
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
الأثر الرابع: الرضى بقضاء المهيمن:
إذا آمن العبد أن ربه المهيمن القائم على أمره بالرعاية والتدبير والتصريف؛ أورثه ذلك الرضى بما يقضيه ويقدره عليه خيره وشره؛ لعلمه أن هيمنته إنما هي عن رحمة وعلم وحكمة، ففيها الخير والصلاح له ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
فهذه عائشة -﵂- تقول: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٦٧).
[ ٣ / ٢٠١ ]
وهذه امرأة سوداء لبعض العرب، أعتقها أهلها، فكانت تأتي للمسجد فتتحدث عند النساء، فإذا فرغت من حديثها قالت:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
فلما أكثرت من ذلك قالت لها عائشة -﵂-: وما يوم الوشاح؟ قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي، وعليها وشاح أحمر، فسقط منها، فانحطت عليه الحديا وهي تحسبه لحمًا، فأخذته فاتهموني به، فعذبوني، حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبينا هم حولي وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا حتى وازت برؤوسنا ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، وجاءت إلى رسول الله -ﷺ- فأسلمت» (^١).
الأثر الخامس: مراقبة الله المهيمن (^٢):
إذا تقرر عند العبد أن ربه المهيمن مطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، وظاهر الأقوال والأفعال، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] شاهد عليها وعلى خلقه بما صدر منهم لا يضل ولا ينسى، ولا يغفل عن شيء منها ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، أثمر ذلك في نفسه مراقبة «المهيمن» -﵎-، فيرقب قوله وفعله وخطره وفكره؛ حذرًا من مشاهدة المهيمن له وقد واقع ما لا يرضيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).
(٢) للاستزادة يراجع ملحق (المراقبة).
[ ٣ / ٢٠٢ ]
الأثر السادس: الثقة بالمهيمن:
إذا تيقن العبد أن ربه المهيمن بيده كل شيء، يصرفه كيف شاء، وثق بربه في قضاء حوائجه، وفوض أمره إليه مطمئنًا ساكنًا، فلا قلق ولا تعلق بالخلق رجاء ولا خوفًا.
فهذا إبراهيم -﵇- جمع قومه الحطب، وأطلقوا فيه النيران، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم -﵇- في كفة منجنيق، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه، حتى إذا تم الوضع ألقوه إلى النار، فعرض له جبريل في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وقال واثقًا بربه مفوضًا أمره إليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾» (^١).
وهذه أم موسى تلقي وليدها في اليم؛ امتثالًا لأمر ربها، وثقة بوعده: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فدبر المهيمن الأمور ورده إليها: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣].
وهذا رسول الله -ﷺ- ينزل واديًا مع أصحابه، فيأخذ كل واحد منهم مكانه، وينام رسول الله -ﷺ- تحت شجرة ويعلق سيفه بغصن من أغصانها، فيأتيه رجل بيده السيف، فلم يشعر رسول الله -ﷺ- إلا
_________________
(١) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٦).
[ ٣ / ٢٠٣ ]
والسيف صلتًا في يده، فقال له: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله -ﷺ-: اللهُ، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ فقال: اللهُ، فشام (^١) الأعرابي السيف» (^٢).
أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ قُلْتُ: اللهُ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْه.
قال ابن حجر -﵀-: «وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه» (^٣).
وفي غزوة الأحزاب، ضرب الكفار على المسلمين حصارًا عسكريًّا مهيبًا، قال الله عنه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] فما كان من المؤمنين إلا أن قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فرد الله الأحزاب بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وكفى المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا مهيمنًا.
_________________
(١) أي: أغمد السيف. فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٢٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩١٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٤٣).
(٣) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٢٧).
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الأثر السابع: محبة الله تَعَالَى المهيمن:
إذا علم العبد أن ربه المهيمن -﷿- قائم على خلقه رعايةً ورزقًا وحفظًا، وتدبيرًا وتصريفًا لأمورهم، على وفق ما تقتضيه حكمته -﷿-؛ أورثه ذلك محبته -﵎- والتقرب إليه بالطاعات والقربات؛ تعبدًا له -﷿-، وحبًّا والتماسًا لمرضاته، وشكرًا له على نعمائه وأفضاله وإحسانه.
فاللهم يا مهيمن، تولَّ أمرنا واجْبُر كسرنا، واحفظنا بحفظك
الذي لا يُرام، واكلأنا بعينك التي لا تنام.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
المؤْمنُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «(أمن) الأمان والأمانة بمعنًى، وقد أَمِنْتُ فأنا آمِنٌ. وآمَنْتُ غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تَعَالَى المؤمن؛ لأنه آمَن عبادَه من أن يظلمهم … والأمن: ضد الخوف، والأَمَنَةُ بالتحريك: الأَمْنُ، ومنه قوله -﷿-: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(أمن) الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر: التصديق … وأما التصديق فقول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن المؤمن في صفات الله تَعَالَى هو أن يصدق ما وعد عبده من الثواب، وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم (^٢).
ورود اسم الله (المؤمن) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المؤمن) مرة واحدة في القرآن الكريم، وهي:
قول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٢٠٧١ - ٢٠٧٢).
(٢) مقاييس اللغة (١/ ١٣٣ - ١٣٥).
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ورود اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية:
لم يَرد اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (المؤمن) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله (المؤمن) في حق الله على معنيين، وهما:
المصدق.
المؤَمِّن غيره.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال مجاهد -﵀-: «(المؤمن) الذي وحد نفسه بقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو» (^١).
قال قتادة -﵀-: «أمن بقوله: إنه حق» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «أصل الإيمان التصديق والثقة … ويقال: إنما سمى الله نفسه مؤمنًا؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] كما شهدنا نحن» (^٣).
قال الزجاجي -﵀-: «المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: (الله المؤمن)، أي: مصدق عباده
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١ - ٣٢).
[ ٣ / ٢٠٧ ]
المؤمنين، أي: يصدقهم على إيمانهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه، والآخر: أن يكون الله المؤمن، أي: مصدق ما وعده عباده» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «(المؤمن): أصل الإيمان في اللغة: التصديق، فالمؤمن: المصدِّق، وقد يحتمل ذلك وجوهًا:
أحدها: أنه يَصْدُقُ عبادَه وعدَه، ويفي بما ضمِنه لهم من رزق في الدنيا، وثواب على أعمالهم الحسنة في الآخرة.
والوجه الآخر: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يُخيِّب آمالَهم، كقول النبي -ﷺ- فيما يحكيه عن ربه- جل وعز-: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (^٢)، وقيل: بل المؤمن: الموحِّدُ نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «(المؤمن) أي: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب» (^٤).
قال ابن القيم -﵀-: «المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٢١ - ٢٢٣).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٦٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٦٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٣).
(٣) شأن الدعاء (ص ٤٥ - ٤٦).
(٤) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).
[ ٣ / ٢٠٨ ]
بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقًا» (^١).
قال السعدي -﵀-: «المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات» (^٢).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال ابن عباس -﵄-: «أمَّن خلقه من أن يظلمهم» (^٣).
قال الطبري -﵀-: «(المؤمن) يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه» (^٤).
قال الزجاج -﵀-: «ويقال: إنه في وصف الله تَعَالَى يفيد أنه الذي أمن من عذابه من لا يستحقه» (^٥).
قال الزجاجي -﵀-: «من الأمان أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه، فيأمنون ذلك، كما تقول: (آمن فلان فلانًا)، أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن» (^٦).
قال الخطابي -﵀-: «وقيل: بل المؤمن: الذي آمن عبادَه المؤمنين في القيامة من عذابه، وقيل: هو الذي آمن خَلْقَهُ مِن ظُلمه» (^٧).
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، (١/ ١٠٧).
(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢ - ٣٠٤).
(٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١ - ٣٢).
(٦) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٢١ - ٢٢٣).
(٧) شأن الدعاء (ص ٤٥ - ٤٦).
[ ٣ / ٢٠٩ ]
قال القرطبي -﵀-: «(المؤمن) … وقيل: المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه، ويؤمن عباده من ظلمه» (^١).
قال ابن عاشور -﵀-: «والمؤمن اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية، أي: جعل غيره آمنًا، فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات» (^٢).
اقتران اسم الله (المؤمن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقترن اسم المؤمن سُبْحَانَهُ باسم الله «السلام»، و«المهيمن» في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور -﵀-: «وذِكْر وصف المؤمن عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهُّم وصفه تَعَالَى بالمَلك، أنه كالملوك المعروفين بالنقائص. فَأُفِيدَ أولًا: نزاهة ذاته بوصف القدوس، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف المؤمن، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف السلام … وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه، فتأمينه إياهم رحمة بهم» (^٣).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).
(٢) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢١).
(٣) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٠، ١٢٢).
[ ٣ / ٢١٠ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المؤمن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المؤمن) من صفات:
الله -﷿- المؤمن الذي صدق نفسه وصدق غيره، وهو المؤمن الذي جعل غيره آمنا، فجاءت أوجه تصديقه، وأوجه تأمينه كثيرة متنوعة، وبيانها على النحو الآتي:
أولًا: أوجه تصديقه، منها:
المصدق للحق بإحقاقه وإظهاره واستمراره، وزوال الباطل واضمحلاله، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وضرب المثل لهما بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
ومن تصديقه للحق:
- تصديق نفسَهُ بالتوحيد، كما قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وجاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد -﵄-، أنهما شهدا على النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي
[ ٣ / ٢١١ ]
لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» (^١).
فشهد سُبْحَانَهُ لنفسه بالتوحيد، وصدَّق ذلك بما أقام من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، ونوَّع في الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم (^٢).
- تصديقه لكتابه بما يقيم من الدلائل على صدقه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢ - ٥٣]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من غير شك ولا ارتياب، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ … فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم الله لكم، ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تَعَالَى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٠) واللفظ له، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣٩٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤).
[ ٣ / ٢١٢ ]
المكذبين، ونصر المؤمنين ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ من تلك الآيات، بيانًا لا يقبل الشك ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وما اشتمل عليه حق» (^١).
