الأول والآخر -ﷻ-
أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الأول):
قال ابن فارس -﵀-: «مادة (أ ول) الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه، فالأول، هو مبتدأ الشيء، والمؤنثة الأولى، مثل أفعل وفعلى، وجمع الأولى أوليات، مثل الأخرى … قال أبو زيد: كان الجاهلية يسمون يوم الأحد الأول» (^١).
ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الآخر):
قال الجوهري -﵀-: «أخر أخرته فتأخر، واستأخر، مثل تأخر، والآخر: بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخرًا، أي: أخيرًا …» (^٢).
قال ابن فارس -﵀-: «(أخر) الهمزة والخاء والراء، أصل واحد إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم» (^٣).
_________________
(١) مقاييس اللغة (١/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) الصحاح (٢/ ١٣٧).
(٣) مقاييس اللغة (١/ ٨٨).
[ ١ / ٤٧ ]
ورود اسم الله (الأول والآخِر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الأول والآخر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي: قوله -﷿-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ورود اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية، في حديث أبي هريرة -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (^١).
معنى اسم الله (الأول والآخر) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله الأول (^٢):
أحسن التفسيرات في معناه: ما ذكره أعلم البشر بالله تَعَالَى نبينا محمد -ﷺ- في قوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ».
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣)، واللفظ للترمذي، رقم الحديث: (٣٤٠٠).
(٢) قد جرى على ألسنة كثير من المتكلمين وبعض أهل السنة- أحيانًا- تسمية (الرب) تَعَالَى (بالقديم)، والقديم ليس من أسماء الله تَعَالَى الحسنى، والتزام تسميته بـ (الأول) هو الموافق للكتاب والسنة واللغة، ويؤدي ما يؤديه (القديم) وزيادة؛ فإن (القديم) يعم كل متقدم على غيره في الزمان، وأما (الأول) فإنه يدل على التقدم المطلق على كل شيء.
[ ١ / ٤٨ ]
قال الطبري -﵀-: «هو (الأول): قبل كل شيء بغير حد» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «(الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية؛ إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «(الأول) يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويجب على العبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية؛ إذ السبب والمسبب منه تَعَالَى» (^٤).
ثانيًا: معنى اسم الله الآخر:
أحسن التفسيرات للمعنى وأكملها: ما فسره أعرف البشر بالله -﷿- محمد -ﷺ-، وذلك في قوله: «وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».
قال الطبري -﵀-: «(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية» (^٥).
قال الخطابي -﵀-: «(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٨٥).
(٢) شأن الدعاء (ص ٦٣).
(٣) مدارج السالكين ٣/ ١١٣).
(٤) شرح الأسماء الحسنى (ص ١٦٩).
(٥) تفسير الطبري (٢٧/ ٢١٥).
[ ١ / ٤٩ ]
معنى (الآخر) ما له انتهاء، كما ليس معنى (الأول) ما له ابتداء» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (^٢).
وقد نظم ابن القيم في نونيته في معنى هذين الاسمين:
هُوَ أَوَّلٌ هُو آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ … هُوَ بَاطِنٌ هِيَ أَرْبَعٌ بِوزَانِ
مَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ … شَيْءٌ تَعَالَى اللهُ ذُو السُّلْطَانِ
مَا فَوْقَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا دُونَهُ … شَيْءٌ وَذَا تَفْسِيرُ ذِي البُرْهَانِ (^٣)
اقتران اسم الله (الأول والآخر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسمي الله (الأول والآخر) باسميه (الظاهر الباطن):
لم يقترن اسم الله الأول والآخر إلا باسمه الظاهر والباطن، وذلك في موضع واحد، هو قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم -﵀- عن هذه الأسماء الأربعة: «فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته وآخريته
_________________
(١) شأن الدعاء (ص ٨٤).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ١١٣).
(٣) النونية (ص ٢٠٣).
[ ١ / ٥٠ ]
بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الأول والآخِر:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الأول والآخر) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ هو الأول والآخر، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل؛ فهو أول كل شيء وآخره، ذو الفضل والجلال والإكرام، الذي خلق وبرأ وصور في ابتداء خلقه، وأدام رزقه ومنه وكرمه وعطاءه لكل خلقه.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فأولية الله -﷿- سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته: سبقه لكل شيء، وآخريته: بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سُبْحَانَهُ: فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضى العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سُبْحَانَهُ: إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه.
وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، (ص ٢٤)، وستتأني تتمه قول ابن القيم -﵀- في الأثر الأول.
[ ١ / ٥١ ]
وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطن، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا» (^١).
الأثر الثالث: توحيد الله باسميه الأول والآخر:
توحيد الربوبية والألوهية:
«فعبوديته باسمه الأول: تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد؛ إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سُبْحَانَهُ الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده، لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ٢٤).
[ ١ / ٥٢ ]
وعبوديته باسمه الآخر: تقتضي - أيضًا- عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها؛ فإنها تعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر -﷿- تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به» (^١).
وكما أنه الأول والآخر سُبْحَانَهُ رب كل شيء، وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التى لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته، كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه، وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تَعَالَى وحده هو غايته وحده، ونهايته ومقصوده.
فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحدًا في إيجادك، فاجعله واحدًا في تألهك وعبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه، فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه؛ لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر.
وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه (الأول) (^٢)، فالكثير يؤمنون بتوحيد الربوبية وأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما الحال مع مشركي العرب وغيرهم ممن أقر بذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فهم مقرون بذلك، فلا إشكال كبير في تحقيقه.
_________________
(١) طريق الهجرتين، وباب السعادتين (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) يقصد -﵀-: أن كثيرًا من الخلق يؤمنون بتوحيد الربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما الحال مع مشركي العرب وغيرهم ممن أقر بذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فهم مقرون بذلك، فلا إشكال كبير في تحقيقه.
[ ١ / ٥٣ ]
وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر)، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سُبْحَانَهُ وبحمده (^١).
توحيد الأسماء والصفات:
وكما أن اسمي الله الأول والآخر دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله الخالق، والبارئ، والمصور، والكريم، وذو الفضل، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات ومقلب القلوب والنيات:
فعند تحقيق التوحيد في الاسم يعود الموحد بافتقاره إلى ربه، ويجعل المرجعية في فعله إلى ما اختاره لعبده الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات، ومقلب القلوب والنيات، يصرفها كيف شاء، يهدي من يشاء من عباده، ويزيده هداية على هدايته، وهذا قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
فهو المعد، وهو الممد، وكلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية.
ومن شاء أن يثبته ثبته، ولذا كان دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
_________________
(١) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٢٠).
[ ١ / ٥٤ ]
فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].
فعلى العبد أن يسأل الله الهداية، وأن يسأله الاستدامة عليها.
الأثر الرابع: محبة الأول والآخر:
إن صدق التعبد باسم الله الأول، والآخر؛ يقود إلى مطالعة منة الله ومحبته، والتبرؤ من كل سبب، فالنعم أولها من الله، ودوامها منه، وانتهاؤها إليه، فكيف يحب العبد غير ربه، أو يشقي نفسه مع خلقه، وهو مؤمن بالأول الآخر سُبْحَانَهُ!
الأثر الخامس: قِصر الأمل في الدنيا والزهد في مباحاتها والبعد عن شهواتها:
من علم أنه سُبْحَانَهُ الآخر، وأنه الدائم الحي الذي لا يموت فكل شيء ينتهي إليه، ويعود إليه، فلا يفلت أحد من قبضته ولا يدوم أحد إلا وجهه الكريم، فكل من على ظهر الأرض فان، كما قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] فالخلائق كلها مرجعها إليه سُبْحَانَهُ، ومنتهاها إليه جل في علاه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
فهو سُبْحَانَهُ الذي ينتهي إليه سير السائرين ومعارف العارفين، فكل معرفة قبل معرفته سُبْحَانَهُ فهي سلم على معرفته، وكل رتبة قبل الوصول
[ ١ / ٥٥ ]
إليه والنظر إلى وجهه الكريم فهي رتبة نازلة عند من همتهم. قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
فمثل هذا العلم يورث العبد معرفة حقيقة الدنيا، فيقصر أمله فيها؛ لعلمه أنها منقطعة، والكل عنها راحلون، وعن وراثتها زائلون، فعليه أن يجتهد للآخرة، فلا يفرح فيها بموجود، ولا يأسف منها بمفقود، فنعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا، كما قال سُبْحَانَهُ:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].
يخبر تَعَالَى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي.
قال ابن القيم -﵀-: «الغايات والنهايات كلها إليه تنتهي: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]؛ فانتهت إليه الغايات والنهايات؛ وليس له سُبْحَانَهُ
[ ١ / ٥٦ ]
غاية ولا نهاية؛ لا في وجوده، ولا في مزيد جوده؛ إذ هو (الأول) الذي ليس قبله شيء، و(الآخر) الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لحمده وعطائه؛ بل كلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية، ولهذا جاء: إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء (^١).
فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه؛ ولا لمزيده، ولا لأوصافه، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ) (^٢)» (^٣).
وقد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدًا، متعارض مع إفراد الله -﷿- بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية، وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله كالجنة والنار وما فيهما؛ فالجنة مثلًا باقية بإبقاء الله وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله -﷿- وكائنة
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٦٨).
[ ١ / ٥٧ ]
بأمره ورهن مشيئته وحكمه، فمشيئة الله حاكمة على ما يبقى وما لا يبقى.
ومِن ثَمَّ فإن السلف الصالح يعتبرون خلود الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تَعَالَى وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله -﷿- ومنها وجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، حيث البقاء صفة ذاتية لهم، كما أن الأزلية صفة ذاتية له أيضًا.
فلا بد إذًا أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية وأبديتها، ومفعولات الله الأبدية وطبيعتها، وهذا ما جاء به القرآن؛ حيث فرق بين نوعين من البقاء؛ الأول: وهو بقاء الذات بصفاتها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، والثاني: في قوله تَعَالَى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].
فالآية الأولى دلت على صفة من صفات الذات، وهى صفة الوجه، ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبتت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه؛ إذ إن الله هو الأول والآخر، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء.
الأثر السادس: الدعاء باسمي الله الأول والآخر:
عن أبي هريرة -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ
[ ١ / ٥٨ ]
شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (^١).
اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).
[ ١ / ٥٩ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والله تَعَالَى بديع السموات والارض، والبديع: المبتدع» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(بدع) الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه، لا عن مثال …» (^٢).
ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (بديع السماوات والأرض) في كتاب الله مرتين، ووروده كالتالي:
قوله -﷿-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
وقوله -﷿-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ٣١٨)
(٢) مقاييس اللغة (١/ ٢٠٩).
[ ١ / ٦٠ ]
ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية:
ورد اسم (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أنس بن مالك -﵁- قال: «كنت مع رسول الله -ﷺ- جالسًا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجِلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
معنى اسم الله (بديع السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: مبدعها، ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «(البديع) هو الذي خلق الخلق، وفطره مبدعًا له مخترعًا، لا على مثال سبق» (^٣).
قال الحليمي -﵀-: «ومعناه: المبتدع، وهو يحدث ما لم يكن مثله قط، قال الله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: مبدعهما،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٤)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٨٩٠).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ٤٦٤).
(٣) شأن الدعاء (ص ٩٦).
[ ١ / ٦١ ]
والمبدع من له إبداع» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «فالله -﷿- بديع السموات والأرض، أي: منشئها وموجدها ومبدعها، ومخترعها على غير حد ولا مثال» (^٢).
قال السعدي -﵀-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن، والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم» (^٣).
اقتران اسم الله (بديع السماوات والأرض) بأسمائه الحسنى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله بديع السماوات والأرض بالأسماء الأخرى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله بديع السماوات والأرض:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (بديع السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو البديع الذي لا مثيل له ولا شبيه، لا في ذاته، ولا في صفاته أو أفعاله، يقول ابن القيم -﵀-: «قال في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، فسبحان الله أنى يكون له ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد
_________________
(١) المنهاج (١/ ١٩٢).
(٢) تفسير القرطبي (٢/ ٨٦).
(٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٨).
[ ١ / ٦٢ ]
له جميعًا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة؛ وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته» (^١).
ومن تأمل في آيات الله الكونية رأى الجلال والإجلال والمهابة لهذا الإله العظيم، خالق هذا الكون على أحسن صورة.
وقد وردت آيات كثيرة تدعو إلى النظر في الكون، وما فيه من آيات باهرة عظيمة، ومنها:
- الدعوة للنظر في عجائب السماء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] ومما ورد في تفسير الآية: «أي: ولقد جملنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وجمالًا، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها» (^٢).
- الدعوة للنظر في عجائب الأرض، في قوله تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٤٦٥).
(٢) تفسير السعدي (ص ٨٧٥).
[ ١ / ٦٣ ]
مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
«فمن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته: أن جعل ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ﴾ فيها أنواع الأشجار ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها ﴿صِنْوَانٌ﴾ أي: عدة أشجار في أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع ﴿صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وأرضه واحدة ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ لونًا وطعمًا ونفعًا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مُرَّة، وهذه بين ذلك» (^١).
- الدعوة للنظر في عجائب البحار، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١].
«والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تَعَالَى جعل بينهما برزخًا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل النفع بكل منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرًّا مسخرًا للسفن والمراكب» (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (ص ٤١٢).
(٢) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).
[ ١ / ٦٤ ]
- الدعوة للنظر في عجائب الليل والنهار، يقول تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
«فمخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣ - ٧١]» (^١).
ومن المعلوم أن من ازداد تأملًا وتفكرًا في خلق الله تَعَالَى؛ ازداد إيمانًا ويقينًا بكمال قدرة البديع وجماله، وهذا يقر في نفس المؤمن توحيد الله بالألوهية والربوبية.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وانفراد الله -﷿- بالخلق والإبداع ونفوذ المشيئة، وأن الخلق أعجز من أن يعصوه بغير مشيئته، وهذا شاهد لتفرد
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٩).
[ ١ / ٦٥ ]
الله بالخلق والإبداع وأنه لا حول ولا قوة إلا به» (^١).
ولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له، كما ثبت في الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ الله وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ» (^٢).
وكما أن اسم الله البديع دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله القدير، والخالق، والبارئ، والمصور، والجميل، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة بديع السماوات والأرض سُبْحَانَهُ:
من آمن بأنه سُبْحَانَهُ بديع لا مثيل له ولا شبيه، وأنه المبدع الذي فطر الخلق ابتداء من غير مثال سبق، فهو سُبْحَانَهُ خلق فأبدع في خلقه- مَن عَلِم كل هذا لزمه محبة البديع سُبْحَانَهُ ذي الصفات العلا جل شأنه.
الأثر الثالث: الدعاء باسم الله بديع السماوات والأرض:
فإن من هدي رسولنا كثرة الدعاء وصدق الطلب، ومن دلائل الدعاء باسم الله البديع: ما رواه أنس بن مالك -﵁- قال: «سمع النبي -ﷺ- رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٧٤).
[ ١ / ٦٦ ]
النبي -ﷺ-: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللهَ؟ قال فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أن تغفر لنا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٦٧ ]
البَصِيْرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «البصر: حاسة الرؤية، وأبصرت الشئ: رأيته» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(بصر) الباء والصاد والراء أصلان، أحدهما: العلم بالشيء؛ يقال: هو بصير به، … وأصل ذلك كله: وضوح الشيء، ويقال: رأيته لمحًا باصرًا، أي: ناظرًا بتحديق شديد، ويقال: بصرت بالشيء إذا صرت به بصيرًا عالمًا، وأبصرته إذا رأيته، وأما الأصل الآخر: فبصر الشيء غلظه» (^٢).
ورود اسم الله (البصير) في القرآن الكريم:
ورد اسم (البصير) اثنتين وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ١٥٣)
(٢) مقاييس اللغة (١/ ٢٩٣).
[ ١ / ٦٨ ]
ورود اسم الله (البصير) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (البصير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي -ﷺ- أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (^١).
معنى اسم (البصير) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «يعني- جل ثناؤه- بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر» (^٢).
قال ابن كثير -﵀-: «﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]: أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «(البصير) الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع، وأيضًا سميع بصير
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٨٤).
(٢) تفسير الطبري (١/ ٣٤١).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٤).
[ ١ / ٦٩ ]
بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّـ … ـوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصَّوَّانِ
وَيَرَى مَجَارِي القُوتِ فِي أَعْضَائِهَا … وَيَرَى نِيَاطَ عُرُوقِهَا بِعيَانِ
وَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُونِ بِلَحْظِهَا … وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (البصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):
ورد هذا الاقتران في كتاب الله -﷿- في إحدى عشرة آية، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
وجه الاقتران:
يمكن أن يقال: «إن اسمي (السميع والبصير) يشيران إلى اتصاف الله سُبْحَانَهُ بكمال السمع والبصر، وإحاطتهما ونفاذهما، فكل منهما صفة كمال له -﷿-، ويستفاد من اجتماعهما صفة كمال ثالثة، كما هو الشأن في الصفات
_________________
(١) تفسير السعدي (٥/ ٢٩٩).
(٢) النونية (ص ٢٠٤).
[ ١ / ٧٠ ]
المقترنة.
ويمكن اعتبار هاتين الصفتين مجتمعتين دالتين على تنزيهه تَعَالَى عن مشابهة المخلوقين، فإن لهم سمعًا وبصرًا لا كسمعه وبصره -﷿-، فضلًا عما يوحي به اقتران الصفتين من إحكام الرقابة على الأقوال والأفعال، والإحاطة التامة للمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منهم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، بل هم تحت سمعه وبصره.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):
ورد هذا الاقتران خمس مرات في كتاب الله -﷿-، من ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
وجه الاقتران:
اقتران (الخبير) مع (البصير) يفيد شمول علم الله تَعَالَى للبواطن والحقائق، وكذلك للذوات والمشاهدات والمبصرات.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البصير):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البصير) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
من كمال الله تَعَالَى وجلاله: سعة بصره وعلمه، «فهو سُبْحَانَهُ من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته ولطفه، وخبرته بالغيب والشهادة، والحاضر والغائب، يرى خائنات الأعين وتقلبات
[ ١ / ٧١ ]
الأجفان، وحركات الجنان» (^١)، فهو سُبْحَانَهُ القائل: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨].
ومظاهر إبصار الله لعباده كثيرة، يمكن تقسيمها بالتالي:
أولًا: مايتعلق باثبات بصر لله سُبْحَانَهُ، كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن مظاهر ذلك:
أن الله سُبْحَانَهُ يبصر كل شيء، وإن دق وإن صغر، يقول تَعَالَى مثنيًا على نفسه بعظم وكمال سمعه وبصره: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦].
يقول الطبري -﵀- في تفسيره: «وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء» (^٢).
فهو سُبْحَانَهُ يبصر ماتحت الأراضي السبع، كما يبصر مافوق السموات السبع، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء، ولا في الدنيا ولا الآخرة، لا تخالطه الظنون ولا تغيره الحوادث والسنون، لا تواري عنه سماء سماءه، ولا أرض أرضه، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قاعه، يبصر كل شيء ويعلمه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، مطلع على أعمال الناس وخباياهم.
_________________
(١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).
(٢) تفسير الطبري (١٥/ ٢٣٣).
[ ١ / ٧٢ ]
«فأحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك» (^١).
ولله در القائل:
يَا مَنْ يَرَى صَفَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا … فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا … وَالمُخَّ مِنْ تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا … مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ (^٢)
ثانيًا: ما يتعلق بإثبات بصر البصيرة بالأشياء، فهو سُبْحَانَهُ الخبير بها، فيكون متعلقها العلم، ومن مظاهر ذلك:
- أن الله بصير بمن آمن من عباده ومن كفر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].
- والله بصير بما يصلح أحوال خلقه من الغنى والمال، ومن يفسده
_________________
(١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).
(٢) ربيع الأبرار، الزمخشري (١/ ١٠).
[ ١ / ٧٣ ]
ذلك، فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١).
- والله بصير بما يسر عباده وما يخفونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
يقول السعدي -﵀- في معنى السر: «الكلام الخفي ﴿وَأَخْفَى﴾ من السر الذي في القلب ولم ينطق به، أو السر ما خطر على القلب ﴿وَأَخْفَى﴾ ما لم يخطر، يعلم تَعَالَى أنه يخطر في وقته وعلى صفته، المعنى: أن علمه تَعَالَى محيط بجميع الأشياء دقيقها وجليلها خفيها وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء بالنسبة لعلمه تَعَالَى» (^٢).
- والله بصير بذنوب عباده، السر منها والعلن، ماظهر منها وما بطن، وسيجازيهم عليها سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] (^٣).
الأثر الثاني: توحيد الله باسمه البصير:
إن إيمان العبد بأن الله سُبْحَانَهُ البصير كما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، يجعله يحقق التوحيد الخالص لله، فلا معبود كمل بصره وعلمه، فاستحق العبادة وحده إلا الله.
_________________
(١) وسيأتي مزيد بيان في الأثر الرابع.
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٢).
(٣) وسيأتي مزيد بيان في الآثار المسلكية اللاحقة.
[ ١ / ٧٤ ]
يقول السعدي -﵀- في إثبات أنواع التوحيد للبصير سُبْحَانَهُ: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ «أي: ليس يشبهه تَعَالَى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تَعَالَى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه، … وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله تَعَالَى: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعلى المعطلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).
ولذا قال سُبْحَانَهُ موبخًا الكفار ومسفهًا عقولهم؛ لعبادتهم الأصنام، التي هي من الحجارة الجامدة، لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧، ١٩٨].
وأنكر إبراهيم -﵇- على أبيه عبادته ما لا يبصر ولا يسمع، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٥٤).
[ ١ / ٧٥ ]
الأثر الثالث: مراقبة الله تعالى، والحياء منه:
إن لهذا الاسم مقتضياته من الذل والخضوع ودوام المراقبة، والإحسان والإخلاص في العبادة، والبعد عن الذنوب.
فمن علم أن ربه مطلع على سائر عمله، واستدام هذا العلم في قلبه؛ استحى أن يراه على معصية أو على ما لا يحب، وصار أكثر مراقبة لله تَعَالَى، فاستقام سلوكه وسمت روحه، وراقب الله في سره وعلانيته.
ومن تأمل الآيات الواردة في القرآن والمختومة بهذا الاسم؛ أدرك تمامًا كمال هذا الاسم وهيبته، ومن ذلك ما يلي:
إبصار الله تَعَالَى لخفايا الخلق، ومعرفته بأزكاهم، وأحقهم للاصطفاء، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٥ - ٧٦].
إبصار الله تَعَالَى لما يحصل في خفايا الليل والنهار، فيرى دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].
إبصار الله تَعَالَى لما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون، وأحقيته بالعبادة دون سواه.
إبصار الله تَعَالَى لحال عباده بعد أمرهم بالاستقامة، ومدى التزامهم بالأمر، يقول تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
[ ١ / ٧٦ ]
إبصار الله تَعَالَى بالملحدين في آياته، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
إبصار الله تَعَالَى بالمجادلين في آياته، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].
إبصار الله تَعَالَى لنية العامل ومقصده، ومجازاته وفقًا لذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
إبصار الله تَعَالَى لأعمال عباده، وعلمه وحفظه لكل خير يقدمونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].
إبصار الله تَعَالَى لمصارف أموال عباده، وأدائهم للحقوق، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ويقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
[ ١ / ٧٧ ]
إبصار الله تَعَالَى وشهادته بأحوال عباده وما يدور بينهم، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
وعليه فمن استشعر كمال إبصار الله له واطلاعه على أعماله؛ سلم حتى من معاصي الخلوات، التي حذر منها النبي -ﷺ- أصحابه، فعن ثوبان -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا الله -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (^١).
وكلما استيقن العبد رؤية البصير سُبْحَانَهُ لعمله ظاهره وباطنه، أورثه ذلك مزيد عناية في عبادته حتى يصل لمرتبة الإحسان، التي قال عنها النبي -ﷺ- في تعريفها: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٢).
قال النووي -﵀-: «هذا من جوامع الكلم التي أوتيها -ﷺ-؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه، لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٠٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم، (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٧٨ ]
ولهذا نجد من تحقق في قلبه الإخلاص، وفهم قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، زال من قلبه محبة أن يرى الناس عمله، ويثنون عليه، وهذا الفرق بين المخلص والمرائي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤ - ٢٦٥].
الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ بصير بما يصلح عباده، وينفعهم.
فالله سُبْحَانَهُ بصير بأحوال عباده في أمور دنياهم قبل أخراهم، فكثير من العباد لا يصلح حاله إلا إذا كان فقيرًا، ولو اغتنى لفسد، فلطَف الله به من حيث لا يشعر، وكذا من كان عقيمًا، فلعل الذرية في مثل حاله تجعله يطغى، فلطَف به البصير من حيث لا يعلم، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
وهو البصيرسُبْحَانَهُ بمن يصلح للهداية ممن لا يصلح لها: يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].
[ ١ / ٧٩ ]
وهو البصير سُبْحَانَهُ بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].
وهذا يجعل العبد يلحظ نفسه، فإن رأى توفيقًا للطاعة وتيسيرًا لأسبابها، حمد الله؛ لأنه علم أن ربه قد زكاه، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، ومن رأى أن نفسه تميل عن الطاعة للمعصية، جاهد في إصلاحها؛ لأن هذا دليل على أن الطاعة منزلة لا يستحقها، يقول -﷿-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
الأثر الخامس: الاطمئنان والثقة بمعية الله وكمال علمه:
من آمن بأن الله بصير؛ امتلأ قلبه طمأنينة، وصبرًا واحتسابًا، وصدق توكله على ربه؛ لأن البصير سُبْحَانَهُ يعلم ويرى ما يقع فيه العباد من كربات ومصائب، ومواجهات مع شياطين الجن والإنس، ومن شواهد ذلك:
قوله تَعَالَى - في تطمين موسى وأخيه هارون، عندما أرسلهما إلى فرعون، فخافا من أذيته-: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦]، وقوله أيضًا: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
[ ١ / ٨٠ ]
وعندما يطمئن العبد ويثق بربه يصل لمنزلة السكينة، وهي المنزلة التي قال ابن القيم -﵀- في وصفها: «هذه المنزلة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب، … وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه، من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات، ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس» (^١).
الأثر السادس: محبة البصير سُبْحَانَهُ:
من آمن بأن ربه سُبْحَانَهُ يبصر أعماله، وأحواله، ويرى ضعفه وعجزه وحاجته، ويعلم جميع أمره؛ أحبه سُبْحَانَهُ، ووثق بنصره ومعيته -ﷻ-.
الأثر السابع: أمر البصير سُبْحَانَهُ لعباده بغض البصر:
فمن عظيم نعم الله تَعَالَى علينا نعمة البصر، وبها امتن الله تَعَالَى على خلقه في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]، وأمر سُبْحَانَهُ نبيه -ﷺ- أن يأمر المؤمنين
_________________
(١) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٥٠٣).
[ ١ / ٨١ ]
بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، والمراد بـ ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، … قال قتادة -﵀-: «خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله» (^١)، قال الضحاك -﵀-: «هو قول الإنسان: ما رأيت- وقد رأى-، ورأيت- وما رأى» (^٢)، … أما ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الضمائر، وتسره من معاصي الله، والله يقضي بالحق فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر (^٣).
ولابن القيم -﵀- كلام متين في تسلسل معاصي النظر: من نظرة، لخطرة، للفظة، لخطوة، فيقول في مختصر كلامه:
إن من حفظ اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات: أن يكون العبد بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، فأكثر المعاصي تدخل منها، فاللحظات هي رائدة الشهوات، وحفظها: أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، وقد قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده، وفيه يقول الشاعر:
كُلُّ الحَوَادِثِ مبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ … وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا … كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ القَوْسِ والوَتَرِ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٠٤).
(٢) تفسير الماوردي (٥/ ١٥٠).
(٣) فتح القدير، الشوكاني (٤/ ٥٥٧).
[ ١ / ٨٢ ]
وَالعَبْدُ مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ … فِي أَعْيُنِ العِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ … لَا مَرْحَبًا بِسُرورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ (^١)
ولقد عني السلف الصالح بغض البصر عناية عظيمة، ومن ذلك قولهم: «من حفظ بصره؛ أورثه الله نورًا في بصيرته» (^٢)، وكان سفيان -﵀- إذا خرج في يوم العيد قال: «إن أول ما نبدأ به اليوم غض أبصارنا» (^٣)، وقال ابن مسعود -﵁-: «الإثم حواز القلوب (يحز في القلوب)، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع» (^٤).
وكان الربيع بن خثيم يغض بصره، فمر به نسوة، فأطرق (أي: أمال رأسه إلى صدره) فظن النسوة أنه أعمى، وتعوذن بالله من العمى (^٥).
ومن الوسائل المعينة على غض البصر:
استحضار اطلاع الله، ومراقبته، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
الاستعانة بالله والانطراح بين يديه ودعائه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
_________________
(١) انظر: الداء والدواء (١/ ٣٧٠ - ٣٧٦)
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٣).
(٣) الورع، لابن أبي الدنيا (ص ٦٦).
(٤) أخرجه هناد بن السري في الزهد (٢/ ٤٦٥).
(٥) ذم الهوى، لابن الجوزي (ص ٩١).
[ ١ / ٨٣ ]
مجاهدة النفس وتعويدها على غض البصر والصبر على ذلك، والبعد عن اليأس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يقول -ﷺ- «… وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ» (^١).
القيام بحقوق الأماكن العامة، كالأسواق والطرقات من غض البصر، وكف الأذى، يقول -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (^٢).
الإكثار من نوافل العبادات، فإن الإكثار منها مع المحافظة على القيام بالفرائض، سبب في حفظ جوارح العبد، قال الله تَعَالَى في الحديث القدسي «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^٣).
تذكر شهادة الأرض التي تمارس عليها المعصية، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٠٢).
[ ١ / ٨٤ ]
تذكر الملائكة الذين يحصون عليك أعمالك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
أداء الواجبات كما أمر الله، ومنها: الصلاة قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الزواج، وهو من أنفع العلاج، قال -ﷺ-: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^١).
وتجدر الإشارة في نهاية هذا الأثر إلى بيان أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد رفعهم الله عن خائنة الأعين، وجعل هذا من صفات النبوة، فعن سعد -﵁-، قال: «لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول الله -ﷺ- بايِع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٨٣)، والنسائي، رقم الحديث: (٣٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٧٢٣).
[ ١ / ٨٥ ]
الأثر الثامن: نعمة البصيرة هي أعظم نعم البصير سُبْحَانَهُ:
إن أعظم نعمة ينعم بها البصير على عبده حين يرزقه نور البصيرة، وهناك فرق بين البصر والبصيرة: فالبصر يدرك ظواهر الأشياء، بينما البصيرة هي نور في القلب، وهي للقلوب كالضياء للبصر، يفرق به صاحبها بين الحق والباطل، لا تختلط عليه الأمور ولا تتشابه، يعرف الحق فيتبعه، ويعرف الباطل ويفر منه.
ويقول ابن القيم -﵀- في معنى البصيرة: «البصيرة هي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطم بعضها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين.
فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به، وقال بعضهم: البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان» (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٢٣).
[ ١ / ٨٦ ]
فعندما نتحدث عن نعمة البصيرة نتحدث عن أناس كثر حرمهم الله نور البصر، ولكنه فتح لهم نور البصيرة، وهو الأهم والأنفع، يقول تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فكم من بصير يرى وينظر، ولكنه لم يبصر طريق الهداية والصلاح، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، ولا يعرف معروفًا أو ينكر منكرًا، وهذا- والعياذ بالله- يفقد بصره في الدنيا، كما فقده في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، ويقول سُبْحَانَهُ عن حال من عميت بصيرته يوم القيامة: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦].
ولذا كانت أعظم نعمة يعطيها الله للعبد نور البصيرة ورؤية الحق واتباعه، ورؤية الباطل واجتنابه.
وهو ما يمثله قصة يوسف -﵇- مع امرأة العزيز، وكانت ذات منصب وجمال، وهي التي دعته وغلقت الأبواب، ولكن ماذا فعل؟ يقول تَعَالَى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٤].
وقد ذكر ابن القيم -﵀- ثلاث درجات للبصيرة، من استكملها فقد استكمل البصيرة، وهي: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد.
[ ١ / ٨٧ ]
يقول ابن القيم -﵀-: «فالبصيرة في الأسماء والصفات: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر.
أما المرتبة الثانية من البصيرة: البصيرة في الأمر والنهي، وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى، فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص، وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيره.
أما المرتبة الثالثة من البصيرة: البصيرة في الوعد والوعيد، وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته؛ فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته، بل شك في وجوده؛ فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملًا وتركها سدًى، تَعَالَى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا، فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية» (^١).
الأثر التاسع: الدعاء باسم الله البصير:
الدعاء باسم الله (البصير) من الأدعية التي تؤمن الخائف ممن يخيفه، وتقي المظلوم من ظالمه، وهو دعاء مؤمن آل فرعون، يقول تَعَالَى على
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٢٦).
[ ١ / ٨٨ ]
لسانه: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٤].
ودعاء موسى -﵇-؛ يقول تَعَالَى على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦]، أحسَن في الدعاء، فأناله الله تَعَالَى ما سأل.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واستعمل جوارحنا في طاعتك، يا سميع يا بصير.
[ ١ / ٨٩ ]
التَوَّابُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «التوبة: الرجوع من الذنب، وفى الحديث: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) (^١)، … وتاب إلى الله توبة ومتابًا، وقد تاب الله عليه: وفقه لها» (^٢).
قال ابن فارس -﵀-: «التاء والواو والباء، كلمة واحدة تدل على الرجوع، يقال: تاب من ذنبه، أي: رجع عنه، يتوب إلى الله توبةً ومتابًا، فهو تائب، والتوب: التوبة، قال الله تَعَالَى: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]» (^٣).
ورود اسم الله (التَّوَّاب) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (التواب) إحدى عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ٣٧].
وقوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٣٥٦٨)، وابن ماجه، رقم الحديث (٣٥٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث (٦٨٠٢).
(٢) الصحاح (١/ ١٠٥).
(٣) مقاييس اللغة (١/ ٣٥٧).
[ ١ / ٩٠ ]
وقال -﷿-: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].
ورود اسم الله (التوَّاب) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (التواب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن ابن عمر -﵄-، قال: «إن كنا لنعد لرسول الله -ﷺ- في المجلس الواحد مائة مرة: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (^١).
وعن عبد الله -﵁-، قال: «وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا» (^٢).
وعن عائشة -﵂- قالت: «صلى رسول الله -ﷺ- الضحى، ثم قال: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ»، حتى قالها مائة مرة (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٦).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٩٦٩)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٣٧٥)، حكم الألباني: «حديث عبد الله: كنا لا ندري …، فذكر نحوه» صحيح، «قول شريك: وحدثنا جامع وأتمها علينا» ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٩٦٩).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٨٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦١٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦١٩).
[ ١ / ٩١ ]
معنى اسم الله (التوَّاب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال قتادة -﵀-: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] «إن الله هو الوهابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه» (^١).
قال الطبري -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]: «إن الله- جل ثناؤه- هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه، … وتوبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه» (^٢).
قال الزجاج -﵀- في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]: «يقبل رجوع عبده إليه، ومن هذا قيل: التوبة كأنه رجوع إلى الطاعة، وترك المعصية» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «هو الذي يتوب على عبده، ويقبل توبته كلما تكررت التوبة، تكرر القبول، … ومعنى التوبة: عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية» (^٤).
قال الحَليمي -﵀-: «التواب هو المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى رحمته، وندم على معصيته، ولا يحبط بما قدم من خير، ولا
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).
(٢) تفسير الطبري (١/ ١٩٥).
(٣) تفسير أسماء الله (ص ٦٢).
(٤) شأن الدعاء (ص ٩٠).
[ ١ / ٩٢ ]
يمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبة ثانية منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضل في التوبة والكرم أولًا وآخرًا لا إله إلا هو» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى الله توبة نصوحًا؛ تاب الله عليه، فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم» (^٣).
- قال ابن القيم في نونيته:
وَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ … وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
إِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَبُولِهَا … بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ (^٤)
اقتران اسم الله (التوّاب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (التوّاب) باسم الله الرحيم:
جاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الرحيم، في تسعة مواضع من كتاب الله، ومنها: قول الله -﷿-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ٣٧].
_________________
(١) المنهاج (١/ ٢٠٦).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٩١).
(٣) تفسير السعدي (١/ ٩٤٦).
(٤) النونية (١/ ٢٠٩).
[ ١ / ٩٣ ]
وجه الاقتران:
قرن الله -﷿- التواب بالرحيم؛ لحكم جليلة، منها:
أن الرحيم يدل على تفضله -﷿- على عبده- مع التوبة- بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سببه رحمة الله لعبده.
أن في الجمع بينهما وعدًا بليغًا للتائب بالإحسان مع العفو والغفران.
يقول ابن جرير -﵀-: «قال قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، (الرحيم) بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه» (^١).
ثانيًا: اقتران اسم الله التواب باسم الله الحكيم:
جاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الحكيم في موضع واحد، وهو قوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].
وجه الاقتران:
قرن الله -﷿- اسم التواب بالحكيم في هذه الآية، حيث جاء بعد ذكر حد الزنا، وحد قذف المحصنات وأحكام الملاعنة، وفي مناسبة ختمها بهذين الاسمين الكريمين.
يقول ابن عاشور -﵀-: «هذا تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).
[ ١ / ٩٤ ]
من عباده، والمثبتة بكمال حكمته تَعَالَى؛ إذ وضع الشدة موضعها، والرفق موضعه، وكف بعض الناس عن بعض، فلما دخلت تلك الأحكام تحت كل هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلًا، وفي ذكر وصف (الحكيم) هنا مع وصف (تواب) إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (التوّاب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (التواب) من صفات الله تعالى:
الله -﵎- هو التواب، «قابل الدعاء بالعطاء، والاعتذار بالاغتفار، والإنابة بالإجابة، والتوبة بغفران الحوبة، وإذا تاب العبد إلى الله بسؤاله، تاب الله عليه بنواله» (^٢).
يقول ابن القيم -﵀- في لطائف أسرار التوبة: «أن يعرف- أي: العبد- عزته سُبْحَانَهُ في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته …
فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه، وتمكن شهوده منه؛ كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع الله، لا مع نفسه …
ومن شهود عزته أيضًا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد، والغناء التام، والعزة كلها لله، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم، والعيب والظلم والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره؛ ازداد شهوده لعزة
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٩/ ١٦٨).
(٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٤١٣).
[ ١ / ٩٥ ]
الله وكماله، وحمده وغناه، وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة …
ومنها: أن يعرف بره سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه: البَرُّ، وهذا البَرُّ من سيده كان عن كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته؛ فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا، بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.
ومنها: شهود حلم الله -﵎- في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفة ربه سُبْحَانَهُ باسمه الحليم، ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم، والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد، وأنفع من فوتها، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع -﷿-.
ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه، إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار، لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده،
[ ١ / ٩٦ ]
والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.
ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه، كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة.
ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه» (^١).
وبذلك يتضح تضمن اسم الله التواب لعدد كبير من أسماء الله وصفاته.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (التواب) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله (التواب) علم أن الألوهية والربوبية لا تكون إلا له سُبْحَانَهُ، «فالتوبة عبادة لله وحده شأنها شأن العبادات الأخرى: كالصلاة، والاستغاثة، والاستعانة، والاستغفار؛ لا يجوز صرفها إلا إلى الله وحده، فلا يتاب إلى نبي مرسل ولا ملك مقرب، وقد قال الله -﷿- لرسوله -ﷺ-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وعليه فلا يطلب العفو والغفران إلا منه سُبْحَانَهُ، ولا يقدر ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا هو، يقول الله -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٢٣).
[ ١ / ٩٧ ]
وقد نصب بعض رهبان النصارى وغلاة الصوفية أنفسهم شركاء لله -﷿-، فزعموا أن لديهم صلاحية غفران الذنوب والتوبة على العباد، وهذا من إفكهم وضلالهم.
وكما أن اسم الله التواب دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الغفور، والبَر، والشكور، والرحيم، والكريم، والحليم، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]:
إن إقبال العبد على ربه بالتوبة هو محض توفيق، ومنة من الباري سُبْحَانَهُ؛
وفيه يذكر ابن القيم -﵀- أن توبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من الله: سابقة ولاحقة، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابة، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فأخبر سُبْحَانَهُ أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته، فالعبد تواب والله تواب، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإمداد (^١).
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٣٣٩).
[ ١ / ٩٨ ]
قال -﵀- في نونيته:
وَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ … وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
إِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَبُولِهَا … بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ
الأثر الرابع: تأخير التوبة يحتاج لتوبة أخرى:
على العبد أن يسارع إلى التوبة النصوح عند الوقوع في المعصية مباشرة، مهما كان عظمها؛ فإن تأخير التوبة من المعصية معصية أخرى.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «إن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة، وقل أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنًا من العلم، فإنه عاص بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقه أشد، وفي مسند أبي يعلى أن النبي -ﷺ- قال: «الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، قال: قلنا: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله، أو دعي مع الله؟ قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا صِدِّيقُ، الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِقَوْلٍ يُذْهِبُ صِغَارَهُ وَكِبَارَهُ، أَوْ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، قال: تَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ، وَالشِّرْكَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطَانِي الله وَفُلَانٌ، وَالنِّدُّ أَنْ
[ ١ / ٩٩ ]
يَقُولَ الْإِنْسَانُ: لَوْلَا فُلَانٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ» (^١)، فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ولا يعلمه العبد.
وفي الصحيح عنه -ﷺ-: أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (^٢)، وفي الحديث الآخر: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في سجوده: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) (^٣)، فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه» (^٤).
الأثر الخامس: محبة التواب سُبْحَانَهُ:
حري بمن عرف اسم الله التواب، وأدرك سعه فضله، ولطفه بعباده، وتوفيقه لمن شاء إلى التوبة وتيسير أسبابها، وقبولها منهم، بل وفرحه أشد الفرح بها، كما قال النبي -ﷺ-: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ،
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى، رقم الحديث: (٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٧٧١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٣).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٢٨٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (^١)، فحري بمن عرف هذا كله أن يحب التواب الحبَّ كله، وأن تظهر آثار هذه المحبة في دينه وديناه.
الأثر السادس: وجوب التوبة لله:
فالتوبة فرض على كل مسلم ومسلمة، يقول تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
ويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «ومنزل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي؛ إيذانًا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون، جعلنا الله منهم.
وقال تَعَالَى في سورة الحجرات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، فقسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث البتة، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه، لجهله بربه وبحقه، وبعيب
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٤٧).
[ ١ / ١٠١ ]
نفسه وآفات أعماله، وفي الصحيح عنه -ﷺ- أنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّة) (^١)، وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) (^٢) مائة مرة، وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلى آخرها، إلا قال فيها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)، وصح عنه -ﷺ- أنه قال: (لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلهِ، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) (^٣)» (^٤).
وفي الملحق مزيد بيان وتفصيل عن التوبة والتائبين.
الأثر السابع: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]:
التواب سُبْحَانَهُ يأمر عباده بالتسامح فيما بينهم لمن أذنب سلفًا ثم تاب وأصلح، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
ومن المعلوم أن هذا التسامح ليس تسامحًا في الجريمة، أو رحمة
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).
(٢) سبق تخريجه (ص ٤٣).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨١٦).
(٤) مدارج السالكين (١/ ١٩٦).
[ ١ / ١٠٢ ]
بالفاحشين، ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين، وقبولهم في المجتمع، وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه، وتطهروا منه، وأصلحوا حالهم بعده، فينبغي مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة، ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها؛ مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس، واللجاج في الخطيئة، وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة.
الأثر الثامن: الدعاء باسم الله التواب:
فقد أمر الله تَعَالَى عباده المؤمنين بتطهير أنفسهم بالتوبة، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وهذا منهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومنهم ما يلي:
آدم -﵇- حين نهاه الله عن الأكل من شجرة من شجر الجنة، فعصاه بالأكل منها، يقول تَعَالَى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٠].
دعاء إبراهيم وإسماعيل -﵉- في قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ ١ / ١٠٣ ]
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].
دعاء موسى -﵇- في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
أمر النبي -ﷺ- أصحابه وأمته بالتوبة والاستغفار، ففي الحديث: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١).
فعلى المؤمن أن يكثر من الاستغفار وطلب التوبة اقتداء بنبينا -ﷺ-، وأنبياء الله ورسله.
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥٢).
[ ١ / ١٠٤ ]
«التواب يحب التوابين»
في موضوع التوبة سنتطرق لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف التوبة:
«التوبة: هي الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياءً من الله» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي، وإن كان في حق آدمي؛ فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها، وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك، تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين …» (^٢).
ثانيًا: فضائل التوبة:
للتوبة إلى الله فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
التوبة هدي الأنبياء والمرسلين، يقول تَعَالَى عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقد فسرت هذه الكلمات
_________________
(١) تفسير القرطبي (٥/ ٩١).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٠٥).
[ ١ / ١٠٥ ]
في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال عن نوح -﵇- في قصته مع ابنه في سورة هود: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقال عن إبراهيم -﵇-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال عن موسى بعد قتله النفس خطأ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنِّي لَأَتُوبُ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^١).
توبة الله على التائبين، يقول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، وأخرج البخاري -﵀- في حادثة الإفك أنه -ﷺ- قال: «فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٢).
وأخرج مسلم في حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٣)، بل من رحمته سُبْحَانَهُ وفضله أنه: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٩٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٢٤)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، رقم الحديث: (٩٢٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٦١).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٣).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).
[ ١ / ١٠٦ ]
فرحة الله بتوبة العبد، يقول ابن القيم -﵀-: «منها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خواص العباد فازدادت به معرفة لربها، ومحبة له، وطمأنينة به، وشوقًا إليه، ولهجًا بذكره، وشهودًا لبره، ولطفه، وكرمه، وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافًا على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرابُهُ، فَأَيسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ) (^١) (^٢).
محبة الله للتوابين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالطهر في حقيقته طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي، وهذا الطهور أصل لطهور الماء، وطهور الماء لا ينفع بدونه، بل هو مكمل له، معد مهيأ بحصوله، فكان أولى بالتقديم.
تبديل السيئات حسنات: وذلك من فضل الرب سُبْحَانَهُ على عباده، ورحمته بهم، فطوبى للتائب قبول الرب لتوبته، وفرحه بها، وتبديل خطاياه إلى
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥١).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٢٠٩).
[ ١ / ١٠٧ ]
حسنات، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
واختلف أهل العلم في معنى تبديل السيئات إلى حسنات، على أقوال، منها:
أنهم بدلوا مكان عمل السيئات عمل الحسنات، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- في الآية، أنه قال: «هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن السيئات، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات» (^١).
إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه فإنه لا يضر به، وينقلب حسنة في صحيفته، واستدلوا على هذا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ
_________________
(١) تفسير القاسمي (٧/ ٤٣٨).
[ ١ / ١٠٨ ]
عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (^١).
الفلاح والفوز إنما يكون بالتوبة، يقول الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، والذنوب سبب تسليط الأعادي على العبد، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه -ﷺ-: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وفي الدعاء المشهور الذي أخرجه البخاري -﵀- في الأدب المفرد: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^٢).
المتاع الحسن: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].
يقول الشيخ الشنقيطي -﵀-: «والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت، ويدل لذلك قوله تَعَالَى في هذه السورة الكريمة- يعني: سورة هود- عن نبيه
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٠).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]» (^١).
الخروج من الدرع الضيقة التي يلبسها العاصي، فإن المذنب تحيط به ذنوبه من جميع الجهات حتى تهلكه، ولا ينفك المؤمن منها إلا بالتوبة النصوح، وإبدال السيئة حسنة، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السِّيَئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الحَسَنَاتِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً، فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى، فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ» (^٢).
ثالثًا: شروط التوبة:
للتوبة شروط ثلاثة، وهي: «الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب، وقال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه، ومن ثم جاء الحديث (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أضواء البيان (٢/ ١٧٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٣٠٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٩٢).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) فتح الباري، ابن حجر (١٣/ ٤٧١).
[ ١ / ١١٠ ]
ولا بد أن تكون التوبة صادقة نصوحًا حتى يقبلها الله -﷿- وينتفع بها العبد، وقد ذكر العلماء تفصيلًا لهذه الشروط، ومن ذلك ما ذكره الراغب الأصفهاني -﵀- في المفردات، حيث يقول -﵀- تَعَالَى: «التوبة هي ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار؛ فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة» (^١).
رابعًا: تحقيق مرتبة التوبة النصوح لله تعالى:
لا بد للعبد- ليكون من التائبين- أن يستحضر عدة أمور ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:
١ - معرفة الرب سُبْحَانَهُ:
ومعرفته تَعَالَى نوعان، وهما:
الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس: البر والفاجر والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه.
ولهذه المعرفة بابان واسعان، وهما: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله -ﷺ-، والتفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط، وجماع ذلك الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها (^٢).
_________________
(١) مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني (١/ ١٤٩).
(٢) ينظر: الفوائد، لابن القيم (ص ١٧٠).
[ ١ / ١١١ ]
٢ - الاستعظام لا الاستحقار:
فالذنوب في حقيقتها استجابة لداعي الشيطان الذي تحدى سيدك ومولاك، فقال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦]، فقال الرب سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
واحتقار الذنب- بل والفرح به- دليل على شدة الرغبة فيه، والجهل بقدر من عصي، والجهل بسوء عاقبة المعصية، وعظم خطرها، فالفرح بالمعصية أشد ضررًا من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه، وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابه الذنب، وغاظه، وصعب عليه، ولذا يقول الله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
والمتأمل في قوله: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ يدرك أن الإنس تطيع شياطين الجن وتنقاد إليها، حتى صار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع والخادمين، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم، فهذا استمتاع الجن بالإنس، وأما استمتاع الإنس بالجن، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات المحرمة، ويسهلون تلك الأمور عليهم، وهذا استمتاع
[ ١ / ١١٢ ]
الإنس (^١)، والشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها، وهذه العقبات هي:
العقبة الأولى: الكفر بالله وبدينه، وإن ظفر بالإنسان في هذه العقبة؛ بردت نار عداوته واستراح.
العقبة الثانية: البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والأمور المحدثة في الدين، والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى، فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة، واعتصم منها بحقيقة المتابعة، انتقل به إلى العقبة الثالثة.
العقبة الثالثة: الكبائر، فإن ظفر به فيها زينها له، وحسنها في عينه، وسوَّف به. فترى العبد يشرب الخمر لا يبالي، ثم هو يزني، ثم هو يقتل النفس التي حرم الله وهكذا دواليك، فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها؛ طلبه على العقبة الرابعة.
العقبة الرابعة: الصغائر، فيقول له: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائر، وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها؛ فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، فمن المعلوم أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
_________________
(١) في قوله: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أقوال آخر. ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١٥٧)، الدر المنثور (٣/ ٣٥٧).
[ ١ / ١١٣ ]
أخرج الإمام أحمد في المسند، من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (^١)، فإن نجا العبد من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة؛ طلبه الشيطان على العقبة الخامسة.
العقبة الخامسة: المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات، فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة، ونور هاد، ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها، فبخل بأوقاته، وضنَّ بأنفاسه أن تذهب في غير ربح، طلبه العدو على العقبة التي تليها.
العقبة السادسة: الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا ورجاءً؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل.
العقبة السابعة: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبة أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٨٦).
(٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٦١٢ - ٢٢٦).
[ ١ / ١١٤ ]
٣ - إحكام الإغلاق:
فلشيطان مداخل على الإنسان، جماعها أربعة أبواب، لا بد من إغلاقها وتعاهدها أيضًا، فإنه متى فتح الباب؛ ولج الشيطان معه ليفسد دين المرء.
وهذه الأبواب هي: النظرة، والخطرة، واللفظة، والخطوة (^١).
٤ - مجالسة الأخيار:
فالتائب حديث عهد بتوبة، وللشهوات طغياتها، وللأهواء مغرياتها، فوجود الصاحب أمر ضروري، ليذكره إذا نسي، ويعظه إذا هم بسوء، ويعينه على طاعة ربه ومرضاته، ثم إن مجالسة الأخيار حماية للتائب من الخلوة والوقوع في أسر الخواطر، وهي ميدان للمنافسة في الخيرات، والمسابقة لصنوف الطاعات.
والصديق له تأثير كبير على صديقه؛ لكثرة مخالطته، وشدة ملازمته، وصحبته تمتد مع العبد في دنياه وآخرته، فكما أنه ليس كل بيت يصلح للسكنى، ولا كل راحلة تصلح للركوب، فكذلك أبناء آدم لا يصلح كلهم للصحبة، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» (^٢).
يقول ابن حجر -﵀-: «… فالمعنى: لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد،
_________________
(١) سبق بيانها في اسم الله البصير، فتراجع.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٤٧).
[ ١ / ١١٥ ]
وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه …» (^١).
وأخبر الرب سُبْحَانَهُ في كتابه أن الابتعادَ عن سبيل الرسول، والضلالةَ إنما يكون بسبب صحبة السوء، فيعض الظالم على يديه يوم القيامة حسرة وأسفًا، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، بل إن الرابطة بين أهل الشر تمتد حتى بعد دخول النار؛ لكن تنقلب إلى عداوة وبغضاء، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
وإذا كان ما مضى من الأدلة فيه تحذير من صحبة الأشرار؛ فإن الشرع حث على صبر النفس مع الأخيار، ونهى عن أن تعدو عين المسلم عنهم، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
ومن صحب أهل الخير علا ذكره، وارتفع شأنه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يقول الله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، فرفع الله ذكر الكلب لما صحب أهل الخير.
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٣٥).
[ ١ / ١١٦ ]
أما في الآخرة، فهم أهل الوفاء ولا غرو، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري مطولًا، وفيه أن رسول الله -ﷺ- قال: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا …» (^١).
٥ - مفارقة دواعي المعصية:
لا بد للتائب من مفارقة دواعي المعصية أيًّا كانت؛ صديقًا، أو مجلسًا، أو آلة! ذلك أن وجود التائب في مكان المعصية، يذكره بها، ويحرك في نفسه الداعي إليها، فيقع في حبال الشهوة، ويدخل أسر الشيطان بعد أن خرج منه، ولا تزال نفسه الأمارة بالسوء تراوده حتى يعصي ربه، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] يقول الشيخ السعدي في تفسيره: «ففعل موسى ذلك، فلو كان إلهًا لامتنع ممن يريده بأذى، ويسعى له بالإتلاف، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى -﵇- إتلافه وهم ينظرون على وجه لا تمكن إعادته بالحرق والسحق وذره في اليم ونسفه؛ ليزول ما في قلوبهم من حبه كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة» (^٢)، مع أن العجل كان من الحلي، إلا أن موسى لم يتردد في إزالته؛ لما في بقائه من الفتنة.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٣).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٥١٢).
[ ١ / ١١٧ ]
وكذا في دعوة يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤]، فاختار -﵊- السجن على المعصية، ولجأ إلى الله، واحتمى بحماه، وسأله أن يخلصه من أسباب المعاصي، فاستجاب له السميع العليم سُبْحَانَهُ.
ومن ذلك- أيضًا- حديث أبي سعيد، أن رسول الله -ﷺ- قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» (^١).
فالحديث يشير إلى أن هجر التائب للبيئة السيئة أمر لا بد له منه، وذلك حرصًا على التائب، وخوفًا عليه من الانحدار إلى قاع الرذيلة، بعد أن رفعه الله لقمَّة الطهر.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٦).
[ ١ / ١١٨ ]
٦ - محاسبة النفس:
فلا بد للتائب أن يعيش بين محاسبتين، محاسبة قبل توبته تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوظة بمحاسبتين، وقد دل عليها قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
[الحشر: ١٨].
فأمر سُبْحَانَهُ العبد أن ينظر ما قدم لغد، والمقصود من هذا النظر هو ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله، قال عمر بن الخطاب -﵁-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية» (^١).
٧ - التزام العمل الصالح:
فقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على العمل الصالح وقرنه بالتوبة، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقال -ﷻ-: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال أيضا: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وأمر الرب سُبْحَانَهُ خليله ومصطفاه -ﷺ- فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
يقول ابن كثير -﵀-: «أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، رقم الحديث: (٣٤٤٥٩)، حكم الألباني: موقوف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٢٠١).
[ ١ / ١١٩ ]
علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة …» (^١)، ومن المعلوم أن العمل الصالح يعين التائب على الاستمرار على توبته، وذلك لأسباب، منها:
١ - أن العمل الصالح بديل عملي لما كان يقترفه من الذنوب، وينشئ في النفس تعويضًا إيجابيًّا للإقلاع عن المعصية، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع، وقديمًا قيل: النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
٢ - من المتقرر أن المعصية تضعف القلب عن إرادة الخير، والطاعة ضدها تقوي القلب على إرادة الخير، فبالعمل الصالح تقوى إرادة الطاعات عند التائب، ويشعر بلذة المناجاة، وتصير الطاعة في قلبه هيئة راسخة، وصفة لازمة، وملكة ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت، إذا فارق الماء حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه.
يقول ابن القيم -﵀-: «ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله -﵎- برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزًّا، وتحرضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين، فتؤزه إليها أزًّا، فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه» (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٧).
(٢) الجواب الكافي (ص ٥٦).
[ ١ / ١٢٠ ]
٨ - مداومة الاستغفار:
فالذنوب والخطايا إن أحاطت بقلب أيها الإنسان سودَّته، والاستغفار أداة فعالة في تنقيته وتطهيره، فعن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ، زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]» (^١).
والعبد إذا استغفر ربه وكان صادقًا في استغفاره غفر الله تَعَالَى له، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فضلًا على أن كثرة الاستغفار تولد القوة في نفس التائب، وبذلك يصبح قوي الإرادة، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]، وإطلاق القوة في الآية: يشمل الروحية والجسمية، كذلك كثرته تفتح أبواب الرزق، وتبعد الهم والحزن، يقول تَعَالَى في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
ولذلك كان من هديه -ﷺ- كثرة الاستغفار، وهو الذي غفر له ربه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٣٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٤).
[ ١ / ١٢١ ]
لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١).
٩ - الدعاء:
فالدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، ومن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سُبْحَانَهُ يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويقول -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (^٢).
١٠ - الحذر من الشماته بالآخرين:
فكل معصية عيرت بها فهي إليك، يقول ابن القيم -﵀-: «وأيضًا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضًا- مرفوعًا: «لَا تُظْهِر الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ، فَيَرْحَمهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ» (^٣)، ويحتمل أن يريد تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثمًا من ذنبه، وأشد من معصيته؛ لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وإن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٥٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٦٨)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٥٤٢٦).
[ ١ / ١٢٢ ]
الطرف، منكسر القلب، أنفع له وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها، والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المدل من مقت الله، فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك إن تبت نائمًا وتصبح نادمًا، خير من أن تبت قائمًا وتصبح معجبًا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلًا هو فيك، فلا تشعر» (^١).
١١ - قراءة سير الصالحين:
فقد قص الله في كتابه كثيرًا من قصص الأنبياء والصالحين، وأمر بأخذ العظة والعبرة من أحوالهم، وما جرى لهم، فقال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فقراءة سير الصالحين تبعث الهمة، وتوقظ العزيمة، وتدعو العبد أن يقتدي بهم في المتاب.
«ومن أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله -ﷺ-، وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمنِّه، آمين» (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٧٧).
(٢) قاله ابن حزم في الأخلاق والسير (ص ٢٤).
[ ١ / ١٢٣ ]
١٢ - حسن الظن بالله:
لقد حث الرب سُبْحَانَهُ عباده على الرجاء وحسن الظن به وعدم اليأس من رحمته، فقال تَعَالَى في كتابه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
يقول ابن القيم -﵀-: «فمن كان رجاؤه هاديًا له إلى الطاعة، وزاجرًا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطًا فهو المغرور، ولو أن رجلًا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يبذرها ولم يحرثها، وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث وبذر وسقى وتعاهد الأرض، لعده الناس من أسفه السفهاء.
وكذلك لو حسن ظنه، وقوي رجاؤه، بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب للعلم وحرص تام عليه، وأمثال ذلك، فكذلك من حسن ظنه، وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم من غير تقرب إلى الله تَعَالَى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبالله التوفيق» (^١).
اللهم تب علينا، واغفر لنا خطايانا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنَّا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير.
_________________
(١) الجواب الكافي (ص ٤١).
[ ١ / ١٢٤ ]
الجبَّار -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الجبر: أن تغني الرجل من فقر، أو تصلح عظمه من كسر. يقال: جبرت العظم جبرًا، وجبر العظم بنفسه جبورًا، أي: انجبر» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(جبر) الجيم والباء والراء أصل واحد، وهو جنس من العظمة والعلو والاستقامة، فالجبار: الذي طال وفات اليد، يقال: فرس جبار، ونخلة جبارة، وذو الجبورة وذو الجبروت: الله جل ثناؤه» (^٢).
ورود اسم الله (الجبار) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الجبار) في حق الله مرة واحدة في القرآن، وهي:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ١٧٠).
(٢) مقاييس اللغة (١/ ٥٠١).
[ ١ / ١٢٥ ]
ورود اسم (الجبار) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الجبار) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال النبي -ﷺ-: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بَلَى، قال: تكون الأرض خبزةً واحدةً، كما قال النبي -ﷺ-، فنظر النبي -ﷺ- إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا» (^١).
وعن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- على المنبر، وهو يقول: يَأْخُذُ الجبار -﷿- سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ …» (^٢).
معنى اسم الله (الجبار) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٩٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٨).
(٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٤).
[ ١ / ١٢٦ ]
قال الشوكاني -﵀-: «الجبار جبروت الله: عظمته، والعرب تسمي الملك الجبار» (^١).
قال السعدي -﵀-: «الجبار هو بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى القهار، وبمعنى الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه» (^٢).
قال ابن عثيمين -﵀-: «الجبار له ثلاثة معان:
الأول: جبر القوة، فهو الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -﷿- وجبروته وفي يده وقبضته.
الثاني: جبر الرحمة، فإنه سُبْحَانَهُ يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها، وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.
الثالث: جبر العلو فإنه سُبْحَانَهُ فوق خلقه عال عليهم، وهو مع علوه عليهم قريب منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم (^٣).
_________________
(١) فتح القدير (٥/ ٢٠٨).
(٢) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن (٥/ ٣٠١).
(٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثمين (١/ ١٠٦).
[ ١ / ١٢٧ ]
قال ابن القيم -﵀-:
وَكَذَلِكَ الجَبَّارُ مِنْ أَوْصَافِه … وَالجَبْرُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
جَبْرُ الضَّعِيفِ وَكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدَا … ذَا كَسْرَةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ
والثَّانِي جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي … لَا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسَانِ
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهوَ العُـ … ـلُوُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قَوْلِهِمْ جَبَّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ العُلْيَـ … ـا الَّتِي فَاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ (^١)
اقتران اسم الله الجبار بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران الجبار باسمي العزيز والمتكبر:
اقرن بهما في موضع واحد، وهو قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) النونية (ص ٢٠٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم -﵀-: «فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك، والعظيم والقهار، قال ابن عباس في هذه الآية: هو العظيم وجبروت الله عظمته» (^١)، فكلها من أسماء التعظيم لله سُبْحَانَهُ.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الجبار:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجبار) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
الله تَعَالَى هو الجبار القهار العزيز العلي، الذي له العلو والعزة على خلقه، لا يدنو منه الخلق، ولا يشفعون ولا يتكلمون إلا من بعد إذنه، لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى.
وقد مدح الله بهذا الاسم نفسه، وأما في حق الخلق فهو مذموم؛ فالله سُبْحَانَهُ قهر الجبابرة وعلاهم بعظمته، فلا يجري عليه حكم حاكم فينقاد، ولا أمر آمر فيلزمه الامتثال، بل هو آمر غير مأمور، قاهر غير مقهور، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ينقسم جبروت الجبار سُبْحَانَهُ بحسب الزمان إلى قسمين: جبروت في الدنيا، وجبروت في الآخرة.
_________________
(١) شفاء العليل (ص ١٢١).
[ ١ / ١٢٩ ]
أولًا: جبروته سُبْحَانَهُ في الدنيا:
الجبار سُبْحَانَهُ قهر الظالمين، وقصم الجبابرة المعتدين، فكل من طغى وبغى، وعصى ربه وغوى، فاستحق من الجبار العقاب، يقول سُبْحَانَهُ في حال الأقوام السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وفي سورة القمر جاء تفصيل العذاب لبعضهم، فيقول تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٩ - ٢٤].
أما قهر الجبار لأعيان الجبابرة، فمن شواهد ذلك:
فرعون:
الذي طفق في قتل أبناء بني إسرائيل؛ ليحافظ على ملكه، ولكن الجبار أراد أن يتربى موسى أحد أبناء بني إسرائيل في قصره، ويكبر تحت عينه ورعايته، ويكون عدوًّا وحزنًا عليه، ويكون هلاك فرعون على يده، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا
[ ١ / ١٣٠ ]
تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٧ - ٨].
النمرود:
الذي قال عنه سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فهذا الجبار قال عنه زيد بن أسلم: «بعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه، وكان جبارًا أربعمائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، وأماته الله» (^١).
أخوة يوسف:
أرادوا رميه في الجب، ولكن الجبار أراد أن يكون عزيز مصر، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].
كفار قريش:
حين أخرجوا رسول الله -ﷺ- من مكة وهي أحب البقاع إليه، ولكن الجبار رزقه بالمدينة وأهلها، وفتح له مكة، يقول تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٦).
[ ١ / ١٣١ ]
وما زال جبروت الجبار للجبابرة يتكرر وإن اختلفت أشخاصهم وأماكنهم، والسعيد من اعتبر بغيره.
ثانيًا: جبروته تَعَالَى في الآخرة:
من تأمل في جبروت الله سُبْحَانَهُ ازدادت عظمة الله في قلبه، فالأرض كلها بجبالها وأنهارها، وبحارها وأرضها، وأشجارها وأحجارها، وبيوتها وقصورها، كلها خبزة بيد الجبار يوم القيامة!
عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ» (^١)، وفي حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله -ﷺ- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ورسول الله -ﷺ- يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر: يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ، أَنَا الجَبَّارُ، أَنَا المُتَكَبِّرُ، أَنَا المَلِكُ، أَنَا العَزِيزُ، أَنَا الكَرِيمُ، فرجف برسول الله -ﷺ- المنبر حتى قلنا: ليخرن به» (^٢).
وهذا الجبروت والقهر للكفار والمكذبين أعظم وأكبر من جبروته تَعَالَى في الدنيا، فقد توعد سُبْحَانَهُ الجبابرة بالعذاب الشديد؛ فقال: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤١٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٩٦)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، رقم الحديث: (٧٢٨).
[ ١ / ١٣٢ ]
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٦]، ولن يعرف العبد هذا حتى يعلم أن نار جهنم هي أعظم مايعذب الجبار بها أعدائه- أجارنا الله وإياكم منها-.
ومن صور العذاب بتلك النار (^١):
١ - إنضاج الجلود:
فنار الجبار -﵎- تحرق جلود أهلها، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلودًا أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، وهكذا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
٢ - الصهر:
وهو صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم، يقول تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].
٣ - اللفح:
فالنار تلفح وجوههم إهانة لهم، وتغشاها أبدًا، لا يجدون حائلًا يحول بينهم وبينها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]،
_________________
(١) انظر: اليوم الآخر، لعمر الأشقر (٣/ ٩٧ - ١٠٥).
[ ١ / ١٣٣ ]
وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦].
٤ - السحب:
فسحب الكفار على وجوههم في النار، يقول تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤].
٥ - تسويد الوجوه:
فيسود الله وجوه أهل النار، يقول تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
٦ - اطلاع النار على الأفئدة:
فالنار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم، قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٤ - ٧].
٧ - قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم:
أعد الجبار لأهل النار سلاسلًا وأغلالًا وقيودًا ومطارق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤]، والأغلال توضع في الأعناق ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣]، والأنكال: القيود، سميت أنكالًا؛ لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وأعد الله لهؤلاء
[ ١ / ١٣٤ ]
مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطيح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢].
٨ - قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار:
فقد كان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يعبدونها من دون الله، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دونه للنار؛ إهانة لعابديها وإذلالًا لهم، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وشواهد القرآن ملأى بجبروته سُبْحَانَهُ في الآخرة لمن تجبر، فعلى المرء أن يتعوذ بالله من عذابه، وأن يتقيه.
وحري بمن عرف اسم الله الجبار، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته ويستغني بجبره وقوته وعزته وكرمه وعدله عن سائر الخلق، ويسأله وحده سُبْحَانَهُ جبر الدنيا والآخرة.
كما أن اسم الله الجبار دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله القوي، والعزيز، والكبير المتكبر إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
[ ١ / ١٣٥ ]
الأثر الثاني: لا راد لأمر الله:
فالله تَعَالَى لا يقع في ملكه إلا ما يريد وما يشاء؛ فهو الجبار الذي تنفذ مشيئته جبرًا، وتظهر أحكامه قهرًا، ولا يخرج أحد عن قبضة تقديره ولا ينفذ أحد من مشيئته في تقديره وأحكامه، وليس ذلك إلا لله، ذي العزة والمنعة في القدر والقهر، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، ويقصد بالإرادة هنا: الإرادة الكونية.
ولذا لا بد من الإشارة إلى الفرق بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الشرعية الدينية باختصار، كالتالي:
١ - الإرادة الكونية:
وهي مطابقة للمشيئة، والمقصود بها: أن كل ما يحصل في هذا الكون فهو بمشيئة الله وقدره وخلقه، ومن هنا سميت بالإرادة الكونية والقدرية والخلقية، وهذه الإرادة لا يخرج عنها شيء مهما كان صغيرًا؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فهي تشمل النفع والضر، الطاعة والمعصية؛ يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، ويقول أيضًا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
٢ - الإرادة الشرعية:
وهي مطابقة للمحبة، والمقصود بها: أن كل ما يشرعه الله من الأحكام ويأمر به فهو مراد لله، بمعنى: محبوب له تَعَالَى، ويمثل دينه الذي ارتضاه،
[ ١ / ١٣٦ ]
ومن هنا سميت بالشرعية والأمرية والدينية، وهذه الإرادة قد تتحقق كحصول الإيمان من المؤمن، وقد لا تتحقق كحصول الكفر من الكافر، فالله تَعَالَى لا يريد الكفر، بمعنى: لا يحبه ولا يرضيه ذلك، ومع ذلك أوقعه بإرادته الكونية؛ قال تَعَالَى في الإرادة الشرعية: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
وعلى هذا فإن قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ الجواب: بالإرادة الكونية نعم، أراده، ولو لم يرده الله لم يقع، فالإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم، أيضًا الإرادة الكونية عامة فيما يحبه تَعَالَى وما لا يحبه، أما الشرعية فتختص فيما يحبه الله سُبْحَانَهُ فقط (^١).
فالله سُبْحَانَهُ جبر خلقه على ما شاء من أمر أو نهي، بمعنى: أنه شرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، فشرع لهم الشرائع، وأمرهم باتباعها ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار، ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل ترك لهم المشيئة في ذلك.
يقول ابن القيم -﵀-: «فالجبر معناه: القهر والقدرة، وأنه سُبْحَانَهُ قادر على أن يفعل بعبده ما شاء، وإذا شاء منه شيئًا وقع ولا بد، وإن لم يشأ لم يكن، ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه:
أحدها: أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدًا للفعل محبًّا له، والرب تَعَالَى قادر على جعل عبده كذلك.
_________________
(١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين (ص ٢٢٢).
[ ١ / ١٣٧ ]
الثاني: أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارًا يكون به ظالمًا معتديًا عليه، والرب أعدل من ذلك؛ فإنه لا يظلم أحدًا من خلقه، بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان» (^١).
فحين يستشعر العبد هذا المعنى كان عبد الله الطائع له، المتبع لما شرعه، المؤتمر بأمره، والمنتهي عن نهيه، وسلَّم لقضاء الله وقدره، متيقنًا أن ما أراده الله له هو خير لا شك في ذلك، يقول -ﷺ- في حال المؤمن: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).
الأثر الثالث: الجبار سُبْحَانَهُ جابر كل كسير:
الجبار سُبْحَانَهُ ملاذ لكل عباده، كل بحسب ضعفه وحاجته وفقره، لا ناصر غيره، ولامؤمن سواه سُبْحَانَهُ، يجبر المرض بالعافية، والفقد بالعوض، والعسر باليسر، ويجبر كل محتاج بحسب حاجته.
ومن شواهد جبر الجبار لعباده ما يلي:
جبره سُبْحَانَهُ لحرقة قلب المظلوم، وأخذ حقه ولو بعد حين، ففي الحديث يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^٣).
_________________
(١) شفاء العليل (ص ١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٣).
[ ١ / ١٣٨ ]
جبره سُبْحَانَهُ للمنكسرة قلوبهم بالفقد، وتعويضهم بالعاقبة الحسنة والثواب الجزيل إن صبروا واحتسبوا، فيقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وعن أم سلمة، زوج النبي -ﷺ-، تقول: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله -ﷺ-، فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله -ﷺ- (^١).
جبره سُبْحَانَهُ للتائبين بأن يقبل توبتهم، ويقيل عثرتهم، ويغفر زلتهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧].
جبره سُبْحَانَهُ لقلوب اليتامى حتى يهون عليهم ألم الفقد، فيقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
جبره سُبْحَانَهُ لخاطر الخدم والعمال، بأن فرض لهم حقوقًا، فقال النبي -ﷺ- في الأرقاء: «أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١٨).
[ ١ / ١٣٩ ]
تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، فَإِنْ جَاءُوا بِذَنْبٍ لَا تُرِيدُونَ أَنْ تَغْفِرُوهُ فَبِيعُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَذِّبُوهُمْ» (^١).
ومن آمن بكل ما تقدم علم أن الجبار -ﷻ- يدعوك كل ليلة ليجبرك، ويقضي حاجتك، ويعطيك مرادك، ففي الحديث يقول -ﷺ-: «يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يُمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ» (^٢).
الأثر الرابع: محبة الجبار سُبْحَانَهُ:
من آمن بأنه سُبْحَانَهُ الجبار القوي الذي لا يغلبه أحد، والجبار الذي يجبر الضعيف بالغنى، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها، والجبار العالي على خلقه، القريب منهم، يجيب دعاءهم، ويعلم حالهم- من آمن بهذه المعاني العظيمة استقرت محبة الله في قلبه، وقوي رجاؤه به -ﷻ-.
الأثر الخامس: الجبروت صفة لله وحده:
إن العبد إذا علم أن الجبروت صفة لله وحده؛ أدرك ضعفه وعجزه وخاف ربه، ففي الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ -﷿-: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٤٠٩)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٣٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٩٠٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٥٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٣٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٣١١).
[ ١ / ١٤٠ ]
ولذا أنكرت الرسل على أقوامهم صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق، كما قال سُبْحَانَهُ حكاية عن هود -﵇-: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣٠ - ١٤٠]، ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم، فهلكوا أجمعين؛ قال تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩].
وحذر النبي -ﷺ- أيضًا- من العذاب العظيم الذي يلحق كل من تجبر وتكبر، فقال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (^١)، وفي الحديث الآخر: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (^٢).
بل أخبر -ﷺ- عن محاورة الجنة والنار في شأن الجبابرة المتكبرين، ففي الحديث: «احْتَجَّتِ النَّارُ، وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ، وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللهُ -﷿- لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٦٧٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٠٤٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٤٣٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥٧٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥١٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٦).
[ ١ / ١٤١ ]
فحري بالمؤمن بعد هذه الأدلة أن يتواضع لخلق الله ويساعدهم، ويقتدي بنبيه -ﷺ- فقد كان أشد الناس تواضعًا، خافضًا لجناحه، رحيمًا بأصحابه، كان يركب الحمار، ويتفقد خادمة المسجد، بل وقصد قبرها فصلى عليها، وكان يباشر الفقراء والمساكين، ويخالط الأعراب لأجل تعليمهم وإرشادهم، ويسلم على الصبيان ويلاطفهم، وكان متواضعًا في طعامه وهيئته ومسكنه، يأكل على الأرض ويفترش الحصير، ويتوسد الرمل، ليس له حاجب يمنع الناس عنه، وكان -ﷺ- يقول: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَّي وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ، والمُتَشَدِّقُونَ، والمُتَفَيْهِقُونَ، قالوا: يارسول الله ما المتفيهقون؟ قال: المُتَكَبِّرُونَ» (^١)، ومن وصايا سلمان -﵁-: «تواضع لله؛ فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة» (^٢).
وقد كان السلف الصالح يجاهدون أنفسهم لنزع الكبر والتعالي من قلوبهم منذ البداية، لأنهم يعلمون أنه إن تمكن من قلوبهم وطبع عليها فإنها ستصبح لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا؛ بدلالة قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
فمما روي من حالهم: ما رواه عروة بن الزبير عن عمر بن الخطاب، فقال: «رأيت عمر بن الخطاب -﵁- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، رقم الحديث: (٥٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في البعث والنشور، رقم الحديث: (٢٨٨)، حكم الألباني: صحيح لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٧٣٣).
[ ١ / ١٤٢ ]
المؤمنين، ألا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين القبائل بأمرائها وعظمائها دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٢).
اللهم يا جبار اجبر كسرنا، وآمن خوفنا، وأعذنا من التجبر والكبر.
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣١٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).
[ ١ / ١٤٣ ]
الحقُّ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الحق: خلاف الباطل، والحق: واحد الحقوق» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته، فالحق نقيض الباطل، ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج وحسن التلفيق، ويقال حق الشيء: وجب» (^٢).
ورود اسم الله (الحق) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحق) في كتاب الله في عشر آيات، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
وقوله -﷿-: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠].
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٤٦).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٥).
[ ١ / ١٤٤ ]
وقال -﷿-: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
ورود اسم الله (الحق) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أو: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١).
معنى اسم الله (الحق) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠]: «ورجع هؤلاء المشركون يومئذ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم الحق لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).
(٢) تفسير الطبري (١٢/ ١٧٥).
[ ١ / ١٤٥ ]
قال الزجاجي -﵀-: «فالله الحق، أي: هو الحق، وما عبد من دونه باطل، والله -﷿- الحق، أي: ذو الحق في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وجميع ما أنزله على لسان رسله وأنبيائه» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «فكما أن ذاته (الحق) فقوله الحق، ووعده الحق، وأمره الحق، وأفعاله كلها حق، وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق، فمن أنكر شيئًا من ذلك فما وصف الله بأنه (الحق) المطلق من كل وجه، وبكل اعتبار فكونه حقًّا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه» (^٢).
قال ابن كثير -﵀- في تفسيره لقوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]-: «أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق والنار حق، وكل شيء منه حق» (^٣).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «الحق في ذاته وصفاته فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال -﷿-:
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله (ص ١٧٨).
(٢) بدائع الفوائد (٤/ ١٦٥).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٣)
[ ١ / ١٤٦ ]
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]» (^١).
اقتران اسم الله (الحق) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الحق) باسم الله (الملك):
ورد اقتران هذين الاسمين الجليلين في كتاب الله -﷿- في موضعين، هما:
قوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وجه الاقتران:
اقترانهما فيه إشارة إلى أن ملكه سُبْحَانَهُ حق، من جهتين:
١ - دوام ملكه وكماله، فملكه سُبْحَانَهُ دائم، فلا يزال، ولا يزول، وليس فيه شائبة عجز ولا خضوع لغيره.
وفي هذا تعريض بأن ملك غيره زائف، فغيره من الخلق وإن كان له ملك ففي بعض الأوقات، على بعض الأشياء، وملكه مع ذلك زائل قاصر يشوبه العجز والخضوع للغير، فهو مالك من جهة ومملوك من جهة أخرى؛ لما فيه
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٩٤٩).
[ ١ / ١٤٧ ]
من نقص واحتياج (^١).
٢ - المدبر لأمور مملكته على أتم وجوه الكمال، فلا يتصرف فيه إلا بما هو مقتضى الحكمة (^٢).
والآية الأولى سبقت بالخلق، وأنه تَعَالَى لم يخلق الإنسان عبثًا، بل كان بحق وحكمة، والثانية سبقت بالحديث عن القرآن، وأنه نزل من عند الله الحق، فالملك الحق هو صاحب الملك الكامل، والذي يتصرف بمقتضى الحكمة، والملك الحق هو الذي أنزل القرآن حقًّا من عنده؛ ليقيم به حياة الناس في دينهم ودنياهم.
ثانيًا: اقتران اسم الله (الحق) باسم الله (المبين):
جاء ذلك مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].
وجه الاقتران:
يقول الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، يقول: ويعلمون أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عند أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٥١٤).
(٢) ينظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور (١٦/ ٣١٦).
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ٢٣٢).
[ ١ / ١٤٨ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحقِّ):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحق) من الصفات:
الله هو الحق -ﷻ-، ويظهر ذلك من عدة وجوه، منها:
الأول: هو الحق في وجوده -﵎-، فله تَعَالَى الوجود الحق، فالله لا يزول ولا يحول بخلاف غيره، فالخلق كلهم يزولون ويحولون، وحياته سُبْحَانَهُ الحياة الأزلية، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ووجوده كامل فلا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يأخذه مرض ولا تعب، فهذا هو الحق في وجوده -﵎-.
الثاني: هو الحق في ربوبيته وألوهيته، فهو الرب الحق في تدبيره وتصريفه ورزقه، وغيره مربوب مملوك مصرف مدبَّر، وهو المعبود الحق لكل مألوه ومعبود ومربوب قام على إلهيته برهان الفطرة وحجة العقل، وشهد بها ما في الوجود جميعًا من ناطق وصامت، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، فعبادة من هذا وصفه حق، وعبادة ما دونه ممن ليس له من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ضلال وزيغ وباطل (^١)، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٣٦٣).
[ ١ / ١٤٩ ]
الثالث: هو الحق في أسمائه وصفاته، فأسماؤه وصفاته كلها حق، فليس فيها شيء باطل لا في علمه، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، فهو الإله الحق الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
الرابع: هو الحق في أفعاله وخبره وشرعه، فأفعاله كلها حق ومقتضى الحكمة، وأخباره كلها حق وصدق، وشرعه حق وعدل، فكل ما أمر الله -﷿- به أو نهى عنه فإنه حق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
والله خلق -﵎- السماوات والأرض بالحق، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].
ونزل الكتاب بالحق، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وقال -﵎-: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقص -﵎- القصص بالحق، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، فكل ما حدث الله به من القصص لم يكن كذبًا ولا باطلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
[ ١ / ١٥٠ ]
بخلاف بعض قصص البشر، فهو كذب كله مختلق، أو صدق خالطه الكذب، والحق الصرف في القصص قليل.
وأرسل رسله بالحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، وقوله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
ووعد الله حق لا يمكن أن يخلف، ولا يغير، ولا يبدل، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، وَعَدَ أمَّ موسى، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وحقق وعده ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣]، ووعد المؤمنين بالنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، فنصرهم ببدر وهم أذلة، ونصرهم في الأحزاب وهم قلة، ونصرهم في ساعة العسرة.
الأثر الثاني: محبة الله الحق:
الحق سُبْحَانَهُ هو الموجود الحق، والرب الحق والإله الحق، وكل ما سواه فهو مربوب، ووجوده مستمد من وجوده سُبْحَانَهُ؛ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، فمنه سُبْحَانَهُ الإيجاد، والإعداد، والإمداد، وما سواه فهي أسباب مخلوقة صادرة من مسبب الأسباب الإله الحق، فحري بمن هذه صفاته أن يحَب ويعظَّم ويؤلَّه وتوجَّه العبادة له وحده دون ما سواه.
[ ١ / ١٥١ ]
الأثر الثالث: التصديق الذي لا يخالطه شَك في ما أخبر به الحق سُبْحَانَهُ:
الله حق في أسمائه وصفاته- كما تقدم-، ومن ذلك: كلامه وخبره -ﷻ-، فكلامه حق ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]، وقال -ﷺ-: «وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» (^١).
أنزل القرآن بالحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣].
قال السعدي -﵀-: «المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه» (^٢).
واعتقاد المؤمن بهذا يدعوه إلى القبول التام، والتصديق الجازم الذي لا يخالطه أدنى شك لما ما جاء فيه من أخبار، أو جاء على لسان رسول الله -ﷺ-، ولو زعم العقل إحالته أو لم يتصوره.
وهكذا كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يتلقون أخبار الوحي بالتصديق الكامل والإذعان التام، فهذا رسول الله -ﷺ- يخبر عن
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).
(٢) تفسير السعدي (ص ١٢١).
[ ١ / ١٥٢ ]
الدجال، فيقول: «إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعونَ يومًا؛ يومٌ كسَنَةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كجُمُعُةٍ، وسائِرُ أيامِهِ كأيَّامِكُم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كالسنة، تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: فَاقْدُرُوا له قَدْرَهُ …» (^١).
فكان همهم السؤال عن الصلاة فقط، وكأن ما أخبرهم به عن الدجال قد عرفوه من قبل؛ وذلك لأنهم جعلوا الشرع التام هو الميزان الثابت للعقل الناقص فقبلوا وسَلَّموا.
وهذا أبو بكر الصديق -﵁- يبلغه خبر الإسراء والمعراج، فيبادر للتصديق ويقول: «إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس!» (^٢).
وقد نفى الله -﷿- الشك والريب عن كتابه، في مواضع عدة، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال متحديًا من يشك فيه:
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٣٧).
(٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ١٣٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤].
وقال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] «أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائمًا ومعارضًا» (^١).
وقال -ﷺ- حين رأى مع عمر صحيفةً فيها شيء من التوراة: «أَمُتَهَوِّكُونَ (^٢) فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» (^٣).
الأثر الرابع: التسليم التام لأحكام الحق سُبْحَانَهُ، والتحاكم إليه دون ما سواه:
معرفة أن الله الحق -﵎- تورث القلب اليقين بأن أحكام الله تَعَالَى كلها حق وخير، وتورثه -أيضًا- الطمأنينة لحكم الله وشرعه؛ لأنها من الله
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٨٣).
(٢) أمتهوكون، أي: متحيرون في كتابكم وفى دينكم حتى تأخذوا العلم من غير كتابكم ونبيكم كما تهوكت اليهود والنصارى، أي: كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم. الفتح الرباني، للساعاتي (١/ ١٧٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥١٥٦)، حكم الألباني: حسن، إرواء الغليل، رقم الحديث: (١٥٨٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
الحق الذي لا يصدر منه إلا الحق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
قال ابن كثير -﵀-: «صدقًا في الأخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة» (^١).
فينشأ من ذلك القبول التام، والإذعان والتسليم ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، سواء علمت الحكمة أو لم تعلم فالأمر سواء لليقين بأنها كلها حق؛ لأنها من عند الحق سُبْحَانَهُ.
والتسليم لله -﷿- من أخص أركان الدين، وبه يجوز العبد الصراط، وتثقل به الموازين، وهو من أوجب الواجبات، وأعلى القربات؛ بل «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر، والنواهي، والشرائع؛ ولهذا لم يحك الله سُبْحَانَهُ عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت، وسلمت، وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها» (^٢).
وقد علَّم رسول الله -ﷺ- أمته الانقياد التام والاستلام لأمر الله، فحينما نزل قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٢).
(٢) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٤/ ١٥٦٠).
[ ١ / ١٥٥ ]
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] غم الصحابة -﵃- غمًّا شديدًا، واشتد ذلك عليهم، فأتوا رسول الله -ﷺ- ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله -ﷺ-: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تَعَالَى، فأنزل الله -﷿-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ» (^١).
فتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال.
وينشأ من ذلك- أيضًا- الاغتباط بأحكام الله وشرعه، والسعي لتحكيمها وإقرارها بين الناس؛ حتى ينعموا بما فيها من الحق والخير والأمن والسلام والقسط؛ لأنها حكم الحق، وحكم ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢٥).
[ ١ / ١٥٦ ]
وقد جعل الله -﷿- التحاكم إلى ما شرع وأنزل على لسان رسوله -ﷺ- شرطًا للإيمان، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وأنكر على من خرج عن حكمه المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعته وإنما بمحض الأهواء والآراء (^١)، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
«فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تَعَالَى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى» (^٢).
الأثر الخامس: الشعور بالغبطة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق، والثبات عليه:
الإسلام هو دين الله الحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٢٣٥).
[ ١ / ١٥٧ ]
ومن هدي إليه واستقام عليه اطمأنت نفسه، وانشرح صدره، وسلم من التشتت والاضطراب والحيرة التي تكون من نصيب المبطل المعرض عن الله -﷿- وعن دينه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وقوله -﷿-: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
واستشعار المسلم لمنة الله عليه بالهداية للدين الحق يبعث في النفس السرور والغبطة بفضل الله عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
قال السعدي -﵀-: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها.
فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب» (^١).
وهذا الفرح بالهداية للحق يوجب التمسك به، والثبات عليه، والصبر على القيام بشرائعه، والصبر عن محارمه، والصبر- أيضًا- على ما ينال المرء من المصائب والمحن من جرائه، لا سيما مع تأخر الزمان وكثرة الفتن، فقد
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٣٦٧).
[ ١ / ١٥٨ ]
جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ» (^١).
الأثر السادس: صدق التوكل على (الحقِّ):
من كان على الحق وَثقَ في الله -﷿- واعتمد عليه في تأييده ونصره، قال الله -﷿-: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
قال ابن القيم -﵀-: «إن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواء إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق وهو ولي الحق، وناصره، ومؤيده، وكافي من قام به، فما لصاحب الحق ألا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]» (^٢).
الأثر السابع: الثقة بنصر الله -﷿- لدينه الحق ولأوليائه:
الله الحق -﷿- تكفل بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله؛ فإنهم مغلوبون، وحالهم حال من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٢٦٠)، وابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (٣١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٥٧).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٢٥٧).
[ ١ / ١٥٩ ]
الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]، أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان.
فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر.
وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، إلا أن الله قد يبتليهم في وقت من الأوقات؛ ليعلم المؤمن الصادق الثابت على الحق من المنافق أو ضعيف الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
أما إذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه؛ لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم (^١).
فإذا علم هذا فعلى المسلمين أن يقوموا بالدين ويتمسكوا به ويثقوا بنصر الله ووعده ولو عظم البلاء واشتد، فهذا رسول الله -ﷺ- يوم الأحزاب، وقد عظم البلاء على المؤمنين، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وإذا به -ﷺ- يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعَ اللهُ -﷿- مَفَاتِحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٨٥٩).
[ ١ / ١٦٠ ]
اكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ» (^١)، قالها -ﷺ- في شدة الكرب، وتحالف أهل الكفر والشرك، ولكنها الثقة بوعد الله ونصره، واليقين فيما عنده -﷿-.
الأثر الثامن: التواضع للحق، والانقياد له بعد تبينه:
إذا علم العبد أن الخير كله في الحق، وما بعد الحق إلا الضلال والشر والشقاء، تواضع له وأنقاد، ومتى ما ظهر له وبان رجع إليه مهما كان شأنه، ومهما ارتفع قدره، ومهما علت منزلته، فهذا عبدالرحمن بن مهدي -﵀- يقول: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو على القضاء، فلما وضع السرير جلس، وجلس الناس حوله، قال: فسألته عن مسألة؛ فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله! القول في هذه المسألة كذا وكذا، إلا أني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذن أرجع وأنا صاغر!! إذن أرجع وأنا صاغر!!؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل!» (^٢).
ومن رد الحق بعد بيانه فهو المتكبر الظالم لنفسه؛ قال -ﷺ-: «الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النّاسٍ (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٨٦٣)، وفي دلائل النبوة (٣/ ٤٠٢).
(٢) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (١٠/ ٣٠٨).
(٣) بطر الحق، أي: دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس، أي: احتقارهم، شرح النووي على مسلم (٢/ ٩٠).
(٤) سبق تخريجه.
[ ١ / ١٦١ ]
يقول ابن القيم -﵀-: «كما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه، وصغره وحقره، ومن تكبر عن الانقياد للحق- ولو جاء على يد صغير، أو من يبغضه أو يعاديه- فإنما تكبره على الله؛ فإن الله هو الحق وكلامه حق؛ ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رد على الله وتكبر عليه» (^١)، واستحق بهذا الوعيد الوارد في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
وقال -ﷺ- مبينًا قبح التكبر عن الحق: «وَإِنَّ أَبْغَضَ الكَلَامِ إِلَى اللهِ -﷿- أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ» (^٢).
الأثر التاسع: عدم الحياء في إظهار الحق:
الله هو الحق، ويحب الحق، ويأمر بالحق، ولا يستحي من بيانه للناس، وإظهاره لهم بأنواع الأمثلة الحسية، التي تعين على فهمه وقبوله، والإعراض عما سواه من الباطل، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٣١٧).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٦٢١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٥٩٨).
(٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٤).
[ ١ / ١٦٢ ]
وهكذا ينبغي للمؤمن ألا يستحي من الحق وإظهاره، ولما في تركه حياءًا وخوفًا أو مداهنة من تفويت المصالح وتحقيق المفاسد، ومن ذلك: العلم؛ فإنه لا يناله مستحي ولا مستكبر، ولذا أثنى رسول الله -ﷺ- على نساء الأنصار، فقال: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (^١).
الأثر العاشر: الاستعداد للقاء الحق:
وعد -﵎- عباده بلقائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]، فلقاؤه حق حاصل لا محالة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال -ﷺ-: «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» (^٢).
وأخبر سُبْحَانَهُ عن خسارة المكذبين بلقائه، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
ووعد بالجنة والنار، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣١٤ - ٣١٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٢).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ١٦٣ ]
وقال تَعَالَى عن النار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦].
ووعد بالساعة فهي حق واقعة لا ريب فيها ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].
فإذا استقرت هذه الحقائق في قلب العبد المؤمن حمله ذلك على الاستعداد للقاء ربه، والشوق إلى جنته، والخوف من عذابه، وهذا يثمر التقوى في القلب، والتي علامتها امتثال أوامر الله -﷿- وترك مناهيه بإخلاص ومتابعة، والاستقامة على ذلك.
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري، «أنه مر برسول الله -ﷺ-، فقال له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقال: انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثلاثًا» (^١).
وكان رسول الله -ﷺ- يستفتح صلاته من الليل بذكر هذا المعنى، كما في حديث ابن عباس -﵄-، «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٣٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠١٠٧)، حكم الألباني: ضعيف، تحقيق الإيمان، لابن أبي شيبة (ص ٤٣).
[ ١ / ١٦٤ ]
أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١)؛ وذلك أن قيام الليل أمر شاق على النفس، فيحتاج الإنسان لقيامه لتصديق جازم بما ورد فيه من عظيم الأجر، فكان الاستفتاح به تذكير للنفس بوعد الله -﷿-.
الأثر الحادي عشر: أعط كل صاحب حق حقه:
إذا عرف العبد أن الله الحق، أحب أن يكون له حظ من اسم ربه، وأن يتحقق به، وذلك بأن:
١ - يعطي كل ذي حق حقه، فيبدأ بأعظم الحقوق عليه؛ حق الله تَعَالَى، وهو عبادته وحده لا شريك له، ثم حق نبيه، ثم يؤدي الحقوق لأصحابها، الأحق فالأحق، فيبدأ بحق الوالدين، ثم الأبناء، والزوجة، ثم الأرحام، والجيران، ثم حق أمته عليه، قال رسول الله -ﷺ-: «فَأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ» (^٢).
٢ - يرد الحقوق لأهلها، فلا يأخذ من حق الغير شيئًا بغير حقه ولو قلَّ، قال -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه (٨٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٦٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٦٠٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٩٧٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٨٧١).
[ ١ / ١٦٥ ]
٣ - يشهد بالحق، ولو كان ذلك على الأحباب، بل حتى على النفس، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا …﴾ [النساء: ١٣٥].
٤ - يعدل في القضاء والحكم، كما قال تَعَالَى لنبي الله داود -﵇-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] (^١).
وقد علَّم رسول الله -ﷺ- أمته إقامة الحق والحكم به، فعندما سرقت المرأة المخزومية بعث قريش للنبي -ﷺ- أسامة بن زيد لكي يشفع لها، فكلمه أسامة، فقال رسول الله -ﷺ-: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟ ثم قام فاختطب، فقال: أيُّها النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (^٢).
ولا بد أن يعلم أن لكل شيء حقًّا، فالحق -﵎- له حق، ولكتابه حق، ولرسوله -ﷺ- حق، والنفس لها حق، وللأهل حق، وللجار حق، وللضيف حق، وللصديق حق، وللعمل حق، وللمكان حق، وللطريق حق، كما قال -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٢٠٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).
[ ١ / ١٦٦ ]
هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (^١)، وللوقت حق، فعلى المسلم أن يحرص على أن يعطي كل ذي حق حقه، مستعينًا بربه، سائلًا توفيقه لذلك.
فاللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).
[ ١ / ١٦٧ ]
الحَكَمُ الحَكِيمُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الحكم: مصدر قولك: حكم بينهم، يحكم، أي: قضى، وحكم له وحكم عليه، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم: المتقن للأمور.
وقد حكم بضم الكاف، أي: صار حكيمًا … وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكمًا، والحكم، بالتحريك: الحاكم … وحكمت الرجل تحكيمًا، إذا منعته مما أراد، ويقال أيضًا: حكمته في مالي، إذا جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علَيَّ في ذلك، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنًى» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حكم) الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم؛ وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه … وحكم فلان في كذا، إذا جعل أمره إليه، والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٩٠١).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٩١).
[ ١ / ١٦٨ ]
ورود اسمي الله (الحَكَم الحكيم) في القرآن الكريم:
ورد اسمه (الحَكَم) في آية واحدة، هي:
قوله -﷿-: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وأما اسم الله (الحكيم)؛ فقد ورد في أربع وتسعين مرة، ومن وروده ما
يلي:
قوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥].
وقوله -﷿-: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].
ورود اسمي الله (الحَكِيم، الحَكَم) في السنة النبوية:
ورد اسمي الله (الحَكيم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن مصعب بن سعد عن أبيه -﵁-، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (^١).
ورد اسمي الله (الحَكم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن شريح عن أبيه هانئ: «أنه لما وفد إلى رسول الله -ﷺ- مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحَكَمُ، فَلَمْ تُكْنَى أَبَا الحَكَمِ؟ فقال: إن قومي إذا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله -ﷺ-: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قلت: شريح، قال: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (^١).
معنى اسمي الله (الحكيم، الحَكم) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور اسمي (الحَكيم الحَكم) على معنيين:
من له كمال الحكم بين العباد، سواء كان حكمًا كونيًّا قدريًّا، أو دينيًّا شرعيًّا، أو جزائيًّا.
من له كمال الحكمة، سواء كانت في خلقه وتدبيره أو شرعه وأمره.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الزجاج -﵀-: «فالله تَعَالَى هو الحاكم وهو الحكم بين الخلق؛ لأنه الحكم في الآخرة، ولا حكم غيره» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «الحكم الحاكم، ومنه المثل: (في بيته يؤتى الحكم) وحقيقته هو: الذي سلم له الحكم ورد إليه فيه الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٥٥)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٣٨٧)، حكم الألباني: صحيح، إرواء الغليل، رقم الحديث: (٢٦١٥).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٤٤).
(٣) شأن الدعاء (ص ٦١).
[ ١ / ١٧٠ ]
قال القرطبي -﵀-: «فالحكم من له الحكم: وهو تنفيذ القضايا وإمضاء الأوامر والنواهي، وذلك بالحقيقة هو الله تَعَالَى، فهذا الاسم يرجع تارة إلى معنى الإرادة، وتارة إلى معنى الكلام، وتارة إلى الفعل، فأما رجوعه إلى الإرادة، فإن الله تَعَالَى حكم في الأزل بما اقتضته إرادته، ونفذ القضاء في اللوح المحفوظ، يجري القلم فيه على وفاق حكم الله، ثم جرت الأقدار في الوجود بالخير والشر، والعرف والنكر على وفاق القضاء والحكم، وإذا كان راجعًا إلى معنى الكلام فيكون معناه: المبين لعباده في كتابه ما يطالبهم به من أحكامه، كما يقال- لمن يبين للناس الأحكام وينهج لهم معاني الحلال والحرام-: حكم، وعلى هذا فلا يكون في الوجود حكم إلا كتابه، فعنده يوقف؛ إذ هو الحكم العدل، وإذا كان راجعًا إلى الفعل فيكون معناه الحكم الذي ينفذ أحكامه في عباده بإشقائه إياهم وإسعاده وتقريبه إياهم، وإبعاده على وفق مراده» (^١).
قال السعدي -﵀-: «(الحكيم): … الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
«وَهوَ الحَكِيمُ وَذَاكَ مِنْ أَوْصَافِهِ … نَوْعَانِ أَيْضًا مَا هُمَا عَدَمَانِ
حُكْمٌ وَإِحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا … نَوْعَانِ أَيْضًا ثَابِتَا البُرْهَانِ
_________________
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٤٣٨).
(٢) تفسير السعدي (ص ٩٤٥ - ٩٤٦).
[ ١ / ١٧١ ]
وَالحُكْمُ شَرْعِيٌّ وَكَوْنِيٌّ وَلَا … يَتَلَازَمَانِ وَمَا هُمَا سِيَّانِ
بَلْ ذَاكَ يُوجَدُ دُونَ هَذَا مُفْرَدًا … وَالعَكْسُ أَيْضًا ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀-: «والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل» (^١)، وقال أيضًا: «والحكيم: هو ذو الحكمة» (^٢)
قال الزجاجي -﵀-: «الحكيم: الذي أفعاله محكمة متقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ومنه قيل: (بناء محكم)، أي: قد أتقن وأحكم، فالله -﷿- حكيم كما وصف نفسه بذلك، لإتقان أفعاله واتساقها وانتظامها وتعلق بعضها ببعض … وقد يكون حكيم بمعنى: عليم؛ لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لا يجوز أن يكون جاهلًا بها؛ فيكون (حكيم) على هذا بتأويل المبالغة في الوصف بالعلم والحكمة» (^٣).
قال الحليمي -﵀-: «الحكيم: قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ومعناه: الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم» (^٤).
قال ابن القيم -﵀-: «(حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سُبْحَانَهُ صادرة عن
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٢/ ٥٧٨).
(٢) المرجع السابق (١/ ٤٩٦).
(٣) اشتقاق أسماء الله (ص ٦٠).
(٤) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩١ - ١٩٢).
[ ١ / ١٧٢ ]
حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «(الحكيم): هو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى» (^٣).
قال أيضًا: «الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة، ولا يخلق ما يخلقه إلا لفائدة ومنفعة» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في النونية:
وَالحِكْمَةُ العُلْيَا عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْـ … ـضًا حَصَلَا بِقَوَاطِعِ البُرْهَانِ
إِحْدَاهُمَا فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ … نَوْعَانِ أَيْضًا لَيْسَ يَفْتَرِقَانِ
إِحْكَامُ هَذَا الخَلْقِ إِذْ إِيجَادُهُ … فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ والإِتْقَانِ
وَصُدُورُهُ مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ لَهُ … وَلَهُ عَلَيْهَا حَمْدُ كُلِّ لِسَانِ
وَالحِكْمَةُ الأُخْرَى فَحِكْمَةُ شَرْعِهِ … أَيْضًا وَفِيهَا ذَانِكَ الوَصْفَانِ
غَايَاتُهَا الَّلائِي حُمِدْنَ وَكَوْنُهَا … فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ وَالإِحْسَانِ» (^٥).
_________________
(١) شفاء العليل (ص ١٩٠).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٨).
(٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٥ - ٩٤٦).
(٤) المرجع السابق (ص ٧٧٩).
(٥) النونية (ص ٢٠٥، ٢٠٦).
[ ١ / ١٧٣ ]
الفرق بين الحكم والحاكم:
الحكم أبلغ من الحاكم، من جهتين:
«لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق؛ لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق» (^١)؛ لذا قيد الله في القرآن اسمه الحاكم بالخيرية، فقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، والإحكام، فقال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].
الحاكم يطلق على من يحكم بين الناس، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أما الحكم فيطلق على المتخصص بذلك (^٢).
اقتران اسمي الله (الحكيم والحَكَم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
١ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم)، باسمه -﷿- (العزيز):
ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه العزيز، في نحو ستة وأربعين موضعًا، قدم فيها العزيز على الحكيم، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف: ١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
_________________
(١) تفسير القرطبي (٧/ ٧٠).
(٢) ينظر: المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (ص ٢٤٩).
[ ١ / ١٧٤ ]
وجه الاقتران:
«العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي ما يشاء، ويأمر وينهى، ويثني، ويعاقب، فهاتان الصفتان: مصدر الخلق والأمر» (^١).
لدلالة على «أن عزته تَعَالَى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تَعَالَى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته؛ فإنها يعتريها الذل» (^٢).
ولعل سائلًا يسأل: ما سر تقديم اسم الله العزيز على الحكيم في جميع المواضع؟
وقد أجاب عن هذا التساؤل ابن القيم -﵀- من أوجه ثلاثة:
أن العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، فقدم وصف القدرة؛ لأن متعلقه أقرب إلى مشاهدة الخلق؛ وهو مفعولاته تَعَالَى وآياته، وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار- غالبًا- فكانت متأخرة عن متعلق القدرة.
أن النظر في الحكمة يكون بعد النظر في المفعول والعلم به، فإذا نظر في المفعول انتقل بعد ذلك للنظر فيما أودع فيه من الحكم والمعاني.
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص ١١٦).
(٢) القواعد المثلى، لابن عثيمين (ص ٨).
[ ١ / ١٧٥ ]
أن الحكمة غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها؛ فالقدرة تتعلق بإيجاده، والحكمة تتعلق بغايته؛ فقدم الوسيلة على الغاية؛ لأنها أسبق في الترتيب الخارجي (^١).
٢ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه -﷿- (الخبير):
ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الخبير في أربع آيات من القرآن، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].
وجه الاقتران:
قال ابن القيم -﵀- عن وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين، أنهما دالَّان: «على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم، وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات، فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بالخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم؛ فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة، والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفًا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله، والحكمة باطن الإرادة وكمالها» (^٢).
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٦٨).
(٢) بدائع الفوائد (١/ ٧٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
٣ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العلي):
ورد اقتران اسم الله الحكيم باسمه العلي في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
قال ابن عاشور -﵀-: «العلو في صفة (العلي) علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تحظ من جانب القدسية بالتصفية، فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة، فاقتضى علوه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض … وأما وصف (الحكيم)؛ فلأن معناه: المتقن للصنع، العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلا لحكمة إصلاحهم ونظام عالمهم، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقي خطابه، ووعيه دون اختلال فيه، ولا خروج عن طاقة المتلقين» (^١).
٤ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (التواب):
تقدم بيانه في اسم الله التواب.
٥ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحميد):
ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الحميد في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
قال السعدي -﵀-: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه، وينزله منازله، ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال ونعوت
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢٥/ ١٥٠).
[ ١ / ١٧٧ ]
الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (^١).
٦ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):
ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الواسع في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠].
قال السعدي -﵀-: «﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه حيث وصل إليه علمه، وكان مع ذلك ﴿حَكِيمًا﴾ أي: يعطي بحكمته ويمنع لحكمته؛ فإذا اقتضت حكمته منع بعض عبده من إحسانه بسبب في العبد لا يستحق معه الإحسان، حرمه عدلًا وحكمة» (^٢).
٧ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):
اقترن اسمه الحكيم باسمه العليم في نحو سبعة وثلاثين موضعًا، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٥٠).
(٢) المرجع السابق (ص ٢٠٧).
[ ١ / ١٧٨ ]
قال ابن القيم -﵀-: «العلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من: القيومية والقدرة، والبقاء، والسمع، والبصر، وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام.
والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل، والرحمة، والإحسان، والجود، والبر، ووضع الأشياء مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال الرسل، وإثبات الثواب والعقاب» (^١).
وقال: «خلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين؛ ولهذا يقرن سُبْحَانَهُ بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر» (^٢).
ويلاحظ أن الله -﷿- تارة يقدم اسمه العليم على الحكيم، وتارة عكس ذلك.
فإن سأل سائل: ما السر في ذلك؟
أجيب: بأن الآيات التي تقدم فيها العليم على الحكيم منوطة بمقام العلم أولًا، ثم بالحكمة: «ففي مقام الاعتراف بالعجز وقصور العلم يقابله- ولا بد- الإقرار والتسليم للعليم؛ فإذا كان (العليم) هو (الحكيم) فذلك هو العلم البالغ حد الكمال، فيكون الاعتراف مصحوبًا بغاية الرضا والتسليم، كما في قوله تَعَالَى عن الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
_________________
(١) الرسالة التبوكية (ص ٦٩).
(٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٤).
[ ١ / ١٧٩ ]
وفي مقام ارتباط الصبر وانتظار الفرج باسم (العليم) ارتباط قوي، وذلك أن العبد إذا كان عظيم الإيمان، عميق الصلة بربه، واستلبث عليه الفرج لم يتزعزع يقينه؛ لأنه معتمد على علم الله -﷿- في اختيار الزمان الأنسب لما يرجوه من الفرج، معول على حكمته في تهيئة الأسباب له؛ ليقع على أحسن ما يكون، كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].
ومثل ذلك يقال في مقام التواضع والتحدث بنعمة الله وفضله؛ لأن قوامه أحداث ترجع إلى علم ﴿العليم﴾ وحكمة ﴿الحكيم﴾، كما في قوله تَعَالَى عند يوسف -﵇-: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
أما مقام التشريع وإقرار الحكم فالأمر فيه راجع إلى العلم الشامل أولًا؛ لأن العلم هو أساس بناء الأحكام، ثم تأتي الحكمة لتنزل الحكم على الواقع، كما في قوله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
أما المقامات التي يتقدم فيها اسم (الحكيم) على اسم (العليم)، فهي منوطة بمقام التوحيد، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].
ومقام إجراء المعجزات، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]؛ وذلك أن مضمون الألوهية في مقام التوحيد قهر وقوة وغلبة، يقابلها من العباد طاعة وعبادة وخضوع، فتقديم
[ ١ / ١٨٠ ]
الحكمة في هذا المقام- والله أعلم- ليعلم أن ألوهيته -﷿- السارية على من في السماوات والأرض مسارها الحكمة» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الحكيم، الحَكَم):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحكم، الحكيم) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ الحكم الحكيم الذي كمل في حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وكمل في حكمته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
أ- فأما كمال حكمه:
فهو الحكيم الذي يحكم في الدارين بالحكم الكوني القدري، والحكم الديني الشرعي، والحكم الجزائي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (^٢).
الحكم الكوني القدري:
الله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه على وفق ما قضاء وقدر؛ فإنه -﵎- كتب مقادير كل شيء:
- كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين
_________________
(١) ينظر: مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام، لنجلاء كردي (ص ٥٥٦).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٢٢).
[ ١ / ١٨١ ]
ألف سنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَةٍ» (^١).
- وكتب عند خلق الجنين؛ فعن ابن مسعود -﵁-، قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ ينْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٢).
- وكتب ويكتب في ليلة القدر كل ما يكون في السنة، كما قال تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤، ٥] (^٣).
فيجري الله سُبْحَانَهُ على العباد من الأحكام والأقدار والإيجاد والإعداد والإحياء والإماتة وغير ذلك، على مقتضى قضائه وقدره، لا يخرج شيء عنه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٤٣).
(٣) ينظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، شرح الطحاوية، لصالح آل الشيخ (ص ٢٥٣).
[ ١ / ١٨٢ ]
الحكم الديني الشرعي:
الله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه بدينه وشرعه، أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وأمر الخلق أن يسيروا وفق حكمه في عقائدهم وأخلاقهم، وأقوالهم وأفعالهم، وظاهرهم وباطنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ى ١٩]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].
ولم يجعل لأحد من خلقه أن يحكم في شرعه، بل الحكم له وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩، ٦٠].
الحكم الجزائي:
الله سُبْحَانَهُ الحاكم بالجزاء على الأعمال خيرها وشرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
فـ «إذا استمررتم على تكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم، إذا شاء، وكيف شاء، وإن استعجلتم به،
[ ١ / ١٨٣ ]
فليس بيدي من الأمر شيء ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه سيحكم بالحكم الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته» (^١).
وأعظم ما يكون حكمه الجزائي وضوحًا وظهورًا: يوم الدين، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١، ١٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] فيتولى سُبْحَانَهُ الحكم في عباده فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات جزاء وفاقًا (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
[الأنعام: ١٢٨].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٥٨).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٢٥٩).
[ ١ / ١٨٤ ]
وأحكامه الثلاثة كلها قائمة على العدل والقسط ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦].
- قال السعدي -﵀-: «أي: على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]-» (^١).
كما أن أحكامه الثلاثة نافذة لا محالة، يحكم بما يشاء، ويقضي بما يريد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، فيقع حكمه كما شاء ولو عدمت الأسباب، حكم لإبراهيم -﵇- ولزوجه سارة بالولد، مع ما هم فيه من الكبر والعقم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، وكذا زكريا -﵇-: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٣٩، ٤٠]، وحكم لمريم بالولد من غير ما زوج، قال تَعَالَى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢٠، ٢١] لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٣٨٤).
[ ١ / ١٨٥ ]
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] كمل وحسن حكمه، فلا خلل ولا إخلال ولا جور ولا حيف؛ فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يتعقبه متعقب، ولا يقدح فيه قادح (^١).
ب- وأما كمال حكمته:
فهو الحكيم الذي وسعت حكمته كل شيء، فلا يخلق ولا يأمر أمرًا كونيًّا ولا شرعيًّا إلا لحكمة بالغة ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمةُ: وضع الشيء في موضعه اللائق به» (^٢).
فتبين من هذا أن حكمته سُبْحَانَهُ ثلاثة أنواع:
الأول: حكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه.
الثاني: حكمته في قضائه وقدره.
الثالث: حكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه.
حكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه:
الله سُبْحَانَهُ الحكيم في خلقه، خلق خلقه جميعًا لحكمة، لا عبثًا ولا سدى، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص ٤٢٠، ٥٢١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٤٩).
[ ١ / ١٨٦ ]
إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «خلق الخلق بالحق، ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا، ولا فطورًا، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن، والانتظام، والإتقان لم يقدروا، وأنى لهم القدرة على شيء من ذلك!
وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيرًا من حِكَمِه، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان، وهذا أمر معلوم قطعًا بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق، والأمر.
وقد تحدى عباده، وأمرهم أن ينظروا، ويكرروا النظر، والتأمل هل يجدون في خلقه خللًا أو نقصًا، وأنه لا بد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته» (^١).
حكمته في قضائه وقدره:
يحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بقضائه وقدره على وفق ما تقتضيه حكمته، فلا يصدر حكم عار عن حكمه ولا قضاء من غير علة، قال تَعَالَى
_________________
(١) الحق الواضح المبين (ص ٥١ - ٥٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
عن ليلة القدر: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾
[الدخان: ٤، ٥].
فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لحكمة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] قال ابن كثير -﵀-: «أي: في هدايته تَعَالَى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله» (^١).
ويتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] (^٢).
ويعطي ويمنع ويغني ويفقر لحكمة تامة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٧٥).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٧٥).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص ٣٣٣).
[ ١ / ١٨٨ ]
ويجعل لكل شيء قدرًا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما تقتضيه حكمته الربانية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] (^١).
حكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه:
يحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بشرعه أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا لحكمة ومصلحة عائدة على العباد في الدارين، قال تَعَالَى في آيات الأحكام: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨].
اقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن لا يترك عباده هملًا ولا سدى، بل يبعث فيهم الرسل وينزل الكتب، فيأمرهم وينهاهم، قال تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤] (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، فأي حكمة أجلُّ من هذا، وأي فضل، وكرم أعظم من هذا؛ فإن معرفته تَعَالَى، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص ٤٠٤).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٦٠١، ٨٦٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
له وحده، وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأَجَلُّ الفضائل لمن مَنَّ الله عليه بها، وأكمل سعادة، وسرورًا للقلوب، والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية، والنعيم الدائم.
فلو لم يكن في أمره، وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة، وحق الجزاء، وخلقت الجنة، والنار؛ لكانت كافية شافية.
هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علمًا، ويقينًا، وإيمانًا، وعقائد صحيحة تستقيم بها القلوب، ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل، وعمل صالح، وهدى، ورشد، وأوامره ونواهيه محتوية على عناية الحكمة، والصلاح والإصلاح للدين والدنيا؛ فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرته خالصة أو راجحة» (^١).
وقد أكد سُبْحَانَهُ هذا المعنى عند ذكره لبعض الأحكام، منها:
الزكاة ومصارفها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
الطلاق وأحكامه، قال تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
_________________
(١) الحق الواضح المبين (ص ٥١ - ٥٢).
[ ١ / ١٩٠ ]
عدة المتوفى عنها زوجها وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
الحدود وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
المواريث وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
فسبحان من بحكمته خلق الخلق، وابتدأه بالحكمة، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة، وسبحان من بالحكمة أوجد الأمر والنهي في قضائه وشرعه، وكانت غايته المقصودة: الحكمة (^١)، وسبحان من لحكمته وعزته سبح من في السموات والأرض بحمده، قال تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، وقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٥١).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٨٤٩).
[ ١ / ١٩١ ]
الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الحكم، الحكيم) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسمي الله (الحكم، والحكيم) وما يتضمنهما من كمال الحكم الصادر عن ملك مطلق، وعلم تام، وخبرة كاملة، وحكمة عظيمة، وعدل لا جور معه، ورحمة بلغت أن كانت أرحم من الوالدة بولدها، بل صدرت ممن له الكمال المطلق الذي لا شيء يقربه ولا يماثله لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^١) فلا نقص في حكمه ولا عيب ولا خلل ولا إخلال، ولو فرضت العقول وقدرت أكمل ما يكون من الأحكام لكان حكمُه أجلَّ وأعظمَ.
إذا تأمل العبد ذلك كله؛ ساقه لتوحيد الحاكم الحكيم في الحكم، فانقاد لحكمه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال كما قال -ﷺ-: «وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ» (^٢) ولم يرض حاكمًا سواه، ولا حكمًا غير حكمه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، «أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه؛ فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم، وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور» (^٣).
وقد قرر سُبْحَانَهُ أن الحكم كله له وحده لا شريك له، في مواضع عدة من كتابه بأساليب مختلفة، منها:
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، تفسير السعدي (ص ٧٥٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩) عن ابن عباس -﵄-.
(٣) تفسير السعدي (ص ٢٧٠).
[ ١ / ١٩٢ ]
بيان اختصاصه بالحكم، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
بيان كمال حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].
الأمر برد الحكم إليه ولرسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠].
الأمر بتحكيم كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
نفي أن يكون له شريك في الحكم، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦].
الإنكار والتشنيع على من اتخذ حكمًا غير حكمه، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
[ ١ / ١٩٣ ]
ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
قال العلامة ابن كثير -﵀-: «ينكر تَعَالَى على من خرج عن حكم الله- المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية» (^١).
التحذير من الحكم بغير ما أنزل، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠]، فحذر من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير والصغير والكبير، وبيَّن أن التولي عن حكمه وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم.
فتبين مما سبق: أن توحيد الله سُبْحَانَهُ في الحكم، وتحكيم شرعه واجب وفرض متعين على الفرد، والمجتمع، ومن لم ير الكفاية في شرع الله تَعَالَى فأعرض عنه أو بدله بغيره ولو في بعضه؛ فإن هذا العمل شرك في الطاعة والاتباع، وشرك في توحيد الربوبية أيضًا؛ لأن من خصائصها السيادة، والحكم والتشريع، وكلها حق لله تَعَالَى لا يجوز صرفها لغيره سُبْحَانَهُ (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٢٧٦، وما بعدها)، والقول المفيد شرح كتاب التوحيد، لابن العثيمين (٢/ ١٤٩، وما بعدها).
[ ١ / ١٩٤ ]
ومن تأمل في وحدانية الله بالحكم المشتمل على الحكمة؛ دله ذلك على نوع آخر من التوحيد، ألا وهو توحيد الألوهية، فعلم أن من بيده الحكم وإليه الأمر والشرع هو المستحق وحده أن يفرد بالعبادة؛ فإن كل من دونه محكوم عليه لا حاكم، ليس له من الأمر شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] (^١)، وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧].
ودله- أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، فعلم أن من له الحكم لا بد أن يكون سميعًا بصيرًا عليمًا خبيرًا متكلمًا قادرًا مدبرًا، إلى غير ذلك من أسماء وصفات كماله سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]
الأثر الثالث: التدبر في كتاب الله الحكيم:
القرآن كتاب الله المنزل من لدن حكيم خبير، قال تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، فإذا كان من عند الحكيم الخبير تكلم به وأنزله حكمًا وهدى ورحمة ونورًا وموعظة وذكرى للعالمين، فلا ريب أن يكون في غاية الإحكام والاتقان، مشتملًا على الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٢٧٠).
[ ١ / ١٩٥ ]
قال تَعَالَى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]، وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [فصلت: ١] فأتقن وأحسن ونظم نظما محكما لا يلحقه تناقض ولا خلل ولا نقص ولا باطل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وإحكام الكتاب له أوجه عدة، منها:
أن آياته جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها، وأبينها وأدقها دلالة.
أن كل كلمة وكل عبارة مقصودة، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم؛ فلا حشو فيه ولا زيادة.
أن آياته محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف.
أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يخبر بخلافها نبي من الأنبياء، ولم يأت ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه.
أنه حكيم في هدايته وأمره ونهيه؛ فآياته جاءت موافقة للحكمة، فما أمر بشيء إلا وهو خالص المصلحة، أو راجحها، وما نهى عن شيء إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرًا ما يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.
أن آياته جمعت بين الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة، وتحتكم، فتعمل بالحزم.
[ ١ / ١٩٦ ]
أن آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض، ولا اختلاف.
أن آياته لا ناسخ لها من غيرها، قال ابن عباس -﵄-: «لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل» (^١).
فعلى العبد أن يتدبر هذه الأوجه ويتأملها في كتاب ربه، ويعمل عقله فيه متفكرًا؛ حتى تنفتح له من أسراره وعجائبه ما يبهر عقله ويذهل لبه، فيجزم جزمًا لا مرية فيه أنه تنزيل من حكيم حميد (^٢).
ثم إذا تقرر إحكام الكتاب، فما معنى قوله -﵎-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]؟
قال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه: فروي عن السلف عبارات كثيرة … وأحسن ما قيل فيه: الذي قدمناه، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق
_________________
(١) تفسير القرطبي (٩/ ٢).
(٢) ينظر: تفسير القرطبي (٩/ ٢)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٣)، وتفسير السعدي (ص ٦٤٦، ٦٩٢).
[ ١ / ١٩٧ ]
بن يسار -﵀- حيث قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.
قال: والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق» (^١).
الأثر الرابع: التأمل في إحكام الحكيم لخلقه:
إذا عرف العبد اسم الله (الحكم- الحكيم) وما فيهما من حكمة تقتضي إحسان الخلق واتقانه وإحكامه؛ سعى في التأمل في خلق الله ومشاهدة عجيب صنعه، مستشعرًا قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
فإذا نظر وتأمل وجد خلقًا عجيبًا وصنعًا بديعًا لا ثغرة ولا خلة، ولا نقص، ولا تفاوت ولا نسيان.
الصغير والكبير، والجليل والحقير، كل شيء خُلق بحكمة، فوُضع في موضعه الذي لا يليق به سواه، وخُص من الصفات والإشكال والهيئات والمقادير ما يناسبه، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٦ - ٧).
[ ١ / ١٩٨ ]
خلق السماء بحكمة فتناسبت من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها، وما فيها من القمر والشمس والكواكب النيرات الثوابت منهن والسيارات، فكمل حسنها، وانتفى عنها النقص والعيب، حتى أمر الله بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها، قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣] عاجزًا عن أن يرى خللًا أو فطورًا، ولو حرص غاية الحرص (^١).
وخلق الإنسان بحكمة، فبدأ خلقه من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
خلق الليل، والنهار، والبحار، والجبال، والأشجار وألوان الثمار إلى غير ذلك من مخلوقاته، كل ذلك بإحكام وإتقان يدهش العقول ويحير الألباب، فتبارك الله الحكيم الخبير.
قال ابن القيم -﵀-: «ومن له نظر صحيح وفكر مستقيم وأعطى التأمل حقه؛ شهد بذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده على ما خفي عنه؛ فإن الكل صنع الحكيم العليم، ويكفي في هذا ما يعلمه من حكمة خلق
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٨٧٥).
[ ١ / ١٩٩ ]
الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه، واشتماله على الحكمة المطلوبة منه أتم اشتمال، وقد ندب سُبْحَانَهُ عباده إلى ذلك؛ فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] … إلى آخرها.
وكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته عاليها وسافلها، وما بين ذلك، إذا تأملها صحيح التأمل والنظر؛ وجدها مؤسسة على غاية الحكمة، مغشاة بالحكمة، فقرأ سطور الحكمة على صفحاتها، وينادي عليها هذا صنع العليم الحكيم، وتقدير العزيز العليم …
ومن نظر في هذا العالم وتأمل أمره حق التأمل علم قطعًا أن خالقه أتقنه وأحكمه غاية الإتقان والإحكام؛ فإنه إذا تأمله وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والمنافع مخزونة كالذخائر، كل شيء منها لأمر يصلح له، والإنسان كالمالك المخول فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه، فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط، ومنها ما هو للركوب والحمولة فقط، ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء، ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين، وفي الطير واختلاف أنواعها وإشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها، صافات وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات؛ أعظم عبرة، وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم» (^١).
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٦ - ١٥٦٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
الأثر الخامس: محبة الله تَعَالَى الحكم الحكيم:
إذا تعرف العبد على اسم ربه الحكم الحكيم وشاهد آثارهما من إنزال الكتاب الحكيم الذي به يخرج العبد من الظلمات إلى النور ويهدى به الصراط المستقيم، وشهد الخلق البديع والصنع المتقن للكون حوله، وتسخير ذلك كله له ولبني جنسه؛ فطابت بذلك حياتهم ونعمت، وشهد حكمه البالغة في أقداره، والمصالح الكبرى في شرعه التي حفظ بها للإنسان دينه، ونفسه، وعقله، وماله، وعرضه، وكفل له بها الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ ساق ذلك كله قلبه للتعلق به والتوجه له بالمحبة والذل.
الأثر السادس: التعامل مع أحكام الحكيم بما يحب:
إذا تأمل العبد في اسم الله (الحكم- الحكيم) وشهد آثارهما في خلقه وشرعه، تعامل مع أحكامهسُبْحَانَهُ بما يجب عليه تجاهها، وقد أوضح ذلك ابن القيم -﵀-، فقال:
«الأحكام ثلاثة:
الأول: حكم شرعي ديني: فهذا حقه أن يُتَلَقَّى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارَض بذوق ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا ألبتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارًا وتصديقًا؛ بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذًا وعملًا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم
[ ١ / ٢٠١ ]
من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر.
ومن التسليم: عدم السؤال عن تفاصيل الحكمة؛ ولهذا لم يحك الله سُبْحَانَهُ عن أمة نبي صدقت نبيها، وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادت، وسلمت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها … بل يسلم لأمر الله وحكمته، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر، أو فقهها العقل، كانت زيادة في البصيرة والداعية في الامتثال، وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده، ولم يقدح في امتثاله» (^١).
«الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري: الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني- أيضًا- فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب -﵁- وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) (^٢).
ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه، فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته، ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٠ - ١٥٦١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢١٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]
دفع قدر الله بقدره، وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفئ قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله، هكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض، فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه، فإذا غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أُمِر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.
الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني: الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته؛ فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر، وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة، مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي: أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط، ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم (الحكيم) -ﷻ-، وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته
[ ١ / ٢٠٣ ]
وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره» (^١).
الأثر السابع: الأسباب المعينة على الرضى بحكم الحكيم:
إذا تيقن العبد اسم ربه (الحكم- الحكيم) قاده ذلك لتسليم والرضى بالقضاء والقدر؛ لعلمه أن ما قدر عليه حكم الحكيم الذي هو أرحم به من نفسه، وأعلم بالعواقب منه، وأخبر بما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (^٢).
وهنا جملة من الأمور تعين العبد على الرضى بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر: كل ما زاد إيمان العبد ويقينه بقضاء الله وقدره زاده ذلك رضى وتسليمًا؛ فإذا تيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنا ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكل لم يخرج عن كتاب الله الذي كتب فيه المقادير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال -ﷺ- في حديث عبد الله بن عمرو -﵄-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَةٍ» (^٣) اطمأنَّ قلبه وانشرح لحكم الله، فرضي به، وسلَّم، قال تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].
_________________
(١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٧ - ٣٨).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٣)، وتفسير السعدي (ص ٩٧).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
قال الطبري -﵀-: «ومن يصدق بالله فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه» (^١).
وروى مسلم من حديث صهيب -﵁-، قال -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).
استشعار ما يترتب عليها من ثواب وتكفير للسيئات: جاء في النصوص ما يدل على عظيم الأجر لأصحاب البلاء، لا سيما إذا صبروا وسلموا لحكم الله، قال تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وجاء في حديث جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يودُّ أهلُ العَافِيةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثوابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «ما يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُّهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (^٤)،
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٤٢١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٩٤٥١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨١٧٧).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقال -ﷺ-: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (^١).
معرفة حقيقة الدنيا: فالعبد إذا تيقن أن الدنيا طبعت على كدر، والإنسان فيها كادح ومكابد، وأنها لا تصفو لأحد، ولو صفت لصفة للخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وأنها سجن المؤمن، كما قال -ﷺ-: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (^٢)، وأن المؤمن إذا مات استراح من نصبها وشدتها، كما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري -﵁- أنه كان يحدث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (^٣)؛ قاده ذلك كله للتسليم والرضى.
الدعاء: الثبات والتثبيت عند نزول المصاب هو من الله -﷿- وحده، فالمثبت من ثبته الله، والراضي من أرضاه الله، والصابر من صبره الله، قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال عن أم موسى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]،
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٤٧٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٨١٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٥٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وحكى عن قوم طالوت سؤالهم الثبات، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]؛ فكانت العاقبة النصر: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ومن هنا كان الدعاء من أهم الأسباب المحصلة للرضى والتسليم، وقد علمنا رسول الله -ﷺ- سؤال الله الرضى بقوله: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» (^١).
والدعاء يكون وقاية ويكون علاجًا، ودعاء الوقاية يكون قبل وقوع المكروه، ومن ذلك: دعوة إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقول أنس -﵁-: «كنت أخدم رسول الله -ﷺ-، وكنت كثيرًا ما أسمعه يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (^٢).
وأما العلاج فيكون بعد الوقوع، ومنه: دعوة أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ويونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وغيرهما من الأنبياء.
الصلاة: إذا نزلت الأقدار والمصائب على العبد ثم توجه لصلاة؛
_________________
(١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٤٢٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٦).
[ ١ / ٢٠٧ ]
نهته صلاته عن الاعتراض على أحكام الله والتسخط عليها، وأورثت قلبه الطمأنينة والسكينة، فقاده ذلك لتسليم والرضى، لذا أمر الله عباده أن يستعينوا بها على شؤونهم كلها، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان -ﷺ- إذا حزبه أمر فزع إليها (^١).
التفكُّر والتدبُّر:
التفكر في نعم الله على العبد، ومصائب الناس من حوله؛ قال -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَلَيْكُمْ» (^٢).
التفكر في المصيبة، متأملًا ومستشعرًا قوله تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
هذه الآية التي من تأملها وتدبرها ساقت قلبه للاطمئنان والسكون، فيرضى ويقنع، فلعل وراء المكروه خير، ولعل وراء المحبوب شر؛ فالإنسان لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر!
خرج المسلمون يوم بدر يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها هي فئة العير والتجارة، لا فئة الحامية المقاتلة من قريش، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ
_________________
(١) عن حذيفة، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى»، أخرجه أبو داود رقم الحديث: (١٣١٩) حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٣١٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣) واللفظ له.
[ ١ / ٢٠٨ ]
أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]، لكن الله جعل القافلة تفلت، ولقاهم المقاتلة من قريش، فكان النصر الذي دوى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام، فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين؟ وأين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار الله لهم؟ والله يعلم والناس لا يعلمون! ولقد نسي فتى موسى ما كانا قد أعداه لطعامهما- وهو الحوت- فتسرب في البحر عند الصخرة ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٢ - ٦٤]، وكان هذا هو الذي خرج له موسى، ولو لم يقع حادث الحوت ما ارتدَّا، ولفاتهما ما خرجا لأجله في الرحلة كلها!
وكل إنسان- في تجاربه الخاصة- يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم، وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذًا من الله أن فوَّت عليه هذا المطلوب في حينه.
وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثًا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل، إن الإنسان لا يعلم، والله وحده يعلم.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأثر الثامن: الحكم بما أنزل الحكيم:
إذا علم العبد أن ربه الحكم الحكيم، الذي من رحمته وحكمته أن جعل التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ لأنه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز والجهل؛ سعى لتحكيم شرعه في نفسه وحياته كلها، لسان حاله ومقاله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
وتحكيم شرع الله يعني: إعمال شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بأمر الفرد والمجتمع والدولة، من معاملات وجنايات وعلاقات دولية وتجارية وشخصية.
فيشمل ذلك:
١ - تطبيق شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بأمور البلاد والعباد.
٢ - سياسة الناس والقضاء بينهم وتدبير أمورهم؛ طبقًا للأحكام الشرعية، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
الأثر التاسع: عدم التسمي باسم الحكيم:
الله سُبْحَانَهُ هو الحكم الحق الذي لا يليق أن يوصف غيره بهذا الاسم؛ فعن هانئ بن يزيد -﵁-، أنه لما وفد إلى رسول الله -ﷺ- مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ
[ ١ / ٢١٠ ]
أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ. قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (^١)، فغيَّر رسول الله -ﷺ- كنيته (أبا الحكم)؛ كراهية لتكنيه بهذا الاسم والتسمي به (^٢).
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «غيره النبي -ﷺ- لأمرين: الأول: أن الحكم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله!
الثاني: أن هذا الاسم، الذي جعل كنية لهذا الرجل، لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم؛ فصار بذلك مطابقًا لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركًا لله -﵎- في ذلك، ولهذا كناه النبي -ﷺ- بما ينبغي أن يكنى به» (^٣).
الأثر العاشر: السعي للاتصاف بالحكمة:
الحكمة من أفضل الهبات والعطايا، وصاحبها أوتي خيرًا كثيرًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]؛ لأنه خرج بها من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم نفع، في دينهم ودنياهم،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٥٥)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٤٠٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٥٣٨٧).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٦٣).
[ ١ / ٢١١ ]
ولأن جميع الأمور لا تصلح ولا تستقيم إلا بالحكمة، التي هي: وضع الأشياء في مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام (^١).
فعلى المسلم أن يسعى لتحصيلها وتحقيقها في نفسه، متخذًا الأسباب التي أقامها الله، وجعلها أسبابًا لنيل هذا الخير العظيم، وقد تناولها الملحق الآتي، ما يعين على ذلك- بإذن الله-.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٩٥٧).
[ ١ / ٢١٢ ]
«حكيم يحب الحكماء»
سنتطرق في موضوع الحكمة لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف الحكمة:
يقول ابن القيم -﵀-: «الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» (^١).
ثانيًا: منزلة الحكمة وفضلها:
الحكمة من الخصال الحميدة والأخلاق الكريمة التي رفع الشارع منزلتها وأعلى من شأنها وبين فضيلتها، ومن ذلك:
أن الله قرن الخير الكثير بها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
أن الله امتنَّ بها على عبده الفاضل لقمان وأمره بشكره عليها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].
أن النبي -ﷺ- شرع تمنيها والغبطة عليها، قال -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى [١/ ٢٦] هَلَكَتِهِ فِي
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٤٤٩).
[ ١ / ٢١٣ ]
الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^١).
قال ابن حجر -﵀-: «وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه … فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين» (^٢).
أن النبي -ﷺ- دعا بها لابن عباس -﵄-، فقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» (^٣)، ومعلوم أن النبي -ﷺ- لا يختار من الدعاء إلا أفضله.
أن الله جعلها أول مراتب الدعوة إليه، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].
ثالثًا: وسائل تحقيق الحكمة (^٤):
الحكمة من الصفات الفطرية التي يمنُّ بها الحكيم على من يشاء من عباده، إلا أنه سُبْحَانَهُ من رحمته وكرمه أقام أسبابًا تكتسب بها وتنمى، والتي منها:
الدعاء: لأن الله -﷿- مسديها والممتن بها على من يشاء، قال تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٦).
(٢) فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٦٧).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٧٥٦).
(٤) ينظر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والافتاء، مجلة البحوث الإسلامية.
[ ١ / ٢١٤ ]
يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقد دعاء رسول الله -ﷺ- بها لابن عباس -﵄-، فقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ».
العلم: وأساسه وأهمه: العلم بالكتاب والسنة؛ لذا جاء في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] بأن الحكمة: فهم القرآن والفقه فيه، وجاء في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] بأن الحكمة: السنة.
ثم سائر العلوم النافعة التي تثري الثقافة، وتزيد المعرفة، وتوسع الأفق، وتنمي الإدراك، وتطور الفكر.
البعد عن الذنوب والمعاصي: لأن الحكمة هبة من الله ونور منه، ونوره لا يهدى لعاص، إضافة إلى أن المعاصي تزيل النعم، وتجلب النقم، وتورث الذل وتفسد العقل، فلا يوفَّق صاحبها لا في أقواله ولا أفعاله.
الصدقة: قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٦٧ - ٢٧٠] … الآيات.
فيلاحظ أن الله أدخل الحكمة بين آيات الصدقة والإنفاق، وكأن الصدقة سبب من أسباب تحصيل الحكمة والإصابة في القول والعمل.
[ ١ / ٢١٥ ]
الحلم: وهو: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب.
الأناة: وهي: التثبت والتروي والتبصر في الأمور، وعدم العجلة فيها.
فمن رُزِق هاتين الصفتين كانتا سببًا من أسباب انضباط أفعاله وأقواله وحسن تدبيره، فتحصل بهما الحكمة.
الصمت: فهو صفة من صفات الحكماء كما جاء عن السلف -﵏-:
قال وهب بن منبه -﵀-: «أجمعت الاطباء على أن رأس الطب: الحمية، وأجمع الحكماء على أن رأس الحكمة: الصمت» (^١).
وقال عمر بن عبد العزيز -﵁-: «إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت، ويهرب من الناس فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة» (^٢).
قال وهيب بن الورد -﵀-: كان يقال: «الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس» (^٣).
قال الربيع بن أنس -﵀-: «مكتوب في الحكمة: من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل في مداخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم» (^٤).
نسأل الله أن يرزقنا الحكمة؛ فإنه من يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
_________________
(١) الصمت، لابن أبي الدنيا (ص ٢٧٨).
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
(٤) المرجع السابق.
[ ١ / ٢١٦ ]
الحَليمُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «… والحلم بالكسر: الأناة، تقول منه: حلم الرجل بالضم، وتحلَّم: تكلف الحلم …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حلم) الحاء واللام والميم، أصول ثلاثة: الأول ترك العجلة …
فالأول: الحلم خلاف الطيش، يقال: حلمت عنه أحلم؛ فأنا حليم» (^٢).
ورود اسم الله (الحليم) في القرآن الكريم:
ورد اسم (الحَليم) إحدى عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قوله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].
قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٩٠٣).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٩٣).
[ ١ / ٢١٧ ]
ورود اسم الله (الحليم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحليم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^١).
وعن علي -﵁-، قال: قال لي النبي -ﷺ-: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غُفِرَ لَكَ عَلَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٢).
معنى اسم الله (الحليم) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]-: «يعني: أنه ذو أناة، لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم» (^٣).
وقال - أيضًا -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]-: «إن الله كان حليمًا لا يعجل على خلقه الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بالعقوبة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٨٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٣٠)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٦٨٨٩).
(٣) تفسير الطبري (٤/ ٢٨٦).
(٤) المرجع السابق (١٩/ ٦٠٧).
[ ١ / ٢١٨ ]
قال الزجاج -﵀-: «الحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الحليم: هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص» (^٢).
قال الحليمي -﵀-: «ومنها: الحليم، لأن معناه: الذي لا يحبس أنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يزرق المطيع وهو منهمك في معاصيه» (^٣).
قال ابن الأثير -﵀-: «(الحليم) هو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارًا فهو منته إليه» (^٤).
قال ابن القيم -﵀-: «واسم (الحليم) من حلمه عن الجناة والعصاة، وعدم معاجلتهم» (^٥).
قال ابن كثير -﵀-: «الحليم الذي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم، فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]» (^٦).
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٤٥).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٦٣).
(٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٥) مدارج السالكين (٣/ ٣٣١).
(٦) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٥٧).
[ ١ / ٢١٩ ]
قال الشيخ السعدي -﵀-: «الحليم الذي يدرُّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا» (^١).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهْوُ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ … بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (الحليم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (العليم):
اقترن اسم الله الحليم باسمه العليم في ثلاث آيات من كتاب الله، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
وجه الاقتران:
قال الإمام ابن القيم -﵀-: «ولهذا جاء اسمه (الحليم) في القرآن في أكثر من موضع، ولسعته يقرنه سُبْحَانَهُ باسم (العليم) كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] … فإن المخلوق يحلم عن جهل، ويعفو عن عجز، والرب تَعَالَى يحلم مع كمال علمه، ويعفو مع تمام قدرته، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى اقتدار» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٩٤٨).
(٢) النونية (ص ٢٠٧).
(٣) عدة الصابرين (ص ٢٧٦).
[ ١ / ٢٢٠ ]
ثانيًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (الغفور):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الغفور في ست آيات من كتاب الله، من وروده:
قوله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور -﵀-: «وفي مناسبة اقتران وصف (الغفور) (بالحليم) هنا، دون (الرحيم)؛ لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تَعَالَى؛ فلذلك وصف الله نفسه بالحليم؛ لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للفعلة، ويقبل المعذرة» (^١).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الغني في قوله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]؛ لدلالة على أن حلمه ليس عن عجز أو فقر أو حاجة بل عن غنى تام، وقدرة كاملة.
وجه الاقتران:
قال ابن القيم -﵀- في بيان هذا الاقتران في الآية الكريمة: «أنه مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢/ ٣٨٤).
[ ١ / ٢٢١ ]
الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره!» (^١).
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشكور):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الشكور في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]
وجه الاقتران:
لدلالة على أنه يشكر لعبده طاعته وإحسانه، مع حلمه عليه إذا قصر في عبادة الله.
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيم):
اقترن اسم الله الحليم باسمه العظيم في قوله -ﷺ- في دعاء الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، …» (^٢).
وجه الاقتران:
أن حلمه سُبْحَانَهُ عن قوة وعظمة، وليس عن عجز وحاجة.
أن عظمته يزينها الحلم؛ لأن الغالب في عظماء البشر وملوكهم ضعف الحلم عندهم؛ لأنهم يغترون بعظمتهم، ويبطشون بمن خالفهم ولا يحلمون عليهم، فبين -﵎- أن عظمته مقرونة بحلمه.
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص ٣٦٧).
(٢) سبق تخريجه (ص ١٥٣).
[ ١ / ٢٢٢ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحليم):
الأثر الأول: اثبات ما يتضمنه اسم الله (الحليم) من صفاته تعالى:
الله سُبْحَانَهُ الحليم الذي له كمال الحلم وسعته، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].
فأما كمال حلمه:
فهو الحليم العليم الذي صدر حلمه عن علم تام، فأحاط بكل شيء علمًا، لم يغب عنه معصية العاصي، ولا شرك المشرك، ولا كفر الكافر ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩].
وهو الحليم العظيم الذي صدر حلمه عن عظمة وقوة وقدرة تامة، فلم يعجزه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء «لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ» (^١).
وهو الحليم الغني الذي صدر حلمه عن غنى، فلم يحتج ويفتقر إلى أحد كائن من كان ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] (^٢).
وهو الحليم الحكيم الذي صدر حلمه عن حكمة كاملة لا سفه معها، يقدر الأمور ويضعها في مواضعها ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].
وهو الحليم الغفور الشكور الذي صدر حلمه عن مغفرة وشكر، فيغفر الكثير من الزلل، ويقبل القليل من العمل، ويضاعفه بغير حساب، فيجعل
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٧).
[ ١ / ٢٢٣ ]
القليل كثيرًا، والصغير كبيرًا ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
يرى عباده وهم يكفرون به، ويراهم وهم يبارزونه بالعصيان ليل نهار، وهو قادر على أن ينتقم منهم ويبادرهم بالعقاب، مع غناه عنهم وعدم حاجته إليهم، ومع ذلك كله يحلم بهم؛ لحكمة، فيؤخر وينظر ويؤجل، ولا يعاجلهم بالعقاب، لعلهم يرجعون وينيبون، فإذا رجعوا قبل توبتهم وغفر خطيئتهم وشكر لهم سعيهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- حليم عن عباده؛ لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية، ولا يعاجلهم بالعقوبة والانتقام، ويقبل توبتهم بعد ذلك» (^١).
وهو الحليم الذي لا يقطع نعمته عمن غفل عنها وقصر في شكرها، بل لربما نسبها لغيره وشكره عليها، ونسي واهبها ومسديها، فيحلم عليه، ويمده منها.
وهو الحليم الذي لا يمنع نعمته عمن عصاه، يواليهم بالنعم، ويغدق عليهم بالمنن مع معاصيهم وكثرة ذنوبهم، بل إن العاصي لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم الله عليه سمعًا وبصرًا ويدًا وقدمًا وصحة ومالًا ونحو ذلك، فيحلم به فلا يسلبها منه، ولا يحرمه منها، بل لربما زاده منها.
قال الحليمي -﵀-: «الذي لا يحبس إحسانه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع وهو منهمك في معاصيه، كما
_________________
(١) ينظر: اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص ٩٦).
[ ١ / ٢٢٤ ]
يبقي البر التقي وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلًا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله، وربما شغلته العبادة عن المسألة» (^١).
بل من عظيم حلمه- جل في علاه- أن يعصي العاصي فيحلم به فيستره، ولا يفضحه، ويقيض له الأسباب لستره، ويكره منه أن يذيع معصيته ويشهر بها، حتى قال -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^٢).
ومن عظيم حلمه به: أن أمر عباده بستره وعدم فضحه، ورتب على ذلك الثواب العظيم، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).
وهو الحليم الذي لولا حلمه لهلك العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].
وهو الحليم الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، وأمسكهما من أن تزولا من كثرة ذنوب بني آدم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٢).
[ ١ / ٢٢٥ ]
وأما سعة حلمه:
فهو الحليم الذي وسع حلمه كل شيء، حلم على من أشرك به وعبد غيره، وحلم على من كفر به وعادى أوليائه ورسله، وحلم على من حارب دينه وسعى في إطفاء نوره، حلم على من شتمه وكذبه، كما قال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «يَشْتُمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي» (^١) (^٢).
وَسِعَ حلمُه من قال فيه قولًا تكاد السماوات والأرض تنفطر منه وتخر له الجبال هدًّا، أن دعوا للرحمن ولدًا، فصبر عليهم وأمهلهم وأنعم عليهم وعافاهم ورزقهم، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (^٣).
ويدعوهم إلى بابه بخطاب في غاية اللطف واللين؛ ليتوبوا من هذا الذنب العظيم، فيجازيهم بالثواب الجزيل ويغفره لهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣، ٧٤] (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣١٩٣).
(٢) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (ص ٢٣٨).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٧٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٤).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص ٤٥٩).
[ ١ / ٢٢٦ ]
وسع حلمُه فرعونَ مع شدة طغيانه وعتوه، وإفساده في الأرض، حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، فحلم عليه، فلم يعاجله بالعقاب، وأمر رسله بالرفق معه في القول، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقال: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨].
ووسع أصحابَ الأخدود، كفروا به وراودوا المؤمنين للرجوع عن دينهم ومتابعتهم على كفرهم، فامتنعوا، فشقوا الأخدود في الأرض وأججوا فيه النار، ثم فتنوا المؤمنين وعرضوهم على النار، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن امتنع قذفوه، وهذا في غاية المحاربة والمحادة لله وأوليائه، ومع ذلك كله حلم بهم ودعاهم للتوبة والرجوع، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قال الحسن البصري -﵀-: «انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة» (^١).
ووسع حلمُه من استعجل عقابه ودعا بنزوله، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٢ - ٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٦، ١٧].
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٦٦، ٢٧١)، وتفسير السعدي (ص ٩١٩).
[ ١ / ٢٢٧ ]
قال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم- والحالة هذه-لطفًا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] أي: لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك، لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث: حدثنا جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^١) (^٢).
فما أعظم حلمه، وما أوسع فضله، وما أجزل عطاءه ومننه (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحليم) على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله -ﷻ- له الكمال التام في أسمائه وصفاته الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ومن ذلك: اسمه الحليم: فحلم لا عن جهل، بل عن علم تام، وحلم لا عن حاجة، بل عن غنى تام، وحلم لا عن عجز، بل عن قدرة تامة، حلم مع عظمته وجلاله، حلم فأمهل، وحلم فستر، وحلم فأنعم، وسع حلمه كل شيء؛ تيقن أنه لا شبيه له ولا يماثله شيء من مخلوقاته
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٥١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).
(٣) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٦ - ٥٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يستحق أن يشرك معه غيره ويعبد أحد سواه، بل هو الواحد الأحد جل في علاه.
الأثر الثالث: محبة الله تَعَالَى الحليم:
إذا نظر العبد وتأمل في كثرة ذنوبه ومعاصيه، وكيف أن ربه الحليم ستره، فلم يفضحه، ولم يقطع عنه نعمه، فضلًا عن كونه لم يعاجله بالعقوبة، ثم التفت عن يمينه ويساره فوجد فلانًا قريبه على معصية، وصديقه فلانًا على معصية أخرى، والكل ينعَم بحلم الله، ولولا حلمه لهلك، وهلك أحبابه والناس أجمعون! قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]؛ قاده ذلك التأمل والنظر إلى محبته -﵎- حق المحبة وأعظمها.
الأثر الرابع: عدم الاغترار بحلم الله:
إذا تيقن العبد معنى اسم الله (الحليم) وما فيه من كمال وسعة، فعليه أن يضم لهذا اليقين يقينًا آخر، فالله الحليم حسيب يحفظ عمل العبد ولا يخفى عليه شيء منه، والله الحليم قدير لا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته، بل الكل في قبضته، والله الحليم قوي عزيز لا يغلبه أحد ولا يمتنع عليه ممتنع، والله الحليم شديد العقاب، والله الحليم منتقم، والله الحليم بطشه شديد، يمهل ولا يهمل، فإذا أَخَذَ أَخَذَ أَخْذَ عزيزٍ مقتدرٍ، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٣).
[ ١ / ٢٢٩ ]
حلم على قوم نوح وما هم فيه من الشرك والكفر به ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم حلمه وإمهاله لهم إلا عنادًا وطغيانًا، وقدحًا في نبيهم، فقالوا: مجنون، وزجروه وعنفوه أن دعاهم إلى الله، فلم يكفهم الكفر والتكذيب حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، فانتقم الحليم منهم، فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١١ - ١٦] (^١).
حلم على عاد وثمود على ما هم فيه من الشرك والكفر والطغيان، فأعطاهم من القوة وعظم الأجسام ما أعطاهم، والقدرة على البناء الشيء العجيب، وأرسل إليهم الرسل وأيدهم بالآيات والبراهين، فلما لم تنفع فيهم الآيات والعبر، ولم تُجْدِ شيئًا؛ انتقم الحليم منهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٤ - ٨].
حلم على فرعون وقومه مع شدة بطشهم وطغيانهم، فأرسل إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات القاهرات وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدًا غيرهم، فلما كذبوا بآيات الله كلها، وبيتوا القضاء على موسى ومن معه؛ فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٨٢٥).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٨٢٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فالله حليم ولم يزل ولا يزال حليمًا، ولا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة ولا يصلح في حقه الحلم، وذلك بعد أن يعطيه المهلة والوقت الكافي؛ ليتوب ويهتدي، فإذا لم يرجع أخذه أخذ عزيز مقتدر.
وقد يمهله- أيضًا- ويتأنى به ويرزقه ولا يعجله بعقوبة في الدنيا، لكن موعده الساعة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٣ - ٤٨].
فإذا تيقن العبد سعة حلم الله تَعَالَى، وتيقن شدة عذابه، وجمع بين اليقينين، ولاحظ كلًّا منهما؛ سار على الصراط المستقيم، ولم يغتر بحلم الله عليه، وقام في قلبه المقامان العظيمان: مقام الخوف ومقام الرجاء اللذين جمع الله بينهما في كتابه، حتى لا يغفل غافل عن أحدهما، فيحصل الإفراط أو التفريط، قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] إلى غير ذلك من الآيات.
وجمع بينهما رسول الله -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
الأثر الخامس: الحذر من الغفلة:
إذا علم العبد أن الله (حليم)، فليعلم أنه سُبْحَانَهُ يحلم ولا يعاجل بالعقوبة ليتوب العباد وينيبوا، لا لأن يغفلوا ويتمادوا في الكفر والعصيان كما هو مشاهد في كثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
والغفلة من أعظم أمراض القلوب وأخطرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «الغفلة والهوى أصل الشر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل- أي: الغفلة-» (^١).
وقد حذر الله منها، ونوَّع الأساليب في ذلك مبالغةً في التحذير منها، ومن ذلك:
ذم الغافلين عن الآخرة، فقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
قرن الغفلة بالتكذيب، قال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
عاقب من أصيب بالغفلة الكاملة، بالختم على قلبه، وسمعه، وبصره، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ
_________________
(١) الحسنة والسيئة، لابن تيمية (ص ٦١).
[ ١ / ٢٣٢ ]
لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
عاقب صاحبها- أيضًا- بأن أغفله عن ذكره، وجعله متبعًا لهواه، فكان أمره ضائعًا معطلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
جعل الغفلة سببًا للهلاك في الدنيا، فقال في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦].
بين أن أهل الغفلة يتحسرون يوم القيامة على غفلتهم عن الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
جعل الغفلة سببًا لدخول النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧، ٨].
وللغفلة أسباب أوقعت كثيرًا من الناس فيها، منها:
الجهل بالله تَعَالَى: بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرعه.
مخالطة أهل الغفلة، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
[ ١ / ٢٣٣ ]
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
ترك صلاة الجماعة: فعن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، أنهما سمعا النبي -ﷺ- يقول: «للَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^١).
طول الأمل، قال تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
قلة ذكر الموت، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
عدم التدبر في آيات الله الكونية، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
الحرص على الدنيا وملذاتها والاستكثار منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
الاشتغال بالملهيات التي حذر النبي -ﷺ- من الانغماس فيها، فعن ابن عباس -﵄-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٦٢٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٧٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٧٩٤).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٨٥٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٥٦)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٣٢٠) حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٢٥٦).
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال ابن حجر -﵀-: «هو محمول على من واظب على ذلك، حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها» (^١) فإذا كان هذا في الصيد الذي فيه من المنافع ما فيه من تقوية البدن والإعانة على جهاد الأعداء، فما بالك بما دونه؟!
وكما أن للغفلة أسبابًا، فلها طرق علاج، منها:
العلم بالله وشرعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال ابن كثير -﵀-: «لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى- كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر» (^٢).
التقوى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
قراءة القرآن وتدبره، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
ذكر الله تَعَالَى على كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٦٦٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٤٤).
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال ابن القيم -﵀-: «إنه- أي: الذكر- يورث جلاء القلب من صداه … وصدأ القلب: الغفلة والهوى، وجلاؤه: الذكر والتوبة والاستغفار» (^١).
المحافظة على الصلوات الخمس؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^٢).
قيام الليل؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ» (^٣).
صيام التطوع، لا سيما عند غفلة الناس؛ فعن أسامة -﵁- قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^٤).
الدعاء بزوال الغفلة، ومنه: الاستعاذة بالله من مصدرها- الشيطان-، والاستعاذة بالله منها، لا سيما بما ورد عن رسول الله -ﷺ-، فعن أنس -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو، يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص ٤٢ - ٤٣).
(٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (١١٤٢)، والحاكم رقم الحديث: (١١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٥٧).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٣٩٨)، حكم الألباني، صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٣٩٨).
(٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٢٣٥٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن النسائي رقم الحديث: (٢٣٥٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَالْقَسْوَةِ وَالْغَفْلَةِ، وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ وَالْبَكَمِ، وَالْجُنُونِ، وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَسَيِّيءِ الْأَسْقَامِ» (^١).
تدبر حال الدنيا وأن مصيرها ومصير ملذاتها إلى الفناء والزوال، قال الله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
تذكر الموت والبلى؛ فعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً» (^٢)، وقال في حديث أبي هريرة -﵁-: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (^٣) يعني: الموت.
الأثر السادس: اتصاف العبد بالحلم:
الله الحليم يحب أن يتصف عبده بصفة الحلم؛ لذا مدح أنبيائه به، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال عن إسماعيل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، وقال رسول الله -ﷺ- لأشج عبد القيس -﵁-: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (١٠٢٣)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٢٣٥)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٢٣٥).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٥٨)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٥٨).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧).
[ ١ / ٢٣٧ ]
فإذا علم العبد ذلك فعليه أن يجاهد نفسه على التخلق بهذه الخلة والخصلة الكريمة، فيحلم على من عصا أمره ومن خالفه، ويحلم على خدمه ومن تحت أمرته كما حلم الله عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
قال القرطبي -﵀-: «فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليمًا، فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه، ويرفع الانتقام عمن أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية.
وكما تحب أن يحلم عنك المالك، فاحلم أنت عمن تملك؛ لأنك متعبد بالحلم، مثاب عليه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]». (^١)
وفي الملحق التالي ما يعين -بإذن الله- على التخلق بخلق الحلم والاتصاف به.
_________________
(١) الأسنى، القرطبي (١/ ٩٧ - ٩٨).
[ ١ / ٢٣٨ ]
«حليم يحب الحلماء»
في موضوع الحلم سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الحلم:
قال الجرجاني -﵀-: «الحلم هو الطمأنينة عند سورة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظالم - أي: مجازاته على ظلمه-» (^١).
وقال المناوي -﵀-: «الحلم هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى، أو رفع المؤاخذة عن مستحقها بالجناية في حق مستعظم، أو هو رزانة في البدن يقتضيها وفور العقل» (^٢) (^٣).
ثانيًا: فضائل الحلم:
الحلم من الصفات المحمودة التي رغب فيها الإسلام، وبيَّن فضلها في الكتاب والسنة، ومن هذه الفضائل:
أن الحلم من صفات عباد الله الصالحين، قال الله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،
_________________
(١) التعريفات (ص ٩٢).
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف (ص ١٤٦).
(٣) ينظر: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، لابن حميد (٥/ ١٧٣٦).
[ ١ / ٢٣٩ ]
قال الحسن البصري -﵀-: «حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا» (^١).
أن الحلم من الصفات التي يحبها الله؛ فعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله لأشج عبد القيس -﵁-: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (^٢)، وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (^٣).
أن الحلم سبب لإعانة الله للعبد؛ فعن أبي هريرة -﵁- «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ (^٤)، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (^٥).
قال النووي -﵀-: «ومعناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه، وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ١٢٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣)، واللفظ له.
(٤) تسفهم: من السف، أي: تذر الشيء عليهم. المل: الرماد الحار. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧٥)، شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٥).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم» (^١).
أن الحلم سبب لدفاع الملائكة عن صاحبه؛ فعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «بينما رسول الله -ﷺ- جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر، فآذاه، فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ» (^٢).
أن من أوتي الحلم- الذي من أعلى صوره وأجلها: العفو عن المسيء مع الإحسان إليه- أوتي حظًّا عظيمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
أن الحلم سبب لنيل الدرجات العلى والجزاء الأوفى في الأخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] إلى
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٥).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٩٦)، حكم الألباني: حسن لغيره، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٣٧٦).
[ ١ / ٢٤١ ]
أن قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].
وقال النبي -ﷺ- في حديث معاذ بن أنس الجهني -﵁-: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ -﵎- عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» (^١).
أن الحلم من خلق الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال عن إسماعيل -﵇-: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]؟
وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم؛ وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٧٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٢١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٥٢٢).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٣٢).
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقال عن شعيب -﵇- حكاية لقول قومه له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقال عن رسول الله -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ومنه الحلم الذي نطقت به سيرته وشهدت به مواقفه -ﷺ-، ومن ذلك:
ما رواه أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (^١).
ما روته أم المؤمنين عائشة -﵂- «أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٨٠٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٧).
[ ١ / ٢٤٣ ]
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^١).
عن عائشة -﵂- قالت: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^٢).
ثالثًا: وسائل تعين على الاتصاف بصفة الحلم:
الحلم من الصفات الجبلية التي يمتن الله بها على بعض عباده، كما امتن بها على الأشج -﵁-؛ فقد قال له النبي -ﷺ-: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ» (^٣).
ومع ذلك فالحلم من الصفات المكتسبة- أيضًا- لذا جاء في حديث أبي الدرداء -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٢٢٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٣١٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٢٢٥).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم الحديث: (٢٦٦٣)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال، رقم الحديث: (٢٤٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٣٢٨).
[ ١ / ٢٤٤ ]
وهذا ذكر لبعض الوسائل التي تعين على هذا الخلق الكريم:
تذكر كثرة حلم الله على العبد:
قال أَبُو حاتم -﵀-: «الواجب على العاقل إذا غضب واحتد: أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه، وتعديه حرماته، ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي» (^١).
تذكر الفضل والثواب المترتب على الحلم.
استشعار أن مقابلة المسيء بجنس عمله لا تفيد شيئًا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وبضد ذلك الحلم عليه والإحسان إليه فإنه يقلب العداوة مودة، كما قال أصدق القائلين: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (^٢).
ترويض النفس على الصبر والتخلق به؛ فقد بين الله -﷿- أن السبيل للعفو عن المسيء ومقابلة إساءته بالإحسان الذي هو من أعظم صور الحلم سبيله الصبر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥] قال ابن عاشور -﵀-: «فالصابر مرتاض بتحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ، فيهون عليه ترك الانتقام» (^٣).
_________________
(١) روضة العقلاء، لابن حبان (ص ٢١٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ٧٤٩).
(٣) التحرير والتنوير (٢٤/ ٢٩٥).
[ ١ / ٢٤٥ ]
الابتعاد عن الغضب وأسبابه، ومعالجته إذا وقع؛ وذلك لأنه يدفع صاحبه إلى الحقد والانتقام ومقابلة السوء بالسوء، ويصعب معه الحلم، قال لقمان الحكيم: «ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة» (^١).
وقد أرشد النبي -ﷺ- إلى ذلك، فأوصى بالابتعاد عنه، كما في حديث أبي هريرة -﵁-، أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (^٢).
وبين الطرق العملية لمعالجته إذا وقع، فمنها:
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ فعن سليمان بن صرد -﵁-، قال: «كنت جالسًا مع النبي -ﷺ- ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي -ﷺ-: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ»، (^٣) وذلك لأن الغضب من نزغه (^٤).
الوضوء؛ فعن عطية -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٥).
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٣/ ١٧٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١١٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٨٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦١٠).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٣).
(٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٢٦٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٨٤)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٥١٠).
[ ١ / ٢٤٦ ]
السكوت؛ فعن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (^١).
تغير الحال الذي يكون عليه؛ فعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» (^٢). قال الخطابي -﵀-: «القائم متهيئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي -ﷺ- إنما أمره بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها في ما بعد» (^٣).
اللهمَّ يا حليمُ يا غفورُ سبحانِكَ وبحمدِكَ، أسألُكَ حِلْمَكَ ومَغْفرَتَكَ.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٦٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢٤٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٤٠٢٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٧٤٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٨٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٨٢).
(٣) معالم السنن (٤/ ١٠٨).
[ ١ / ٢٤٧ ]
الحَميْدُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل، أحمده حمدًا ومحمدة، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حمد) الحاء والميم والدال كلمة واحدة وأصل واحد، يدل على خلاف الذم، يقال: حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة، ويقول العرب: حماداك أن تفعل كذا، أي: غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم، ويقال: أحمدت فلانًا، إذا وجدته محمودًا» (^٢).
ورود اسم الله (الحَمِيد) في القرآن الكريم:
ورد اسم (الحَمِيد) سبع عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٢٨).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقوله -﷿-: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
وقوله -﷿-: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
ورود اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي حميد الساعدي -﵁- أنهم قالوا: «يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله -ﷺ-: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^١).
معنى اسم الله (الحَمِيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «هو المحمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله» (^٢)، وقال- في موضع آخر-: «والحميد الذي استوجب عليكم- أيها الخلق- الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك- أيها الناس- باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٦٩).
(٢) تفسير الطبري (٤/ ٧١١).
(٣) المرجع السابق (٧/ ٥٧٩).
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال الزَّجَّاج -﵀-: «الحميد هو فعيل في معنى: مفعول، والله تَعَالَى هو المحمود بكل لسان وعلى كل حال، كما يقال في الدعاء: الحمد لله الذي لا يحمد على الأحوال كلها سواه» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «(والحميد) هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله، وهو فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء؛ لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط، ولا يعترضه الخطأ، فهو محمود على كل حال» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «الحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين» (^٣).
قال ابن كثير -﵀-: «وهو (الحميد) أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأحسنها؛ فإن أفعاله تَعَالَى دائرة بين الفضل والعدل» (^٥).
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٥٥).
(٢) شأن الدعاء (ص ٧٨).
(٣) جلاء الأفهام (ص ٣١٦).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣٢١).
(٥) تفسير السعدي (ص ٩٤٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال ابن القيم -﵀- في النونية:
وَهْوُ الحَمِيدُ فَكُلُّ حَمْدٍ وَاقِعٍ … أَوْ كَانَ مَفْرُوضًا مَدَى الأَزْمَانِ
مَلَأَ الوُجُودَ جَمِيعَهُ وَنَظِيرَهُ … مِنْ غَيْرِ مَا عَدٍّ وَلَا حُسْبَانِ
هُوَ أَهْلُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ … كُلُّ المَحَامِدِ وَصْفُ ذِي الإِحْسَانِ (^١)
الفرق بين الحمد والشكر:
الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب.
ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا.
ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه- وهو المحمود عليها- كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم.
فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس؛ فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان (^٢).
_________________
(١) النونية (ص ٢٠٤).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٣٧).
[ ١ / ٢٥١ ]
اقتران اسم الله (الحَمِيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):
وذلك في ثلاثة مواضع، ومنها: قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
وجه الاقتران:
يقال: «العزة صفة كمال لله -﷿-، والحمد صفة كمال أخرى، واقتران العزة بالحمد صفة كمال ثالثة لله تَعَالَى، فله الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لحزبه وجنده» (^١).
ويتلخص من هذا معنيان:
أن له الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لجنده وحزبه.
أن العزة تحمل- في الغالب- على التعسف والظلم والقهر، أما الله -﷿- فمع عزته الكاملة إلا أنه محمود في هذه العزة؛ فهي عزة تحمله على كمال العدل.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):
وذلك في عشرة مواضع في كتاب الله، ومن وروده: قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا
_________________
(١) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص ٢٠٨).
[ ١ / ٢٥٢ ]
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وجه الاقتران:
يقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فإنه سُبْحَانَهُ طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فغناه وحمده يأبى قبول الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث، إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف؛ فإنه لا يقبله» (^١).
وكذلك يقال في وجه هذا الاقتران مثل ما قيل في اقتران اسمي الله العزيز والحميد؛ فإن الغنى في العادة يقود إلى الطغيان والبطر، كما قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] أما غنى الرب المحمود بأفعاله؛ فهو غنى مع البذل والعطاء، الذي يستوجب الحمد والثناء.