- تصديقه رسله وأنبيائه وأتباعهم، بما يظهر من الدلائل الدالة على صدقهم، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، قال السعدي -﵀-: «وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته» (^٢).
وهذه الدلائل والبينات متنوعة، فقد تكون آية خارقة للعادة يجريها على أيديهم، كالناقة التي أخرجها من الصخرة آية لنبيه ورسوله صالح -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وما أجراه على يدي نبيه ورسوله موسى -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٠ - ١٢]، وكذلك عيسى ومحمد -ﷺ- وغيرهم من الرسل والأنبياء، وإلى غير ذلك من الدلائل التي يصدق الله بها أولياءه.
٢ - المصدق لعباده المؤمنين ما وعدهم به من النصر في الدنيا والتمكين في الأرض، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من الخزي والخذلان، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]،
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٧٥٢).
(٢) المرجع السابق (ص: ٨٤٢).
[ ٣ / ٢١٣ ]
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
وعن أبي بن كعب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ، وَالنَّصْرِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدِّينِ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ» (^١).
٣ - المصدق لعباده ظنونهم وأمالهم به، كما في حديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (^٢)، وفي رواية: «إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (^٣).
٤ - المصدق عبادَه المؤمنين بما يجيبون به عند السؤال؛ ففي يوم القيامة يُسأل الجميع عن عملهم، كما قال تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، فيصدق أهل الإيمان بما يجيبون به، ويُكَذِّبُ الكفرةَ والمجرمين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: ١١٥٣)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٤١٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٢١٦١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٨٢٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩١٩٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٦٣٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٦٣).
[ ٣ / ٢١٤ ]
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]، ويستنطق الجوارح لتشهد عليهم بأعمالهم، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
٥ - المصدق عباده المؤمنين ما وعدهم به من الثواب في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من العذاب والنكال في الآخرة أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] (^١).
ثانيًا: أوجه تأمينه، منها:
١ - المؤمن سُبْحَانَهُ لجميع خلقه، بسوق ما يأمن لهم بقاء حياتهم إلى الأجل الذي أجَّل لهم من الأرزاق، وجلب المنافع، ودفع الشرور والأضرار، حتى أنه سُبْحَانَهُ وكَّل بهم حفظة من الملائكة يحفظون أبدانهم وأرواحهم ممن يريدهم بسوء، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] (^٢).
وقد أشار إبراهيم الخليل -﵇- إلى هذا الأمن، وأن الله سُبْحَانَهُ وحده هو واهب الأمن للعباد، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فآمن
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، فقه الأسماء الحسنى (٢٠٥ - ٢٠٨).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٤١٤).
[ ٣ / ٢١٥ ]
بالهداية، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] فآمن بالرزق، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فآمن بالصحة.
٢ - المؤمن سُبْحَانَهُ للخائفين بإعطائهم الأمان والاطمئنان، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] لا سيما من التجأ إليه ولاذ به وأقبل عليه، قال ابن القيم -﵀-: «والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه: وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه: وجده مُؤمِّنًا من الخوف» (^١).
٣ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المنقادين لشرعه، بما شرع لهم من الأحكام والحدود التي يأمنون فيها على دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع بحيث يعيش الجميع في أمن وسلام في ظل أحكام الله -﷿-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
٤ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين، بما يجعل في نفوسهم من الراحة والطمأنينة والأنس إذا أقبلوا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، قال ابن كثير -﵀-: «والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت» (^٢)، وقال السعدي -﵀-: «بطمأنينة قلبه وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب» (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٠٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٦٠١).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٤٤٩).
[ ٣ / ٢١٦ ]
٥ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده من أن يظلمهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، فلا يظلم أحدًا بأن ينقص من حسناته شيئًا، أو يزيد في سيئاته شيئًا، ولو كان مثقال الذر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، بل أنه سُبْحَانَهُ حتى الكافر يثيبه على حسناته، فيعجل ثوابه في الدنيا، كما قال -ﷺ-: «إنَّ الله لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^١).
ومن تمام تأمينه لعباده من الظلم وضع الموازين يوم القيامة لتوزن بها الأعمال، قال تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. (^٢)
٦ - المؤمن سُبْحَانَهُ لأهل توحيده وطاعته من المخاوف والعذاب والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
يؤمنهم في الدنيا ويطمئن قلوبهم ويشرح صدورهم، ويؤمنهم عند نزول الموت بهم بما يرسل من ملائكة الرحمة تثبتهم وتبشرهم، كما قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، تتنزل عليهم مرة بعد أخرى مزيدًا في الأمن
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٤).
[ ٣ / ٢١٧ ]
والاطمئنان (^١)، «وتقول لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ على ما يستقبل من أمركم، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولًا» (^٢).
وفي حديث البراء -﵁-: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّة، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ -﵇-، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ»، قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ» (^٣).
ويؤمنهم في أرض المحشر من أهوال القيامة وشدائدها: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فلا يقلقون ولا يحزنون إذا فزع الناس أكبر فزع في ذلك اليوم العظيم، بل وتستقبلهم الملائكة بالتهاني قائلين: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم، بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم، بما أمنكم الله من المخاوف والمكاره (^٤).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٤٨).
(٢) المرجع السابق.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٥٣٤)، وهناد في الزهد، رقم الحديث: (٣٣٩)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (١٦٣٠).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣١).
[ ٣ / ٢١٨ ]
ويؤمنهم من النار وحرها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].
وهذا الأمن يختلف باختلاف ما معهم من التوحيد والتقوى «فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا، لا بشرك، ولا بمعاص؛ حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها» (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المؤمن) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسم الله المؤمن وما فيه من تصديق الله للتوحيد بشهادته عليه كما في قوله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وإقامته للحجج والبراهين والأدلة النقلية والعقلية عليه، ونصرته لمن قام به ولو كان ضعيف العدة والعتاد، وخذلانه للشرك وأهل الإشراك وإيقاعه ألوان العقوبات عليهم، ووعده لأهل التوحيد بالأمن في الدارين- ساقه ذلك كله لتوحيده وإخلاص العبودية له وحده لا شريك له (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤ - ١٢٥).
[ ٣ / ٢١٩ ]
الأثر الثالث: لا يجمع المؤمن سُبْحَانَهُ لعبده أمنين ولا خوفين:
من تأمين الله لعباده ألا يجمع عليهم الخوف في الدارين، بل من خاف في الدنيا وعمل بطاعته أمنه مما يخاف يوم القيامة، ومن أمن في الدنيا من مكر الله وعمل بمعاصيه أخافه الله يوم القيامة، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- يروي عن ربِّه -﷿-، قال: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).
والخوف من الله عبادة قلبية، عظم الله شأنها ورفع منزلتها، فحث عليها في كتابه وجعلها شرطًا للإيمان به سُبْحَانَهُ، فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومدح أهل خوفه وخشيته، وأثنى عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
وسَألتْ عائشةُ -﵂- النبيَّ -ﷺ- عن قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لَا، يَا بُنَيَّةَ أَبِي بَكْرٍ - أَوْ: لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ - وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ» (^٢)، قال الحسن: «عملوا- والله-
_________________
(١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٦٤٠)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٥٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦٦٦).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٦٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٧٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٢).
[ ٣ / ٢٢٠ ]
بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُرَدَّ عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءَةً وأمنًا» (^١).
ورغَّب سُبْحَانَهُ في الخوف منه بما أعد لأهلها من الجزاء في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
فعلى المسلم أن يحرص على تحقيق هذه العبادة العظمية، وأن يجمع معها المحبة، والرجاء؛ فإن القلب- في سيره إلى الله -﷿- بمنزلة الطائر، «فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فقد أصبح عرضة لكل صائد وكاسر» (^٢)، والاقتصار على واحد من هذه الأمور الثلاثة- دون الباقي- انحراف عن الجادة، وخلل في السلوك.
وأما تغليب أحدها على الآخر، فاستحبه السلف في بعض المواضع، فمثلًا: استحبوا أن يُغلَّبَ في حال الصحة جانبُ الخوفِ على جانب الرجاء؛ لأن العبد لا يزال في ميدان العمل، وهو بحاجة إلى ما يسوقه للعمل، وأما في حال الضعف والخروج من الدنيا؛ يغلب جانب الرجاء؛ ليموت محسنًا الظن بربه، ممتثلًا قوله -ﷺ-: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ -﷿-» (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥٠٧).
(٢) المرجع السابق (١/ ٥١٣).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٧٧).
[ ٣ / ٢٢١ ]
والخوف من الله، منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم؛ فالخوف المحمود هو: ما حال بين صاحبه، وبين محارم الله -﷿-، فليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يُعاقَبَ عليه، ومنه: قَدْرٌ واجب ومستحب؛ فالواجب منه: ما حمل على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في النوافل، والبعد عن المكروهات، وعدم التوسع في فضول المباحات، كان ذلك مستحبًّا، فإن زاد على ذلك، بحيث أدَّى إلى اليأس والقنوط والمرض، وأقعد عن السعي في اكتساب الفضائل كان ذلك هو الخوف المحُرَّم.
الأثر الرابع: محبة الله المؤمن:
الله -﷿- هو المؤمن سُبْحَانَهُ «الذي يأمن الخائفون في كَنَفه، ويطمئن المؤمن بالإيمان به وعبادته وحده، فلا يخاف أحدٌ ظُلْمَهسُبْحَانَهُ، بل إن رحمته سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء، فيحصل مِن جرَّاء ذلك الأمنُ النفسيُّ، والسعادة القلبية، والتعلُّق بالله وحده، ومحبته وإجلاله، وكثرة ذِكره وشكره، واللجوء إليه وحده سُبْحَانَهُ في طلب الأمان، وذهاب الخوف والفزع في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا يملك تثبيت القلوب، وفتح الرحمة والأمان عليها إلا الله تَعَالَى، قال -﷿-: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]».
[ ٣ / ٢٢٢ ]
الأثر الخامس: أسباب نيل الأمن في الآخرة:
الله المؤمن سُبْحَانَهُ الذي يؤمن عباده في الدارين، وأعظم ما يكون الأمن يوم الفزع الأكبر إذا وقعت الساعة، ورجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وتفطرت السماء وانفطرت، وتكورت الشمس والقمر، وتنثرت النجوم، وكان من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتوجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] أذهب العقول، وفرغ القلوب، وملأها فزعًا وهلعًا، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وعظ الظالم على يديه قائلًا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، ونصبت الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر من الخير والشر، ونشرت صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات من صغير وكبير، ونصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، فزاد الفزع فزعًا، والشدة شدة، إلا أن هناك أقوامًا آمنين لم يصبهم شيء من الفزع والهلع، على الرغم من هذه الأهوال، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] (^١).
وإنما نالوا هذا الأمن بفضل الله المؤمن أولًا، ثم بما قاموا به من أسباب كانت سبب في تأمينهم، ومن هذه الأسباب:
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٢ - ٥٣٣).
[ ٣ / ٢٢٣ ]
١ - التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] الظلم: الشرك، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود -﵁- قال: «لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ، قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ بِشِرْكٍ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).
٢ - الإيمان بالأركان الستة، وتصديقها بالتقوى التي حقيقتها امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (^٢)، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
٣ - الخوف من الله، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- يروي عن ربِّه -جل وعلا-، قال: «وَعِزَّتِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢٤).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٦٨).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
٤ - تنفيس الكرب والشدائد عن المسلمين، قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^١).
٥ - نصر المسلمين والذب عنهم، فعن عمران بن حصين -﵁-، قال: «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِالْغَيْبِ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢).
٦ - إنظار المعسر والعفو عنه، كما جاء في حديث أبي اليسر، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» (^٣).
٧ - أعمال السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فإن الشمس تدنو من الخلق، حتى تكون منهم قدر مِيْلٍ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرَقِ؛ فمنهم: من يكون إلى كعبيه، ومنهم: من يكون إلى ركبتيه، ومنهم: من يكون إلى حِقْوَيْهِ، ومنهم: من يُلجمه العَرَقُ إلجامًا، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (^٤)، إلا إن المؤمن سُبْحَانَهُ يأمنهم بظلهم تحت ظله، فعن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث (٧٢٣٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠٠٦).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٢)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٣).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).
الأثر السادس: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (^٢):
والعبد المؤمن يأمن الخلق شره وغوائله، ويتصف بالسلامة وكف الشر والأذى عنهم بحيث يأمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وقد حرص الشارع على تحقيق هذا النوع من الأمن، فتنوعت النصوص الدالة عليه، ومن ذلك: قوله -ﷺ-: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (^٣)، أي: لا يكون الرجل مؤمنًا كاملَ الإيمانِ حتى يأمنَ جارُهُ شرورَهُ وغوائِلَهُ، وقوله- أيضًا -ﷺ-: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^٤)، وقوله- أيضًا -ﷺ- في حجة الوداع-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» (^٥) (^٦).
اللهمَّ يا أمان الخائفين، أمِّنَّا يوم الفزع الأكبر، واجعلنا من أوليائك
الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٦).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٤١).
(٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٩١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٤٨٦٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٤٩).
(٦) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٢٦ - ١٢٧)
[ ٣ / ٢٢٦ ]
الهَادِي -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الهدى: الرشاد والدلالة، يؤنث ويذكر، يقال: هداه الله للدين هدى، وقوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] قال أبو عمرو بن العلاء: أولم يبين لهم، وهديته الطريق والبيت هداية، أي: عرفته» (^١).
يقول ابن فارس -﵀-: «الهاء والدال والحرف المعتل أصلان، أحدهما: التقدم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف، فالأول قولهم: هديته الطريق هداية، أي: تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد، والأصل الآخر الهدية: ما أهديت من لطف إلى ذي مودة» (^٢).
ورود اسم الله (الهادي) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله الهادي في آيتين من القرآن الكريم، وهما:
١ - قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
٢ - وقول الله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
_________________
(١) الصحاح في اللغة (٦/ ٣٨٣).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٣ / ٢٢٧ ]
ورود اسم الله (الهادي) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله الهادي في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الهادي) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]-: «أي: وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد، والحق الواضح» (^١).
قال الزجاج -﵀-: «الهادي هو الذي هدى خلقه إلى معرفته وربوبيته، وهو الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «(الهادي) هو الذي مَنَّ بهداه على مَن أراد مِن عباده، فخصَّهُ بهدايته، وأكرمه بنور توحيده، كقوله تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (^٣).
وقال أيضًا -﵀-: «وهو الذي هدى سائِر الخلق مِن الحيوان إلى مصالحها، وألهمهَا كيف تطلبُ الرزق، وكيف تتقي المضارَّ والمهالِكَ، كقوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]» (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧٠).
(٢) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٦٤).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٩٥).
(٤) المرجع السابق (ص: ٩٥ - ٩٦).
[ ٣ / ٢٢٨ ]
قال الحليمي -﵀-: «هو الدَّالُّ على سبيل النجاة والمبيِّنُ لها؛ لئلَّا يزيغ العبد ويضل، فيقع فيما يُرديه ويُهلكه» (^١).
قال البيهقي -﵀-: «هو الذي بهدايته اهتدى أهلُ ولايته، وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتَّقَى ما يضره» (^٢).
قال ابن الأثير -﵀-: «هو الذي بصَّر عباده، وعرفهم طريق معرفته، حتى أقروا بربوبيته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في بقائه ودوام وجوده» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «الهادي الذي يهدي ويُرشد عبادَه إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويُعلِّمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبَهم مُنيبة إليه، منقادة لأمره» (^٤).
اقتران اسم الله (الهادي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترنِ اسمُ الله (الهادي) إلا باسم الله (النصير)، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
وجه الاقتران:
أن الاسمين الكريمين يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله أنَّ مِن سُنته أنْ يقيض لكل نبيٍّ عدوًّا مِن المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءَهُ
_________________
(١) المنهاج (١/ ٢٠٧).
(٢) الاعتقاد (ص ٦٦).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٥٣).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
بهدايتهم إلى الحقِّ ونصرتهم على أهل الباطل مِن المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءَه وأولياءَه بالهداية- بكلِّ معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الهادي):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الهادي) من الصفات، وتوحيد الله به:
الله سُبْحَانَهُ هو الهادي لعباده، المبين لهم طريق الحق والإيمان، الكريم القريب لعباده، رحيم بهم هاد لهم، وهدايته سُبْحَانَهُ على أربعة أنواع:
النوع الأول: هداية عامة مشتركة بين الخلق:
«الهداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، فأعطى كلَّ شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال.
وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهداية الجمال المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها.
وكذلك كل مخلوق وعضو له هداية تليق به:
فهدى الرجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للإستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج، والتناسل، وتربية الولد.
وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه.
وطلبه مراتب هدايته سُبْحَانَهُ لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.
وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر، ومن الأبنية، ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه، والإئتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.
ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم؛ شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.
ومَن فَهم هذا فَهم سر اقتران قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] بقولِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأنَّ مَن لم يهمِلْ أَمْرَ كلِّ دابة في الأرض ولا طائرٍ، بل جعلها أممًا وهداها غاياتها ومصالِحها، كيف لا يهديكم إلى كمالِكُم ومصالِحِكُم؟ فهذا أحد أنواع الهداية وأعمُّها (^١).
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٢٧٢).
[ ٣ / ٢٣١ ]
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة:
والتعريف لنجدَي الخير والشَّر وطريق النجاة والهلاك، «وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، فهو كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه» (^١).
وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام؛ فإنها سبب وشرط، وليست موجبًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: بيَّنَّا لهم وأرشدناهم ودَلَلْنَاهم فلم يهتدوا، ومنها: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام:
وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يَتخلَّف عنها، وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وفي قوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وفي قول النبي -ﷺ-: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». (^٢)
وفي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فنفَى عنه هذه الهداية، وأثبت له هدايةَ الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
_________________
(١) تفسير القرطبي (١/ ١٦٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٦٧).
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وهذا النوع من الهداية هو ما «تفرَّد به سُبْحَانَهُ، فقال لنبيِّه -ﷺ-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب» (^٢).
وهي أكبر نعمة يُنْعِم بها (الهادي) سُبْحَانَهُ على عباده؛ إذ كل نعمة دونها زائلة ومضمحلَّة، وبقدر هدايته تكون سعادته في الدنيا، وطيب عيشه وراحة باله، وكذا فوزه ودرجته في الآخرة.
النوع الرابع: هداية الآخرة، إلى الجنة أو النار، إذا سيق أهلها إليها:
وهي غاية الهدايات، فإن أجلَّ وأعظم ما يمن به الله على عباده أن يهديهم للجنة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
«ومن هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.
فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردس في النار، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذة بالقذة، جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]» (^٣).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١/ ١٦٠).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٣).
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أما أهل النار فقال الله تَعَالَى عنهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وهذا جزاء ما عملوا، وما ظلمهم الله، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] في آيات كثيرة.
«وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» (^١).
وحري بمن عرف اسم الله الهادي ومظاهر هدايته وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده الهداية والتوفيق والسداد.
الأثر الثاني: أعظم نعمة وأجل هداية هي الهداية للإسلام:
إن أجلَّ نِعم الله وأعظم مننه على عباده، هدايته مَن شاء منهم إلى الدين الإسلامي، يقول الله تَعَالَى في التنويه بهذه النعمة، وبيان عظم مكانتها، وأنها منته سُبْحَانَهُ على مَن شاء من عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز، للفيروزأبادي (٥/ ٣١٣ - ٤١٣).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وهذه الهداية هي الهداية الخاصَّة، وهي خاصة بالله تَعَالَى، لا يقدر عليها إلا هو، ولايشاركه فيها ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]،
ويقول أيضًا: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
وهذه الهداية تأتي بعد هداية البيان؛ تحقيقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ولا تُنال إلا لِمَن حقَّق شروطها، واستَوفَى أسبابها، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وهذا النوع من الهداية يستلزم أمرَين:
أحدهما: فعل الربِّ تَعَالَى، وهو الهدى بخلق الداعية إلى الفعل
والمشيئة له.
الثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو نتيجة للفعل الأول «الهدى»؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر الذي هو الاهتداء من العبد إلا بعد وجود المؤثِّر الذي هو الهداية من الله، فإذا لم يحصل فعل الله لم يحصل فعل العبد، وهذا النَّوع من الهداية لا يقدر عليه أحدٌ إلا الله سُبْحَانَهُ، قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا
[ ٣ / ٢٣٥ ]
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، كما أنَّ هذا النوع من الهداية هو الذي نَفَاه القرآن عن الظالمين والفاسقين والكاذبين والمسرف المرتاب، وكلُّ آية في القرآن وردَتْ في نفي الهُدَى فيجب حملها على هذا النوع؛ لأن هذا فضله يختصُّ به مَن يشاء من عباده، ولا حرج في ذلك.
الأثر الثالث: محبة الهادي سُبْحَانَهُ:
لا شك أن معرفة الله الهادي تؤدي إلى محبته -﷿- وتعظيمه والثناء عليه، حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بدَّ منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك: هدايته إليه بما أَودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته سُبْحَانَهُ، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] يعني: خُلِقتَ ليسعدك لا سعادة تنقطع عند الموت، بل ليسعدك إلى الأبد، وما الحياة الدنيا إلا إعداد لهذه الحياة الأبدية.
الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الهادي:
وهو دعاء الراسخين في العلم، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]، ولأن حاجتنا لطلب الهداية من مالكِها سُبْحَانَهُ أشد مِن حاجتنا إلى الطعام والشراب، أُمرنا أن نسألَ الله تَعَالَى الهدايةَ في كل ركعة من الصلاة، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
[ ٣ / ٢٣٦ ]
والدعاء بالهداية هومنهج الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- وهم أكمل الخلق إيمانًا وهداية- فقد كانوا يسألونها الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك:
- قوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
- وكان محمد -ﷺ- يسأل ربَّهُ الهدايةَ في دعواته وصلواته، فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).
- وكان -ﷺ- يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (^٢)، وقال -ﷺ- لعليٍّ -﵁-: «قُل اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» (^٣) (^٤).
الأثر السادس: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]:
ما أفقر العبد إلى الله، وما أحوجه إلى فضله وهداه، أن يثبته على طاعته وأن يزيده من تقواه، فمن قصد الهداية هداه الله، ومن لجأ إليه أعانه، ومن وقف ببابه ما رده.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢١).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٥).
(٤) للاستزادة: يراجع الملحق في مقومات الثبات على الهداية.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
يقول ابن كثير -﵀-: «والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: ألهمهم رشدهم» (^١)، والذين شرح الله صدورهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم، فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم.
يقول السعدي -﵀- فيما أعده الله للمهتدين: «ثم بين حال المهتدين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالإيمان والانقياد، واتباع ما يرضي الله ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ شكرًا منه تَعَالَى لهم على ذلك، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح» (^٢).
وفي الملحق الآتي بيان هذه المنزلة، وما يعين للوصول إليها.
فاللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣١٥).
(٢) تفسير السعدي (ص ٧٨٦).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
«الهادي يحيب المَهدِيين -ﷻ-
في موضوع الهداية سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: معنى الهداية:
قال الجرجاني -﵀-: «الهداية: الدلالة على ما يوصِّل إلى المطلوب» (^١).
وقال ابن القيم -﵀-: «الهداية: هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف؛ ترتب عليه هداية التوفيق» (^٢).
ثانيًا: مقومات الثبات على الهداية:
أعظم نعمة ينعم بها الله على الإنسان نعمة الإسلام والإيمان، وهذه النعمة تحتاج لمقومات تثبتها وترعاها، وإلا فإن القلوب تتقلب، والإيمان يزيد وينقص، والإنسان ما دام في هذه الحياة فهو معرض للفتن العظيمة، ومن أبرز هذه المقومات ما يلي:
_________________
(١) التعريفات (ص: ٢٧٧).
(٢) مدراج السالكين (١/ ٣٢).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
١ - توفيق الله تعالى:
فأساس الهداية توفيق الله، وإعانته وتيسيره، وتسديده، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» (^١)، والعبد لا يرزق الاستدامة على طاعة الله بشيء أعظم من توفيقه له، فمن حرم التوفيق حرم الثبات، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، والهداية منةٌ من الله، يقول تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
٢ - تأمل قدرة الله وبديع خلقه:
فإنَّ تأمُّل المخلوقات، وإمعان النظر فيها بعين البصيرة لا البصر؛ تجلي للعبد الهدايات، وتريه الدلائل والمعجزات، فالتأمل في الصُنع يوصل إلى الصانع، والتأمل في الخلق يوصل إلى الخالق، فطريق الخلق أوسع أبواب الهُدى، وأقربها؛ لأنه يضع العبد أمام قدرة وعظمة وحكمة ورحمة وعلم وخبرة الله -جل وعلا-، فالهادي هدى خلقَه بخلقه يقول تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، فرؤية إبراهيم وتأمله في الخلق هنا هي رؤية قلبية لا بصريه فحسب؛ وإلا فالكثير رُزق البصر، ولكن لا يُرى لذلك في قلبه مِن أثر، والمتأمِّلُ لكلام الربِّ -جل وعلا- يجد كثيرًا من الآيات تأمر الإنسان بالنظر في خلق نفسه، وفي خلق الكون، بسمائه وأرضه وجباله وأنهاره وكافة مظاهره، يقول تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
ويقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ويقول تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ويقول تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وفي ذلك يقول أحد الأعراب: البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج، أَلَا تدلُّ على اللطيف الخبير؟!
ومما يروى عن الإمام أبي حنيفة -﵀-، أنه جاءه نفر من الزنادقة، فسألوه دليلًا يدلُّهم على وجود الله -﷿-، فقال لهم: أمهلوني ثلاثة أيام، فأمهلوه، وبعد الأيام الثلاثة أقبلوا إليه، وهو منهمك الفكر، فسألوه عن سبب هذا التفكير، فقال لهم: إني أفكر في سفينة مليئة بالأحمال، وليس عليها قائد ولا ربَّان، وتسير في عباب البحر، وتقطع طريقها بدون مَن يقودها، حتى إذا وصلتْ إلى شاطئ البحر أَنزلت حمولتها بنفسها، فقالوا له: أجننتَ، كيف يعقل هذا؟! فقال لهم: فكيف بعالَمٍ فسيح وكون كبير وسموات وأرض وجبال وبحار، أيعقل أن تسير بدون خالق يُدَبِّرُ أمورَها … فما كان منهم إلا أن آمنوا بالله ورسوله (^١).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٥).
[ ٣ / ٢٤١ ]
٣ - تدبر القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام رب العالمين، وكتابه المبين، أنزله على رسوله -ﷺ-؛ ليكون دستورًا للأمة ومخرجًا للناس من الظلمات إلى النور، وهاديًا لهم إلى الرشاد، وإلى الصراط المستقيم، فالقرآن يبيِّن للعبد أصل الخليقة، وأخبار الأولين والآخرين، وخلق السموات والأرض، وحقيقة الدنيا، وما بعدها، والحكمة من الوجود، وتفصيل الأحكام، وأصول الآداب والأخلاق، وأحكام العبادات والمعاملات، وجزاء المؤمنين والكافرين، فهو تبيان لكل شيء، وهدًى ورحمة للمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
ومن هنا يقال: إن الخلق والقرآن يدلان على الله -﷿-؛ ويهديان إليه، فالخلق هدًى استدلالي، والقرآن هدًى بياني، ولا يفهم من هذا استغناء أحدهما عن الآخر، بل لا يغني أحدهما عن الآخر، فمن قرأ القرآن وعطل التأمل في مخلوقات الله، فقد عطل بعض القرآن؛ لأن القرآن يأمر بالتأمل في كثير من آياته، ومَن صرف وقته في التأمل دون قراءة القرآن، فإنه وإن عرف الصانع، غير أنه لايعرف أمره ونهيه إلا بمطالعة منهجه المكتوب «القرآن»، ولن يستطيع العبد معرفة ما يحبه الله وما يكرهه، ويأمر به وينهى إلا عن طريق كتابه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، فالقرآن يشتمل على أحكام، كما يشتمل على أوامر، ونواهٍ؛ فهو منهج كامل.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
٤ - الإخلاص والمتابعة:
فمن رُزق الإخلاص رُزق سبيل الخلاص، وفُتحت في وجهه أبواب الرحمة، فما سلك طريق إلا سهله الله له، وما أراد بابًا من الخير إلا فتحه الله له، ومن اطلع الله على قلبه فرأى فيه الإخلاص والصدق؛ ثبَّته، وأحبَّه، ووضع له القبول في الأرض، وفي هذا يقول الحسن البصري -﵀-: «ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر على طاعة أو معصية؛ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت» (^١).
٥ - مصاحبة الأخيار والابتعاد عن رفقة الأشرار:
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة، بل لابد له من مخالطة، ولذا جاء أمر الله تَعَالَى بمصاحبة الأخيار والحذر من مصاحبة الأشرار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث: «لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (^٢)، وذلك لأن الصحبة والطعام تورث المودة.
٦ - الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله -ﷻ-.
فأهل التوبة والإنابة يحبهم الله تَعَالَى، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومن أحبَّه الله هداه بهداه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ
_________________
(١) مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٦٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٥١٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٣٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٩٥)، حكم الألباني: حسن، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٥٦).
[ ٣ / ٢٤٣ ]
اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
٧ - الدعاء:
ومن أدعية النبي -ﷺ- في ذلك ما يلي:
قوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى والتُّقَى، والعَفَافَ والغِنَى» (^١).
قوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» (^٢).
قوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^٣).
قوله -ﷺ-: «رَبِّ أَعِنِّي، وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي، وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي، وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي، وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٢٤٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤١١).
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ولما سئلت عائشة -﵂-، بأي شيء كان نبي الله -ﷺ- يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).