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وجه الاقتران:
يقول الشيخ السعدي -﵀-: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه وينزله منازله، ﴿حميد﴾ على ما له من صفات الكمال
_________________
(١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٧٤).
[ ١ / ٢٥٣ ]
ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (^١).
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (المجيد):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم -﵀-: «والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامدًا له، وكذا من أثنيت عليه- لغرض ما- ولم تحبه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبًّا، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم، والله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ، وأما المجد فهو مستلزم للعظمة، والسعة، والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٥٠).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٣١٦).
[ ١ / ٢٥٤ ]
خامسًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الولي):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
وجه الاقتران:
يقول السعدي -﵀-: «هو الولي الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، الحميد في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَمِيد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحميد) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ هو له الحمد كاملًا تامًّا، وذلك من وجهين، يقول السعدي -﵀-: «والله سُبْحَانَهُ حميد من وجهين:
أحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد- لم يقع منهم، بل كان مفروضًا ومقدرًا؛ حيثما تسلسلت الأزمان واتصلت الأوقات حمدًا يملأ الوجود كله، العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عد ولا إحصاء؛ فإن الله تَعَالَى مستحقه كله لاغيره.
ثانيهما: أنه يحمد على ماله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال،
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٧٥٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله؛ لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام» (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحميد) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله الحميد، وما فيه من دلائل كمال الذات والأسماء والصفات؛ علم أنه لا إله تنبغي له الألوهية والربوبية غيره.
- وقد مدح الله نفسه على تفرده في الألوهية، وامتناعه عن الاتصاف بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك، أو موالاة أحد من الخلق لحاجة له، فقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
- ومدح الله نفسه على تفرده في الربوبية، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الجاثية: ٣٦، ٣٧] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وكما أن اسم الله الحميد دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ كل أسمائه وصفاته حمد تَعَالَى سُبْحَانَهُ وتقدس.
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ١٩٠).
[ ١ / ٢٥٦ ]
الأثر الثالث: كل ما في الكون يحمد الله سُبْحَانَهُ:
يقول السعدي -﵀- عند تفسيره لقوله تَعَالَى-: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، «أي: من حيوان ناطق وغير ناطق، ومن أشجار ونبات وجامد، وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال، ولسان المقال، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم، بل يحيط بها علام الغيوب» (^١).
كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (^٢)، ويقول سُبْحَانَهُ- في موضع آخر-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، ومن تأمل هذه الآية بقلبه علم أن الخلائق كلها ما أدركناه وما لم ندركه، والأفلاك والأجرام جميعها ماعلمناه، وما لم نعلمه، والجبال والأشجار والدواب، كل تلك الحشود تسير في موكب واحد خاشع تسجد كلها لله، وتتجه له وحده دون سواه، إلا ذلك الإنسان، فهو وحده الذي اختلف حاله وانقسم مصيره، ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].
وإنما كان كل ما في الكون حامدًا لله؛ لأنه ملك له، فعمومية الحمد بعمومية الملك.
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٤٥٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٧٩).
[ ١ / ٢٥٧ ]
يقول ابن القيم -﵀- في هذا-: «الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته؛ ولهذا يحمد سُبْحَانَهُ نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله؛ ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته، وتفاصيل الأمر والنهى واسعة جدًا؛ لأن جميع أسمائه -﵎- حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله، فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر» (^١).
والحمد لله سُبْحَانَهُ ممتد في الدنيا والآخرة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠]، وممتد كذلك في السماء والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]،
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ١٤ - ١٩).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وممتد عبر الزمان يقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].
الأثر الرابع: الحمد المطلق لله وحده:
فالحمد من أوله إلى آخره مستحق لله تَعَالَى، كما قال الله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، فالألف واللام في الحمد تدل على الاستغراق، أي: هو الذي له جميع المحامد بأسرها، ولا يكون ذلك لأحد إلا لله -﵎- فهو حميد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي كل شأن من شؤونه.
يقول ابن القيم -﵀- في معنى قول: (الحمد كله لله) -: «فإذا قيل: الحمد كله لله، فهذا له معنيان:
أحدهما: أنه محمود على كل شيء، وهو مايحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده -﷿-، بل هو المحمود بالقصد الأول، والمحمود أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا …
أما المعنى الثاني: أن يقال: (لك الحمد كله) أي: الحمد التام الكامل، وهذا مختص بالله ليس لغيره فيه شركة، والتحقيق: أن له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سُبْحَانَهُ» (^١).
الأثر الخامس: افتتاح كل أمر بحمده تعالى، واختتامه به:
- افتتح الله الخلق بالحمد في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]،
_________________
(١) أسماء الله الحسنى (ص ٢٠٧).
[ ١ / ٢٥٩ ]
واختتمه بالحمد- أيضًا- في قوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]».
- أهل الجنة يفتتحون دخولهم الجنة بالحمد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وآخر دعواهم في الجنة: الحمد لله، يقول -﷿-: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
- خطبة الحاجة مفتتحة بالحمد لله، وقد كان النبي -ﷺ- يبدأ بها كل خطاب، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).
كل تفاصيل حياة المؤمن تبدأ بالحمد وتختم به، ومن ذلك: النوم (^٢)، فقد كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ، وَلَا مُؤْوِيَ» (^٣)، فإذا استيقظ قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١٨٩٢)، والدارمي، رقم الحديث: (١٨٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه رقم الحديث: (١٨٩٢).
(٢) سنذكر في الملحق الكثير من مواضع الحمد؛ لذا فقد اكتفينا هنا بالإشارة إلى موضع واحد.
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٢٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١١).
[ ١ / ٢٦٠ ]
الأثر السادس: لا نحصي ثناء على الحميد سُبْحَانَهُ:
من تأمل الشواهد القرآنية وجد أن الحميد سُبْحَانَهُ نوَّع حمده، وأسباب حمده، فجمعها تارةً وفرقها أخرى؛ ليتعرف العبيد على ربهم، ويتعلموا كيف يحمدوه ويثنوا عليه.
ويمكن تقسيم هذه المحامد والنعم إلى قسمين:
محامد ونعم دينية:
حمده على وحدانيته، وتعاليه عن الشريك والنظير والمثيل:
فإن من أعظم نعم الحميد سُبْحَانَهُ أن جعلنا عبيدًا له خاصة، ولم يجعلنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، فالحميد سُبْحَانَهُ حمد نفسه على ربوبيته للعالمين، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وعلى تفرده وامتناعه عما ينافي الكمال من اتخاذ الولد والشريك، فقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
وحمد نفسه بكونه حيًّا لا يموت؛ لتضمنه كمال حياته، فقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، ولنعلم بأن حقيقة الحمد تابعة لإثبات أوصاف الكمال، ولهذا لا يحمد نفسه سُبْحَانَهُ بعدم إلا إذا كان متضمنًا لثبوت كمال.
حمده على كمال ملكه:
يقول الله -حامدًا نفسه على كمال ملكه-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي
[ ١ / ٢٦١ ]
الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١ - ٢].
وكيف لا يحمد سُبْحَانَهُ على كمال خلقه، وهو: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وعلى صنعه وقد أتقنه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].
حمده على نور التوحيد، وجعله وسيلة النجاة لسائر العبيد:
فمن محامد الرب سُبْحَانَهُ: أن هدى عباده المتقين إلى سبيل دار السلام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمه مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، ومع هذا كله فقد جعل لهم دارًا وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها.
وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا، وإن أساءوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم، لا بخلًا منه عليهم، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العمل به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه، وتبعدهم عن غضبه، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وسماهم بأحسن أسمائهم.
ومن أمثلة ذلك: قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
حمده على إنزال القرآن وإرسال الرسل:
يقول الشيخ السعدي -﵀- عند تفسيره لقوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]-: «إن أجلَّ نعمه على الإطلاق: إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله محمد
[ ١ / ٢٦٣ ]
-ﷺ-، فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم» (^١).
محامد ونعم دنيوية:
حمده على تسخير الكون لخدمة عبيده:
ولعل من أفضل ماقيل في ذلك: قول ابن القيم -﵀-: «الدنيا قرية، والمؤمن رئيسها، والكل مشغول به، ساع في مصالحه، والكل قد أقيم في خدمته وحوائجه؛ فالملائكة الذين هم حملة عرش الرحمن ومن حوله يستغفرون له، والملائكة الموكلون به يحفظونه، والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فيه، والأفلاك سخرت منقادة دائرة بما فيه مصالحه، والشمس والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب أزمنته وأوقاته وإصلاح رواتب أقواته.
والعالم الجوي مسخر له برياحه وهوائه وسحابه وطيره، وما أودع فيه، والعالم السفلي كله مسخر له مخلوق لمصالحه أرضه وجباله، وبحاره وأنهاره، وأشجاره وثماره، ونباته وحيوانه، وكل ما فيه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، فالسائر في معرفة آلاء الله وتأمل حكمته وبديع صفاته أطول باعًا، وأملأ صواعًا من اللصيق بمكانه، المقيم في بلد عادته وطبعه» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٤٦٩).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٦٣).
[ ١ / ٢٦٤ ]
حمده على سائر النعم الظاهرة والباطنة:
من تأمل في نعم الله والكرامات التي ميز بها بني آدم عن غيرهم من المخلوقات وجد عجبًا، فقد فضل بنو آدم بالعقل والعلم، والبيان والنطق، والشكل والصورة الحسنة، والهيئة الشريفة، واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر، والاستنباط والبحث والاستدلال، فضلًا عن الهداية والرزق والكسوة، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ» (^١).
ويقول سُبْحَانَهُ- في بيان نعمه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] ويقول- كذلك-: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وغيرها من الشواهد كثير جدًّا.
الأثر السابع: محبة الحميد سُبْحَانَهُ:
معرفة اسم الله الحميد وآثاره ومعانيه، تورث في قلب العبد محبة عظيمة صادقة لله -﷿-، لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وهذه المحبة بدورها تثمر
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ١ / ٢٦٥ ]
عبوديات أخرى، كالإخلاص لله تَعَالَى والحياء والأدب مع الله -﷿-، والقيام بأوامره تَعَالَى واجتناب نواهيه والتقرب إليه بطاعته، فالحمد يميز المؤمن عن غيره؛ فغير المؤمن يقف حبيس النعمة يتمتع بها غافلًا عن المنعم، أما المؤمن فينتقل مباشرة من شهود النعم والعطايا إلى المنعم سُبْحَانَهُ وعظمته ورحمته ولطفه وبره وإحسانه وحكمته.
الأثر الثامن: (حمد الله على كل حال):
أقدار الله على العباد كلها محمودة، فالله -﷿- محمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع، وكل أفعاله تَعَالَى إنما هي نعم ومنن في حق العبد، إن قابلها بما يجب لها من رضا وإحسان.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك-: «والرضا وإن كان من أعمال القلوب، فكماله هو الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا؛ ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال، وذلك بتضمن الرضا بقضائه، وفي الحديث: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) (^١).
وروت عائشة -﵂-: (كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَسُرُّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وَإِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَكْرَهُهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٢٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٩)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٩٥٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٧٦٩).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -ﷺ- قال: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) (^١).
ونبينا محمد -ﷺ- هو صاحب لواء الحمد، وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء.
والحمد على الضراء يوجبه مشهدان:
أحدهما: علم العبد بأن الله سُبْحَانَهُ مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه؛ فإنه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.
والثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، فقد قال النبي -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ -وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ- إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).
فأخبر النبي -ﷺ- أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٢١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٠٨).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الأثر التاسع: ذكر حمد الحميد سُبْحَانَهُ في كل شعائر الدين:
من تأمل اسم الله الحميد وجد أن الله سُبْحَانَهُ بدأ أم الكتاب (سورة الفاتحة) بالحمد، وكذا كانت سيرة نبيه -ﷺ-، فكان يفتح خطابه بالحمد دائمًا بخطبة الحاجة، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١)، وفي الحديث: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» (^٢)، وما من شعيرة من شعائر الدين إلا وتبدأ بحمد الحميد سُبْحَانَهُ (^٣)، ومن ذلك:
أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد تقرن كثيرًا بالحمد، ومن ذلك قوله -ﷺ-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٤).
الصلاة وهي عمود الدين تبدأ بالحمد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٩٢)، والدارمي (١٨٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه رقم الحديث: (١٨٩٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٧١٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٢٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٢٤٥).
(٣) سنقتصر هنا على إيراد بعض الشعائر، أما فضل الحمد والأذكار الخاصة به فهي في الملحق الخاص بهذا الاسم (الحميد).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٨٥).
[ ١ / ٢٦٨ ]
تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١)، ثم قراءة الفاتحة، وأول آياتها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، ثم في الركوع والسجود، لحديث عقبة بن عامر: «كان النبي -ﷺ- إذا ركع قال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ (ثلاثًا)، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ (ثلاثًا)» (^٢)، وكذا عند الرفع من الركوع؛ فعن علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (^٣)، وفي التشهد- أيضًا-: «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ»، بل وكان النبي -ﷺ- يقول- في دبر كل صلاة مكتوبة-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٤).
الحج والعمرة، ففيهما يقول الحاج والمعتمر: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (^٥)، وعن عبد الله بن عمر -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٩).
(٢) أخرجه أبو داود رقم الحديث: (٨٧٠)، وابن ماجه رقم الحديث: (٨٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٧٣٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٦).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٩٣).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٥٤٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢١٨).
[ ١ / ٢٦٩ ]
يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٧٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٤٤).
[ ١ / ٢٧٠ ]
«الحميد يحب الحامدين»
في موضوع الحمد سنتطرق لعدة مسائل:
أولًا: تعريف الحمد:
الحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها.
ثانيًا: من فضائل الحمد:
للحمد فضائل عدة، منها:
(الحمد لله) من أفضل الدعاء: يقول -ﷺ-: «وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلهِ» (^١)، «وسمى الحمد لله دعاءً - وهو ثناء محض- لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه؛ فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجة» (^٢).
(الحمد لله) هو خير الكلام وأحبه إلى الله: يقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٣).
(الحمد لله) سبب لمغفرة الذنوب: يقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١١٠٤).
(٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (٣/ ٥٢١).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣١).
[ ١ / ٢٧١ ]
تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ» (^١).
(الحمد لله) غراس الجنة: يقول -ﷺ-: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (^٢).
(الحمد لله) من الأذكار العظيمة التي تسابقت الملائكة لكتابتها؛ فعن رفاعة بن رافع، قال: «كنا نصلي وراء النبي -ﷺ-، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ قال: أنا، قال: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ» (^٣).
بحمد الله تنال الرحمة: يقول -ﷺ-: «إذَا قَالَ العَبْدُ: الْحَمْدُ لله كَثِيرًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: اكْتُبُوا لِعَبْدِي رَحْمَتِي كَثِيرًا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٨).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٣٦٣) حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥١٥٢).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٩٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٠٠).
(٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٨٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٥١١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٤٥٢).
[ ١ / ٢٧٢ ]
بحمد الله ينال العبد رضا الله تَعَالَى: يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (^١).
بالحمد تستجلب النعم: يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
الحمد لله صدقة من الصدقات: يقول -ﷺ-: «وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً» (^٢).
ثالثًا: كيف تكون من الحامدين؟
الأمر الأول لتكون من الحامدين: أن تكون محمودًا في كل أحوالك:
فالعبد إذا علم أن ربه تَعَالَى هو الحميد ويحب المحامد؛ اشتاقت نفسه وتطلعت أن يتخلق بما يحمد عليه؛ فيكون محمودًا في كل أقواله وأفعاله وأحواله، محمودًا عند الله وعند المؤمنين، فهذا هو التحقق باسم الله الحميد.
عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٠٦).
[ ١ / ٢٧٣ ]
نَذْكُرُ اللهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ -﷿- يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» (^١).
فلله تَعَالَى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق مايطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
الأمر الثاني لتكون من الحامدين: أَكْثِرْ من حمد الحميد سُبْحَانَهُ:
المؤمن يستشعر جيدًا أن حمد النعم عند الله سُبْحَانَهُ أهم وأفضل وأعظم من النعم نفسها، ففي الحديث الصحيح يقول النبي -ﷺ-: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَفْضَلَ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وَإِنْ عَظُمَتْ» (^٢).
وهناك مواطنُ عِدَّةٌ يتأكَّدُ فيها الحمدُ، ومنها:
عند النوم: فقد كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ، وَلَا مُؤْوِيَ» (^٣).
عند الانتباه ليلًا: يقول -ﷺ-: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠١).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٩٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٥٦٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).
[ ١ / ٢٧٤ ]
الْحَمْدُ لِلهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).
عند رؤية الرؤيا الحسنة في المنام: يقول -ﷺ-: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ» (^٢).
دُبُرَ الصلاة: يقول -ﷺ-: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» (^٣).
قبل الدعاء: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي فَمَجَّدَ اللهَ وَحَمِدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» (^٤).
عندَ حلولِ النعمِ: يقول -ﷺ-: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِلَّا كَانَ مَا أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٨٥).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٦).
(٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٦)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٢٠٨)، واللفظ للطبراني، حكم الألباني: صحيح، صفة الصلاة (٣/ ٩٩٠).
(٥) سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
بعدَ الأكلِ والشربِ: يقول -ﷺ-: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
عند لبس الثوب: يقول -ﷺ-: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (^٢).
عند رؤيةِ المبتَلَى: يقول -ﷺ-: «مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ» (^٣).
في ختام المجلس: يقول -ﷺ-: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ -قَبْلَ أَنْ يَقُومَ-: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ ثُمَّ أَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (^٤).
عند العطاس: يقول -ﷺ-: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٨٧٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٥٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٢٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٠٨٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٩٢)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٠٢).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٥٥٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٥٧)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (٢٢٣).
[ ١ / ٢٧٦ ]
لِلهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» (^١).
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُهُ، ولَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، نَسْألُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَنعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٢٤).
[ ١ / ٢٧٧ ]
الحيُّ القيُّوم -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (الحَيُّ):
قال الجوهري -﵀-: «[حيا] الحياة: ضد الموت والحي: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة. تقول: محياي ومماتي. والجمع المحايى …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت … فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حيًّا؛ لأن به حياة الأرض …» (^٢).
ثانيًا: (القَيُّومُ):
قال الجوهري -﵀-: «قوام الأمر بالكسر: نظامه وعماده، … والقيوم: اسم من أسماء الله تَعَالَى» (^٣).
قال ابن فارس -﵀-: «(قوم) القاف والواو والميم أصلان صحيحان،
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٣٢٣ - ٢٣٢٤).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٢).
(٣) الصحاح (٥/ ٢٩٦).
[ ١ / ٢٧٨ ]
يدل أحدهما على جماعة ناس، وربما استعير في غيرهم، والآخر على انتصاب أو عزم …
قام قيامًا، والقومة: المرة الواحدة، إذا انتصب، ويكون قام بمعنى العزيمة، كما يقال: قام بهذا الأمر، إذا اعتنقه، وهم يقولون في الأول: قيام حتم، وفي الآخر: قيام عزم» (^١).
ورود اسم الله (الحي القَيُّوم) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحَي) خمسَ مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
وقال -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٦].
ثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القَيُّوم) ثلاث مرات في كتاب الله، وهي:
قول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
وقوله -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٣).
[ ١ / ٢٧٩ ]
ورود اسم الله (الحَي - القَيُّوم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحَي القيوم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن زيد بن حارثة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (^١).
عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (^٢).
عن أنس بن مالك -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (^٣).
معنى اسم الله (الحَي - القَيُّوم) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: الحي: هو من له الحياة الكاملة التي لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص، أو سنة، أو نوم، أو مرض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٢٣٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٧)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٤٩).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٣٣٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٧٧٧).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء:
- قال الطبري -﵀-: «(الحي) فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخر له بأمد؛ إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيًّا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بانقضاء غايتها» (^١)، وقال -﵀- أيضًا: «وصف نفسه بالحياة الدائمة التي لا فناء لها ولا انقطاع، ونفى عنها ما هو حال لكل ذي حياة من خلقه، من الفناء وانقطاع الحياة عند مجيء أجله» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «الحي يفيد دوام الوجود، والله تَعَالَى لم يزل موجودًا ولا يزال موجودًا». (^٣)
قال الخطابي -﵀-: «الحي من صفة اللهتَعَالَى هو الذي لم يزل موجودًا، وبالحياة موصوفًا، لم تحدث له الحياة بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء يعتورهم الموت أو العدم في أحد طرفي الحياة أو فيهما معًا، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]» (^٤).
قال ابن كثير -﵀-: «الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ٣٨٦).
(٢) المرجع السابق (٦/ ١٥٧).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٥٦).
(٤) شأن الدعاء (ص ٨٠).
(٥) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٨).
[ ١ / ٢٨١ ]
قال السعدي -﵀-: «فالحي من له الحياة الكامل المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وَالحَيُّ يَتْلُوهُ فَأَوْصَافُ الكَمَا … لِ هُمَا لِأُفْقِ سَمَائِهَا قُطْبَانِ
فَالحَيُّ والقَيُّومُ لَنْ تَتَخَلَّفَ الـ … أَوْصَافُ أَصْلًا عَنْهُمَا بِبَيَانِ (^٢)
ثانيًا: (القَيُّومُ):
يدور معنى اسم الله (القيوم) في حقه تَعَالَى حول ثلاثة معان:
الدائم الذي لا يزول.
القائم بنفسه.
القائم بغيره؛ فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥].
وحول هذه المعاني الثلاث تدور أقوال العلماء:
قال أبو عبيدة -﵀-: «(القيوم): القائم، وهو الدائم الذي لا يزول» (^٣).
قال الطبري -﵀-: «القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يعني
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ١١٠).
(٢) النونية (ص ٢١١).
(٣) مجاز القرآن (١/ ٧٨).
[ ١ / ٢٨٢ ]
بذلك: المتولي تدبير أمرها» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «(القيوم): فَيْعُول، من قام يقوم، وهو من أوصاف المبالغة في الفعل، وهو من قوله -﵎-: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: يحفظ عليها ويجازيها ويحاسبها» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «(القيوم) هو: القائم الدائم بلا زوال، ووزنه: فَيْعُول، من القيام، وهو نعت المبالغة في القيامة على الشيء، ويقال: هو القيم على كل شيء بالرعاية له، ويقال: قمت بالشيء إذا وليته بالرعاية والمصلحة» (^٣).
قال ابن الأثير -﵀-: «و(القيوم): من أسماء الله تَعَالَى المعدودة، وهو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به» (^٤).
قال القرطبِي -﵀-: «(القيوم) من قام، أي: القائم بتدبير ما خلق» (^٥).
قال ابن كثير -﵀-: «القيم لغيره، وكان عمر يقرأ: (القيام) فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]» (^٦).
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٢) اشتقاق الأسماء (ص ١٠٥).
(٣) شأن الدعاء (ص ٨٠).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٤/ ١٣٤).
(٥) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧١).
(٦) تفسير ابن كثير (١/ ٦٧٧).
[ ١ / ٢٨٣ ]
قال السعدي -﵀-: «الذي قام بنفسه، فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح» (^١).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
هَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ: القَيُّومُ وَالـ … ـقَيُّومُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ
إِحْدَاهُمَا القَيُّومُ قَامَ بِنَفْسِهِ … والكَوْنُ قَامَ بِهِ هُمَا الأَمْرَانِ
فَالأَوَّلُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ … والفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إِلَيْهِ الثَّانِي
الخلاف في الاسم الأعظم، وقول بعض أهل العلم: إن (الحي القيوم) اسم الله الأعظم (^٢):
دلت النصوص على أن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا تتفاضل، فليست كلها على درجة واحدة، بل ثبت عن رسول الله -ﷺ- أن لله اسمًا أعظم إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب، وهذه فضيلة عظيمة اختص بها هذا الاسم، ولم يرد تعيينه صريًحا في النصوص، إلا أنه وردت أحاديث تدل على أنه (الحي القيوم)، على خلاف في ذلك بين العلماء، منها:
عن أنس -﵁-، «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- جَالِسًا، وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ١٢١).
(٢) سبق بيان الخلاف فيه، والأدلة في اسم الله الأعظم في اسم الله (الله) -ﷻ-.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
عن أبي أمامة -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ - فِي سُوَرٍ ثَلَاثٍ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه» (^٢).
واختار أنه الحي القيوم جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عثيمين -﵏-.
قال ابن تيمية -﵀-: «ولهذا كان أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وهو الاسم الأعظم» (^٣).
وفي ترجيح كونه الاسم الأعظم، قال ابن القيم -﵀-: «صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم» (^٤).
قال ابن عثيمين -﵀-: «اسم الله الأعظم هو الحي القيوم (^٥)»، وعلل هذا، فقال: «قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٥٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٦).
(٣) مجموع الفتاوى.
(٤) زاد المعاد (٤/ ١٨٥).
(٥) فتاوى نور على الدرب.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في (الحي)؛ وصفة الإحسان، والسلطان في (القيوم)» (^١) (^٢).
اقتران اسم الله (الحَيِّ - القَيُّومِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الحَي إلا باسمه القَيُّوم.
وذلك في ثلاثة مواضع، منها:
قول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
وقال -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
وجه الاقتران:
قال ابن القيم -﵀-: «انتظم هذان الاسمان صفات الكمال والغنى التام والقدرة التامة، فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تَعَالَى، وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن يكونا في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات» (^٣).
قال ابن عثيمين -﵀-: «وفي الجمع بين الاسمين الكريمين (الحي القيوم) استغراق لجميع ما يوصف الله به بجميع الكمالات؛ ففي الحي: كمال
_________________
(١) تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).
(٢) سبق بحث اسم الله الأعظم في اسم (الله)، وأن الراجح فيه- والله أعلم- أنه اسم (الله).
(٣) بدائع الفوائد (٢/ ١٨٤).
[ ١ / ٢٨٦ ]
الصفات، وفي القيوم: كمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَي القَيُّوم):
أولًا: إثبات ما يتضمنه اسمي الحي والقيوم من صفات الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ هو الحي دائم الحياة، له البقاء المطلق، لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحق بقاؤه فناء ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٦].
وهو الحي الذي كمل حال حياته، فلا يدخلها النقص بوجه من الوجوه، ولا يعتريها عيب ولا خلل؛ فلا مرض، ولا تعب ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، ولا سنة ولا نوم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فهو الحي: الذي لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، فلو نام لضاع الخلق، ولفسدت السموات والأرض كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ - وفي رواية أبي بكر: النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^٢) (^٣).
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم (١/ ٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).
(٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٧٠ - ٧١).
[ ١ / ٢٨٧ ]
وحياته تستلزم كمال صفاته سُبْحَانَهُ من علم، وقدرة، ورحمة، وسمع وبصر إلى غير ذلك من صفات كماله (^١)، قال الشيخ الهراس -﵀-: «الحياة تعتبر شرطًا للاتصاف بجميع الكمالات في الذات من: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام … إلخ؛ فإن غير الحي لا يتصف بهذه الصفات، فمن كملت حياته كان أكمل في كل صفة تكون الحياة شرطًا لها».
وهو الحي الذي أحيا غيره، فالأرض وما عليها من نبات وحيوان وإنسان تحيا بإحياء الله لها، قال تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وهو الحي الذي له وحده البقاء والدوام وما عداه «من إنس، وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦].
وهو الحي الذي يحي الخلق بعد فنائهم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ
_________________
(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم، لابن عثيمين (١/ ٧).
(٢) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).
[ ١ / ٢٨٨ ]
اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤].
وهو سُبْحَانَهُ القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه غنى مطلقًا، كما قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
والقيوم هو الذي تمت قيوميته، فلا تشوبه شائبة حاجة ولا نقص، ولا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والقيوم الذي أقام غيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فكل شيء فقير إليه لا يستغني عنه طرف عين، فالعرش والكرسي والملائكة والسموات والأرض، والجبال والأشجار، والناس والحيوان، كلها فقيرة إلى الله، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، فهو الذي أوجدها وأمدها، وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، وأي شيء منها لو تخلى عنه القيوم لباد وهلك ولما استقام له شأن.
فالمخلوقات كلها إنما قامت به سُبْحَانَهُ، ومن ذلك:
قيام السماوات والأرض به:
قال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال -ﷺ-: «أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ فهو سُبْحَانَهُ القائم بأمر السموات والأرض فبقيمويته استقرت وثبتت ولم تزل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا
[ ١ / ٢٨٩ ]
وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وبقيوميته لم تسقط السماء على الأرض ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «ثم تأمل الممسك للسموات والارض الحافظ لهما أن تزولا أو تقعا أو يتعطل بعض ما فيهما، أَفَتَرَى مَنِ الممسك لذلك؟! ومَنِ الحافظ له؟ ومَنِ القيم بأمره؟! ومَنِ المقيم له؟! فلو تعطلت بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه ويعيده؟! وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان؟! فلو أمسك عنهم قيم السموات والارض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدًا، من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار؟! ولو حبسها في الأفق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها عنهم ويأتيهم بالليل؟! فلو أزال السماء والارض، فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده؟!» (^٢).
قيام الإنس والجن وسائر الدواب به:
قال -ﷺ-: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (^٣) قائم على ما فيهما من النفوس بالرزق، وتدبير الشؤون وتصريفها، كما قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]» يغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويعطي قومًا، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٤٠).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢١٥).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الملحين، ولا طول مسألة السائلين … وهذه الشؤون التي أخبر أنه تَعَالَى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تَعَالَى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته» (^١).
وهذا القيام يستلزم كمال أفعاله من الاستواء، والنزول، والكلام، والخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، وسائر أنواع التدبير.
ومن قيامه بهم: إنزاله للكتب بالحق وإرساله للرسل؛ حتى تستنير بصائرهم، ويرشدون لما فيه صلاحهم وفلاحهم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٢، ٣] (^٢).
المقيم أمر أوليائه وأهل طاعته:
قال ابن القيم -﵀-: «فإنه سُبْحَانَهُ القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضى به من الناس حبيبًا وربًّا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبًّا له وشوقًا إليه ويقع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٢١).
(٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ١٨٠).
[ ١ / ٢٩١ ]
فهو الحي القيوم الذي بهما جمع معاني الأسماء الحسنى، وعليهما دارت الصفات العليا؛ وذلك أن الحياة تستلزم جميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته -﵎- أكمل حياة وأتمها؛ استلزم إثباتها إثبات كل صفة كمال.
وكذلك القيام؛ فإنه مستلزم لكمال الأفعال، ولا يتخلف شيء منها إلا لضعف القيام، فإذا كان قيامه سُبْحَانَهُ أتم قيام وأكمله؛ استلزم إثباته إثبات كل فعل كمال، وبهذا انتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسمي الله الحي القيوم على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله -ﷻ- الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، وكل شيء هالك إلا وجهه؛ أيقن أن لا أحد يستحق أن يعبد إلا الحي الباقي، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
قال الطبري -﵀-: «و(الحي) الذي لا يموت ولا يبيد، كما يموت كل من اتُّخِذ من دونه ربًّا، ويبيد كل من ادُّعِيَ من دونه إلهًا، واحتج على خلقه بأن: من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى، فلا يكون إلهًا يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت، وأن الإله هو الدائم الذي لا يموت ولا يبيد ولا يفنى، وذلك الله الذي لا إله إلا هو» (^٢).
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٨٤).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ١٥٧).
[ ١ / ٢٩٢ ]
وإذا علم العبد أن الله -ﷻ- هو القيوم الذي استغنى عن كل شيء، وكل شيء افتقر إليه، فلا قوام له إلا بقيوميته؛ علم أنه لا يستحق أن تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له، قال تَعَالَى محتجًّا على خلقه بقيوميته: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣]».
أيستوي الرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك، قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئًا، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرًّا، ولا يجلب إليهما نفعًا؟ كلاهما سواء؟» (^١).
الأثر الثالث: التوكل على الحي القيوم:
يقين العبد بأن ربه هو الحي الذي له الحياة الكاملة فلا يموت أبدًا،، القيوم الذي يقوم بأموره ويدبر شؤونه، ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا غفلة؛ يوجب له التعلق به والتوكل عليه في رغبه ورهبه، ومعاذه وملاذه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].
قال ابن كثير -﵀-: «أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم رب كل
_________________
(١) المرجع السابق (١٦/ ٤٦٢).
[ ١ / ٢٩٣ ]
شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك» (^١).
ويوجب له قطع كل تعلق ورجاء بالمخاليق الضعفاء الفقراء الذين يلحقهم الموت والنوم والغفلة والنسيان؛ فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وإذا ناموا أو نسوا أو غفلوا خُذِلَ من توكل عليهم، وهم مع ذلك كله لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم.
روي أن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية كان خلًّا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره، وقف عليه، فقال له: «أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غير ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين» (^٢)، فكل حي يموت، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت.
كما يوجب له التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام للحي القيوم، لسان حاله ومقاله: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة على القيام بأي أمر من الأمور إلا بالله، أي: إلا بعونه وتوفيقه وتسديده.
وهذه الكلمة شرعها رسول الله -ﷺ- لأمته، وحثهم عليها في جملة من الأحاديث، منها:
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: قال رسول الله
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الاعتبار وأعقاب السرور، رقم الحديث: (٥٥).
[ ١ / ٢٩٤ ]
-ﷺ-: «مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).
- وعن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).
- وعن قيس بن سعد بن عبادة -﵁-، أن أباه دفعه إلى النبي -ﷺ- يخدمه، قال: فمر بي النبي -ﷺ- وقد صليت فضربني برجله، وقال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؟ قلت: بلى، قال: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» (^٣).
الأثر الرابع: مراقبة الحي القيوم والخوف منه:
إذا علم العبد أن ربه الحي القيوم الذي لا ينام ولا يغفل ولا ينسى، يحفظ عليه عمله ويحصيه ويجازيه عليه بالعدل والقسط، كما قال تَعَالَى:
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٠٩٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧١٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٥٨٢).
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] (^١)، قال ابن كثير -﵀-: «أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية» (^٢) أوجب ذلك له الخوف منه سُبْحَانَهُ ومراقبته، وخشيته في السر والعلن.
الأثر الخامس: محبة الله الحي القيوم:
إذا علم العبد أن ربه حي قيوم، واستشعر أن له الحياة الكاملة المطلقة التي بها أحياه وأوجده، وله القيومية والسيادة المطلقة التي أقام بها السموات والأرض وأقام به شؤونه ودبَّرها، واستشعر ما يتضمنه هذان الاسمان من صفات الكمال له -﷿-؛ أوجب ذلك له محبته وإجلاله؛ مما يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور وتندفع به الكروب، والهموم، والغموم.
يقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج، واللذة، والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب، والهم، والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٦٢)، تفسير السعدي (ص ٤١٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦٣).
(٣) زاد المعاد (٤/ ٢٠٥).
[ ١ / ٢٩٦ ]
الأثر السادس: الخضوع والتذلل للحي القيوم:
إذا علم العبد أن ربه حي قيوم تخضع له الخلائق يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] واستشعر ذلك الموقف العظيم الذي يرى فيه الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ذليلين خاضعين، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به (^١)؛ خضع وذل وافتقر واستكان لربه في الدنيا قبل الآخرة.
فـ «العبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لعزه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه، وإنعامه عليه؛ فإن مَن أحسن إليك: فقد استعبدك، وصار قلبك معبَّدًا له» (^٢).
والخضوع والذل لله هو أحد أصلَي العبادة، قال ابن القيم -﵀-: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبَّد، أي: مذلَّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له؛ لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًّا خاضعًا» (^٣).
فتحقيقهما يكون بتحقيق العبودية لله تَعَالَى وحده، وأعظم العبادات التي فيها عظيم الذل والخضوع لله: الصلاة المفروضة، لا سيما في السجود،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٥١٣).
(٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٢٨٩).
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٩٥).
[ ١ / ٢٩٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «لفظ السجود، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع، وهذه حال الساجد» (^١).
الأثر السابع: الزهد في دار الفناء، والعمل لدار البقاء:
الله تَعَالَى هو الحي الدائم الذي لا يزول، وكل الخلائق إلى زوال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ومهما أعطي العبد من العمر فلا بد أن ينقضي يومًا ما، أما الحياة الدائمة السرمدية التي يهبها الله لعبادة فإنما هي في الدار الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: الحياة الدائمة الحق، الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد» (^٢).
وجاء عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (^٣).
_________________
(١) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ٣٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٩).
[ ١ / ٢٩٨ ]
فإذا عرف العبد هذا، وعرف حقيقة الدنيا، وأنها ليست دار بقاء، وإنما متاع ولعب ولهو زائل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وعرف ما جاء في ذمها وحقارتها من النصوص، كما في قول جابر -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ (^١) مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ! فَقَالَ: فَوَاللهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (^٢) زهد فيها، ولم يتعلق بها، ممتثلًا قول رسول الله -ﷺ-: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ -﷿-، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» (^٣).
ولم يقدم ما فيها من ملاذ وشهوات على الدار الباقية، وجعلها معبرًا للآخرة، وزادًا يبلغ به إلى الجنات؛ فإن الموفق من طال عمره وحسن عمله، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه سُئِل مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (^٤).
_________________
(١) كنفتيه: جانبيه، الأسك: صغير الأذنين. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٩٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٧٩٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٢).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٨٣٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٩).
[ ١ / ٢٩٩ ]
الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الحي القيوم:
جاء في جملة من الأحاديث ما يدل على عظم هذين الاسمين والدعاء بهما مجتمعين، ومنها:
عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (^١).
وهناك مناسبة بين التوسل بهذين الاسمين، وبين كشف الكرب والضيق، قال ابن القيم -﵀-: «وفي تأثير قوله: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة؛ فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، … والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فـ (الحي) المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، و(القيوم) لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال» (^٢).
وعن ابن عباس -﵄-، أن رسول الله -ﷺ- كان يدعو بهما قائلًا: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) زاد المعاد (٤/ ٢٠٥).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٧).
[ ١ / ٣٠٠ ]
وعنه أيضًا -﵄-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ » (^١).
وعن أنس -﵁-: «أنَّ رجلًا دعا، فقال: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجِلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٢).
وعنه أيضًا: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِفَاطِمَةَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ: أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» (^٣)، فعلى العبد أن يحرص على الدعاء بهما؛ فإن التوسل لله بهما له تأثير في حصول المطلوب ودفع المرهوب (^٤).
يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ، أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه. (ص: ١٧).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٣٣٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٤٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٢٧).
(٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٧٨ - ٧٩).
[ ١ / ٣٠١ ]
الخالقُ الخلَّاقُ البَارئُ المصوِّرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: معنى الخالق والخلاق:
قال الجوهري -﵀-: «الخلق: التقدير، يقال: خلقت الأديم: إذا قدرته قبل القطع …، والخلاق: النصيب، يقال: لاخلاق له في الآخرة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(خلق) الخاء واللام والقاف أصلان؛ أحدهما: تقدير الشيء، والآخر: ملاسة الشيء، فأما الأول: فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته …» (^٢).
ثانيًا: معنى البارئ:
قال الجوهري -﵀-: «… وبرأ الله الخلق برءًا، وأيضًا هو البارئ، والبرية: الخلق» (^٣).
قال ابن فارس -﵀-: «(برأ) فأما الباء والراء والهمزة فأصلان- إليهما ترجع فروع الباب- أحدهما: الخلق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا،
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٥٦).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٣) الصحاح (١/ ٣٧).
[ ١ / ٣٠٢ ]
والبارئ الله- جل ثناؤه- قال الله تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] … والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته» (^١).
ثالثًا: معنى المصور:
قال الجوهري -﵀-: «الصور، بالتحريك: الميل، ورجل أصور بين الصور: أي: مائل مشتاق، وأصاره فانصار، أي: أماله فمال، وصوره الله صورة حسنة، فتصور» (^٢).
قال ابن فارس -﵀-: «صور يصور، إذا مال، وصرت الشيء أصوره، وأصرته، إذا: أملته إليك …، ومن ذلك: الصورة، صورة كل مخلوق، والجمع: صور، وهي هيئة خلقته، واللهتَعَالَى البارئ المصور» (^٣).
ورود اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسم الله (الخَالق) إحدى عشر مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
وقوله -﷿-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقوله -﷿-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩].
_________________
(١) مقاييس اللغة (١/ ٢٣٦).
(٢) الصحاح (٢/ ٢٨٠).
(٣) مقاييس اللغة (٣/ ٣٢٠).
[ ١ / ٣٠٣ ]
ثانيًا: وورد ذكر (الخلاق) مرتين في كتاب الله، وهما:
قول الله -﷿-: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].
وقوله -﷿-: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
ثالثا: وورد اسم الله (البارئ) ثلاث مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
مرتان في قول الله -﷿-: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
قوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].
رابعًا: وورد اسم الله (المُصَوِّر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:
قول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الخالق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٧٨٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٤٥١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٤٦).
[ ١ / ٣٠٤ ]
وعن النواس بن سمعان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (^١).
ثانيًا: ورود اسم الله (الخلاق) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله الخلاق في السنة النبوية.
ثالثًا: ورود اسم الله (البارئ) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله البارئ في السنة النبوية.
رابعًا: ورود اسم الله (المصور) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله المصور في السنة النبوية.
معنى اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله الخالق في حق الله تعالى:
قال مجاهد -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]-: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «فالخلق في اسم اللهتَعَالَى هو ابتداء تقدير النشء، فالله خالقها ومنشئها، وهو متممها ومدبرها، فتبارك الله أحسن الخالقين» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البغوي في شرح السنة (٢٤٥٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٨٠).
(٢) تفسير الطبري (١٩/ ١٩).
(٣) تفسير الأسماء (ص ٣٦ - ٣٧).
[ ١ / ٣٠٥ ]
قال الخطابي -﵀-: «(الخالق) هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قالسُبْحَانَهُ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]» (^١).
ثانيًا: معنى اسم الله الخلاق في حق الله تعالى:
الخلاق من أفعال المبالغة من الخالق، تدل على كثرة خلق الله تَعَالَى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سُبْحَانَهُ الخلاق: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]».
قال الحليمي -﵀-: «الخلاق ومعناه: الخالق خلقًا بعد خلق» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «إن ربك هو الخلاق، أي: المقدر للخلق والأخلاق، العليم بأهل الوفاق والنفاق» (^٣)
قال ابن القيم -﵀-:
وَكَذَاكَ يَشْهَدُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الـ
ـخَلَّاقُ بَاعِثُ هَذِهِ الأَبْدَانِ (^٤)
ثانيًا: معنى اسم الله (البارئ) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته» (^٥).
_________________
(١) شأن الدعاء (ص ٤٩).
(٢) المنهاج (١/ ١٩٣).
(٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٥٤).
(٤) النونية (ص ١٩٤).
(٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٥).
[ ١ / ٣٠٦ ]
قال الخطابي -﵀-: «البارئ هو الخالق» … ثم قال: «إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من الخلق، وقلما يستعمل في خلق السماوات والأرض والجبال، فيقال: برأ الله السماء كما يقال: برأ الله الإنسان، وبرأ النسم» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «الخلق هو التقدير، والبراء: هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله -﷿-» (^٢).
قال الشوكاني -﵀-: «البارئ: الخالق، وقيل: إن البارئ هو المبدع المحدث» (^٣).
ثالثًا: معنى اسم الله (المُصَوِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:
يقول الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]: «صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته» (^٤)، ويقول في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]-: «هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته،
_________________
(١) شأن الدعاء (ص ٥١).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).
(٣) فتح القدير (١/ ١٠١).
(٤) تفسير الطبري (٢٤/ ١٧٨).
[ ١ / ٣٠٧ ]
المصور خلقه كيف شاء، وكيف يشاء» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها، فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» … وقال: التصور التخطيط والتشكيل»، ثم قال: وخلق الله -جل وعلا- الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعلها صورة، وهو التشكيل الذي به يكون ذا صورة وهيئة يعرف بها، ويتميز بها عن غيره بسماتها ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]» (^٢).
يقول السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ -: «الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم» (^٣).
ومما سبق يتضح لنا اتساق هذه الأسماء الحسنى وأن بينها علاقة وطيدة، إلا أن لكل صفة من هذه الصفات الثلاث ما يخصها من حيث المعنى:
قال الغزالي -﵀-: «قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك؛ بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولًا، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيًا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثًا، والله -﵎- خالق من حيث إنه مقدر، وبارئ من حيث إنه مخترع، موجد، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب» (^٤).
_________________
(١) المرجع السابق (٢٢/ ٥٥٥).
(٢) شأن الدعاء (ص ٥١ - ٥٢).
(٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٧).
(٤) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص ٧٢).
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال الطِّيبِيُّ -﵀-: «قيل: إن الألفاظ الثلاثة مترادفة، وهو وهم؛ فإن:
(الخالق) من الخلق، وأصله: التقدير المستقيم، ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشيء على غير مثال.
و(البارئ) من البرء، وأصله: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي منه، وعليه قولهم: برئ فلان من مرضه، والمديون من دينه، ومنه استبرأت الجارية، وإما على سبيل الإنشاء، ومنه برأ الله النسمة، وقيل: البارئ الخالق البريء من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام.
و(المصور) مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالق كل شيء، بمعنى أنه موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال، ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، - إلى أن قال-: وعلى هذا فالتقدير يقع أولًا، ثم الإحداث على الوجه المقدر يقع ثانيًا، ثم التصوير بالتسوية يقع ثالثًا» (^١).
وهذه الفروق بين هذه الأسماء لله تَعَالَى إنما تتحقق عند اجتماع هذه الأسماء، أما عند افتراقها فإن كل اسم من هذه الأسماء الحسنى يشمل معناه ومعاني الاسمين الآخرين، والله أعلم.
_________________
(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر (٢٠/ ٤٨٥).
[ ١ / ٣٠٩ ]
اقتران اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الخالق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
اقتران اسم الخالق باسمي البارئ والمصور:
وذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم -﵀-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق، البارئ، المصور؛ فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق» (^١).
يقول صاحب (أضواء البيان): «فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد، و(البارئ) الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئًا أوجده إلا الله، و(المصور) المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه» (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل (ص ١٢١).
(٢) أضواء البيان، لمحمد الأمين الشنقيطي (٨/ ٧٧).
[ ١ / ٣١٠ ]
اقتران اسم (الخلاق) باسم (العليم):
وذلك في آيتين، وهما: قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وجه الاقتران:
أن خلقه سُبْحَانَهُ للمخلوقات إنما هو عن علم منه سُبْحَانَهُ بما يخلق، كيف يخلقه، ومتى يخلقه، ويعلم الحكمة من خلقه، فكل شيء عنده بقدر وبعلم ولحكمة.
ثانيًا: اقتران اسم الله (البارئ والمصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
تقدم بيانه في اسم الخالق بالبارئ والمصور.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر):
الأثر الأول: اثبات ما تتضمنه أسماء الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) من الصفات لله تعالى:
الله سُبْحَانَهُ هو الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، القادر، العالم، المريد، الحكيم؛ إذ لا يمكن أن يكون خالقًا غير قادر ولا مريد ولا عالم بما خلق، أو أنه ليس له فيما خلق حكمة ولا علة؛ وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم -﵀-:
«فمن طرق إثبات الصفات: دلالة الصنعة عليها؛ فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، على حياته وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته؛ فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا، وما فيه من الإتقان والإحكام
[ ١ / ٣١١ ]
ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال» (^١).
ومن مظاهر ودلائل عظمة الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ ما يلي:
أوجد الخلق من العدم، وقدر أمورها في الأزل، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
نوَّع خلقهم؛ فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم، مع أن أصلهم واحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].
خلق ما شاء على ما شاء من الصفات، فيزيد في خلق بعض خلقه ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٣٠).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، وتفسير السعدي (ص ٥٧١).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٨٤).
[ ١ / ٣١٢ ]
خلق الإنسان على أطوار ومراحل، وفق تركيب وتركيب دقيق عجيب، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٤]، فبدأ بنطفة حتى اكتمل بأحسن صورة، وفي أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، كما قال تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
فاوت بين عباده فيما خلق لهم، «فمنهم من يهب له إناثًا، ومنهم من يهب له ذكورًا، ومنهم من يزوجه، أي: يجمع له ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يجعله عقيمًا لا يولد له» (^١).
يقول تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠].
خلق السماوات بما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠]، ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
_________________
(١) المرجع السابق (ص ٧٦٢).
[ ١ / ٣١٣ ]
خلق الأرض مهادًا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، وأودع بها ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم.
يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٢].
فأنزل على هذه الأرض المطر، «وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]» (^١).
خلق الشمس والقمر متعاقبان، لا يفتران، يسعيان لمصالح العباد، من حساب أزمنتهم ومصالح أبدانهم، وحيواناتهم، وزروعهم، وثمارهم.
يقول تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، بهما تعاقب الليل والنهار.
«واختلافا في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٥٧١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٢٦٥).
[ ١ / ٣١٤ ]
يقول سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
فمن تأمل في خلق الخالق سُبْحَانَهُ وتصويره وبرئه؛ أيقن بعظمة قدرة الله سُبْحَانَهُ وكمال علمه وحكمته، ورحمته ولطفه، وتصريفه وتدبيره سُبْحَانَهُ.
الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه: الخالق، الخلاق، البارئ، المصور:
- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الألوهية والربوبية:
من آمن بهذه الأسماء؛ علم أن الله سُبْحَانَهُ له الخلق والأمر كله، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
«فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء» (^١).
«فكما أنه لا خالق سواه، فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم سُبْحَانَهُ» (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (ص ٢٩١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٠١).
[ ١ / ٣١٥ ]
وقد جاء التأكيد على هذا المعنى في قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢، ٦٣]: «فالله ربكم المنفرد بالإلهية، والمنفرد بالربوبية؛ … ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير أنه المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، و﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تقرير لربوبيته، ثم صرح بالأمر بعبادته، فقال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان لكم الدليل، وأنار لكم السبيل؟ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]» (^١).
وقد ضرب الله مثلًا لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
يقول السعدي عند هذه الآية: «في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، بل أبلغ من ذلك لو ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، وهذا غاية ما يصير من العجز، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾
_________________
(١) المرجع السابق (ص ٧٤١).
[ ١ / ٣١٦ ]
الذي هو المعبود من دون الله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين، فهذا ما قدر الله حق قدره، حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوَّى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف» (^١).
وعليه فالايمان بهذه الأسماء يستلزم الإيمان بوحدانيته سُبْحَانَهُ، وألوهيته، وإفراده وحده بالعبادة، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١، ٦٣].
يقول السعدي -﵀- في ذلك: «هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة، وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا به
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٥٤٦).
[ ١ / ٣١٧ ]
الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحده، ولا اعترفوا بعجز الأوثان، ومن عبدوه مع الله على شيء من ذلك!
فاعجب لإفكهم وكذبهم، وعدولهم إلى من أقروا بعجزه، وأنه لا يستحق أن يدبر شيئًا، وسجل عليهم بعدم العقل، وأنهم السفهاء، ضعفاء الأحلام، فهل تجد أضعف عقلًا وأقل بصيرة، ممن أتى إلى حجر، أو قبر ونحوه، وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق، ثم صرف له خالص الإخلاص، وصافي العبودية، وأشركه مع الرب، الخالق الرازق، النافع الضار» (^١).
- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل - أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الثالث: الله سُبْحَانَهُ خالق الأسباب ومسبباتها:
فالله سُبْحَانَهُ جعل الحياة مبنية في العادة على ترابط الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، فلا يخلق النتيجة إلا إذا خلق السبب أو العلة، فلا يخلق التفكير إلا إذا خلق العقل، ولايخلق الإحراق إلا إذا خلق النار، ولا يخلق النبتة إلا إذا خلق البذرة، ولا يخلق الابن إلا إذا أوجد الأب والأم.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٦٣٥).
[ ١ / ٣١٨ ]
وهذا لا ينفي أن الله تَعَالَى قد يخلق بقدرته العلل والأسباب بغير أسبابها ومعلولاتها، وهو ما يسمى بخوارق العادات أو الكرامات والمعجزات.
وفي ذلك يقول ابن القيم -﵀-: «الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالًا لها، واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه، وأن الرب سُبْحَانَهُ قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانًا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم، وجعلها عليه بردًا وسلامًا عن الإحراق؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض، هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.
فهكذا سائر أفعاله سُبْحَانَهُ، مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: إنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون: لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة.
[ ١ / ٣١٩ ]
ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها» (^١).
وعليه فأهل اليقين ينظرون إلى الأسباب، ويعلمون أنها صادرة عن الخلاق، وأن الله سُبْحَانَهُ تارة ينسب الفعل إليه؛ لأنه الخالق بتقدير وقدرة، وتارة ينسب الفعل إلى عباده عند دعوتهم إلى العمل في الأسباب بمقتضى الشريعة والعقل والحكمة، فمرة يقول سُبْحَانَهُ في بيان التقدير والقدرة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، وقال أيضًا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]، فنفى عن الناس خلقهم لأفعالهم وتأثير الأسباب بمفردها في أرزاقهم، وأثبت لنفسه تصريف الأسباب وانفراده بخلقها وتقليبها؛ لأنه الخالق الخلاق على الحقيقة، فهو الذي علم وكتب، وشاء وخلق، قدر كل شيء بعلمه، وكتبه في أم الكتاب بقلمه، وأمضاه بمشيئته، وخلقه بقدرته.
ثم أمر الناس أن يأخذوا بالأسباب التي خلقها وأحكم ابتلاءهم بها، فقال: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، وقال تَعَالَى أيضا: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، فسماهم زرَّاعًا، وقال: تزرعون، وسماهم كفارًا؛ لأنهم يضعون
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص ٢٥٧).
[ ١ / ٣٢٠ ]
البذرة ويغطونها ويغيبونها في الأرض، فكلف عباده بالعمل لأنهم في دار ابتلاء وامتحان، والأخذ بالأسباب حتم على بني الإنسان؛ فهم مستخلفون في ملكه ومخولون في أرضه، فطالب بالعمل والإنفاق مع الإيمان بأنه الخلاق؛ ليصل كل منهم إلى ما قدر له من الأرزاق، فقال تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
أما ما يتعلق بخلق الله سُبْحَانَهُ للأسباب والعلل من غير مسبباتها وعللها، فمن شواهد ذلك أيضًا:
خلق الثمار لمريم بنت عمران من غير نباتها، فكانت تأكل من الثمار بدون أسباب، وفي غير أوانها، كما قال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، قيل: إنها كانت ترزق بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (^١).
اختيارالله سُبْحَانَهُ لمريم- أيضًا- لتكون محلًّا للابتلاء، فتحمل من غير زوج، على غير عادة النساء، وتلد عيسى، كمعلول بغير علة ونتيجة بلا سبب، يقول تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ٢١].
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ٢٤٤).
[ ١ / ٣٢١ ]
اختيار الله سُبْحَانَهُ لإبراهيم ليرمىه قومه في نار لا يقوى الطير على المرور من فوقها، وقد توفرت لهم العلة ولكن الله لم يخلق معلولها، فكانت بردًا عليه وسلامًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩].
اختيار الله محمدًا -ﷺ- لتضع له السم يهودية، ويتخلف السم عن معلوله، فلم يضره -ﷺ-، ففي حديث أنس بن مالك -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟» (^١)، وفي رواية مسلم: «فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَ، أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا» (^٢)، إلى غير ذلك من الشواهد والمعجزات الربانية.
الأثر الرابع: الحكمة من خلق الخلق:
إن الإيمان بأسماء الله الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ يستلزم الإيمان بحكمته سُبْحَانَهُ من هذا الخلق، فالله تَعَالَى لم يخلق الخلق عبثًا- تَعَالَى عن ذلك وتقدس-، يقول تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٧٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٩٠).
[ ١ / ٣٢٢ ]
بل إنه سُبْحَانَهُ خلق الخلق لحكمة جليلة وغاية عظيمة، ألا وهي معرفة الله سُبْحَانَهُ بآياته ومخلوقاته، ثم القيام بعبادته على الوجه الذي أمرنا به.
ودليل الأول: قول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
ودليل الثاني: قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
يقول ابن القيم -﵀-: «فإن سر العبودية، وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب -﷿-، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها …، فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها، كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات؟ وغاياتها ومقاصدها، وما شرعت لأجله؟ كيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق، والتي لها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ …، إن العبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال الله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا، قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمران، فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما، وقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]» (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١١٨).
[ ١ / ٣٢٣ ]
وقد ضل في هذا الباب- الغاية من خلق الخلق- أكثر الخلق؛ فعرفوا أن الذي خلقهم هو الله وحده لا شريك له، وأنه وحده سُبْحَانَهُ تفرد بخلقهم، وخلق السماء، والأرض، والجبال، والأشجار، وغيرها من المخلوقات، ومع هذا الإقرار، صرفوا العبادة لغير الله، وهذا هو معنى قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
قال ابن عباس -﵄-: «من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون» (^١).
وقال عكرمة -﵀-: «تسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، فذاك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره» (^٢).
وقال الله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أي: «يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره، فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة، لمن فكر فيها بعقل، وتدبرها بفهم!» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٦/ ٢٨٦).
(٢) المرجع السابق (١٦/ ٢٨٦).
(٣) المرجع السابق (١١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٣٢٤ ]
الأثر الخامس: محبة الله الخالق الخلاق، البارئ، المصور سُبْحَانَهُ:
من تأمل في خلقه سُبْحَانَهُ وبرئه وتصويره لعباده في أحسن تقويم، وهدايته وتوفيقه، وتسخير الكون العظيم البديع كله لخدمته، وفق حكمة ربانية وعلم إلهي؛ أورث ذلك في قلبه محبة لله -﵎-، وتعلقًا به سُبْحَانَهُ.
الأثر السادس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:
ذكر الله سُبْحَانَهُ الاعجاز في خلق الإنسان، والدعوة إلى التأمل في ذلك في مواضع عديدة في كتابه العظيم، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
ويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الانسان في نفسه، استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره، دالة عليه مرشدة إليه، إذا يجده مكونًا من قطره ماء لحومًا منضدة، وعظامًا مركبة، وأوصالًا متعددة، مأسورة مشددة
[ ١ / ٣٢٥ ]
بحبال العروق والأعصاب، قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين، مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا، ما بين كبير وصغير، وثخين ودقيق، ومستطيل ومستدير، ومستقيم ومنحن، وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا؛ للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة.
وجعل فيه تسعة أبواب: فبابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.
وجعل داخل بابي السمع مرًّا قاتلًا؛ لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا؛ ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو مالحًا.
وجعل له مصباحين من نور، كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه، طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدًّا يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض، حماية له وصيانة، وحراسة، وجعل على محله غلقًا بمصراعين أعلا وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهدابًا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك، وجعل سُبْحَانَهُ لكل طبقة من طبقات العين شغلًا مخصوصًا، ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والعالم العلوي والسفلي، مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره، واقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوة الباصرة في السواد، وجعل البياض مستقرًّا لها ومسكنًا وزين كلًّا منهما بالآخر.
وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم، والحواجب بالأهداب، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر، فضعف الإدراك، فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر، وخلق سُبْحَانَهُ لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سُبْحَانَهُ هذه الأجفان متحركة جدًّا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف؛ لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات، ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا، فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات …» (^١).
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص ٣٠٣).
[ ١ / ٣٢٧ ]
الأثر السابع: الحذر من عيب ما صوره المصور سُبْحَانَهُ:
فالله سُبْحَانَهُ امتن على عباده بأن صورهم فأحسن صورهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وهذا التصوير يتم على وجهين:
الأول: تصوير آدم، فقد خلقه الله بيده، وصوره، ثم نفخ فيه الروح، وأسجد له ملائكته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١].
والثاني: التصوير الذي تم في الأرحام: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١١].
وعليه فمن آمن بأن الله هو الخالق الخلاق البارئ المصور، لم يعب على أحد خلقه، وشكله، وهيئته؛ لأن عيب الصنعة إنما هو عيب لصانعها، ولذا قيل لمن يعيب بعض الناس: أتعيب الخالق، أم تعيب المخلوق!، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١١].
فالله تَعَالَى لايقدر الناس بأشكالهم ولا صورهم، وإنما الميزان الحقيقي للتفاضل هو تقواهم التي في قلوبهم وجهادهم في تحقيق ذلك كما في الآية
[ ١ / ٣٢٨ ]
السابقة، عندما ذكر الله تَعَالَى التفاضل الحقيقي بالتقوى عقَّب النهي عن الغيبة، واحتقار الناس لبعضهم؛ وذلك تنبيهًا منه سُبْحَانَهُ لتساويهم في البشرية، وأن التفاضل إنما يكون بالأمور الدينية (^١).
وهذا هو المنهج النبوي والتربية النبوية، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» (^٢)، ومن شواهد ذلك ما يلي:
حديث أنس بن مالك: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ- جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا، قَالَ: لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ -ﷺ-: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ» (^٣).
حديث عمرو بن الشريد، يحدث عن أبيه، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ حَتَّى هَرْوَلَ فِي إِثْرِهِ حَتَّى أَخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ،
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).
(٣) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٩٠)، والضياء في المختارة، رقم الحديث: (١٨٠٦)، حكم الألباني: صحيح، مختصر الشمائل، رقم الحديث: (٢٠٤).
[ ١ / ٣٢٩ ]
فَكَشَفَ الرَّجُلُ، عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْنَفُ وَتَصْطَكُّ رُكْبَتَايْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «كُلُّ خَلْقِ اللهِ حَسَنٌ»، فَلَمْ نَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا وَإِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ حَتَّى مَاتَ (^١).
حديث معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: «كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى شَجَرَةٍ يَجْنِي لَهُمْ مِنْهَا، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهِ، فَضَحِكُوا مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (^٢).
حديث أنس، قال: «خَطَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: فَنَعَمْ إِذًا، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لَا هَا اللهِ إِذَا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَّا جُلَيْبِيبًا، وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ فَأَنْكِحُوهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهَا جَلَّتْ عَنْ أَبَوَيْهَا، وَقَالَا: صَدَقْتِ، فَذَهَبَ أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ، فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَرَكِبَ جُلَيْبِيبٌ، فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، رقم الحديث: (١٧٠٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٢١٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٤١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠٧٢)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٥٣١٠)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٤٥٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٢).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا، وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ» (^١).
الحمدُ لله الذي خلقَ السماواتِ والأرضَ، وجعلَ الظلماتِ والنورَ، اللهمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (١٢٥٨٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٤٠٥٩)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٤٠٤٧).
[ ١ / ٣٣١ ]
الخبيرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الخَبَر: المزادة العظيمة، والجمع: خبور … والخبر بالتحريك: واحد الأخبار … والاسم: الخُبر بالضم، وهو العلم بالشيء. والخبير: العالم. والخبير: الاكار، ومنه المخابرة، وهي: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لين ورخاوة وغزر، فالأول الخبر: العلم بالشيء، تقول: لي بفلان خبرة وخبر. والله تَعَالَى الخبير، أي العالم بكل شيء، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والأصل الثاني: الخبراء، وهي الأرض اللينة …» (^٢).
ورود اسم الله (الخبير) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الخبير) خمسًا وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٦٤١).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ٣٣٢ ]
ورود اسم الله (الخبير) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الخبير) في السنة النبوية، ومن وروده: حديث مُحَمَّد بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ …» (^١).
معنى اسم الله (الخبير):
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]: «خبير: يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٧٤).
(٢) تفسير الطبري (٥/ ٩٤).
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال الزجاجي -﵀-: «الخبير: العالم بالشيء، يقال: خبرت الشيء واختبرته، إذا علمته …» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الخبير: هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «الخبير: الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «العليم الخبير: هو الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (^٤).
اقتران اسم الله (الخبير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (اللطيف):
اقترن اسم الله (الخبير) باسمه (اللطيف) في خمس آيات من القرآن الكريم، ومنها:
قوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٢٧).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٦٣).
(٣) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٢/ ٤٩٢).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وجه الاقتران (^١):
أن خبرة الله -﷿- وعلمه أحاط بأفعاله، التي لطفت عن أن تدركها العقول والأفهام، كما أحاط- أيضًا- بكل ما لطف ودق.
أن لطف الله -﷿- الذي دق عن إدراك العقول والأفهام، إنما هو جارٍ على مقتضى خبرته وعلمه وحكمته.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (العليم):
ورد اقتران اسمه (الخبير) باسمه (العليم) أربع مرات في القرآن الكريم، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وجه الاقتران:
يدل على كمال علم الله؛ إذ شمل علمه العالم الظاهر المشهود الذي دل عليه اسم الله (العليم)، وشمل علمه العالم الباطن الغيبي الذي دل عليه اسم الله (الخبير)، وإن كل من الاسمين بمفردهما دال على العلم بالظاهر والباطن، إلا أنهما إذا اجتمعا خص كل واحد منهما بعلم معين.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧٦)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٧/ ٤١٨).
[ ١ / ٣٣٥ ]
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (الحكيم):
تقدم بيانه في اسم الله الحكيم.
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه سُبْحَانَهُ (البصير):
تقدم بيانه في اسم الله البصير.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخبير):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الخبير) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- الخبير الذي وسع ودق ولطف علمه وخبرته، حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن، فلم يخف عليه شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] (^١).
ومن مظاهر كمال هذا الاسم ما يلي:
أنه الخبير الذي أحاط علمه بذاته الجليلة، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى، وبأفعاله العظيمة التي لا يحيط بها خلقه، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] «يعني بذلك: نفسه الكريمة،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٦٨).
[ ١ / ٣٣٦ ]
فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله» (^١).
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما في أرجاء السموات والأرض وأقطارهما من مخلوقاته، حتى الصغير الدقيق الخفي منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (^٢).
فيعلم الخبير حبة الخردل- التي هي من أصغر الأشياء وأحقرها- في داخل الصخر أو في أي جزء من أجزاء السماوات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] (^٣).
ويعلم الخبير بسقوط الجزء الصغير من ورق الشجر ونحوه، يعلم من أي موضع سقط، وفي أي مكان من الأرض سقط، وكيف سقط، كما يعلم سُبْحَانَهُ الحبة الصغيرة الساقطة في قاع البحر، المندفنة في تربته، حتى وإن كانت في ليلة مظلمة، مغيمة، ممطرة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]» (^٤)، ويعلم ما يدخل في باطن الأرض من قطر المطر، أو بذر الأرض، كما يعلم ما يخرج منها من ذلك كله، قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١، ٢] (^٥).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٨٧)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٥٣)، وتفسير السعدي (ص: ٥٨٥).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٧) (٥/ ٤٥٠)، وتفسير السعدي (ص: ٦٠٤).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٩).
(٤) ينظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (١/ ٣٣٢ - ٣٣١).
(٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٧٤).
[ ١ / ٣٣٧ ]
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما يصلح من الأقدار لخلقه مما خفي وغاب عنهم، ولم يدركوا حكمته وسره، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
ومن تلك الأقدار مايلي:
- تقدير الأرزاق؛ إذ مبناها على علم الله وخبرته بحال عباده وما يصلح لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فيعطي هذا ويمنع هذا؛ لعلمه وخبرته بحالهما وما يصلح لكل واحد منهما، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال لأمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: فبخبرته بحالكن، وأنكن أهل لهذه المنزلة العظيمة من الزواج من رسول الله -ﷺ-، وتنزل الوحي في بيوتكن، وذكر السنة فيها، رزقكن ذلك وخصكن به واختاركن له (^١).
- تقدير الشرائع والأحكام، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله، ومن ذلك: أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا ما زال
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٦٨)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤١٦).
[ ١ / ٣٣٨ ]
الله يرسل الرسل رسولًا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد -ﷺ-، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت.
ولهذا لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولًا وأحسنهم أفكارًا، وأرقهم قلوبًا، وأزكاهم أنفسًا؛ اصطفاهم الله تَعَالَى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب» (^١).
وجاء هذا الكتاب من الخبير سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فأحكامه من لدن الخبير الذي يعلم ما يصلح لخلقه منها، وأخباره من لدن الخبير الذي لم تخف عليه دقائق الأخبار وتفاصيلها الماضية منها والحاضرة بل والمستقبلة، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
ومن هنا كان كتاب الله أعظم كتاب وأكمله، وأصدق خبر، وأعدل حكمًا وأحسنه؛ إذ لا مثل الله في العلم والخبرة ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
- تقدير الهدى والضلال، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٦، ٩٧].
قال ابن كثير -﵀-: «عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٩).
[ ١ / ٣٣٩ ]
ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧]» (^١).
- أنه الخبير الذي أحاط علمه بما دق وخفي من العلوم التي توصل إليها خلقه علمًا وخبرة، والعلوم التي لم يتوصلوا إليها أيضًا، بل علم وخبر سُبْحَانَهُ ما فوق ذلك من تفاصيل ودقائق وخفايا علم الغيب، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثم إنه قد يتوهم متوهم أن خبرة الخلق وعلمهم بالعلوم والأشياء كخبرة الله وعلمه، وهذا باطل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فعلم الخالق وخبرته كاملة من كل وجه، وعلم الخلق وخبرتهم قاصرة ناقصة من كل وجه.
ومن أوجه قصور علم الخلق وخبرتهم، ما يلي (^٢):
افتقار خبرتهم وعلمهم إلى بذل الأسباب والمقدمات الحسية والعقلية للتوصل إليها.
احتمال الخطأ والغلط، بعد العلم والخبرة بالشيء.
تعلق خبرتهم وعلمهم بشيء معين دون جميع الأشياء، فتجد الواحد منهم عالمًا خبيرًا بشيء ما، جاهلًا أميًّا بغيره.
تعلق خبرتهم وعلمهم بالدنيا دون الآخرة.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ١٢٢).
(٢) ينظر: شأن الدعاء، للخطابي (١/ ٦٣).
[ ١ / ٣٤٠ ]
أنه الخبير الذي أحاط علمه بما خفى وبطن مما يصدر من خلقه، سواء أكان ذلك نية أو قولًا، أو فعلًا، حسنًا كان أو سيئًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١)، قال ابن كثير -﵀-: «اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير» (^٢).
فيعلم الخبير ما يكون في الصدور من الخفايا، وما يكون في القلوب من النوايا والمقاصد، وما يكون في النفوس من الأفكار والوساوس والخواطر وكمائن الخير والشر مما لا يطلع عليه إلا صاحبها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] (^٣)، ومن هنا علم الخبير سُبْحَانَهُ بسرائر المتخلفين من الأعراب والمنافقين وما في ضمائرهم مما أخفوه وأظهروا خلافه، قال تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] (^٤).
وعلم مقصد الحكم بين الزوجين ونيته أأرادَ الإصلاح أم غيره، قال تَعَالَى:
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٠).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٧٧).
(٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٦).
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٣٧).
[ ١ / ٣٤١ ]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] (^١).
ويعلم الخبير ما يسر من الأقوال، ويهمس من الأصوات كعلمه بما يجهر منها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠]، كما علم الخبير سُبْحَانَهُ بما أسرَّته بعض أمهات المؤمنين من الخطاب لبعض في حادثة التحريم، وأطلع نبيه -ﷺ- على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
ويعلم الخبير ما يصدر من الأفعال والأعمال ولو على وجه الخفاء والخباء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] سواءأكان ذلك خيرًا أم شرًّا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، فيعلم الخبير ما يبذل من الصدقات خفية، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]،
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٨/ ٣٣٣).
[ ١ / ٣٤٢ ]
ويعلم الخبير ما يكون من مسارقة النظر للحرام، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ويعلم الخبير دفع كفارة الظهار أكانت قبل المساس أم بعده مما يخفى على الناس ولا يخفى على الخبير المتعال، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، ويعلم الخبير عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أقامت بحقها من مدتها، وحدادها، وامتناعها من النكاح ومقدماته أم لا مما لا يظهر لكثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
فيعلم ذلك كله وغيره من أفعال الخير والشر وإن كان في عتمة الليل وظلمته، أو كان في أماكن الخفاء كالكهوف، والمغارات، والأدغال، وأعماق البحار والقفار، قال تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (^١).
بل لا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا يضطرب نفس ولا يطمئن، إلا وقد علمه الخبير اللطيف (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧)، وتفسير السعدي (ص: ٧٣٥).
(٢) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠٣).
[ ١ / ٣٤٣ ]
أنه الخبير الذي يحيط علمه بخلقه في الآخرة كما أحاط بهم في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١] وإنما «خص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت؛ لأن المراد بذلك: الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه» (^١).
وبمقتضى علمه وخبرته -﵎- يجازيهم على ما كان منهم من الأقوال، والأعمال، والنوايا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١]،
فلا يخاف المحسن ضياعًا ولا نقصًا ولا نسيانًا لحسناته وثوابها، وإن كانت مجرد نية لم يتبعها عمل كما قال -ﷺ-: «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» (^٢).
قال ابن عاشور -﵀- في مناسبة ختم قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] باسمه الخبير: «وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت من ازدياد الأعمال الصالحة؛ إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم على العمل إذا كان وقته المعين له شرعًا ممتدًّا، كالعمر للحج على المستطيع لمن لم يتوقع طرو مانع، وكالوقت المختار للصلوات- أن حيلولة الموت دون إتمامه لا يرزئ المؤمن ثوابه؛ لأن المؤمن إذا اعتاد حزبًا أو عزم على عمل صالح ثم عرض له ما منعه منه؛ أن الله يعطيه أجره.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٣٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣١).
[ ١ / ٣٤٤ ]
ومن هذا القبيل: أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، كما في الحديث الصحيح» (^١).
وكذا المسيء لا يظن فواتًا ولا نسيانًا لسيئاته وعقابها، إلا أن يتغمده الله برحمته وعفوه.
ومن هنا نجد أن الله -﷿- كثيرًا ما يختم أعمال البِر باسمه الخبير ترغيبًا فيها؛ ومن ذلك:
قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
وكذا يختم أعمال السوء باسمه الخبير ترهيبًا منها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٨/ ٢٥٦).
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
فسبحان الخبير الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله الخبير على التوحيد:
إن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ وذلك أن الله أنزل كتابه الصادر عن علمه وخبرته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وأخبر فيه بأنواع التوحيد الثلاثة ودعا الخلق إليها.
فأخبر الخبير بأنه الخالق وحده، وأنه الرازق وحده، وأنه النافع الضار وحده، وأنه المحيي المميت وحده، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، وهذا يعني أن يوحد الله فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧، ١٨].
[ ١ / ٣٤٦ ]
وأخبرهم الخبير بأنه المستحق للعبودية وحده، وأن كل ما سواه لا يستحق منها شيئًا؛ إذ هو فقير عاجز لا يملك شيئًا لنفسه ولا لعابده، فليس بيده نفع ولا ضر ولا تصريف ولا ملك لشيء قليل ولا كثير، بل حتى ولا القطمير ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، فما كان كذلك كيف يدعى ويعبد؟ وكيف يجعل ندًّا لله الملك الذي بيده كله شيء؟
ثم إنه في آية فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] أخبر بأمور كل واحد منها كاف لنبذ كل معبود سوى الله، ونبذ العبادة إليه؛ إذ أخبر (^١):
أولًا: أن هذه المعبودات لا تسمع ولا تعلم بعابدها وداعيها؛ لأنهم ما بين جماد، وأموات، وملائكة مشغولين بطاعة ربهم ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
ثانيًا: أن هذه المعبودات من دون الله لو قدر أنها سمعت وعلمت بعابدها وداعيها؛ فهي لا تملك شيئًا ولا حتى الشفاعة التي تعلق بها الكثير ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فكيف تجيبهم لمطالبهم؟! ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
ثالثًا: أن هذه المعبودات من دون الله تتبرأ يوم القيامة من عابدها وداعيها، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٥٤١)، وتفسير السعدي (ص: ٦٨٧).
[ ١ / ٣٤٧ ]
وأخبرهم الخبير بأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأن طريق معرفتها الوحي، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، قال جماعة من المفسرين: يعني بذلك: نفسه الكريمة -﵎- (^١)، وقال ابن كثير -﵀-: «استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد- صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى- فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق …» (^٢).
وهذا يعني: إثبات ما أثبتها الله لنفسه ورسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه الله عن نفسه ورسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات.
كل ذلك من غير تحريف ولا تعطيل؛ إذ خبرهما أفصح خبر وأبينه، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ لأخبره سُبْحَانَهُ أنه لا مثيل ولا شبيه له، قال تَعَالَى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا يوحد الله في أسمائه وصفاته.
ثم إن هذا الإخبار من الله -﷿- بالتوحيد أصدق خبر وأكمله وأحقه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فلا يخبرك بالأمور وأحكامها
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٨٧)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٥٣)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٦٣)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٩٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٩).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وعواقبها ومآلها، وما تصير إليه أصدق من الله العليم الخبير، «فاجزم بأن هذا الأمر الذي نبأ به كأنه رأي عين، فلا تشك فيه ولا تمتر» (^١).
الأثر الثالث: الرجوع للكتاب والسنة في معرفة الله الخبير:
إن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد للرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ-، إذا ما أراد أن يتعرف على معوده الحق الله -﷿-، سواء كان ذلك من ناحية التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله، أو من ناحية التعرف على محبوباته ومرغوباته ومراضيه، وبالمقابل مكروهاته ومساخطه؛ إذ في الكتاب والسنة خبر ذلك على وجه التفصيل والإحكام، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
ثم إنه لا أحد أعرف بالله من الله، ولا أحد من الخلق أعلم بالله، ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، يعني بذلك: نفسه سُبْحَانَهُ، وقال ابن كثير -﵀-: يعني به محمدًا -ﷺ- كما تقدم-، والكل صحيح (^٢).
وهذا يعني: الرجوع إلى خبر الله ورسوله في العلم بذلك دون غيرهما، سواء أكان عقلًا أو هوى أو شيخًا مبتدعًا أو طريقًا من طرق الصوفية أو غير ذلك.
قال البغوي -﵀- في الآية: «والمعنى: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٧).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٠).
(٣) تفسير البغوي (٣/ ٤٥٣).
[ ١ / ٣٤٩ ]
الأثر الرابع: إصلاح الباطن:
إذا علم العبد أن ربه الخبير خبير بباطنه كظاهره، وسره كجهره، يعلم خطره وفكره، وما في قلبه من العقائد والمقاصد والأحقاد والأضغان والكبر والعجب، والتعلق بالدنيا، وإضمار الشر مع إظهار الخير، والتجمل بالإخلاص مع الإفلاس ونحو ذلك، وأن الكل مكشوف أمامه لا يخفى عليه ولا يغيب عنه، بل هو محل نظره، كما في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١).
فإذا علم العبد هذا سارع لإصلاح باطنه كما يصلح ظاهره، وتخلص من آفاته كما يتخلص من آفات ظاهره، واعتنى بعمل قلبه كما يعتني بعمل جوارحه، وراقبه دومًا ولم يغفله.
وقد قال ابن القيم -﵀- في أهمية هذا الأمر: «إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة؛ فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع التعري عن حقيقة العبودية الباطنة لا يقربه من الله، ولا يوجب له الثواب، وقبول عمله؛ فإن المقصود امتحان القلوب، وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء، والمقصود بالأمر والنهي.
فكيف يسقط واجبه، ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه! وهل هذا إلا عكس القضية وقلب
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).
[ ١ / ٣٥٠ ]
الحقيقة! والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها: إنما هو صلاح القلب، وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه» (^١).
الأثر الخامس: محبة الله الخبير:
إن إيمان العبد باسم الله الخبير وما فيه من تمام العلم والخبرة؛ يورث القلب محبة الله -﷿-؛ ذلك أنها صفة كمال، والقلوب فطرت على محبة من له الكمال.
ثم إن العبد إذا ضم إليها صفات ربه الأخرى كالحكمة، والحلم، والستر، ونحوها، وتأمل كيف أنه قدر له ما فيه مصلحته بمقتضى خبرته وحكمته ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وتأمل كيف أنه يطلع عليه ويخبره، وهو يتقلب في معاصيه ليل نهار ومع ذلك يحلم عليه ويستره؛ زاد حبه لربه الخبير.
فاللهمَّ يا خبير يا عليم، أصلح لنا ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانية، وشأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
_________________
(١) بدائع الفوائد (٣/ ١٩٢).
[ ١ / ٣٥١ ]
ذو الجلال والإكرام -ﷻ-
ثبوت الأسماء المبدوءة بـ «ذو» في حق الله تعالى:
يرى بعض أهل العلم أن «الوارد في الكتاب والسنة من الأسماء المبدوءة بـ (ذو) المضافة إلى صفة من صفات الله، أو فعل من أفعاله، أو خلق من مخلوقاته، من أعظم ما يمدح به رب العزة ويدعى به، ولكنها لا تدخل في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين … لأن معنى (ذي القوة، وذي الرحمة، وذي الكبرياء): صاحب القوة والرحمة والكبرياء؛ فذو في اللغة بمعنى: صاحب، وهذه الأسماء ثلاثة أقسام:
الأول: ما أضيف منها إلى صفة من صفات الباري، وهذا نوعان:
النوع الأول: أن تكون لهذه الصفات أسماء تدل عليها صرحت بها النصوص، وهي: ذو الرحمة، ذو القوة، ذو المغفرة، ذو الجبروت، ذو الملكوت، ذو الكبرياء، ذو العظمة.
والأسماء التي تضمنت هذه الصفات هي: الرحمن، الرحيم، القوي، الغفار، الغفور، الجبار، الملك، الكبير، العظيم.
والنوع الثاني: صفات ليس لها أسماء تدل عليها في الكتاب والسنة.
وهي: ذو الطول، ذو الفضل، ذو الجلال والإكرام، فإن هذه الصفات أضيفت «ذو» إلى كل منها، وليس لأي منها اسم مصرح به في النصوص.
[ ١ / ٣٥٢ ]
القسم الثاني: ما أضيف إلى فعل من أفعال الباري -﵎-، وهما اسمان هما: ذو عقاب أليم، وذو انتقام.
القسم الثالث: ما أضيف إلى بعض مخلوقاته، وهما اسمان هما: ذو العرش، وذو المعارج» (^١).
-أما بالنسبة لحكم تسمية الله بهذه الأسماء المضافة:
فقد اختلف أهل العلم في تسمية الله بـ «ذو الجلال والإكرام»، فمنهم من لم يجعله من أسماء الله، وجعله من الصفات باعتبار أن معنى (ذو): صاحب.
واختار آخرون: أنه من الأسماء؛ للنصوص الصحيحة الواردة فيه، وقد ذكره الشيخ محمد ابن عثيمين -﵀- من أسماء الله في (القواعد المثلى) (^٢)، يقول -﵀-: «ومن أسماء الله تَعَالَى ما يكون مضافًا، مثل: مالك الملك، ذي الجلال والإكرام».
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الكرام بالضم، مثل الكريم، فإذا أفرط في الكرم قيل: كرَّام بالتشديد، وكارمت الرجل، إذا فاخرته في الكرم، فكرمته أكرمه بالضم، إذا غلبته فيه، … والإكرام: مصدر مثل مخرج ومدخل» (^٣).
قال ابن فارس -﵀-: «(جل) الجيم واللام أصول ثلاثة، (منها):
_________________
(١) أسماء الله الحسنى الهادية إلى الله والمعرفة به، لعمر الأشقر (ص ٢٣ - ٢٤).
(٢) القواعد المثلى (ص: ١٦).
(٣) الصحاح (٥/ ٢٩٨).
[ ١ / ٣٥٣ ]
جل الشيء: عظم، وجل الشيء معظمه، وجلال الله: عظمته، وهو ذو الجلال والإكرام …» (^١).
ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) مرتين في القرآن الكريم، وهما:
قول الله -﷿-: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
وقوله -﷿-: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨].
ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عَنْ ثَوْبَانَ -﵁- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ منْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (^٢).
وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (^٣).
وعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
_________________
(١) مقاييس اللغة (١/ ٤١٧ - ٤١٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩١).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٣٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٥٣٦).
[ ١ / ٣٥٤ ]
إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
- معنى اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله (ذو الجلال والإكرام) على أنه سُبْحَانَهُ هو الموصوف بنعوت الجلال، وهي: كمال العز، والملك والتقدس، والعلم والغنى، والقدرة، وغيرها من الصفات.
وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء، ومنها:
قال ابن عباس -﵄-: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء» (^٢).
قال الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] يقول- تَعَالَى ذكره-: تبارك ذكر ربك يا محمد ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾، يعني: ذي العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه» (^٣).
قال الزجاج -﵀-: «ذو الجلال: أنه المستحق لأن يجل ويكرم» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)،، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث (١٣٤٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٤).
(٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٧٨).
(٤) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٦٢).
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال الخطابي -﵀-: «ذو الجلال والإكرام: الجلال: مصدر الجليل. يقال: جليل بين الجلالة والجلال، والإكرام: مصدر أكرم، يكرم، إكرامًا، والمعنى: أن الله- جل وعز- مستحق أن يجل ويكرم فلا يجحد، ولا يكفر به، وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته، ويرفع درجاتهم بالتوفيق لطاعته في الدنيا، ويجلهم بأن يتقبل أعمالهم ويرفع في الجنان درجاتهم، وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين- وهو الجلال- مضافًا إلى الله سُبْحَانَهُ، بمعنى: الصفة له، والآخر مضافًا إلى العبد بمعنى: الفعل منه، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] فانصرف أحد الأمرين- وهو المغفرة- إلى الله سُبْحَانَهُ، والآخر إلى العباد، وهو التقوى» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «(الجلال) عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته، أي: عظمته … (والإكرام) أي: هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، ومنه: إكرام الأنبياء والأولياء» (^٢).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]: «وقد نعت تَعَالَى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وكقوله إخبارًا
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ٩١ - ٩٢).
(٢) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٥).
[ ١ / ٣٥٦ ]
عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]» (^١).
وقال السعدي -﵀-: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهْوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التـ … ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ
وَهْوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أَوْصَافِ الجَلَا … لِ لَهُ مُحَقَّقَةٌ بِلَا بُطْلَانِ (^٣)
اقتران اسم الله (ذو الجلال والإكرام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يرد اسم الله (ذو الجلال والإكرام) مقترنًا بأي من أسمائه الأخرى.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٤).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).
(٣) النونية (ص: ٢٠٣).
[ ١ / ٣٥٧ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذو الجلال والإكرام):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذوالجلال والإكرام) من صفات، وتوحيد الله به:
إن الله هو المستحق وحده لأن يجل وينزه ويعظم لكمال ذاته وصفاته وأسمائه، وليس في الوجود من هو بمثل هذه الصفة غيره -ﷻ- وتقدست أسماؤه.
ولقد اختص الله سُبْحَانَهُ وحده بالجلال؛ لأن جلاله ليس بأنصار وأعوان وسبب من الأسباب، بل للأوصاف الرفيعة والعزة والعلو التي تلحق به.
وكل جلال وكل كرامة منه، والجلال له في ذاته، والإكرام هو فيض متناه منه على خلقه، فلا شرف ولا مجد ولا عزة ولا قوة إلا وهي له وبه ومنه، قال الأصمعي -﵀-: «ولا يقال: (الجلال) إلا لله -﷿-» (^١).
والإكرام فيض منه على خلقه، وإكرامه لخلقه بالعطايا والمنح، والآلاء والنعم لا يحصر ولا يعد؛ فهو الجدير بالإكرام من خلقه تعظيمًا لجلاله، وعرفانًا بفضله وإكرامه، وتقديرًا لآلائه وإحسانه.
يقول ابن القيم -﵀-: «من أعز أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله، وجماله، سُبْحَانَهُ ليس كمثله شيء في سائر صفاته!» (^٢).
_________________
(١) اشتقاق الأسماء الحسنى (ص: ٢٠١).
(٢) الفوائد (ص: ١٨٢).
[ ١ / ٣٥٨ ]
فـ «لا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء غيره» (^١).
فَسُبْحَانَهُ وهب الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، ووهب الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، ووهب بعض خلقه الجمال مع الجلال، لكنه سلبهم دوام الحال، وتفرد سُبْحَانَهُ الجليل الجميل بالجلال المطلق والجمال التام مع دوام الحال (^٢).
وحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر بالتضرع والخضوع لجلاله سُبْحَانَهُ، وطلب فضله وإكرامه.
وكما أن اسم الله (ذو الجلال والإكرام) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذو الفضل)، و(القدوس)، و(الكريم)، و(الجميل)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
_________________
(١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ٤٢١).
(٢) سيأتي مظاهر جلال الله وعظمته في اسم الله (العظيم)، وآثار كرمه في اسم الله (الكريم) -ﷻ-.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الأثر الثاني: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦]: كتب الله تَعَالَى على خلقه الفناء، وكتب على نفسه البقاء، يقول تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ السعدي -﵀-: «كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (^١).
والقلب إن استحضر حقيقة فناء كل المخلوقات، وبقاء رب البريات وحده -﵎-؛ فَهِمَ القاعدة الربانية التي هي أساس الخلق، فالله سُبْحَانَهُ لم يجعل الدنيا دار مقر، وإنما جعلها دار ممر، الرابح فيها من صلح زرعه، والخاسر من فسد ثمره، فالرابح قد أصلح زرعه في الدنيا؛ ليقطف ثمره في الآخرة، وأخلص العمل لذي الجلال والإكرام، الذي يجل من أطاعه ويكرمه في الدنيا والآخرة، ورغب فيما عنده من الثواب، وخشي ما عنده من العقاب.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).
[ ١ / ٣٦٠ ]
الأثر الثالث: تكريم ذو الجلال والإكرام للإنسان:
«وهذا التكريم مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية، والتكريم: جعله كريمًا، أي: نفيسًا غير مبذول ولا ذليل» (^١).
ومظاهر تكريم الله لعباده كثيرة، لعل من الأصول الجامعة له ما يلي:
١ - تكريم الله للإنسان عند خلقه، وما رافق ذلك الخلق من مظاهر التعظيم والعناية والحفاوة التي خص الله بها هذا المخلوق وذريته منذ البداية، ومن ذلك:
- خلقه وتسويته في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، يقول ابن كثير -﵀- عند هذه الآية: «أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية».
- إسجاد الملائكة له، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
- إسكانه الجنة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
- تعليمه ما لم تعلمه حتى الملائكة الكرام، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١].
_________________
(١) التحرير والتنوير (١٥/ ١٥٦).
[ ١ / ٣٦١ ]
٢ - تكريمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج وينشئ، ويركب ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فخصه الله بملكة العقل والفكر، وهي الصفة التي خولت الإنسان القابلية والقدرة على التعلم والتعليم، والتفكير والتدبير، وعن ذلك نشأ وتحصل للإنسان ما لا يعد ولا يحصى من المعارف والعلوم والخبرات الإنسانية المكتسبة.
يقول السعدي -﵀- في ذلك: «وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادَر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة» (^١).
٣ - تكريمه بتسخير ما لا يحصى من مخلوقات هذا الكون وخيراته ونعمه له، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢، ١٣] (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٦٣).
(٢) للاستزادة، يراجع: اسم الله الكريم.
[ ١ / ٣٦٢ ]
٤ - وأعظم تكريم: إرسال الرسل له، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وإكرامه بالإسلام، وهي كرامة خاصة بالمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
الأثر الرابع: محبة ذي الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ:
(ذو الجلال والإكرام) اسم جامع للجلال والجمال؛ فإنه تَعَالَى له جلال مهيب وجمال عجيب، فالجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فليس في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة جليلة، حسنى طيبة، وخير كلها.
الأثر الخامس: تعظيم الله وإجلاله:
(ذو الجلال والإكرام) سُبْحَانَهُ الذي يكرم عباده، حق على عباده أن يكرموه بطاعته وتقواه، وبتعظيمه وإجلاله ثناء عليه، وتمجيدًا له وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقص وعيب، ومن مظاهر إجلال الله:
إجلال الله -﷾-:
إن أعظم توقير يجب أن يكون لمن أسبغ عليك النعم، ورفع عنك البلاء والنقم، ومن تأمل قول الله تَعَالَى على لسان نوح -﵇-: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أدرك عظمة ذي الجلال وهيبته، ومن إجلاله تَعَالَى ما يلي:
إجلال أسمائه وصفاته، بإثباتها له سُبْحَانَهُ كما أثبتها لنفسه من غير
[ ١ / ٣٦٣ ]
تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
من إجلال تَعَالَى إجلال القرآن العظيم: فهو كلامه الجليل سُبْحَانَهُ الذي عظمه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وتعظيم القرآن يكون بالإيمان بما جاء فيه، وتلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وتعلمه وتعليمه والإنصات إليه والعمل به.
ومن عظمة القرآن: جعل الله أهل القرآن هم أهله وخاصته، كما في الحديث: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (^١).
إجلال كل ما أجله الجليل سُبْحَانَهُ من خلقه، ومن ذلك:
إجلال النبي -ﷺ- وتوقيره، يقول الله تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].
يقول ابن تيمية -﵀- عند هذه الآية: «والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار، ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله -﷾- أكرمه في مخاطبته
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٧٣)، والنسائي، رقم الحديث: في الكبرى (٧٩٧٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٦٥).
[ ١ / ٣٦٤ ]
إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]» (^١).
إجلال ثلاثة نص عليهم النبي -ﷺ- في قوله: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (^٢).
فمن إجلال الله: تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام، بتوقيره في المجالس، والرفق به، والشفقة عليه، ونحو ذلك كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله، وإجلال حامل القرآن وإكرامه لحفظه كتاب الله، وسماه حاملًا له؛ لتحمله المشقة في ذلك، وإجلال السلطان القسط العادل بين الناس (^٣).
إجلال حرمات ذي الجلال وحدوده:
فعظمة الله تَعَالَى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته؛ «لأن تعظيم حرمات الله من الأمور المحبوبة لله، المقربة إليه، التي مَن عظَّمها وأجلَّها أثابه الله ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه.
وحرمات الله: كل ما له حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية
_________________
(١) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: ٤٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٢١٩٩).
(٣) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي (١٣/ ١٣٢).
[ ١ / ٣٦٥ ]
فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل» (^١)، ويدل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
الأثر السادس: ذو الجلال يُخاف عقابُه، وذو الإكرام يُرجى ثوابُه:
لا ينال العبد المعرفة إلا إذا عرف ذا الجلال والإكرام؛ لأنه جمع بين الرغبة والرهبة والرجاء والخوف.
فلا نجاة للإنسان حقًّا إلا إذا خاف ورجا؛ لأن الخوف المطلق يسلم إلى اليأس، والرجاء المطلق يسلم إلى التفريط.
وقد حثنا الله سُبْحَانَهُ على أن نخاف ونرجو، فقال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وتدبر قول الله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: جامعين بين الوصفين، خوفًا أن ترد أعمالهم، وطمعًا في قبولها، وخوفًا من عذاب الله (^٢).
وفسر بعضهم التقوى بأنها الوقوف بين منزلة الخوف والرجاء، فالمؤمن إذا تذكر جلال الله رهب، وإذا تذكر كرمه طمع ورجا، وهكذا يعيش في مقام الرهبة فيعمل ويجتهد في الطاعة، ويحترز من المعاصي، ويعيش في مقام الرجاء فيأنس ويطمئن قلبه ويأمن.
وفي ذلك يقول الشيخ السعدي -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] «وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٣٧).
(٢) المصدر السابق (ص: ٦٥٥).
[ ١ / ٣٦٦ ]
إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات» (^١).
الأثر السابع: الدعاء باسم الله ذو الجلال والإكرام:
هذا الأثر وصية من وصايا النبي -ﷺ- حيث قال -ﷺ-: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (^٢).
و«أَلِظُّوا» بظاء معجمة مشددة، وفي رواية بحاء مهملة، «بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ»، أي: الزموا قولكم ذلك في دعائكم؛ لئلا تركنوا وتطمئنوا لغيره، وقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم الله الأعظم (^٣).
وقد جاء في الحديث الذي فيه ذكر اسم الله الأعظم الدعاء بذي الجلال والإكرام، وفي الحديث عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كنت مع رسول الله -ﷺ- جالسا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك، بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٤).
اللهم يا ذا الجلال والإكرام أكرمنا بطاعتك، واقسم لنا من خشينك ما تحول به بيننا وبين معاصيك.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٣١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (١/ ٢٢٧).
(٤) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الربُّ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «رب كل شئ: مالكه، والرب: اسم من أسماء الله -﷿-، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك … والرباني: المتأله العارف بالله تَعَالَى، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم، قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: (لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)، ورب الضيعة، أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربًّا، ورببه، وترببه، بمعنًى، أي: رباه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(الرب) الراء والباء يدل على أصول؛ فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب: المالك، والخالق، والصاحب، والرب: المصلح للشيء، يقال: رب فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحها … والله- جل ثناؤه- الرب؛ لأنه مصلح أحوال خلقه.
والأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول. يقال: أربت السحابة بهذه البلدة، إذا دامت …
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٣٦٨ ]
والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو- أيضًا- مناسب لما قبله، ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا» (^١).
ورود اسم الله (الرَّب) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرب) في كتاب الله في مواضع عديدة، وفي سياقات متنوعة، فجاء مضافًا إلى (العالمين)، وإلى (كل شيء)، وإلى (موسى وهارون)، وإلى (العرش العظيم)، وإلى (السماوات والأرض)، وإلى (المشرق والمغرب)، ومضاف للضمير (ربكم …)، ومن وروده ما يلي:
١ - قوله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
٢ - وقوله -﷿-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
٣ - وقوله -﷿-: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].
كما جاء مفردًا في إحدى وخمسين ومائة مرة، ومن ورود ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
ورود اسم الله (الرب) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الرب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ -﷿- قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» (^٢).
_________________
(١) مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨٤٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وعن ابن عباس -﵄-، قال: «كشف رسول الله -ﷺ- الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال: أَيُّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّراتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا؛ فَأمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (^١).
وعن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» (^٢).
معنى اسم الله (الرب) في حقه تعالى:
قال الطبري -﵀-: «فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل له في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «رب العالمين، أي: مالكهم، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، فالرب: المالك … والرب: السيد، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي الحديث: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) (^٤)، أي:
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٥٧٩).
(٣) تفسير الطبري (١/ ١٤٣).
(٤) أخرجه مسلم (٨).
[ ١ / ٣٧٠ ]
سيدتها، … والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم، قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يُرَبِّهِ فهو ربٌّ له ورابٌّ، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب، وفي الحديث: «هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا» (^١)، أي: تقوم بها وتصلحها، والرب: المعبود» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، واللهتَعَالَى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها» (^٣).
قال ابن كثير -﵀-: «والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تَعَالَى» (^٤).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «الرب، هو المربي جميع العالمين- وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة، فمنه تَعَالَى» (^٥).
اقتران اسم الله (الرب) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم (الرَّبِّ) باسم (الله) -﷿-:
سبق بيانه في اسم الله (الله).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٧).
(٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٣) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٢).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).
(٥) تفسير السعدي (ص: ٣٩).
[ ١ / ٣٧١ ]
ثانيًا: اقتران اسم (الربِّ) باسميه سُبْحَانَهُ (الرحمن، الرحيم):
اقترن اسم (الرب) باسمي (الرحمن، الرحيم) كما في قوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]، وقوله -﷿-: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
وجه الاقتران:
١ - الجمع بين الترغيب والترهيب، قال القرطبي -﵀-: «وصف نفسه تَعَالَى بعد «رب العالمين»، بأنه «الرحمن الرحيم»؛ لأنه لما كان في اتصافه بـ «رب العالمين» ترهيب قرنه بـ «الرحمن الرحيم»، لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)» (^٢).
٢ - بيان سعة رحمته وشمولها، قال ابن القيم -﵀-: «فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول للرحمة وسعتها؛ فوسع كل شيء برحمته وربوبيته» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).
(٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٩).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٤).
[ ١ / ٣٧٢ ]
ثالثًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):
اقترن اسم (الرب) باسمه (الغفور) كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥].
وجه الاقتران:
التأكيد على أن من أخص صفات الرب: المغفرة، وأنها من موجبات ربوبيته ولوازمها (^١).
رابعًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):
اقترن اسم (الرب) باسمه (العزيز) كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].
وجه الاقتران:
للدلالة على أن صفة العزة والغلبة من موجبات الربوبية والسؤدد.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّبِّ):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرب) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- الرب الذي خلق الخلق، ولم يتركهم هملًا، بل تصرف فيهم بما يصلح شؤونهم ويقيم أحوالهم، وتعاهدهم بالتربية والرعاية، فجاءت تربيته لهم على نوعين:
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق بنفس الصفحة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
النوع الأول: الربوبية العامة:
الشاملة لكل خلقه، فالله سُبْحَانَهُ رب العالمين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والعالمين: جمع عالم، وكل ما سوى الله -﷿- عالم (^١)، فشمل بربوبيته كل شيء سواه.
فهو رب العرش العظيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وهو رب السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤].
وهو رب المشرق والمغرب، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].
وهو رب الأولين والأخرين: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦].
وصلت ربوبيته لكل إنس وجن، بر وفاجر، مؤمن وكافر، وكل حيوان، ونبات، وجماد.
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).
[ ١ / ٣٧٤ ]
لا يخرج شيء عن ربوبيته البتة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا أوسع ولا أشمل كلمة ولا أكثر استغراقًا من كلمة شيء؛ فالذرة شيء، وجزئيات الذرة شيء، والنواة شيء، والشمس شيء، والمجرات شيء، والكون شيء … إلخ.
ومن آثار ربوبيته العامة:
خلقه وإيجاده لهم من عدم، وتصويره إياهم على ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩]، قال السعدي -﵀-: «ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته- ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» (^١).
إنعامه ورزقه لهم، فرباهم بما أغدق عليهم من النعم والأرزاق الظاهرة والباطنة التي لو فقدوها لاختلت حياتهم وما كان لهم بقاء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، وقال حاكيًا عن فرعون سؤاله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] إلى أن قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٠٧).
[ ١ / ٣٧٥ ]
فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤].
القيام على شؤنهم وتدبير أمورهم، كما قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] هدى كل مخلوق لما خلق له من المنافع، وهداه لدفع المضار عنه، حتى أن الله أعطى الحيوان البهيم من العقل ما يتمكن به من ذلك (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه، وتفرد بتدبير ملكه، فالتدبير كله بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه، ولاراد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال- أول النهار وآخره- عليه، فيقدر المقادير ويوقت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه» (^٢).
تعريف عباده بنفسه وبغايتهم التي خلقوا من أجلها، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم؛ فلم يترك عباده سدى هملًا لا يعرفهم بنفسه ولا ما
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق.
(٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ١٤٢).
[ ١ / ٣٧٦ ]
ينفعهم ولا يضرهم في المعاش والمعاد، كما لم يخلقهم عبثًا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، كما قال تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] تعاظم عن هذا الظن الباطل الذي يقدح في حكمته -﵎- (^١).
النوع الثاني: الربوبية الخاصة:
التي اختص الله بها أولياءه وأهل طاعته، حيث رباهم فوفقهم للإيمان به، والقيام بعبوديته، وغذاهم بمعرفته، ونمى ذلك بالإقامة عليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ودفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه.
فحقيقتها: التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر (^٢).
ومن صور هذه التربية: أن يلقي في نفوس أوليائه إذا أقبلوا عليه بالطاعات الراحة والسكينة والانشراح، فيحببها لهم، وإذا عصوه أو هموا بمعصيته الضيق والكآبة والحزن فيبغضها لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
فمن وجد في نفسه هداية وإيمانًا فهو محض فضل رب العالمين، فهوسُبْحَانَهُ الذي دفعه وساقه إلى طاعته، وألقى في قلبه محبته ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٦٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٨).
[ ١ / ٣٧٧ ]
أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
ومنها: أن يصيب العبد ببعض البلايا والمحن؛ ليرجع ويعود إليه، وتكون سببًا لقربه منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وكما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] فساق هذه الشدائد ليحملهم على التوبة والرجوع إليه.
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرب) على التوحيد:
اسم الله الرب دال على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
- فأما توحيد الربوبية:
فاللهسُبْحَانَهُ هو الرب على الحقيقة، فلا رب على الحقيقة سواه، رب كل شيء وخالقه ومليكه، والقادر عليه والمتصرف في جميع أموره، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
قال القرطبي -﵀-: «فاللهسُبْحَانَهُ رب الأرباب، ومعبود العباد، يملك المالك والمملوك وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مخلوق فمملَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده،
[ ١ / ٣٧٨ ]
وإنما يملك شيئًا دون شيء» (^١).
وقد استدل الله على وحدانيته في الربوبية بدليل التمانع، قال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فالعالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة فالشمس والقمر، والكواكب الثابتة والسيارة، منذ خلقت وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه؛ فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معًا، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر وعدم اقتداره، واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الرب الواحد القهار (^٢).
وبهذا التوحيد أقر أكثر طوائف المشركين ولم ينكروه، كما حكى الله عنهم في كتابه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
_________________
(١) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى، للقرطبي (١/ ٣٩٥).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢١، ٥٥٨).
[ ١ / ٣٧٩ ]
ومع هذا الإقرار منهم إلا أنه لم يكفهم في الدخول في الإسلام لإخلالهم بتوحيد الألوهية الذي بعث الله الرسل داعين إليه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
- وأما توحيد الألوهية:
فاسم (الرب) -﷿- يقتضي ويستلزم عبادة الله وحده دون ما سواه؛ إذ إن الخالق للكون وما فيه، والمالك لكل شيء من العالم العلوي، والعالم السفلي، ما نبصره منه، وما لا نبصره، والمتصرف فيه بالإحياء، والإماتة، والرزق، والتدبير هو المستحق للعبادة وحده، فإن كل من دونه عبيد مربوبون لا خلق لهم ولا ملك، عاجزون من جميع الوجوه، فكيف يتخذون أندادًا وشركاء لله؟! (^١).
وقد احتج الله بالربوبية على الألوهية في مواضع عديدة من كتابه بأساليب متنوعة، منها: قوله تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
ففي هذه الآيات احتجاج على العباد بأن الله هو وحده مالك الأرض والسماء ومن فيها، وخالقهم وربهم ومليكهم، فإذا كان كذلك فهو وحده إلههم ومعبودهم، فكما لا رب لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٥٧).
(٢) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤١٣)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٩٤ - ٩٥).
[ ١ / ٣٨٠ ]
- وأما توحيد الأسماء والصفات:
فاسم (الرب) -﷿- مقتضٍ ومستلزم لسائر أسمائه وصفاته -﵎-؛ فالخالق المالك الرازق المدبر لا بد أن يكون قادرًا، بارئًا مصورًا، حيًّا قيومًا، عليمًا، سميعًا بصيرًا، غنيًّا، جوادًا، كريمًا إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
قال ابن القيم -﵀-: «إن ربوبيته سُبْحَانَهُ إنما تتحقق بكونه: فعالًا مدبرًا؛ متصرفًا في خلقه؛ يعلم، ويقدر، ويريد، ويسمع، ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته: انتفت ربوبيته، وإذا انتفت عنه صفة الكلام: انتفى الأمر والنهي ولوازمها، وذلك ينفي حقيقة الإلهية» (^١).
وقال أيضًا -﵀-: «إن (الرب): هو القادر الخالق البارئ المصور؛ الحي القيوم؛ العليم السميع البصير؛ المحسن المنعم الجواد؛ المعطي المانع؛ الضار النافع؛ المقدم المؤخر؛ الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء؛ إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى» (^٢).
الأثر الثالث: الرضا بالله -﷿- ربًّا:
من عرف اسم الله (الرب) وعلم أنه وحده الخالق المالك الرازق المدبر، لم يطلب غيره ربًّا ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بل رضي به -﷾- ربًّا، وساقه رضاه به لأنواع من الرضى:
١ - الرضى به إلهًا معبودًا.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٩٧).
(٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٤٩).
[ ١ / ٣٨١ ]
٢ - الرضى به حاكمًا مشرعًا، فيرضى عما أمره به ونهاه عنه.
٣ - الرضى به قاسمًا قاضيًا، فيرضى عما قسمه وقدره له، ويرضي عما أعطاه واختاره له وعما منعه منه.
فالرضى به ربًّا متعلق بذاته وأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته العامة والخاصة، فهو الرضى به خالقًا ومدبرًا وآمرًا وناهيًا، ومالكًا ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا وناصرًا، ومعينًا وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا، وقابضًا وباسطًا، ومبتليًا ومعافيًا، إلى غير ذلك من صفات أفعاله -﵎-.
ومن كانت هذه صفته ذاق طعم الإيمان وحلاوته، كما قال -ﷺ-: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١).
ومتى تذوق العبد طعم الإيمان فلا تسأل عن السعادة التي يحيا بها، ولا عن الأنس الذي يشعر به، ولا عن الطمأنينية والثبات حتى ولو احتوشته البلايا والرزايا.
ومن لم يرض بتلك الأنواع أو بعضها لم يكن قد رضي به ربًّا من جميع الوجوه، ولا ذاق حلاوة الإيمان حتى يرضى به من جميع الوجوه.
والرضى بالله ربا يختلف عن الرضا عنه؛ فالرضى به متعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والرضى عنه متعلق بثوابه وجزائه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧] وقوله تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، فربط الرضا عنه بدخول الجنة، بينما في الحديث علق
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤).
[ ١ / ٣٨٢ ]
رسول الله -ﷺ- ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربًّا، ولم يعلقه بمن رضي عنه، فجعل الرضى به قرينًا للرضى بدينه ونبيه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها.
الأثر الرابع: التوكل على الربِّ سُبْحَانَهُ:
إذا آمن العبد باسم الله (الرب) وما يدل عليه من اختصاصه بجلب المنافع ودفع المضار، والتكفل بالأرزاق، وتيقن ذلك؛ أورثه التعلق به والتوكل عليه في جلب المصالح، ودفع المساوئ والمخاطر عنه، وفي تصريف جميع أموره، فلا يتعلق إلا باللهتَعَالَى ولا يرجو إلا هو، ولا يخاف إلا منه سُبْحَانَهُ، ولقد قال نبي الله موسى -﵇- وهو في موقف شديد عصيب؛ أدركه فرعون فيه بجبروته وطغيانه وجنوده وعتاده، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦] ولا مفر، فالبحر أمامه، وفرعون خلفه، والجبال الشاهقة ترى عن يمينه وشماله، حتى ظن أصحابه أنهم مدركون ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] قال واثقًا بربه متوكلًا عليه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
فكل مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يملكه لغيره، فكيف يخاف أو يرجى أو يتعلق بمن هذا حاله؟
[ ١ / ٣٨٣ ]
الأثر الخامس: محبة الله الرب:
لما كان من معاني (الرب) أنه الذي يربي عباده بخلقه إياهم على أحسن صورة، والإنعام عليهم بما يقيم حياتهم ومعاشهم، والقيام على شؤونهم وحاجتهم أتم قيام وأكمله.
فإن هذه المعاني من شأنها أن تورث في قلب العبد المحبة العظيمة لربه سُبْحَانَهُ، وحب ما يحبه ومن يحبه، وبغض ما يبغضه ومن يبغضه، والمسارعة في مرضاته، وتعظيمه وإجلاله وشكره، وحمده الحمد اللائق بجلاله وعظمته وسلطانه وإنعامه.
الأثر السادس: التضرع باسم الله (الرب):
اسم الله (الرب) -﵎- يقتضي جلب المنافع ودفع المضار، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومن هنا صمد إليه العباد وقصدوه صغيرهم وكبيرهم، برهم وفاجرهم، بل وحتى كافرهم في حاجاتهم ومطالبهم، كما قال الله تَعَالَى عن الكفار: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وكلما عرف العبد اسم الله (الرب) وزاد يقينه بمعانيه؛ زاد لهجه ودعاؤه به؛ لذا كثر في أدعية الأنبياء والصالحين تكرار الدعاء بقولهم: (ربنا، ربنا)، ومن ذلك:
- دعاء آدم -﵇-، حين تاب الله عليه هو وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
[ ١ / ٣٨٤ ]
- دعاء نوح -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
- دعاء إبراهيم وإسماعيل -﵉-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨].
- دعاء يوسف -﵇-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
- دعاء رسول الله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ والفُرْقَانِ …» (^١)، وكان إذا افتتح صلاته من الليل قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ …» (^٢).
- دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
- دعاء المتقين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).
[ ١ / ٣٨٥ ]
ولعل من أسرار كثرة دعاء الأنبياء بلفظ الرب: أن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، فسألوه بالاسم المناسب لمطالبهم؛ فهو الذي يربيهم بتربيته الخاصة (^١).
الأثر السابع: التأدب مع الرب في الألفاظ:
الله -﷿- هو الرب وحده -﵎-؛ لذا جاء في البخاري عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَاي، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (^٢).
قال الحافظ ابن حجر -﵀-: «وفيه: نهي العبد أن يقول لسيده: (ربي)، وكذلك نهى غيره، فلا يقول له أحد: ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: اسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه» (^٣).
والسبب في النهي:
الأول: «أن حقيقة الربوبية لله تَعَالَى؛ لأن الرب هو المالك القائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تَعَالَى» (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٩). واللفظ للبخاري.
(٣) فتح الباري (٥/ ١٧٩).
(٤) المرجع السابق.
[ ١ / ٣٨٦ ]
الثاني: «أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك» (^١).
وهل معنى هذا عدم جواز أن يقال لأحد غير الله: رب؟
إطلاق لفظ الرب إما يكون على سبيل الإطلاق أو الإضافة، فإما إن كان على سبيل الإطلاق فلا يجوز؛ لأن هذا مما يختص الله به، قال ابن كثير -﵀-: «ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله -﷿-» (^٢)، وقال ابن حجر -﵀-: «والذي يختص بالله تَعَالَى إطلاق الرب بدون إضافة» (^٣).
أما إن كان مضافًا، فالإضافة يختلف حكمها باختلاف أقسامها، وقد أوضح ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀-، فقال: «إضافة الربِّ إلى غير الله تَعَالَى تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضئ ربك، فيكره هذان لمحذورين:
١ - من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسد بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سُبْحَانَهُ، وهو- سُبْحَانَهُ - يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك أن الرب هنا غير رب العالمين الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.
_________________
(١) أعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١٢٧١).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).
(٣) فتح الباري (٥/ ١٧٩).
[ ١ / ٣٨٧ ]
٢ - من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان السيد ربًّا كان العبد أو الأمة مربوبًا.
القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، فهذا لا بأس به كقوله -ﷺ- في حديث أشراط الساعة: «إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (^١)
القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟
قد يقول قائل: إن هذا جائز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تَعَالَى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: سيدي؛ ولأن المحذور من قول: (ربي) هو إذلال العبد، وهذا منتف؛ لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.
القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور؛ فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك» (^٢).
الأثر الثامن: كن ربانيًّا:
الله -﷿- الرب يحب من عباده أن يكونوا ربانيين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وسيتناول الملحق - بإذن الله- ما يوضح هذا المعنى ويساعد على تحقيقه.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٩).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
[ ١ / ٣٨٨ ]
الرَّبَّانِية والرَّبَّانِيون
في هذا الموضوع سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: المقصود بالرَّبَّانية والرَّبَّانيين:
تعددت عبارات العلماء في معنى الرباني، إلا أنها تدور حول ثلاثة معان:
١ - العلم الراسخ بالله وشرعه.
٢ - العمل بالعلم.
٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة، كالبدء بصغار العلم قبل كبارها.
قال ابن عباس -﵄-: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] «حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره» (^١).
وقال الطبري -﵀-: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين): أنهم جمع (رباني)، وأن (الرباني) المنسوب إلى (الربان)، الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، ويربُّها، ويقوم بها، … فالربانيون إذًا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن الأحبار هم العلماء، والرباني: الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٢٥).
[ ١ / ٣٨٩ ]
بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم» (^١).
وقال أبو عمر الزاهد -﵀-: سألت ثعلبًا عن هذا الحرف، وهو الرباني، فقال: «سألت ابن الأعرابي، فقال: إذا كان الرجل عالمًا عاملًا معلمًا، قيل له: هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له: رباني» (^٢).
وقال القرطبي -﵀-: «العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم» (^٣).
وقال ابن القيم -﵀- بعدما نقل جملة من تفسيرات العلماء للرباني-: «ولا يوصف العالم بكونه ربانيًّا حتى يكون عاملًا بعمله، معلمًا له» (^٤).
وقال السعدي -﵀-: «علماء حكماء حلماء، معلمين للناس ومربيهم بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل» (^٥).
ثانيًا: وسائل تحقيق الربانية:
الربانية تقوم على ثلاث ركائز، كما يظهر مما نُقِل من كلام العلماء -﵏- سابقًا، وهي:
١ - العلم الراسخ بالله وشرعه.
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٥٤٠ - ٥٤٤).
(٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ١٢٤).
(٣) تفسير القرطبي (٤/ ١٢٢).
(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ١٢٦).
(٥) تفسير السعدي (ص: ١٣٦).
[ ١ / ٣٩٠ ]
٢ - العمل بالعلم.
٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة.
ولكل واحد من هذه الركائز الثلاث أدلته من الكتاب والسنة، منها:
ما يتعلق بالعلم: قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
فوصف الله الربانيين والأحبار بأنهم ﴿اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير -﵀-: «بما استودعوا علمه من كتاب الله، الذي هو التوراة» (^١).
ووصف الربانين- أيضًا- بالدرس للكتاب الذي به يرسخ العلم ويبقى (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
والذي يظهر أن المراد بالعلم: العلم الراسخ الواسع؛ لذا إنما أطلق السلف هذا الوصف على من تبحر في العلم، ومن ذلك:
لما مات زيد بن ثابت -﵁- قال أبو هريرة -﵁-: «اليوم مات رباني هذه الأمة، ولعل الله -﷿- أن يجعل في ابن عباس مثله خلفًا» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ٤٥٤).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٣٦).
(٣) الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم (٣٩٣).
[ ١ / ٣٩١ ]
وقال محمد ابن الحنفية يوم مات ابن عباس -﵄-: «مات رباني هذه الأمة» (^١).
ما يتعلق بالعمل: وهذه الركيزة معلومة بنصوص كثيرة، ذمت المقصرين
في هذا الباب، كقوله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ
الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ
مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣].
فلو كان الربانيون لا يعملون بعلمهم، لاستحقوا الذم لا المدح، والله أشاد بهم في مواضع، فدل على أنهم حققوا العمل بالعلم.
ما يتعلق بالتعليم والتربية: قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الباء «باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين» (^٢).
ووصفهم الله بأنهم استحفظوا الكتاب، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، والحفظ لا يكون بمجرد الجمع في الفؤاد والعمل به، بل بنقله للأجيال وتربيتهم عليه أيضًا، فالحفظ لا يتم ويكمل بغير التبليغ والنقل للناس.
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (١/ ٥٦).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١٣٦).
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال الشيخ السعدي -﵀- في تفسير هذه الآية: «أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه.
وهم شهداء عليه؛ بحيث إنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فاللهتَعَالَى قد حمَّل أهلَ العلم ما لم يحمِّله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حُمِّلوا.
وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا.
وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلِّموا الناس، وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصًا الأمور الأصولية، والتي يكثر وقوعها، وأن لا يخشوا الناس، بل يخشون ربهم» (^١).
وفي هذه الركائز الثلاث يقول ابن القيم -﵀-: «والسلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٣٢).
(٢) زاد المعاد (٣/ ٩).
[ ١ / ٣٩٣ ]
ثالثًا: صفات الربانيين:
وللربانيين أوصاف، جعلتهم يحوزون هذا الشرف العظيم، منها:
١ - خشية الله -﷿- التي أورثها العلم بالله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
٢ - الثبات على الحق، وعدم التذبذب في الفتن والكروب؛ لعلمه بها.
٣ - القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تَعَالَى موضحًا الدور المنبغي على الربانيين القيام به: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، قال السعدي -﵀-: «فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبوهم في الخير ويرهبوهم من الشر» (^١).
٤ - الحرص على تحكيم شريعة الله -﷿- في جميع الأمور، كما قال تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، فيحكِّمون ما أنزل الله من التوراة، ويَحْكُمُونَ به.
٥ - الحكم بين الناس بكتاب الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤].
٦ - الصبر على العلم وأعباء الدعوة والتعليم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٢٣٧).
[ ١ / ٣٩٤ ]
مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى الله (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين» (^٢).
٧ - اليقين بآيات الله، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة الرفيعة بما وصلوا إليه من الإيمان إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل (^٣).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٥٦).
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (٣/ ٩).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (٦٥٦).
[ ١ / ٣٩٥ ]
٨ - السمت والوقار، قال -ﷺ-: «السَّمْتُ الحَسَنُ، والتُّؤَدَةُ والاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^١)، فالأنبياء أحسن الناس سمتًا وأحسنهم وقارًا، والربانيون ورثة الأنبياء، بهم يقتدون وعلى أثارهم يسيرون، قال رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (^٢).
٩ - ملاحظة تقصير النفس وسؤال الله المغفرة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧]، ففي هذا الموقف العصيب الذي تزهق فيه الأروح لم يغفلوا عن ملاحظة تقصيرهم وذنوبهم، فسألوا الله مغفرته.
وهذا الاستدلال إنما يصح على القول بأن الربِّيِّين بمعنى: الربانيين.
فمن حقق ركائز الربانية الثلاثة، واتصف بصفاتها؛ حقق الربانية، واستحق أن يوصف بكونه ربانيًّا.
فاللهمَّ اسْتَعْمِلْنَا وَلَا تَسْتَبْدِلْنَا، واحشُرْنَا في زمرةِ عبادِكَ الرَّبَّانِيينَ الصَّالحينَ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٢٠١٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (١١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠١٠).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٦٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢).
[ ١ / ٣٩٦ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الرحمة: الرقة والتعطف، والمرحمة مثله، وقد رحمته وترحمت عليه، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا، والرحموت من الرحمة … والرحمن والرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، ونظيرهما في اللغة: نديم وندمان، وهما بمعنًى» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه ..» (^٢).
ورود اسم الله (الرحمن - الرحيم) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله الرحمن في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الرحمن) في كتاب الله سبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة (٥/ ١٩٢٩).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٩٨).
[ ١ / ٣٩٧ ]
قوله تَعَالَى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣].
قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].
ثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في القرآن الكريم:
وورد اسم الله (الرحيم) في كتاب الله مائةً وأربع عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
١ - قوله -﷿-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]
٢ - قوله -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧]
٣ - قوله -﷿-: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].
ورود اسم الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الرحمن) في السنة النبوية:
ورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي:
عن أبي التَّيَّاحِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَنْبَشٍ التَّمِيمِيِّ - وَكَانَ كَبِيرًا -: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَيْلَةَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَحَدَّرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ بِيَدِهِ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ -﵇-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ. قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا
[ ١ / ٣٩٨ ]
يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. قَالَ: فَطُفِئَتْ نَارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ -﵎-. (^١)
عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ -﷿-: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتْهُ» (^٢).
عن عبد الله بن مسعود -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «الخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ- وذكر ما شاء الله- وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ: فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ: فَالفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا، فَهِيَ تَسْتُرُ مِنْ فَقْرٍ» (^٣).
ثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي:
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٦٩٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨٤٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٠٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨٧). واللفظ لأحمد.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٨١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٥٠).
[ ١ / ٣٩٩ ]
كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).
عن مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثَلَاثَ مَرَار» (^٢).
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (^٣).
معنى اسمي الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) في حقه تعالى:
هما اسمان جليلان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء:
قال ابن عباس -﵄-: «الرحمن، الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٢٧٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٩٠٥). واللفظ لأحمد.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨١٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٣٥٧). واللفظ لأبي داود.
(٤) تفسير الطبري (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٤٠٠ ]
قال الطبري -﵀-: «فربنا- جل ثناؤه- رحمن لجميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيم بالمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «صفتان لله -﷿- مشتقتان من الرحمة، فالرحمن فعلان، والرحيم فعيل» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم، وأسباب معاشهم، ومصالحهم، وعمت المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، وأما الرحيم: فخاص للمؤمنين، كقوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «اسمان دالان على أنه تَعَالَى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها» (^٤).
وقال أيضًا: «الرحمن، الرحيم، البر … هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه، التي عم بها جميع الوجود، بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تَعَالَى:
_________________
(١) تفسير الطبري (١/ ١٢٨).
(٢) اشتقاق أسماء الله (ص: ٣٨).
(٣) شأن الدعاء (١/ ٣٨).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٣٩).
[ ١ / ٤٠١ ]
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية» (^١).
الفرق بين اسم الله الرحمن واسمه الرحيم:
ذكر أهل العلم جملة من الفروق بين الاسمين، منها (^٢):
١ - أن اسم الله «الرحمن» رحمته شاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، وأما اسم الله الرحيم فرحمته خاصة بالمؤمنين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (^٣).
ولكن يشكل على هذا قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله -﷿-: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦]؛ إذ ذكرت الرحمة العامة باسم الله الرحيم.
٢ - أن اسم الله «الرحمن» دال على الصفة الذاتية لله -﷿-، وأما اسم الله الرحيم فيدل على الصفة الفعلية لله -﷿-.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: «إن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سُبْحَانَهُ، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم-أي: بمن ي -﵏-، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قول الله -﷿-:
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٩٤٦).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٧٨ - ٨٠).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٢٥ - ١٢٦).
[ ١ / ٤٠٢ ]
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ولم يجئ قط (رحمن بهم)، فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، والرحيم هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم ينجل لك صورتها» (^١).
وقال في موضع آخر: «ولم يجئ (رحمن بعباده، ولا رحمن بالمؤمنين)؛ مع ما في اسم (الرحمن) -الذي هو على وزن فعلان- من سعة هذا الوصف؛ وثبوت جميع معناه للموصوف به؛ ألا ترى أنهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا؛ وندمان، وحيران، وسكران، ولهفان، لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول.
ولهذا يقرن -﷿- استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرًا، كقوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] فاستوى على عرشه باسم الرحمن؛ لأن العرش محيط بالمخلوقات؛ قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق؛ واسعة لهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كل شيء» (^٢).
٣ - أن اسم الله «الرحمن» خاص الاسم عام المعنى، واسم الله «الرحيم» عام الاسم خاص المعنى، وتوضيح ذلك: أن اسم الله الرحمن من الأسماء التي لا يجوز أن يتسمى بها مخلوق، قال الله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤).
[ ١ / ٤٠٣ ]
أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وهو «الله»، وأما اسم الله «الرحيم» فجائز، وقد وصف الله به نبيه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
قال ابن القيم -﵀- عن اسم «الرحمن»: «ولما كان هذا الاسم مختصًّا به تَعَالَى حسن مجيئه مفردًا غير تابع، كمجيء اسم الله كذلك، ولم يجئ قط تابعًا لغيره، بل متبوعًا وهذا بخلاف العليم، والقدير، والسميع والبصير، ونحوها؛ ولهذا لا تجيء هذه مفردة، بل تابعة، فتأمل هذه النكتة البديعة» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «والحاصل: أن من أسمائه تَعَالَى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم (الله)، (الرحمن)، (الخالق)، (الرازق) ونحو ذلك …» (^٢).
اقتران اسمي الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
أولًا: اقتران اسم الله الرحمن باسمه الرحيم:
اقترن اسم الله الرحمن باسمه الرحيم في ستة مواضع من القرآن، ومنها قوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢١).
[ ١ / ٤٠٤ ]
وجه الاقتران:
١ - للجمع بين صفة الله -﷿- المتعلقة بذاته -﵎-، التي يدل عليها اسم الله (الرحمن)، وإيصال الرحمة للخلق التي يدل عليها اسم الله (الرحيم) (^١).
٢ - للجمع بين الرحمة العامة التي يدل عليها اسم الله الرحمن، والرحمة الخاصة بالمؤمنين التي يدل عليها اسم الله الرحيم، وهذا على قول من قال: إن الرحيم رحمته خاصة بالمؤمنين.
والناظر يجد أن الله -﷿- يقدم اسمه الرحمن على الرحيم، ووجه ذلك:
تقديمًا للاسم الخاص بالله -﷿- على الاسم العام، قال الرازي -﵀-:
«إنما قدمه؛ لأن (الله) اسم خاص بالباري لا يسمي به غيره، لا مفردًا ولا مضافًا فقدمه، والرحيم يوصف به غيره مفردًا ومضافًا فأخره، والرحمن يوصف به غيره مضافًا، ولا يوصف به مفردًا إلا الله تَعَالَى فوسطه» (^٢).
وقال ابن كثير -﵀-: «فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص» (^٣).
تقديمًا للرحمة العامة التي دل عليها اسم الله «الرحمن» على الرحمة الخاصة، التي دل عليها اسم الله «الرحيم» (^٤).
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٢٤).
(٢) أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، للرازي (ص: ٢).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٢٦).
(٤) ينظر: مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص: ٣٥٧).
[ ١ / ٤٠٥ ]
ثانيًا: اقتران اسم الله (الرحمن- الرحيم) باسمه (الرب):
تقدم بيانه في اسم الله «الرب».
ثالثًا: اقتران اسم الله الرحيم بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
١ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):
اقترن اسم الله الرحيم باسمه «الغفور» في اثنين وسبعين موضعًا من القرآن، منها قوله -﷿-: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
وهذا الاقتران يدل على:
أن مغفرته للعبد مع استحقاقه للعقوبة، إن هو إلا أثر من آثار رحمته -﵎- (^١).
أن في ذكرهما جمعًا بين تخلية العبد من الذنوب التي يدل عليها اسم الله «الغفور»، وبين تحليته بفضل الله وثوابه التي يدل عليها اسم الله «الرحيم».
٢ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (التواب):
تقدم بيانه في اسم الله «التواب».
٣ - اقتران اسم (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف):
اقترن اسم الله الرحيم باسمه تَعَالَى الرؤوف في ثمانية مواضع من القرآن الكريم، منها قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠].
_________________
(١) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢/ ١٢١).
[ ١ / ٤٠٦ ]
وهذا الاقتران فيه تأكيد للرحمة؛ إذ فيه عطف للعام على الخاص، فالرأفة رحمة خاصة تقتضي دفع المكروه وإزالة الضر، والرحمة عامة يدخل فيها ما سبق ويدخل فيها الإنعام والإفضال (^١).
٤ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):
اقترن اسم الله «الرحيم» باسمه تَعَالَى «العزيز» في ثلاثة عشر موضعًا من القرآن الكريم، تسعة منها في سورة الشعراء تعقيبًا على قصة كل نبي مع قومه، بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]، ومنها: قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥].
وجه الاقتران:
١ - الجمع بين مقام الترهيب والترغيب؛ فهو سُبْحَانَهُ عزيز قوي غالب قاهر، ومع ذلك: رحيم بر محسن رؤوف (^٢).
٣ - تمام قدرته على تعجيل العقوبة؛ وذلك لاتصافه بالعزة، إلا أن رحمته اقتضت الإمهال والانظار، قال تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨] (^٣).
٤ - أن العزيز بعزته يهلك الأشقياء بأنواع العقوبات، وبرحمته ينجى السعداء من كل شر وبلاء.
_________________
(١) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢/ ٢٥).
(٢) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٩/ ١٠٢).
(٣) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٩/ ١٠٢).
[ ١ / ٤٠٧ ]
٥ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (البَر):
تقدم بيانه في اسم الله «البر».
٦ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الرحيم) باسمه -﷿- (الودود):
اقترن اسم الله الرحيم باسمه تَعَالَى الودود، في موضع واحد من القرآن الكريم، وذلك في قوله -﷿-: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
وجه الاقتران:
أن الرحمة تتوجه إلى من يحب ومن لا يحب، فلما كانت كذلك أتبعت باسم الله الودود الدال على المحبة، وبهذا أجتمع للتائب رحمة الله ومحبته، وقبل ذلك مغفرته.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: «وما ألطف اقتران اسمه (الودود) بـ (الرحيم) وبـ (الغفور)؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تَعَالَى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك، فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان» (^١).
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٩٣).
[ ١ / ٤٠٨ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرحمن، الرحيم) من الصفات:
الله -﷿- الرحمن الرحيم الذي كتب الرحمة على نفسه تفضلًا منه وإحسانًا (^١)، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] ووسعت هذه الرحمة كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] (^٢).
ومن سعتها وعظمتها (^٣):
١ - أن رحمة الرحمن الرحيم بعباده أرحم من كل رحمة، حتى من رحمة الإنسان بنفسه، ورحمة الأم بولدها التي لا يساويها شيء من رحمات الناس، بل لو جمعت رحمات الراحمين كلهم لم تساو شيئًا عند رحمة أرحم الراحمين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قال: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠٥).
(٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٨٨ - ٩٩).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٤). واللفظ للبخاري.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقال حماد بن سلمة -﵀-: «ما يسرني أن أمري يوم القيامة إلى أبوي» (^١).
٢ - أن رحمة الرحمن الرحيم سبقت غضبه؛ إذ استوى سُبْحَانَهُ على عرشه وكتب كتابًا عنده وضعه على عرشه «إن رحمته سبقت غضبه»، فكان كالعهد للخليقة كلهم بالرحمة، والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، والستر، والإمهال، والحلم، والأناة، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللَه كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^٢)، فقام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر (^٣).
قال الطيبي -﵀-: «في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه من الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك» (^٤).
٣ - وضع رحمة واحدة بين خلقه يتراحمون بها فيما بينهم، فيرحم الغني الفقير، والكبير الصغير، والأم أولادها، سواء كانت إنسانًا أو حيوانًا وحشًّا
_________________
(١) حلية الأولياء (٤/ ١٥٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥١). واللفظ للبخاري.
(٣) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٣٦٩).
(٤) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٢٩٢).
[ ١ / ٤١٠ ]
أو طيرًا أو هوامًّا، قال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
٤ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَام، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١)، وفي رواية: «حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (^٢).
٥ - أن رحمة الرحمن الرحيم بلغت آثارها من الكثرة ما تعجز العقول عن الإحاطة به، والأرقام والأعداد عن حصره؛ إذ جميع ما في العالم العلوي والسفلي من النعم وحصول المنافع والمحاب والمسار والخيرات من آثار رحمته، كما أن ما فيه من صرف المكاره والنقم والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] (^٣).
ورحمته التي وصلت لخلقه قسمان:
أ-رحمة عامة: وسعت كل شيء من العالم العلوي والسفلي، ووصلت لكل حي مكلف وغير مكلف، بر وفاجر، مؤمن وكافر، حتى فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٠).
(٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٣).
[ ١ / ٤١١ ]
شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] (^١)، وعن ابن عباس -﵁- في بيان رحمة الله للكافر قال: قال النبي -ﷺ-: «لَمَّا أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» (^٢)، وقال -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^٣).
وهي رحمة جسدية، دنيوية، دينية، ومن آثارها (^٤):
خلق المخلوقات وإيجاده من العدم على صورة محكمة
متقنة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٦]، فخلق الإنسان وبرحمته جعله في أحسن صورة مكتمل الأعضاء مستوفي الأجزاء، محكم البناء، وعلمه البيان النطقي والخطي، قال تَعَالَى في سورة الرحمن التي جاءت بذكر آثار رحمته التي أوصلها لخلقه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] (^٥).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠٥)، النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٨٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٨٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٣٥٣). واللفظ للترمذي.
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥). واللفظ لمسلم.
(٤) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٣٦٨، وما بعدها).
(٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).
[ ١ / ٤١٢ ]
خلق الخلق ذكورًا وإناثًا، وجعل الرحمة والمودة بينهم؛ ليقع التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع الزوجين، وتمتع كل واحد منهما بصاحبه، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
رعاية الخلق بالتدبير، والتصريف، والحفظ، وسوق الأرزاق والمعاش، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فبرحمته رعى الخلق بما قدر لهم؛ إذ علم سُبْحَانَهُ مصالحهم ومنافعهم، فقدرها لهم ويسر لهم تحصيلها، ولربما أجرى عليهم المكاره والبلاء ليوصلهم إلى ما يحبون، قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠، ٨١]، وربما منعهم من كثير من شهواتهم ومحاب نفوسهم؛ لعلمه أن ذلك أصلح لهم (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه» (^٢).
خلق هذا الكون على صفة تكفل للإنسان وغيره من الكائنات حسن العيش؛ فرفع السماء وأمسكها برحمته من أن تقع على الأرض، قال تَعَالَى:
_________________
(١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٤).
(٢) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (٢/ ١٧٤).
[ ١ / ٤١٣ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
وخلق الأرض وبرحمته أرساها بالجبال؛ كي لا تميد ولا تحيد، بل جعلها مهدًا وفراشًا يستقر عليها، ويتمكن من حرثها وغرسها وحفرها، وبرحمته شق طرقها ومنافذه ليتصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣]، وقال سُبْحَانَهُ في سورة الرحمن: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «ومن رحمته: أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم، وانحل نظامهم، وكان من تمام رحمته بهم: أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والمراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عمَّ الجميع برحمته» (^٢).
وقال الشيخ السعدي -﵀- في تقرير ما سبق من آثار الرحمة العامة: «فالله خلق الخلق برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأمرهم ونهاهم وشرع لهم الشرائع برحمته، وأسبغ عليهم النعمة الظاهرة، والباطنة برحمته، ودبرهم أنواع التدبير وصرفهم بأنواع التصريف برحمته، وملأ الدنيا والآخرة من رحمته، فلا طابت الأمور، ولا تيسرت الأشياء، ولا حصلت المقاصد، وأنواع المطالب إلا برحمته، ورحمتُه فوق ذلك، وأجلُّ وأعلى» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٧).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٣٦٩).
(٣) المواهب الربانية من الآيات القرآنية (ص: ١١١).
[ ١ / ٤١٤ ]
ب-الرحمة الخاصة: التي خص الله بها عباده الصالحين وأولياءه المتقين، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهي رحمة إيمانية، دينية، دنيوية، أخروية، ومن آثارها (^١):
هداية أوليائه إلى الحق الذي جهله غيرهم، وتبصيرهم بالطريق المستقيم الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر والبدعة وأشياعهم، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
توفيق أوليائه لطاعته، وتيسير الخير لهم، وإعانتهم عليه، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
تثبيت أوليائه على الحق على الرغم من الدواعي للزيغ، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
إجابة دعوات أوليائه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٤٣٦)، تفسير السعدي (ص: ٦٦٧).
[ ١ / ٤١٥ ]
امتنانه على أوليائه باستغفار ودعاء أفضل ملائكته- حملة العرش- لهم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
جعل مصائب المؤمنين وبلاءهم كلها خير ورحمة؛ فما ينزل بهم من مصائب وآلام وأحزان إلا تكفر به سيئاتهم، وترفع به درجاتهم، قال تَعَالَى عن مؤمن آل ياسين أنه قال لقومه: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣].
تخفيف أهوال القيامة وشدتها على أوليائه؛ فيؤمن فزعهم بتلقي الملائكة الكرام لهم بالبشرى، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١، ٣٢].
إدخال أوليائه الجنة التي هي أثر من آثار رحمة الرحمن الرحيم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠].
إخراج أهل التوحيد من النار؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال في الحديث: «فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^١)، وفي رواية: أن الله -﷿-
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٣). واللفظ للبخاري.
[ ١ / ٤١٦ ]
يقول للرسل: «اذْهَبُوا أو انْطَلِقُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: أَنَا الآنَ أُخْرِجُ بِعِلْمِي وَرَحْمَتِي، قال: فَيَخْرُجُ أَضْعَافُ مَا أُخْرِجُوا وَأَضْعَافُهُ، فَيُكْتَبُ فِي رِقَابِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهُ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا: الجُهَنَّمِيِّينَ» (^١).
وبعد هذا فلابد أن يعلم أن رحمته -ﷻ- في غاية الكمال والجلال، فلا ضعف معها ولا رقة ولا عجز، بل رحمة مع عزة وقوة وقدرة تامة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦].
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرحمن الرحيم) على التوحيد:
اسم الله «الرحمن الرحيم» دال على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأماء والصفات، وبيان ذلك:
أن اسم الله «الرحمن الرحيم»، وما ورد فيه من النصوص المتكاثرة في الكتاب والسنة دالة على إثبات صفة الرحمة لله -﷿-، وهي صفة كمال لائقة بذات الرب -﷿-، كما هو الحال في سائر صفاته، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يجوز نفيها أو تأويلها أو تحريفها أو تكيفيها كما هو مقرر في مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٧١٥)، وابن حبان (١٨٣)، حكم الألباني: صحيح لغيره، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٠٥٤). واللفظ لأحمد.
[ ١ / ٤١٧ ]
إلا أنه لا بد أن يعلم أن الرحمة المضاف إليه -﵎- قسمان:
١ - رحمة ذاتية يتصف بها على وجه يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وهذه الرحمة يجب إثباتها لله -﷿- من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل- كما تقدم-.
٢ - رحمة مخلوقه أنزل الله منها رحمة واحدة، يتراحم بها الخلائق، وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة، كما جاء في الحديث: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَام، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).
ومن هذه الرحمة: ما جاء في الحديث، أن الله -﷿- قال عن الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢)، وسميت بذلك؛ لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل رحمة الله، وإنما يدخلها الرحماء.
فهذه الرحمة ليست صفة لله -﷿-، بل هي من آثار اتصافه بالرحمة الذاتية، وإنما أضيفت له من باب إضافة المخلوق للخالق.
ثم إذا تقرر اتصاف الله -﷿- بالرحمة وتيقن العبد ذلك وتأمله، وجد أن الخلق إنما وجدوا برحمة الرحمن الرحيم، وإنما جلبت النعم لهم برحمته، ودفعت عنهم النقم برحمته، وليس لأحد من الخلق نفع ولا ضر في العاجل
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤١٨ ]
ولا الآجل، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] علم بهذا أن الرحمن الرحيم هو الرب الواحد المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «ففي هذه الآية، إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين، وبيان أصل الدليل على ذلك، وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تَعَالَى» (^٢).
الأثر الثالث: الرجاء والتعلق برحمة الرحمن الرحيم:
إذا نظر الإنسان في سعة رحمة الله وعظمتها؛ أثمر ذلك في نفسه الرجاء وعدم اليأس من رحمة الله ومغفرته؛ إذ إنه سُبْحَانَهُ علم ضعف عباده وعجزهم وسرعان سقوطهم واغترارهم وانحرافهم عن الصراط، لا سيما أن نفوسهم ركب فيها الميل للشهوات، وتسلط عليهم الشيطان وقعد لهم بالمرصاد، يأخذ عليهم كل طريق، ويجلب عليهم بخيله ورجله، ويجدُّ كل الجدِّ في إضلالهم وإيقاعهم في السوء، فلا خلاص لهم من الذنوب والزلات، وكل ابن آدم خطاء.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٢٦٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٧).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٧).
[ ١ / ٤١٩ ]
فلما علم سُبْحَانَهُ ذلك كله من خلقه؛ رحمهم بفتح أبواب التوبة والمغفرة لهم، ولو أسرفوا في الذنوب ما أسرفوا، وظنوا أنهم طُردوا وانتهوا، ولم يعد يُقبل منهم ولا يُستقبل، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)، وذكر رسول الله -ﷺ- قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم كمل المائة بقتل العابد (^٢)، ومع ذلك أدركته رحمة الله ومغفرته.
قال الشوكاني -﵀- في آية الزمر: «واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سُبْحَانَهُ؛ لاشتمالها على أعظم بشارة؛ فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى ..» (^٣).
كما أن ملاحظة رحمة الله وسعتها؛ تثمر الأمل في النفوس المكروبة، وتبث فيها الروح وحسن الظن بالرحمن الرحيم، وانتظار الفرج بعد الشدة، لذا قال إبراهيم -﵇- متذكرًا رحمة الله، مع أن أسباب الولد معدومة:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٦٦).
(٣) فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٥٣٨).
[ ١ / ٤٢٠ ]
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وقال يعقوب -﵇-، مع أن عود يوسف إليه أشبه بالمحال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، وقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وضد ما سبق من الأمل والرجاء: القنوط من رحمة الله واليأس من روحه، وهما من كبائر الذنوب، ومن علامات الكفر والضلال، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فعلى المسلم أن يحذر من أن يتسلل اليأس إليه وينسيه رحمة أرحم الرحمين.
الأثر الرابع: عدم الاغترار برحمة الله:
إذا تيقن العبد رحمة ربه الرحمن الرحيم وسعتها، فلا بد أن يضم لهذا العلم علمًا آخر، وهو: أنه سُبْحَانَهُ شديد العقاب، شديد المحال، ذو البطش الشديد، والعذاب الأليم، قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].
فإذا علم العبد هذا؛ لم يغتر برحمة الله، بل جمع بين رجاء الرحمة، وخوف العقاب كما جمع الله بينهما في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] إلى غير ذلك من الآيات.
[ ١ / ٤٢١ ]
وعن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه» (^٢).
الأثر الخامس: محبة الله الرحمن الرحيم والحياء منه:
إذا تأمل العبد في اسم الله «الرحمن- الرحيم» ونظر في آثار رحمته التي لم تزل سارية في الوجود، مالئة للموجود، تنزل بها الخيرات آناء الليل والنهار، وتوالى بها النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، ورحمته سبقت غضبه وغلبته، والعطاء أحب إليه من المنع؛ قاده ذلك كله إلى محبته -﵎-؛ إذ النفوس جبلت على محبة من يحسن إليها ويرفق بها ويعطف، فكيف لا تحب من أفاض عليها من رحمته وعطفه ونعمه ما يفوق الحصر والعد! (^٣).
كما يقوده- أيضًا- إلى الحياء منه والخجل؛ إذ كيف يعصي من يحسن إليه برحمته، ولولا إحسانه ونعمته ما استطاع أن يعصيه، وكيف يعصي من هو على أخذه وعقابه قادر، إلا أنه يمهله ويحلم عليه برحمته!!
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٨٥).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢٧).
[ ١ / ٤٢٢ ]
الأثر السادس: الأسباب الجالبة لرحمة الله تعالى:
كتب الله على نفسه الرحمة، وبين أنها وسعت كل شيء، إلا أنه جعل لها أسبابًا إذا قام بها العبد كانت أقرب إليه وأسرع، وحظه منها أكبر، لا سيما الرحمة الخاصة، وبالمقابل جعل أسبابًا للحرمان منها، إذا قام بها العبد أغلق على نفسه باب الرحمة، وحرم نفسه من رحمة أرحم الرحمين، وبيان ذلك كالتالي:
أولًا: أسباب نيل رحمة الرحمن الرحيم:
الأسباب كثيرة ومتعددة، ومنها:
طاعة الله ورسوله، قال تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] (^١).
تقوى الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
إقامة الصلاة وأداء الزكاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
الإنفاق في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٩٢).
[ ١ / ٤٢٣ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
التوكل على الله، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].
الاستغفار والتوبة، قال -﷿- على لسان صالح -﵇-: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
الإحسان في عبادة الله وإلى عباد الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (^١).
الاستماع والإنصات للقرآن الكريم، قال -﷿-: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
صلة الرحم؛ فعن عبدالرحمن بن عوف -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتْهُ» (^٢)، وبتته: أي قطعته.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٩٢).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٢٤ ]
ثانيًا: أسباب الحرمان من رحمة الرحمن الرحيم:
رحمة الله- كما تقرر- وسعت كل شيء، فإذا ضاقت عن أحد من الخلق ولم تصبه؛ دل ذلك على شقائه، ولضيقها وحرمانها أسباب كثيرة، منها:
الكفر؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
العمل بما يوجب لعنه وطرده من رحمة الله؛ ومن ذلك:
- كتمان الحق وعدم بيانه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
- القتل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
- رمي العفيفات بالفاحشة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
- القسوة وعدم رحمة الخلق؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨). واللفظ للبخاري.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قطيعة الرحم؛ فعن عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَال لَها: مَهْ، قَالَتْ: هَذا مقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكَ»، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾
[محمد: ٢٢] (^١).
الاختلاف والفرقة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
الأثر التاسع: اتصاف العبد بالرحمة:
الله -﷿- الرحمن الرحيم، ويحب أن يتصف عباده بالرحمة؛ فقد امتدح بها أشرف رسله، فقال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]،
وامتدح بها الصحابة، فقال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، لا سيما أبو بكر -﵁-، الذي قال عنه رسول الله -ﷺ- مادحًا: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ» (^٢).
وقال رسول الله -ﷺ- مرغبًا فيها: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ
الرُّحَمَاءَ» (^٣)، وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨٣٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٢٠٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٧٩١) وقال: هذا حديث حسن صحيح، حكم الألباني: صحيح، الصحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٩٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٢٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٢٣).
[ ١ / ٤٢٦ ]
يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^١)، فعلى المسلم أن يحرص على الاتصاف بالرحمة، ويجاهد نفسه على التخلق بها، ويعلم ما رتب الله عليها من الثواب، وما في فواتها من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك، ويعلم أن الجزاء من جنس العمل (^٢) وفي الملحق ما يعين على ذلك -بإذن الله-.
الأثر التاسع: الدعاء باسم الله «الرحمن الرحيم»:
فالدعاء من أعظم ما تدرك به المطالب والمطامع، والتي من أجلِّها رحمة الله -﷿-، لا سيما وأن الله -﵎- حثنا على سؤاله إياها بصور مختلفة في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ-، ومن ذلك:
أن الله -﷿- بين أن طلب الرحمة دعوة الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال تَعَالَى عن سليمان -﵇-: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال تَعَالَى عن دعاء موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، ومن دعائه أيضًا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٦٠٥)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٢٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٥٢٢).
(٢) ينظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للألباني (ص: ١٨٩).
[ ١ / ٤٢٧ ]
أن الله -﷿- أَمَرَ رسوله -ﷺ- والأمة من بعده بسؤاله الرحمة، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
أن الله -﷿- بيَّن أنها دعوة عباده الناجين من عذاب الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
أن رسول الله -ﷺ- علَّم أمته سؤال الله الرحمة في يومهم وليلتهم، ومن ذلك:
- ما رواه أبو بكر الصديق -﵁- أنه قال للنبي -ﷺ-: «علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).
- وما رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالحِينَ» (^٢).
- وما رواه أبو بكرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٤). واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود (٥٠٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٨٨).
[ ١ / ٤٢٨ ]
- وما رواه سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ؟ قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (^١).
وبعد هذا فإن من الأدب في سؤال الله رحمته أن تسأل على سبيل الجزم لا التعليق على المشيئة والتردد؛ فقد جاء عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ؛ لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّه لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «إنما نهى الرسول -ﷺ- عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب، فإن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حالته الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، ودليل على قلة معرفته بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضًا فإنه لا يكون موقنًا بالإجابة، وفي الحديث: (ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ) (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩). واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه أحمد (٦٦٥٥)، والترمذي (٣٤٧٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٢٤٥). واللفظ للترمذي.
(٤) المفهم شرح صحيح مسلم، القرطبي (٢٢/ ٨٧). ينظر: حاشية كتاب التوحيد، لعبد الرحمن ابن قاسم (ص: ٣٤٣).
[ ١ / ٤٢٩ ]
«الرحمن الرحيم يحب الرحماء»
في موضوع الرحمة سنتطرق للمسائل التالي:
أولًا: تعريف الرحمة:
يقول ابن القيم -﵀-: «الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك، ودفع المضار عنك» (^١).
وبهذا يتبين أن الرحمة تكون في القلب، وتظهر آثارها على الجوارح واللسان، وذلك بالسعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم.
فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل» (^٢).
وهذه الرحمة هي الرحمة المحمودة المطلوبة، والتي جاءت النصوص بالترغيب فيها، والحث على الاتصاف بها؛ إذ الرحمة من حيث المدح والذم قسمان:
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٧٤).
(٢) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (٢/ ٩١٥).
[ ١ / ٤٣٠ ]
١ - رحمة محمودة، وهي الأصل في خلق الرحمة.
٢ - رحمة مذمومة، ويراد بها: الرحمة التي تؤدي إلى تعطيل شرع الله، أو التهاون في تطبيق حدوده وأوامره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «إن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «إن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم الداخلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير؛ إذ هو في ذلك جاهل أحمق» (^٢).
لذا نهى الله تَعَالَى المؤمنين أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
ثانيًا: منزلة الرحمة وفضلها:
الرحمة خلق سامٍ، وسجية كريمة، حث الإسلام على التخلق والاتصاف بها، ورغب في ذلك ببيان منزلتها وفضلها، ومما ورد في ذلك:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٩١).
(٢) المرجع السابق (١٥/ ٢٩٠).
[ ١ / ٤٣١ ]
أن الله جعل الرحمة ركيزة من الركائز التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي بين أفراده؛ فعن النعمان بن بشير -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (^١).
أن الله جعل هذه الصفة خلق لصفوة خلقه وخيرة عباده، وهم الأنبياء والمرسلون، ومن سار على نهجهم من الصالحين، قال تَعَالَى عن نبيه محمد -ﷺ-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أن الله جعل الرحمة من أهم أسباب نيل رحمته؛ إذ الجزاء من جنس العمل، قال رسول الله -ﷺ-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^٢).
أن الله -﷿- حكم بالشقاء على من نزعت منه الرحمة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت أبا القاسم -ﷺ-: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد (٨٠٠١)، وأبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٧٤٦٧).
[ ١ / ٤٣٢ ]
ثالثًا: الأسباب المعينة على التخلق بالرحمة:
الرحمة أولًا نوعان:
رحمة غريزية جبل الله بعض عباده عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم.
فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.
رحمة مكتسبة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة وسبب، يجعل قلبه على هذا الوصف الكريم، ومما يعين على ذلك:
مجالسة الرحماء ومخالطتهم، والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة، فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم.
معرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق والثمار، التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة.
معرفة جزاء الرحماء وثوابهم، وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم، ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية؛ فإن هذا مما يدفع للرحمة، ويردع عن القسوة.
الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة؛ فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهم، وجاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ
[ ١ / ٤٣٣ ]
قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (^١).
تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم، ومتى نشأ الناشئ على الرحمة، ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له.
القراءة في سيرة رسول الله -ﷺ- وصحابته الكرام، الذين قال الله عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]،
وملاحظة اتصافهم بالرحمة، والتأسي بهم في ذلك.
وهنا نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ- وصحابته الكرام:
أولًا: نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ-:
لقد كان له -ﷺ- النصيب الأوفر من هذا الخلق العظيم، كيف لا والله هو الذي اختصه به كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومن رحمته:
١ - رحمته بالأمة:
عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٢).
٢ - رحمته بأصحابه:
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -﵁- قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ- وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا
_________________
(١) أحرجه أحمد (٧٦٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٢٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤١٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٨٧).
[ ١ / ٤٣٤ ]
فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فقال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^١).
٣ - رحمته بالخدم:
عن المعرور بن سويد -﵁-، قال: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٢).
٤ - رحمته بالعصاة:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁- قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٧٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٦١).
[ ١ / ٤٣٥ ]
لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (^١).
٥ - رحمته بالكفار:
عن عائشة -﵂- زوج النبي -ﷺ- «أنها قالت للنبي -ﷺ-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^٢).
٦ - رحمته بالحيوانات:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ -﵄- قَالَ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِحَاجَتِهِ هَدَفًا، أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٤١)، والطبراني في الكبير (٧٦٧٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٧٠). واللفظ لأحمد.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٥).
[ ١ / ٤٣٦ ]
النَّبِيُّ -ﷺ- فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (^١).
فهذه نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ-، وقد أمرنا بالتأسي به، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وما سبق أمثلة على الرحمة، وإلا فأفرادها وصورها كثيرة جدًّا لا تكاد تحصى؛ لأنه ما من معاملة من المعاملات أو رابطة من الروابط الاجتماعية أو الإنسانية، إلا وأساسها وقوام أمرها الرحمة.
فاللهم يا رحمنا يا رحيم، برحمتك نستغيث، أصلح شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٢٥٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٢٥٤٩).
[ ١ / ٤٣٧ ]
المعنى اللغوي لاسم (الرَّزَّاق - الرَّازِق):
قال الجوهري -﵀-: «الرزق: ما ينتفع به، والجمع: الأرزاق، والرزق العطاء، وهو مصدر قولك: رزقه الله، والرَّزْقَة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع: الرَّزَقَات، وهي أطماع الجند.
وارتزق الجند، أي: أخذوا أرزاقهم … وقد يسمى المطر رزقًا، وذلك قوله -﷿-: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [الجاثية: ٥]» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الراء والزاء والقاف أصل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت، فالرزق: عطاء الله جل ثناؤه، ويقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرزق، والرزق بلغة أزدشنوءة: الشكر، من قوله جل ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]. وفعلت ذلك لما رزقتني، أي: لما شكرتني» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٤٨١).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٨).
[ ١ / ٤٣٨ ]
ورود اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) في القرآن:
ورد اسم الله الرزاق مفردًا مرة واحدة في كتاب الله:
وذلك في قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
وورد بصيغة الجمع خمس مرات، منها:
قوله -﷿-: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤].
وقوله -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
وقوله -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
ورود اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فقال: إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله، وَلَيْسَ أَحَدٌ منكم يَطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ، وَلَا مَالٍ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٤٥١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣١٤)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٨٩٤).
[ ١ / ٤٣٩ ]
معنى اسم الله (الرَّزَّاق- الرَّازِق):
قال الطبري -﵀-: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]: «إن الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «هو المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًّا دون عدو، يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له، ولا متكسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]» (^٢).
قال الحليمي -﵀- في معنى: (الرازق) -: «المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم عليهم بإيصال حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا لفقدهم إياه» (^٣).
وقال- في معنى (الرزاق) -: «وهو الرزاق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها» (^٤).
قال ابن الأثير -﵀-: «(الرزاق) وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ٥٥٥ - ٥٥٦).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٥٤).
(٣) المنهاج (١/ ٢٠٣).
(٤) المصدر السابق (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٤٠ ]
الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم» (^١).
قال السعدي -﵀-: «(الرزاق) لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» (^٢).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَكَذَلِكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والرِّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَانِ
رِزْقٌ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ … نَوْعَانِ- أَيْضًا- ذَانِ مَعْرُوفَانِ
رِزْقُ القُلُوبِ العِلْم والإِيَمان … والرِّزْقُ الُمعَدُّ لِهَذِهِ الأَبْدَانِ
هَذَا هُوَ الرِّزْقُ الحَلَالُ وَرَبُّنَا … رَزَّاقُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ
والثَّاني سَوْقُ القُوتِ لِلْأَعْضَاءِ فِي … تِلْكَ المَجَارِي سَوْقُهُ بِوَزَانِ
هَذَا يَكُونُ مِنَ الحَلَالِ كَمَا يَكُو … نُ مِنَ الحَرامِ كِلَاهُمَا رِزْقَانِ
واللهُ رَازِقُهُ بِهَذا الاعْتِبَا … رِ وَلَيْسَ بِالإِطْلَاقِ دُونَ بَيَانِ (^٣)
_________________
(١) النهاية (٢/ ٢١٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
(٣) النونية، لابن القيم (ص ٢١١).
[ ١ / ٤٤١ ]
الفرق بين اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق):
«الرزاق يعني: هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى: العطاء، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق)؛ لأن (الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تَعَالَى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير» (^١).
اقتران اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الرازق) بغيره من الأسماء الحسنى:
لم يقترن اسم الرزاق بغيره من الأسماء.
ثانيًا: اقتران اسم الله (الرزاق) بغيره من الأسماء الحسنى:
اقترن اسم الله الرزاق باسمه (ذو القوة المتين) في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
وجه الاقتران:
في جمع الله اسمه «الرزاق» واسميه «ذو المتين» وصفه بالقوة في قوله تَعَالَى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وفي هذا كمال زائد في القوة، حيث التناهي في القدرة، والتناهي في شدة القوة.
_________________
(١) تفسير العثيمين، الحجرات- الحديد (ص: ١٦٨).
[ ١ / ٤٤٢ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرازق الرزاق) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ الرزاق الذي كثر رزقه، ووسع الخلائق كلها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، خلق الخلق لعبادته وتكفل برزقهم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، فما خلقهم لحاجته إليهم، فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطعموه، تَعَالَى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم (^١).
ورزق الله لعباده نوعان:
١ - رزق عام، شمل البر والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان.
٢ - ورزق خاص وهو رزق القلوب، وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين» (^٢).
فأما الرزق العام:
فهو رزق عام لجميع المخلوقات إنسهم، وجنهم، وحيوانهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وعاجزهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال:
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨١٣).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
[ ١ / ٤٤٣ ]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئًا لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾، أي: يقيض لها رزقها- على ضعفها- وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء» (^١)، يرزق الثعبان في جحره، والطير في وكره، والسمك في بحره.
يرزق الكل، وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة ولا نقص في ملكه، قال الطحاوي -﵀-: «رازق بلا مؤنة» (^٢)، وقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^٣) (^٤).
وأما الرزق الخاص:
فهو الرزق الذي خص الرزاق عباده المؤمنين به من الهداية والإيمان والتوفيق للعلم به وبشرعه في الدنيا؛ فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمةً بالحق مريدةً له متألهةً لله متعبدةً، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٠).
(٢) العقيدة الطحاوية (ص ١٢٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى (ص: ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١ / ٤٤٤ ]
وأما في الأخرة: فيرزقهم أعظم الرزق وأجلَّه، ألا وهو رضاه والجنة، قال تَعَالَى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٣، ٥٤].
وهذا الرزق- الرزق الخاص- أعظم الرزق وأنفعه، وهو الرزق على الحقيقة، أما رزق البهائم والكفار فهو منقطع ومنتهي؛ ولذلك لما ذكرسُبْحَانَهُ فضله على العباد عامة، ذكر امتنانه على عباده الموحدين بالرزق الخاص في الدنيا بالإيمان وبالجنة في الآخرة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠، ٢١].
وهذا الرزق مع عظمه، إلا أن كثيرًا من الناس يغفل عنه، لا سيما في حال الدعاء، قال السعدي -﵀- منبهًا على استحضاره: «والرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، ينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى: (اللهم ارزقني) أي: ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة، ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهني الذي لا
[ ١ / ٤٤٥ ]
صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه» (^١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) على التوحيد:
اسم الله «الرازق، الرزاق» دال على التوحيد؛ وذلك من جهة: تفرد الله -﷿- بالرزق، فهو الرازق الرزاق وحده لا شريك له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، وقال مبينًا عجز الخلائق كلهم عن الرزق إن أمسكه ومنعه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾
[الملك: ٢١] (^٢)، فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم من دون الله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].
وكان من دعائه -ﷺ- دبر كل صلاة إذا سلم-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٣). (^٤).
وقد جاء التذكير بهذا- وحدانية الله في الرزق- في القرآن في مقامين:
الأول: مقام التفضل والامتنان.
والثاني: مقام الدعوة إلى توحيد العبادة، والخير والإحسان.
_________________
(١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٨٥ - ٨٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٨/ ١٨١)، وتفسير السعدي (ص: ٨٧٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى، للنجدي (ص: ١٠٥ - ١٠٦).
[ ١ / ٤٤٦ ]
فأما الأمثلة على مقام التفضل والامتنان، فمنها:
- قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].
- قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
وأما الأمثلة على مقام الدعوة إلى توحيد العبادة والخير والإحسان، فمنها:
الأمر بالإنفاق في سبيله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
الأمر بالشكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] (^١).
الأثر الثالث: إدراك التفاوت في الأرزاق، وأنه تابع لعلم الله تعالى:
فاضل الله -﷿- بين عباده في الرزق، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم الموسع عليه ومنهم المقتر، وله في ذلك حكم بالغة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، قال ابن كثير -﵀-:
_________________
(١) والآيات في هذا المعنى كثيرة، يطول المقام بذكرها.
[ ١ / ٤٤٧ ]
«أي: خبير بصير بمن يستحق الغنى، ومن يستحق الفقر» (^١).
فمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى، فإن أصابه الفقر فسد حاله، ومنهم العكس ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]».
وقال ابن كثير -﵀- أيضًا- في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]-: «ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق؛ لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا» (^٢).
لكن هذا التفضيل في الرزق ليس له ارتباط برضا الله وغضبه ولا محبته وكرهه للعبد، فليس إنعامه على خلقه بكثرة الرزق وسعة العيش دليل على محبته لهم، ولا أن تضيقه على آخرين في أرزاقهم لكرهه لهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، «أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم عليَّ، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديَّ، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل» (^٣) (^٤).
وقد ظن الكفار والمترفون لجهلهم أن الأموال والأولاد دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٢٤).
(٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى، للنجدي (ص: ١٠٩ - ١١٠).
[ ١ / ٤٤٨ ]
الآخرة، قال تَعَالَى عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، فرد عليهم ظنهم هذا بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾
[سبأ: ٣٦، ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
ولم يعلموا أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولذلك فإن الله يعطيها من يحب ومن لا يحب، وسع الرزق على الأخيار أمثال: نبيه داود وسليمان -﵉-، ووسعه على الأشرار أيضًا، أمثال: فرعون وهامان وقارون، وضيق على الأخيار والأشرار؛ ذلك أنه لا يعبأ بالدنيا، فهي هينة عليه، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، كما جاء في حديث سهل بن سعد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لو كانتِ الدنيا تَعْدِلُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ مَا سَقَى كَافِرًا منها شربةَ ماءٍ» (^١).
فعلى المؤمن إذا وسع الله عليه في الرزق، أن يعمل عمل داود وسليمان -﵉-، قال الله عنهما: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال تَعَالَى عن سليمان -﵇-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]،
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١١٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٠).
[ ١ / ٤٤٩ ]
ويحذر من عمل قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وأمثاله، وإذا ضيق عليه في رزقه أن يصبر ويحتسب، متمثلًا قوله -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا له، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^١).
الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الرازق الرَّزَّاقِ:
التأمل في خلق الرازق للأرزاق، وإيصالها إلى خلقه رزقًا بعد رزق؛ كل ذلك يورث العبد محبة الرازق والتعلق به لعظيم إحسانه وإفضاله؛ فإن كل ما يراه الإنسان من مظاهر الرزق والعطاء والكرم والجود وما أودع فيها من جودة، وطعم، ومكانة، وسهولة في الوصول إليها كله خلق الله -﷿- وفضله.
الأثر الخامس: التوكل على الرزاق الرازق في طلب الرزق:
اليقين بتفرد الرازق برزق العباد، وتكفله بأقواتهم، وتقديره لرزقهم قبل خلقهم، وتوليه تنفيذ المقدر الذي يخرجه في السماوات والأرض، في السماوات؛ لأنه مقضي مكتوب، وفي الأرض؛ لأنه سينفذ لا محالة، كل ذلك يثمر التوكل الصادق على الله -﷿- في طلب الرزق، الذي يثمر بدوره الطمأنينة في القلب والسكينة وعدم الهلع والخوف على الرزق؛ لأن الله -﷿- هو المتكفل بأرزاق عباده، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد أقسم الله -﷿- على أنه ضمن الرزق للعباد: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، سمعها أعربي فصاح صيحته المشهورة، وقال: «يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٥٠ ]
إلى اليمين؟ قالها ثلاثًا، وخرجت بها نفسه» (^١).
وتكفل باستكمالها ولو بعد حين، فلن تموت نفس إلا باستكمال رزقها، كما أخبرنا الصادق الأمين -ﷺ-: «أيها الناسُ اتَّقوا اللهَ، وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، فَإِنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تَسْتَوفِيَ رِزْقَهَا، وإنْ أَبْطَأَ عنها، فاتَّقوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (^٢).
وعن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^٣)، وعن أبي الدرداء -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه» (^٤)، وعن ابن عمر -﵄- «أن النبي -ﷺ- رأى تمرة عائرة (^٥) فأخذها فناولها سائلًا، فقال: خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْكَ» (^٦).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٧/ ٣٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة، رقم الحديث: (٢١٤٤). واللفظ لابن ماجه.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٠٨٥).
(٤) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٨٦)، حكم الألباني: صحيح لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٠٣).
(٥) الأصل: «غائرة»، و«المجمع: غائرة»، والتصحيح من «موارد الضمآن» و«النهاية» وفيه: «العائرة الساقطة لا يعرف لها مالك»، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢٨).
(٦) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٤٠)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٠٥).
[ ١ / ٤٥١ ]
وإذا حقق العبد التوكل رزقه الرزاق كما يرزق الطير؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ، كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا (^١) وَتَرُوحُ بِطَانًا (^٢)» (^٣)، فـ «لو توكلوا على الله في ذهابهم، ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم، ويغشُّون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل» (^٤).