وفيما يرويه رسول الله -ﷺ- عن ربه -﵎-، أنه قال: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (^٢)، ومن دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
٨ - المجاهدة على فعل الطاعات، وترك المنكرات، والصبر على ذلك:
يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] بالعون والنصر والهداية» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) تفسير السعدي (ص: ٦٣٦).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
٩ - التناصح بين الناس:
فمن أعظم نعم الله على عباده المؤمنين: الهداية لدينه، ثم الدعوة للقيام بالواجب تجاه الناس بهدايتهم إلى ما يصلحهم، ودعوتهم لعبادة ربهم، بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها، والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا الدعوة إلى أصل دين الإسلام، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كذلك تحبيب الله إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت جلاله، وكذا الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه كالحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين، إلى غير ذلك مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر (^١).
ثالثًا: أسباب حرمان الهداية:
هناك أسباب لا بد أن يبتعد عنها عبد الهادي، حتى لا يُحرم هداية الله، ومن ذلك:
١) ضعف المعرفة:
فإن كمال العبد في أمرين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فإن من الناس من يعرف الحق، لكن إيثاره على الباطل قد يكون عنده
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٤٩).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
ضعيفًا، والجاهل إذا عرف كان قريب الانقياد والاتباع، وبهذا يكون قد قطع نصف الطريق إلى الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، والعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» رواه أحمد (^١)، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، وهذا السبب هو الذي حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام، فإنهم لا يعرفون عنه شيئًا، ومع ذلك يكرهونه، وكما قيل: الناس أعداء لما جهلوا.
٢) عدم الأهلية:
فإنه قد تكون المعرفة تامة، لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، مثل: الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، فإذا كان القلب قاسيًا لم يقبل النصائح، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي، وكذا إذا كان القلب مريضًا، فلا قوة فيه ولا عزيمة؛ لما يؤثر فيه العلم، فهم كما وصفهم الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
٣) الإعراض عن شرع الله تعالى:
من أعرض عن طاعة الله، ولم يلتفت إلى ما يصلح حاله، وامتلأ فؤاده بحب الدنيا والشهوات؛ جازاه الله بأن أعرض عنه وصرف عنه هداه، يقول
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٣٨٩)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٣٥)، والطبراني، رقم الحديث: (٧١٥٧)، حكم الألباني: ضعيف، المشكاة، رقم الحديث: (٩٥٥).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧].
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سُبْحَانَهُ؛ جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه» (^١)، ثم قال: «هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وهيأ لهم الأسباب، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولًا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردى وأسباب الفلاح، وجعل لهم أسماعًا وأبصارًا، فآثروا الهوى على التقوى، واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك، فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم سدُّوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارًا، فسده عليهم اضطرارًا، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله» (^٢).
_________________
(١) تقسير القيم (ص: ٣١٤).
(٢) المرجع السابق (ص: ٣١٤ - ٣١٥).
[ ٣ / ٢٤٨ ]
٤) الحسد والكبر:
وقد فسره -ﷺ- بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١)، وضده التواضع، وهو قبول الحق مع من كان، ولين الجانب.
والمتكبر متعصب لقوله وفعله، وذلك هو الذي حمل إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١ - ٧٦].
وبهذا الداء تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول -ﷺ-، وقد عرفوه وشاهدوه، وعرفوا صحة نبوته، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
٥) الظلم:
والظالمون هم «الذين صار الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون» (^٢)، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٦١٧).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
٦) الكذب:
يقول الشيخ السعدي -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]: «أي: لا يوفَّق للهداية إلى الصراط المستقيم ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سدَّ على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟» (^١).
٧) الإسراف:
والمسرف هو من تجاوز المعروف في شيء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، «أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ووصفه بالكذاب؛ لنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم» (^٢).
٨) الفسق:
يقول ابن عاشور -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]: «والله لا يهدي القوم الفاسقين، أي: المعرضين عن أمر الله، فإن ذلك لا يستهان به؛ لأنه يؤدي إلى الرين على القلب، فلا ينفذ إليه الهدى من بعد، فلا تكونوهم، وكونوا من المهتدين» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧١٧).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٣٦).
(٣) التحرير والتنوير (٧/ ٩٤).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
٩) قرناء السوء:
فللقرين أثر كبير على قرنائه، يقول -ﷺ-: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^١)، ومن شواهد أثر قرناء السوء: مارواه ابن المسيب -﵀-، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي -ﷺ- وعنده أبو جهل، فقال: «أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]» (^٢).
اللهم اجعلنا هداة مهدين، ولاتجعلنا ضالين أو مضلين.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٤٩١)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٧٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٥٤٥).
(٢) صحيح البخاري، رقم الحديث: (٣٨٨٤).
[ ٣ / ٢٥١ ]
الوارثُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «تقول: أورثه الشيء أبوه، وهم ورثة فلان، وورثه توريثًا، أي: أدخله في ماله على ورثته، وتوارثوه كابرًا عن كابر» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الواو والراء والثاء: كلمة واحدة، هي الورث، والميراث أصله الواو، هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب، أو سبب» (^٢).
ورود اسم الله الوارث في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الوارث) في القرآن في ثلاثة مواضع، كلها بصيغة الجمع، ووروده كالتالي:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣].
٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
_________________
(١) الصحاح (١/ ٢٩٥).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٠٥).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ورود اسم الله (الوارث) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الوارث) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الوارث) في حقه تعالى:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] «أي: ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل» (^١)، وقال في آية القصص: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أي: ولم يكن لما خرَّبنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله الذي له ميراث السماوات والأرض» (^٢).
قال الزجاجي -﵀-: «الله -﷿- وارث الخلق أجمعين؛ لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]» (^٣).
قال الخطَّابي -﵀-: «هو الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم بعد موتهم، ولم يزل الله باقيًا مالكًا لأصول الأشياء كلها، يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من أحب» (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٨٩).
(٢) جامع البيان (٢٠/ ٦١).
(٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٣).
(٤) شأن الدعاء (٩٦).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
قال القرطبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]: «أي: الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا، نظيره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فملك كل شيء لله تَعَالَى، ولكن ملك عباده أملاكًا، فإذا ماتوا انقطعت الدعاوى، فكان الله وارثًا من هذا الوجه» (^١).
قال السعدي -﵀-: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] أي: «خير الباقين، وخير من خلفني بخير» (^٢).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]: «للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم» (^٣).
اقتران اسم الله (الوارث) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الوارث) بغيره من أسماء الله.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الوارث:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوارث) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله تَعَالَى هو الوارث الحق القدير المالك جل في علاه، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٠/ ١٨).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٥٣٠).
(٣) المرجع السابق (ص: ٦٢١).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
ومن مظاهر ذلك:
هو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يبقى بعد فناء الوارثين، فكل ما سواه زائل، وكل من عداه فان ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ومن ذلك:
يفنى الملوك وأملاكهم، كما فني فرعون وجنده، وقارون وملكه، والنمرود وجبروته.
ويفني أولو القوة والشدة، كما فنيت عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، فلم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].
وتفنى الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] [مريم: ٣٩]، ويفنى ما عليها من إنس وجن، ودواب، بل حتى من في السماء يفنى إلا من شاء الله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠١).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير، رقم الحديث: (٧/ ٤٩٤)، تفسير السعدي، رقم الحديث: (ص: ٨٣٠)، فقه الأسماء الحسنى، البدر، رقم الحديث: (ص: ٢٩٥).
[ ٣ / ٢٥٥ ]
فالكل يفنى ويموت ويبيد، ويبقى الوارث الحي الذي لا يموت، والباقي الذي لا يزول، والدائم الذي لا منتهى له، قال -﵎-: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] (^١).
وهو الوارث الذي إليه مرجع كل شيء ومنتهاه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ومن ذلك:
أنه سُبْحَانَهُ يرث السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
ويرث ما على الأرض جميعًا، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]، فتبقى ملك للوارث سُبْحَانَهُ ليس لها مالك سواه (^٢).
ويرثسُبْحَانَهُ الأموال؛ إذ هي منتقلة من أيدي أصحابها، أو هم منتقلون عنها، ثم يعود ملكها بعد ذلك للوارث سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، أي: قوله: لأوتين في الآخرة مالًا وولدًا (^٣)، وفي الحديث عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٠٢).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٤٨)، وتفسير السعدي (ص: ٨٣٨).
[ ٣ / ٢٥٦ ]
أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (^١).
ويرث ما أهلك من القرى والمساكن؛ وذلك أن قومها هالكون فانون، فتعود كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله، الذي له ميراث السماوات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] (^٢).
ويرث، ويرث، ويرث حتى تنقطع الدنيا، فتنقطع معها مواريث بني آدم وملكهم، ولا يبقى إلا الوارث الذي له الملك، فيقول إذ ذاك: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلًا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).
وهو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يورث فضله وملكوته في منازل السماء ومواطن الأرض لمن يشاء من عباده، وحيثما شاء من غير خشية في التفريط أو الضياع؛ لأن إرثها في النهاية راجع إليه، ومن ذلك:
أورث يحيى النبوة لما سأله زكريا وارثًا له، قال تَعَالَى على لسان زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦]، أي: يرث النبوة والعلم والدعوة إلى الله (^٤).
وأورثها سليمان عن أبيه داود، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] «أي: في الملك والنبوة» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٩).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٦٠٣).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٣٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٣٥).
(٤) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ١٤٦)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٢).
(٥) تفسير ابن كثير (٦/ ١٨٢).
[ ٣ / ٢٥٧ ]
وأورث موسى -﵇- وقومه التوراة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤].
وأورث أمة محمد صلى الله وسلم القرآن، مهيمنًا على سائر الكتب: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] (^١).
وأورث ويورث الأرض من يشاء من عباده، قال تَعَالَى على لسان موسى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
ويورث عباده الصالحين جنة الخلد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال -جل وعلا-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، فتبارك الله خير الوارثين.
فسبحان الله الحي الذي لا يموت، إليه ترجع أملاك الخلق بعد فنائهم.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوارث) على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله -ﷻ- الوارث الذي يبقى ويفني من سواه، ويدوم وينتهي من عداه، كل شيء هالك إلا وجهه، علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٠).