ولا يعني التوكل عدم الأخذ بالأسباب والقعود عن الكسب، بل التوكل: الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب؛ لأن هذه الأسباب من رزق الله تَعَالَى الذي يسره لعباده وأقدرهم عليه، وأوصلهم إليه، لكن لا يعتمد الإنسان عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله ويوقن أن مفاتيح الرزق بيده، وأن خزائن السموات والأرض بيده.
كما يثمر هذا اليقين- بوحدانية الرازق في الرزق وتقديره له- في نفس العبد عدم الخوف من المخلوقين في قطع الرزق؛ لعلمه أن الرزق بيد الله وحده وقد قدره وكتبه، ولا بد أن يصله رضي الخلق أو سخطوا.
_________________
(١) تغدو، أي: تذهب أول النهار، خماصًا، أي: ضامرة البطن من الجوع. ينظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري (٧/ ٧).
(٢) تروح، أي: ترجع آخر النهار، بطانًا جمع بطين، أي: عظيمة البطن من الشبع. ينظر: المرجع السابق بنفس الصفحة.
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٥٢٥٤).
(٤) شعب الإيمان، للبيهقي (٢/ ٤٠٥).
[ ١ / ٤٥٢ ]
وقد رد الله على المنافقين الذين قالوا: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، فقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] فبين أن هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، إنما هم يرزقون من خزائن الله، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فضلًا عن أن يرزقوا غيرهم أو يمنعوا رزقه، فما أقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين.
ولضعف هذ اليقين تجد الإنسان يسأل: من الذي يرزقك؟ فيجيب على البديهة: الله، ثم تجده إذا ضيق عليه مخلوق في الرزق، قال: فلان يريد قطع رزقي!
فلا بد أن يستقر في القلوب إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحيي المميت، وأن الله هو الضار النافع، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الذي بيده كل شيء.
الأثر السادس: الأخذ بأسباب نَيلِ الأرزاقِ:
قد جعل الرزاق تحصيل الأرزاق منوطًا بالأخذ بالأسباب، فبها تنال الأرزاق وتستجلب الخيرات، وتحصل البركات وتدفع عن العباد الشرور والآفات.
وقد بين سُبْحَانَهُ هذه الأسباب وأوضحها لعباده في كتابه وسنة رسوله -ﷺ-، ومنها:
١ - الإيمان والتقوى:
من أهم أسباب نيل الرزق: الإيمان بالله والاستقامة على طريق الحق، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وقال
[ ١ / ٤٥٣ ]
سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فـ «يسبب له أسباب الرزق من حيث لا يشعر، ولا يعلم» (^١).
وما دام أن التقوى والعمل الصالح باب إلى الرزق والبركة، فإن المعصية تنقص الرزق والبركة، أو تكون بابًا للعاصي إلى النكد والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
٢ - التوبة والاستغفار:
قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] قال الشنقيطي -﵀-: «هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تَعَالَى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه.
والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا» (^٢).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٥).
(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي (٢/ ١٧٠).
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقال تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
فـ «الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]» (^١).
٣ - شكر الرَّزَّاقِ:
رزق الله -﵎- عظيم، منه: الإسلام، والعافية، والعقل، والطعام، والشراب، والولد، والمال، والجمال، والشباب، والقوة، والفتوة، والطبيعة، والإلهام.
وقد اعتاد كثير من الناس أن تحصل لهم كل هذه الأشياء بشكل طبيعي معتاد، ولا يتفطنون إلى حقيقة كونها نعمة من عند الله -﵎-، بينما الإنسان صاحب القلب الحي يدرك هذا المعنى ويتأمله.
جاء رجل يشتكي إلى حكيم الفقر، فقال له: هل تبيع لي بصرك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: هل تبيع سمعك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: فيدك، فرجلك، فعقلك، فقلبك، فجوارحك، … وهكذا عدد له، حتى بلغ الأمر مئات الألوف من الدنانير، في هذا الإنسان، فقال له: يا هذا!! عليك ديون كثيرة، وحقوق مثبتة فمتى تؤدي شكرها، ومع ذلك تطلب الزيادة، إن ربك عفو كريم.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٩٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨٣٤٣).
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقد أرشدنا الله -﵎- إلى شكره على ما تفضل علينا به من رزقه، ووعدنا إن شكرنا زادنا من فضله، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
٤ - الإنفاق من هذا الرِّزْقِ:
لقد أمر الله -﷿- عباده بالإنفاق في سبيله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقال -﷿-: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١].
وقد وعد سُبْحَانَهُ أن يخلف ما ينفق، قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «قَالَ اللهُ -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكِ» (^١)، وقال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (^٢).
٥ - الصلاة:
ومن أسباب سعة الرزق في الدنيا والآخرة: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣). واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).
[ ١ / ٤٥٦ ]
هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقال جل شأنه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨، ٣٩].
٦ - صلة الرحم:
مما يستجلب به الرزق: صلة الرحم، عن أنس بن مالك -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَن أَحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رزقِهِ، وَيُنْسَأَ له في أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١)، بل حتى أن الفجرة إذا تواصلوا بسط الله لهم في الرزق، كما جاء في الحديث، عن أبي بكرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-: «إنَّ أعجلَ الطاعةِ ثوابًا: صلةُ الرَّحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرةً، فتنموَ أموالُهم، ويَكْثُرَ عددُهُم إِذَا تَوَاصَلُوا» (^٢).
الأثر السابع: طلب الرزق الحلال، والحذر من الرزق الحرام:
اليقين بأن الله الرزاق الذي تكفل للعباد بأرزاقهم؛ يدفع العبد إلى ترك الرزق الحرام في مأكله ومشربه وملبسه وعمله ونحو ذلك، ولو كان كثيرًا موفورًا؛ لأنه يعلم أن الرزاق سيفتح له أبواب من الرزق الحلال، وأنه لن يحصل من الرزق إلا ما قسم له، وأن ما عند الله لا ينال بمعصيته، قال -ﷺ-: «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).
(٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٤٤٠)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٠٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٥٧٠٥).
[ ١ / ٤٥٧ ]
تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^١).
وقد حذر الله -﷿- وتوعد من أكل الرزق الحرام، قال -ﷺ-: «إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ (^٢) إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (^٣)، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٤).
قال ابن رجب -﵀-: «وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله … وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام» (^٥)، وقال: «فيؤخذ من هذا: أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة» (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) السحت: الحلق، ويطلق في الشريعة على المال الحرام؛ لأنه يحلق الدين. العرف الشذي، للكشميري (٢/ ٩٣).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٦٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٦١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦١٤).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).
(٥) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٢٦٠).
(٦) المصدر السابق (١/ ٢٧٥).
[ ١ / ٤٥٨ ]
فعلى المؤمن أن يحذر الرزق الحرام بمختلف صوره وأشكاله، ومنها:
الربا، وقد تكاثرت النصوص في النهي عنه، ومن ذلك:
قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
وعن جابر -﵁- قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» (^١).
والربا ممحوق البركة منزوع الخير، قال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
الرشوة، عن عبد الله بن عمرو قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (^٢).
اليمين الغموس، وهو: الحلف كذبًا؛ لاقتطاع مال الغير (^٣)، عن أبي أمامة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» (^٤)، وقال: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِصْدَاقَهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٩٨).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٥٨٠)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابي داود، رقم الحديث: (٣٥٨٠).
(٣) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٥٥٧).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٧).
[ ١ / ٤٥٩ ]
مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية (^١).
سؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة، قال -ﷺ-: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٢).
أخذ أموال الناس بقصد السلف والدين، مع إضمار النية بعدم رده وسداده، أو التهاون في ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله» (^٣).
الغلول، وهو: الخيانة مطلقًا، وغلب في الاستعمال تخصيصه بالخيانة في الغنيمة (^٤)، وللغلول صور عدة، من أهمها: الأخذ من المال العام (^٥).
وجاء في الغلول حديث أبي هريرة، قال: «قام فينا رسول الله -ﷺ- ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «لَا أُلْفِيَنَّ (^٦) أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٨). واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٤٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٨٧).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).
(٥) للغلول صور متعددة، منها: أخذ الموظفين من الهدايا، اغتصاب الأراضي والعقارات ونحو ذلك بغير حق.
(٦) ألفين، أي: لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه: لا تعملوا عملًا أجدكم بسببه على هذه الصفة، شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).
[ ١ / ٤٦٠ ]
لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ (^١)، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ (^٢)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ (^٣)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» (^٤).
وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: حدثني عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رسول الله -ﷺ-: كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا- أو عَبَاءَةٍ-» (^٥).
وكل رزق فيه شبهة ينبغي للعبد أن يتجنبه؛ لأن المال الحرام يمحق بركة
_________________
(١) الرغاء، والحمحمة، والغثاء: وصف لصوتها، فصوت البعير الرغاء وصوت الفرس الحمحمة هكذا. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٢) المراد: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، تخفق: تتحرك، ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٢٥١).
(٣) الصامت، أي: الذهب والفضة، شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٧).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٣١).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٤).
[ ١ / ٤٦١ ]
الإنسان في جميع أمره: في ماله وولده وبيته، حتى في دعائه: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).
الأثر الثامن: الإنفاق من رزق الرزاق الرازق:
إيمان العبد باسمه سُبْحَانَهُ (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل؛ لأن الشعور بأن ما في اليد من رزق فهو من الله وحده، وما في القلب من علم وهداية فالمانُّ به سُبْحَانَهُ، فهو رزقه وفضله، وقد أمره بالإنفاق منه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]؛ يدفع المؤمن إلى التواضع، والجود بما رزقه الله سُبْحَانَهُ من علم أو مال أو جاه في سبيل الله تَعَالَى، وإيصاله للمحتاجين إليه.
الأثر التاسع: الاشتغال بطلب الرزق الباقي:
أرزاق الله كثيرة، لا تعد ولا تحصى، إلا أن على المؤمن أن يكون همه السعي لنيل أحسنها وأكملها وأكرمها، مما خص الله به عباده المؤمنين في الآخرة من النعيم، وهو رزق عظيم واسع، لا يحده حد، ولا يقدر قدره إلا الله، فرزق أهل الجنة لا نفاد له ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وهو يرزقهم بغير حساب ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٦٢ ]
ومن طالع صفة الجنة؛ علم سعة رزق أهلها وكثرته وطيبه وتنوعه، قال تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
وإذا علم العبد ذلك؛ لم يشتغل برزق الدنيا الفاني عن رزق الآخرة الباقي، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، فالعاقل لا يشغله رزق الدنيا وإن كثر عن الغاية التي خلق لأجلها وأوجد لتحقيقها، وهي عبادة الله وإخلاص الدين له، بل يجعل ذلك سبيلًا لنيل رضا الله، وبلوغ جنات النعيم.
فاللهمَّ إنَّا نَسْألُكَ علمًا نافعًا، ورِزْقًا طَيِّبًا، وعملًا صالِحًا مُتَقَبَّلًا.
اللهمَّ اغفِرْ لنا وارْحَمْنَا، وَاهْدِنَا، وعَافِنَا، وارْزُقْنَا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الرَّؤُوفُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الرأفة: أشد الرحمة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(رأف) الراء والهمزة والفاء كلمة واحدة، تدل على رقة ورحمة، وهي الرأفة» (^٢).
ورود اسم الله (الرؤوف) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في كتاب الله في عشر مرات، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
قوله -﷿-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].
_________________
(١) الصحاح (٤/ ٤٨).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٧١).
[ ١ / ٤٦٤ ]
وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في السنة النبوية:
من وروده ما يلي:
عن يحيى بن أبي كثير -﵀-، قال: كتب إلي أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يخبرني عن هدي عبد الله بن مسعود في الصلاة، وفعله وقوله فيها، فكان مما ذكره في دعائه: «سبحانك لا إله غيرك، اغفر لي ذنبي، وأصلح لي عملي، إنك تغفر الذنوب لمن تشاء، وأنت الغفور الرحيم، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رحمن ارحمني، يا عفو اعف عني، يا رؤوف ارأف بي، يا رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي …» (^١).
معنى اسم الله (الرؤوف):
قال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]: «إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «(الرؤوف) هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة: أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة، فهذا موضع الفرق بينهما» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٩٩٤٢).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ١٢).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٩١).
[ ١ / ٤٦٥ ]
قال القرطبي -﵀-: «(الرؤوف) ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة، فهو بمعنى: الرحيم مع المبالغة» (^١).
يظهر مما سبق أن هناك ارتباطًا بين الرأفة والرحمة، وقد يظهر الفرق بينهما في:
أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما.
وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام (^٢).
الرحمة تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، ومن رحمة الله: إرسال الرياح والأمطار، وهي رحمة يشترك فيها الإنسان مؤمنًا وكافرًا، والحيوان والأشجار وكثير من مخلوقات الله تَعَالَى.
بينما الرأفة تكون فقط للمؤمنين، تأمل قوله الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وهذا عام للمؤمن والكافر، بينما رأفة الله لا تكون إلا للمؤمن، فانظر إلى قوله الله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (^٣).
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٢٨٩).
(٢) المنهاج الأسنى، للقرطبي (١/ ٢٠١).
(٣) مفاتيح الغيب، للرازي (٤/ ٩٩).
[ ١ / ٤٦٦ ]
اقتران اسم الله (الرؤوف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقتران اسم الله (الرؤوف) باسم الله (الرحيم):
لم يقترن اسم الله الرؤوف بغيره من الأسماء إلا باسم الله الرحيم، وجاء هذا الاقتران في تسع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].
وقد سبق الحديث عن وجه هذا الاقتران، وذلك عند كلامنا عن اسم الله تَعَالَى (الرحمن الرحيم).
سر تقديم اسم الله الرؤوف على اسمه الرحيم:
يقول الألوسي -﵀-: «وقدم على رحيم؛ لأن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، والرحمة أعم منه، ومن الإفضال، ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي: لعل تقديم (الرؤوف) - مع أنه أبلغ- محافظة على الفواصل- ليس بشيء؛ لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع- فالمراعاة حاصلة على كل حال-، ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]
[ ١ / ٤٦٧ ]
في وسط الآية» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرؤوف):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرؤوف) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
لقد أثبت الله -﷿- صفة الرأفة لنفسه، وقرنها بصفة الرحمة؛ ليؤكد مدلول أحدهما بمدلول الآخر، والرأفة هي: صفة شاملة لاستصلاح العباد والرفق بهم في تربيتهم جملة وتفصيلًا، والنظر لهم بما هم عليه من الضعف والحاجة والمسكنة والفقر (^٢).
ومن يتأمل في الكون يرى آثار رحمة الله ورأفته في الكون، ومن مظاهر تلك الرأفة:
من رأفته تَعَالَى: إنزاله الكتاب على رسوله -ﷺ-؛ ليخرجنا من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الحق ودين الإسلام: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].
ومن رأفته تَعَالَى أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلم يبطل عمل عباده الذين صلوا قبل تحويل القبلة، فقد تساءل الصحابة عن عملهم وعمل إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، بعد أن حُولت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) روح المعاني (١/ ٤٠٦).
(٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٤٦٨ ]
ومن رأفته تَعَالَى: توبته على عباده، وأنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (^١)، فهو يفتح لهم باب التوبة ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٢)، وعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).
ومن رأفتهسُبْحَانَهُ: تسخيره المخلوقات لخدمتنا، كالجمال والخيول والبغال والحمير قديمًا، والسيارات والطائرات حديثًا: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وغير ذلك، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد الذي لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، والتعقيب بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] توجيه إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة.
_________________
(١) للاستزادة: يرجع لأسماء الله (الرحمن الرحيم، اللطيف، الرفيق).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٣).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).
[ ١ / ٤٦٩ ]
ومن رأفته سُبْحَانَهُ: حفظه لعباده في سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، كما ورد عند البخاري من حديث أبى هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال في الحديث القدسي: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، …» (^١)، وهذا منتهى الرأفة بالصادقين.
ومن رأفتهسُبْحَانَهُ: أنه أخبر عباده بما سيلاقونه في يوم القيامة، حيث تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وهذا الإخبار من رأفته؛ حتى يستعد الناس لذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].
وحري بمن عرف اسم الله الرؤوف وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رأفته ورحمته.
الأثر الثاني: محبة الله الرؤوف:
حينما يفكر العبد وينظر في مظاهر رأفة الله -﷿- بعباده، والتي لا تعد ولا تحصى؛ فإن هذا يثمر تجريد المحبة لله تَعَالَى والعبودية الصادقة له سُبْحَانَهُ، وتقديم محبته -﷿- على النفس، والأهل، والمال، والناس جميعًا، والمسارعة إلى مرضاته، والدعوة إلى توحيده، والجهاد في سبيله، وفعل كل
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
[ ١ / ٤٧٠ ]
ما يحبه ويرضاه.
يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
والرؤوف سُبْحَانَهُ متصف بصفات الكمال والجلال، والمنزه عن النقائص والعيوب؛ ومن كان هذا وصفه فإن النفوس مجبولة على حبه وتعظيمه، وهذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.
الأثر الثالث: التخلق بخلق الرأفة:
فقد كان النبي -ﷺ- الرؤوف الرحيم شديد الرأفة والرحمة بأمته، فهو أرحم بهم من والديهم، عطوف رفيق، وقد أعطاه اللهتَعَالَى في هذه الآية اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامة (^١).
قال الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومعنى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، فيحب لكم الخير ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق،
_________________
(١) تفسير السمعاني (٢/ ٣٦٢).
[ ١ / ٤٧١ ]
وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتوقيره وتعزيره (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «وأقرب الخلق إلى الله تَعَالَى: أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه: من اتصف بضد صفاته» (^٢).
وكان مِنْ رأفته -ﷺ- بأمته:
أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه (^٣).
وما انتقم رسول الله -ﷺ- لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها (^٤).
وكان يدخل في الصلاة، وهو يريد أن يطول فيها فيسمع بكاء الصبي؛ فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه (^٥).
وكان يراعي ما ركبه الله بهم من غرائز، فيمكن أصحابه من أن يقضوا وطرهم المباح؛ فعن مالك بن الحويرث -﵁-، أتينا إلى النبي -ﷺ- ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله -ﷺ- رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا، سألنا
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٥٦).
(٢) الروح (ص: ٢٥١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٧).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٧). واللفظ للبخاري.
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٠٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٧٠).
[ ١ / ٤٧٢ ]
عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ- وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^١).
فمالكٌ ورفقته كانوا في سن الشباب، والشباب مظنة قوة الشهوة، فلما قضوا هذه المدة عنده، أمرهم بالرجوع إلى أهلهم؛ ليقضوا وطرهم المباح.
ومن مظاهر رحمته -ﷺ-: رحمته بالصغار، فقد كان يقبِّل الصغار، ويداعبهم، بل ويكنيهم، فعن أسامة بن زيد -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ ارْحَمْهُمَا؛ فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (^٢).
وروى البخاري- أيضًا- من حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْر، مَا فَعَلَ النُّغَيْر» (^٣)، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر يلعب به ذلك الصبي، فمات.
وفي حديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^٤).
وامتدت رأفة النبي -ﷺ- بالحيوانات، يقول سهل بن الحنظلية -﵁-، قال: «مرَّ رسول الله -ﷺ- بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فقال:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٣).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٢٩).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨).
[ ١ / ٤٧٣ ]
اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» (^٢).
وعن معاوية بن قرة عن أبيه -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي أَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا. فَقَالَ: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ» (^٣).
وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إِلَّا سَأَلَهُ اللهُ -﷿- عَنْهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا» (^٤).
فانظر إلى الحبيب -ﷺ-، كيف رفقه بالحيوان وشفقته عليه، وكيف أنه يوصي أصحابه وأمته من بعده بأن يتقوا الله فيها، ويرأفوا بحالها!
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٢٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٢٥٤٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٥٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٦٥٧).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٦٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦).
(٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٤٣٦٠)، والدارمي، رقم الحديث: (٢٠٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٤٣٤٩). واللفظ للنسائي.
[ ١ / ٤٧٤ ]
أما عن رأفته بغير المسلمين: فانظر إلى هذا الموقف الذي يتجلى فيه رفق النبي -ﷺ- بالكافرين، وهم يتعرضون له بالأذى، حتى أن النبي وصف هذا اليوم بأشد يوم مر عليه؛ لشدة ما وقع به -ﷺ- من أذى بدني ومعنوي؛ لكنه يرأف بهم ويحلم عليهم، ويرفض أن يرد على إساءاتهم بأي عنف أو شدة، فعن عائشة -﵂- قالت للنبي -ﷺ-: «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^١).
ثم هو -ﷺ- يخشى أن تُقبض نفس على الكفر؛ فتُخلد في نار جهنم، فيسمع بمرض طفل يهودي، فيسارع بالذهاب إليه ويرأف بحاله؛ طلبًا لنجاته من الهلاك وخوفًا من إلقائه في النار، فعن أنس بن مالك -﵁-: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ-، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١).
[ ١ / ٤٧٥ ]
لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^١) (^٢).
الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الرؤوف:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٥٦).
(٢) للاستزادة يرجع إلى اسم الله (الرحمن الرحيم).
[ ١ / ٤٧٦ ]
السَّلامُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «السلام: الاسم من التسليم، والسلام: اسم من أسماء الله تَعَالَى … والسلام: البراءة من العيوب …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(سلم) السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية، فالسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى … والسلام: المسالمة» (^٢).
ورود اسم الله (السلام) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله السلام مرة واحدة في كتاب الله، وهي:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (السلام) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (السلام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن ثوبان -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا انصرف
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٩٥١).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ٩٠).
[ ١ / ٤٧٧ ]
من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (^١).
عن شقيق بن سلمة -﵁-، قال: قال عبدالله: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^٢).
عن عبد الله -﵁-، قال: «إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، إن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كانت له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يرد عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب» (^٣).
معنى اسم الله (السلام) في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله (السلام) في حق الله على معنين:
١ - السلامة والبراءة من كل عيب ونقص في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله سُبْحَانَهُ.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٠٣٩)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٣٩١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٦٣٨).
[ ١ / ٤٧٨ ]
٢ - أنه سُبْحَانَهُ منه السلام للخلق عامة، والأمن لعباده المؤمنين خاصة.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الزجاجي -﵀-: «ذو سلامة مما يلحق المخلوقين من الفناء والموت والنقص والعيب» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «ومنها السلام: لأن معناه السالم من المصائب …» (^٢).
قال الإمام ابن كثير -﵀-: «السلام؛ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «ومن أسمائه: القدوس، السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال» (^٤).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀-: «السلام الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه» (^٥).
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢١٥).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٦).
(٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).
(٤) القول الحق المبين، للسعدي (ص ٨١).
(٥) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).
[ ١ / ٤٧٩ ]
قال الزجاج -﵀-: «ويقال السلام: هو الذي سلم من عذابه من لا يستحقه» (^١).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال الخطابي -﵀-: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه» (^٢).
قال البيهقي -﵀-: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته، وقيل: هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته» (^٣).
قال الإمام ابن القيم -﵀-: «وأما السلام الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان: أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه، والمعنى: أنه ذو السلام، وذو العدل على حذف المضاف، والثاني: أن المصدر بمعنى الفاعل هنا، أي: السالم؛ كما سميت ليلة القدر سلامًا، أي: سالمة من كل شر، بل هي خير لا شر فيها» (^٤).
وقال في نونيته:
وَهْوُ السَّلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالِمٌ … مِنْ كُلِّ تَمْثِيلٍ وَمِنْ نُقْصَانِ (^٥)
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٤١).
(٣) الاعتقاد (ص: ٥٩).
(٤) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦).
(٥) النونية (ص: ٢١٠).
[ ١ / ٤٨٠ ]
اقتران اسم الله (السلام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقترن اسم الله السلام باسمه القدوس:
وذلك في قوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
اقترن اسم الله (السلام) بـ (القدوس)، وفي اقترانهما دلالة على براءة الله -﷿- من جميع العيوب والنقائص في كل الأوقات؛ إذ القدوس يشير إلى البراءة من جميع العيوب في الماضي والحاضر، والسلام يشير إلى البراءة من أن يطرأ عليه شيء من العيوب في المستقبل (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السلام):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السلام) من الصفات:
لما كان لله -﷿- الكمال من كل وجه سلم من كل عيب ونقص؛ فهو سُبْحَانَهُ السلام الحق بكل اعتبار، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ويقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ» (^٢)، فهو سلام في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.
_________________
(١) ينظر: تفسير الرازي (٢٩/ ٥١٣).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٨١ ]
فأما سلامة ذاته: فذاته العلية سالمة من كل عيب ونقص يمكن أن تتخيله الأوهام وتمليه الخواطر والأفكار، فهو بذاته نور سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وحجابه- الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والسماء والأرض، بل وبه استنارت الجنة (^١).
ومن كمال هذه الذات وجلالها: أن أهل الجنة مع عظم ما هم فيه من النعيم الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذا راوا ذاته الجليلة نسوا كل نعيم نظروا إليه؛ إذ هو الجميل الذي سلم من كل عيب ونقص.
وأما سلامة أسمائه: فأسمائه التي لا تحصى عدًّا جميعها سلام من العيب والنقص، وسلام من الدلالة على ما فيه ذم وقدح، بل كلها حسنى بلغت من الحسن أجمعه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ فكلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد وسلام.
وأما سلامة صفاته وأفعاله: فكل صفة من صفاته، وكل فعل من أفعاله سلام من كل عيب ونقص وخلل.
وفي تفصيل هذا وتقريره يقول ابن القيم -﵀-: «ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالها: فحياته سلام من الموت ومن السِّنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٦٨).
[ ١ / ٤٨٢ ]
وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو.
وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه، أو ذل، أو مصانعة، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلمًا، أو تشفيًا، أو غلظة، أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه، وثوابه، ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضًا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله، وحكمته، وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه الجاهلون به من خلاف حكمته.
وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة، وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.
[ ١ / ٤٨٣ ]
واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش، وعن حملته، وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر، ولا حاجة إلى عرش ولا غيره، ولا إحاطة شيء به -﷾-، بل كان سُبْحَانَهُ ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه، وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما. ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، وسلام مما يضاد غناه وكماله. وسلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء، تَعَالَى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه.
وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبر، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم ينف أن يكون له ولي مطلقًا، بل نفى أن يكون له ولي من الذل.
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تملق له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها، وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه؛ فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل» (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٣٥ - ١٣٧).
[ ١ / ٤٨٤ ]
وقال -﵀- أيضًا: «ومن بعض تفاصيل ذلك: أنه الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير، القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، العليم الذي سلم علمه أن يعزب عنه مثقال ذرة أو يغيب عنه معلوم من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا، فرضاه سُبْحَانَهُ سلام أن ينازعه الغضب، وحلمه سلام أن ينازعه الانتقام، وإرادته سلام أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلام أن ينازعها العجز، ومشيئته سلام أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلام أن يعرض له كذب أو ظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، ووعده سلام أن يلحقه خلف، وهو سلام أن يكون قبله شيء، أو بعده شيء، أو فوقه شيء، أو دونه شيء، بل هو العالي على كل شيء، وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه ومنعه سلام أن يقع في غير موقعه، ومغفرته سلام أن يبالي بها أو يضيق بذنوب عباده أو تصدر عن عجز عن أخذ حقه كما تكون مغفرة الناس ورحمته، وإحسانه، ورأفته، وبره، وجوده، وموالاته لأوليائه، وتحببه إليهم، وحنانه عليهم، وذكره لهم، وصلاته عليهم- سلام أن يكون لحاجة منه إليهم أو تعزر بهم أو تكثر بهم.
وبالجملة، فهو السلام من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه» (^١).
ومن سلامة أفعاله -﵎-: أنه يسلم عباده بإعطائهم الأمن والسلام كما قال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ».
فمنه -﵎- كل سلام يحصل للخلق صغر أو كبر، قل أو كثر، دنيوي أو ديني أو أخروي.
_________________
(١) أحكام أهل الذمة (١/ ٤١٤ - ٤١٥).
[ ١ / ٤٨٥ ]
ثم إذا ثبت ما سبق لربنا السلام؛ علم أنه سُبْحَانَهُ سلم بذلك من أن يكون له شبيه أو مثيل، أو كفو أو سمي، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله (^١)، وأنى ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٢)، وسلم بهذا من الصاحبة، والولد، والشريك، والند تَعَالَى عن ذلك علوًّا كبيرًا، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
ويمكن تقسيم مظاهر تسليم السلام لخلقه إلى قسمين، وهما:
التسليم العام: وهو الذي يعم المسلم والكافر، والبر والفاجر، ومنه:
تسليم الأجنة من السقوط، وتسليم الأبدان من العلل والأمراض، وتسليم الأعضاء من العاهات والتشوهات، وتسليم الأجساد من الحرق والغرق والهدم والحوادث ونحو ذلك، وتسليمها من الجوع والعطش، وتسليم النفوس من السحر والحسد والعين، وتسليمها من كل شر مخلوق فيه شر من شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، ونحوهم (^٣).
وتسليم البلدان من الحروب والنكبات والزلازل والبراكين ونحو ذلك، وتسليم قلوب أهلها من الخوف والفزع، وتسليم اقتصادها وأموال أهلها من الخسارات والفاقات، وتسليم حياتها الاجتماعية من الظلم والتعدي، وتسليم نفوس أهلها وأموالهم بما شرع لهم من الأحكام والحدود.
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٣٧).
(٢) ينظر: الحق الواضح المبين (ص: ٨١).
(٣) ينظر: التفسير القيم، لابن القيم (ص: ٦٢٠).
[ ١ / ٤٨٦ ]
وتسليم الفطر من الشرك بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب داعين للإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد لله والتخلص الشرك وشوائبه، إلا أنه سعد مَن سعد بالإيمان، وشقي مَن شقي بالتكذيب والكفران، وتسليم الآخرة من الظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
التسليم الخاص: وهو التسليم الذي خص الله به أوليائه وأهل طاعته؛ إذ سلموا اعتقادهم من الباطل، وسلموا جوارحهم من الذنوب والمعاصي، فكان جزاؤهم من جنس عملهم (^١)، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، أي: سلامة لهم في دنياهم، وسلامة لهم في دينهم، وسلامة لهم في آخرتهم (^٢)، كما حصل ليحيى -﵇- إذ سلمه الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥].
قال سفيان بن عيينة -﵀-: «أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]» (^٣)، وكذا عيسى -﵇- إذ قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]» (^٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٠٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٦).
(٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٢١٧).
(٤) وفي الأثر الثالث بسط لمظاهر هذا التسليم.
[ ١ / ٤٨٧ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السلام) على التوحيد:
اسم الله السلام دال على سلامته -ﷻ- من الشريك والند في الربوبية والألوهية؛ إذ كل من دونه أيًّا كان فيه ما فيه من النقائص والعيوب التي تمنع كونه ربًّا أو إلهًا يعبد، وبالمقابل هو سُبْحَانَهُ سلام سلم من كل نقص وعيب؛ فاستحق بذلك أن يفرد بالربوبية والألوهية، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
ثم إن اسم الله (السلام) دال على ثبوت صفات الكمال له بطريق اللزوم، فانتفاء العيب والنقص يلزم منه ثبوت الكمال كله؛ إذ انتفاء العيب والنقص ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، فهو عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (^١).
وإذا ثبتت صفات الكمال وسلم فيها سُبْحَانَهُ من كل نقص وعيب؛ كان بهذا واحدًا فيها لا مماثل له ولا مناظر، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا كان اسم ربنا (السلام) دالًّا على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
الأثر الثالث: تسليم السلام لعباده المؤمنين في أمور دنياهم وأخراهم:
فمن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور دنياهم ما يلي:
- تسليمهم من شر أعدائهم وبطشهم، كما سلم سُبْحَانَهُ إبراهيم -﵇- من كيد قومه؛ إذ جمعوا الحطب الكثير، وأضرموا النيران فيها، ثم ألقوه فيها، فسلمه الله من
_________________
(١) ينظر: التدمرية، تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية (ص: ٥٧).
[ ١ / ٤٨٨ ]
شرهم وشر النار، فقال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
ويسلمهم من العذاب الذي ينزله بأقوامهم بإنجائهم، كما أنجى الله نوح -﵇- ومن معه من المؤمنين من الغرق، قال تَعَالَى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨].
- تسليمهم من الكفر والشرك والضلال، ومن شياطين الجن والإنس ووساوسهم، ويسلمهم من الضلال وطرق الغواية بالهداية إلى الطريق المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] (^١).
- تسليمهم من الفتنة؛ فتنة الشبهات والشهوات، كما سلم يوسف -﵇- من الوقوع بامرأة العزيز مع قوة الداعي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
- تسليمهم من الفتنة الكبرى، فتنة المسيح الدجال، كما في تسليمه سُبْحَانَهُ للرجل الذي أخبر عنه رسول الله -ﷺ- بقوله: «يَأْتِي الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ (^٢)، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ (^٣) الَّتِي تَلِي
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨).
(٢) النقاب: أي: طرقها وفجاجها، وهو جمع نقب وهو الطريق بين جبلين. شرح النووي على مسلم (١٨/ ٧١).
(٣) السباخ: حمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٣).
[ ١ / ٤٨٩ ]
المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ» (^١).
ومن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور أخراهم ما يلي:
- تسليمهم من كل شقاء وعذاب، فيسلمهم عند قبض أرواحهم من الخوف مما هو قادم أمامهم، ويسلمهم من الحزن على ما خلفوه ورائهم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
- تسليمهم من شدة الموقف وهوله، ويسلمهم من مناقشة الحساب التي قال عنها -ﷺ-: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» (^٢)، ويسلمهم من الصراط وظلمته بما يعطيهم من النور وسرعة السير، ثم يسلمهم السلام الأعظم بالنجاة من النار، فلا يسمعون حسيسها، وهم عنها مبعدون.
- تسليمهم بإدخالهم جنة السلام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وتتلقاهم الملائكة بالسلام ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، ويسلم بعضهم على بعض ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٣٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٦).
[ ١ / ٤٩٠ ]
والأعظم من ذلك كله: سلامه عليهم بنفسه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
«وإذا سلَّم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدًا، فلولا أن الله تَعَالَى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك» (^١).
الأثر الرابع: محبة الله السلام:
إذا تعرَّف العبد على اسم الله السلام وجد فيه معنيين، كل واحد منهما كفيل بأن يملأ القلب حبًّا لله -﷿-، وهما:
الأول: ما فيه من الكمال والجلال والسلامة من كل عيب ونقص؛ وقد جبلت النفوس على محبة من له الكمال.
الثاني: إحسانه إلى العبد بالتسليم من الشرور والمخاوف؛ وقد جبلت النفوس- أيضًا- على محبة من أحسن إليها.
فإذا تأمل العبد هذا ولاحظ آثاره؛ قاده ذلك إلى محبة الله -﷿- التي تورث القلب حلاوة الإيمان، ويحصل بها النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٩٨).
[ ١ / ٤٩١ ]
الأثر الخامس: التأدب مع الله السلام في الألفاظ:
فالله سُبْحَانَهُ السلام ومنه السلام سُبْحَانَهُ، وقد جاء النهي عن قول العبد: السلام على الله؛ فعن ابن مسعود -﵁-، قال: «كنا نصلي خلف النبي -ﷺ- فنقول: السلام على الله، فقال النبي -ﷺ-: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).
قال الشيخ عبدالرحمن بن قاسم- صاحب حاشية كتاب التوحيد-: «لما كان حقيقة لفظ (السلام) السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، فإذا قال المسلم: السلام عليكم، فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يسلم من الشر كله، ومرجع السلامة إلى حظ العبد مما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، والله هو المطلوب منه، لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، وهو السالم من كل تمثيل ونقص، وكل سلامة ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها؛ استحال أن يسلم عليه سُبْحَانَهُ، بل هو المسلِّم على عباده، فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره، ولا رب سواه» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) حاشية كتاب التوحيد (ص: ٣٤١).
[ ١ / ٤٩٢ ]
الأثر السادس: من أراد الأمن والطمأنينة التزم بشرع الله:
إن يقين العبد بأن الله مصدر الأمن والسلام يبعث في قلبه الشعور بالسلامة والطمأنينة وزوال الخوف والوحشة والقلق والهم والغم، ويدعوه للتعلق به سُبْحَانَهُ؛ إذ كل ما يصيبه أو يخشى أن يصيبه قادر سُبْحَانَهُ على تأمينه وتسليمه منه ووقايته من شره، ألا أنه لا بد أن يعلم أن من أراد الأمن والسلام في الدنيا سواء في نفسه أو بيته أو مجتمعه، وأرادها في الأخرة كذلك، فإنه لن يجدها إلا في الإيمان بالله -﷿- والأنس به، والالتزام بأحكامه وشريعته؛ إذ كلها أمن وسلام على الفرد والأسرة والمجتمع، وكلما كان العبد وكذا البيت والمجتمع أكثر التزامًا بشريعة الله -﷿- كان أكثر تحصيلًا للسلام في الدارين، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتْتُه الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (^١).
والعكس بالعكس، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقال -ﷺ- في تمام الحديث السابق: «وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٩٣ ]
الأثر السابع: إفشاء السلام:
الله -﷿- السلام، وشرع لعباده ما ينشر السلام والأمن بينهم، ويحقق المودة والمحبة، ألا وإن ذلك هو السلام تحية أهل الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، أي: «فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابَّوْا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٢)، وعن عبدالله بن سلام -﵁- قال: «أول ما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٧٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٤).
(٣) أخرجه والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٣٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٣٤).
[ ١ / ٤٩٤ ]
والمراد بتحية السلام، قول: السلام عليكم، وهي على مراتب ثلاثة:
١ - أدناها، قول: السلام عليكم.
٢ - وأوسطها، قول: السلام عليكم ورحمة الله.
٣ - وأعلاها، قول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما دل على هذا حديث عمران بن حصين -﵁- قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ -﵇- ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: عِشْرُونَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ» (^١).
وفي معناها قولان (^٢):
١ - أن السلام يراد به السلامة، فعلى هذا يكون المعنى: الإعلام بالسلامة من ناحيته، وتأمينه من شره وغائلته، كأنه يقول له: أنا سلم لك غير حرب، وولي غير عدو، فلا تحذر ولا تخف.
٢ - أن السلام في التحية يراد به: اسم الله السلام، فعلى هذا يكون المعنى: الله يحفظك ويرعاك، والله تَعَالَى يعيذك، والله تَعَالَى يمنعك ويحميك، ففيه دعاء له بالسلامة من الشرور والآفات.
ثم إن السلام لم يقيد بشيء مخصوص، فيقال: السلام عليك من كذا،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٩٥).
(٢) ينظر: شأن الدعاء (١/ ٤١)، شرح النووي على مسلم (٤/ ١١٧).
[ ١ / ٤٩٥ ]
ولم تتصل به تاء التحديد التي تدل على الخصلة الواحدة فلم يقل: (السلامة عليكم)، إيذانًا بالسلامة المطلقة وعمومها لكل شر، بل شمولها لحصول الخير أيضًا؛ إذ فوات الخير يمنع السلامة المطلقة، فإن العبد إذا فاته الخير قد يحصل له الهلاك والعطب، أو النقص والضعف (^١).
وجاء مع السلام حرف (على)، وكأن الذي يسلم على أخيه المسلم يلقي عليه هذا اللفظ إيذانًا باشتمال معناه، كاشتمال ملابسه عليه، فالسلامة تحيط به، كما يحيط به ثوبه.
وأضيف للسلام الرحمة والبركة؛ وذلك لأن الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء (^٢):
أ-سلامته من الشر، وقد تضمنها (السلام عليكم).
ب-حصول الخير له، وقد تضمنه (ورحمة الله).
ج-دوام الخير وثباته، وقد تضمنه (وبركاته).
وبهذه المعاني الجليلة كان السلام أولى من جميع تحيات الأمم، وفيما يلي جملة من الفضائل والخصائص التي تدل على تميز هذه التحية عن سائر التحيات الأخرى، ومن ذلك:
أن السلام تحية ربانية، طيبة مباركة؛ فالله -﷿- تولى تشريعه بنفسه ورضيه تحية لخير الأمم أمة محمد -ﷺ-، بخلاف غيره من التحيات التي ترجع للأعراف والثقافات، ويدل على هذا قوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا
_________________
(١) ينظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٤٢٠).
(٢) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٧٨).
[ ١ / ٤٩٦ ]
فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «خَلَقَ اللهُ -﷿- آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ» (^١).
أن السلام تحيةٌ صاحبها أولى الناس بالله -﷿-؛ فعن أبي أمامة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ باللهِ: مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» (^٢).
أن تحية السلام من خير الإسلام؛ فقد سئل -ﷺ-: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟! قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^٣).
قال النووي -﵀-: «وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تَعَالَى لا مصانعة ولا ملقًا، وفيه مع ذلك: استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٢٦)، أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤١) واللفظ له.
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٩٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٨٤٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٥١٩٧).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٩).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١).
[ ١ / ٤٩٧ ]
أن السلام تحية تؤدي إلى الجنة؛ فعن عن عبدالله بن سلام، قال: كان أول ما سمعت من كلامه -ﷺ- قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (^١) (^٢).
أن السلام تحية اختارها الله لأهل الجنة، ولا يختار لهم إلا الطيب الكامل، فيحيى بعضهم بعضًا بها، قال تَعَالَى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، ويحيهم الملائكة بها، قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]، بل ويحيهم الرب -﷿- بها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
أن السلام تحية تنشر الألفة والمحبة في المجتمعات؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٣).
وبهذا يعرف فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم؛ مما يدعو المسلم لتمسك بها على وجه الاعتزاز، وإشاعتها بين المسلمين.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: النهج الأسمى (١/ ١١٩).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الأثر الثامن: اتصاف العبد بالسلام:
الله -﷿- السلام، ويحب من عباده أن يكون لهم نصيب من اسمه السلام، وذلك: بسلامة النفس، وبسلامة الخلق من شره وأذاه.
فأما سلامة النفس:
فبسلامتها من الذنوب والعيوب والنقائص، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، أي: طهرها وسلمها من الذنوب، ونقاها من العيوب (^١).
فيسلم جوارحه من مواقعة الحرام، ويسلم قلبه من أمراض الشبهات والشهوات، وأدران الحقد والغل والحسد، فيقدم على ربه -﷿- بقلب سليم يحصل معه فوزه ونجاته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].
والقلوب ثلاثة: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت.
قال ابن القيم -﵀-: «والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح، والكبر، وحب الدنيا والرياسة؛ فسلم من كل آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله؛ فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي الجنة يوم المعاد.
ولا تتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٦).
[ ١ / ٤٩٩ ]
وهوى يناقض التجريد والإخلاص (^١)» (^٢).
وقد جاء في فضل القلب السليم نصوص عدة، منها:
أن القلب السليم سبب للنجاة يوم القيامة من العذاب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].
أن الله -﷿- أثنى على إبراهيم -﵇- بالقلب السليم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤].
أن صاحب القلب السليم من أفضل الناس؛ فقد سئل -ﷺ-: أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (^٣).
أن القلب السليم سبب لدخول الجنة؛ فعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-
_________________
(١) الداء والدواء (ص: ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٧، وما بعدها).
(٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦) واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦).
[ ١ / ٥٠٠ ]
مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ -﷿- وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (^١).
وعن سفيان بن دينار -﵀- قال: «قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٩٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف، رقم الحديث: (٢٠٥٥٩)، ومسند البزار (٦٣٠٨)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦١٨١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٢٨).
(٢) الزهد، ابن السري (٢/ ٦٠٠).
[ ١ / ٥٠١ ]
وعن زيد بن أسلم -﵀-، قال: «دُخِل على أبي دجانة -﵁- وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين؛ أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا» (^١).
وقال قاسم الجوعي -﵀-: «أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة: سلامة الصدر» (^٢).
وإن من الأسباب التي تعين على الظفر بالقلب السليم:
عدم تعريض النفس لمواطن الشبهات والشهوات؛ إذ النفوس ضعيفة والشيطان يجري منها مجرى الدم، وكل منهما داع للوقوع في أسرها.
مجاهدة النفس على ترك الشهوات، ودفع الشبهات، قال ابن المنكدر -﵀-: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي» (^٣)، وقال أبو حفص النيسابوري -﵀-: «حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة» (^٤).
العلم النافع الذي تدفع معه الشبهات؛ فإن الجاهل قد يمرض قلبه بما يرد عليه من الشبهات التي لا يملك ردها؛ لجهله، بخلاف العالم.
الدعاء بسلامة القلب وطهارته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وكان النبي -ﷺ-
_________________
(١) الصمت، ابن أبي الدنيا (١١٣).
(٢) تاريخ دمشق، ابن عساكر (٥٢/ ٨٠).
(٣) حلية الأولياء (٣/ ١٤٧).
(٤) صفة الصفوة (٢/ ٣١٢).
[ ١ / ٥٠٢ ]
يدعو، ويقول: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ، مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^١)، والسخيمة، هي: الحقد.
الاشتغال بمعالي الأمور؛ فإن الاشتغال بها يحمل العبد على الترفع عن سفاسف الأمور من القيل والقال، وما يتبعها من الحقد والغل.
حفظ الأذن من سماع ما ينقل من النميمة؛ فعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (^٢).
أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يحسده على ما أعطاه الله من النعم، ولا يحقد عليه ويغل ولو صدر منه ما يزعج؛ إذ لا يحب أن يعامل بذلك فكذا أخيه.
حسن الظن بالإخوان والتماس الأعذار لهم، قال جعفر بن محمد -﵀-: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠) واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (١٥١٠).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٦٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٦)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٨٦٠).
(٣) دليل الواعظ (٢/ ٥٩٩).
[ ١ / ٥٠٣ ]
الهدية؛ إذ هي مدعاة للمحبة والمودة، كما قال -ﷺ-: «تَهَادُوْا تَحَابُّوا» (^١)، وقال: «تَهَادُوْا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٢).
وأما سلامة الخلق من شره وأذاه:
فبكف الشر والأذى عن المسلمين، سواء كان باللسان كالشتم والسب واللعن والبهتان والغيبة والنميمة، أو كان باليد كالاعتداء على الأنفس، والدماء، والأموال، والأعراض، ونحو ذلك من صور الأذية.
وفي كف الأذى عن المسلمين نصوص عدة، منها:
١ - ما رواه عبدالله بن عمرو -﵄- قال، قال الرسول -ﷺ-: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ» (^٣).
قال ابن رجب -﵀-: «والمراد بذلك: المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول» (^٤).
٢ - ما رواه أبو موسى -﵁-، قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٥٩٤)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٦١٤٨)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (١٦٠١).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠)، والطيالسي، رقم الحديث: (٢٤٥٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٤١).
(٤) فتح الباري (١/ ٣٧ - ٣٨).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٢).
[ ١ / ٥٠٤ ]
٣ - ما رواه عبدالله بن مسعود -﵁- قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِكَ»، ثُمَّ سَكَتَ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (^١).
٤ - ما رواه أبو ذر -﵁-، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢).
٥ - ما رواه أبو سعيد الخدري -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالوا: وما حقه؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، والأَمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ» (^٣).
٦ - ما رواه ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- صعد المنبر فنادى بصوت رفيع: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (٩٨٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٥٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٨٥٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).
[ ١ / ٥٠٥ ]
حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ (^١).
وجاء الوعيد على أذية المسلمين، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وعن أبي هريرة -﵁- قال: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ في الجَنَّةِ» (^٢).
وعن أبي شريح -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (^٣).
وهذه النصوص كما قال ابن رجب -﵀-، تضمنت «أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه؛ من قول أو فعل» (^٤).
ثم إن كف الأذى عن الغير لا يقتصر على المسلم، بل يشمل الكافر غير الحربي أيضًا، كما في قول إبراهيم -﵇- لأبيه مع أنه من أكفر الكفرة:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٢)، وابن حبان، رقم الحديث ٥٧٦٣، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٨٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٩٠٩٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٩٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٦).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨٢).
[ ١ / ٥٠٦ ]
وقال رسول الله -ﷺ-: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).
وعن عائشة -﵂-، قالت: «أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالَ: وَعَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً. فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ، وفي رواية: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» (^٢).
وقال ابن حجر -﵀- في قول رسول الله -ﷺ-: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^٣): «تنبيه: ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه» (^٤).
وإن من كف الشر والأذى عنهم دعوتهم بالحال والمقال للإسلام الذي هو دين السلام في الأرض والسعي في نشره بينهم؛ إذ فيه كف لأذى الكفر والعصيان والعذاب عنهم.
كما يشمل كف الأذى: الحيوانات؛ فقد نهى النبي -ﷺ- عنه، فعن ابن عمر -﵄- أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٠٥٢)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٨٧٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٠٥٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) فتح الباري (١/ ٥٣).
[ ١ / ٥٠٧ ]
عمر تفرقوا عنها، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَعَنَ مَنْ فَعَلَ» (^١) وعن أنس -﵁-: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» (^٢) أي: أن تحبس حتى تموت.
وقال رسول الله -ﷺ-: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^٣).
الأثر التاسع: سعي العبد لدار السلام:
الله -﷿- السلام خلق الجنة، وسماها دار السلام، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧].
وأسباب تسميتها بدار السلام الآتي:
سلمت من كل عيب ونقص، فلا يتبول أهلها فيها ولا يتغوطون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون.
سلمت من كل كدر وكبد، فلا هم ولا حزن ولا نصب، ولا خوف ولا قلق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥].
سلمت من الحقد والحسد واللغو والتأثيم، بل كلام أهلها سلام طيب طاهر، مسر للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٥٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٢) واللفظ له.
[ ١ / ٥٠٨ ]
ويتنادمون أطيب المنادمة، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، ولا يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم ومحبته لهم، قال تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] (^١)، وهي دار السلام التي سلمت من كل مرض وألم وهرم، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].
سلمت من الموت؛ إذ فيها الحياة الدائمة التي لا انقطاع معها ولا نهاية لها، وفي الحديث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ- زاد أبو كُرَيْب: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، واتفقا في باقي الحديث- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» (^٢).
سلمت لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه حتى لا يقدر على وصفه الواصفون، ولا يتمنى فوقه المتمنون من نعيم الروح والقلب والبدن، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨١٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٩).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٥/ ٥٩)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٦١)، وتفسير السعدي (ص: ٢٧٣، ٣٦٢).
[ ١ / ٥٠٩ ]
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
هِيَ جَنَّةٌ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا … فَنَعِيمُهَا بَاقٍ وَلَيْسَ بِفَانِ
دَارُ السَّلَامِ وَجَنَّةُ المَأْوَى وَمَنْـ … ـزِلُ عَسْكَرِ الإِيَمانِ والقُرْآنِ
فَالدَّارُ دَارُ سَلَامَةٍ وَخِطَابُهُمْ … فِيهَا سَلَامٌ واسْمُ ذِي الغُفْرَانِ (^١)
فمن علم هذا تاقت نفسه لدار السلام، وسعى للظفر بها، لا سيما وأن الله -﷿- داعيه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، بل وأرسل محمد -ﷺ- داعيًا إليها، كما في الحديث: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى الله، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ» (^٢).
فحري بالعبد أن يجيب دعوة ربه وداعيه محمد -ﷺ- إلى أعظم دعوة وأكمل مقام وأطيب عيش، وذلك بالإيمان والعمل الصالح وسلوك
_________________
(١) النونية (ص ٣٠٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٢٨١).
[ ١ / ٥١٠ ]
الصرط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
فَاللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، نسألك يا ربنا أن تسلمنا في الدارين.
[ ١ / ٥١١ ]
السَّميعُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «السمع: … في الاصل مصدر قولك: سمعت الشيء، … واستمعت كذا، أي: أصغيت، وتسمعت إليه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(سمع) السين والميم والعين أصل واحد، … يقال: سمع بمعنى: استمع» (^٢).
ورود اسم الله (السميع) في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (السميع) في كتاب الله خمسًا وأربعين مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
قوله -﷿-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ٣٦٦).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٠٢).
[ ١ / ٥١٢ ]
ورود اسم الله (السميع) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (السميع) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» (^١).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثم يقول: الله أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثم يقول: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (^٢).
وعن عثمان بن عفان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٩٢) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٧٥)، وحكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٧٧٥).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨) واللفظ له، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨)، والنسائي، رقم الحديث: (١٠١٠٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩).
[ ١ / ٥١٣ ]
معنى اسم الله (السميع) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله السميع على معنيين (^١):
١ - السامع لجميع الأصوات الظاهر منها والباطن، والجليل منها والخفي.
٢ - المجيب للسائلين والداعين والعابدين.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] «يقول جل ثناؤه واصفًا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه: السميع لما ينطق به خلقه من قول» (^٢).
وقال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] «أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم …» (^٣).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال الخطابي -﵀-: «السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة، كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت.
_________________
(١) ينظر: الحق الواضح المبين للسعدي (٣٥)، والنهج الأسمى، النجدي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
(٢) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٧٨).
(٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٥ - ٦).
[ ١ / ٥١٤ ]
وقد يكون السماع بمعنى: القبول والإجابة، كقول النبي -ﷺ-: «وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ» (^١)، أي: من دعاء لا يستجاب، ومن هذا قول المصلي: «سمع الله لمن حمده، معناه: قبل الله حمد من حمده» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره …» (^٣).
وقال في قوله تَعَالَى عن دعوة إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]: «فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع العام؛ لأنه سميع لكل مسموع، وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب، وسمعُ الرب -﵎- له: إثابته على الثناء، وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «وسمعه تَعَالَى نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، واحاطته التامة بها، والثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٤٨).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٥٩).
(٣) طريق الهجرتين (ص ١٢٨).
(٤) بدائع الفوائد (٣/ ٤).
(٥) الحق الواضح المبين (٣٥).
[ ١ / ٥١٥ ]
قال ابن القيم -﵀-:
هُوَ السَّمِيعُ يَسْمَعُ وَيَرَى كُلَّ مَا … فِي الكَوْنِ منْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ
وَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ … فَالسِّرُّ والإِعْلَانُ مُسْتَوِيَانِ
والسَّمْعُ مِنْهُ وَاسِعُ الأَصْوَاتِ لَا … يَخْفَى عَلَيْهِ بَعِيدُهَا والدَّانِي (^١)
وقال أيضًا -﵀-:
والحَمْدُ للهِ السَّمِيعِ لِسَائِرِ الـ … أَصْوَاتِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (السميع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (العليم):
ورد هذا الاقتران في القرآن الكريم في اثنتين وثلاثين آية، ومن وروده:
قوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤].
قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٣).
(٢) النونية (ص: ٣١٢).
[ ١ / ٥١٦ ]
وجه الاقتران:
يدل على مزيد من الكمال لله -﷿-، فإذا كانت صفة (السميع) تنبئ بإحاطة السمع بكل المسموعات فلا يندر عنه -﷿- شيء، ولا يعزب عنه كبير ولا صغير، فإن صفة (العليم) تنبئ بتجاوز علمه المسموعات إلى المشاهدت والغيبيات، والظواهر والبواطن (^١).
«والملاحظ أن اسم (السميع) حيثما ورد مع اسم (العليم) قُدّم عليه فالنسق دائمًا: السميع العليم ولا عكس، فلا بد أن يكون من وراء ذلك حكمة، ذكر منها: أن السمع يتعلق بالأصوات، ومن سمع صوتك فهذا أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم، فذكر السميع أوقع في التخويف من ذكر (العليم)، فهو أولى بالتقديم، ولا يقتصر الأمر على مقام التخويف؛ فإن لتقديم صفة (السميع) في مقام الدعاء أثره في انطلاق اللسان بالدعاء، والطلب، والشكوى حين يستشعر الداعي أنه يخاطب من يسمعه ويصغي إلى نجواه» (^٢).
ثانيًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (البصير):
تقدم بيانه في اسم الله البصير.
ثالثًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (القريب):
وذلك في موضع واحد، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٩٩)، التحرير والتنوير (٩/ ٢٣١)، مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لزينب كردي (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٢) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لزينب كردي (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨).
[ ١ / ٥١٧ ]
وجه الاقتران:
«أن الله لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السميع):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السميع) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
يتضمن اسم الله السميع صفة السمع، فالله -﷿- السميع الذي له سمع يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (^٢)، وقال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] «قال ابن جرير -﵀-: وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه» (^٣).
وسمع الله نوعان (^٤):
١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه: إدراك الأصوات.
٢ - سمع يتعلق بالعبادات والدعوات، ومعناه: الاستجابة.
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (١٥/ ٥٣٥).
(٢) ينظر: النهج الأسمى (١/ ٢٢٨)
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ٦٥٠).
(٤) كما تقدم في معنى الاسم.
[ ١ / ٥١٨ ]
فالأول: السمع المتعلق بالمسموعات:
فالله -﷿- السميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، ووسع جميع الأصوات، ومن سعته وإحاطته ما يلي:
أنه -﵎- يسمع الأصوات التي في العالم العلوي والعالم السفلي من أصوات الملائكة والإنس والجن والحيوانات والنباتات والجمادات والسائلات وغيرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (^١)، ومن ذلك:
- سمعه جل في علاه لشكوى خولة بنت ثعلبة، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
- وسمعه لقول الجن، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١، ٢] … إلى آخر الآيات.
- وسمعه لقول النملة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨].
- وسمعه لقول السماء والأرض لما قال لهما، قال تَعَالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
_________________
(١) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٦).
[ ١ / ٥١٩ ]
- وسمعه تسبيح الجبال، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، والمخلوقات أجمع، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أحوالها، فيسمعها سواء أكانت جهرًا أم سرًّا أم حديث نفس، ظاهرة أم باطنة، جلية أم خفية، فالكل عنده سواء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (^١)، وقال منكرًا على من زعم من المشركين وغيرهم أنه لا يسمع السر والنجوى، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] (^٢).
وعن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (^٣).
وقوله -ﷺ-: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» أي: ارفقوا بأنفسكم، ولا تكلفوها رفع الصوت؛ إذ لا حاجة له، فإن من تكبرون سميع بصير، يسمع الأصوات الخفية، كما يسمع الأصوات الجلية، قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به ويتفوه، أقرب إليه من حبل الوريد (^٤).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٧٠)، النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٣١)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٤٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٤٢٠)، شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦)، فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٣٥)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٤٧).
[ ١ / ٥٢٠ ]
ويسمعها - أيضًا- سواء نطق بها الخلق حال الانفراد والتفرق أم حال الاجتماع والاختلاط، ففي اللحظة الواحدة يسمع دعاء الداعين وقراءة القارئين، وأنين الشاكين، وبكاء الباكين، ويجتمع الحجيج في بقعة واحده ويلهج الكل بالدعاء، فيسمعهم في نفس الوقت لا تختلط عليه الأصوات ولا اللغات ولا اللهجات، لا تتداخل ولا تشتبه عليه، ولا يشغله سماع عن سماع، ولا مسألة عن مسألة، لا تغلطه كثرة المسائل، ولا تبرمه كثرة السائلين وإلحاحهم (^١).
بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله -﷿- الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعًا في لحظة واحدة، وكلٌّ عرض حاجته، وكلٌّ تحدث بلهجته ولغته، لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة.
ومن الدلائل على هذا: قوله سُبْحَانَهُ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^٢).
أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أماكنها، فيسمعها في السماء كانت أم في الأرض أم في الجو، قرب مكانها أم بعد، صدرت في خفي المواضع والجهات أم ظاهرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (^٣).
_________________
(١) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٢٨)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٩٩)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٦).
[ ١ / ٥٢١ ]
أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أزمانها، فيسمعها في جميع الأوقات، سواء صدرت في ظلمة الليل أم في وضح النهار، ويسمعها في الحاضر والمستقبل كما سمعها في الماضي، ولا يزال جل في علاه سميعًا بصيرًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١] (^١).
أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأقوال على اختلاف أنواعها، فيسمع مباحها كما في عموم قوله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، ويسمع الخير منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، ويسمع الشر منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١].
ثم إنه سُبْحَانَهُ يجازي خلقه عليها، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، يكتبون ما يقولون وما يعملون، فيحفظ عليهم حتى يردوا يوم القيامة، فيجدون ذلك حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٩٩).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٧٠).
[ ١ / ٥٢٢ ]
فهذا سمع الله وإحاطته التي لا يقدر قدرها إلا الله، ولا يعلم كنهها إلا هو جل في علاه، وبناء عليها وعلى علمه -﵎- يجري الأقدار على خلقه، فيصطفي منهم من يستحق الاصطفاء، ويزكي منهم من كان لها أهلًا، ويخذل ويرد من لا يستحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] (^١).
ويقدر عليهم الشرائع التي تناسبهم وتصلح لهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ٤ - ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، «وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون» (^٢).
إلى غير ذلك من التقديرات المبنية على سمعه وعلمه جل في علاه.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١٨٣).
[ ١ / ٥٢٣ ]
والثاني: السمع المتعلق بالعبادات والدعوات:
فالله -﷿- سميع مجيب للعابدين والداعين السائلين، فيجيب مِن عبده بالقبول والإثابة، ومنه قول إبراهيم وإسماعيل -﵉-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقول امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] فهم في عمل صالح، ويسألون الله تَعَالَى أن يتقبل منهم ويثيبهم؛ إذ هو السميع المجيب (^١).
ومنه- أيضًا- قول المصلي في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: «قبل الله حمد من حمده» (^٢).
ويجيب من دعاه بالعطاء، فلا يرده صفرًا خائبًا، ومنه قول إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والصلاة هنا بمعنى الدعاء، والمعنى: ادع للمؤمنين؛ فإن الله سميع لدعائك بالإجابة والقبول (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٧٣)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٢٧).
(٢) شأن الدعاء، للخطابي (ص: ٥٩).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٥٠)، والتحرير والتنوير (١١/ ٢٣).
[ ١ / ٥٢٤ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله السميع على التوحيد:
إن الإيمان باسم الله «السميع» يدفع العبد إلى تو حيد العبادة إذا ما تفكر فيه ونظر؛ إذ إن كل ما يعبد من دون الله إما لا يسمع كالجمادات والموتى، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، أو يسمع إلا أن سمعه ناقص كذوات الأرواح من الملائكة والإنس والجن والحيوان، وليس كمال السمع وعظمته إلا لله -﷿- كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فسمعه لا يشبه ولا يماثل سمع شيء من خلقه، وإنما على وجه يليق بجلاله وعظمة سلطانه (^١).
ثم إذا تقرر هذا: فهل يصح في عقلٍ ونقلٍ أن يُعبد من لا يَسمع؟ أو يُعبد من يَسمع لكن سمعه ناقص كسمع العابد؟ أو كيف يُجعل من هذا حاله ندًّا وشريكًا لله السميع البصير على وجه الكمال والجلال؟ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).
[ ١ / ٥٢٥ ]
دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]، وقال الله حاكيًا استنكار إبراهيم على أبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن: عبادة من له الكمال، الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تَعَالَى» (^٢).
وقال في موضع آخر: «فالكامل تَعَالَى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين» (^٣).
ثم إن الإيمان باسم الله «السميع» يدعو العبد- أيضًا- إلى توحيد الأسماء والصفات، فهو يعني: أن تثبت لله سمعًا من غير تعطيل ولا تحريف، ثم تضم لهذا الإثبات قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فتثبته على وجه لا تمثيل فيه ولا تكييف؛ خلافًا للمعطلة والنفاة، سواء من نفى هذا الاسم لفظًا ومعنًى كالجهمية ومن تبعهم في هذا، أو من أثبت اللفظ ولم يثبت المعنى كالمعتزلة ومن تبعهم من المفوضة وأشباههم، وخلافًا للمشبهة والمجسمة، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٩٤).
(٢) المرجع السابق (ص: ٤٩٤).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٢٤٠).
[ ١ / ٥٢٦ ]
رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل» (^١).
ثم إنه لا بد أن يعلم أن الاشتراك بين المخلوق والخالق في اسم الصفة لا يعني: المشابهة والمماثلة في المسميات، فإن صفات المخلوق تناسب صنعته وضعفه وعجزه، وصفات الخالق -﷿- كاملة تامة لايعتريها ضعف أو نقص، بل هي كما تليق بكماله وجلاله وجماله -﷾-.
الأثر الثالث: مراقبة الله السميع:
إذا علم العبد يقينًا أن ربه السميع يسمع قول لسانه، سواء أسره أم جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤].
وعلم- أيضًا- أن قوله وفعله مكتوب مسجل، فالله سامع والملائكة كاتبة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
أثمر ذلك العلم في قلبه مراقبة الله السميع في الأقوال والأفعال، فيراقبه في عمل الخير فيخلص له فيه، ويقيمه على أتم وجه وأكمله، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].
قال الطبري -﵀-: «إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، العليم بما تعمل فيها، ويعمل فيها من يتقلب فيها
_________________
(١) التدمرية (ص: ٨).
[ ١ / ٥٢٧ ]
معك مؤتمًّا بك، يقول: فرتل فيها القرآن، وأقم حدودها، فإنك بمرأى من ربك ومسمع» (^١).
ويراقبه- أيضًا- في عمل الشر فيجتنبه قبل الوقوع، ويتوب منه بعد الوقوع، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].
سميع: «يسمع جميع الأصوات، ومنه: سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته» (^٢).
ويراقب ربه السميع- أيضًا- في جوارحه، فيحفظ عينه، وأذنه، ولسانه، ويده، ورجله، وقلبه من الحرام.
وإنَّ حفظ اللسان ومراقبة ما هو قائل من أكد الأمور وأهمها؛ ولذا جاءت النصوص بأساليب عدة مرغبة في حفظ اللسان، ومحذرة من إطلاقه، ومن ذلك (^٣):
بيان بغض الله ومقته لمن يقول السوء، قال تَعَالَى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] «أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي
_________________
(١) تفسير الطبري (١٩/ ٤١٣).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٥).
(٣) ينظر: موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية (١/ ٣٥٩، وما بعدها)، ونضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (٧/ ٢٦٣٧، وما بعدها).
[ ١ / ٥٢٨ ]
عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين» (^١).
بيان أن قول العبد محفوظ مسجل، وسيحاسب عليه في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨].
الحث على الصمت إلا من قول الخير؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» (^٢) أي: «أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا» (^٣).
بيان أن حفظ اللسان من أسباب النجاة؛ فعن عقبة بن عامر -﵁- قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قال: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٢١٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧).
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (٢/ ١٩).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٦).
[ ١ / ٥٢٩ ]
بيان أن من صفات أهل الجنة ورثة الفردوس: الإعراض عن لغو الحديث، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣].
قال الشيخ السعدي -﵀- في اللغو: «وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ رغبة عنه، وتنزيهًا لأنفسهم، وترفعًا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه- إلا في الخير- كان مالكًا لأمره، كما قال النبي -ﷺ- لمعاذ بن جبل -﵁- حين وصاه بوصايا قال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِملَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» (^١) (^٢).
بيان أن حفظ اللسان سبب لدخول الجنة؛ فعن سهل بن سعد -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (^٣).
بيان أن إطلاق اللسان سبب لدخول النار؛ فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٦).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٤٨).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧٤).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٤٨٧)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (١١٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٢٨٤).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^١).
الأثر الرابع: الثقة بكفاية الله السميع شر الأعداء:
إذا تذكر العبد أنه ربه سميع، لا يخفى عليه شيء مما يقوله أعداء دينه وأوليائه من الكفار والمنافقين والفاسقين ونحوهم، فمكرهم مسموع، وكيدهم مسموع، وكذبهم وبهتانهم وتهمهم الباطلة مسموعة، وسبهم وشتمهم وظلمهم كله مسموع، لا يخفى على السميع العليم، كما قال سُبْحَانَهُ في الأعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨]، يسمع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد، عليم بما يبطنون وبما يقصدون إخفاءه (^٢).
فإذا تذكر العبد ذلك؛ أثمر في قلبه: الاطمئنان والسكينة والثقة بالله -﷿-؛ لعلمه بأن ربه السميع سيكفي دينه وأولياءه شرور الأعداء بقدرته، ويمنعهم بعزته، ويرد كيدهم بقوته، ويحفظهم بحفظه، ويكلؤهم برعايته.
وهذا ما حدث مع موسى وهاورن، لما خافا من مواجهة فرعون، فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فذكرهم الله بسمعه وبصره، فقال تَعَالَى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فزال الخوف عنهما واطمأنت قلوبهما، وانطلقا لفرعون بالرسالة، وحصل لهما الحفظ والنصر (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث:) ٦٤٧٨).
(٢) يظر: التحرير والتنوير (١١/ ١٤).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٦).
[ ١ / ٥٣١ ]
وهذا ما حدث- أيضًا- مع رسول الله -ﷺ-، فقد وعده الله بالكفاية من شرور أعدائه، مذكرًا إياه بأنه السميع لجميع أصواتهم في أي مكان، وعلى أية حال كانوا، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، «وقد أنجز الله لرسوله وعده، وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردهم كل مشرد» (^١).
وقال تَعَالَى له أيضًا: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلًا، وهذا يعني أمرين:
كفايتك وحفظك وتوليك ونصرك، وكذا أمتك من بعدك.
مجازاة أعدائك على قولهم ومكرهم وكيدهم، في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معًا، وكذا أعداء أمتك من بعدك (^٢).
وفي هذا تهديد وتخويف لأعداء دينه وأوليائه.
وهو كقوله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] يسمع ما يقول المشركون من أهل مكة في مسرى رسول الله -ﷺ- من مكة إلى بيت المقدس، لا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٨).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٤٥).
[ ١ / ٥٣٢ ]
بل هو محيط بجميعه علمًا، ومحصيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد؛ ليجزي جميعهم بما هم أهله (^١).
كما أن تذكُّر هذا المعنى يحي في القلوب الأمل بالنصر والفرج، وعدم استبطائه أو اليأس منه؛ لأن اللهسُبْحَانَهُ يسمع ويعلم، ولكنه يمهل ولا يهمل.
ويثمر أيضًا: الصبر على الأذى والظلم (^٢)؛ لعلم العبد بأن ربه السميع يسمع قول ظالمه ويعلم مظلمته؛ فينصره عليه ويجيب دعوته فيه، ولا يردها صفرًا، كما جاء في الحديث: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (^٣).
الأثر الخامس: محبة الله السميع:
الله سُبْحَانَهُ السميع الذي يسمع شكوى العبد وأنينه، ويسمع نداءه وتضرعه، ويجيب دعاءه وسؤاله، ما وقف أحد ببابه فردَّه، ولا لاذ به فصدَّه، ولا لجأ إليه فخذله، وهذا كله يدعو العبد المتأمل إلى محبة الله -﷿- والتعلق به.
الأثر السادس: حفظ نعمة السمع:
إذا علم العبد أن ربه السميع أنعم عليه بجارحة السمع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، وعلم أن حق النعمة الشكر بالقلب، واللسان، والجوارح، وأن أعظم ما يكون من الشكر استعمال النعمة في الطاعة دون المعصية.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٧/ ٣٥٢).
(٢) ينظر: المرجع السابق
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٨)، ومسلم (١٩).
[ ١ / ٥٣٣ ]
وعلم أنه مسؤول عن هذه النعمة العظيمة، كما هومسؤول عن سائر النعم، وبقية الحواس، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابًا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تَعَالَى» (^١).
إذا علم العبد هذا؛ دفعه ذلك كله إلى استعمال سمعه في طاعة الله من سماع القرآن، والعلم، والمواعظ، ونحوها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال في صفات المؤمنين: إنهم ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، أي: هم «الذين يستمعون القول من القائلين، فيتبعون أرشده وأهداه، وأدله على توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد، ولا يهدي إلى سداد» (^٢).
كما يدفعه أيضًا: إلى كف سمعه عن سماع الحرام، من سماع الغناء، والغيبة، والسخرية، والباطل، ونحو ذلك، فذلك كله لا ينفعه سماعه، بل
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٥٧).
(٢) تفسير الطبري (٢١/ ٢٧٣).
[ ١ / ٥٣٤ ]
يكون عليه وبالًا وعقابًا، حتى يقول يوم القيامة حين يرى العذاب: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
الأثر السابع: دعاء الله السميع:
إذا علم العبد أن من معاني اسم الله السميع: المجيب للدعاء؛ دفعه ذلك العلم إلى الإكثار من مناجاة السميع القريب، وسؤاله من حاجات الدنيا والآخرة، من غير ملل أو يأس من كشفه للشدائد وقضائه للحوائج.
كما يدفعه أيضًا إلى التوسل إلى الله -﷿- باسمه «السميع»، لا سيما وأنه مظنة الإجابة؛ فقد دعا زكريا -﵇- ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (^١)، فأجابه السميع، فرزقه الولد وأرسل له الملائكة بالبشرى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، بل زاده في الجواب والعطاء، فأصلح له زوجه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ودعا إبراهيمُ بالولد، فما لبث أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
ودعا يوسف -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي
_________________
(١) وفي هذا الدعاء يقول ابن القيم -﵀-: «فقد قيل: إنه دعاء المسألة؛ والمعنى: أنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تَعَالَى بما سلف من إجابته له وإحسانه إليه، وهذا كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]». بدائع الفوائد (٣/ ٤).
[ ١ / ٥٣٥ ]
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فأجابه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤].
ودعت امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، فأجابها السميع بقوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
ويدفعه أيضًا: إلى الاستعاذة بالله السميع، والالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الجن والإنس، لا سيما وأن الله أمره بذلك، مذكرًا إياه بأنه السميع العليم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك وفقرك واضطرارك إلى عصمته وحمايته (^١).
فاللهم يا سميع يا عليم، نعوذ بك من شر شياطين الإنس والجن ووساوسهم، فاكفناهم بما شئت.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٥٠).
[ ١ / ٥٣٦ ]
الشَّكُور الشَّاكرُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من معروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، فالأول- وهو المراد-: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه » (^٢).
ورود اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) في القرآن الكريم:
ورد اسم (الشكور) في كتاب الله تَعَالَى في أربع آيات، ومن وروده مايلي:
قول الله -﷿-: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].
قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ … اللَّهَ … غَفُورٌ
شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
قوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٢٦٥).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ٢٠٧).
[ ١ / ٥٣٧ ]
وورد اسم (الشاكر) في آيتين، وهما:
قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
ورود اسمي الله (الشَّكُور- الشاكر) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله تَعَالَى (الشكور) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء (^١).
أما اسم الله (الشاكر) سُبْحَانَهُ فقد ورد في بعض الأحاديث، ومن وروده ما يلي:
قوله -ﷺ-: «مَنِ اصْطَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَجَازُوهُ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عنْ مُجَازَاتِهِ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّكُمْ قَدْ شَكَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ يُحِبُ الشَّاكِرِينَ» (^٢).
عن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: «لما أذن رسول الله -ﷺ- بالحج قال الأقرع ابن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ قال النبي -ﷺ-: لَا، بَلْ حَجَّةٌ، فَمَنْ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَسْمَعُوا وَلَمْ تُطِيعُوا» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٢٩)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي، رقم الحديث: (٥٠١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٥٣١٠).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٥٧٩) واللفظ له، والنسائي، رقم الحديث: (٢٦٢٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف النسائي، رقم الحديث: (٢٦٢٠).
[ ١ / ٥٣٨ ]
معنى اسمي الله (الشَّكُور والشاكر) في حقه تعالى:
قال قتادة -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]: «إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم»، وقال: «إن الله غفور للذنوب، شكور للحسنات يضاعفها» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]» (^٢).
قال ابن كثير -﵀-: «وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: يثيب على القليل بالكثير» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عد ولا حساب» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهْوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُمْ … لَكِنْ يُضَاعِفُهُ بِلَا حُسْبَانِ
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب … هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ
_________________
(١) النهج الأسمى (١/ ٢٩٢).
(٢) شأن الدعاء (ص ٦٥ - ٦٦).
(٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٧٢).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٢١٠).
[ ١ / ٥٣٩ ]
كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ … إِنْ كَانَ بِالإِخْلَاصِ والإِحْسَانِ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ للمَنَّانِ (^١)
اقتران اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الشَّكُور باسم الله الحليم:
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم) سُبْحَانَهُ.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الشكور) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):
ورد هذا الاقتران ثلاث مرات في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله -﷿-: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
وجه الاقتران:
«وجملة ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] تذييل وتعليل للزيادة؛ لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين إليه» (^٢).
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور (٢٥/ ٨٥).
[ ١ / ٥٤٠ ]
ثالثًا: اقتران اسم الله (الشاكر) باسم الله (العليم):
ورد هذا الاقتران مرتين في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور -﵀-: «وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ دليل الجواب؛ إذ التقدي: ر ومن تطوع خيرًا جوزي به؛ لأن الله شاكر، أي: لا يضيع أجر محسن، عليم لا يخفى عنه إحسانه، وذكر الوصفين؛ لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلا عن جحود للفضيلة أو جهل بها؛ فلذلك نفيا- بقوله: شاكر عليم» (^١).
«وأما عن المعنى الزائد في اجتماع هذين الاسمين الكريمين (الشاكر)، (والعليم) فهو- والله أعلم-: أن الله سُبْحَانَهُ عليم بمن يستحق الشكر على عمله وقبوله وإثابته عليه، فليس كل عامل ومتطوع بالخير يقبل الله سعيه ويشكره عليه، فهوسُبْحَانَهُ أعلم بالشاكرين حقيقة، وبالمتقربين المخلصين في تقربهم له- سُبْحَانَهُ، قال الله -﷿-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]» (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ٦٥).
(٢) ولله الأسماء الحسنى، لعبد العزيز الجليل (ص ٣٥١).
[ ١ / ٥٤١ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشكُور- الشاكر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشكور) من صفات الله تعالى:
إن شكر الله تَعَالَى لعباده في حقيقته امتنان منه سُبْحَانَهُ، وكمال إحسان وكرم وحلم وفضله منه، رغم أن ملكه سُبْحَانَهُ لا يزداد شيئًا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم؛ لأنه الغني الحميد، ولكنه -﵎- يحب أن يحمد ويشكر، ويرضى عن العبد بذلك، ويكره أن يكفر به وبنعمته، ويسخط على العبد بذلك.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وأما شكر الرب تَعَالَى فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة» (^١).
ثم ذكر ابن القيم بعض مظاهر شكر الله لعباده، ومنها:
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إذا ذكر ربه وأثنى عليه في ملأ أو مجلس ذكر؛ شكره الله وأثنى عليه وذكره في ملأ أعلى وأخير منه، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، …» (^٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه إذا أحب عبدًا ألقى محبته بين العباد، قال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ -﵎- إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ
_________________
(١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: ٢٨٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٥).
[ ١ / ٥٤٢ ]
فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (^١).
من شكره سُبْحَانَهُ: توفيقه لعباده إلى الخير، ثم إعطاؤهم وإثابتهم على العمل به، فالله -﷿- يشكر القليل من العمل، ويعطي عليه ثوابًا جزيلًا أكثر من العمل نفسه، فيضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، يقول -ﷺ- في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يجزي بالسيئة إلا سيئة واحدة مثلها؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
من شكره سُبْحَانَهُ: أن الهم بالحسنة يكتبها حسنة كاملة، والهم بالمعصية وتركها من أجل الله يكتب بها حسنة، قال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٨٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٣٧).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٥٤٣ ]
كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^١).
من شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يقتصر شكره لعباده المؤمنين، بل يجازي حتى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»، وفي رواية: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» (^٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: غفرانه للكثير من الزلل شكرًا للقليل من العمل، فيثيب الثواب الجزيل ولو كان العمل قليلًا، ومن ذلك ماثبت من غفرانه للمرأة البغى بسقيها كلبًا، يقول -ﷺ-: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (^٣)، وغفرانه لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين، قال -ﷺ-: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٨).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٦٧).
[ ١ / ٥٤٤ ]
فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (^١)، وفي الحديث الآخر يقول -ﷺ-: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (^٢).
من شكره سُبْحَانَهُ: إخراجه للعبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، وشكر هذا القدر له، ففي الحديث: «فَأَخْرج مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخرجهُ مِنْ النَّارِ» (^٣).
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكر له، وينوه بذكره، يخبر ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه.
من شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إن ترك شيئًا لله أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، ولكنه شكره على هذا وذاك (^٤)، ومن شواهد ذلك:
* «لما عقر نبيه سليمان الخيل غضبًا له؛ إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها بمتن الريح.
* ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن؛ شكر له ذلك بأن مكن له في
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠).
(٤) انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن القيم (ص: ٢٨٠).
[ ١ / ٥٤٥ ]
الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].
* ولما بذل الرسل كافة أعراضهم فيه لأعدائهم، فنالوا منهم وسبوهم؛ أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة؛ ذكرى الدار.
* ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته؛ أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا، وفتح لهم ملك فارس والروم، فمما روي عن أبي ذر أنه عندما فتح قبرص بكى بكاءً أبكى من حوله، قالوا: تبكي وهو يوم عظيم فتح الله بلاد الكفر لأهل الإيمان؟ قال: أبكي؛ لأنه لما غيروا نعمة الله عليهم غير الله ما بهم؛ فأورثنا أرضهم.
* ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه؛ شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه» (^١).
ولذلك كله: نُهينا أن نستصغر شيئًا من أعمال البر، ولو كان يسيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال -ﷺ- لأبي ذر: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (^٢).
_________________
(١) عدة الصابرين، لابن القيم (ص ٢٨١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٢٦).
[ ١ / ٥٤٦ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الشكور) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله (الشكور) وما فيه من جزيل العطايا والكرم والامتنان الإلهي، علم أن أعظم الشكر هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له؛ لأنه هو الذي خلق وأوجد من العدم، ورزق الإنسان الأرزاق الكثيرة، ولم يشاركه في ذلك أحد، فلا يستحق أحد العبادة معه، ولكن أكثر الناس أعرضوا عن هذه الحقيقة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] وجعلوا له أندادًا، ونسبوا لها الضر والنفع، والتصرف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتفريج الكبريات.
فمن الشرك الذي يقع من العباد: نسبتهم ما يحصل لهم من الأرزاق إلى المخلوقين، قال البخاري -﵀- في صحيحه: باب قول الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، قال ابن عباس -﵄-: «شُكرَكم» (^١).
وروى زيد بن خالد الجهني -﵁-، أنه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ-، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» (^٢)، وفي رواية: «ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٥٢٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧١).
[ ١ / ٥٤٧ ]
فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا» (^١).
وكما أن اسم الله (الشكور) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله المحسن، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الكريم، الحليم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: كل عمل صالح يشكره الله، وهناك أعمال مخصوصة ورد شكر الله عليها:
من فضل الشكور وعظيم شكره وامتنانه، أن كل عمل صالح يقبله الله ويشكره لعباده، إلا أن هناك أعمالًا جاء النص على شكر الله لها على سبيل التخصيص، ومنها:
- الإيمان الصادق والشكر لله تَعَالَى على إنعامه:
قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
- قراءة القرآن:
قال -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، فالذي يتلو كتاب الله له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢).
[ ١ / ٥٤٨ ]
- الحج والعمرة:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الصدقة:
قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وبالإجمال- فكما تقدم-: الله تَعَالَى يشكر لعبده كل حسنة يفعلها بمضاعفة أجرها، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].
ولذلك إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ تقالُّوا عملهم فيما يرون من الجنة، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٣، ٣٤]، فأهل الجنة يدركون تمامًا أن الله تَعَالَى غفر لهم السيئات، وضاعف لهم الحسنات، وبرحمته أدخلهم الجن؛ وذلك لأن عبادة ستين أو سبعين سنة، لا تعادل ماهم فيه من نعيم الجنة العظيم، وفي الحديث: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٩٢٤)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٠٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٤٤٦).
[ ١ / ٥٤٩ ]
وعليه فإن كل ما يتقرب به إلى الله سُبْحَانَهُ من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد، وغيرها من أعمال البر المحدودة بالأعمار القصيرة، والتي يتخللها التقصير والسهو والنسيان، لا يمكن بحال أن تكون ثمنًا لدخول الجنة السرمدية، فدخول العبد الجنة والفوز بها إنما هو بفضل الله تَعَالَى ورحمته (^١)، ولذا جاء في الحديث عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (^٢).
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] فالباء هنا ليست للعوض، فليست الجنة عوضًا للعمل، وإنما باء السببية، فمن أسباب دخول الجنة: العمل، وقيل: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعمال التي قبلها الله برحمته.
الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ يشكر أعمال عباده جملة وتفصيلًا:
فالله سُبْحَانَهُ يعطي المتاجرين معه أجرًا على العمل الصالح جملة مرة، وتفصيلًا مرة أخرى، وبيان ذلك ما يلي:
١) في عبادة الصلاة: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال -ﷺ-: «الصَّلاةُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، للنجدي (١/ ٢٩٦)، ومنهج الإمام ابن القيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى، لمشرف الغامدي (ص ٣٣٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٧).
[ ١ / ٥٥٠ ]
الكَبَائِرُ» (^١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصلاة أو تابع لها، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال -ﷺ- في أجر الوضوء والذكر بعده: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٢).
- قال -ﷺ- في أجر الخطوات نحو الصلاة: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ الله لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (^٣).
- قال -ﷺ- في أجر من مشى إلى الصلاة في الظلمات: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤).
- قال -ﷺ- في أجر السجود: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» (^٥).
- قال -ﷺ- في أجر الأذكار بعد الصلاة: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٦٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٧٨١) حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٦١).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٨).
(٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).
[ ١ / ٥٥١ ]
٢) في عبادة الصيام: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال -ﷺ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصيام أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال -ﷺ- في أجر صوم اليوم الواحد في سبيل الله: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (^٢).
- قال -ﷺ- عن أجر رائحة فم الصائم: «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^٣).
٣) في عبادة الحج: يعطي عباده الأجر عليه جملة، كما قال -ﷺ-: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٤)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الحج أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:
- قال -ﷺ- في أجر التلبية: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى، مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ، مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» (^٥).
- قال -ﷺ- في أجر يوم عرفة: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٤٠) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١١٥٣).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٢٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١١٥١).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٥٢١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٥٠).
(٥) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٨٢٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٩٢١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٨٢٨).
[ ١ / ٥٥٢ ]
فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^١).
- قال -ﷺ- في أجر الصلاة في المسجد الحرام: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (^٢).
وهكذا في كل الأعمال الصالحة، فالله يشكرها جملة وتفصيلًا، منة منه وفضلًا وكرمًا وإحسانًا.
الأثر الخامس: محبة الله الشكور سُبْحَانَهُ:
إن التأمل في اسم الله الشكور وما يتصف به سُبْحَانَهُ من إثابة العمل القليل قبل الكثير، وشكر المذنب العاصي والمؤمن الصالح جميعًا، وعظم هذا الشكر والجزاء في الدنيا والآخرة مقابل يسر العمل وقلته؛ لا شك أن ذلك يورث العبد حياء من ربه ويملأ قلبه حبًّا له وعرفانًا تجاه إنعامه ومننه، فَسُبْحَانَهُ قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فهو يجازيهم على العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله؛ يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب، فَسُبْحَانَهُ من إله شكور بر رحيم جواد كريم يستحق الحمد كله والحب كله، وإفراده وحده بالعبادة لا شريك له.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٤٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٥٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠٦).
[ ١ / ٥٥٣ ]
الأثر السادس: الكفر بنعم الله مؤذن بزوالها عمن كفر بها:
على المؤمن أن يدرك أن النعم التي يتفضل الله بها على عباده المؤمنين؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة ليست جزاء توفية، بل إنها بعض نعمته العاجلة لهم، وأنهم إذا أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تامة غير منقوصة ويزيدهم من فضله، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]، والعبد الشاكر لربه الشكور يعلم علمًا يقينيًّا أن لشكره عاقبة ومنزلة عظمى، فبالشكر تقيد للنعم الحاضرة، وجلب للنعم المفقودة، فضلًا على أن الشكر سبب لزيادة النعم وبقائها، يقول سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وبالمقابل: كفران النعم وجحودها مؤذن بزوالها، يقول تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢، ١١٣].
يقول السعدي -﵀- في تفسير الآية: وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها وكذلك الرزق الواسع، كانت
[ ١ / ٥٥٤ ]
بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسَّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن؛ وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم قال تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] (^١).
ولذا كان النبي -ﷺ- يستعيذ من زوال النعمة في دعائه، كما جاء في حديث ابن عمر -﵄-، قال: كان من دعاء النبي -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^٢).
الأثر السابع: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»:
قال ابن الأثير -﵀- في شرح حديث: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (^٣): «معناه أن اللهتَعَالَى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر أمرهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل معناه: أن من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم؛ كان من عادته كفر نعمة الله -﷿- وترك الشكر له، وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله -﷿-، وأن شكره كما تقول: لا يحبني من لا
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٥١).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٩).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩١٥٦)، وأبو داود (٤٨١١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٥٤).
[ ١ / ٥٥٥ ]
يحبك، أي: أن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لا يحبك فكأنه لم يحبني» (^١).
وفي الحديث الآخر: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (^٢)، وعن عائشة -﵂- مرفوعًا «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ» (^٣).
وعن النعمان -﵁- مرفوعًا «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللهَ، التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (^٤)، وعن أنس -﵁-، قال: «إن المهاجرين قالوا يا رسول الله: ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» (^٥).
وأولى الناس بالشكر هما: الوالدان، فقد قرن الله شكرهما بشكره، قال تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره ثم بشكر الوالدين؛ إذ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسهرًا وتعبًا في تربيته وتغذيته، فمن عقهما أو
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٢٠٠).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٣٢)، حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٩٧٢).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٨٧٤٠)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٦٧).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٨١٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨١٢).
[ ١ / ٥٥٦ ]
أساء إليهما فما شكرهما على صنيعهما؛ بل جحد أفضالهما عليه، ومن لم يشكرهما فإنه لم يشكر الله الذي أجرى تلك النعم على أيديهما، وقال الرسول -ﷺ-: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قيل: من يا رسول الله؟ قال: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (^١).
من أذم الخصال: أن لا تشكر المرأة زوجها مع إحسانه، فأكبر إحسان أنه اختار المرأة من نساء العالمين، وربط اسمه باسمها، وجعلها موطن الولد له، وأسكنها بيته، وإبراهيم -﵇- لما زار بيت ابنه إسماعيل -﵇- وسأل كيف رزقكم؟ فذمت، فقال: قولي لزوجك إذا أتى يغير عتبة داره، ولما أتى أسماعيل قال: ذاك أبي أبراهيم وأمرني أن أطلقك (^٢)؛ لأنها امرأة لا تشكر، وفي الصحيحين أنه -ﷺ- قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (^٣) «جزلة» بفتح الجيم وسكون الزاي أي: ذات عقل ورأي، والجزالة: العقل والوقار، فقد توعد على كفران العشير، وهو في الأصل: المعاشر، والمراد هنا: الزوج، توعد على كفران العشير والإحسان بالنار؛ فدل على أنه كبيرة على نص أحمد -﵀- بخلاف اللعن، فإنه قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ» والصغيرة تصير كبيرة بالكثرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٦٤).
(٣) أخرجه مسلم (٨٠).
[ ١ / ٥٥٧ ]
الأثر الرابع: وجوب شكر الله تَعَالَى على نعمائه:
على العبد أن يستشعر وجوب الشكر على كل مكلف بالاتفاق، فهو أساس الإيمان، يقول ابن القيم -﵀-: «ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان؛ ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرضا، وهو يتضمن الصبر من غير عكس، ويتضمن التوكل والإنابة، والحب والإخبات، والخشوع والرجاء، فجميع المقامات مندرجة فيه، لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له، ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر، ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كله شكرًا، والشاكرون هم أقل العباد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]» (^١).
وفي الملحق ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه العبادة العظيمة والمنزلة الكريمة.
الأثر الخامس: دعاء الله باسمه الشكور:
لم يرد الدعاء بالاسم، ولكن ورد الدعاء بمقتضى الاسم، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وثبت في السنة والسيرة النبوية أن النبي -ﷺ- كان كثير الشكر
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٥٥٨ ]
لربه، ومن دعائه: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (^١)، ومما روت عائشة -﵂-، عن النبي -ﷺ- قولها: «كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، فتقول: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يَا عَائِشَةُ أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (^٢)، وهي وصيته لمعاذ بن جبل -﵁-، ففي الحديث قال -ﷺ-: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فقال -ﷺ-: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١) وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٢٢).
[ ١ / ٥٥٩ ]
«الشكور يحب الشاكرين»
في موضوع الشكر لله سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الشكر:
يقول ابن القيم -﵀-: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة» (^١).
ويقول أيضًا: «الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعمله فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع، وعليها يدور» (^٢).
ثانيًا: فضائل الشكر:
لشكر الله فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:
الشاكرون هم من أكثر المنتفعين بآيات الله تَعَالَى، فهم ينظرون بعين البصيرة إلى من قص الله أخبارهم في القرآن، كقصة سبأ في سورة سبأ، وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم، فيعرفون أن تلك العقوبة جزاء كفرهم
_________________
(١) مفهوم الشكر عند ابن تيمية (ص: ٢٥).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٤).
[ ١ / ٥٦٠ ]
نعمة الله تَعَالَى، وأن من فعل مثل فعلهم فعل به مثلهم، هي سنة الله، ولهذا قال -﷾- عند ذكره لقصة سبأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩].
الشكر من مقامات الإيمان؛ ولذلك عمل الشيطان جاهدًا على صد العباد عنه، قال تَعَالَى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].
تحقيق الشكر لله تَعَالَى دليل العبودية الحقة، قال تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤].
الشكر وسيلة لنيل رضى الرب، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
الشكر إن قُرن بالإيمان مَنَع من العذاب، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
ثناء الله تَعَالَى في كتابه على أهل الشكر، ووصفه بعض خواص خلقه بهذه الخصلة، قال تَعَالَى عن نوح -﵇-: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].
الشكر مطلب عباد الله الصالحين، فجاء في القرآن على لسان سليمان -﵇- قوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩]،
[ ١ / ٥٦١ ]
وورد أن النبي -ﷺ- قال: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (^١) وأوصى -﵇- معاذًا -﵁- لحبه له أن يستعين بالله على شكره فقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إني لَأُحِبُّكَ، فقال: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٢).
جعل الله الشكر سببًا للمزيد من النعم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
جعل الله تَعَالَى شكره هدفًا من أهداف تفضله بالنعم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال في شأن تسخيره الأنعام: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
جعل اللهُ شكرَه هدفًا من أهداف العفو والنصر، يقول تَعَالَى في العفو: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، ويقول في النصر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وعد الله تَعَالَى الشاكرين بأحسن الجزاء فقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وبين أنه تَعَالَى وإن كان يحب الشاكرين إلا أنه لا يعود عليه شيء من النفع بشكرهم، بل النفع لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٥٦٢ ]
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].
الشكر يرفع منزلة المفطر إلى منزلة الصائم، فقد روى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» (^١).
ثالثا: مسألة: أيهما أفضل الشكر أم الصبر؟
يقول ابن القيم -﵀-: «حكى ابن الجوزي في ذلك ثلاث أقوال:
القول الأول: أن الصبر أفضل.
القول الثاني: أن الشكر أفضل.
القول الثالث: أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب -﵁-: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت) (^٢).
ثم قال: «وانبنى على هذه المسألة مسألة: الغني الشاكر، والفقير الصابر، أيهما أفضل؟
والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تَعَالَى، فإن فرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سُبْحَانَهُ لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٩٢١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث (٢٤٨٦).
(٢) الرسالة القشيرية (١/ ٣٢٧).
[ ١ / ٥٦٣ ]
والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل، فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البته، فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل، ولا هذا بفقره أفضل، ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما» (^١).
رابعًا: أركان شكر الله تعالى:
الشكر في حقيقته هو القيام بثلاثة أركان، وهي: (شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح)، مع ما يكمل ذلك من محبة المشكور والخضوع له، واستعمال نعمه في مرضاته، على أن الإنسان لا يمكن أن يكافئ نعم الله عليه، ولا أن يقوم بوظيفة الشكر لله تَعَالَى، كما دل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وقد دل آخر الآية على تقصير بني آدم في شكر النعم؛ لأن من لا يستطيع إحصاء النعم كيف يقوم بشكرها؟ بل وأي نعمة يعرفها قد لا يدرك حقيقتها، فكيف يقوم باتمام شكرها؟ ولكن حسب الإنسان أن يسدد ويقارب.
_________________
(١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم الجوزية (ص: ٧٦).
[ ١ / ٥٦٤ ]
وفيما يلي بيان موجز لهذه الأركان:
١ - شكر القلب:
وهو معرفة القلب وإقراره بأن ما بالعبد من نعمة فهي فضل من الله تَعَالَى وحده، وأن ذلك إحسان منه -﵀-، حتى لو وصلت بعض هذه النعم على يد عبد من عباد الله، إلا أن الشكر أولًا وأخيرًا لله الذي سخر ذلك العبد ليوصلها إليك، فالله تَعَالَى هو الذي أجراها على يديه، وإلا فهو لا يد له فيه ولا صنع، يقول -﷾-: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وهذا ما أرشد إليه النبي -ﷺ-، حين أمر المسلم أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ» (^١).
ومن هنا ندرك أن العبد لا خروج له عن نعمة ربه وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالله تَعَالَى هو الذي يمنح النعم لا أحد سواه يشاركه، فلا يقول الإنسان كما قال قارون في قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
ويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «الشكر: اسم لمعرفة النعمة؛ لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ولهذا سمى الله تَعَالَى الإسلام والإيمان في القرآن: شكرًا، فمعرفة النعمة: ركن من أركان الشكر، لا أنها جملة الشكر …، فالشكر
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٨٦١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٧٣٠).
[ ١ / ٥٦٥ ]
اسم لمعرفة النعمة، مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبته، ومحبته تستلزم شكره» (^١).
٢ - شكر اللسان:
وهو الثناء على الله تَعَالَى بنعمه، وحمده عليها مع محبته والتحدث بها على سبيل الاعتراف بفضله وإظهار الفاقة، لا لرياء وسمعة وخيلاء؛ ليكون الذكر داعيًا إلى شكر القلب والجوارح.
«وشكر اللسان المتعلق بالنعمة نوعان:
عام: وهو وصفه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك.
خاص: وهو التحدث بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وفي هذا التحديث المأمور به قولان:
- أحدهما: أنه ذكر النعمة، والإخبار بها، وقوله: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا، قال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة: من جبر اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكر، كما في حديث جابر مرفوعًا: «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يَنَلْ، فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٢٣٨).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٥٦٦ ]
فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها، وليس من أهلها، فهو متحل بما لم يعطه.
- والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة، قال مجاهد: هي النبوة، قال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله. وقال الكلبي: هو القرآن، أمره أن يقرأه.
- والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها، وإظهارها من شكرها» (^١).
٣ - شكر الجوارح:
يقول ابن القيم -﵀-: «وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرًا وباطنًا» (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر -﵀-: «الشكر هو الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة» (^٣).
فشكر الجوارح معناه: قيام الجوارح بالعبودية لله رب العالمين؛ لأن كل جارحة لها حظها من العبودية، ولا يتم ذلك إلا بالعمل بطاعة الله تَعَالَى وطاعة رسوله -ﷺ-، وذلك بفعل المأمور واجتناب المحذور، ويدخل في ذلك صرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، والاستعانة بها على طاعته، والحذر من صرفها في معصيته، أو الاستعانة بها على ذلك، ومن لوازم ذلك معرفة ما يحبه
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٢/ ٢٣٩).
(٢) الفوائد (ص: ٢٣٤).
(٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (٣/ ١٥).
[ ١ / ٥٦٧ ]
الله تَعَالَى لأجل أن تستعمل نعمه في محابه، قال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، فجعل -﷾- العمل شكرًا، ذلك أن الشكر سلوك عملي، وليس كلمة تقال باللسان، كما أن الإيمان سلوك عملي وليست كلمة تقال باللسان، يقول -ﷺ-: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^١)، وهذا الحديث دليل بين على أن الشكر يكون بالعمل والطاعة.
«ومما روي أن رجلًا سأل أبا حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا دفعته، قال: شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا، قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله، وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢٠).
(٢) عدة الصابرين، لابن القيم (ص ١٣٤).
[ ١ / ٥٦٨ ]
ومن هذا الباب: شُرع سجود الشكر عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، سواء كانت عامة أو خاصة، وذلك بأن يخر المسلم لله ساجدًا، فيضع أشرف عضو من أعضائه- وهو الوجه - على الأرض، ويذكر الله ربه في هذا السجود، وهو على هذه الحال بأنواع الذكر من الشكر والتسبيح والدعاء والاستغفار وغيرها، فيكون قد شكر المنعم -﵀- بهذا السجود بقلبه ولسانه وجوارحه، وقد ثبت في قصة كعب بن مالك -﵁- أنه لما جاءه البشير بتوبة الله عليه خر ساجدًا لله تَعَالَى (^١).
خامسًا: تحقيق مرتبة الشكر لله تعالى:
لا بد للعبد- ليكون من الشاكرين- أن يستحضر عدة أمور ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:
التفكر في نعم الله تَعَالَى واستحضارها وتذكرها؛ فالإنسان في كل حالة من أحواله في نعمة، بل لا يمر عليه لحظة في حياته إلا وهو يتقلب في نعم الله تَعَالَى، واستحضار هذه النعم والوقوف عليها يوجه انتباهه لنعم كثيرة كان غافلًا عنها فيزداد شكرًا لله تَعَالَى، وفي هذا استجابة لأمر الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].
النظر إلى من هو أقل في أمور الدنيا؛ إن نظر الإنسان إلى من هو دونه في الدنيا يجعله يعلم ويستعظم ما أعطاه الله تَعَالَى وفضله به من نعم على غيره، فمن كان دخله مئتين فلينظر إلى من دخله مئة، ومن كان بعين واحدة فلينظر إلى من فقد كلتا عينيه، ومن كان مريضًا بمرض واحد فلينظر إلى من مرض
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤١٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٩).
[ ١ / ٥٦٩ ]
بعدة أمراض، وهذا أجدر لمعرفة النعم واستشعارها، قال -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (^١)، وفي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَيكَ، وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ تَفْضِيلًا؛ كَانَ شَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ» (^٢).
أن يفكر الإنسان في حاله، ويتأمل حياته لو أنه خسر هذه النعمة؛ فينظر كيف حاله، فإن كان غنيًّا فإلى حاله لو كان فقيرًا، وإن كان صحيحًا فإلى حاله لو كان في عداد المرضى، وهكذا كل نعمة لديه ينظر إلى حاله لو خسرها؛ ليعرف بذلك قدرها فيشكرها.
دعاء العبد ربه وسؤاله إياه أن يجعله من الشاكرين؛ فالعبد لا يستطيع أن يصل إلى مقام من مقامات الإيمان إلا بتوفيق الله -﵎-؛ ولذلك لم يقل النبي -ﷺ- لمعاذ بن جبل: كن ذاكرًا شاكرًا وأحسن العبادة، وإنما أمره أن يدعو الله أن يعينه على ذلك؛ فقال -ﷺ- له: «لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٣).
قراءة أخبار الشاكرين؛ فمن وقف على تراجم الشاكرين من العلماء والعباد والزهاد؛ اقتدى بهم؛ فازداد شكرًا لله تَعَالَى.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤١٢٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٥٥).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ٥٧٠ ]
استشعار سؤال الله عباده يوم القيامة عن شكر النعمة؛ فالعاقل يسأل نفسه الآن، فالوقت بين يديه، يستطيع إن لم يجد جوابًا أن يعمل ويحسن ويستعد بالجواب والصواب؛ لأن الله تَعَالَى سيسأله في يوم لايستطيع فيه العمل، يقول الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ماذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة؟» (^١).
٧ - أن يعلم الإنسان يقينًا أن النعم إذا شُكرت استقرت وزادت، وإذا كُفرت فرَّت وزالت؛ يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
٨ - عدم نسبة النعمة لغير الرب -﵀-؛ فنسبة النعمة لغير الله من كفر النعمة، فمن كان مريضًا فشفي، فشفاؤه بفضل الله أولًا، ثم بالأسباب الأخرى التي من فضل الله سُبْحَانَهُ أن سخرها له، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] يقول ابن كثير -﵀- في تفسيره لهذه الآية: «أي: يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (^٢).
اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك طائعين، إليك مخبتين، لك أواهين منيبين، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسننا، واسلل سخيمة قلوبنا.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٤٩٤).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٩٢).
[ ١ / ٥٧١ ]
الشَّهيدُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الشهادة: خبر قاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل، بسكون الهاء للتخفيف» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(شهد) الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام … والشاهد: الملك» (^٢).
ورود اسم الله (الشهيد) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الشهيد) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
٣ - قوله -﷿-: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٥٦).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ٢٢١).
[ ١ / ٥٧٢ ]
ورود اسم الله (الشهيد) في السنة النبوية:
ورد اسم (الشهيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَال: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قال: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قال: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قال: صَدَقْتَ» (^١)، وسيأتي-بإذن الله- تتمة الحديث في الأثر الثالث من الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد).
معنى اسم الله (الشهيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قولهتَعَالَى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]: «وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء» (^٢).
قال الخطابي -﵀-، قال: «هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩١).
(٢) تفسير الطبري (٩/ ١٣٧).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٧٥).
[ ١ / ٥٧٣ ]
قال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء اللهتَعَالَى «الشهيد» هو الذي لا يغيب عنه شيء، والشاهد: الحاضر وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد» (^١).
قال ابن الأثير -﵀- في تفسير اسم الله الشهيد: «أنه يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «من أسمائه: (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ بل هو مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله» (^٣).
قال ابن كثير -﵀-: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] «عليم بسرائرهم وما تُكِنُّ ضمائرهم» (^٤).
قال عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]: «أي: شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم» (^٥).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٥١٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٥١٣).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٣).
(٤) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٢).
(٥) المرجع السابق (٥/ ٤٠٢).
[ ١ / ٥٧٤ ]
قال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]: «مطلعًا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم» (^١).
وقال أيضًا -﵀- موضحًا العلاقة بين اسم الله الرقيب واسمه الشهيد: «(الرقيب) و(الشهيد) مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]» (^٢).
اقتران اسم الله (الشهيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الشهيد بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشهيد) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
الله سُبْحَانَهُ الشهيد الذي شهد بعلمه وسمعه وبصره، فعلمه أحاط بالمعلومات، وسمعه أحاط بالمسموعات، وبصره أحاط بالمبصرات، فلا يخفى عليه شيء من مخلوقاته ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، يرى
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ١٧٦).
(٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٨ - ٥٩).
[ ١ / ٥٧٥ ]
مكانها، ويسمع أصواتها، ويعلم أحوالها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
- ومن مظاهر شهوده سُبْحَانَهُ:
- هو الشهيد الذي يرى الكون كله وهو مستو على عرشه، يرى الهباءة الطائرة والجبال الشاهقة، ويرى الحيوانات والنباتات والذرات في قعر البحر الأسود، ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء فسبحان ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩].
- هو الشهيد القريب من خلقه، الذي يراهم جميعًا في آن واحد، ويسمع ما يتناجون به ويرى ما يخوضون فيه، ويعلم ما يجول في خواطرهم، وما تهجس به ضمائرهم، ولا يغيب عنه من أمرهم شيء يقولونه أو يفعلونه أو يكتمونه قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ (^١) وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
- هو الشهيد الذي يشهد أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، خيرها وشرها، ويحصيها عليهم قبل فعلها وبعد فعلها؛ لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] (^٢).
_________________
(١) تخصيص القرآن بالذكر مع أنه داخل فيما قبله ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ وما بعده ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ تعظيمًا لشأنه ودعوة للعناية به.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩١٨).
[ ١ / ٥٧٦ ]
- هو الشهيد على ما يكون بين العباد من حقوق ومظالم وخصومات، فيشهد ويفصل بينهم يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
- هو الشهيد الذي شهد بالحق، فشهد لنفسه بالتوحيد، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] «فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها، وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد بأجل مشهود» (^١).
شهد لكتابه بأنه منزل من عنده، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
وشهد لرسوله بالرسالة والصدق، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
- وشهادته سُبْحَانَهُ أعظم وأعلى وأرفع شهادة، شهادة حضور ومعاينة، فلا يخفى عليه شيء من جوانب الحقيقة كما يحدث للبشر، لا غلط فيها ولا ظلم تَعَالَى عن ذلك، فمن شهد الله له فهو حسبه، ولا يحتاج إلى شهادة غيره، ولذلك أمر الله رسوله -ﷺ- أن يقول للمشركين الذين ينازعونه في التوحيد وفي صدق ما جاء قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ
_________________
(١) مدراج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤١٨).
[ ١ / ٥٧٧ ]
لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] (^١)، وفي حجة الوداع أشهد النبي -ﷺ- ربه على إبلاغه الرسالة، وأداءه الأمانة، فقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ» (^٢).
ومن رضي بشهادة «الشهيد» -﵀- لم يخيبه أبدًا، بل إنه سُبْحَانَهُ يملأ قلبه طمأنينة ورضا بأنه شهيد له وعليه، وكفى به شهيدًا، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ (^٣) مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق (٦٣٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٠٧٨)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٧٩).
(٣) أي: سوى موضع النقر وأصلحه، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج، وهو النصل، كأن يكون النقر في طرف الخشبة، فشد عليه زجًّا ليمسكه ويحفظ ما فيه، وقيل: معناه: سمرها بمسامير كالزج أو حشى شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج. ينظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٢/ ٢٩٦)، وفتح الباري، ابن حجر (٤/ ٤٧١).
[ ١ / ٥٧٨ ]
ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» (^١).
فإذا تيقن العبد عِظم شهادة الشهيد، وأنه لا أكبر منها ولا أعظم، وأيقن إقامته للشهود، ثم علم أنه شهد لنفسه بالتوحيد وأشهد خواص خلقه من الملائكة وأهل العلم عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[آل عمران: ١٨]؛ أقام نفسه على توحيده سُبْحَانَهُ وإفراده بالعبادة، فلم يتوجه ولم يقصد غيره سُبْحَانَهُ (^٢).
الأثر الثاني: الشهيد سُبْحَانَهُ يقيم شهودًا من خلقه يوم القيامة؛ لكمال عدله:
ومع أن شهادته سُبْحَانَهُ تعتبر أكبر شهادة وكفى بها، إلا أن الله من تمام عدله لا يكتفي بشهادة نفسه سُبْحَانَهُ بل يقيم الشهود يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩١).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤ - ١٢٥).
[ ١ / ٥٧٩ ]
قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ من الملائكة، والأعضاء والأرض ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: العدل التام والقسط العظيم؛ لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم» (^١).
فيشهد الأنبياء على أممهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال أيضًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
وتشهد أمة محمد -ﷺ- على الأمم بتبليغ الأنبياء رسالات الله إليهم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وجاء تفسير هذه الآية عن رسول الله -ﷺ-، فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ،
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٧٣٠).
[ ١ / ٥٨٠ ]
فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» والوسط: العدل. (^١)
وأيضًا هذه الأمة يشهد بعضها على بعض، فتقبل شهادتها: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «مَرُّوا بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: مَا وَجَبَتْ؟ قال: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ» (^٢).
وتشهد الملائكة الكرام الكاتبون الذين يرقبون أعمال العبد وأقواله، ويتلقيان أعماله كلها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ويشهدان عليه بما عمل، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، قال ابن كثير -﵀-: «ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله» (^٣).
وتشهد الجوارح والأعضاء على أصحابها، فإن الكافر يوم القيامة يحاول الفرار من عذاب الله بكتمان ما عمل كما قالسُبْحَانَهُ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]، وقال حكاية
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٨٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٦٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٩٤٩).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٠١).
[ ١ / ٥٨١ ]
عن قولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإذا أنكرت ألسنتهم ما عملوه، أقام الشهيد عليهم شهادة الجوارح والأعضاء فيشهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا (^١) كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠، ٢١].
وروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- قال: «كنا عند رسول الله -ﷺ- فضحك فقال: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (^٢).
وكما أن هذه الأعضاء تشهد على أصحابها بكل سوء عملوه، كذلك تشهد لهم بكل خير عملوه، يقول النبي -ﷺ- في الأصابع حين يسبح بها الله: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ
_________________
(١) تفسير السعدي (٧٤٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٩).
[ ١ / ٥٨٢ ]
مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» (^١).
بل لو قدر الله بعدله دخول أحد من عباده النار لذنوبه، فإن من كرمه تَعَالَى أن النار لا تمس مواضع الوضوء والسجود، جاء في حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ» (^٢).
وتشهد الأرض بما عمل عليها من خير أو شر، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال ابن كثير -﵀-: «تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، فعن أبي هريرة -﵁- قال: «قرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال: أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلْتَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، قال: فَهُوَ أَخْبَارُهَا» (^٣)» (^٤).
فإذا علم العبد هذا حرص أن يطيع الله بهذه الجوارح والجلود، وحرص على أن لا يعصي الله على أرضه، وإذا حصلت منه معصية حاول محيها بفعل طاعة في نفس الموطن، مستشعرًا قول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٧٣١)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٣). حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٥٨٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٠٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩٨٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢٩).
(٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٤٦١).
[ ١ / ٥٨٣ ]
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، ولذلك قال -ﷺ-: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (^١) قالوا: الحسنة قول العبد: أستغفر الله، وقيل: فعل الطاعة.
الأثر الثالث: مراقبة الله الشهيد:
إذا أيقن المؤمن بشهادة الشهيد -ﷻ-، وعلم أن ربه شهيد عليم خبير يراه، ويسمع كلامه ويعلم سره وعلانيته، أورثه ذلك مراقبة الله التي توجب له حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه (^٢).
كما يورث العبد تحري الإخلاص في أقواله وأعماله؛ لأن الله -﷿- شاهد على ما في القلوب من النوايا والمقاصد، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولا يقبل إلا ما كان خالصًا صوابًا.
ويقين العبد باسم الله الشهيد يورثه- أيضًا- الحذر من ظلم العباد والتعدي على حقوقهم؛ لأن الله شاهد على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
الأثر الثالث: الحياء من الله الشهيد -ﷻ-:
إذا علم العبد أن الله شهيد مطلع عليه، عالم بسره ونجواه، وغيبه وشهادته؛ أورثه ذلك الحياء منه، فاستحيا أن يراه حيث نهاه، وألا يكون حيث أمر الله.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٥٠)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧).
(٢) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٨ - ٥٩).
[ ١ / ٥٨٤ ]
والحياء من الله أعظم الحياء شأنًا وأعلاه مكانة، وينشأ عن أمور ثلاثة:
الأول: رؤية نعمة الله ومنته وفضله على العبد.
الثاني: رؤية تقصير العبد في حق الله، وقيامه بما يجب عليه من امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
الثالث: رؤية اطلاع الله على العبد في كل أحواله وشؤونه.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة في القلب، تحرك فيه الحياء من الله، الذي ينشأ عنه كل خير وفضيلة كما قال -ﷺ-: «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (^١)، فإذا وجد انكفت النفس عن الأخلاق الرذيلة، والمعاملات السيئة والأفعال المحرمة، وأقبلت النفس على فعل الواجبات، والعناية بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب وجميلها.
الأثر الرابع: محبة الله الشهيد:
إذا علم العبد أن الله شهيد، وأنه يراه ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته، وهو أقرب إليه من نفسه وشهد ذلك كله، أورثه هذا حبه والسعي إلى مرضاته.
الأثر الخامس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]:
على العبد إذا علم أن الله شاهد على جميع شئونه أن يؤدي حق الشهادة، ومن ذلك:
١ - الإشهاد فيما أمر الله أن يشهد فيه، كالإشهاد في أداء مال اليتيم، قال تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٧).
[ ١ / ٥٨٥ ]
وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
٢ - أداءها وعدم كتمانها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا دعي الشاهد لأدائها فعليه الإجابة (^١).
وقد حرم الله تَعَالَى كتمانها، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق (^٢).
٣ - إقامتها من غير خيانة ولا تزوير، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣].
قال السعدي -﵀-: «لا يشهدون إلا بما يعلمونه، من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان، ولا يحابي فيها قريبًا ولا صديقًا ونحوه، ويكون القصد بها وجه الله» (^٣).
ووردت نصوص تحذر من شهادة الزور، فقال -ﷺ-: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ، ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٧٢٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١٢٠).
(٣) المصدر السابق (ص: ٨٨٧).
[ ١ / ٥٨٦ ]
الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» (^١)؛ لأن مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف مفسدة الشرك؛ إذ إنها قاصرة عليه.
٤ - عدم شهادة مجالس الزور، قال تَعَالَى في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور من القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالشهادة بالباطل، والخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة والنميمة، والسب والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش الحرير، والصور، ونحو ذلك (^٢).
الأثر السادس: الحرص على شهود الأوقات الفاضلة:
معرفة العبد بأن ربه شهيد؛ يجعله حريصًا كل الحرص على شهود الأوقات التي تتنزل فيها الرحمات، ويتقرب فيها من الحق -﷿-، ومن تلك الأوقات:
صلاة الفجر: قال تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
يقول ابن القيم -﵀-: «قيل: يشهده الله -﷿-، وملائكته، وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء وصعود أولئك، فيجتمعون في صلاة الفجر؛ وذلك لأنها أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل، فيشهدها
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨٧).
[ ١ / ٥٨٧ ]
ملائكة الليل والنهار، واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ». يقول أبو هريرة: واقرأوا إذا شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]) (^١)، وهذه الشهادة شهادة خاصة، وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب، ونزوله إلى سماء الدنيا في الشطر الأخير من الليل، كما جاء في الأحاديث الصحاح التي أثبتت نزول الرب -﵀-، وهو نزول يليق بجلاله وعظمته وندائه لأهل الأرض: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ -﵎- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» (^٢).
ففي هذه الأحاديث: أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا يكون شهود الله لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له هذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلاة، (حَتَّى يَسْطَعَ الفَجْرُ) (^٣)، وذلك هو وقت صلاة الفجر …» (^٤).
فإذا علم العبد ذلك الفضل العظيم حرص على هذا الوقت الشريف وشهوده، كما جاء في الحديث: «مَنْ صَلَّى صلاة الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» (^٥) أي:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧١٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث (٧٥٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٨٩٨)، وابن خزيمة في التوحيد، رقم الحديث: (١/ ١٣٧).
(٤) طريق الهجرتين، ابن القيم (ص: ٢١٢ - ٢١٣).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٥٧).
[ ١ / ٥٨٨ ]
حفظه، وفي رواية: «وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (^١).
٢ - يوم الجمعة: لأن هذا اليوم يشهد عليك أو يشهد لك أمام الله، وقد فسر بعض العلماء الشاهد في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بالجمعة، قال ابن جرير -﵀-: «وأقسم بشاهد، قالوا: وهو يوم الجمعة، ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (^٢).
٣ - يوم عرفة: الذي يدنو فيه الرب -﷿-، ويباهي بأهل الموقف أهل سمواته، ثم يقول -﷾-: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^٣)، وقد فسر بعض العلماء المشهود في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بعرفة، قال ابن جرير -﵀-: «ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (^٤).
٤ - مجالس الذكر: التي تحفُّها الملائكة وتغشاها الرحمة، كما قال رسول الله -ﷺ-: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (^٥).
فاللهم يا شهيد يا مجيد، اجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، واجعلنا ممن يشهد كل خير.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٥٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٦٣).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٦٣).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).
[ ١ / ٥٨٩ ]
الصَّمدُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «… والمصمد: لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له … وصمده يصمده صمدًا، أي: قصده. والصمد: السيد؛ لأنه يُصمد إليه في الحوائج» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(صمد) الصاد والميم والدال أصلان: أحدهما القصد، …
فالأول: الصمد: القصد. يقال: صمدته صمدًا، وفلان مصمد؛ إذا كان سيدًا يقصد إليه في الأمور، وصمد أيضًا، والله جل ثناؤه الصمد؛ لأنه يصمد إليه عباده بالدعاء والطلب …» (^٢).
ورود اسم الله (الصمد) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الصمد) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].
_________________
(١) الصحاح، للجوهري (٢/ ٤٩٩).
(٢) مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ٣٠٩).
[ ١ / ٥٩٠ ]
ورود اسم الله (الصمد) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الصمد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «سَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ،، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١).
عن محجن بن الأدرع، حدثه «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^٢).
معنى اسم الله (الصمد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال ابن عباس -﵄-: «(الصمد): الذي ليس بأجوف» (^٣)
قال ابن عباس أيضًا: «هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٩٦٥)، وأبو داود (١٤٩٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٣).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣١).
[ ١ / ٥٩١ ]
جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (^١).
قال الشعبي -﵀-: «(الصمد) الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب» (^٢).
قال عكرمة -﵀-: «الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد، ولم يولد» (^٣).
قال الطبري: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يصمد إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمى أشرافها» (^٤).
قال الزجاجي -﵀-: «الصمد: السيد الذي قد انتهى سودده، فالناس يصمدونه في حوائجهم، أي: يقصدونه ويعتمدونه» (^٥).
قال الخطابي -﵀-: «(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج والنوازل» (^٦).
قال الحليمي -﵀-: «ومنها الصمد: ومعناه المصمود بالحوائج، أي المقصود» (^٧).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٢).
(٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٦).
(٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٦٩١ - ٦٩٣).
(٥) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٥٢).
(٦) شأن الدعاء، للخطابي (ص ٥٨).
(٧) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٥٩٢ ]
قال ابن القيم -﵀-: «فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة؛ وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له» (^١).
قال السعدي -﵀-: «الصمد: هو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها وأحوالها وضروراتها؛ لما له من الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله» (^٢).
وقال أيضًا: «و(الصمد): المعنى الجامع، الذي يدخل فيه كل ما فسر به هذا الاسم الكريم، فهو الصمد الذي تصمد إليه أي: تقصده جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار، ويفزع إليه العالم بأسره، وهو الذي قد كمل بعلمه وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته ورحمته وسائر أوصافه» (^٣).
وكل ما سبق من الأقوال يصح أن يوصف به ربنا -﷿-؛ لأن الصمد اسم دال على جملة من الأوصاف، لا على صفة معينة (^٤).
قال أبو القاسم الطبراني -﵀- كما نقل ابن كثير بعد إيراده لكثير من الأقوال في تفسير الصمد-: «وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا -﷿-، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه» (^٥).
_________________
(١) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٣/ ١٠٢٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).
(٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٧٥).
(٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٩٩).
(٥) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٩).
[ ١ / ٥٩٣ ]
وقال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ
الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ (^١)
اقتران اسم الله (الصمد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسم الله الصمد باسمه الأحد:
لم يقترن اسم الله «الصمد» إلا باسم الله «الأحد»، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].
وجه الاقتران راجع إلى أمرين:
للدلالة على أن الأحد المتفرد بالكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله هو المستحق بأن تصمد له القلوب وتنزل به الحوائج.
للدلالة على انفراد الله -﷿- بجميع صفات الكمال، قال ابن رجب -﵀-: «فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك» (^٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الصمد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الصمد) من الصفات:
الله -﷿- الصمد السيد العظيم الذي له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (^٣).
_________________
(١) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٩).
(٢) تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٥)
[ ١ / ٥٩٤ ]
فهو الصمد في ذاته التي لا يقدر قدرها ولا كمالها ولا جلالها إلا هو سُبْحَانَهُ، فتعالت ذاته العلية عن النقائص فلم تحتج إلى جوف ولا أحشاء ولا طعام ولا شراب ولا داخل ولا خارج، كما هو الحال في المخاليق، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٢، ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وقرأ بعضهم بالفتح: «ولا يَطْعَمُ» أي: لا يأكل (^١).
وهو الصمد في أسمائه فكلها حسنى بلغت من الكمال المنتهى، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وتعالت عن الدلالة على الذم والقدح، أو الدلالة على الاسم المجرد عن الصفة قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهو الصمد في صفاته، فلم يبق صفة كمال إلا اتصف بها، ووصف بغايتها وكمالها (^٢).
فهو صمد في غناه، فلم يحتج للوالد ولا للولد فضلًا عن الصاحبة، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي: «كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٣).
(٢) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ٢٠٢).
[ ١ / ٥٩٥ ]
خالق كل شيء، وليس شيء من المخلوقات مشابهًا لله بوجه من الوجوه» (^١).
ولم يحتج للشريك ولا للوزير ولا للمعين ولا للنصير، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
ولم يحتج للطعام ولا للشراب، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
وهو صمد في حياته، فلم يحتج معها إلى خالق ولا والد ولا حافظ، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]؛ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، كما جاء في الحديث: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» (^٢).
ولا يعتري حياته ما ينقص كمالها من النوم والنعاس، ولا يهددها الموت، وإنما حياة دائمة، وبقاء لا انقطع معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تَعَالَى أيضًا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وهو صمد في علوه، فما زال -ﷻ- ولا يزال عاليًا بذاته مستويًا على عرشه، عاليًا بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يعلوه أحد، ولا يكون فوقه أحد لا في
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٢٦٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).
[ ١ / ٥٩٦ ]
الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات ولا في الأفعال، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال -ﷺ-: «وأَنَتْ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^١).
وهو الصمد في أفعاله فكلها حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل كما جاء في الحديث: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّه بِيَدِكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^٢).
تعالت أفعاله سُبْحَانَهُ عن العبث واللهو، والظلم والجور، ونحو ذلك من النقائص.
وبذلك اجتمعت في الصمد صفات الشرف جميعها في الذات والأسماء والصفات والأفعال، واجتمعت فيه صفات السيادة كلها على وجه الكمال والدوام، فهي باقية لم تزل ولا تزال أبدًا، لا يطرأ عليها النقص ولا الآفات ولا الاختلال، كما هو الحال في المخلوق الذي يكون سؤدده وكماله في حال دون حال، ويعتيريه من النقص ما يعتريه (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الصمد) على التوحيد:
إن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على صفات الكمال لله -﷿-؛ دال على أنواع التوحيد الثلاثة، وبيان ذلك على النحو الآتي:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٥)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٣٠ - ١٣١).
[ ١ / ٥٩٧ ]
١ - دلالته على توحيد الألوهية والربوبية:
إن اسم الله «الصمد» يضم جملة من الأسماء والصفات الدالة على الربوبية كالخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فإثباته إثبات لها على وجه الكمال؛ لما سبق من دلالة الصمد على الكمال.
ثم إن كل صفة من صفات الربوبية منفردة تدعو العبد إلى إفراد الله -﷿- بها، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، فلا مثيل ولا نظير ولا شريك ولا والد ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (^١)، ولا يستحق العبادة إلا هو سُبْحَانَهُ، وعبادة ما سواه باطل (^٢)، وحينئذ يفرد العبد ربه الصمد بجميع أنواع العبادة، فلا يَسجد ولا يركع ولا يصلي إلا لله، ولا يستغيث ولا يستعين، ولا يستعيذ إلا بالله، ولا يخاف ولا يرهب، ولا يشفق إلا من الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو ولا يدعو ولا يسأل إلا الله الصمد -﵎-.
٢ - دلالته على توحيد الأسماء والصفات:
إن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على قصد الخلائق له وصمودهم بين يديه؛ دال على اتصافه -﵎- بصفات الكمال، قال ابن رجب -﵀-: «فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا» (^٣)، وذلك كالحياة والعلم، والسمع، والبصر،
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٠ - ١٠١).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٩٨).
(٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١).
[ ١ / ٥٩٨ ]
والغنى، والقدرة، والكلام، والاستواء، والعلو، ونحو ذلك، كما يدل- أيضًا- على انتفاء النقائص عنه سُبْحَانَهُ.
الأثر الثالث: محبة الله الصمد:
لا شك أن اسم الله «الصمد» يقود مَنْ تدبره وتأمل فيه لمحبة الله -﷿-؛ وذلك لأنه دال على صفات الكمال والجمال على الدوام للرب -﷿- من الحياة، والغنى، والعلو، وقصد الخلائق وهرعهم إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، إلى غير ذلك مما يدل عليه من الكمالات، ومن المعلوم أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والجمال.
ثم إذا تذكر العبد- أيضًا- أن كل كمال للمخلوق يشاهده أويسمع به، فيعجبه ويحب صاحبه لا شيء أمام كمال الله -﷿- يورثه ذلك محبة الله الذي هو أولى مَنْ يُحَب وَيُجَل.
الأثر الرابع: الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها:
إذا علم العبد أن ربه الصمد باق دائم بعد خلقه، قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فكل شيء زائل فان، المال والمتاع والجاه والسلطة والقوة، بل والأرض ومن عليها، والسماء وما فيها ومن فيها، والكون كله ما نعلم منه وما نجهل، كله هالك إلا وجه الله الصمد الباقي المتفرد بالبقاء
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
قال ابن عباس -﵄-: «لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فأيقنت الملائكة بالهلاك» (^١).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٥).
[ ١ / ٥٩٩ ]
فمن عرف ذلك وتيقنه؛ زهد في الدنيا ومتاعها، وطلب الآخرة ونعيمها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠].
بخلاف من غفل عن ذلك أو تغافل، فألهته الدنيا بزخرفها، وصارت غايته وأكبر همه، وراح يطلبها بالمباح وبالحرام، حتى إنه ليعمل الصالحات يريد بها عرضًا من الدنيا غافلًا عن ثواب الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]، وقال -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وقوله تَعَالَى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] أي: نعطيهم من متاع الدنيا ما كتب وقدر لهم في اللوح المحفوظ، لا ينقصون شيئًا منه، ولا يزيدون شيئًا منه، وإن بلغوا من الحرص عليها كل مبلغ (^١).
وجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ، والخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (^٢).
قال ابن حجر -﵀-: «قال الطيبي: قيل: خص العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لايجد خلاصًا …
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٣٧٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٨٦).
[ ١ / ٦٠٠ ]
وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة وسوغ الدعاء عليه؛ كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات» (^١).
الأثر الخامس: قصد الله الصمد في جميع الحاجات:
لما كان ربنا -﷿- صمد، متصف بالكمال المطلق، فلا شيء فوقه، ولا شيء يعجزه، ولا شيء يفقره؛ صمدت إليه جميع المخلوقات، وقصدته كل الكائنات، وفزع إليه العالم بأسره، أهل سمائه وأرضه، صغيره وكبيره، ذكره وأنثاه، غنيه وفقيره، مسلمه وكافره، فالكل مفتقر إليه غاية الافتقار، قاصد إياه في جميع أحواله وشؤونه في أمر دينه ودنياه وآخرته، طارق بابه في مطالبه ومساعيه الضروري منه، والحاجي، والكمالي، يسأله بلسان الحال والمقال، لا يستغني عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، إليه وحده المفر، وفيه المرغب والمطمع، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
فهؤلاء الملائكة صمدوا إليه، فسألوه لأهل الإيمان، كما قال تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧، ٨] الآيات.
وهؤلاء الأنبياء والمرسلين صمدوا إليه في مختلف أحوالهم، فسألوه في حال عبادتهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
_________________
(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر (١١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٦٠١ ]
وسألوه في حال تقصيرهم وخطئهم، قال تَعَالَى عن آد -﵇- م: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال تَعَالَى عن موسى -﵇- لما قتل القبطي: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
وسألوه في حال كربهم وشدتهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
وسألوه في حال نعمته عليهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن سليمان -﵇-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
وسألوه ما يتعلق بالآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن إبراهيم -﵇-: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
[الشعراء: ٨٥ - ٨٧].
وصمد إليه كذلك عباده الصالحون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، وقال: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
بل وصمد إليه الكافرون المشركون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
[ ١ / ٦٠٢ ]
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وكل هذا يوجب للعبد ألا يلجأ إلا لربه الصمد، ولا يطلب حاجته إلا منه، ولا تكون استعانته إلا به، ولا يكون توكله إلا عليه؛ كما قال -ﷺ- لا بن عباس -﵄- معلمًا ولغيره من الأمة: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^١) (^٢).
فتجد المؤمن يصمد إلى ربه الصمد، فيرفع حوائجه إليه، ولا يشكو فاقته إلا إليه، ويتعلق به، ويتضرع إليه، ويرفع كفيه إليه يناديه ويناجيه، فما يلبث إلا ودعاؤه مجاب، وفاقته مسدوده، وحاجته مقضيه، كما جاء عن ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ الله لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٦).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).
[ ١ / ٦٠٣ ]
ولا يقتصر في سؤاله على مطالب الدنيا، بل يضم إلى ذلك مطالب الدين والآخرة؛ فيقصد ربه الصمد بسؤال الهداية والإعانة على الطاعة، والمغفرة والرحمة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار ونحو ذلك؛ كما جاء في حديث محجن بن الأدرع «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^١).
ويقصده- أيضًا- بالاستغفار والتوبة عند الوقوع في المعصية، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آلعمران: ١٣٥]، وجاء عن أنس -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ الله -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).
الأثر السادس: عدم قصد المخلوق بالسؤال:
إذا تأمل العبد في اسم الله (الصمد) وما فيه من الترغيب في قصد بابه، باب من بيده مقاليد كل شيء، باب من هو على كل شيء قدير، باب الكريم
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠).
[ ١ / ٦٠٤ ]
الجواد الذي يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج والنوائب والمزعجات، ويحب أن يتضرع إليه في الشدائد والكربات والملمات، ويحب أن يستغاث به في المصاعب والمشقات، ويحب الإلحاح في السؤال والدعاء، ويغضب على من لا يسأله، ويدعو عباده لسؤاله: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو عند حاجة خلقه، ولديه تفريج كربهم، السميع لندائهم، العليم بحالهم، واسع الرحمة والرأفة والحنان والكرم، عظيم القدرة والعزة والسلطان (^١).
ثم نظر متأملًا في المخلوق وما فيه من الفقر والعجز والشح والكره للسؤال والإلحاح فيه، والرغبة في عدمه؛ دعاه هذا إلى الزهد في سؤال المخلوق وقصد بابه، وقطع تعلق القلب به وإن عظم جاهه وعلا منصبه، ولهذا قال وهب بن منبه -﵀- لرجل كان يأتي الملوك: «ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!» (^٢).
وقال عطاء -﵀-: «قال لي طاوس: يا عطاء، لا تُنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه، وضمن لك أن يستجيب لك، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠، ٩٣٧)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٥).
(٢) صفة الصفوة، لابن الجوزي (١/ ٤٥٤).
(٣) المصدر السابق (١/ ٤٥٤).
[ ١ / ٦٠٥ ]
ودخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، فلما خرج خرج في أثره، فقال له: الآن قد خرجت، فسلني حاجة، فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها (^١).
ومن هنا كان سؤال المخلوق مذمومًا، ووبالًا على صاحبه يوم القيامة إن كان من غير حاجة؛ فعن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٢).
وقد تكفل رسول الله -ﷺ- بالجنة لمن ترك السؤال، فعن ثوبان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل الناس شيئًا» (^٣)، فحري بالعبد أن يزهد في سؤالهم، ويرغب في باب ربه الصمد.
الأثر السابع: دعاء الله باسمه الصمد:
إن يقين العبد باسم الله «الصمد» الذي تصمد إليه الخلائق كلها، وتقصده بالدعاء في الشدائد والمسرات ومختلف الأحوال، يدعو العبد إلى قصد باب
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٤٠).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٠٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٨٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٣).
[ ١ / ٦٠٦ ]
الصمد، والتضرع إليه بالدعاء والسؤال، ولا سيما باسمه الصمد؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
ولا سيما- أيضًا- بما ورد في السنة مما هو مظنة الإجابة؛ فعن محجن بن الأدرع -﵁-، «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا (^١).
وعن عبدالله بن بريدة، عن أبيه -﵁-، قال: «سمع النبي -ﷺ- رجلًا، يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله -ﷺ-: لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).
قال ابن القيم -﵀- في هذا الدعاء: «فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالوحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد … وبنفي التشبيه والتمثيل عنه، بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك» (^٣).
فاللهم إنا نسالك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٤٧).
[ ١ / ٦٠٧ ]
الظَّاهر والباطنُ -ﷻ-
أولًا: المعنى اللغوي لاسم (الظاهر):
قال الجوهري -﵀-: «الظهر: خلاف البطن، وقولهم: لا تجعل حاجتى بظهر، أي: لا تنسها» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورًا فهو ظاهر؛ إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله: ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز والقوة …» (^٢).
ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم (الباطن):
قال الجوهري -﵀-: «البطن: خلاف الظهر» (^٣).
قال ابن فارس -﵀-: «الباء والطاء والنون أصل واحد لا يكاد يخلف، وهو إنسي الشيء والمقبل منه، فالبطن خلاف الظهر، تقول: بطنت الرجل: إذا
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٢٩٣).
(٢) مقاييس اللغة (٣/ ٤٧١).
(٣) الصحاح (٥/ ٣٥٧).
[ ١ / ٦٠٨ ]
ضربت بطنه، قال بعضهم: إذا ضربت موقرًا فابطن له، وباطن الأمر دخلته، خلاف ظاهره، والله تَعَالَى هو الباطن؛ لأنه بطن الأشياء خبرًا، تقول: بطنت هذا الأمر: إذا عرفت باطنه» (^١).
ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الظاهر والباطن) في كتاب الله مرة واحدة، وهي: قول الله -﷿-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الظاهر والباطن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (^٢).
_________________
(١) مقاييس اللغة (١/ ٢٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣).
[ ١ / ٦٠٩ ]
معنى اسم الله (الظاهر والباطن) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم «الظاهر» في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله «الظاهر» في حقه تَعَالَى حول علو الله تَعَالَى وفوقيته، وأحسن التفسيرات للمعنى وأكملها ما قاله النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^١).
ومن أقوال العلماء في ذلك:
قال الطبري -﵀-: «وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «اسمه (الظاهر) من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء، كما في الصحيح عن النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^٣)؛ بل هوسُبْحَانَهُ فوق كل شيء، فمن جحد فوقيته سُبْحَانَهُ فقد جحد لوازم اسمه الظاهر، ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدر فقط، … مقابلة الاسم بـ «الباطن»، وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل الأول الذي ليس قبله شيء، بـ «الآخر» الذي ليس بعده شيء» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «والظاهر: يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، وعلى علوه» (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير ابن جرير (٢٢/ ٣٨٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) مدارج السالكين (١/ ٥٥).
(٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٠).
[ ١ / ٦١٠ ]
وقد ذكره ابن القيم -﵀- في نونيته:
والظَّاهِرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوْقَهُ
شَيْءٌ كَما قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ
حَقًّا رَسُولُ اللهِ ذَا تَفْسِيرُهُ
وَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ
ثانيًا: معنى اسم الله «الباطن» في حقه تعالى:
أحسن التفاسير وأكملها ما قاله النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (^١).
قال الطبري -﵀-: «﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «الباطن هو العالم ببطانة الشيء، يقال: بطنت فلانًا وخبرته، إذا عرفت باطنه وظاهره، والله تَعَالَى عارف ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «والباطن: يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه، ولا يتنافى الظاهر والباطن؛ لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت؛ فهو العلي في دنوه القريب في علوه» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٨٥).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦١).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٠).
[ ١ / ٦١١ ]
اقتران اسم الله (الظاهر والباطن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله الظاهر والباطن إلا باسم الله الأول الآخر، وذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقد تقدم بيان مناسبة الاقتران في اسمي الله الأول والآخر.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الظاهر والباطن):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الظاهر والباطن) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
إن مدار هذين الاسمين على بيان إحاطة الرب بكل شيء، فقد أحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، فالله سُبْحَانَهُ هو العليم، الخبير، المحيط، المطلع على خفايا الأمور وأسرارها، العلي الأعلى المتعال، فهو مع كمال علوه على عرشه قريب من خلقه، محيط بهم، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا؛ بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، تستوي في علمه الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، يستوي عنده من هو مختف في قعر داره، ومن هو سائر في سربه طريقه في بياض النهار وضيائه، فعلم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار، يقول تَعَالَى
[ ١ / ٦١٢ ]
في معرفته ببواطن الأمور وخفاياها مع علوه سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، ويعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان (^١).
فـ «الظاهر» سُبْحَانَهُ هو المدرك بالعقول والدلائل الدالة عليه، والأفعال المؤدية إلى العلم به ومعرفته، وهو الباطن سُبْحَانَهُ غير المشاهد، كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا تَعَالَى الله عزوجل عن ذلك علوًّا كبيرًا، يظهر ويتجلى لبصائر المتفكرين، ويحتجب عن أبصار الناظرين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
ومن آمن باسمي الله «الظاهر» و«الباطن»؛ تعلق قلبه بالله، وشهد وجود الله محيطًا به في كل لحظة من لحظات حياته، وأخلص له في توحيده بألوهيته وربوبيته، حتى يصل لمقام الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه.
وكما أن اسمي الله «الظاهر» و«الباطن» دالان على الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله العليم، والمحيط، والقدير، والعلي، والقريب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠٥).
[ ١ / ٦١٣ ]
الأثر الثاني: الثقة بنصر الله لدينه:
من علم أن الله هو «الظاهر» الغالب؛ علم أنه ناصر لدينه على جميع الأديان بعز عزيز أو بذل ذليل، يقول تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، ويقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].
فأهل هذا الدين منصورون غالبون عالون، ويتفاوت نصرهم وعلوهم بقدر ما معهم من الإيمان قولًا وعلمًا وعملًا ظاهرًا وباطنًا، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقد أطال ابن القيم -﵀- في ذكر الحكمة من ظهور الكفار في بعض الأحيان، وذكر أصولًا كثيرة، منها:
« الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تَعَالَى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛ فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تَعَالَى على ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]؛ فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تَعَالَى.
[ ١ / ٦١٤ ]
الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله -﷿-.
فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا.
ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارةً، وكونهم مغلوبين تارةً؛ فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.
ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين، غالبين، قاهرين؛ لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة، وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.
ومنها: أنه سُبْحَانَهُ يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سُبْحَانَهُ على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها؛ كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد،
[ ١ / ٦١٥ ]
والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم؛ كما قال تَعَالَى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]» (^١).
الأثر الثالث: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين:
ولأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فهو سُبْحَانَهُ أقرب إلى كل شيء، ومن أعظم ثمرات الإيمان به سُبْحَانَهُ: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين.
يقول ابن القيم -﵀-: «وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومن رام هذا القرب سعى لتحصيل أسبابه (^٢)، فهو القريب سُبْحَانَهُ لمن دعاه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهو القريب سُبْحَانَهُ ممن
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٨٧).
(٢) ستأتي مفصلة في اسم الله «القريب» سُبْحَانَهُ.
[ ١ / ٦١٦ ]
أحسن ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فوجد الخبر، وهو: «قريب» عن لفظ الرحمة، وهي مؤنثة؛ إيذانًا بقربه تَعَالَى من المحسنين، فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين.
وأقرب الهيئات إلى الله: السجود له، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ-، قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (^١)، وأقرب الأوقات له سُبْحَانَهُ جوف الليل، «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخر» (^٢)، فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون، وفى الصحيح من حديث أبي موسى -﵁-، أنهم كانوا مع النبي -ﷺ- في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ، فإنكم لا تَدْعُونَ أَصمَّ وَلا غاَئِبًا، إِنَّه معكم سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تباركَ اسمُه وتعالى جدُّه» (^٣)، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعنى: فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت؛ فإنه سميع قريب، وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر، والتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٢).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١ / ٦١٧ ]
الأثر الرابع: محبة الله الظاهر والباطن سُبْحَانَهُ:
يقول الإمام ابن القيم -﵀- تَعَالَى في طريق الهجرتين: «… والمقصود: أن التعبد باسمه (الظاهر) يجمع القلب على المعبود، ويجعل له ربًّا يقصده، وصمدًا يصمد إليه في حوائجه، وملجأً يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه (الظاهر) استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفر في كل وقت إليه … وأما التعبد باسمه (الباطن) فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب البعيد منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر وأنه لا شيء بينه وبينها؛ فعامِله بمقتضى هذا الشهود، وطهِّر له سريرتك؛ فإنها عنده علانية، وأصلِح له غيبك؛ فإنه عنده شهادة، وزكِّ له باطنك؛ فإنه عنده ظاهر» (^١)، ومَن فَقه ما تقدم أحبَّ «الظاهر» الباطن سُبْحَانَهُ.
الأثر الخامس: الشوق لرؤية الله تعالى، والعمل له:
إيماننا بأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي لا تدركه أبصار خلقه في الدنيا، تجعلنا نسعى لرؤيته سُبْحَانَهُ في الآخرة، عند البخاري من حديث جرير بن عبد الله -﵁-، قال -ﷺ-: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (^٢).
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٣) واللفظ له.
[ ١ / ٦١٨ ]
ومن تلك الأسباب التي توصل لرؤية الله في الآخرة:
المحافظة على صلاة العصر والفجر في وقتها، فعن جرير بن عبدالله -﵁-، قال: «كنا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (^١).
الإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله -ﷺ- والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب -﵁- قال: «قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﵎-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -﷿-» (^٢).
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، وأن تجعلنا من عبادك السابقين، وأوليائك الصالحين.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨١).
[ ١ / ٦١٩ ]
الأثر السادس: ترك الذنوب والمعاصي في السر والعلن:
من آمن بالظاهر والباطن سُبْحَانَهُ، ترك ظاهر الإثم وباطنه، يقول تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، قال مجاهد -﵀-: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ المعصية في السر والعلانية، وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة -﵀-: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته قليله وكثيره (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «المراد بالإثم: جميع المعاصي التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم والحرج من الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده، فنهى الله عباده، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد ترك المعاصي الظاهرة والباطنة إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحث عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن والعلم بذلك واجبًا متعينًا على المكلف، وكثير من الناس تخفى عليه كثير من المعاصي، خصوصًا معاصي القلب، كالكبر والعجب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من الإعراض عن العلم، وعدم البصيرة.
ثم أخبر تَعَالَى أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلت أو كثرت، وهذا الجزاء يكون في الآخرة، وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه بذلك من سيئاته» (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٢٧١).
[ ١ / ٦٢٠ ]
الأثر السابع: قمع وساوس الشيطان المهلكة للإنسان:
في اسم الله الظاهر والباطن جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له، كما أن فيها قمعًا للوساوس المهلكة، والشكوك المردية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ بغية إهلاكه وصرفه عن الإيمان.
وقد بين لنا ابن عباس -﵄- العلاج من وساوس الشيطان، عن أبي زميل سماك بن الوليد -﵀- قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ قَالَ: مَا نَجَا أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ -﷿- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية، قَالَ: فَقَالَ لِي: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» (^١)، فأرشد -﵁- إلى هذا الذكر الحكيم لطرد الوساوس، وقطع الشكوك.
يقول ابن القيم -﵀-: «فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثرًا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه، وكل شيء قائم به موجود بذاته، وكل شيء موجود به.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١١٠)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٦١٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١١٠).
[ ١ / ٦٢١ ]
قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته، وبقاء كل شيء به فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء» (^١).
الأثر الثامن: التقرب للباطن سُبْحَانَهُ بخبيئة لا يعلمها غيره.
الباطن سُبْحَانَهُ يحب أن يكون لعبده خبايا من أعمال صالحة يتقرب بها إليه، يقول ابن القيم -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]: «فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها، وتأمل تقييده تَعَالَى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: (وإن تخفوها فهو خير لكم)، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد؛ الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى، وأنه فقير لا شيء له، فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي -ﷺ- صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة» (^٢)، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٤٢٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).
[ ١ / ٦٢٢ ]
العَبْدَ التَّقِيَّ، الغَنِيَّ، الخَفِيَّ» (^١)، وفي الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» (^٢).
الأثر التاسع: الدعاء باسم الله الظاهر والباطن:
عن أبي هريرة -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (^٣).
اللهم يا من أظهر الجميل وستر القبيح، نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٥).
(٢) أخرجه الضياء في المختارة، رقم الحديث: (٨٨٣)، والخطيب في تاريخ بغداد، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٠١٨).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).
[ ١ / ٦٢٣ ]
العزيزُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «العز: خلاف الذل .. والاسم: العزة، وهي القوة والغلبة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(عز): العين والزاي أصل صحيح واحد، يدل على شدة وقوة وما ضاهاهما من غلبة وقهر، قال الخليل: العزة لله جل ثناؤه، وهو من العزيز» (^٢).
ورود اسم الله (العزيز) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (العزيز) في كتاب الله اثنتين وتسعين مرة، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷾-: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
قوله -﷾-: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤].
قوله -﷾-: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].
_________________
(١) الصحاح (٣/ ٨٨٥ - ٨٨٦).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨).
[ ١ / ٦٢٤ ]
ورود اسم الله (العزيز) في السنة النبوية:
ورد اسم (العزيز) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:
عن عائشة -﵂-، قالت: «كان النبي -ﷺ- إذا تضور- أي: تقلب- من الليل قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^١).
جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: «علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (^٢).
معنى اسم الله (العزيز) في حق الله تعالى:
العزيز الذي له العزة بجميع معانيها، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] عزة القوة، وعزة القهر والغلبة، وعزة الغنى والامتناع.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء -﵏-:
قال قتادة -﵀-: «(العزيز) أي: في نقمته إذا انتقم» (^٣).
قال الطبري -﵀-: «(العزيز) في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٦٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٥٤).
[ ١ / ٦٢٥ ]
أحد يدفعه عنه» (^١)، وقال أيضًا: «القوي الذي لا يعجزه شيء أراده» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «والله تَعَالَى هو الغالب كل شيء، فهو العزيز الذي ذل لعزته كل عزيز» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «العزيز: هو المنيع الذي لا يغلب» (^٤).
والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى الغلبة … والثاني: بمعنى الشدة والقوة … والوجه الثالث: أن يكون بمعنى: نفاسة القَدْر، يقال منه: عز الشيء يعز- بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير» (^٥).
قال الحليمي -﵀-: «الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه» (^٦).
قال القرطبي -﵀-: «(والعزيز) معناه: المنيع الذي لا ينال ولا يغالب» (^٧).
قال ابن كثير -﵀-: «(العزيز) أي: الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء؛ فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه» (^٨).
_________________
(١) تفسير الطبري (٩/ ١٣٩).
(٢) تفسير الطبري (٣/ ٨٨).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٤).
(٤) شأن الدعاء (ص ٤٧).
(٥) شأن الدعاء (١/ ٤٧ - ٤٨).
(٦) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٥).
(٧) تفسير القرطبي (٢/ ١٣١).
(٨) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).
[ ١ / ٦٢٦ ]
قال السعدِي -﵀-: «(العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، دانت له الخليقة وخضعت لعظمته» (^١).
قال ابن القيمِ -﵀-:
وَهُوَ العَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ … أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ؟!
وَهُوَ العَزِيزُ القَاهِرُ الغَلَّابُ لَمْ … يَغْلبْهُ شَيْءٌ هَذِهِ صِفَتَانِ
وَهُوَ العَزِيزُ بِقُوةٍ هِيَ وَصْفُهُ … فَالعِزُّ حِينَئذٍ ثَلاثُ مَعَانِ
وَهِيَ التِي كَمُلَتْ لَهُ سُبْحَانَهُ … مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَادِمِ النُّقْصَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (العزيز) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) بأسمائه سُبْحَانَهُ: الغفور، الغفار، الوهاب، المقتدر، العليم، القوي، الحكيم، الرحيم، الحميد.
أولًا: اقتران اسم الله (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور- الغفار):
اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (الغفور- الغفار) في خمس مواضع من كتاب الله، في موضعين اقترن بالغفور، وفي ثلاث اقترن بالغفار، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).
(٢) النونية، (ص: ٢٠٥).
[ ١ / ٦٢٧ ]
وجه الاقتران:
أن الله -﷿- العزيز الغالب لكل شيء، قادر على أن يأخذ عباده بذنوبهم، ولكنه سُبْحَانَهُ غفور رحيم عن عزة وقدرة، لا عن ضعف وعجز؛ فهو كامل في عزته، وكامل في مغفرته.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب):
اقترن اسم الله (العزيز) باسمه الوهاب في قوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] للدلالة على أن تصرفه التام في صنوف العطاء المادي والمعنوي لا ينازعه فيه منازع، ولا يغالبه فيه مغالب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينوب عنه نائب، ولا يصل عطاء من معط إلى معطًى إلا بإذنه سُبْحَانَهُ، فعزته متضمنة الإنعام على خلقه، والتفضل عليهم، وتفضله وإنعامه سُبْحَانَهُ صادران عن عزة وقدرة وغنًى وتفضل، لا لجلب نفع أو دفع ضر.
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (المقتدر):
اقترن اسم الله (العزيز) باسمه المقتدر في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]، والعزيز الظاهر الذي لا يغلب أبدًا، والمقتدر الذي لا يعجزه شيء، واقترانهما فيه معنًى زائد، وكمال آخر يفيد قوة الأخذ والعقاب.
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (العليمِ):
اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (العليم) في خمس آيات من كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
[ ١ / ٦٢٨ ]
قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨].
وجه الاقتران:
أن عزة الله وقهره وغلبته صادرة عن علم شامل وإحاطة تامه بكل شيء، فعزته تنفذ بعلم ومعرفة بمواطن الأمور وعواقبها، ليس كعزة وقوة المخلوق التي تنطلق في الغالب من الهوى والظلم، لا من العلم والحكمة.
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (القوي):
اقترن اسم الله (العزيز) باسمه (القوي) في سبع آيات، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وجه الاقتران:
أن في اجتماعهما معنى زائد، وهو أن العزة التي يتضمنها اسم الله -﷿- (العزيز) هي عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، ووصف الله -﷿- بالقوة راجع إلى كمال عزته.
سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ):
تقدم بيانه في اسم الله الحكيم.
سابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الرحيم»:
تقدم بيانه في اسم الله «الرحيم».
[ ١ / ٦٢٩ ]
ثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الحميد»:
تقدم بيانه في اسم الله «الحميد».
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العزيز):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العزيز) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله العزيز الذي له العزة كلها: عزة القوة، والقهر، والغنى والامتناع، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠].
١ - عزة القوة:
الله العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يلحقه ضعف ولا نصب، ولا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر ولا يقدر عليه قادر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
بعزته وقوته خلق المخلوقات وسخرها لما خلقها له، فجرت مذللة مسخرة بأمره، لا تتعدى ما حده لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر منقادة لعزته، خاضعة لجلاله.
فخلق السموات والأرض في ست أيام مع عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] (^١).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٦٦، ٤٢٤).
[ ١ / ٦٣٠ ]
وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وقدر ذلك كله على منوال عجيب لا اختلاف فيه ولا تعاكس، قال تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] (^١).
وخلق المتضادات التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧] (^٢).
وبعزته وقوته -﵎- أحيا الموتى ويحيهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وبعزته وقوته غلب، ويغلب أعداءه ونصر، وينصر جنده، فلا ينفع أهل القوة قوتهم، ولا أهل العزة عزتهم، فتبارك القوي العزيز (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٥٧٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٨).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٦٢).
[ ١ / ٦٣١ ]
غلب أحزاب الكفر: قوم نوح ولوط، وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وفرعون وجنده، وجعل في ذلك كله آية وعبرة، قال تَعَالَى بعد ذكر هلكهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩٠، ١٩١].
وغلب اليهود وما دبروه من مكائد لقتل عيسى -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
وغلب جمع الأحزاب الذين تحزبوا على رسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].
وبعزته وقوته ينصر أولياءه وإن ضعف عَددهم وعُدَدهم، وقوي عدد عدوهم وعدتهم، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (^١).
٢ - عزة القهر:
الله العزيز القاهر القهار الذي بعزته قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٥٤٠).
[ ١ / ٦٣٢ ]
المخلوقات، ودانت له البريات، فلهج الحيوان الناطق منه والصامت مسبحًا بحمده، ومنزهًا له عما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (^١).
وبعزته وقهره ينفذ حكمه وأمره في عباده، فيحكم بما يشاء ويقضي بما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
وبعزته وقهره يعز من يشاء ويذل من يشاء، بلا معقب على حكمه، وبلا مجير عليه، وبلا راد لقضائه، فهو صاحب الأمر كله، الفعال لما يريد، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
أعز كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] منيعًا من كل من أراد تحريفه أو تبديله، لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
كما أعزه بحججه وكماله وشموله، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، فصار حجة
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٣٧).
[ ١ / ٦٣٣ ]
الله على العالمين التي انقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة (^١).
وأعز دينه وأهل طاعته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وأذل الكفر وأهل معصيته، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] (^٢).
وأذل أعداءه وقهرهم، فانتقم وينتقم منهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١، ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].
٣ - عزة الغنى والامتناع:
الله العزيز الذي بعزته اغتنى بذاته، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقرون إليه، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
وبعزته وتمام غناه ملك خزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] ويرزق منها من يشاء من عباده، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤٤٧، ٧٥٠).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٢١٠).
[ ١ / ٦٣٤ ]
وعزة الامتناع وهي التي بمعنى الغنى التام، والامتناع عن أن يضره أحد أو ينفعه، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي» (^١).
وغاية الأمر: أنه العزيز الذي كمل من كل وجه، فكان له من العزة ومن كل شيء أكمله وأتمه، وبرئ من كل نقص وسوء، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] قال الشيخ السعدي -﵀-: «عز؛ فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به» (^٢).
وقال ابن القيم -﵀-: «العزيز الذي له العزة التامة، ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب؛ فإن ذلك ينافي العزة التامة» (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العزيز) على التوحيد:
إذا تعرف العبد على اسم ربه العزيز وما يتضمنه من كمال القوة، والقهر، والغنى والامتناع، وتيقن ذلك كله؛ علم أنه لا يستحق أحد كائنًا من كان أن يُعبد مع العزيز -﵎-؛ إذ كيف يسوى بين الفقير العاجز من جميع الوجوه بالغني القوي من جميع الوجوه، ومن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بالنافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٠٩).
(٣) شفاء العليل (ص: ١٨٠).
[ ١ / ٦٣٥ ]
لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] (^١).
ثم إن هذا لازم عزته -﵎-، فعزته تستلزم توحيده وحده لا شريك له؛ إذ الشركة تنافي كمال العزة، قال ابن القيم -﵀-: «وهذه العزة مستلزمة للوحدانية؛ إذ الشركة تنقص العزة، ومستلزمة لصفات الكمال؛ لأن الشركة تنافي كمال العزة، ومستلزمة لنفي أضدادها، ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في شيء منها» (^٢).
الأثر الثالث: الثقة بإعزاز العزيز دينه:
إذا آمن العبد أن ربه العزيز الذي بيده العزة، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر، فليثق أن العزة والغلبة لدينه وأوليائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ولا تغرنه قوة الباطل وظهوره فإنه زاهق، كما قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
تحزبت الأحزاب في الخندق، واجتمعت جيوش الكفر للقضاء على الإسلام وأهله، ثم ماذا كان؟
مات رسول الله -ﷺ-، فارتدت جموع العرب ما خلا أهل مكة، والمدينة، والطائف، ثم ماذا كان؟ (^٣)
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٤٦).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٤٢).
(٣) ينظر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير (٢/ ٢٠١) وتاريخ الإسلام، للذهبي (٢/ ٢٠)، والبداية والنهاية، ابن كثير (٦/ ٣١١).
[ ١ / ٦٣٦ ]
دخل القرامطة المسجد الحرام وأخذوا الحجر الأسود، وقال قائلهم: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ومكث عندهم اثنتين وعشرين سنة، ثم ماذا كان؟ (^١).
وفي أواخر القرن الخامس أخذ الفرنج بيت المقدس، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرًا، ثم ماذا كان؟ (^٢).
وفي القرن السابع جاء التتار، فقتلوا حتى صار لا يقال: كم قتلوا، بل كم أبقوا؟ (^٣).
قال ابن الأثير -﵀- في تعظيم هذا الخطب الجسيم: «فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها، ثم حثني جماعة على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله إلى
_________________
(١) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١١/ ١٦٠).
(٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١٢/ ١٥٦).
(٣) ينظر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣)، تاريخ الإسلام، للذهبي (٤٤/ ٣٧)، البداية والنهاية، لابن كثير (١٣/ ٨٦).
[ ١ / ٦٣٧ ]
الآن لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون: فعل بخت نصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟!» (^١).
قال ابن كثير -﵀- متمًّا لكلام ابن الأثير: «ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون»، (^٢) ثم ماذا كان؟
أعز الله دينه، فولى الأحزاب، والمرتدون، والقرامطة، والفرنج وحتى التتار ولم يبق إلا الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] فلم تجد أموالهم، ولا أسلحتهم ولا قوتهم وجموعهم شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين.
فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قُتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي (^٣).
_________________
(١) الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣).
(٢) البداية والنهاية، ابن كثير (١٣/ ٨٧).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣).
[ ١ / ٦٣٨ ]
فعلى المسلم أن يثق بأن العزة للإسلام وأهله، ولو بدا يومًا من الأيام ضعيفًا ذليلًا مقهورًا، فإن مصيره العزة والنصرة والغلبة.
وقد تتابعت النصوص في تقرير هذه الحقيقة (^١)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال -ﷺ- في حديث تميم الداري -﵁-: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (^٢) إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ»، وكان تميم -﵁- يقول: «قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَفَ وَالْعِزَّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَالْجِزْيَةَ» (^٣).
والثقة بنصر الله وغلبته لدينه دأب رسل الله وأوليائه، فهذا إبراهيم الخليل -﵇- يلقى في النار، فيقول واثقًا بربه: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فجاء النصر، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
_________________
(١) للاستزادة يراجع اسم الله «الناصر النصير».
(٢) المدر جمع مدرة، أي: اللبن بكسر الباء، الذي تتخذ منه بيوت المدن والقرى. والوبر: شعر الإبل الذي يتخذ منه ومن نحوه الخيام بيوتًا لسكان البوادي. والمعنى: أن دين الاسلام يبلغ جميع سكان الأمصار والقرى والبوادي. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، للساعاتي (١/ ٩٠).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٢٣١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣).
[ ١ / ٦٣٩ ]
وهذا موسى الكليم -﵇- فرعون بعدته وعتاده وراءه والبحر أمامه، فيقول واثقًا بنصرة الله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فجاء النصر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٦].
وهذا محمد -ﷺ- يدخل الغار فارًّا من قريش، فيبلغون مبلغًا حتى لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصره -ﷺ- وصاحبه، فقال ثقة بالله: قال: «يَا أَبَا بكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنينِ الله ثالِثُهُمَا» (^١)، فجاء نصر الله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
الأثر الرابع: محبة الله العزيز:
إذا تيقن العبد أن ربه العزيز الذي كمل في عزته، فاقترن معها: رحمته، وعفوه، ولطفه، وكرمه، وعلمه، وحكمته .. إلخ؛ ازداد حبًّا لربه وشوقًا إليه، لا سيما وأن القلوب فطرت على محبة من له صفات الكمال، وربنا العزيز لا أكمل منه ولا أجل -﵎-.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٨١).
[ ١ / ٦٤٠ ]
الأثر الخامس: دعاء الله والاستعاذة بعزته:
الله العزيز الذي شرع لعباده سؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكان من هديه -ﷺ- سؤال الله بأسمائه وصفاته، ومن ذلك: عزته التي سأل الله بها وعلم أمته سؤال الله بها، فجاء في حديث ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ-، كان يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، والجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^١)، وجاء في حديث أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (^٢).
وأتى عثمان بن أبي العاص -﵁- النبي -ﷺ- وبه وجع كاد يهلكه، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ (^٣).
فحري بالمسلم أن يسأل الله بعزته، ويتحرى ما ورد عن رسول الله -ﷺ- في ذلك؛ فإنه أعظم الدعاء وأنفعه.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٨٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٧) واللفظ له.
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٢٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٨٩١)، حكم الألباني: صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٨٩١).
[ ١ / ٦٤١ ]
الأثر السادس: الاتصاف بالعزة بالدين:
إذا علم العبد أن الله سُبْحَانَهُ العزيز الذي أعز دين الإسلام وأعز أهله فأرسل خير الرسل -ﷺ- لبلاغه، وأنزل لبيانه كتابًا عزيزًا، ونصر أهله، ومكنهم حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥].
قاده ذلك لشعور بالعزة والأنفة، فاعتز بالدين وتمسك به في سفره وحضره أنى كان، وأثمر في نفسه التعالي على الباطل وأهله، وعدم الاستكانة لهم.
وسيأتي في المحلق التالي تفصيل لذلك- بإذن الله-.
[ ١ / ٦٤٢ ]
العزيز يحب العزة
في موضوع العزة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف العزة:
العزة تنقسم إلى قسمين:
عزة شرعية.
عزة غير شرعية.
القسم الأول: العزة الشرعية:
هي العزة المرادة، ويقصد بها: العزة المرتبطة بالله تَعَالَى ودينه، فيعتز المرء بدينه ويرتفع بنفسه عن مواضع المهانة، فلا يريق ماء وجهه، ولا يبذل عرضه فيما يدنسه، ويتحرر من رق الأهواء ومن ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه والحق الذي يحمله ويدعو إليه.
ومصدرها: الإيمان بالله -﷿-، ولو لم توجد المقومات المادية؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال لموسى -﵇- لما رأى قوة وعزة ملأ فرعون، فأصابه شيء من الخوف أو التردد، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] أعلى بما معك من الإيمان، لا بعدتك وعتادك.
[ ١ / ٦٤٣ ]
وهذه العزة- العزة بالإيمان- هي العزة الحقيقة الدائمة الباقية وكل عزة تستمد من غيرها فهي باطلة مكذوبة، وعاقبتها الذل، كما قال عمر -﵁-: «نحن أمة أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» (^١).
القسم الثاني: العزة غير شرعية:
وهي: الاعتزاز بغير الله ودينه، كالاعتزاز بالقبلية، والقومية، والعروبة، والجاه ونحو ذلك، وهذه العزة صورها متعددة، وقد جاءت النصوص بشيء منها، وبينت أن عاقبتها الذل والهوان، ومن تلك الصور:
- الاعتزاز بالكفار وما يظهرونه من قوة، قال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].
- الاعتزاز بالآباء والأجداد والقبيلة، قال تَعَالَى عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩١، ٩٢].
- الاعتزاز بالمال، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] فكان عاقبته الذل والندامة، قال تَعَالَى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢، ٤٣].
_________________
(١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٢٠٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٦٤).
[ ١ / ٦٤٤ ]
- الاعتزاز بالجاه والسلطان، قال تَعَالَى عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] فكانت نتيجة هذه العزة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥، ٥٦].
ثانيًا: مظاهر العزة الشرعية:
مظاهر هذه العزة عديدة، ومنها:
١ - التمسك بالدين والثبات عليه ولو قل السالكون؛ فقد قال -ﷺ-: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاَء» (^١).
٢ - قول الحق وفعله من غير أن يخشى في الله لومة لائم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
٣ - إظهار شعائر الله من غير حياء ولا خجل، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ولا شك أن من تعظيمها القيام بها على أتم وجه من غير شعور بخجل أو حياء.
٤ - التحدث باللغة العربية؛ إذ هي مظهر من مظاهر الدين وشعائره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٤٥).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (١/ ٥١٩).
[ ١ / ٦٤٥ ]
٥ - الدعوة للإسلام والتمسك به، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
٦ - ترك مشابهة الكفار في الظاهر والباطن، كما قال -ﷺ- محذرًا من ذلك: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^١).
٧ - عدم الخضوع والذلة للباطل وأهله، حتى حال الهزيمة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال أبناء عامر بن صعصعة لرسول الله -ﷺ-، حينما كان يعرض نفسه على القبائل في بداية الدعوة: نبايعك على أن تجعل لنا الملك من بعدك، فقال لهم -ﷺ-: «الأَمْرُ إِلَى اللهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (^٢).
ولم يُذَلَّ المسلمون في أُحُد رغم انهزامهم، بل أظهروا العزة والقوة، فهذا أبو سفيان يقول: «أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللهِ يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥٢٠٩)، وأبو داود (٤٠٣١)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود (٤٠٣١).
(٢) ينظر: الرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١١٨).
[ ١ / ٦٤٦ ]
قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).
ثالثًا: وسائل تحقيق العزة:
الله العزيز الذي بيده العزة، يهبها من يشاء وينزعها ممن يشاء، وقد جعل لها سُبْحَانَهُ أسبابًا، يستطيع المرء من خلالها تحصيلها بإذن الله، منها:
الإيمان بالله وطاعته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، قال ابن القيم -﵀-: «أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك» (^٢).
وعلى قدر الإيمان والطاعة تكون العزة، قال ابن القيم -﵀-: «للعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا» (^٣).
وقد نص الله في كتابه على وسائل تحصيل العزة، فقال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٣٩).
(٢) الداء والدواء (١/ ١٤٦).
(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٨١).
[ ١ / ٦٤٧ ]
«أي: يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد الله، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب» (^١).