[ ٣ / ٢٥٨ ]
من له الدوام والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وعلم أن كل من عداه لا يستحق شيئًا من العبادة؛ إذ كيف يتخذ من يبيد فيزول، ويموت فيفنى، إلهًا يعبد مع الإله الذي لا يبيد ولا يموت؟! تَعَالَى الله عن ما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا (^١).
ثم إن العبد إذا تأمل في توريث الله الأرض لأهل التوحيد وإكرامه لهم، وإهانته وعقوبته لأهل الشرك قاده ذلك إلى التوحيد، وعلم أنه سبيل النجاة، وأن الشرك سبيل الهلاك والبوار (^٢).
الأثر الثالث: التوكل على الوارث سُبْحَانَهُ:
فالإنسان يخاف ويقلق على ما يتركه من بعده من ذرية ومال، ويخشى عليهم الضياع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، ولكن العبد إذا علم أن ربه الوارث وهو خير الوارثين، وخير من يخلف بخير، وأرحم بعباده منه؛ تعلق قلبه به وتوكل عليه فيما خلف وراءه، فينشرح صدره ويطمئن لوراثته -﵎- (^٣).
وخير شاهد على حسن وراثة الله للعبد في ذريته: قوله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، قال ابن كثير -﵀-: «وذكر
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٦/ ١٥٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٠).
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا … وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم» (^١).
الأثر الرابع: اليقين بتوريث الله الأرض لعباده الصالحين:
إذا علم العبد أن الله (الوارث) الذي يرث الأرض، قد وعد عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض ويمكن لهم فيها، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ علم أن وعد الله حق، كائن لا محاله مهما قوي الباطل، فسيأتي اليوم الذي يزهق الله فيه الباطل، كما مكن لبني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، وأورثهم أرض
مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلاء، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] (^٢)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]،
وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ١٨٦).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠١).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] «فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته» (^١).
ويورثهم الأرض، كما أورث رسول الله -ﷺ- وصحبه أرض بني قريظة التي كانت من شرفها وعزتها عند أهلها لا يستطيع المسلمون وطأها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] (^٢)، وكما أورث صدر هذه الأمة البلاد والعباد، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وحصل مع ذلك الأمن التام والتمكين التام؛ مصداقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
ولا يزال هذا الوعد قائمًا إلى قيام الساعة، فإن قام المسلمون بالإيمان والعمل الصالح، وجدوا ما وعدهم الله به ولو بعد حين، وإنما يسلَّط عليهم الكفار والمنافقون ويدلون عليهم، بسبب إخلالهم بالإيمان والعمل الصالح (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٦٢).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٥٧٣).
[ ٣ / ٢٦١ ]
الأثر الخامس: محبة الله الوارث:
من آمن باسم ربه (الوراث) الذي يبقى بعد فناء الخلائق، والذي يرث كل شيء، فيرجع ويصير إليه ما في الأرض وما في السماء، فإن قلبه يتعلق به-سُبْحَانَهُ- محبة وتعظيما، سيما أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والعظمة والجلال.
الأثر السادس: الزهد في الدنيا:
إذا تيقن العبد باسم ربه (الوارث) وما فيه من إرث كل شيء؛ علم أن الدنيا وما فيها من مآكل ومشارب لذيذة، ومساكن وقصور طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وملابس فاخرة، وذهب وفضة، وخيل وإبل، وزوجات وأبناء ونحوها فانية مضمحلة، وزائلة منقضية، وستعود صعيدًا جرزًا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها، ذهبت عن أهلها، وذهبوا عنها، وبقي إرثها للوارث جل في علاه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠].
مثلها «كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله» (^١).
فإذا علم العاقل هذا، وعلم أنه سيعود لربه وحيدًا بلا مال ولا ولد ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان، لا يتبعه قليل ولا كثير إلا عمله خيره وشره (^٢)، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ لم يتعلق بالدنيا وزخرفها، ولم يغتر بنعيمها وحبورها، ولم يصحبها صحبة البهائم، ويتمتع بها تمتع السوائم، بل يجعلها منزل عبور لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، ووسيلة يتزود بها لأخرته، ومتجرًا يربح به الفوائد الفاخرة، فلا تكون هي محط نظره ومحور اهتمامه ومدار عمله وأمله، بل يظل مدركًا أن الله وارثها وأن بقاءه فيها قنطرة للآخرة، وأن الباقيات الصالحات خير ثوابًا وخير مردًّا (^٣).
الأثر السابع: الإنفاق في سبيل الوارث -﵎-:
فكل الأموال والأرزاق هي ملك لله أورثها عباده، واستخلفهم فيها، وليست ملكًا لهم، بل لولا فضل الله وإحسانه وتوريثه لم يصل إليهم منها شيء،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٧٠).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٤٩)، تفسير السعدي (ص: ٥٠٠).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤، ٤٧٠، ٥١٦).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
فلا معنى لمنع فضل الله وإحسانه والبخل بإنفاقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] ثم إن هذا الإحسان من الله -﷿- بالمال موجب للإحسان إلى خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قول الناصحين لقارون: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
ولا معنى- أيضًا- للبخل بشيء زائل منتقل عنه إلى غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، فلا يبقى له منه إلا ما أنفقه في سبيل الله، كما جاء في الحديث عن مطرف، عن أبيه أنه أتى النبي -ﷺ- وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى (^٢)، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٨).
(٢) قال النووي -﵀-: «ومعناها: ادخره لآخرته، أي: ادخر ثوابه». شرح النووي على مسلم (١٨/ ٩٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
ثم إن وجوده بين يديه غنيمة وفرصة للبذل والعطاء، قبل أن ينتقل من يده ويصير إلى غيره، ويحال بينه وبين الإنفاق؛ فيتحسر على تفريطه، ويتمنى أن لو أنفق (^١)، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١].
الأثر الثامن: طلب الإرث الحقيقي (العلم):
الله -﷿- الوارث امتن على أمة محمد -ﷺ- بأن أورثهم الكتاب، مهيمنًا على كل كتاب، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] «هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجلُّ النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل: وراثةُ هذا الكتاب» (^٢).
ومعنى وراثة الكتاب: وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه، والكل من الأمة له نصيب من ذلك، وإن تفاوتت المراتب، وتمايزت الأحوال.
فإذا علم العبد هذا لم يرض بأن يكون نصيبه من هذا الفضل الكبير أقله وأدناه، بل سعى ليكون أكثره وأوفاه، فتجده يقبل على الكتاب تلاوة، وحفظًا، وفهمًا وتدبرًا، وعملًا، وتعليمًا ودعوة، ويقبل على العلم الذي يعين على فهمه، ومعرفة عقائده وأحكامه، وعبره وأخباره.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٥٨ - ١٥٩، ٨٣٨ - ٨٣٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٩).
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وهذا هو الإرث الحقيقي، والإرث الأعظم، إرث العلم بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-؛ لذا كان ميراث الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى عن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]، قال مجاهد -﵀-: «كان وراثته علمًا» (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَوَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ:
يَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لَا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ! قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟ قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا
_________________
(١) تفسير الطبري (١٨/ ١٤٦).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢١٢٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٦٤٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٣)، حكم الألباني: حسن، المشكاة، رقم الحديث: (٢١٢).
[ ٣ / ٢٦٦ ]
يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-» (^١).
وإن لهذا الميراث- العلم- فضائل جمة، منها على سبيل الذكر لا الحصر (^٢):
أن الله قرن شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته، كما أنه استشهد بهم على أجل مشهود، ألا وهو التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
أن الله تَعَالَى نفى التسوية بين أهل العلم وأهل الجهل، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
أن الله أمر نبيه بالاستزادة منه، ولم يأمره بالاستزادة من شيء سواه، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
أن الله وعد أهل الجنة برفعة الدرجات، قال الله تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وهذا شامل للرفعة في الدنيا والآخرة.
أن الله جعل أهله هم أهل خشيته، بل خصَّهم من بين الناس بذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٢٩).
(٢) ينظر للاستزادة: مفتاح دار السعادة، لابن القيم -﵀-؛ فقد ذكر من فضائل العلم ما يربو على مائة فضيلة.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
أن الله جعله دليلًا على إرادته بعبده خيرًا، كما جاء في الحديث: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^١)، وإنما يكون هذا إذا أراد صاحبه به العمل به لا مجرد العلم.
أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ توقيرًا وإكرامًا لما يحمله من ميراث النبوة، قال رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ» (^٢).
أن من في السموات ومن في الأرض يستغفر للعالم، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: «فإنه لما كان العالم سببًا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات، وكان سعيه مقصورًا على هذا، وكانت نجاة العباد على يديه؛ جوزي من جنس عمله، وجعل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهلكات باستغفارهم له» (^٤).
أن رسول الله -ﷺ- لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها، إلا على نعمتين: طلب العلم والعمل به، وصاحب المال الذي جعل ماله خدمة للإسلام؛ فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٦٤).
[ ٣ / ٢٦٨ ]
قال رسول الله -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^١).
أنه طريق موصل للجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^٢).
الأثر التاسع: السعي لإرث الجنة:
وعد الله الوارث -﷿- عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وإن أعظم أرض تورث جنة الخلد، قال تَعَالَى عن إرث أهل الإيمان لها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيلهج أهلها بشكر الله على إرثها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم أجرهم؛ إذ ورثوا ما قال رسول الله -ﷺ- فيه عن ربه -﷿-: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٢٤).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وقد قال ابن القيم -﵀- في وصف هذا النعيم العظيم، والإرث الكريم: «وكيف يقدرُ قدرَ دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًّا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.
فإن سألت عن أرضها وتربتها، فهي المسك والزعفران.
وإن سألت عن سقفها، فهو عرش الرحمن.
وإن سألت عن بلاطها، فهو المسك الأذفر.
وإن سألت عن حصبائها، فهو اللؤلؤ والجوهر.
وإن سألت عن بنائها، فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب.
وإن سألت عن أشجارها، فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.