الإيمان باليوم الآخر، وذلك أن العبد إذا تيق فناء الدنيا لم يذل نفسه لأجل تحصيل متاعها، ولم يتحسر على فواتها، ولا يحزن على فراق لذاتها، قال تَعَالَى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩].
العلم الشرعي الصحيح؛ قال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
قال ابن القيم -﵀-: «إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفًا، ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك … قال أبو العالية: كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش، فيأخذ بيدي، فيجلسني معه على السرير، فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم، يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة» (^٢).
كتاب الله -﷿- علمًا وعملًا وتلاوة وحفظًا؛ فعن أبي الطفيل عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٥)
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ١ / ٦٤٨ ]
لِكِتَابِ اللهِ -﷿- وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ -﵁-: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^١).
الجهاد في سبيل الله بشروطه؛ فإن تركه سبب للذلة، كما جاء في الحديث عن ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (^٢).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد جعله الله سببًا لعزة الأمة وتكريمها، قال تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
العفو مع القدرة على الانتقام ممن اعتدى عليه عليه وأخطأ في حقه.
التواضع وعدم التعالي والكبر.
فعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ» (^٣).
قال النووي -﵀-: «(وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا) فيه- أيضًا- وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد عظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه، والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٤٦٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).
[ ١ / ٦٤٩ ]
قوله -ﷺ-: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ» فيه أيضًا وجهان، أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه، والثاني: أن المراد: ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الوجهين معًا في جميعها في الدنيا والآخرة» (^١).
الصبر على الظلم ولو كان فيه ذل له؛ فعن أبي كبشة الأنماري -﵁-، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا، إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ، إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (^٢).
الاستغناء عن الناس وترك سؤالهم؛ قال تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ -﵇- إِلَى النَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ «ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (^٣).
وقد ربى رسول الله -ﷺ- أصحابه على ذلك؛ فقال لأبي ذر -﵁-: «لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا» قلت: نعم، قال: «وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ، حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٨٠١٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣).
[ ١ / ٦٥٠ ]
فَتَأْخُذَهُ» (^١) وعن ثوبان -﵁-، قال: قال رسول الله: «مَنْ يَكْفُل لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، فَأَتَكَفَّل لَهُ بالجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «اسْتَغْنُوا عَنِ النَّاسِ وَلَوْ بِشَوْصِ سِوَاكٍ» (^٣).
وذلك كله؛ لأن السؤال فيه ذلة، والمسلم مطالب بالعزة؛ فعن سمرة بن جندب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ (^٤) يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» (^٥)، فسائل الناس يسعى بسؤاله إلى ذهاب عرضه وإراقة ماء وجه وذله، ومن أراد بقاء عزه وماء وجهه ترك السؤال وتعفف وسيغنيه الله (^٦).
١١ - سؤال الله العزة والتعلق به في تحصيلها دون خلقه؛ فإن العزة جميعها ملك لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فمن أرادها طلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، فالخلق كلهم ليسوا مصدرًا للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أحدًا أو
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٩٠٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٣).
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٣٢٥١)، والبزار (٤٨٢٤ - البحر الزخار). حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: ٩٤٧.
(٤) كدوح من الكدح، بمعنى: الجرح أو هي آثار الخموش. عون المعبود وحاشية ابن القيم (٥/ ٣٤).
(٥) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٣٩)، حكم الألباني: صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (١٦٣٩).
(٦) ينظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم، (٥/ ٣٤).
[ ١ / ٦٥١ ]
يمنعوها، وإن كانت لهم قوة فمصدرها الله -﷿-، وإن كانت لهم منعة فواهبها الله -﷿-، فكيف بعد هذا يتوجه إلى الآخذ المستمد لها من الله وهم مثله طلاب محاويج ضعاف؟!
إلهنا، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، تعز من من تشاء
وتذل من تشاء، أعزنا يا عزيز بدينك.
[ ١ / ٦٥٢ ]
العظيمُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «عظم الشيء عظمًا: كبر، فهو عظيم، والعُظَام بالضم مثله، وعظم الشيء: أكثره ومعظمه» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(عظم) العين والظاء والميم أصل واحد صحيح يدل على كبر وقوة، فالعظم: مصدر الشيء العظيم، تقول: عظم يعظم عظمًا، وعظمته أنا، فإذا عظم في عينيك قلت: أعظمته واستعظمته، ومعظم الشيء: أكثره» (^٢).
ورود اسم الله (العظيمِ) في القرآن الكريم:
ورد اسم (العظيمِ) تسع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قوله -﷿-: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤].
قوله -﷿-: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦].
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٢٦٥).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٣ ]
ورود اسم الله (العظيمِ) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العظيمِ) في السنة النبوية، ومن وروده مايلي:
عن حذيفة -﵁-، قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ …» (^١).
وعن ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب، يقول: لا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ» (^٢).
وقال -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ» (^٣).
معنى اسم الله (العظيمِ) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «قالوا: فقوله (العظيم) معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه وقال آخرون: بل تأويل قوله: (العظيم) هو أن له عظمة هي له صفة، وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، … وقال آخرون: بل قوله: إنه (العظيم) وصف منه نفسه
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦).
[ ٢ / ٤ ]
بالعظم، وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر؛ لصغرهم عن عظمته» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «(العظيم): ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «العظيم هو ذو العظمة والجلال، ومعنى العظم في هذا منصرف إلى عظم الشأن، وجلالة القدر» (^٣).
قال الأصبهاني -﵀-: «العظمة صفة من صفات الله -﷾-، لا يقوم لها خلق، والله تَعَالَى خلق بين الخلق عظمةً يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يعظَّم لمال، ومنهم من يعظَّم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظَّم بمعنى دون معنى، والله -﷿- يعظَّم في الأحوال كلها» (^٤).
قال ابن الأثير -﵀-: «(العظيم) هو الذي جاوز قدره تَعَالَى حدود العقول، حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته» (^٥).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «(العظيم) الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت في الصفة؛ فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم» (^٦).
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ٤٠٦).
(٢) اشتقاق أسماء الله، للزجاجي (ص: ١١١ - ١١٢).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٦٤).
(٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٤١).
(٥) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٥٩).
(٦) الحق الواضح المبين (ص: ٢٧ - ٢٨).
[ ٢ / ٥ ]
قال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التَّـ … ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ (^١)
اقتران اسم الله (العظيمِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (العظيمِ) باسم الله (العليِّ):
وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وجه الاقتران:
وجه الاقتران بين هذين الاسمين الكريمين: «أن لله -﷿- صفة كمال من اسمه (العلي)، وصفة كمال من اسمه (العظيم)، وصفة كمال ثالثة من اجتماعهما، فقد حاز العلو بكل أنواعه، وجمع العظمة بكل صورها، فهو عظيم في علوه، عال في عظمته سُبْحَانَهُ، ولعل تقديم اسم (العلي) على (العظيم) من تقديم السبب على المسبب؛ لأنه -﷿- عظم لعلوه على كل شيء» (^٢).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العظيمِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليمِ):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٣).
(٢) طابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء كردي (ص: ٤٧٤).
[ ٢ / ٦ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العظيمِ):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العظيم) من صفات الله تعالى:
الله سُبْحَانَهُ هو العظيم في كل شيء، عظيم في ذاته وفي أسمائه وصفاته، عظيم في رحمته، عظيم في قدرته، عظيم في حكمته، عظيم في جبروته وكبريائه، عظيم في هبته وعطائه، عظيم في لطفه وخبرته، عظيم في بره وإحسانه، عظيم في عزته وعدله وحمده، فهو العظيم المطلق، فلا أحد يساويه، ولا عظيم يدانيه.
وفي هذا يقول ابن القيم -﵀- معلقًا على آية الكرسي: «ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه، وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه.
ثم ذكر سعة كرسيه، منبهًا به على سعته سُبْحَانَهُ وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب، ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه» (^١).
وتقوم معاني التعظيم الثابتة لله وحده على نوعين، كالتالي:
«أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء، والعظمة،
_________________
(١) صواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٣٧١).
[ ٢ / ٧ ]
ومن عظمته: أن السماوات والأرض في كف الرحمن أصغر من الخردلة، كما قال ذلك ابن عباس -﵄- وغيره.
وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١].
وقال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
وفي المسند عنه -ﷺ-، قال: «قال الله -﷿-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^١).
فلله تَعَالَى الكبرياء والعظمة، والوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما (^٢).
النوع الثاني من معاني عظمته تَعَالَى: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظَّم كما يعظَّم الله؛ فيستحق -ﷻ- من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم؛ وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته.
_________________
(١) خرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٤٨٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠).
(٢) يأتي مزيد بيان عن عظمة الله في الأثر الثالث.
[ ٢ / ٨ ]
ومن تعظيمه: أن يُتقى حق تُقاته؛ فيطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه: تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومن تعظيمه: أن لا يعترض على شيء مما خلقه أو شرعه» (^١).
- قال السعدي -﵀-: «والله تَعَالَى عظيم، له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه، كما ينبغي له، ولا يحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده» (^٢).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العظيم) على التوحيد:
توحيد الربوبية والألوهية:
من آمن باسم الله العظيم وحَّد ربه بألوهيته وربوبيته وعظمه، ونفي الشركاء والأنداد عنه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، وكانت عبادته لله بالخشوع والخضوع لله، والاستكانة والتذلل لعظمته وجبروته ومحبته، وإفراده وحده بالعبادة؛ ولذا شرعت الصلاة التي من أولها لآخرها تعظيمًا لله تَعَالَى وخضوعًا لعظمته، وإفراده وحده بالعبادة.
ويصف الإمام ابن القيم -﵀- الركوع في الصلاة، فيقول: «ثم يرجع جاثيًا له ظهره خضوعًا لعظمته؛ وتذللًا لعزته؛ واستكانة لجبروته، مسبحًا له
_________________
(١) حق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٢٧ - ٢٨).
(٢) المرجع السابق.
[ ٢ / ٩ ]
بذكر اسمه (العظيم)، فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره، وربه فوقه يرى خضوعه وذله؛ ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال -ﷺ-: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-» (^١)» (^٢).
توحيد الأسماء والصفات:
إن اسم الله (العظيم) يدل باللزوم على الحياة والقيومية والسيادة والصمدية، والعزة والأحدية، وانتفاء الشبيه والمثلية، وكذلك يدل على السمع والبصر، والعلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، وغير ذلك من صفات الكمال.
فهو سُبْحَانَهُ العظيم الواسع الكبير في ذاته وصفاته، الذي جاوز قدره حدود الإدراك والخيال والعقل؛ لجلالته وعظمته، يقول تَعَالَى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فإذا كان عرشهسُبْحَانَهُ قد وصفه بالعظمة، وخصه بالإضافة إليه والاستواء عليه، فكيف بعظمة من استوى عليه وعلا فوقه سُبْحَانَهُ.
ومن نفى عنه سُبْحَانَهُ صفاته أو أولها أو فوض معانيها؛ بدعوى أن إثباتها يوهم تشبيهه بالمخلوقين؛ فقد ضل ضلالًا مبينًا، ولم يعظم ربه سُبْحَانَهُ.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧٩).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٦٣٠).
[ ٢ / ١٠ ]
الأثر الثالث: تعظيم ما أمر الله بتعظيمه:
وتعظيم الله تَعَالَى يكون بتعظيم الله -﷾-، وتعظيم كل ما أمر العظيم بتعظيمه، ومن ذلك:
١ - تعظيم أسماء الله وصفاته:
وقد وردت نصوص كثيرة تدل على عظم ذات الله تَعَالَى، منها: ما ورد عند ابن حبان من حديث أبي ذر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ» (^١).
وتعظيم أسمائه وصفاته، يكون على نحوين:
أولًا: تعظيم الله في باب الخبر- كالصفات وسائر الغيبيات-: وذلك باثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولاتكييف ولا تمثيل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد أمر سُبْحَانَهُ بتقديسه باسمه (العظيم)، يقول تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].
ثانيًا: تعظيم الله في باب الأمر: وذلك بطاعته عن محبة وتعظيم، والإكثار من ذكره؛ ابتغاء مرضاته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].
_________________
(١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٣٦٢).
[ ٢ / ١١ ]
٢ - تعظيم كتابه العظيم:
فإنَّ تعظيمَ كلام الله تعظيمٌ لله تَعَالَى، وقد عظم الله القرآن بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، يقول النووي -﵀-: «أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته» (^١).
والمعظمون لكتاب الله هم الذين يقيمون حروفه وحدوده، بالانقياد والتسليم، والتلاوة والعمل والتعليم، وحسن الاستماع والانصات له، يقول تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وللمعظمين لكتاب الله تَعَالَى قصص عظمى، ومواقف تروى، فقد كانوا يمتثلون أمره، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا، ومن أروع القصص في هذا مارواه جابر -﵁- قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَنْزِلًا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ
_________________
(١) التبيان في آداب القرآن (ص ١٦٤).
[ ٢ / ١٢ ]
أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا» (^١).
ومما يروى عن الإمام البخاري -﵀- أنه «كان ذات يوم يصلي فلسعه الزنبور سبع عشرة مرةً، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال مرة: كنت في آية فأحببت أن أتمها» (^٢).
٣ - تعظيم نبيه -ﷺ-:
الذي شهد له ربه بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وتعظيمه يكون بالاتباع والطاعة والنصرة له ومحبته، وذكر مناقبه والتعرف على سيرته، واعتقاد أنه لا سبيل يقرب إلى الله، وتنال به مرضاته إلا السلوك خلفه، واقتفاء أثره وسنته، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩].
يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعزروا الرسول -ﷺ- وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحوا لله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٩٣٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٩٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٩٨).
(٢) نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم -ﷺ-، إشراف: صالح بن حميد (٣/ ١٠٤٣).
[ ٢ / ١٣ ]
وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها» (^١).
ولا يؤمن أحد حتى يكون النبي -ﷺ- أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.
أما الغلو والمبالغة في التعظيم فهو مما نهى عنه النبي -ﷺ-؛ حمايةً لجناب التوحيد، فقال -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله، وَرَسُولُهُ» (^٢).
٤ - تعظيم حرمات الله تعالى:
فمن عظم الله تَعَالَى سارع إلى مرضاته، وغار على حرماته، وأدى الواجبات، وأقبل في الخيرات، حتى تصبح المباحات لديه طاعات وقربات، تشهد بتوحيده لله وعبوديته وتعظيمه ومحبته، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
يقول ابن القيم -﵀- عن تعظيم أوامر الله تَعَالَى ومناهيه: «تعظيم الأمر والنهي ناشئ عن تعظيم الآمر والناهي؛ فإن الله تَعَالَى ذم من لا يعظم أمره ونهيه، وقال -﷾-: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قالوا- في تفسيرها-: ما لكم لا تخافون لله تَعَالَى عظمة … وأول مراتب تعظيم الحق
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٩٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٤٥).
[ ٢ / ١٤ ]
-﷿-: تعظيم أمره ونهيه … وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله -﷿- واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تَعَالَى ونهيه دالًّا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق، وصحة العقيدة، والبراءة من النفاق؛ فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق، وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا تعظيم الآمر والناهي.
ومن علامات التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها؛ كمن يحزن على فوت الجماعة، ويعلم أنه لو تُقُبِّلَت منه صلاته منفردًا؛ فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفًا، ولو أن رجلًا يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون دينارًا لأكل يديه ندمًا وأسفًا، فكيف وكل ضِعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف، وألف ألف، وما شاء الله تَعَالَى، فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعًا، وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها، فهذا من عدم تعظيم أمر الله تَعَالَى في قلبه.
وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تَعَالَى، أو فاته الصف الأول، وكذلك فوت الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها.
وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فتفاضل الأعمال
[ ٢ / ١٥ ]
عند الله تَعَالَى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة، وتوابعها.
وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها، وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها؛ كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، ومجانبة من يجاهر بارتكابها، ويحسنها، ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي بما ارتكب منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تَعَالَى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تَعَالَى وحرماته.
ومن علامات تعظيم النهي: أن يغضب لله -﷿- إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنًا وحسرةً إذا عُصي الله تَعَالَى في أرضه، ولم يضطلع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.
ومن العلامات أيضًا: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط؛ مثال: ذلك أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه؛ فيكون مترخصًا جافيًا.
فحقيقة التعظيم للأمر والنهي: أن لا يعارَضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال؛ فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله -﷿- بسالكه.
وما أمر الله -﷿- بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين.
[ ٢ / ١٦ ]
كذلك من علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله -﷿-، بل يسلم لأمر الله تَعَالَى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والبذل والتسليم» (^١).
فالمعظِّم الحقيقي لحرمات الله، لاينظر لصغر المعصية، ولكن ينظر لعظمة من عصى سُبْحَانَهُ، فإن القلب إن لم يؤمن بعظمة الله حقيقة لن يطيعه على الدوام، يقول تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٤].
٥ - تعظيم بيوت الله:
وقد أقام الإسلام تعظيم بيوت الله، وصيانة حرمتها، وإبقاء قدسيتها على ثلاثة أركان:
١ - التقدير، يقول تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، كذلك يسن لمن دخل المسجد ألا يجلس مباشرة، بل يركع ركعتين، وبهذا أمر النبي -ﷺ-؛ في قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» (^٢).
٢ - التطهير، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
_________________
(١) انظر: الوابل الصيب (ص: ١٢ - ٢٦).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٧١٤).
[ ٢ / ١٧ ]
٣ - التعمير، وقد وصف الله من يقوم بعمارة المسجد بالإيمان، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
الأثر الرابع: نماذج من تعظيم الأنبياء والصالحين لله العظيم سُبْحَانَهُ:
من تأمل في حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، رأى عظم تعظيمهم لله تَعَالَى، ومن ذلك:
تأدب الأنبياء مع العظيم سُبْحَانَهُ في ألفاظهم، ومن ذلك: خطاب إبراهيم -﵇- لربه في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢].
يقول السعدي -﵀- في جمعه لمواضع تشمل الأدب مع الله في اللفظ: «فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وأما الخير، فأضافه إلى الله تَعَالَى لقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، كما قال إبراهيم -﵇- ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، مع أن الكل بقضاء الله وقدره» (^١).
كان النبي -ﷺ- لايغضب لنفسه أبدًا، وإنما يغضب بشدة إذا انتهكت حدود الله، وهذا واضح في قصة المرأة المخزومية التي سرقت واستشفع أسامة لها، فقال النبي -ﷺ-: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»!
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٨٢).
[ ٢ / ١٨ ]
ثم قام فخطب، قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» (^١)، وشواهد السنة كثيرة في ذلك.
موقف صحابة النبي -ﷺ- عندما نزل تحريم الخمر فعن ثابت، عن أنس -﵁-، «كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ» (^٢)
قول ابن مسعود -﵁-: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به، وأشار بيده هكذا» (^٣).
قول الشافعي -﵀-: «ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا» (^٤)، وما كان إلا توقيرًا لاسم الله تَعَالَى.
اللهم اجعلنا ممن عظمك حق تعظيمك، وتب علينا واغفر لنا.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٧٨٨) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٤) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٨٠).
(٣) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٥٨).
(٤) طبقات الشافعيين، لابن كثير (ص: ٢٢).
[ ٢ / ١٩ ]
الأثر الخامس: محبة الله العظيم:
إن الإيمان بعظمة الله -﷾- وعظيم قدرته يدفع المسلم لمحبة ربه؛ فهو العظيم في نفسه، والعظيم في أفعاله، والعظيم في جماله، والعظيم في جلاله.
وهذا الحب هو في ذاته تعظيم لله -جل وعلا-، فكلما زاد حب العبد لربه تَعَالَى، زاد تعظيمه، وتعظيم شرعه الحنيف.
الأثر السادس: دعاء الله تَعَالَى باسمه العظيم:
وفي السنة شواهد ودلائل كثيرة على دعاء النبي -ﷺ- ربه باسمه العظيم، ومن ذلك:
في حديث ابن عمر -﵁-، قال: «لم يكن رسول الله -ﷺ- يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).
وعن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٣٢٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).
[ ٢ / ٢٠ ]
وصح من حديث عبد الله بن عمرو -﵁- عن النبي -ﷺ-: «أنه كان إذا دخل المسجد قال: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٦٦)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٦٦).
[ ٢ / ٢١ ]
العَفُوُّ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «وعفوت عن ذنبه، إذا تركته ولم تعاقبه، والعفُوُّ: الكثير العفو، وعفا الماء: إذا لم يطرقه شئ يكدره» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(عفو) العين والفاء والحرف المعتل أصلان يدل أحدهما على ترك الشيء، والآخر على طلبه، والعفو: عفو اللهتَعَالَى عن خلقه، وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم، فضلًا منه، قال الخليل: وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه» (^٢).
ورود اسم الله (العفو) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (العفو) في القرآن الكريم في خمس آيات، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
قوله -﷿-: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٨٣).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥٦).
[ ٢ / ٢٢ ]
قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠].
ورود اسم الله (العفو) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العفو) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عائشة -﵂-، أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَدْعُو؟ قَالَ: تَقُولِينَ: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^١).
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «إِنَّ أَوَّلَ رَجُلٍ قُطِعَ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا سَرَقَ، فَكَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَمَادًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْ: يَقُولُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟ وَأَنْتُمْ أَعْوَانُ الشَّيْطَانِ عَلَى صَاحِبِكُمْ، وَالله -﷿- عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، وَلَا يَنْبَغِي لِوَالِي أَمْرٍ أَنْ يُؤْتَى بِحَدٍّ إِلَّا أَقَامَهُ، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]» (^٢).
معنى اسم الله (العفو):
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]-:
«إن الله لم يزل عفوًّا عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠) واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠٥٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٥٧٢)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٦٩٠). حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٨).
[ ٢ / ٢٣ ]
يشركوا به» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «العفو: الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: لم يزل كائنًا يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب، أي: يستر عقوبته فلا يعاقب» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «العفو: الغفور الغفار، الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران، والصفح عن عباده موصوفًا» (^٤).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَهوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى
لَوْلَاهُ غَارَ الأَرْضُ بِالسُّكَّانِ (^٥)
اقتران اسم الله (العفو) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (العفو) باسم الله (الغفور):
ورد ذلك في القرآن الكريم أربع مرات، ومن ذلك: قوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ٤٢٦).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٩٠).
(٣) تفسير القرطبي (٥/ ٢٤١).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦)
(٥) النونية (٢/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٢٤ ]
فالله العفو الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبني عن الستر، والعفو ينبني عن المحو، والمحو أبلغ من الستر (^١).
قال الكفوي -﵀-: «يتمثل الفرق بين العفو والغفران في أمور عديدة، أهمها:
أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقه إلا المؤمن، ولا يكون إلا في حق البارئ تَعَالَى؛ أما العفو فإنه يقتضي إسقاط اللوم والذم ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل في العبد- أيضًا-.
العفو قد يكون قبل العقوبة أو بعدها، أما الغفران؛ فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، ولا يوصف بالعفو إلا القادر عليه.
في العفو إسقاط للعقاب، وفي المغفرة ستر للذنب وصون من عذاب الخزي والفضيحة» (^٢).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العفو) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):
جاء هذا الاقتران مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وجه الاقتران:
«من المعلوم أن العفو الممدوح هو الذي يصدر مع القدرة على
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٩٧)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابوري (٢/ ٤٢١).
(٢) الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، للكفوي (ص: ٦٣٣).
[ ٢ / ٢٥ ]
الانتقام، وكماله لا يكون إلا من الله تَعَالَى الذي عفوه ومغفرته ناشئان عن قدرته وحكمته، لا عن عجز وضعف؛ ولذا قرن الله -﷿- بين عفوه وقدرته، فهو سُبْحَانَهُ كامل في عفوه، وكامل في قدرته، وكامل في عفوه مع مقدرته» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العفو):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العفو) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو صاحب العفو الشامل، الذي يسع ما يصدر عن العباد من الذنوب، لاسيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان، والأعمال الصالحة، فهو سُبْحَانَهُ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن مظاهر كمال عفوه سُبْحَانَهُ مايلي:
العفو عن المذنب: فمهما أسرف العبد على نفسه، ثم تاب إلى ربه ورجع، غفر له ربه جميع جرمه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سُبْحَانَهُ ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب، ولا نفس تطرف، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].
_________________
(١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (ص: ٤٢٥).
[ ٢ / ٢٦ ]
العفو في الأحكام الشرعية للمحتاج: فهو سُبْحَانَهُ وإن كان أوجب الوضوء لمن أراد الصلاة، إلا أنه عفا عمن لا يجد الماء أو لم يستطيع استعماله، وأباح له التيمم مراعاة لضعفه، ولو شاء لأعنته، وألزمه بالوضوء أبدًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].
العفو في ستر عباده في الدنيا والآخرة: فلايفضحهم في الدنيا، ويستر على كثير منهم في الآخرة، فيعرِّفهم بعض ذنوبهم، ثم يسترهم بغفرانه لها، بل ويبدلها حسنات، فَسُبْحَانَهُ ما أكرمه! وما أعظم عفوه وغفرانه! يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
فالله سُبْحَانَهُ بهذا الشمول الإلهي في عفوه قد أقام الحجة على عباده كلهم، فحري بهم أن يحسنوا عبادة ربهم، ويخلصوا توحيده سُبْحَانَهُ.
الأثر الثاني: الثقة بعفو الله وعدم تضييع أمره ونهيه:
فإن كون الله سُبْحَانَهُ عفو كريم غفور لا يعني أن يسرف العبد في الخطايا والذنوب، ويتجرأ على معصية الله تَعَالَى، بحجة أن الله عفو غفور رحيم؛ لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] وقال -﷿-: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]، وهناك فرق كبير بين حسن الظن بالله والغرور.
[ ٢ / ٢٧ ]
وعن هذا المعنى يقول ابن القيم -﵀-: «وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.
قال الإمام أحمد -﵀- … عن عقبة بن عامر -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ -﷿- يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثم تلا قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (^١).
وقال بعض السلف: «إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه، وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كل من أنعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل ابتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٥٨٤)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث (٩٢٧٢)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٤٢٢٠) حكم الألباني: إسناده جيد، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٢٠١).
[ ٢ / ٢٨ ]
وفي الحديث عنه -ﷺ-: «وَإِنَّ الله -﷿- يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ» (^١)، وقال بعض السلف: رب مُستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم» (^٢).
الأثر الثالث: الحرص على تحصيل ثواب العفو وفضله:
للعافين عن الناس ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك مايلي:
أولًا: ثواب الدنيا، ومنه:
تحقيق الامتثال لأمر الله تعالى، فقد أمر بالعفو على سبيل العموم في قوله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
بل وأمر نبيه بالعفو مع أهل الخيانة والغدر، فكيف بالعفو!!!؟ وأخبره أنه يحب أهل الإحسان، يقول تَعَالَى عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]
محبة الله للعفو، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٤٦)، ومسند البزار (٢٠٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٦٢٥).
(٢) ينظر: الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٧٤ - ٧٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠)، حكم الألباني: صحيح، رقم الحديث: (٣٨٥٠).
[ ٢ / ٢٩ ]
انقلاب العدو لولي حميم، يقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]
نيل العزة، ففي الحديث: عن أبى هريرة -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (^١)، في الحديث: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلاَّ زَادَهُ الله عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ الله عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» (^٢).
ثانيًا: ثواب الآخرة:
أجر العافين على الله: يقول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ومن أحب أن يعفو الله عنه عفا عن خلقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
وقد كان سبب نزولها: ما رواه البخاري أن مِسطَح بن أُثاثة تكلم مع من تكلم في عائشة -﵂- في حادثة الإفك، فلما أنزل الله براءة عائشة، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).
[ ٢ / ٣٠ ]
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، يعني: أبا بكر -﵁-، ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: ٢٢] يعني: مسطحًا، إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ (^١).
نيل المغفرة والجنة: يقول تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الأثر الرابع: محبة الله العَفُو:
من علم أن الله عفو غفور رحيم أثمر في قلبه محبته تَعَالَى، والتوقي عن معصيته بقدر الطاقة، وإذا زلت القدم ووقع المؤمن في الذنب فإنه يتذكر أن الله عفو يحب العفو، فيسري الرجاء في قلبه، ويقطع الطريق على اليأس من رحمة الله تَعَالَى، ويحسن الظن بربه الذي يعفو عن المسيئين، ويغفر الذنوب جميعًا.
الأثر الخامس: اتصاف العبد بالعفو:
العفو والتجاوز لا يقتضي الذلة والضعف، بل إنه قمة الشجاعة والامتنان وغلبة الهوى، لا سيما إذا كان العفو عند المقدرة على الانتصار.
وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا عن الانتصار من الظالم؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، وذكر عن إبراهيم النخعي -﵀-
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٥٧).
[ ٢ / ٣١ ]
قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا» (^١)، قال الحسن بن علي -﵄-: «لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه، واعتذر في أذني الأخرى، لقبلت عذره» (^٢).
وعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^٣).
وقال جعفر الصادق -﵀-: «لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إلي من أندم على العقوبة مرة واحدة» (^٤).
وقال الفضيل بن عياض -﵀-: «إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا، فقل: يا أخي، اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله -﷿-، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو؛ فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور؛ لأن الفتوة هي العفو عن الإخوان» (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ١٢٩).
(٢) الآداب الشرعية، ابن مفلح (١/ ٣١٩).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٠٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥١٦٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٦٤).
(٤) أدب المجالسة، لابن عبد البر (ص: ١١٦).
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٠).
[ ٢ / ٣٢ ]
ولنا في رسول الله -ﷺ- أسوة حسنة، ومن تأمل في السيرة النبوية وجدها مليئة بنماذج، يتجلى فيها عفو النبي -ﷺ- فيما يتعلق بحق نفسه، ولا يغضب من أجلها، ومن هذه النماذج:
عفوه -ﷺ- عن رجل قد هم بقتله، فعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ» (^١).
عفوه -ﷺ- عن امرأة يهودية، تضع سمًّا في طعامه، وعندما أصيب النبي بهذا السم نهى عن قتلها، فعن أنس بن مالك -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-» (^٢).
عفوه -ﷺ- عن قاتل عمه، عن ابن عباس -﵄-، قال: «لمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُدٍ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَرَأَى مَنْظَرًا أَسَاءَهُ؛ رَأَى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وَاصْطُلِمَ أَنْفُهُ، وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ، فَقَالَ:
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥١٥٩)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (١٧٧٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٨٨٣)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٢٨٧٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦١٧).
[ ٢ / ٣٣ ]
لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ النِّسَاءُ، أَوْ يَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، لَأُمَثِّلَنَّ مَكَانَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا ". ثُمَّ دَعَا بِبُرْدِهِ فَغَطَّى بِهَا وَجْهَهُ، فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ، فَغَطَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَجْهَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْإِذْخِرِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ، فَلَمَّا دُفِنُوا، وَفَرَغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] فَصَبَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَلَمْ يُمَثِّلْ بِأَحَدٍ» (^١).
والمعروف أن الذي قتل حمزة -﵁- هو وحشي، فلما فتح رسول الله مكة هرب إلى الطائف، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ليعلنوا إسلامهم ضاقت على وحشي السبل، وبعد فترة قدم على رسول الله المدينة وكان قد أسلم، قال وحشي: فَلَمَّا رَأنِي -ﷺ- قَالَ: «وَحْشِيٌّ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «اجْلِسْ فَحَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ قَتْلُكَ حَمْزَةَ» فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَدَّثْتُهُ كَمَا حَدَّثْتُكُمَا فَقَالَ: «وَيْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ بِأَنْ لَا أَرَاكَ» قَالَ: فَكُنْتُ أَتَنَكَبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، حِينَ كَانَ حَيًّا حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ -﷿- رَسُولَهُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، رقم الحديث:، (٤٢٠٩)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٤٠).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (٤٨٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٧٠١٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٩٤٧) والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٨٢٥٨)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٦٩٧٨)، وينظر: أسباب النزول، الواحدي (ص: ٥٦).
[ ٢ / ٣٤ ]
فهذا موقف يبين كيف كان رسول الله -ﷺ- يكظم غيظه، فأي كظم للغيظ هذا؟ بل أي حلم وعفو هذا الذي يلقى به رسول الله -ﷺ- قاتل عمه الأثير وصديقه النصير، وشريكه في الجهاد، وكان رسول الله -ﷺ- قادرًا على أن يثأر لعمه، بل كان كثير من الصحابة الكرام ينتظر إشارة من رسول الله -ﷺ- ليقتل بها وحشيًّا؛ ليشفي غيظ نبيه، لكن رسول الله -ﷺ- عفى عنه ابتغاء وجه الله تَعَالَى، وفي هذا بيان لأمته أن تتعلم العفو والصفح الجميل.
عفوه -ﷺ- العفو الشامل العام في فتح مكة، عندما وقف مخاطبًا أهل مكة قائلًا: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (^١).
نماذج من تخلق السلف الصالح بخلق العفو:
أبو بكر الصديق -﵁-، كان يحسن إلى مسطح الذي مس ابنته عائشة -﵂- في عرضها، عندها أوقف الصديق المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فكان الصديق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد على مسطح بالمساعدة! (^٢).
_________________
(١) زاد المعاد، ابن القيم (٣/ ٣٥٩).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٥ ]
أم المؤمنين صفية بنت حيي -﵂-: قال أبو عمر بن عبد البر -﵀-: «روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة؛ وأما اليهود، فإن لي فيهم رحمًا، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان: قالت: فاذهبي، فأنت حرة» (^١).
ومن الأمور المعينة لتربية النفس على العفو عن الناس ما يلي:
تنقية القلب من شوائب الحقد والحسد، أو الغل على المسلمين، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ -﷿- وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) الاستيعاب على هامش الإصابة، لابن عبد البر (٤/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٣٦ ]
-ﷺ- يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (^١).
استشعار الحاجة لعفو الله ورحمته ومغفرته، يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها، ويغفرها لك، ويهبها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعفُ، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يُفعل معك، فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة، كما قال النبي -ﷺ- للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٩٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف، رقم الحديث: (٢٠٥٥٩)، ومسند البزار (٦٣٠٨)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦١٨١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٢٨).
[ ٢ / ٣٧ ]
إليهم وهم يسيئون إليه، فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (^١)».
قطع طريق الشيطان في الاسترسال باستدعاء تفاصيل خطأ من ظلم، فإن الاسترسال يؤجج نار العداوة، ويضرب القلوب بعضها ببعض؛ ولذا جاءت آية العفو مقرونة بالأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، يقول تَعَالَى:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].
بل يأتي الأمر الإلهي باختيار أحسن الكلام عند مخاطبة الناس؛ حتى لا يترك للشيطان فرصة للإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
العفو عن المسيء والدعاء له: وذلك تأسيًا برسل الله الكرام، فهذا يوسف -﵇- ألقاه أخوته في البئر، وقال تَعَالَى عنهم: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، فكان رد يوسف -﵇- عندما اقتدر ودخلوا عليه في ملكه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فابتدأ كلامه بنفي التعيير والتوبيخ، ثم دعا لهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).
[ ٢ / ٣٨ ]
وفي الصحيحين حكاية رسول الله عن نبي من الأنبياء، فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (^١).
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان: قابل بها إساءتهم العظيمة إليه، أحدها: عفوه عنهم، والثاني: استغفاره لهم، والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه» (^٢).
بذل الهدية والعطية، يقول -ﷺ-: «تَهَادُوا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ» (^٣).
صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فهي كفيلة بغسل قلب المؤمن، يقول رسول الله -ﷺ-: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٢).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠)، حكم الألباني: ضعيف لكن الشطر الثاني منه صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٥٣٩)، والطيالسي، رقم الحديث: (٤٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٣٨٠٤).
[ ٢ / ٣٩ ]
ومما تجدر الإشارة إليه: أن المؤمن مكلف بالعفو مع الإصلاح، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٠].
ومن فضل الله وسعة كرمه: أنه لم يلزم عباده بالعفو عمن أساء إليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤١].
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فذكر المقامات الثلاثة: العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه، فإن قيل: فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان، قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار، وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو، قال بعض السلف في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سُبْحَانَهُ به نفسه في قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]» (^١).
الأثر السادس: الدعاء باسم الله العفو:
عفو الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيه الله لعبده، ولذا كان رسول الله -ﷺ- كثير السؤال به، وعن ابن عمر -﵄-، قال: «لم يكن رسول الله -ﷺ- يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهمَّ إِنِّي
_________________
(١) الروح (ص: ٢٤٢).
[ ٢ / ٤٠ ]
أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).
وعن أنس -﵁-، قال: «فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثُمَّ أَتَاهُ الْغَدَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (^٢).
وفي أفضل ليالي السنة دل رسول الله -ﷺ- عائشة إلى سؤال العفو، فعن عائشة -﵂-، قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^٣).
فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٧).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤١ ]
الأعلَى العلِيُّ المُتعَالِ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «علا في المكان يعلو علوًّا، وعلي في الشرف بالكسر يعلى علاء، ويقال أيضًا: علا بالفتح يعلى، … والعُلاء والعَلاء: الرفعة والشرف» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «العين واللام والحرف المعتل- ياءً كان أو واوًا أو ألفًا- أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، لا يشذ عنه شيء، ومن ذلك: العلاء والعلو، يقولون: تَعَالَى النهار، أي: ارتفع …، والعلو: العظمة والتجبر» (^٢).
ورود اسماء الله (العَلِيِّ -الأعلى- المُتَعَالِ) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله العلي في ثمانية مواضع من القرآن، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٨٤).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ١١٢ - ١١٣).
[ ٢ / ٤٢ ]
قوله -﷿-: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].
وأما (الأَعْلَى) فقد ورد مرتين، وهما:
قوله -﷿-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
قوله -﷿-: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠].
وأما (المُتَعَالِ) فقد ورد مرة واحدة، وهي:
قوله -﷿-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
ورود اسم الله (العلي- المتعالِ) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العلي) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبادة بن الصامت -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قال: اللهم اغْفِرْ لِي، أو دعا، استُجيب له، فَإِنْ تَوَضَّأَ، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).
وعن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كان يقول- عند الكرب-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٤١٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٨٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٤٥).
[ ٢ / ٤٣ ]
ورد اسم الله (الأعلى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
١ - عن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى» (^١).
٢ - عن عبدالله بن مسعود -﵁-: قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» (^٢).
٣ - عن حذيفة بن اليمان -﵁-، قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ
آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٩٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٨٨٣)، والحاكم، رقم الحديث: (٩٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٨٨٣).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٨٨٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٨٩٠)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٨٨٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٢).
[ ٢ / ٤٤ ]
ورد اسم الله (المتعالِ) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] قال: يَقُولُ الله -﷿- أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي- يُمَجِّدُ نَفْسَهُ- قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُرَدِّدُهَا حَتَّى رَجَفَ بِهِ الْمِنْبَرُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَخِرُّ بِهِ» (^١).
معنى أسماء الله (العَلِيِ- الأعلى - المتعالِ) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسمي الله (العلي، الأعلى):
هو الذي له العلو المطلق بجميع أنواع العلو الثلاثة:
١ - علو الذات.
٢ - علو القهر والغلبة.
٣ - علو المكانة والقدر والصفات.
وحول أنواع العلو تدور أقوال العلماء، ومنها (^٢):
قال الطبري -﵀-: «هو ذو العلو والارتفاع على كل شيء، والأشياء كلها دونه؛ لأنهم في سلطانه، جارية عليهم قدرته، ماضية فيهم مشيئته» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٧١٢)، وابن خزيمة في التوحيد، رقم الحديث: (١/ ١٧١)، والبيهقي في الأسماء والصفات، رقم الحديث: (٥٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٦).
(٢) مزيد من التفصيل في أنواع العلو سيكون في الأثر الثاني من الآثار الإيمانية والمسلكية.
(٣) تفسير الطبري، (٢٠/ ٤٦٦).
[ ٢ / ٤٥ ]
قال البغوي -﵀-: «هو العالي على كل شيء» (^١).
قال ابن كثير -﵀-: «كل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تَعَالَى وتقدس وتنزه -﷿- عما يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا» (^٢)، وقال أيضًا: «هو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: «فإن من لوازم اسم (العلي): العلو المطلق، بكل اعتبار، فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات؛ فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي)» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر؛ فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرباء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى» (^٥).
_________________
(١) معالم التنزيل (٥/ ٣٩٧).
(٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٤٩).
(٣) المرجع السابق (٦/ ٣٥٠).
(٤) التفسير القيم (ص: ٣٥).
(٥) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).
[ ٢ / ٤٦ ]
ثانيًا: معنى اسم الله (المتعالِ):
قال ابن كثير -﵀-: «المتعال على كل شيء قد أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعًا وكرهًا» (^١).
فالمتعال هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع
له سُبْحَانَهُ، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فلو فرضنا وجود إلهين اثنين متنازعين متشاكسين، مختلفين ومتضادين، وأراد أحدهما شيئًا خالفه الآخر، فلا بد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو المتعالي القادر، وقد أحسنت الجن لما قالت: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
قال ابن القيم -﵀-:
هَذَا وَثَانِيهَا صَرِيحُ عُلُوِّهِ … وَلَهُ بِحُكْمِ صَرِيحِهِ لَفْظَانِ
لَفْظُ العَلِيِّ وَلَفْظَةُ الأَعْلَى مَعْرِ … فَةً أَتَتْكَ هُنَا لِقَصْدِ بَيَانِ
إِنَّ العُلُوَّ لَهُ بِمُطْلَقِهِ عَلَى التَّـ … عْمِيمِ والإِطْلَاقِ بِالبُرْهَانِ
وَلَهُ العُلُوُّ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعِهَا … ذَاتًا وَقَهْرًا مِنْ عُلُوِّ الشَّانِ (^٢)
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٠٤).
(٢) النونية (ص: ٧٣).
[ ٢ / ٤٧ ]
اقتران اسم الله (العَليِّ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ):
تقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِي) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيمِ):
تقدم بيانه في اسم الله (العظيم).
ثالثا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِيِّ) واسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
ومن وروده ما يلي: يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):
لم يرد إلا مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
وجه الاقتران فيهما:
يقول السعدي -﵀-: «وهو (العلي) بذاته فوق جميع المخلوقات، وقهره لهم وعلو قدره؛ لما له من الصفات العظيمة الجليلة المقدار، (الكبير) في ذاته وصفاته، ومن علوه: أن حكمه تَعَالَى يعلو وتذعن له النفوس حتى نفوس المتكبرين والمشركين» (^١).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).
[ ٢ / ٤٨ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (العَلِي- الأعلى- المتعال):
الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (العلي، الأعلى، المتعال) من الصفات:
فالله سُبْحَانَهُ هو العلي الأعلى المتعال، له جميع أنواع العلو بكمالها وتمامها، ومن أنكر شيئًا منها فقد ضل ضلالًا بعيدًا، ولإثبات أنواع العلو لله شواهد وأدلة، ومنها ما يلي:
علوُّ الذَّاتِ، فالله -﵎- مستو على عرشه، وعرشه فوق مخلوقاته، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢].
والله مستو على عرشه فوق عباده، كما قال -﵎-: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال عن عباده المؤمنين: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
ومن عنده تتنزل الآيات، يقول تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤].
وإليه تعرج وتصعد الملائكة، يقول تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
[ ٢ / ٤٩ ]
وفي إثبات علو الذات الإلهية يقول ابن القيم -﵀- في نونيته:
فَهوَ العَلِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ … إِذْ يَسْتَحِيلُ خِلَافُ ذَا بَبَيَانِ
وَهوَ الَّذِي حَقًّا عَلَى العَرْشِ اسْتَوى … قَدْ قَامَ بِالتَّدْبِيرِ لِلْأَكْوَانِ (^١)
علوُّ القهرِ والغَلَبِ، كما قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]، فلا ينازعه منازع، ولا يغلبه غالب، وكل مخلوقاته تحت قهره وسلطانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد وصف الحق نفسه بصفات كثيرة، تدل على علو القهر والغلب كالعزيز، والقوي، والقدير، والقاهر والغالب، ونحو ذلك، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،
ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
علو المكانة والقدر، فله سُبْحَانَهُ كمال الحياة والدوام، وكمال الجمال والجلال، وكمال العلم والقدرة، وكمال الجود والرحمة، وكمال الحكمة، والحلم، فلله سُبْحَانَهُ المثل الأعلى والصفات العليا التي لا يستحقها غيره، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
_________________
(١) النونية (ص ٢٠٣).
[ ٢ / ٥٠ ]
فالله سُبْحَانَهُ هو الإله الواحد الأحد، وهو المتعال عن الشريك والمثيل والند والنظير، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وفي إثبات كل أنواع العلو للعلي العظيم يقول ابن القيم -﵀-:
وَهوَ العَلِيُّ فَكُلُّ أَنْوَاعِ العُلُـ … ـوِّ لَهُ فَثَابِتَةٌ بِلَا نُكْرَانِ (^١)
الأثر الثاني: توحيد الله باسمائه العلي الأعلى المتعال:
- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الربوبية والألوهية:
إن من آمن أن الله سُبْحَانَهُ له كمال العلو بأنواعه وحده، علم أنه وحده العلي بذاته فوق كل خلقه، المسيطر عليهم بقهره وقوته وقدرته، المدبر لأمورهم بكمال علمه وحكمته ورحمته، وهو الذي له الأمر من قبل ومن بعد، فلا راد لأمره وقضائه، ولا تدبير إلا تدبيره، ولا يجري من الأقدار إلا ما أراده سُبْحَانَهُ، فهو الرب الخالق العلي المستحق للعبادة وحده دون سواه، يقول تَعَالَى في أعظم آية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٣).
[ ٢ / ٥١ ]
ومن مقتضى الإيمان بعلو الله في ذاته، وقدره، وغلبته: أن يسبح المؤمن ربه عما لا يليق به تَعَالَى من قول المشركين، وأنه ينزه عن النقص بكل وجوهه مما يصفه به الملحدون، يقول تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الأسماء والصفات:
فعقيدة المسلم إثبات العلو المطلق الكامل لله كما يليق بجلاله، دون تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تشبيه، وقد ذكر ابن القيم -﵀- عددًا من النصوص المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، ومنها:
أحدها: التصريح بالفوقية، مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو، قال تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو قوله تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقول النبي -ﷺ-: «ثم يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).
[ ٢ / ٥٢ ]
الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].
التاسع: التصريح بأنه سُبْحَانَهُ في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على»، وإما أن يراد بالسماء: العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.
العاشر: التصريح بنزوله سُبْحَانَهُ كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل (^١).
_________________
(١) ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٢/ ٢١٥).
[ ٢ / ٥٣ ]
الأثر الثالث: تعظيم العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ:
«فمن شهد مشهد علو الله على خلقه، وفوقيته لعباده، واستوائه على عرشه، كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدى الملك العزيز، فيشعر بأن كلامه وعمله صاعد إليه، معروض عليه، مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك» (^١).
وبذلك يثمر الإخلاص والتعظيم في قلبه لله تَعَالَى، فلا يخشى سواه ولايطلب الثواب من غيره سُبْحَانَهُ، ويكون ممن قال الله عنهم سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠].
ولذا فمن سنة الرسول -ﷺ- في سجود الصلاة قوله: «سبحان ربي الأعلى»، وعلل ذلك بأن السجود غاية في الخضوع والتذلل من العبد بأشرف شيء فيه لله- وهو وجهه- بأن يضعه على التراب؛ فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى؛ فالعبد ليس له من نفسه شيء، وليس له من العظمة نصيب؛ فهو خلق من العدم.
الأثر الرابع: محبة العلي الأعلى المتعال:
فمتى استوطنت في نفس العبد معرفة الله تَعَالَى بأسمائه العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ، فعلم كماله من كل الوجوه، وتنزهه عن النقص من كل الوجوه، وأخلص له عالمًا أنه المرجو وحده، والمخوف وحده -﷾-؛
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٤٣).
[ ٢ / ٥٤ ]
إذ تدبير أموره وأمور كل الخلق راجع إليه، ونظر فرأى كمال لطف العلي سُبْحَانَهُ ورحمته وحكمته في هذا التدبير، ورأى كمال قدرته وقوته، ورأى كمال عظمته وجلاله سُبْحَانَهُ، أورثه ذلك- مع الخضوع والإخبات لربه- محبة تنقدح في نفسه، وتنمو في روحه، وتزداد بازدياد معرفته بخالقه سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن العبد مجبول على حب من حظه من الصفات أعلاها وأتمها.
الأثر الخامس: من آمن بالأعلى سُبْحَانَهُ تواضَع:
فإن الإيمان بعلوه سُبْحَانَهُ وقهره لعباده، يورث في القلب تواضعًا وحياءً، وتعظيمًا لله تَعَالَى وأوامره ونواهيه، فإن أوتي العبد شيء من العلو في الدنيا فإنما هو علو نسبي، وبإعلاء الله له، فلا فضل له فيه ولا منة، يقول تَعَالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، كما علم أن الله الذي رفع منزلته وأعلى شأنه في الأرض قادر على أن يمحقه ويجعله من الأسفلين، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وعليه فيجب الحذر من العلو على الناس، واجتناب ظلم العباد والتكبر عليهم وقهرهم والعدوان عليهم، ولا ينجو من ذلك إلا من تذكر علو الله تَعَالَى وقهره، وأن العبد مهما علا وظلم وقهر فإن الله (العلي المتعال) فوقه يراه، وسيقتص للمظلومين ممن ظلمهم، وما من جبار علا في الأرض وتجبر إلا وقصمه الله تَعَالَى وأهلكه؛ ولذلك لما ذكر سُبْحَانَهُ علاج من يخاف نشوزها من الزوجات في سورة النساء ختم ذلك باسميه سُبْحَانَهُ (العلي) (الكبير)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
[ ٢ / ٥٥ ]
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
يقول القاسمي -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]: «فاحذروه بتهديد الأزواج على ظلم النسوة من غير سبب؛ فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الإنصاف منكم، فالله سُبْحَانَهُ علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجةً منهن؛ فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة» (^١).
الأثر السادس: دعاء الله باسمه العلي الأعلى المتعال:
من الأدعية المأثورة عن النبي -ﷺ- في الدعاء باسمه العلي، حديث عبادة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ، قال الوليد: أو قال: دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^٢).
فاللهم يا علي يا عظيم، وفقنا لما تحب وترضى.
_________________
(١) محاسن التأويل (٣/ ١٠٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤)، واللفظ لابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧٨).
[ ٢ / ٥٦ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «… وعلمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته، وعالمت الرجل فعلمته، أعلمه بالضم: غلبته بالعلم … ورجل علامة، أي: عالم جدًّا، والهاء للمبالغة، كأنهم يريدون به داهيةً …». (^١)
قال ابن فارس -﵀-: «(علم) العين واللام والميم أصل صحيح واحد، … والعلم: نقيض الجهل، وقياسه قياس العلم والعلامة» (^٢).
ورود اسم الله (العليم - العالم - علام الغيوب) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله العليم في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) في القرآن الكريم مائةً وسبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
قوله -﷿-: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٩٩٠).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ١٠٩).
[ ٢ / ٥٧ ]
قوله -﷿-: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
ثانيًا: ورود اسم الله العالم في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (العالم) في القرآن الكريم ثلاثة عشر مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢].
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨].
قوله -﷿-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].
ثالثًا: ورود اسم الله علام الغيوب في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في القرآن الكريم أربع مرات، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].
قوله -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
قوله -﷿-: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨].
[ ٢ / ٥٨ ]
ورود اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (العليم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (العليم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عثمان بن عفان -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ» (^١).
عن أبي سعيد الخدري -﵁-، أنه قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- ثلاثًا-، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا- ثلاثًا- أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٣٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨) واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨)، والنسائي، رقم الحديث: (٣٤٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٦٤٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٧٥)، والترمذي، رقم الحديث: (الحديث: (٢٤٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٧٧٥). داود، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٣٠).
[ ٢ / ٥٩ ]
ثانيًا: ورود اسم الله (العالم) في السنة النبوية:
وورد اسم الله (العالم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، قال: «سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان رسول الله -ﷺ- يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: اللهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ» (^١).
عن أبي بكر الصديق -﵁-، قال: «يا رسول الله، مُرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت. قال: قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيب والشَّهادَةٍ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَليكَهُ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا أَنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيطانِ وشِرْكِهِ، قال: قُلهَا إذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك» (^٢).
ثالثًا: ورود اسم الله (علام الغيوب) في السنة النبوية:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في السنة النبوية، ومن وروده ما جاء في حديث جابر بن عبدالله -﵁-: قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧).
[ ٢ / ٦٠ ]
في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (^١).
معنى اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]: «إنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك» (^٢)، وقال أيضًا: «إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر، وما تستجنه مما لم تجنه بعد» (^٣).
قال الزجاج -﵀-: «العليم والعالم بمعنى واحد … وحسن الإعادة لاختلاف معنييهما؛ لأن العليم فيه صفة زائدة على ما في العالم» (^٤).
قال الزجاجي -﵀-: «العليم والعالم صفتان مشتقان من العلم،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٠).
(٢) تفسير الطبري (١/ ٤٩٥).
(٣) المرجع السابق (١٥/ ٢٣٩).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٩).
[ ٢ / ٦١ ]
فالعالم اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، والعليم من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم …» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قالسُبْحَانَهُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]». (^٢)
قال الحليمي -﵀-: «ومنها العليم: لأن معناه: المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم، وما لا يستطيعون إدراكه، من غير أن يكون موصوفًا بعقل أو حس، وذلك راجع إلى أنه لا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء، كما يعجز عن ذلك من لا عقل له ولا حسن من المخلوقين، ومعنى ذلك: أنه يشبههم ولا يشبهونه.
ومنها العلام: ومعناه العلام بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن، وإنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن، وأنه لو كان كيف كان يكون» (^٣).
قال ابن كثير -﵀-: «﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء» (^٤).
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله الحسنى، للزجاجي (ص: ٥٠ - ٥٧).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٥٧).
(٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٩).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٦٢ ]
قال السعدي -﵀-: «الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (^١).
قال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يُوَسْوِسُ عَبْدُهُ … فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نُطْقِ لِسَانِ
بَلْ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ الدَّانِي مَعَ الـ … قَاصِي وَذُو الإِسْرَارِ وَالإِعْلَانِ
وَهوَ العَلِيمُ بِمَا يَكُونُ غَدًا وَمَا … قَدْ كَانَ والمعْلُوم فِي ذَا الآنِ
وَبِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْـ … ـفَ يَكُونُ مَوْجُودًا لَدَى الأَعْيَانِ (^٢)
اقتران اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (الحكيم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).
(٢) نونية ابن القيم (ص: ٣٦).
[ ٢ / ٦٣ ]
ثانيًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (العزيز):
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):
اقترن اسم الله العليم باسم الله (الواسع) في سبع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وذلك للدلالة على أن سعة فضله وعطائه وجوده؛ راجع إلى علمه بمن يستحق ذلك من خلقه، قال ابن القيم -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: «… ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقهما، وهما: (الواسع)، (العليم)، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عطاؤه؛ فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها؛ فإن كرمه وفضله تَعَالَى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه» (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (١/ ٥٤٠).
[ ٢ / ٦٤ ]
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):
جاء اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (القدير) في أربعة مواضع من كتاب الله، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠].
وذلك للدلالة على كمال الله -﷿-؛ إذ «العلم بدون قدرة عجز، والقدرة بدون علم مظنة الإفساد والظلم والطغيان» (^١).
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الفتاح):
ورد اقتران اسم الله (العليم) باسمه (الفتاح) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
(والفتاح) له معنى عام يشمل فتح كل مغلق من الأسباب كالرزق والعلم، وله معنى خاص، كما هو المراد من آية (سبأ)، وهو الفصل والحكم الحق؛ ولذا فيقال- في وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين-: «إنه إذا حمل الفتح على عموم معناه، فشمل فتح كل مغلق من الأسباب، كالرزق والعلم كان اقتران اسم (العليم) به دالًّا على كمال الفتح، وأنه يجري على مقتضى العلم، وفي ذلك صلاح العباد واستقامة أحوالهم، بخلاف ما لو كان فتحًا بغير علم، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام، لنجلاء كردي (ص: ٤٣٣).
[ ٢ / ٦٥ ]
وإذا أريد بالفتح: القضاء والحكم كان اقتران (الفتاح) بـ (العليم) دالًّا على كمال الفتح- أي: الحكم- مشيرًا إلى استقامته على العدل والقسط، فلا تميل به الأهواء، ولا ينحرف به الجهل، ومثل هذا الحكم جدير بأن يرهب ويخاف» (^١).
سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخلاق):
تقدم بيانه في اسم الله (الخالق الخلاق).
سابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):
تقدم بيانه في اسم الله (السميع).
ثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشاكر):
تقدم بيانه في اسم الله (الشاكر الشكور).
تاسعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
عاشرًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):
تقدم بيانه في اسم الله (الخبير).
ثانيًا: اقتران اسم الله (العالم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله (العالم) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.
ثالثًا: اقتران اسم الله (علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:
لم يقترن اسم الله (علام الغيوب) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٦٣٨).
[ ٢ / ٦٦ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العليم- العالم- علام الغيوب):
الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه اسماء الله (العليم- العالم- علام الغيوب) من الصفات:
الله -﷿- العليم العالم، علام الغيوب الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي، ووسع ما فيه من المخلوقات علمًا، فلا يخلو عن علمه ذات ولا حال ولا مكان ولا زمان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]. (^١)
ومن مظاهر سعة علمه سُبْحَانَهُ (^٢):
شمول علمه وإحاطته لكل ما في السموات السبع، والأرضين السبع من المخلوقات والكائنات الصغيرة والكبيرة، والدقيقة والجليلة، الساكنة والمتحركة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. (^٣)
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٥)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٧).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢١٦، وما بعدها).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٣١٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٣٦)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٦)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٧ - ٣٨)
[ ٢ / ٦٧ ]
فيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في سمائه من الملائكة، على الرغم من كثرتهم، حتى قال -ﷺ- عنها: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله» (^١).
ويعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في الأرض من البراري والقفار، وما فيها من الحيوانات، والأشجار، ويعلم ما فيها من البحار وحيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها، قال تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (^٢).
إحاطة علمه بأحوال خلقه في جميع مراحلهم: قبل الخلق، وبعد الخلق في الحياة، والممات، والمعاد وما يكون من الجزاء في دار القرار، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فعلم العليم قبل أن يخلق الخلق كل شيء كائن، علمه بكلياته وجزائيته وتفاصيله ودقائقه، وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عن عبدالله بن عمرو -﵁-، قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٩١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣١٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٩٠). حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣١٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٩).
(٣) ينظر: شرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٦٦).
[ ٢ / ٦٨ ]
وعلم العليم بعد خلقهم جميع أمورهم، فيعلم ما في الأرحام من حمل كل إناث الحيوانات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم هل هو ذكر أو أنثى، حسن أو قبيح، غني أو فقير، طويل الأجل أو قصير، شقي أو سعيد.
ويعلم العليم بعد خروجهم على وجه الأرض أعمالهم وأقوالهم الظاهرة والباطنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
إحاطة علمه بالظواهر والبواطن، والإعلان والإسرار، بل علمه بما هو أخفى منها مما تنطوي عليه الصدور وتواريه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
فيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما يظهر من الأقوال ولو صدرت في آن واحد، ويعلم الأعمال ولو صغرت، خيرها وشرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] (^١).
ويعلم العالم سُبْحَانَهُ السر كعلمه بالجهر؛ فالكل سواء، والعامل في ظلمة الليل المدلهم كالعامل في وضح النهار سيان، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
ويعلم سُبْحَانَهُ ما تكنه القلوب، وتخفيه الصدور من الإيمان والكفر والنفاق، وما تخفيه من النوايا الطيبة والخبيثة، والمقاصد الحسنة والقبيحة،
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤١٤).
[ ٢ / ٦٩ ]
وما تخفيه من أعمال القلوب الصالحة والفاسدة، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
إحاطة علمه بما يصلح لخلقه من الأحكام الشرعية والقدرية، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
فيعلم ما يصلحهم من الشرائع التي تنتهي بهم إلى سعادة الدارين، والتي أرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب، قال تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وكثير من آيات الأحكام يختمها الله -﷿- بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] كما في أحكام المواريث، والنكاح، والكفارات، والحدود، وغيرها، إشارة إلى أن هذه الأحكام إنما صدرت عن علم تام، وحكمة بالغة.
ويعلم ما يصلح لهم من الأقدار غنى وفقرًا، وصحة ومرضًا، وولدًا وعقمًا، ونحو ذلك؛ وبناء عليه قدَّر وقضى، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وهذا يظهر بجلاء في قصة الخضر مع موسى -﵇-؛ إذ قدر سُبْحَانَهُ لأصحاب السفينة واليتيمين ما فيه صلاح دنياهم، وقدر لوالدي الغلام ما فيه صلاح دينهم، وإن كان ظاهر الأمر في أوله شر وسوء (^١).
إحاطة علمه بالأزمان كلها؛ فيعلم ما كان من الماضي، قال تَعَالَى عن قول فرعون وجواب موسى -﵇- له، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٨٥).
[ ٢ / ٧٠ ]
ويعلم ما يكون في الحاضر، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم ما سيكون في المستقبل الذي لا نهاية له؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
ويعلم سُبْحَانَهُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
ومن ذلك: علمه بمفاتح الغيب التي طوى علمها عن جميع خلقه، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا بتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] (^١)، وفسرها رسول الله -ﷺ- فقال: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٢).
وما سبق كله دال على عظمة علم الله -﷿- وسعته، وأن الخلق من أولهم إلى آخرهم لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض هذه الصفة لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب الواسع العليم، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] (^٣).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٧٨).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٩).
[ ٢ / ٧١ ]
ثم إن هذا ليس مقتصرًا على صفة العلم، بل كذا ذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته الأخرى لا يحيط الخلق بها، ولا يعلمون منها إلا ما أعلمهم العليم وأطلعهم عن طريق رسله وكتبه، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (^١).
الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه العليم العالم علام الغيوب:
- دلالة أسماء الله العليم، العالم، علام الغيوب، على توحيد الألوهية والربوبية:
فأسماء الله: العليم، العالم، علام الغيوب؛ تدعو العباد إلى توحيد الله -﵎- بعلم الغيب؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، ويقول -ﷺ-: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٢).
فالغيب خاص بعلام الغيوب، لا يشاركه في علمه أحد من خلقه ولو كان ملكًا أو نبيًّا، يقول تَعَالَى على لسان الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، ويقول أشرف الأنبياء والمرسلين -ﷺ- لما سأله أشرف رسول ملكي وهو جبريل -﵇- فقال: أخبرني
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٨٠).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٧٢ ]
عن الساعة؟ قال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (^١)، أي: كما أنه لا علم لك بها، فلا علم لي بها أيضًا (^٢).
ومن هنا فاختصاص الله وحده بعلم الغيب واطلاعه على كل شيء أكبر داع إلى توحيد العبادة، يقول تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٤ - ٦٥].
- دلالة أسماء الله العليم العالم علام الغيوب على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن أسماء الله العليم العالم علام الغيوب تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل- أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالبصير، والسميع، والقدير، والخبير، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الثالث: تحريم إتيان من ادعى علم الغيب:
من آمن بأسماء الله العليم العالم علام الغيوب؛ أيقن أن الكهان والعرافين ونحوهم لا يعلمون شيئًا من الغيب، وإنما يخبرون بما تمليه عليهم الشياطين والجن مما استرقوه من السمع؛ ولذلك جاء النهي عن سؤالهم والتغليظ في ذلك، يقول -ﷺ-: «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).
(٢) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين (١/ ١٩٤).
[ ٢ / ٧٣ ]
عَلَى مُحَمَّدٍ» (^١)، وقال -ﷺ-: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (^٢).
ولذا فمن ادعى علم الغيب، أو اعتقد أن أحدًا من الخلق يشارك لله في ذلك، فإنه كافر وفعله مناقض للإسلام؛ لما فيه من مصادمة النصوص وتكذيبها، يقول الشيخ ابن باز -﵀-: «فالكاهن من يزعم أنه يعلم بعض المغيبات، وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث، أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن، كما ورد بالحديث الذي مر ذكره، ومثل هؤلاء من يخط في الرمل أو ينظر في الفنجان أو في الكف ونحو ذلك، وكذا من يفتح الكتاب؛ زعمًا منهم أنهم يعرفون بذلك علم الغيب، وهم كفار بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة وهي علم الغيب، ولتكذيبهم بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تَعَالَى لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [الأنعام: ٥٠]، ومن أتاهم وصدقهم بما يقولون من علم الغيب فهو كافر؛ لما رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه البزار، رقم الحديث: (٣٥٧٨)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم (٢٦٥٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٩٠٦)، حكم الألباني: صحيح، غاية المرام، رقم الحديث: (٢٨٤).
[ ٢ / ٧٤ ]
قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- …» (^١)» (^٢).
وقد قسم الشيخ ابن عثيمين -﵀- سؤال العراف والكاهن ونحوهما إلى أقسام، فقال:
«القسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا؛ فهذا حرام؛ لقول النبي -ﷺ-: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا)؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه; إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث …
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا …» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٣٠٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٥)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٦٥٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٩٣٩).
(٢) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ١٢٠).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
[ ٢ / ٧٥ ]
الأثر الرابع: الرضا بأقدار العليم العالم علام الغيوب:
إن يقين العبد باسم ربه العليم العالم علام الغيوب وما فيه من العلم السابق للأشياء قبل وقوعها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلقها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]- كله داع إلى التسليم والرضا والاطمئنان لحكم الله -﷿-، ولو كان مكروهًا للنفس، شديدًا عليها، لا سيما إذا ضم إليه اليقين بحكمة الله -﷿-، وأنه لم يقدِّر ما قَدَّر عبثًا ولا لهوًا ولا سفاهة وطيشًا.
ولهذا المعنى نجد أنبياء الله -﷿- يذكرون علم الله كعزاء لهم في ما يواجههم من المصائب والآلام، فهذا نبي الله يعقوب -﵇- يقول عند فقد أبنائه الثلاثة: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، ولما عاتب الله نوح -﵇- على سؤاله لابنه، قال معتذرًا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
ونجد الله -﷿- يختم الآيات التي يذكر فيها تفاوت أرزاق الناس بعلمه سُبْحَانَهُ، كما في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].
وإن من التسليم لقدر الله واختياره المبني على علم «دعاء الاستخارة»؛ إذ فيه التسليم لله وتفويض الحكم والاختيار إليه؛ لتمام علمه وخبرته وقدرته.
[ ٢ / ٧٦ ]
قال ابن القيم -﵀-: «ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة، وقدره عليه وتيسره له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد أقداره؛ أرشده النبي -ﷺ- إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه؛ فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه.
ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله؛ فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيء له ما يكرهه؛ فيظل ساخطًا، ويكون قد فضّله الله به.
قال عبد الله بن عمران -﵀-: الرجل ليستخير الله، فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له …
قال الحسن -﵀-: لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك» (^١).
كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ولكن كثير من
_________________
(١) شفاء العليل، لابن القيم (ص: ٣٤).
[ ٢ / ٧٧ ]
الناس على خلاف هذا، فتجد الواحد منهم يستخير ثم يحدث المقدور على خلاف ما يحب ويشتهي، فيسخط على ربه، ولا يرضى بحكمه، مع أن مقتضى الاستخارة التي لهج بها خلاف ذلك؛ إذ هي توكيل لله العليم الخبير بالأمر؛ ومن ثم الرضى بحكمه والتسليم إليه.
الأثر الخامس: التسليم لشريعة العليم العالم علام الغيوب، والرضى بها:
إذا تيقن العبد اسم ربه العليم العالم علام الغيوب، وما فيه من تمام العلم بالخلق، وتمام الخبرة بما يصلح لهم من الأحكام والشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، وختم كثير من آيات الأحكام باسمه «العليم الحيكم» كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ بعد أن ذكر أحكام الاستئذان: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]، وقوله تَعَالَى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]؛ دفعه هذا إلى التسليم والرضى بحكم الله الشرعي، سواء كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، بل ويدعوه- أيضًا- إلى الفرح والاغتباط بحكمه؛ لأنه من لدن حكيم عليم.
ثم إن التسليم لحكم الله الشرعي والفرح به يقتضي الحكم به، والتحاكم إليه، وسلامة القلب من الحرج منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
[ ٢ / ٧٨ ]
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، بل ويقتضي- أيضًا- رفض ما سواها من السياسات الجائرة، والأقيسة الفاسدة، والأحكام الجاهلية، والسعي بالدعوة والجهاد في سبيل الله لإقامتها حتى يكون الدين كله لله، وينعم الناس بشريعة الله -﷿- المبرأة من الجهل، والظلم، والهوى، والنقص؛ لأنها من لدن حكيم عليم.
الأثر السادس: الثقة بكفاية العليم العالم علام الغيوب شر الأعداء:
إذا تأمل المسلم في اسم الله العليم العالم علام الغيوب، ثم نظر إلى أعداء الإسلام وتكالبهم، وعظم مكرهم وكيدهم، حتى أنهم يعملون الليل والنهار، وينفقون الأموال الطوال؛ حربًا على الإسلام وأهله- بعثت هذه الأسماء الكريمة في نفسه شعورًا بالاطمئنان واستقرار القلب، وثبوت القدم، والإقدام على مواجهة الاعداء ومقارعتهم من غير مهابة ولا وجل، وإنما ذلك لعلمه بأن المسلمين وإن قصر علمهم عن كيد عدوهم ومكرهم، إلا أن ربهم العليم القوي العزيز لا يخفى عليه من أمرهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، وقال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ
[ ٢ / ٧٩ ]
عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٦ - ٧٧].
فسيكفي أهل الإسلام مكر عدوهم، كما كفى نبيه صالح -﵇- مكر قومه إذ قال الأشقياء منهم: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]، فكانت صيحة العذاب أسرع نزولًا عليهم من تنفيذ مكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] (^١).
وسيكفيهم العليم، كما كفى عيسى -﵇- مكر اليهود، حينما خططوا ودبروا لقتله، بل مكر بهم سُبْحَانَهُ كما قال جل في علاه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]. (^٢)
وسيكفيهم كما كفى عبده ورسوله محمدًا -ﷺ- مكر كفار قريش، حينما تشاوروا في دار الندوة فيما يصنعون به -ﷺ- من الحبس والإيثاق، أو القتل، أو الإخراج من دارهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، حتى إذا اتفقوا على
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٠٦).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٣٢).
[ ٢ / ٨٠ ]
قتله وترصدوا به -ﷺ- في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه؛ كادهم الله وكفى رسوله -ﷺ- مكرهم، فخرج من بين أظهرهم يذر التراب على رؤوسهم، بعد أن أعمى الله أبصارهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (^١).
وكفاه مكر يهود بني النضير، حينما خرج -ﷺ- إليهم في نفر من أصحابه يكلمهم في إعانته بالدية، إلا أن نفوسهم الخبيثة سولت لهم قتله -ﷺ-، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى، ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فجاء الوحي رسول الله -ﷺ- فقام من فوره وتوجه إلى المدينة، ثم أحاط مكرهم به وذاقوا عاقبته، فأجلوا من المدينة إلى الشام، ليس معهم من متاعهم إلا ما تحمله رواحلهم من غير السلاح، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣] (^٢).
الأثر السابع: إصلاح الباطن للعليم العالم علام الغيوب:
اسم الله العليم العالم علام الغيوب وما فيه من علم الله بالبواطن وما تخفيه الصدور، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]،
وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] يدفع العبد إلى
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣١٩)، والرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١٤٦ - ١٤٨).
(٢) ينظر: الرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ٢٦٨ - ٢٧٠).
[ ٢ / ٨١ ]
الاهتمام بباطنه وإصلاحه بالتخلية والتحلية، فيخليه ويخلصه من آفات القلوب التي تخفى على الناس، ولكنها لا تخفى على الله -﷿- كالرياء، والنفاق، والشبه، والشكوك، والحسد، والغل، والعجب، والكبر، والخواطر الرديئة والوساوس الشيطانية، ونحو ذلك.
قال ابن القيم -﵀-: «فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سُبْحَانَهُ ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.
الثاني: حياؤك منه.
الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.
الرابع: خوفك أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.
الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته …» (^١).
ثم بعد هذه التخلية يحلي قلبه بالعبادات القلبية التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها من المحبة، والرجاء، والخوف، والخشية، والتعظيم، والمراقبة ونحوها من أعمال القلوب.
الأثر الثامن: محبة العليم والعالم وعلام الغيوب:
فإن العبد إذا تيقن علم الله الشامل لكل شيء على وجه لا نقص فيه، ولا عيب معه؛ أثمر ذلك في قلبه حبًّا للعليم العالم علام الغيوب؛ إذ النفوس
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص: ١٧٥).
[ ٢ / ٨٢ ]
جبلت على حب من له صفات الكمال، فكيف إذا كان كماله لا نقص فيه البتة، سُبْحَانَهُ.
الأثر التاسع: اتصاف العبد بطلب العلم:
إن اسم الله العليم العالم علام الغيوب يقتضي حب الله -﵎- للعلم والعلماء، كما قال ابن القيم -﵀-: «أحب الخلق إليه: من اتصف بمقتضيات صفاته، … عالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال» (^١)
وهذا يدفع العبد إلى طلب العلم وسلوك طريقه؛ إذ هو من أهم الواجبات على العبد، فلا يمكن أن يعبد الرب بما شرع إلا بعد معرفته، ومعرفة دينه، ومعرفة ما يحبه ويرضاه، ومعرفة ما يكرهه ويسخطه.
ومن هنا كان للعلم وأهله المكانة العظيمة والمنزلة الشريفة التي يطول ذكرها، إلا أن منها على وجه الإيجاز:
- رفعة الدرجة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وعن عامر بن واثلة -﵁- أن: نافع بن عبد الحارث لقي عمر -﵁- بعسفان- وكان عمر -﵁- يستعمله على مكة فقال-: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله -﷿-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^٢).
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٣٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).
[ ٢ / ٨٣ ]
- تفضيل العالم على العابد؛ فعن أبي أمامة الباهلي -﵁- قال: «ذُكر لرسول الله -ﷺ- رجلان؛ أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله: فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثم قال رسول الله -ﷺ-: إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (^٢).
- طلب المزيد منه دون غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
- تفضيل العلم على نوافل العبادات، قال ابن القيم -﵀-: «فإنه إذا كان كل من العلم والعمل فرضًا، فلا بد منهما كالصوم والصلاة، فإذا كانا فضلين- وهما النفلان المتطوع بهما- ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ونفلها؛ لأن العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه، والعبادة يختص نفعها بصاحبها، ولأن العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته، والعبادة تنقطع عنه» (^٣).
وإنما هذه الفضائل لمن طلب العلم فعمل به ودعا إليه، وازداد به خشية، وتواضع له وللخلق، لا من طلبه فأداه علمه للكبر والفخر والمباهاة دون العمل والخشية.
ثم إن العلم ربما حمل صاحبه على الكبر والتعالي، إلا أن مما يعين على التواضع أن يتذكر العالم وطالب العلم أن علمه إنما هو بتعليم الله له، لا بحوله وقوته، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال
_________________
(١) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٩١١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٥).
(٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم (ص ١٢٠).
[ ٢ / ٨٤ ]
سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥].
ويتذكر- أيضًا- أن ما أوتيه من العلم إنما هو قطرة من بحر علم الله، قال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال الخضر لموسى -﵉- عندما رأى عصفورًا ينقر بمنقاره في البحر: «يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ» (^١).
فاللهم يا عليم يا عالم يا علام الغيوب، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠١).
[ ٢ / ٨٥ ]
الغفورُ الغفَّارُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الغفر: التغطية، والغفر: الغفران، وغفرت المتاع: جعلته في الوعاء» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الغين والفاء والراء، عظم بابه الستر، ثم يشذ عنه ما يذكر، فالغفر: الستر، والغفران والغفر، يقال: غفر الله ذنبه غفرًا ومغفرة وغفرانًا …» (^٢).
ورود اسم الله (الغفور والغفار) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) في القرآن الكريم في إحدى وتسعين آية في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩].
قوله -﷿-: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
قوله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٣٣٤).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٥).
[ ٢ / ٨٦ ]
وأما اسمه سُبْحَانَهُ (الغفار) فقد ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
قوله -﷿-: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].
قوله -﷿-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
ورود اسم الله (الغفور- الغفار) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الغفور) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قال- لرسول الله -ﷺ-: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ -ﷺ-: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيِمُ» (^١).
وعن محجن بن الأدرع -﵁-، «أن رسول الله -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،: فقال: قَدْ غُفِرَ له، قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٩٧٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٩٨٥).
[ ٢ / ٨٧ ]
عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللهمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).
وورد اسم الله (الغفار) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^٢).
معنى اسم الله (الغفور- الغفار) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله الغفور الغفار- في حقه تَعَالَى- حول ستر الذنوب.
قال الزجاج -﵀-: «معنى الغفر- في حق الله سُبْحَانَهُ-: هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيهم بستره» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «الغفار: الستير لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٦٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٢٠٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داد، رقم الحديث: (٣٢٠٢).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٧٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٦٦).
(٣) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٣٨).
[ ٢ / ٨٨ ]
يهتك ستره بالعقوبة التى تشهره في عيونهم» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «الغافر: وهو الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه به فيشهره ويفضحه، ومنها الغفار: وهو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومنها الغفور: وهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «(العفو- الغفور- الغفار): الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]» (^٣).
قال ابن القيم -﵀- في النونية:
وَهوَ الغَفُورُ فَلَوْ أَتَى بِقُرَابِهَا … مِنْ غَيْرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ
لَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلْءَ قُرَابِهَا … سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ (^٤)
الفرق بين اسم الله الغفور، واسمه الغفار:
«أن الغفور الذي يغفر الذنوب العظيمة، والغفار الذي يغفر الذنوب الكثيرة» (^٥)، وقيل: «الغفار: هو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ٥٢).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠١).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).
(٤) نونية ابن القيم (٢/ ٢٣١).
(٥) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ١٥٦).
[ ٢ / ٨٩ ]
ولا في الآخرة، والغفور: هو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (^١).
اقتران اسم الله (الغفور - الغفار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الغفور باسم الله الرحيم:
تقدم بيانه في اسم الله (الرحيم).
ثانيًا: اقتران اسم الله (الغفور- الغفار) باسم الله (العزيز):
تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
ثالثًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (العفو):
تقدم بيانه في اسم الله (العفو).
رابعًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (الشكور):
تقدم بيانه في شرح اسم الله (الشكور).
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
سادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الودود):
ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤].
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠١).
[ ٢ / ٩٠ ]
يقول ابن القيم -﵀- في مناسبة هذا الاقتران: «وما ألطف اقتران اسم (الودود) بـ (الرحيم)؛ وبـ (الغفور)؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تَعَالَى يغفر لعبده إذا تاب إليه؛ ويرحمه ويحبه مع ذلك» (^١)، وقال في موضع آخر: «إن الله تَعَالَى يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه، كما قال: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»، فالتائب حبيب الله، والود أصفى الحب» (^٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغفور والغفار):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الغفور والغفار) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الغفور سُبْحَانَهُ يرخي ستره على عباده، ويغفر لهم، ويعفو عنهم، ويرحمهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وهو سُبْحَانَهُ الذي يفتح للعصاة من خلقه باب التوبة، ويدعوهم إلى الولوج فيه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو الذي يغفر الذنب مهما عظم إن تاب صاحبه منه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وفي هذه الآية بشارة ربانية عظيمة، مفادها: أنه مهما كان الذنب عظيمًا، ومهما كانت الخطيئة كبيرة لا تيأس ولا تقنط، بل أقبل على الغفور الغفار فهو
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ١٢٤).
(٢) روضة المحبين (ص: ٤٧)
[ ٢ / ٩١ ]
وحده غافر الذنب وقابل التوب، وفي ذلك يقول النبي -ﷺ-: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ الله فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى الله، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ (^١). فهذا قتل وأكثر، وتاب إلى الله فأدركته الرحمة فكيف بما دون ذلك من الذنوب؟!
ومغفرته سُبْحَانَهُ أعظم من كل ذنب، ففي الحديث القدسي: «قَالَ الله -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٦).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٣١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠).
[ ٢ / ٩٢ ]
يقول علي بن أبي طالب -﵁-: «ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال عبد الله بن عمر -﵄-: وهذه أرجى آية في القرآن، فرد عليهم ابن عباس -﵄-، وقال: أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾» (^١)،
بل من فضله وجوده وكرمه: أن وعد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
فحري بالقلب أن يتعلق بالغفور الغفار سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، وينظر باستحياء لمظاهر مغفرته وعفوه، ويدعوه تضرعًا وخفية بأن يغفر الذنب ويقبل التوب.
وكما أن اسم الله الغفور الغفار دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العفو، والرؤوف، والرحمن، والرحيم، والمنان، والكريم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾:
كل الذنوب تحت المشيئة في الآخرة، إن شاء الله غفر لأصحابها، وإن شاء عذبهم، إلا الشرك به سُبْحَانَهُ، فإنه لا يغفره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
«وهذا وعيد بأنهتَعَالَى لم يجعل مغفرته لمن أشرك به، وقد قال العلماء في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]: إن في هذه الآية دليلًا
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٩).
[ ٢ / ٩٣ ]
على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركًا أكبر، أو أشرك شركًا أصغر؛ فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة، بل يكون بالموازنة، فهو لا يغفر إلا بالتوبة، فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك، وقد يغفر اللهتَعَالَى غير الشرك، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعلوا الآية دليلًا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة.
ووجه الاستدلال من الآية: أن (أن) في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] موصول حرفي، فتؤول مع الفعل الذي بعدها وهو يشرك بمصدر- كما هو معلوم-، والمصدر نكرة وقع في سياق النفي، وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمت، قالوا: فهذا يدل على أن الشرك الذي نفي هنا يعم الأكبر والأصغر، والخفي، فكل أنواع الشرك لا يغفرها الله -جل وعلا- وذلك لعظم خطيئة الشرك؛ لأن الله -جل وعلا- هو الذي خلق، ورزق، وأعطى، وهو الذي تفضل، فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟! لا شك أن هذا ظلم في حق الله -جل وعلا- ولذلك لم يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن قوله تَعَالَى هنا: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨] دال على العموم، لكنه عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر، فالمقصود بالشرك في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هو: الشرك الأكبر فقط دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلًا تحت المشيئة، فيكون بالعموم في الآية مرادًا به الخصوص؛ لأنه غالبًا ما يرد في القرآن هذا اللفظ: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ونحو ذلك، ويراد به الشرك الأكبر دون الأصغر، وهذا في الغالب- كما سبق- فالشرك غالبًا ما يطلق في
[ ٢ / ٩٤ ]
القرآن على الأكبر دون الأصغر، ومن شواهد ذلك، قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، فقوله في الآية: يشرك هو- أيضًا-: فعل داخل في سياق الشرط، فيكون عامًّا.
لكن هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي؟ الجواب: أنه لا يدخل بالإجماع؛ لأنه تحريم الجنة، وإدخال النار، والتخليد فيها، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلنا ذلك على أن المراد بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]
أهل الإشراك بالله الشرك الأكبر، فلم يدخل فيه الأصغر، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر، فيكون المفهوم- إذًا- من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة، ونحوها، وهذا كقوله تَعَالَى في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
فهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر، ويكون- على هذا القول- المراد بما نفي هنا في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ﴾ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر.
ولما كان اختيار إمام الدعوة، كما هو اختيار عدد من المحققين: كشيخ الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي؛ كان الاستدلال بهذه الآية صحيحًا؛ لأن الشرك أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر، فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف، فإذا كان الشرك الأصغر: كالحلف بغير الله، وتعليق التميمة،
[ ٢ / ٩٥ ]
والحلقة، والخيط، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر، كقولك: ما شاء الله وشئت، ونسبة النعم إلى غير الله، إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر.
وإذا كان كذلك، فيقع في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد، كمن يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غيره، ويذبحون وينذرون لغيره، ويحبون غير الله محبة العبادة، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السر من غير الله، إلى غير ذلك من ألوان الشرك، فيكون هؤلاء أولى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما اتفق عليه: أنه لا يغفر.