وإن سألت عن ثمرها، فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وإن سألت عن ورقها، فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.
وإن سألت عن أنهارها، فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وإن سألت عن طعامهم، ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون.
وإن سألت عن شرابهم، فالتسنيم والزنجبيل والكافور.
وإن سألت عن آنيتهم، فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير.
وإن سألت عن سعة أبوابها، فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها، فإنها تستفز بالطرب من يسمعها.
وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها.
وإن سألت عن خيامها وقبابها، فالخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميلًا، من تلك الخيام.
وإن سألت عن علاليها وجواسقها، فهي غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار.
وإن سألت عن ارتفاعها، فانظر إلى الكواكب الطالع، أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار.
وإن سألت عن لباس أهلها، فهو الحرير والذهب.
وإن سألت عن فرشها، فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب.
وإن سألت عن أرائكها، فهي الأسرة عليها البشخانات، وهي: الحجال مزررة بأزرار الذهب، فما لها من فروج ولا خلال.
وان سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر.
وإن سألت عن أسنانهم، فأبناء ثلاثة وثلاثين، على صورة آدم -﵇-، أبي البشر.
وإن سألت عن سماعهم، فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.
[ ٣ / ٢٧١ ]
وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها، فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاؤوا من الجنان.
وإن سألت عن حليهم وشارتهم، فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان.
وإن سألت عن غلمانهم، فولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون.
وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم، فهن الكواعب الأتراب، اللائي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، وللدقة واللطافة ما دارت عليه الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها، إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت …
هذا وإن سألت: عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد، فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن ربكم -﵎- يستزيركم، فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعةً، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أُعِدَّت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدًا، وجمعوا هناك فلم يغادر الدَّاعي منهم أحدًا، أمر الربُّ -﵎- بكرسيه فنُصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، وجلس
[ ٣ / ٢٧٢ ]
أدناهم- وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء- على كثبان المسك، وما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا.
حتى إذا استقرَّت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟! ألم يبيِّض وجوهنا؟! ويثقِّل موازيننا؟! ويدخلنا الجنة؟! ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار -ﷻ- وتقدَّست أسماؤه، قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب -﵎- يضحك إليهم، ويقول: يا أهل الجنة، فيكون أول ما يسمعونه منه تَعَالَى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني؟ فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف لهم الرب -ﷻ- الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تَعَالَى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تَعَالَى محاضرةً، حتى أنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي، فيقول: بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلَّة الرّاجعين بالصفقة الخاسرة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥].
[ ٣ / ٢٧٣ ]
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا … مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرَى … نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ (^١)
وإن لهذا النعيم العظيم أسبابًا، ينال بها، جلَّاها الله لنا في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-، منها:
١ - طاعة الله ورسوله: قال -﵎-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]. وعن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (^٢).
٢ - التوحيد؛ فعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (^٣)، وعن أبي هريرة -﵁- «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (^٤).
_________________
(١) ينظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٨٠ - ٢٨٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٢٨٠).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤).
[ ٣ / ٢٧٤ ]
٣ - العمل الصالح، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
٤ - التقوى، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]، «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ بِهِ النَّاسُ النَّارَ؟ فَقَالَ: الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ، وَالْفَرْجُ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ النَّاسُ بِهِ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: حُسْنُ الْخُلُقِ» (^١).
٥ - المراقبة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
٦ - إقامة الصلاة، لا سيما البردين، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١]، وعن أبي موسى -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ الجَنَّةَ» أي: الفجر والعصر (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٠٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٦)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٧٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٤)، وأخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٣٥).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
٧ - النفقة في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ١٢].
٨ - الجهاد في سبيل الله: قال -﵎-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وعن أبي هريرة -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (^١).
٩ - الصبر على البلاء، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩] لا سيما الصبر على
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٨٧).
[ ٣ / ٢٧٦ ]
فقد البصر؛ فعن أنس بن مالك -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (^١) أي: عينيه، والصبر على فقد الأبناء؛ فعن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» (^٢).
١٠ - كفالة اليتيم؛ فعن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (^٣).
١١ - طاعة المرأة لزوجها ورضاه عنها، فعن عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (^٤).
١٢ - إحصاء تسعة وتسعين من أسماء الله -﷿-؛ فعن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٣).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٢١)، واللفظ له، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٠٨).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٠٤).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٨٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
قال ابن بطال -﵀-: «الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها» (^١).
١٣ - الدعاء وسؤال الله وراثتها، كما سألها أبو الأنبياء إبراهيم -﵇-، فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، وقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (^٢).
الأثر العاشر: الدعاء باسم الله الوارث:
يحسن بالعبد الذي عرف اسم ربه الوارث أن يدعوه ويتوسل إليه به؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، واقتداء بنبي الله زكريا -﵇- الذي سأل ربه الولد به، فقال كما حكى الله عنه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] لا سيما إذا تناسب مطلوبه مع هذا الاسم الكريم، كما في دعاء زكريا -﵇-؛ فقد كان يرجو وارثًا للنبوة من بعده، كما قال الله عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٣٧٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦١٤٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٩٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٤٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٦٣).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦] فناسب أن يسأله باسمه الوارث (^١).
كما يحسن بالعبد أن يسأل ربه أن يورثه ما ينفعه؛ اقتداء برسول الله -ﷺ- الذي كان من دعائه: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي، وَعَافِنِي فِي بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٢)، ومن دعائه ما رواه ابن عمر -﵁- قال: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» (^٣)، والمعنى: أبقِ السمع والبصر وسائر القوى سليمة صحيحة، نتمتع بها إلى أن نموت؛ لأن الإنسان إذا فقد بصره قبل أن يموت، يكون هو الوارث لبصره، وكذا إذا فقد سمعه قبل أن يموت أو قوته يكون هو الوارث لها؛ لأنه
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٢٥)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢١١).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٢٦٨).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فقدها، أما إذا استمتع ببصره وسمعه وقوته إلى أن مات، فهذه الجوارح هي التي ورثته، فليتأمل هذا؛ فإن فيه فائدة عظيمة.
فاللهم يا وارثَ، متِّعْنَا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا،
واجعله الوارث منا.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
الواسِعُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «والوسع والسعة: الجدة والطَّاقة، قال تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي: على قدر غناه وسعته، والهاء عوض عن الواو، وأوسع الرجل، إذا صار ذا سعة وغنًى» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(وسع) الواو والسين والعين: كلمة تدل على خلاف الضيق والعسر، يقال: وسع الشيء واتسع، والوسع: الغنى، والله الواسع أي الغني، والوسع: الجدة والطاقة، وهو ينفق على قدر وسعه، وقال تَعَالَى في السعة: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]» (^٢).
ورود اسم الله (الواسع) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) في القرآن تسع مرات، ومن وروده ما يلي:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ١٢٩٨).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٠٩).
[ ٣ / ٢٨١ ]
٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
ورود اسم الله (الواسع) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الواسع) في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الواسع) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]-: «يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال، والجود والتدبير» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «(الواسع) هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه» (^٢).
قال الحليمي -﵀-: «الكثيرة مقدوراته ومعلوماته، والمنبسط فضله ورحمته، وهذا تنزيه له من النقص والعلة واعتراف له بأنه لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء ورحمته وسعت كل شيء» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «أي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، وقيل: (واسع) بمعنى أنه يسع علمه كل شيء» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «واسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان
_________________
(١) جامع البيان، للطبري (١/ ٤٠٣).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٧٢).
(٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٨).
(٤) تفسير القرطبي (٢/ ٨٤).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم» (^١)، وقال أيضًا: «كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه» (^٢).
اقتران اسم الله (الواسع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):
تقدم بيانه في اسم الله «العليم».
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ «الواسع» باسمه سُبْحَانَهُ «الحكيم»:
تقدم بيانه في اسم الله «الحكيم».
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواسع):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواسع) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
الله -﷿- هو الواسع، واسع القدرة، وواسع الملك، وواسع العلم، وواسع المغفرة، وواسع الرحمة، وواسع الرزق، وواسع الفضل والإحسان، وواسع في شرعه وحكمه، وواسع في نعيمه للمؤمنين في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وسعته سُبْحَانَهُ لا حد لتعلقاتها؛ إذ هو الواسع المطلق -ﷻ-.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٢٠٧).
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وبيان سعته فيما سبق يتضح من خلال ما يلي:
- سعة قدرة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في قدرته، قدرته التي شملت كل شيء، فلا يقف أمامها شيء، ومن ثم لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
ومن تأمَّل في عظم خلق الله علم قدرته، ومن ذلك خلقه للملائكة، وفي الحديث: أن النبي -ﷺ- أخبر عن جبريل -﵇- أن له ستمائة جناح؛ يقول -ﷺ-: «الرُّوحُ الأَمِينُ جِبْرِيلُ -﵇- لَهُ سِتمائِةُ جَنَاحٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، قَدْ نَشَرَهَا مِثْلَ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ» (^١).
وعن عائشة -﵂-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ -﵇- مهبطًا، قَدْ مَلَأ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ، عَلَيْهِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقٌ بِهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ» (^٢).
- سعة ملك الواسع:
الله تَعَالَى واسع في ملكه وعظم سلطانه، فلا يخرج شيء عنه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨]، ومن دلائل ذلك، قوله تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٨٠١).
(٢) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٧٦٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٤٨٥).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
«وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تَعَالَى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، قال رسول الله -ﷺ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ» (^١).
«وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فُحولُ الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب» (^٢).
- سعة علم الواسع:
الله تَعَالَى واسع في علمه، شامل محيط لا يندُّ عنه شيء في الزمان ولا المكان، ولا الأرض ولا السماء، ولا البر ولا البحر، فسواء عنده ما كان في جوف الأرض أو طباق الجو، لا يخفاه علم حي أو ميت، يابس أو رطب، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٥٦٩). حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٠٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١١٠).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
- سعة مغفرة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في مغفرته وعفوه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] «فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة» (^١)، وسعت مغفرته ذنوب العباد، فمهما عظمت فإن عفو الله ومغفرته أوسع وأعظم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
- سعة رحمة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في رحمته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال حملة العرش في دعائهم لربهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] «من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦] المعاصي، صغارها وكبارها …» (^٢).
- سعة رزق الواسع:
الله وسع الخلائق برحمته- كما تقدم- التي كان من آثارها: سعة الخلائق بالرزق، فتكفل الله سُبْحَانَهُ بأرزاق الخلائق، صغيرهم وكبيرهم، بحريهم وبريهم، جليلهم وحقيرهم، فلا يخرج أحد عن رزقه كائنًا من كان، قال تَعَالَى:
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٢١).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٣٠٥).
[ ٣ / ٢٨٦ ]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (^١)، ويقول تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
- سعة فضل الواسع وإحسانه:
الله تَعَالَى واسع الفضل، وسع الخلائق بفضله وجوده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [يونس: ٦٠]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وليس لهذا الفضل والجود والكرم والإحسان حد ولا غاية، فلا يحد بطريق معين، بل ولا بطرق معينة، فأسباب فضله وأبواب إحسانه لا نهاية لها، فلا يزال كريما محسنًا متفضلًا على عباده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
- سعة شريعة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في تشريعه وحكمه، فالشريعة التي أنزلها الله واسعة كافية كاملة، تفي بكل حاجات العباد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄-، «قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه -ﷺ- والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا» (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٥).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
ومن مظاهر سعتها: أن الله وسع فيها على عباده، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم وطاقتهم، جعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حرج يسرًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥].
ووجه ذلك: أنه سُبْحَانَهُ ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تَعَالَى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانًا، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وتصلى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال -﵊-: «إِنَّمَا بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (^١)، وقال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ …» (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٧٢٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧١٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٩٢٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، تفسير السعدي (ص: ١٢٠، ٥٤٧).
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وهذه التوسعة من الله على عباده في دينهم؛ تدعوهم إلى فهم الدين فهمًا صحيحًا لا غلو فيه ولا جفاء، بل الوسطية التي أرادها الله من هذه الأمة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (^١).
وهذه التوسعة أيضًا تورث في النفوس اغتباطًا وفرحًا بالشريعة التي وفقه الله وهداه للإيمان بها، فيسعى للثبات عليها، والدعوة إليها، والجهاد في سبيل نشرها وإيصالها للمحرومين.
- سعة نعيم الواسع في الأخرة:
الله واسع فيما أعد لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، كما قال تَعَالَى على لسان رسوله: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢) (^٣).
وأوضح الله لنا سعة ما فيها من النعيم، فقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح،
_________________
(١) فيسر الشريعة لا يعني- كما يفهم بعض الناس- ترك الالتزام بالدين، وارتكاب ما حرَّم الله.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير، (٦/ ٣٦٥)، تفسير السعدي (ص: ١٨٨).
[ ٣ / ٢٨٩ ]
وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، وأشجار محدقة … ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها» (^١).
وما ذكر من سعة الواسع -﷿- إنما هو غيض من فيضه الواسع سُبْحَانَهُ، وما يمكن لعبد مخلوق أن يكتب فيها وقد وسع كل شيء رحمة وعلمًا! فالله الواسع دائم بلا انتهاء عز شأنه وتقدست أسماؤه.
وإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة الواسع وشمولها لصفاته كلها؛ تيقن أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا به -﷿- الرب الواسع الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون (^٢).
وكما أن اسم الله (الواسع) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله «ذو الجلال والإكرام»، و«القدير»، و(الكريم)، و(الرحيم) إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة الله الواسع:
إن المسلم إذا تأمَّل هذا الاسم الجليل لله تَعَالَى، لا بد أن تأسر قلبه محبة الله، وتزداد تمكُّنًا من سويدائه.
فهو تَعَالَى واسع في رحمته، واسع في مغفرته، واسع في علمه، واسع في جميع صفاته، فلا يجد العاقل بُدًّا من حب هذا الإله الجميل الجليل جل في
_________________
(١) تفسير السعدي (٧٦٩).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص ١٢٥).
[ ٣ / ٢٩٠ ]
علاه؛ مما يثمر الإقبال على طاعته، والبحث عما يرضيه ويحبه، وهذا هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة؛ فإن المحب ساع ولا بد في إرضاء محبوبه.
الأثر الثالث: سؤال الله نعيم الجنة الواسع:
إن من آثار اسم الله «الواسع» سُبْحَانَهُ ما أعده لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخير الدنيا والآخرة وألطافها من فضله وسعته وجميع الأسباب والطرق المفضية إلى الراحات والخيرات، كلها من فضله.
تفكر في آيات الله تَعَالَى، وهو يتحدث عن النعيم الذي أعده لعباده المتقين ووسع به على أحبابه المؤمنين: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
فكل ما تشتهيهه الأنفس في جنة الله الواسع من «المشارب، والمآكل والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم إلى غير ذلك.
أما المآكل: فقد قال تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣]، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
[ ٣ / ٢٩١ ]
وأما المشارب، فقد قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦].
وقال تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨].
وقوله تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩].
وقال تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧].
وقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥].
إلى غير ذلك من الآيات.
- وأما الفرش: فانظر إلى ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، في آيات كثيرة، كقوله تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤].
وقوله تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].
وقوله تَعَالَى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٦].
والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب» (^١).
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
يقول الطاهر ابن عاشور -﵀-: «﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أي: لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي -ﷺ-: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).
فدل على أن المراد بـ «نفس» في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية.
فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال، من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات، مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات (^٢).
ويعقد لنا الشيخ السعدي -﵀- مقارنة سريعة بين الدنيا والآخرة؛ ليحث العباد إلى السعي؛ لتحصيل ما أعده الواسع لخلقه من النعيم في الآخرة:
«فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها- كما ذكر النبي -ﷺ- في الحديث الثابت عنه- أنَّ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (^٣)، ولذاتها صافية عن
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٥٠).
[ ٣ / ٢٩٣ ]
المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال الله على لسان نبيه -ﷺ-: «أَعْدَدْتُ لِعَبادي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكَّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور؛ عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه» (^٢).
الأثر الثالث: إذا أُغلق باب فتح الواسع بابًا آخر:
إذا علم العبد أن اللهتَعَالَى واسع العلم، استكان ورضي بالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، فهو تَعَالَى واسع العلم والحكمة، وعام القدرة، ونافذ المشيئة، وواسع الفضل والإحسان والرحمة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير السعدي (ص ١٨٧).
[ ٣ / ٢٩٤ ]
فلا يعلق العبد قلبه بالأسباب، بل يعلقه بمسببها، ولا يتشوش إذا انسد عنه باب منها، فإنه يعلم أن الله واسع عليم، وأن طرق فضله لا تعد ولا تحصى، وأنه إذا انغلق منها شيء انفتح غيره مما قد يكون خيرًا وأحسن للعبد عاقبة.
قالتَعَالَى مشيرًا إلى هذه الحالة التي كثير من الناس لا يوفقون لها-: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] لما كانت هذه الحال، وهي حال الفراق يغلب على كثير من الزوجات الحزن، ويكون أكبر داع لهذا الحزن ما تتوهمه من انقطاع رزقها من هذه الجهة التي تجري عليها، فوعد الله الجميع وبشَّرهم بفتح أبواب الخير لهم، وأنه سيعطيهم من واسع فضله، أما هذه فبزوجٍ هو أصلَحُ لها من المطلِّق الأوِّل، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلَّقة، أو عفَّة ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه.
وكم من عبد بهذه المثابة له سبب وجهة من الجهات التي يجري عليه الرزق، فانغلقت، ففتح الله له بابًا أو أبوابًا من الرزق والخير، وبهذا يعرف الله، ويعلم أن الأمور كلها منه، وأنه ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
فالله سُبْحَانَهُ واسع العلم بحال خلقه، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
الأثر الرابع: طلب المغفرة والرحمة من الواسع:
الله -﷾- هو الواسع، الذي وسع بمغفرته جميع عباده ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، فهو تَعَالَى: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].
فتح للعباد باب التوبة، وبث الأمل في قلوب العصاةوالمذنبين، فمهما عظم الذنب، ومهما كبر الجرم، فما على العبد إلا أن يُقبل على ربه؛ ليشمله بمغفرته ويسعه بعفوه، يقول -﷿-: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٤]، «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١)، يوفق عبده للتوبة، ويقبلها منه، كما قال -﷿- في سورة التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.
والمؤمن الراجي رحمة ربه، ويخاف أن يطرد من جواره، هو من يأخذ بأسباب المغفرة ويبحث عنها، ومن سعة مغفرة الله تَعَالَى، أنه هيأ أسبابًا كثيرة لمغفرته، حتى يسهل للعبد أن يصيبها، ومنها:
الاستغفار: واقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
فمن لازم الاستغفار؛ كان ذلك أدعى أن يغفر له الله تَعَالَى.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
الذكر: لأن ذكر الله يمحو عن القلب الغفلة، فإذا محيت الغفلة عن القلب، وكان الإنسان في حضرة ربه حاضر القلب، ولم يكن قلبه غافلًا عن جلال الله وهيبته، فإن هذا الحضور المعبَّر عنه بالذكر هو سبب من أسباب المغفرة.
قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
فعل الطاعات: قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فأخذوا بسبب من أسباب المغفرة، ثم طلبوا تلك المغفرة، فقالوا: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فما طلبوا المغفرة إلا بعد أن سمعوا وأطاعوا، أي: بعد فعلهم لطاعة الله -﵎-.
التوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فإذا تبتم أفلحتم ونجحتم وسعدتم في الدنيا والآخرة.
كلمة التوحيد.
اجتناب الكبائر، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
نسأل الله الكريم أن يسع عباده المؤمنين بفيض عطائه ورحماته،
وأن يتجاوز عنهم ويغفر لهم، إن ربنا واسع المغفرة، إنه البَرّ الرحيم.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
الأسماء التي ثيتت في السنة النبوية فقط
[ ٣ / ٢٩٩ ]