كما يقع في الخوف من الشرك أهل الإسلام الذين قد يقعون في بعض أنواع الشرك الخفي، أو الشرك الأصغر بأنواعه، وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون» (^١).
الأثر الثالث: الأنبياء يطلبون المغفرة من الغفور سُبْحَانَهُ:
من تأمل سيرة صفوة الخلق وهم الأنبياء، وجدهم أكثر الناس توبة واستغفارًا، سواء لأنفسهم أولأممهم، ومن أمثلة ذلك وشواهده:
قول الله على لسان آدم وزوجه -﵉-: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
قول الله على لسان نوح -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وكان من دعائه أيضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح عبدالعزيز آل الشيخ (ص: ٤٥ - ٤٨).
[ ٢ / ٩٦ ]
قول الله على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
قول الله على لسان موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [طه: ١٥١]، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]
قول الله على لسان داود -﵇-: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥].
قول الله على لسان سليمان -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]
قول النبي -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١)، وكانت عائشة -﵂- تصف حال النبي -ﷺ-، فتقول: «ما صلى النبي -ﷺ- صلاة بعد أن نزلت عليه قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: سَبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (^٢)، وكان من دعائه -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٦٧).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).
[ ٢ / ٩٧ ]
فإن كان هؤلاء الكرام الأصفياء يتضرعون إلى الله بخالص الدعاء، ويستغفرونه ويتوبون إليه؛ فحري بكل عبد دونهم أن يقتدي بهديهم، وأن يستن بسنتهم.
ومن أدعية الاستغفار الجامعة دعاء سيد الاستغفار، وهو مارواه شداد بن أوس -﵁-: عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قال: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^١).
الأثر الرابع: محبة الغفور الغفار سُبْحَانَهُ:
فالغفور الغفار سُبْحَانَهُ هو من أسدل الستر على الذنوب في الدنيا، وتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، فأظهر الجميل وستر القبيح بكرمه وجوده وفضله، ومن هذه صفاته فهو أحق بالمحبة الكاملة التامة.
الأثر الخامس: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾:
إن المغفرة الواسعة صفة اتصف بها الغفور -﷿-، وأودع شيئًا منها في قلوب من يشاء من عباده، بل أمرهم بالتأدب بها، فقال تَعَالَى مخاطبًا نبيه -ﷺ- ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).
[ ٢ / ٩٨ ]
يقول السعدي -﵀- في تفسير هذه الآية: «يأمر تَعَالَى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تَعَالَى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابًا جزيلًا» (^١).
لذلك يجب أن يتصف الإنسان بالمغفرة للعباد، والصفح عنهم الصفح الجميل، ومن غفر للناس غفر الله له، ومن تجاوز عنهم تجاوز الله عنه، والجزاء من جنس العمل، يقول -ﷺ-: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ الله لَكُمْ …» (^٢).
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁- «أَنَّهُ حَرَسَ لَيْلَةً مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁- وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَدْرِي بَيْتَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الْآنَ شَرْبٌ فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، نَهَانَا اللهُ -﷿- فَقَالَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عُمَرُ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ» (^٣)، وهذا يدل على وجوب الستر، وترك التتبع.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٧٦).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧١٦٢)، والطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٠٥٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٨٤٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٤٨٢).
(٣) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٨٠٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٨٢٢٨)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٧٠٣).
[ ٢ / ٩٩ ]
الأثر السادس: التعرض لأسباب المغفرة:
فقد جعل الله سُبْحَانَهُ للمغفرة علامات ومبشرات، فمن رزقها يرجى أن يكون قد غفر له، ومن هذه الأسباب:
الإسلام، فهو يكفر كل ما سبق من السيئات، يقول -ﷺ-: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ القَصَاصِ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، والسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا» (^١).
الموت على التوحيد، يقول رسول الله -ﷺ-: قال الله -﷿-: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).
طاعة الله واتباع رسوله -ﷺ-، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
الأذان، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٨٠٠)، والنسائي، رقم الحديث: (٦٤٦)، حكم الألباني، صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٦٤٦).
[ ٢ / ١٠٠ ]
الذكر عند الأذان، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤُذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا- غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (^١).
إحسان الوضوء، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظَفاِرِهِ» (^٢).
الصلاة، بقول رسول الله -ﷺ-: «أَرَأَيْتُم لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (^٣).
صلاة ركعتين بعد الوضوء، قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (^٤) زاد أحمد: «وَغُفِرَ لَهُ» (^٥).
من وافق تأمينه تأمين الملائكة، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٨٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٥).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٦٧).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).
(٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٥٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٨٠٢).
(٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤١٠).
[ ٢ / ١٠١ ]
الذكر دبر كل صلاة، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّر اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَام المائَةِ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (^١).
قيام الليل، يقول رسول الله -ﷺ-: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» (^٢).
الصدقة، يقول رسول الله -ﷺ-: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (^٣).
صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وكذا قيامه، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٤)، ويقول: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٩)، وابن خزيمة، رقم الحديث: (١١٣٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٤٦٦)، والحاكم، رقم الحديث: (١١٦٠)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (٤٥٢).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٥١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٦١٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (١٧٢٣)،، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦١٤).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٥٩).
[ ٢ / ١٠٢ ]
قيام ليلة القدر، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
صيام أيام خاصة تطوعًا، كصيام يوم عرفة، فيقول فيه رسول الله -ﷺ- وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ-: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (^٢)، كذلك صيام يوم عاشوراء، يقول فيه رسول الله -ﷺ- وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ -: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» (^٣).
الحج المبرور، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٤).
العمرة، يقول رسول الله -ﷺ-: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (^٥).
قول سبحان الله وبحمده، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٠١)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٢).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٨١٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٥٠).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٧٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٤٩).
(٦) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).
[ ٢ / ١٠٣ ]
الصلاة على النبي -ﷺ-، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» (^١).
كفارة المجلس، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (^٢).
عيادة المريض، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).
الأثر السابع: ثمرات الاستغفار:
إن العبد إن تاب إلى ربه، واستغفره وأناب إليه؛ أكرمه الله بكرامات عديدة، ومنحه عطايا جليلة، وأغدق عليه الثمرات النافعة في الدنيا والآخرة، ومنها:
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢١٨٠)، والنسائي، رقم الحديث: (١٢٩٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٢٩٧).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٨٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٥٨٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨١).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٠٩٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٢٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٧١٧).
[ ٢ / ١٠٤ ]
انشراح الصدر، يقول -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١)، وقال -ﷺ-: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (^٢).
دواء شافي من الذنوب، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
رحمة الله للمستغفرين، يقول تَعَالَى على لسان شعيب -﵇-: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
جلب النعم عامة، يقول تَعَالَى على لسان نوح -﵇-: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾
[نوح: ٩ - ١٢]. ويقول تَعَالَى على لسان هود -﵇-: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
دفع العقوبة عن المستغفرين، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
حل المشاكل الصعبة والعويصة، يقول ابن القيم -﵀-: «وشهدت شيخ الإسلام إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨١٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٨).
[ ٢ / ١٠٥ ]
والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حُرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» (^١).
ويمكن إيجاز كل هذه الثمرات بقول: إن المستغفرين وعدوا بالمتاع الحسن في الدنيا، والفضل العظيم في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك، ونتوب إليك، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ١٣٢).
[ ٢ / ١٠٦ ]
الغَنِيُّ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «غنى فهو غَنِيٌّ، وتغنى الرجل: أي استغنى وأغناه الله، وتغانَوا: أي استغنى بعضهم عن بعض» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الغين والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على الكفاية، والآخر: صوت؛ فالأول الغنى في المال، يقال: غني يغنى غنى، والغَنَاء- بفتح الغين مع المد: الكفاية، يقال: لا يغني فلان غناء فلان، أي: لا يكفي كفايته، وغني عن كذا فهو غانٍ، وغني القوم في دارهم: أقاموا، كأنهم استغنوا بها» (^٢).
ورود اسم الله (الغني) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].
قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٣٠٠).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
[ ٢ / ١٠٧ ]
قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٦].
ورود اسم الله (الغني) في السنة النبوية:
ورد اسم الله الغني في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي:
- عن عائشة -﵂- أنها قالت: «شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللهَ -﷿-، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ -﷿- أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١١٧٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١١٧٣).
[ ٢ / ١٠٨ ]
معنى اسم الله (الغني) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الزجاج -﵀-: «الغني- في كلام العرب-: الذي ليس بمحتاج إلى غيره، وكذلك الله ليس بمحتاج إلى أحد، -جل وعلا- عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، فالله -﷿- ليس بمحتاج إلى أحد فيما خلق ويخلق، ودبر ويدبر، ويعطي ويرزق، ويقضي ويمضي، لا رادَّ لأمره، وهو على ما يشاء قدير» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الغني هو الذي استغنى عن الخلق، وعن نصرتهم وتأييدهم لملكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون، كما وصف نفسه تَعَالَى، فقال- عز من قائل-: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]». (^٢)
قال الحليمي -﵀-: «إنه الكامل بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأن الحاجة نقص، والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغه ويدركه، وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج، فالنقص منفي عن القديم بكل حال، والعجز غير جائز عليه، ولا يمكن أن يكون لأحد عليه فضل؛ إذ كل شيء سواه خلق له، وبدع أبدعه لا يملك من أمره شيئًا، وإنما يكون كما يريد الله -﷿-، ويدبره عليه، فلا يتوهم أن يكون له مع هذا اتساع لفضل عليه» (^٣).
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦٣).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٩٢ - ٩٣).
(٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ١٠١).
[ ٢ / ١٠٩ ]
قال السعدي -﵀-: «الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات؛ لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًّا؛ لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا، فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عامًّا، والمغني لخواص خلقه مما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية» (^١).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا … تِيٌّ لَهُ كَالجُودِ والإِحْسَانِ
اقتران اسم الله (الغني) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحليم):
تقدم بيانه في اسم الله (الحليم).
ثانيًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحميد):
تقدم بيانه في اسم الله (الحميد).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) باسمه سُبْحَانَهُ (الكريم):
جاء هذا الاقتران مرة واحده في القرآن الكريم، وهو قول الله -﷿-: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٢٩).
[ ٢ / ١١٠ ]
وجه الاقتران:
أن الله غني عن الشكر، كريم يعطي عن كرم، لا عن ارتقاب للشكر على العطاء، وفي هذا يقول ابن القيم -﵀-: «الله سُبْحَانَهُ غني كريم، عزيز رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانًا» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغني):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الغني) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الغني سُبْحَانَهُ هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعًا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، فهو سُبْحَانَهُ لم يخلق خلقه ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه، ولا ليستأنس بهم من وحشة، ولا ليستكثر بهم من قلة، ولا لينصروه على عدو، ولكن خلقهم ليذكروه كثيرًا، ويعبدوه طويلًا، ويسبحوه بكرة وأصيلًا، فهو الذي لا يحتاج لأحد في شيء؛ لأنه المالك لكل شيء، المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين، خزائنه لا تنقص
ولا تنفد، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه في رزقه، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-،
أن النبي -ﷺ- قال - فيما روى عن الله -﷿- أنه قال-: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٤١).
[ ٢ / ١١١ ]
الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (^١).
فالله غني بذاته عن كل ما سواه، ومن علامات ذلك الغنى:
غناه سُبْحَانَهُ عن الطعام والشراب، وهي دلالة الاستغناء الذاتي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
غناه سُبْحَانَهُ عن الزوجة والولد، وهذا يعني وحدانية الله المطلقة؛ ليس كما يسبه الكفار أصحاب عقيدة التثليث؛ فإن الحاجة إلى الزوجة والولد ضعف وافتقار، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
غناه سُبْحَانَهُ عن خلقه، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته، فهو الغني عن عباداتهم، ومن ذلك:
أ- غناه عن إيمانهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].
ب- غناه عن شكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
جـ- غناه عن جهادهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ٢ / ١١٢ ]
ويذكر الشيخ السعدي -﵀- من مظاهر غنى الله -﷿-، فيقول:
«ومن كمال غناه وكرمه: أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم، وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه، وما لم يسألوه.
ومن كمال غناه: أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأله، وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة.
ومن كمال غناه وسعة عطاياه: ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم، واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبًا ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل، وهو الغني الذي كمل بنعوته، وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته» (^١).
وحري بمن عرف اسم الله (الغني) ومظاهر غناه وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رزقه وبره وغناه.
_________________
(١) الحق الواضح، للسعدي (ص: ٤٧ - ٤٨).
[ ٢ / ١١٣ ]
الأثر الثاني: ليس كمثله سُبْحَانَهُ شيء في الغِنى:
الله -﵎- له صفات الكمال والجلال، ليس كمثله شيء في غناه:
وهذا من وجوه:
الأول: كثرة ما عند الله:
قال تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].
قال ابن كثير -﵀- في هذه الآية-: «أي: هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره، وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه» (^١).
الثاني: غناه دائم:
فما من مخلوق أصبح غنيًّا إلا بعد فقر، أو تكون عاقبته إلى فقر، أو يفني المال وصاحبه، أما الله -ﷻ- فغناه دائم لا يفنى أبدًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
الثالث: غناه ذاتي:
أي: أن غنى الله في ذاته، وليس فيما يراه الناس من الملك في السماوات والأرض، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ولكن غنى الخلق إنما يكون بما يمتلكون من ثروات وأموال، فكل من وُصف بالغنى من الخلق فإنما يحتاج إلى ما يملك، أما الله -ﷻ- فإنما يحتاج كل ملكه وكل خلقه إليه،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٦).
[ ٢ / ١١٤ ]
فلا يحتاج الله إلى العرش ولا حملته، ولا الكرسي وعظمته، ولا يحتاج إلى ميكائيل ليرزق الخلق، ولا إلى جبريل لتبليغ رسالته، بل كل هؤلاء وغيرهم من خلق الله يحتاجون إليه من كل الوجوه، وهو غني عنهم من كل الوجوه.
الرابع: غناه مطلق:
فإن الخلق يحتاجون إلى ما تقوم به أبدانهم وأرواحهم، وهذا يجعلهم فقراء إلى رزق الله من كل الوجوه؛ فإنهم فقراء إلى الطعام وإلى الشراب، والنفس والروح والسعادة والزوجة والولد، والسمع والبصر … هذا فقر مطلق إلى الله الذي بيده هذه النعم وغيرها مما لا غنى عنه للخلق، أما الله -ﷻ- فإنه غني عن ذلك كله، بل وعن كل ما سواه؛ لذلك فإن غنى الله غنًى مطلق، وكل العباد فقرهم إلى الله فقر مطلق.
الأثر الثالث: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾:
إن الفقر إلى الله سُبْحَانَهُ هو عين الغنى به، فأفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له أعزهم به، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله، والغنى بالله مع الفقر إليه متلازمان متناسبان، فالغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «إن الله هو الغني المطلق، والخلق فقراء محتاجون إليه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، بين سُبْحَانَهُ في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم
_________________
(١) انظر: طريق الهجرتين (ص: ٥٩).
[ ٢ / ١١٥ ]
لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًّا حميدًا ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سُبْحَانَهُ لذاته لا لأمر أوجب غناه، وفقر العباد إلى ربهم فقران:
الأول: فقر اضطراري، وهو فقر عام، لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا، ومصنوعًا.
الفقر الثاني: فقر اختياري، وهو فقر الخشية والطاعة وذلة العبودية، وهو نتيجة علمين شريفين؛ أحدهما: معرفة العبد لربه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرًا هو عين غناه، وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة، عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام، عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومَن عرف ربه بالعلم التام والحكمة التامة، عرف نفسه بالجهل.
فإن الله تَعَالَى قد أخرج العبد من بطن أمه ضعيفًا مسكينًا، جاهلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]،
وسخر له ما في البر والبحر مما يصلحه ويعينه على أمر دينه ودنياه، فلما شعر بأن له قدرة على السعي، واستطاعة على التدبير ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادعى لنفسه ملكًا مع الله سُبْحَانَهُ، ورأى نفسه بغير هذا الضعف
[ ٢ / ١١٦ ]
الأول الذي كان عليه، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة؛ حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخص غيره، كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي (أن النبي -ﷺ- بَزَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدلْتُكَ، مَشيتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ) (^١).
ومن هنا خُذِل مَن خُذِل، ووُفِّقَ مَن وُفِّقَ، فحُجِبَ المخذول عن حقيقته ونسي نفسه، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وعتا؛ فحقت عليه الشقوة، قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠]، فأكملُ الخلق أكملُهم عبودية، وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين» (^٢).
فالله -ﷻ- غني عن العلائق والروابط والصلات، فصلته بخلقه صلة رب رزاق لعباد محتاجين، وصلته بهم صلة عطاء وتفضل بعد خلق وإيجاد، أما صلة الخلق به سُبْحَانَهُ فصلة افتقار لرزقه وانتفاع بما عنده، فالعبد يدعو والله يجيب، والخلق يحتاجون والرزاق يعطيهم، والعباد يفتقرون والغني
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨١٢٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٧٠٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١١٤٣).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٨ - ١٠) بتصرف.
[ ٢ / ١١٧ ]
يغنيهم، وإذا قدموا شيئًا من أموالهم فإنما هم الذين ينتفعون بها، ويجازيهم بأضعاف ما عملوا، ويزيدهم من فضله.
الأثر الرابع: محبة الغني سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- هو الغني غنًى كاملًا مطلقًا من كل الوجوه، فهو المستغني عن العالمين، وجابر حاجة الفقراء والمساكين، لا يترك من تعلق ببابه ووقف بجنابه بدون غنى، فهو مع غناه وعزته ذو رحمة بالغة، والنفس بطبيعتها تحب صفات الكمال والجلال في الصفات، ولذا فإن العبد المسلم يتعلق ويزداد محبة للغني كلما زادت معرفته له سُبْحَانَهُ.
الأثر الخامس: افتقار رسول الله -ﷺ- إلى ربه:
لقد كان النبي -ﷺ- أعظم الناس افتقارًا إلى ربه، وكان يقول: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (^١).
فهو يعلم أن قلبه الذي بين جنبيه بيد الرحمن -﷿- لا يملك منه شيئًا، وأن الله سُبْحَانَهُ يصرفه كما يشاء، وكان يدعو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ» (^٢)، بدلالة قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]؛ فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٢٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠).
[ ٢ / ١١٨ ]
فأصبح - بهذا النوع من الافتقار- سيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وأول من تفتح له الجنة، وصاحب المقام المحمود، وأسري به في السماوات السبع؛ لأنه كان كامل العبودية، وكامل الافتقار لربه، قال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، واستحق أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ففي حديث الشفاعة: «أن المسيح يقول لهم: ائْتُوا مُحَمَّدًا -ﷺ-: عَبْدًا غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (^١) (^٢).
الأثر السادس: الغنى غنى النفس:
فمن أغناه الله من فضله، ووهبه الغنى الحقيقي بأن يخضع لربه، ويتواضع لخلقه، ويعلم أنه مستخلَف في أرضه، مبتلى في ملكه، فرد الفضل لربه، وشكره على نعمه؛ لعلمه بأن الغنى غنى النفس، يقول -ﷺ-: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (^٣)، ويقول أيضًا: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» (^٤)، وفي صحيح البخاري من حديث الحسن أنه قال: «حدثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله -ﷺ- أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٧٦).
(٢) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٠).
(٣) أخرجه البخارى، رقم الحديث: (٦٤٤٦)، أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٥١).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٥).
[ ٢ / ١١٩ ]
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ والهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والخَيْرِ، فَيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حُمْرَ النَّعَمِ» (^١).
ولا يمنع ذلك الأخذ بالأسباب طلبًا للغنى والفضل، والتقوي على طاعة الله، وحفظ النعمة، وإغناء الفقراء من فضل الله، مع ملازمة الاعتقاد بأن في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة وحاجة شديدة، لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى القلبي، الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، فكما أنه سُبْحَانَهُ الغنى على الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحَضَرَهُ كل سرور وفرح.
فما أسعد من تعفف عن الناس واستغنى بربه سُبْحَانَهُ في قضاء حوائجه وطلب رزقه، قال -ﷺ-: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِي أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^٢).
الأثر السابع: للغنى أسباب تطلب:
الغنى والعطاء بيد من له ملك الأرض والسماء، فلا يغتني أحد إلا بإذنه، ولا يُرزق أحد إلا من عطائه، أمر عباده بصدق التوكل عليه واليقين بما لديه، مع تمام بذل أسباب الغنى والعطاء، ومن أسباب نيل الغنى ما يلي:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٢٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٣).
[ ٢ / ١٢٠ ]
١ - التفرغ للعبادة:
يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى» (^١)، والمراد من التفرغ للعبادة: «إيثارها على حظوظ الدنيا والإتيان بما أمر به منها، فلا تلهيه عن ذكر الله، لا أنه لا يفعل إلا العبادة» (^٢).
ومن هنا يفهم أن الشرع ينهى عن انقطاع العبد عن طلب أسباب رزقه بحجة الاعتكاف في مصلاه، وإنما المراد: ألا يلهيه طلب الرزق عن عبادة الله، بل إن من اعظم أسباب الرزق والغنى الإقبال على عبادة الله، يقول السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]: «وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه، لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ﴿ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه» (^٣).
٢ - تقوى الله -﷿-:
يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٦).
(٢) التنوير شرح الجامع الصغير، الكحلاني (٣/ ٤١٠).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٥٦٩).
[ ٢ / ١٢١ ]
بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، ويقول النبي -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخرة هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، …» (^١)، وكان أصحاب النبي -ﷺ- ينصح بعضهم بعضًا بثلاثة أمور، فيقولون: «من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله الذي بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن اهتم بآخرته كفاه الله أمر دنياه» (^٢).
٣ - الاستغفار:
يقول تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]،
وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (^٣).
٤ - إنزال الفاقة بالله تعالى:
يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ -﷿-، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٥٩٠)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).
(٢) الزهد، لوكيع (٥٢٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٤٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).
[ ٢ / ١٢٢ ]
٥ - المتابعة بين الحج والعمرة:
يقول النبي -ﷺ-: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإِنَّهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ …» (^١).
٦ - إرادة الزواج تعففًا:
يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، قال أبو بكر الصديق -﵁-: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم من الغنى» (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- قال: «التمسوا الغنى في النكاح» (^٣).
٧ - الاستغناء بالله عن الخلق:
يقول النبي -ﷺ-: «… مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» (^٤)، وقال النبي -ﷺ-: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٤٣)، والنسائي، رقم الحديث: (٢٦٣٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٨٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٦٣٠).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٧٣).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٥١).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٤٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥١).
[ ٢ / ١٢٣ ]
٨ - صلة الرحم:
يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١).
٩ - الزكاة والصدقة:
يقول رسول الله -ﷺ-: «مَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ لِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ إِلَّا زَادَهُ الله -﷿- بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا قِلَّةً» (^٢).
١٠ - الدعاء:
عن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- كان يقول: «إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ يَنْزِلُ اللهُ -﷿- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» (^٣)، وعن سلمان -﵁-، قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ -﵇- قَالَ: وَاحِدَةٌ لِي وَوَاحِدَةٌ لَكَ وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لِي فَتَعْبَدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَكَ فَمَا عَمِلْتَ مِنْ شَيْءٍ جَزَيْتُكَ بِهِ، وَأَنْ أَغْفِرَ فَأَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٣١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٦٤٦).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٦٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٨٢٩). حكم الألباني: صحيح دون جملة الاسترزاق، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٩١٥).
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الْمَسْأَلَةُ وَالدُّعَاءُ وَمِنِّي الْإِجَابَةُ وَالْعَطَاءُ» (^١).
١١ - السعي لطلب الرزق:
قال النبي -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (^٢)
الأثر الثامن: للفقر أسباب تجتنب:
كما أن هناك أسبابًا للعطاء والغني، فكذلك توجد أسباب أخرى من تعرض لها حُرِم العطاء، ومن هذه الأسباب:
١ - معصية الله تعالى:
جاء في الأثر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (^٣).
وقد قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ رُوحُ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦١٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٧٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٠٥٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٢١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠٢٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤٥٢).
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (١٠/ ٢٦)، والبغوي في شرح السنة، رقم الحديث: (٤١١٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٠٨٥).
[ ٢ / ١٢٥ ]
٢ - سؤال الناس:
قال رسول الله -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قال: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (^١).
وقال -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا باللهِ -﷿-، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (^٢).
٣ - أكل الربا:
قال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
قال ابن كثير -﵀-: «يخبر الله تَعَالَى أنه يمحق الربا يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، وعن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ-: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ) (^٣)» (^٤).
٤ - الكذب:
عن حكيم بن حزام -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٠٣١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٣٨٣١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٧٩).
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠).
[ ٢ / ١٢٦ ]
مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^١).
٥ - الحلف في البيع:
عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (^٢)، وعن أبي قتادة -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ» (^٣).
٦ - منع الزكاة:
عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَمْ يَمْنَعْ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (^٤).
٧ - ترك الحكم بما أنزل الله:
فإن من فعل ذلك فقد خالف الغني في حكمه فأفقرهم؛ عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «خَمْسُ بِخَمْسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قال: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا فَشَا
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠٧٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٥٣٢).
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٠٨٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٠٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٣٠٤٢)، وأبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (٣/ ٣٢٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٢٠٤).
[ ٢ / ١٢٧ ]
فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا طفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ» (^١).
٨ - الاهتمام بالدنيا دون الآخرة:
قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الآخرة نِيَّتَهُ، جَمَعَ الله لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (^٢)، وعليه فإن غض الطرف عن زينة الدنيا من أسباب الرزق ودوامه، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، ويروى أن عروة بن الزبير -﵁- أنه كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] … الآية ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله، ويصلي (^٣).
اللهم إنا نعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، رب قنعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه، واخلف علينا كل غائبة لنا بخير.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٩٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢٤٠).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).
(٣) تفسير القرطبي (١١/ ٢٦٣).
[ ٢ / ١٢٨ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «والفطر أيضًا: الشق، يقال: فطرته فانفطر، … وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار، أي: فيه تشقق …، والفطر: الابتداء والاختراع، قال ابن عباس -﵄-: كنت لا أدرى ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ حتى أتانى أعربيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر: من الصوم » (^٢).
ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) ست مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
١ - قوله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
٢ - قوله -﷿-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
٣ - قوله -﷿-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٣٤٥).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥١٠).
[ ٢ / ١٢٩ ]
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ
أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللهمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: «قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قال: قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧).
[ ٢ / ١٣٠ ]
٣ - عن ابن مسعود -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا، تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، إِلَّا قَالَ الله لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ، فَيُدْخِلُهُ الله الْجَنَّةَ» (^١)، قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف (^٢).
معنى اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال السدي وقتادة -رحمهما الله-، وغيرهما في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]: «خالق السماوات والأرض» (^٣).
قال الطبري -﵀-: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما» (^٤).
وقال الحليمي -﵀- في معنى الفاطر: «إنه فاتق المرتتق من السماء والأرض، قال الله -﷿-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٩٣)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٤٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧١).
(٢) تحقيق أحمد شاكر على المسند (٤/ ٨٣).
(٣) تفسير الطبري (٩/ ١٧٥، ١٧٦).
(٤) المرجع السابق (١١/ ٢٨٣).
(٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).
[ ٢ / ١٣١ ]
قال الخطابي -﵀-: «الفاطر: هو الذي فطر الخلق: أي: ابتدأ خلقهم، كقوله تَعَالَى: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، ومن هذا قولهم: فطر ناب البعير، وهو أول ما يطلع» (^١).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] «الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه» (^٢).
قال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته» (^٣).
اقتران اسم الله (فاطر السماوات والأرض) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله فاطر السموات والأرض بأي اسم من أسماء الله تعالى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (فاطر السماوات والأرض):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (فاطر السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- فاطر السموات والأرض الذي خلقها وأبدعها على غير مثال
_________________
(١) شأن الدعاء (١/ ١٠٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٨٢).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).
[ ٢ / ١٣٢ ]
سابق، يقول تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وفي بيان مظاهر ذلك ما يلي:
أنه سُبْحَانَهُ فطر السماء والأرض في ستة أيام، وفطر الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ثم بسطها في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل، فكمل خلقها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]، ثم بعد أن خلق الأرض خلق السماء ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر في يومين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (^١).
كل ذلك من غير تعب، ولا نصب، ولا إعياء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. (^٢)
فطر الأرض وبسطها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩ - ٢٠] فسهلها غاية التسهيل؛ ليستقر الخلائق على ظهرها، وأودع فيها من المنافع والمصالح لهم ما أودع، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، فأخرج منها الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، وشق فيها الأنهار
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٥).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٠٧).
[ ٢ / ١٣٣ ]
والعيون، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، وأنواع الحيوانات، وسخر ذلك كله لبني آدم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] (^١).
وفطر السموات «السبع على عظمها، وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل، قال تَعَالَى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تَعَالَى» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
فطر السموات وزينها «بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة» (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].
فطر السموات قال تَعَالَى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظلمه، فعمت الظلمة جميع أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظهر فيه النور العظيم، حينما أتى بالشمس التي جعلها ضياء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] (^٤) فـ «جعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تَعَالَى:
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣١٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٧٦، ٩٢٢).
(٢) المرجع السابق (ص: ٦٤٧).
(٣) المرجع السابق (ص: ٨٠٤).
(٤) ينظر: المرجع السابق (ص: ٩٠٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠]» (^١).
فطرها وعاقب بين ليلها ونهارها، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئًا، كما قال تَعَالَى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وقال تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
كل ذلك بإتقان وإحكام عجيب لا يرى فيه عيب، ولا خلل ولا إخلال ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] (^٢).
وقد ضرب الله -﷿- صورة من صور إتقانه لخلقه، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤] سبع سموات كل واحدة فوق الأخرى لا يرى فيها خلل ولا نقص، ولو كرر العبد النظر إليها والتأمل في أرجائها لعله يجد خلالًا؛ لعاد بصره عاجزًا عن أن يرى خللًا أو فطورًا (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (فاطر السماوات والأرض) على التوحيد:
إذا تأمل العبد أن الله فاطر السماوات بارتفاعها وصفائها، وما فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة، وفاطر الأرض بقوتها وثباتها، وما فيها من
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤٨).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٣).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٧٥).
[ ٢ / ١٣٥ ]
الجبال والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والبحور والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وما في ذلك من عظيم الخلقة وبديع النظام؛ علم أن فاطر ذلك وحده من غير شريك ولا معين هو المألوه المعبود الحق، الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وحده سُبْحَانَهُ (^١).
وقد نبه الله عباده على توحيده وبطلان عبادة غيره، مستدلًّا بخلقه للسموات والأرض في مواضع عدة من كتابه، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠].
وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون، لربهم العظيم، القاهر المالك، فقيرون لرزقه وعطاءه، فكيف يليق أن يتخذ ولي من هؤلاء المخلوقات العاجزة؟ (^٢).
فمن كان يتولى مخلوقًا لينصره ويعينه، فالله هو فاطر السماوات والأرض، فله السلطان في السماوات والأرض، ومن كان يتولاه ليرزقه ويطعمه، فالله هو الرازق المطعم لمن في السماوات ومن في الأرض، ففيم
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ١٨٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٢).
[ ٢ / ١٣٦ ]
الولاء لغير صاحب السلطان الرزاق؟
فالله هو الولي وحده، ربًّا، ومعبودًا، وناصرًا، يستنصر به ويعتمد عليه، ويتوجه إليه في الملمات، فيجب إخلاص الولاية له سُبْحَانَهُ، كما قال تَعَالَى بعد أن أنكر أن يُتَّخَذَ وليٌّ غيره: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
وتجدر الإشارة إلى أن الله -﷿- كثيرًا ما يحتج على المشركين بما اعترفوا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الألوهية؛ وذلك لأن توحيد الربوبية فطرت على قبوله والاعتراف به قلوب بني آدم، فلم ينكره إلا شُذَّاذ قليلون، من بني آدم، ففرعون القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، والقائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] معترف في حقيقة الأمر بوجود خالق لهذا العالم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى -﵇- لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (^١).
والمشركون أنفسهم الذين بُعث فيهم رسول الله -ﷺ- معترفون بالله تَعَالَى، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٣١]، فمن عرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور؛ أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له (^٢).
_________________
(١) ينظر: التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، لعبد الله بن حميد (ص ١٧ - ٢٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٢٥).
[ ٢ / ١٣٧ ]
ومن هنا يظهر خطأ من جعل التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء، وظن بذلك أنه حقق التوحيد وأثبت لا إله إلا الله، مفسرًا لها بالقدرة على الاختراع، أو نحو ذلك.
ولو كان هذا هو التوحيد الذي يدخل المرء به للإسلام؛ لكان مشركوا العرب الذي قاتلهم رسول الله -ﷺ- مؤمنين مسلمين؛ لإقرارهم أن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المتصرف في هذا العالم، قال -﵇-: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. (^٢)
فتوحيد الربوبية وإن كان ركنًا من أركان التوحيد والإيمان بالله إلا أنه لا يحصل به وحده التوحيد الواجب، ولا يخلص صاحبه بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر؛ بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه كله لله (^٣).
الأثر الثالث: التوكل على فاطر السماوات والأرض:
إذا تأمل العبد في اسم الله فاطر السموات والأرض وعظيم فطرها لهما؛ أيقن قوته -ﷻ- وعظيم قدرته، وعلم أنه لا يعجزه شيء، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وأن حاجته ومطلبه مهما عظم لن يعجز فاطر السموات والأرض،
_________________
(١) ينظر: التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، لعبد الله بن حميد (ص ١٧ - ٢٠).
(٢) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٣٨٧).
[ ٢ / ١٣٨ ]
فيورث ذلك قلبه السكينة والطمأنينة لله، فيثق بقدرته ويتوكل عليه ويصدق في الاعتماد عليه في جلب منافعه الدينية والدنيوية، وفي دفع المضار عنه الدينية والدنيوية أيضًا.
وحين يقلب نظره في السماء والأرض ويستشعر عظيم خلقها، ثم يستحضر عظمة خالقهما وفاطرهما، تستقر في نفسه مهابة الله وخشيته، ويستصغر من دون الله -جل وعلا- من العباد مهما كان مقدَّمًا معظَّمًا مبجَّلًا، فيزيد توكله واعتماده على ربه.
فهذا نبي الله هود، ليس له أنصار ولا أعوان، يصرخ في قومه ويناديهم وهم الأعداء الذين لهم السطوة والغلبة، فيقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] (^١)، وقبله نوح -﵇- يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].
الأثر الرابع: التأمل في خلق السماوات والأرض:
وقد دعا الله -﷿- عباده إلى التفكر في آيات الله الكونية وما خلق في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، وحثهم على ذلك في مواضع من كتابه، منها:
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٨٣ - ٣٨٤).
[ ٢ / ١٣٩ ]
قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
قال السعدي -﵀-: «يدعو تَعَالَى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها، وما تحتوي عليه» (^١).
ويقول تَعَالَى في معرض المدح لأهل الإيمان: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وإنما شرع الله هذه العبادة لما تثمره من توحيده سُبْحَانَهُ ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإذا تفكر العبد في خلق السموات والأرض مثلًا وجد «أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له» (^٢)، فتتعلق القلوب به، ويبذل الجهد في مرضاته (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٧٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٧٦).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٦١).
[ ٢ / ١٤٠ ]
الأثر الخامس: محبة (فاطر السماوات والأرض):
إذا تأمل العبد في اسم الله فاطر السموات والأرض وما يتضمنه من الإحسان لعباده، بخلق السموات والأرض، وما أودع فيهما من مصالح شتى، بها تستقيم حياتهم وتطيب، وما سخره لهم من النعيم يوجب كل ذلك محبة فاطرهما وموجدهما، وأن يحب غاية الحب وأن يتذلل له غاية التذلل، وهذان هما قطبا التعبد لله -﷿-.
الأثر السادس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]:
التأمل في اسم الله فاطر السماوات والأرض، يشعر بمنة الله على عباده بأن خلق السماوات والأرض وأودع فيهما من المصالح والمنافع التي تعود عليهم بالخير الكثير، وسخر ذلك كله لهم كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣].
فسخر ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وعاقب بين الليل والنهار والشمس والقمر فحصل بذلك الحر والبرد، والفصول، ومعرفة الأيام والحساب، والاستقرار والسكن في الليل، والانتشار والسعي في النهار (^١).
وسخر لهم ما في الأرض من حيوانات، ونبات، وجمادات، فجميع ما في الأرض مسخر لبني آدم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] حيواناتها، لركوبه، وحمله، وأعماله، وأكله، وأنواع انتفاعه، وأشجارها، وثمارها، يقتاتها، قال تَعَالَى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]، وقد سلط على غرسها واستغلالها، واستخراج معادنها والانتفاع بها.
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤٩)، تفسير السعدي (ص: ٥٢٢).
[ ٢ / ١٤١ ]
وسخر لهم البحر، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]
تسير سفنه بتسخيره في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من متاجر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، وجعل فيها الأسماك والحيتان وأحلها لهم في الحل والحرم، وخلق فيه اللآلئ والجواهر النفيسة، وسهل للعباد صيدها واستخراجها من قرارها (^١).
ومن نظر في هذا كله وتأمله أوجب له ذلك حمد فاطر السموات والأرض ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وشكره على ما أنعم وأولى، والاستعانة بهذه النعم على طاعته، وترك الاستعانة بشيء منها على معصيته (^٢).
الأثر السابع: التدرج والأناة في سائر الأمور:
إن المتدبر في اسم الله فاطر السماوات والأرض، يجد التدرج يظهر جليًّا في خلق الله للسموات والأرض، فقد فطرهما سُبْحَانَهُ في ستة أيام، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الحديد: ٤] مع أنه قادر على خلقهما في لحظة واحدة، وبكلمة واحدة (كن) ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٢) (٥/ ٤٥١)، تفسير السعدي (ص: ٥٤٤).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٩).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٥).
[ ٢ / ١٤٢ ]
لنأخذ من هذا منهجًا شرعيًّا جاءت به الشريعة وأقرته، ألا وهو منهج: التدرج والأناة في الأمر.
فرسول الله -ﷺ- مكث ثلاثًا وعشرين سنة يبني المجتمع الإسلامي لبنة لبنة، قام -﵇- طيلة هذه السنين يغرس العقيدة في النفوس، ثم تدرج في فرض الأحكام في العهد المدني، بل الفريضة الواحدة تدرج في فرضها، فالصلاة فُرضت أول ما فرضت ركعتين ركعتين ثم أقرت في السفر، وزيدت في الحضر على أربع للظهر والعصر والعشاء، وكذا الصيام فرض أولًا على التخيير من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، ثم فرض على الإلزام.
وحصل التدرج- أيضًا- في التحريم، فالخمر أول ما حرم حرم أوقات الصلوات فقط، ثم حرم مطلقًا، فعلي المسلم أن يلتزم هذا المنهج ويسلكه في حياته ويرفع من قيمة «الإنجاز المتدرج».
الأثر الثامن: الدعاء باسم (فاطر السماوات والأرض):
أمر الله عباده أن يدعوه على وجه الخصوص باسمه فاطر السموات والأرض، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
قال سعيد بن جبير -﵀-: «إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط، فسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]». (^١)
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٥).
[ ٢ / ١٤٣ ]
ودعاء يوسف -﵇- ربه باسمه فاطر السموات والأرض، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وكان رسول الله -ﷺ- يدعو ربه باسمه فاطر السموات والأرض، كما ثبت في جملة من الأحاديث، منها:
- عن أبي هريرة -﵁-: أن أبا بكر الصديق -﵁- قال: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: «اللهمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قال: قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (^١).
- وما جاء عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ …» (^٢) (^٣).
وما جاء عن أبي سلمة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵀- قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ
أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللهمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
(٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٢١).
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١)، فاختار النبي -ﷺ- هذا الدعاء في ظلمة الليل، التي هي مظنة الاضطراب لذهاب الضوء، والمؤمن عند الاختلاف يرى الأمور مضطربة، ولا غنى له عن هداية الحق له للحق المختلف فيه.
اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).
[ ٢ / ١٤٥ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «قدر الشيء: مبلغه، وقدر الله وقدره بمعنى، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، والقدر والقدر أيضًا: ما يقدره الله -﷿- من القضاء …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «القدر: مبلغ كل شيء؛ يقال: قدره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القدر، وقدرت الشيء أقدره وأقدره من التقدير، وقدرته: أقدره، والقدر: قضاء الله تَعَالَى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، … وقدرة الله تَعَالَى على خليقته: إيتاؤهم بالمبلغ الذي يشاؤه ويريده …» (^٢).
ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) في كتاب الله (خمسًا وأربعين مرة)، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٧٨٦).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٢ - ٦٣).
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقوله -﷿-: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وقال -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القادر) في كتاب الله (اثنتي عشرة مرة) سبعة، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].
قوله -﷿-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].
قوله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]
ورد اسمه سُبْحَانَهُ: (المقتدر) في كتاب الله أربع مرات، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢].
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
قوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
[ ٢ / ١٤٧ ]
ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله: (القدير) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:
عن عبادة بن الصامت -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).
وعن أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٢).
وعن عبد الله -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَمْسَى قَالَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قال: أراه قال فيهِن: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وإِذا أصبح قال ذلك أيضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٣).
[ ٢ / ١٤٨ ]
ورد اسم الله: (القادر) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:
عن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال في آخر رجل يدخل الجنة، أن الله -﷿- يقول له: «يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (^١).
معنى اسم الله (القدير القادر المقتدر):
القدير والقادر والمقتدر أسماء لله -﷿- متقاربة المعاني، ترجع إلى معنيين:
القدرة الكاملة التي لا عجز معها.
التقدير للأشياء.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]: «إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٧).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٣).
[ ٢ / ١٤٩ ]
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]: «قدير، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربهم، وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه؛ لأن له الخلق والأمر» (^١)، وقال في قوله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]: «مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «القادر على ما يشاء، لا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب» (^٣).
قال البيهقي -﵀-: «هو الذي له القدرة الشاملة، والقدرة له صفة قائمة بذاته» (^٤).
قال السعدي -﵀-: في قوله تَعَالَى: «﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض».
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَهوَ القَدِيرُ وَلَيْسَ يُعْجِزُهُ إِذَا … مَا رَامَ شَيْئًا قَطُّ ذُو سُلْطَانِ (^٥)
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٥٠٤).
(٢) تفسير ابن جرير (٢٢/ ٦٠٠).
(٣) تفسير الأسماء (ص: ٥٩).
(٤) الاعتقاد (ص: ٦٣).
(٥) النونية (ص: ٢٠٥).
[ ٢ / ١٥٠ ]
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الخطابي -﵀-: «وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] أي: نعم المقدرون» (^١).
قال الحليمي -﵀- في (المقتدر): «وإن كان يقدر على أشياء كثيرة لم يفعلها، ولو شاء لفعلها، فاستحق بذلك أن يسمى: مقتدرًا» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «القدير كامل القدرة، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وبقدرته يقلب القلوب، ويصرفها على ما يشاء ويريد» (^٣).
الفرق بين القدير والقادر، والمقتدر:
يمكن أن نقول: إن الفرق بين هذه الأسماء أن القادر هو المتمكن، في حين أن القدير صيغة مبالغة منه، والمقتدر أبلغ وأعم.
قال الزجاج -﵀-: «(المقتدر) مبالغة في الوصف بالقدرة، والأصل في العربية أن زيادة اللفظ زيادة المعنى، فلما قلت: اقتدر، أفادت زيادة اللفظ زيادة المعنى» (^٤).
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ٨٦).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
(٤) تفسير الأسماء (ص: ٥٩).
[ ٢ / ١٥١ ]
قال الخطابي -﵀-: «(المقتدر) … ووزنه: (مفتعل) من القدرة، إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم؛ لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه» (^١).
قال ابن الأثير -﵀- في أسماء الله تَعَالَى: (القادر، والمقتدر، والقدير): فالقادر: اسم فاعل، من قدر يقدر، والقدير: فعيل منه، وهو للمبالغة، والمقتدر: مفتعل، من اقتدر، وهو أبلغ» (^٢).
اقتران اسم الله: (القدير القادر المقتدر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):
تقدم بيانه في اسم الله (العليم).
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ: (القدير) باسمه سُبْحَانَهُ (العفو):
تقدم بيانه في اسم الله (العَفُو).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) باسميه سُبْحَانَهُ (الغفور الرحيم):
اقترن اسم الله (القدير) باسمه (الغفور الرحيم) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ٨٦).
(٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٤/ ٢٢).
[ ٢ / ١٥٢ ]
ووجه الاقتران بينهما: لدلالة على أن مغفرته ورحمته -﵎- عن قدرة كاملة تامة، لا عن ضعف وحاجة.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله: (القدير القادر المقتدر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- قدير، قادر، مقتدر له القدرة والتقدير الشامل التام من كل وجه.
أ- فأما قدرته سُبْحَانَهُ: فله -ﷻ- القدرة الواسعة التي وسعت كل شيء، والقدرة الكاملة التي كملت من كل وجه.
فأما سعة قدرته:
فقدرته عامه شاملة لكل شيء، إذا أراد شيئًا قال له: (كن) فيكون، قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
ومن أثار سعة قدرته ما يلي:
١ - أنه بقدرته خلق الخلق وأوجدهم من العدم، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
٢ - أنه بقدرته خلق السموات السبع والأرضين السبع على عظمهما وسعتهما، وما فيهما من إتقان وإحكام في ستة أيام من غير تعب ولا نصب،
[ ٢ / ١٥٣ ]
ونشر بقدرته فيهما أصناف الدواب من الإنس والجن وسائر الحيوانات (^١)، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].
٣ - أنه بقدرته نوَّع خلقهم، فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم مع أن أصلهم واحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] «كما أنزل المطر على الأرض، وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، قال تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]» (^٣).
٤ - أنه بقدرته يخلق ما يشاء على ما يشاء من الصفات، ويزيد في خلق بعضهم ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك (^٤)، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، تفسير السعدي (ص: ٨٧٢).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، تفسير السعدي (ص: ٥٧١).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٥٧١).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٤).
[ ٢ / ١٥٤ ]
رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].
٥ - أنه بقدرته خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة، وجعلهم أنسابًا وأصهارًا متفرقين ومجتمعين، ومرجعهم كلهم ذلك الماء المهين (^١) قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
٦ - أنه بقدرته فاوت بينهم فيما خلق لهم، فمنهم من يهبه البنات، ومنهم من يهبه البنين، ومنهم من يهبه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] (^٢).
٧ - أنه بقدرته يقيم الساعة في لمح البصر، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]، ويجمع الأولين والأخرين في صعيد واحد مهما كان تفرق أبدانهم وأجسادهم، ومهما كان مكان مهلكهم ومصرعهم (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨٥).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢١٦).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ١٩٧)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٣).
[ ٢ / ١٥٥ ]
٨ - أنه بقدرته يكرم أهل الجنة بألوان النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من غير انقطاع ولا زوال، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر: ٥٤ - ٥٥]،
وبقدرته يعذب المكذبين بأصناف العذاب وألوان النكال من غير زوال ولا انقطاع بحال من الأحوال (^١).
وكل ذلك الخلق وما فيه من كثرة وتنوع واختلاف، والبعث وما فيه من تفرق واجتماع ما هو إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ إذ لا يتعذر على الله القدير شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] (^٢).
وأما كمال قدرته:
فقدرته -﵎- كاملة سالمة من اللغوب، والإعياء، والتعب، والعجز عما يريد، قائمة على العلم، والملك، والحكمة، والقهر، والنصر ونحو ذلك من صفات كماله.
فهو القدير الذي أحاط بكل شيء علمًا، فعلم السرائر والضمائر والظواهر، لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا
_________________
(١) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٤٥ - ٤٦).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ١٥٣)، تفسير السعدي (ص: ٦٥١).
[ ٢ / ١٥٦ ]
فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].
وهو القدير الذي ملك العالم العلوي والسفلي، وتصرف فيه بما شاء، ودبر أمره على ما أراد لا يمتنع عليه أمر من الأمور، ولا يعجزه أحد، بل كل شيء طوع مشيئته وقدرته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] (^١).
وهو القدير الذي يحكم في ملكه بما قدر وقضى، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
وبقدرته وحكمه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٦)، تفسير السعدي (ص: ١٢١، ١٦١).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٢٧).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وحكم بشرعه، فأحل ما شاء، وحرم ما شاء، وأباح ما شاء، وحظر ما شاء، ونسخ وبدل وغير من أحكامه ما شاء، وأقر منها ما شاء، يحكم بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] (^١).
ثم هدى لشرعه من شاء، وضل عنه من شاء، ووفق إليه من شاء، وخذل عنه من شاء، القلوب بيده يصرفها على ما يشاء، قال تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] (^٢).
وهو القدير الذي قهر أعداءه بما أوقع عليهم من أنواع العقوبات وبما أحل عليهم من المَثُلَات، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
«فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العَدد والعُدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء» (^٣).
فها هو فرعون وجنده مع ما هم فيه من الملك والجبروت، لما أتى أمر الله لم يغن عنهم ذلك شيئًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٨٨)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٢٨).
(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٦٠).
[ ٢ / ١٥٨ ]
كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٢] فأبادهم المقتدر ولم يبق منهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا (^١).
وبقدرته يقهرهم إذا شاء، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
ولو شاء لذهب بقدرته بالخلق، وأتى بخلق جديد خير منهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]، لكنه العَفُوُّ سُبْحَانَهُ الذي يعفو عن الزلات والذنوب العظام فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] (^٢).
وهو القدير الذي نصر حزبه مع ما هم فيه من قلة العدة والعتاد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦].
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٨١).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢١٢).
[ ٢ / ١٥٩ ]
وبقدرته ينصرهم متى ما شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
«فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]» (^١).
ب- وأما تقديره سُبْحَانَهُ:
فله -ﷻ- التقدير العام الشامل لكل شيء، والتقدير الكامل الذي لا نقص فيه.
فأما سعة تقديره:
فتقديره سُبْحَانَهُ واسع وسع الخلائق كلها، فلا يحدث شيء في ملكوته سُبْحَانَهُ إلا وسبقه تقدير من القدير -ﷻ-، فلا يتقدم عليه شيء ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
قال السعدي -﵀-: «وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تَعَالَى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ١٥٦).
[ ٢ / ١٦٠ ]
وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف» (^١).
ومن تقدير القدير سُبْحَانَهُ خلق الجنين في بطن أمه فدبره في الظلمات، ونقله من نطفة إلى علقه إلى مضغة إلى أن كان جسدًا، ثم نفخ في الروح، وقدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ١٩]، وقال ابن مسعود -﵁-: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق، قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٣).
وتقدير الأرزاق بين عباده فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كل ذلك بمقدار لا يزيد عنه ولا ينقص، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٢٢)، وتفسير السعدي (ص: ٩٠٤).
(٣) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٢٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٤٣).
[ ٢ / ١٦١ ]
الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١).
وقدر إنزال المطر، فينزله بقدر ما يكفي الخلائق، فلا ينقص بحيث لا يكفي الأرض والأشجار فلا يحصل به المقصود، ولا يزيد زيادة لا تحتمل، فتتلف المساكن، وتموت معه النباتات والأشجار، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١] (^٢)، وقدر الزروع والحبوب وغيرهما مما يخرج من الأرض كالمعادن والجواهر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] (^٣).
وتقدير الموت بين الخلائق فعجله لبعض الخلق، وأخره عن بعض إلى أجل مسمى، فإذا جاء لم يتقدم ولم يتأخر عما قدر الله، قال سُبْحَانَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] (^٤).
وتقدير الهداية والضلالة على الخلائق، فهدى من شاء، وأضل من شاء، وأسعد من شاء، وأشقى من شاء، وقدر من شاء للجنة برحمته، وقدر من شاء للنار بعدله، وقدر نعيم أهل الجنة حتى قدر شراب أهلها، قال تَعَالَى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦]، فقدرت على قدر ريِّ أهلها فلا تزيد ولا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٤٩ - ٧٦٣).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤٣٧).
(٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧).
[ ٢ / ١٦٢ ]
تنقص؛ لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم، وقدر عذاب أهل النار فلا يزاد فيه ولا ينقص عما شاء -﵎- (^١).
وأما كمال التقدير:
فتقدير الله -﷿- كامل لا نقص فيه ولا خلل؛ وذلك أنه قائم على العلم والكتابة السابقتين، والمشيئة التي لا تنفك عن حكمه، والخلق العام.
فالله سُبْحَانَهُ قدر الأشياء؛ بناء على ما علم من حالها، وما يصلح لها؛ فعلم سُبْحَانَهُ من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومن يصلح للمرض ولا يصلح للعافية، ومن يصلح للعقم ولا يصلح للولد، وعلم ضد ذلك فقدر فلم يخرج تقديره عن حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] أي: «لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، كما في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٠٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٥٨).
[ ٢ / ١٦٣ ]
ثم كتب سُبْحَانَهُ ما علم في اللوح المحفوظ، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^١).
ثم إنه -﵎- شاء ما كتب، فخلق الخلق بناء عليه، ووزع أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة بناء على ما كتب (^٢).
فكل شيء كائن كما علم، وكتب، وشاء، وخلق -﵎-، فما شاء كان ولو حاول منعه كل ممانع، وما لم يشأ لم يكن ولو حاول إيجاده كل موجد، وقدره نافذ لا محاله، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، قال ابن كثير -﵀-: «وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» (^٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في ضعفه وضعف المخلوقات من حوله وعجزهم؛ إذ لا يملك أحد منهم قدرة على الخلق، ولا النفع، ولا الضر، ولا العطاء، ولا المنع، ولا النصر، ولا الامتناع كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ
_________________
(١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٤٧٠٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٠٠).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٧٧).
(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٢٧).
[ ٢ / ١٦٤ ]
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤ - ٥٥]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، فالكل فقير مملوك لله -﷿-، نفذت فيه قدرته ومشيئته -﵎-.
فإذا تؤمل هذا علم أن من هذا حاله لا يستحق شيئًا من العبادة، وإنما العبادة حق للقادر القدير المقتدر لا إله إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] (^١).
الأثر الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر:
إذا علم العبد اسم الله (القادر، القدير، المقتدر) وتيقن ما فيه من تقدير نافذ، وقضاء كائن بلا ممانعة ولا مدافعة؛ قاده ذلك للإيمان بالقضاء والقدر الذي هو أصل عظيم من أصول الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال -ﷺ- في حديث جبريل الطويل لما سئل عن الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلائِكَتِه، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِر، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٢٦ - ٢٥٢ - ٥٨٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقال ابن عباس -﵄-: «القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله -﷿-، وآمن بالقدر، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد اللهتَعَالَى، وكذب بالقدر؛ نقض التوحيد» (^١).
وقال عوف: سمعت الحسن يقول: «من كذب بالقدر، فقد كذب بالإسلام، إن الله -﷿- قدر خلق الخلق بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر» (^٢).
وحقيقة الإيمان بالقدر: الإيمان بأن كل شيء يحدث في هذا الملكوت بقدر الله علما، وكتابة، ومشيئة، وخلقًا (^٣)؛ إذ الإيمان بالقدر إيمان بأربع مراتب (^٤):
١ - الإيمان بعلم الله السابق للأشياء قبل وقوعها جملة وتفصيلًا؛ فإنه سُبْحَانَهُ يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩].
_________________
(١) القدر، للفريابي (ص: ١٧٣)، والإبانة الكبرى، لابن بطة (٤/ ١٥٨).
(٢) الإبانة الكبرى، ابن بطة (٤/ ١٨٤).
(٣) ينظر: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح آل لشيخ (١/ ٢٤٠).
(٤) ينظر: شرح الأربعين النووية، للعثيمين (ص: ٤٩، وما بعدها)، وشرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٦٥، وما بعدها)، وإتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح آل لشيخ (١/ ٢٤٠، وما بعدها).
[ ٢ / ١٦٦ ]
٢ - الإيمان بأن الله كتب أحوال الخلق وتفصيلاتها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]، وقال -ﷺ- في حديث عبادة بن الصامت -﵁-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^١).
٣ - الإيمان بأن كل ما حدث في الكون ويحدث بمشيئة الله وإرادته كونًا، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].
٤ - الإيمان بأن الله -﷾- خلق كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
فكل شيء مخلوق لله: السموات، والأرض، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر، والإنسان وعمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، قال ابن كثير -﵀-: «يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى: (الذي) تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٦٧ ]
أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب (أفعال العباد)، عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعًا قال: (إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ) (^١)» (^٢).
فمن آمن بهذه المراتب الأربع آمن بالقدر الذي من ثمراته: الرضى والتسليم لتقدير الله -﷿- خيره وشره، وحلوه ومره لا سيما إذا اقترن مع هذا الإيمان استشعار لعلم الله التام، وحكمته البالغة، ورحمته العظيمة التي صدر عنها هذا التقدير، واستشعار أن الجزع والسخط لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يفوت على العبد الأجر والمثوبة، ويعود عليه بالوبال والخسارة.
قال ابن القيم -﵀-: «من ملأ قلبه من الرضا بالقدر: ملأ الله صدره غنى وأمنًا وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا: امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه» (^٣).
ومن ثمراته- أيضًا- سلامة القلب من الحقد والحسد ونحوهما من أمرض القلوب؛ ذلك لإيمان صاحبه بأن الكل بتقدير الله -﷿-، وأنه سُبْحَانَهُ هو الذي أعطى ومنع، فالفضل فضله، والعطاء عطاؤه، وله في ذلك الحكمة البالغة، والمنة العظيمة (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٤٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٥٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٧).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٠٢).
(٤) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥١).
[ ٢ / ١٦٨ ]
الأثر الرابع: التوكل على القدير، القادر، المقتدر والثقة به:
إذا آمن العبد باسم الله (القادر، القدير، المقتدر) وتيقن ما تضمنه من القدرة العظيمة التي لا يعجزها شيء في السماء والأرض، ثم نظر إلى مطالبه ومكارهه، وعلم أنها لا تخرج عن قدرة الله -﷿-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] حمله ذلك على صدق التوكل على القادر -﷿-، والثقة به في جلب مطالبه، ودفع مكارهه، والتعلق به وحده سُبْحَانَهُ دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] (^١).
كما يحمله- يقينه بقدرة الله- على عدم اليأس والقنوط من رحمته؛ فإنه سُبْحَانَهُ لا يتعاظم عليه شيء مهما عظم وكبر، فلا يتعظم عليه أن يغفر الذنوب ولو كانت كالجبال بل قادر سُبْحَانَهُ على أن يبدلها حسنات، ولا يتعاظم عليه أن يرفع بلاء أو يكشف مصاب أو يدفع ضرًّا، فهو القادر سُبْحَانَهُ على أن يبدل المرض عافية، والألم راحة، والسهر نومًا، والخوف أمنًا، والفقر غنًى، والجوع شبعًا، والضعف قوة، والهزيمة نصرًا، وهو على كل شيء قدير.
وهذا اليقين بقدرة الله يحمل العبد- أيضًا- على الثقة بنصره -﷿- للمسلمين؛ إذ قدرته لا تعجز عن نصرهم ورفع المصائب والنكبات عنهم مهما كان ضعفهم وتأخرهم، كما لا تعجز عن قصم عدوهم وكبته مهما كانت قوته وتقدمه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥٠).
[ ٢ / ١٦٩ ]
مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].
ويحمله على الشعور بالعزة والقوة أمام كيد الكافرين ومكرهم، وذهاب الخوف منهم ومن قوتهم؛ للعلم بأنهم في قبضة الله تَعَالَى وتحت قدرته وقهره (^١).
الأثر الخامس: الخضوع للقدير والاستعانة به:
جعل الله -﷿- لخلقه قدره تقوم بها حياتهم، كما قال سُبْحَانَهُ في إثباتها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] إلا أن قدرة المخلوق مهما بلغت لا تعدل شيئًا أمام قدرة الله -﷿-، وتوضيح ذلك بما يلي:
١ - قدرة المخلوق مسبوقة بالعجز والضعف، كما في حال الطفولة؛ فالطفل في بداية ولادته لا يستطيع أن يدفع عن نفسه قليلًا ولا كثيرًا، أما قدرة الله -﷿- فأولى وآخرة، لا بداية لها ولا نهاية.
٢ - قدرة المخلوق مكتسبة من إقدار الله له، وليست قدرة مستقلة، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته ذاتية مستقلة لم يكتسبها من أحد.
٣ - قدرة المخلوق ناقصة، يعوزها المساعد والمعاون والمستشار والخبير، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته كاملة تامة لا تحتاج إلى أحد كائنًا
_________________
(١) ينظر: ولله الأسماء الحسنى، للجليل (ص: ٥٣٥).
[ ٢ / ١٧٠ ]
من كان.
٤ - قدرة المخلوق محدودة ببعض الأشياء دون بعض، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته عامة لكل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
٥ - قدرة المخلوق فانية، ومهددة بالزوال، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته دائمة مستمرة لا زوال لها ولا نهاية.
فإذا علم العبد هذا خضع لله -﷿-، ولم يغتر بقدرته أو يستقل بها في أموره، بل يشعر دومًا بحاجته وفقره لقدرة الله -﷿-، كما جاء في دعاء الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ» (^١).
وهذا الشعور يثمر الاستعانة بالله -﷿-، وتمام الالتجاء إليه، كما أوصى رسول الله -ﷺ- ابن عباس -﵄- والأمة من وراءه بذلك، فقال: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٥١٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٦٣٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).
[ ٢ / ١٧١ ]
خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^١).
فبين -ﷺ- في هذا الحديث أن الإنسان لا يدرك مطالبه من أمور الدين أو الدنيا بالعمل والسعي الجاد في تحصيلها فقط، بل لا بد أن يعطف على سعيه الاستعانة بالله -﷿-؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ولو صغرت، ودفع مضاره ولو سهلت، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -﷿- (^٢).
الأثر السادس: محبة الله القادر القدير المقتدر:
إذا تأمل العبد في اسم الله (القادر، القدير، المقتدر)، واستشعر كمال قدرته وتقديره؛ فلما قدر حلم، ولما قدر عفا وغفر، ولما قدر عدل ولم يظلم، ولما قدر لم يعجز عن شيء ألبتة، ولما قدر قدر عن علم، وحكمة، ورحمة قاده ذلك كله لمحبته -﵎- والتعلق به، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).
(٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٥٧٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥١).
[ ٢ / ١٧٢ ]
الأثر الثامن: الحذر من الظلم:
إذا آمن العبد بقدرة الله -﷿- على الخلق عمومًا، وعلى الظالمين خصوصًا، كما جاء عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١).
وعلم انتقام القدير سُبْحَانَهُ للمظلوم من ظالمه، كما جاء في جملة من الأحاديث، منها:
حديث خزيمة بن ثابت -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ المَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -﵎-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).
حديث معاذ بن جبل -﵁- وقول رسول الله -ﷺ- له: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (^٣).
حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، وابن حبان واللفظ له، رقم الحديث: (٨٧٤)، حكم الألباني: حسن لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٨٧١).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٨)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩).
[ ٢ / ١٧٣ ]
هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^١).
حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^٢).
إذا علم العبد ذلك ردعه ذلك كله عن العدوان والظلم، لا سيما ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كما يدفع الظالم للتوبة والاستغفار والخروج من مظالم الخلق في الدنيا قبل التقاصِّ يوم القيامة.
الأثر التاسع: الدعاء باسم الله القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بقدرته:
كل إنسان له مطالب يرغب في تحصيلها، ومخاوف يرغب في دفعها، والكل تحت قدرة الله -﷿-، لا يخرج عنها شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥]، ولا يقدر العبد على ما في يد الله إلا بسؤاله ورجائه، كما قال مطرف بن الشخير -﵀-: «تذكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير: الصوم والصلاة، وإذا هو في يد الله -﷿-، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله -﷿- إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء» (^٣) (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٩).
(٣) الزهد، لأحمد بن حنبل (ص: ١٩٥).
(٤) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥٢).
[ ٢ / ١٧٤ ]
فإذا علم العبد هذا وتيقنه؛ أدام سؤال الله -﷿- حاجته، وأكثر من دعائه، لا سيما باسمه (القادر، القدير، المقتدر) الذي أرشدنا رسول الله -ﷺ- لسؤال الله به في جملة من الأدعية والأذكار، منها:
١ - دعاء الاستخارة، فعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ» (^١).
٢ - الذكر ما بين التشهد والسلام، فعن عطاء بن السائب، عن أبيه -﵁- قال: «صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٧٥ ]
لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^١).
٣ - رقية المريض، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ -﵁- أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ الله ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (^٢).
اللهم إنا نسألك بقدرتك، أن تستعملنا في طاعتك، وتسخر ما أوليتنا به من قدرات في مراضيك ومحابِّك.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي واللفظ له، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٠٢).
[ ٢ / ١٧٦ ]
القَريبُ المُجيبُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (القريب):
قال الجوهري -﵀-: «(قرب) قرب الشيء بالضم يقرب قربًا، أي: دنا … تقول: هذه المرأة قريبتي، أي: ذات قرابتي، وقربته بالكسر أقربه قربانًا، أي: دنوت منه … والقرب: ضد البعد» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(قرب) القاف والراء والباء أصل صحيح يدل على خلاف البعد، يقال: قرب يقرب قربًا، وفلان ذو قرابتي، وهو من يقرب منك رحمًا …» (^٢).
ثانيًا: (المجيب):
قال الجوهري -﵀-: «(جوب) الجواب معروف، يقال: أجابه وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم الجابة بمنزلة الطاعة والطاقة … والإجابة والاستجابة بمعنى، يقال: استجاب الله دعاءه …» (^٣).
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٩٨).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٨٠)
(٣) الصحاح (١/ ١٠٤).
[ ٢ / ١٧٧ ]
قال ابن فارس -﵀-: «(جوب) الجيم والواو والباء … وأصل آخر، وهو مراجعة الكلام، يقال: كلمه فأجابه جوابًا، وقد تجاوبا مجاوبة، والمجابة: الجواب …» (^١).
ورود اسم الله (القريب المجيب) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله القريب:
ورد اسم الله (القريب) ثلاث مرات في كتاب الله، وقد وردت كالتالي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
قوله -﷿-: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
قوله -﷿-: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
ثانيًا: ورود اسم الله المجيب في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المجيب) مرتين في كتاب الله، وهما:
قوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
قوله -﷿-: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].
_________________
(١) مقاييس اللغة (١/ ٤٩١).
[ ٢ / ١٧٨ ]
ورود اسمي الله (القريب والمجيبِ) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله القريب:
ورد اسم الله (القريب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ. وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١)، وفي رواية: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ» (^٢).
ثانيًا: ورود اسم الله المجيب:
ورد اسم الله (المجيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
حديث أبي موسى -﵁- أيضًا: «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ قَرِيبًا مُجِيبًا، يَسْمَعُ دُعَاءَكُمْ وَيَسْتَجِيبُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٤٢٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٩١٤). إسناده صحيح على شرط الشيخين، (كما في مسند أحمد تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون).
[ ٢ / ١٧٩ ]
معنى اسم الله (القريب المجيب) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله (القريب):
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]: «… غير بعيد، فيتعذر عليه سماع ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «القريب: الذي ليس ببعيد، فالله -﷿- قريب ليس ببعيد، كما قال -﷿-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] أي: أنا قريب الإجابة، وهو مثل قوله -﷿-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] … وكل هذا يراد به- والله أعلم- إحاطة علمه بكل شيء، وكون كل شيء تحت قدرته وسلطانه وحكمه وتصرفه، ولا يراد بذلك قرب المكان والحلول في بعضه دون بعض، جل الله وتَعَالَى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «القريب: معناه: أنه قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بالإجابة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]». (^٣)
وقال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] «أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٢٠).
(٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).
[ ٢ / ١٨٠ ]
عبادته، وإثابته عليها، أجلَّ الثواب» (^١).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَهوَ القَرِيبُ وَقُرْبُهُ المُخْتَصُّ بِالدَّ … اعِي وَعَابِده عَلَى الإِيمَانِ (^٢)
ثانيًا: معنى اسم الله (المجيب):
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، يقول: «إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه» (^٣).
قال الزجاج -﵀-: «المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وقال الله تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]» (^٤).
قال الخطابي -﵀-: «هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، فقال تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويقال: أجاب واستجاب بمعنًى واحد» (^٥).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).
(٢) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٨).
(٣) تفسير الطبري (١٥/ ٣٦٩).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥١).
(٥) شأن الدعاء (ص: ٧٢).
[ ٢ / ١٨١ ]
قال الحليمي -﵀-: «الذي ينيل سائله ما يريد، لا يقدر على ذلك غيره» (^١).
قال ابن الأثير -﵀-: «وفي أسماء الله تَعَالَى: (المجيب) وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء، وهو اسم فاعل من: أجاب يجيب» (^٢).
قال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]: «يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب» (^٣).
قال الإمام ابن القيم -﵀-:
وَهوَ المُجِيبُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُو أُجِبْـ … ـهُ أَنَا المُجِيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَانِي
وَهوَ المُجِيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَرِّ إِذْ … يَدْعُوهُ فِي سِرٍّ وَفِي إِعْلَانِ (^٤)
اقتران اسم الله (القريب المجيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله القريب:
اقترن اسم الله القريب باسم الله (السميع)، واسمه (المجيب).
أولًا: اقتران اسم الله القريب باسمه السميع:
تقدم بيانه في اسم الله (السميع).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (ص: ٣١٠).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).
(٤) نونية ابن القيم (ص ٢٠٨).
[ ٢ / ١٨٢ ]
ثانيًا: اقتران اسم الله القريب باسمه المجيب:
اقترن اسم الله القريب باسمه المجيب في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
وجه الاقتران:
«أن الله سُبْحَانَهُ عندما يسأله عباده ويدعونه، فإنه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم، ولا يمنعه علوه فوق خلقه عن سماع دعائهم؛ لأنه قريب لهم يسمع دعاءهم ويقضي حوائجهم على اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم، فهو سُبْحَانَهُ قريب في علوه عال في قربه» (^١).
ثانيًا: اقتران اسم الله المجيب:
- اقتران اسم الله (المجيب) باسمه (القريب):
تقدم بيانه في اسم الله (القريب).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القريب المجيب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القريب، المجيب) من الصفات:
لما كان ربنا -﷿- بكل شيء عليم، وبخلقه رحيم، وعليم جواد كريم محسن، وبيده خزائن السموات والأرض كان من أسمائه القريب المجيب، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقد تضمنا صفة القرب والإجابة، وهما على نوعين:
_________________
(١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (٢/ ٣٤).
[ ٢ / ١٨٣ ]
النوع الأول: القرب والإجابة العامة:
القرب العام:
الله -﷿- عال على خلقه، فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه وهم منه بائنون إلا أنه مع ذلك قريب من سائرهم بعلمه وخبرته ومراقبته ومشاهدته وإحاطته (^١)، قريب من الإنس والجن، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والخفي والظاهر، والعاقل وغير العاقل، مطلع على جهرهم وسرهم، ومشاهد لحركاتهم وسكناتهم، ومعهم أينما كانوا، وفي أي ساعة كانوا، وعلى أي حال انقلبوا لا يخفى عليه شيء من أمرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال -ﷺ-: (والَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) (^٢).
وهو سُبْحَانَهُ قريب بسمعه من كل متكلم، يسمع كل ما ينطق به، لا يخفى عليه كلمة ولا يفوته حرف، سواء نطق به سرًّا أم جهرًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وقال -ﷺ-: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ) (^٣).
فإن استشكل مستشكل قرب ربنا مع علوه، قلنا نقلًا عن ابن القيم -﵀-: «وهو سُبْحَانَهُ قريب في علوه؛ عال في قربه، كما في الحديث الصحيح
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٨٤ ]
عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: (كنا مع رسول الله -ﷺ- في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، قال: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) (^١).
فأخبر -ﷺ- وهو أعلم الخلق به- أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه؛ مطلع على خلقه؛ يرى أعمالهم، ويرى ما في بطونهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.
والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب؛ وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سُبْحَانَهُ يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى؛ ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه؛ ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟!» (^٢).
الإجابة العامة:
الله -﷿- القريب المجيب الذي يسمع دعاء الداعي وسؤال السائل ومناجاة الطالب، فيعمهم بالإجابة مهما كانوا، وأين كانوا، وعلى أي حال كانوا، وبأي لغة نطقوا، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٨٢ - ٢٨٣).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
[ ٢ / ١٨٥ ]
- يجيب المجيب المؤمن التقي، كما يجيب الكافر الفاجر بمقتضى ربوبيته، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
- استجاب لإبليس رأس الكفر حين طلب الإنظار: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
- واستجاب لقوم سبأ حين أنعم عليهم بالنعم العظيمة، والآلاء الجسيمة، فاستكثروا نعم الله، وقابلوها بالجحود والنكران، فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].
- واستجاب لفرعون هذه الأمة أبي جهل، حين استفتح يوم بدر، فقال: «أينا أقطع للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، وقال: اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق، أم دينهم الحديث، وفي ذلك أنزل الله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]» (^١).
- واستجاب- أيضًا- للنضر بن الحارث حين دعا: اللهم إن كان هذا هو الحق، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، قال عطاء -﵀-:
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٣/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٢).
[ ٢ / ١٨٦ ]
«لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر» (^١).
ولا يلزم من إجابته لهم ولا لغيرهم من الكفار محبتهم وإكرامهم والرضى بما هم عليه، وإنما يجيبهم لحِكَم، منها: الابتلاء للعباد كما في إجابة إبليس، ومنها: تكفله برزق خلقه في الدنيا فإذا طلبوا منه ذلك أعطاهم إياه، وأيضًا: إقامة حجته عليهم، وإظهارًا لكرمه وجوده ومنته على العالمين، واستدراجهم بتعجيل الخير لهم في الدنيا ليذوقوا العذاب في العاقبة، قال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، ومنها: الانتصار للمظلوم؛ لتحريم الظلم حتى وإن كان على الكافر كما جاء في الحديث: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٢).
- ويجيب المجيب أيضًا: المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، ويكشف السوء عمن ناجاه، ويرفع الظلم عمن بث إليه شكواه، قال تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال -ﷺ-: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٣)، الكل مفتقر إليه، لا قوام لحياته إلا عليه ولا ملجأ له منه إلا إليه، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] (^٤).
_________________
(١) تفسير الخازن (٣/ ٢٨).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٢٠٦)، وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (١/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: الاعتقاد، للبيهقي (ص: ٥٩)، تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
[ ٢ / ١٨٧ ]
النوع الثاني: القرب والإجابة الخاصة:
القرب الخاص:
خص الله -﷿- أهل طاعته بقرب خاص، قرب يقتضي إجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، وتوفيقهم وتسديدهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (^١).
وخصهم القريب بمزيد من الرحمة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
كما خصهم بالنصر والتأييد في الحركات والسكنات، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] (^٢).
وخصهم القريب المجيب بمزيد من إجابة الدعاء، وهو ما يعرف بالإجابة الخاصة.
٢ - الإجابة الخاصة:
خص الله المجيب أهل طاعته وتقواه بمزيد من إجابة الدعاء، سواء أكان ذلك دعاء عبادة، فيجيبهم بالقبول وحسن الثواب، أم دعاء مسألة فيجيهم بإعطائهم سؤلهم وتحقيق مرادهم، قال تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
[ ٢ / ١٨٨ ]
عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (^١).
فهذا نوح -﵇- طال مقامه في قومه حتى لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم يؤمن منهم إلا قليل، وما زادهم طول المقام إلا تكذيبًا وعتوًّا، وكلما دعاهم ازدادوا نفورًا، فدعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ودعاه ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦]، فأجابه المجيب القريب ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤]، ومدح نفسه بذلك فقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٥، ٧٦] (^٢).
وهذا أيوب طال بلاؤه، واشتد ضره، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فاستجاب له المجيب القريب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] (^٣).
وهذا يونس علم أن ربه قريب منه وإن كان في بطن الحوت وقاع البحر وظلمة الليل، فناداه في الظلمات ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فاستجاب له المجيب، فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٨٥، ٩٤٩).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٢)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠٥).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٩).
[ ٢ / ١٨٩ ]
وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وقال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٥ - ١٤٨] (^١).
وهذا زكريا كبرت سنه ورق عظمه واشتعل رأسه شيبًا، وكانت زوجه عاقرًا، إلا أنه علم أن ربه قريب مجيب على كل شيء قدير، فنادى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، فأجابه القريب المجيب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وهذا يوسف -﵇- اعتصم بربه واستعان به على كيد النسوة: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فاستجاب له القريب المجيب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٣٥] (^٢).
وهذا محمد -ﷺ- لما كان يوم بدر نظر إلى أصحابه فإذا هم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ثم مد يديه، يستغيث بربه: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أبدًا، وما زال يستغيث ربه -﷿- ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٦٧).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٧).
[ ٢ / ١٩٠ ]
سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]» (^١).
وهذا إبراهيم وإسماعيل، ويعقوب وموسى، وعيسى وغيرهم من أنبياء الله -﵈- دعوا ربهم، فأجابهم القريب المجيب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وكما أجاب أنبيائه ورسله أجاب الصالحين من خلقه، فأجاب آسيا امرأة فرعون لما دعت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]
وأجاب طالوت وأصحابه لما دعوا: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت.
وأجاب امرأة عمران لما دعت ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٦]، فكفى مريم وابنها مس الشيطان، كما جاء في حديث أبي هريرة، -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٨).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤).
[ ٢ / ١٩١ ]
وأجاب أصحاب الكهف لما دعوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] فثبتهم على الحق، وحفظهم من شر قومهم، وجعلهم آية للعالمين.
وأجاب- أيضًا- الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة لما دعوا بتفريجها عنهم، فتزحزحت عن مكانها وظهر النور.
ولا زال ولا يزال القريب المجيب سُبْحَانَهُ يجيب أولياءه وأهل طاعته ولا يخيب رجائهم، إلا أنه قد يستشكل أن جماعة من العباد والصالحين قد دعوا وبالغوا ولم يجابوا؟!
والجواب: إجابة الله للسائل تتنوع: فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمه، وتارة تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها، وقد تدخر له أجرًا ومثوبة يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخرة، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قالوا: إذًا نكثر، قال: اللهُ أَكْثَرُ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٣٠٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٠).
[ ٢ / ١٩٢ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله القريب المجيب على التوحيد:
إن ربوبية الله -﷿- للعالمين اقتضت قربه وإجابته لخلقه فيجيب مطلوبهم، ويكشف ضرهم، وينجيهم في ظلمات البر والبحر، وينجيهم من كل كرب، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤].
وهذا يقتضي عبادته ودعاءه وحده، قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وجاء في حديث ابن عباس عن رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ» (^١)؛ وذلك أنه وحده المقتدر على جلب المطلوب وكشف الضر، وكل ما سواه عاجز لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن ملكه لغيره، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
فهل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟ ومن يكشف البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟ أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟!
لا أحد يفعل مع الله شيئًا من ذلك، حتى بإقرار المشركين، ولهذا كانوا
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٩٣ ]
إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]؛ لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، وهذا يلزم منه إخلاص الدعاء إليه في حال الرخاء واليسر، كما أخلصوا له في حال الشدة والعسر، وألا يشركوا معه غيره (^١).
الأثر الثالث: محبة الله القريب المجيب:
إذا تأمل العبد اسم الله القريب المجيب وما فيه من إجابة الداعين، وإسعاف السائلين، وكفاية المضطرين مع الإنعام قبل النداء، والتفضل قبل الدعاء؛ حمله ذلك على محبته -﵎-، لا سيما وأن القلوب فُطرت على محبة من يحسن إليها ويقضي حاجتها.
كما أن هذا الاسم وما يقتضيه من الكمالات كالعلم، والسمع، والقدرة، والغني، والملك كلها توجب للقلب محبته؛ لما فطرت على محبة مَن له الكمال.
الأثر الرابع: الرجاء في الله (القريب المجيب) والتعلق ببابه:
من عرف اسم ربه القريب المجيب وضم إليه الكريم الجواد المحسن، وتيقن أنه سُبْحَانَهُ بيده ملكوت كل شيء، وإليه حكم كل شيء، فحكمه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وكذا في البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، فما شاء كان في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، له الخلق والأمر، وله الملك، وله الدنيا والآخرة،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٠٨، ٦٣٥).
[ ٢ / ١٩٤ ]
وخزائنه ملأى لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والأخرين من الإنس والجن، وأجابهم في كل ما سألوه، كما جاء في الحديث عن ربنا -﷿- أنه قال: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^١) (^٢).
وعلم أنه يحب الداعين، ويستحي أن يردهم صفرًا خائبين، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» (^٣)، بل وينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: «مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٤).
أوجب له ذلك كله التعلق بباب الله القريب المجيب، والتضرع بين يديه، وإنزال الحوائج إليه مع قوة الرجاء فيه، وحسن الظن به، والثقة بإجابته وإن عظمت المسألة، وكثر المطلوب، وتنوع المرغوب.
وعلى الضد من ذلك يوجب للقلب التخلص من داء القنوط من رحمة الله واليأس من روحه، كما يوجب تخلصه من التعلق بالمخاليق ورفع الحوائج
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٨٧، ٢٩٠).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٨)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٦).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٥٨).
[ ٢ / ١٩٥ ]
إليهم، وشكوى الكرب بين يديهم؛ فإن الله أقرب منهم لعبده، وبه أرحم منهم، وعلى مطلوبه أقدر، وهو الجواد الكريم (^١).
الأثر الخامس: دعاء الله القريب المجيب (^٢):
الله تَعَالَى القريب المجيب، لمَّا علم أن الإنسان لا ينفك عن الحاجة سواء الدنيوية أو الدينية، وبطبعه عاجز عن تحقيقها وحده، فلا مرغوب يستطيع جلبه، ولا مرهوب يستطيع دفعه؛ لطف به ورحمه، وأنعم عليه، فشرع له دعاءه والتعلق به في حاجته، بل وحثه ورغبه في ذلك بطرائق عدة، منها:
الأمر بالدعاء، قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
بيان أن الدعاء هو العبادة؛ فعن النعمان بن بشير -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ، وقرأ: قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]».
بيان محبته للدعاء وغضبه على تاركه؛ فعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ -﷿- مِنَ الدُّعَاءِ» (^٣)، وعنه
_________________
(١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى (ص: ٢٨٧، ٢٨٩)
(٢) ينظر: شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة (ص: ١٥)، وما بعدها، لسعيد القحطاني.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨٦٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٢٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٠).
[ ٢ / ١٩٦ ]
أيضًا قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (^١).
توعد المستكبر عن الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
الوعد بالإجابة على الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
إلا أن الوعد بالإجابة له شروط وموانع، فمتى ما وجد الشرط وانتفى المانع حصلت الإجابة بإذن الله، كما أن له آدابًا، والتحلي بها مدعاة للإجابة.
قال ابن القيم -﵀-: «والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير» (^٢).
وبيان بعض هذه الشروط والموانع والآداب على النحو الآتي:
أ- شروط إجابة الدعاء (^٣):
١ - الإخلاص؛ فإن الدعاء عبادة، وشرط قبول العبادات الإخلاص،
_________________
(١) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٣٧٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٥٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨١٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣).
(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (١/ ٢٦).
(٣) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١/ ٩٣، وما بعدها).
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وعلى هذا لا يصرف الدعاء لغير الله، ولا يدعى رياء ولا سمعة.
٢ - المتابعة؛ فإن الدعاء عبادة، وشرط قبول العبادات المتابعة، فيتابع هدي رسول الله -ﷺ- في الدعاء، ويوافق فيه شرع الله.
٣ - حضور القلب أثناء الدعاء مع الرغب والرهب، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ بعد ذكر إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون» (^١).
وجاء في حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^٢).
٤ - الثقة بالله واليقين بالإجابة؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ» (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٣٠).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٢٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩).
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٢٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩).
[ ٢ / ١٩٨ ]
٥ - الجزم في الدعاء وعدم الاستثناء؛ فقد جاء في الحديث عن أنس -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللهمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (^١)، وفي رواية: «فَإِنَّ الله لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، اللهمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٣).
ب- موانع إجابة الدعاء:
أكل الحرام؛ فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٤).
قال أهل العلم: قد أتى هذا الرجل بأربعة أسباب من أسباب الإجابة:
الأول: إطالة السفر.
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٣٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٤).
(٣) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٣٣٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٩).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).
[ ٢ / ١٩٩ ]
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة؛ ولهذا قال -ﷺ-: «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (^١).
والثالث: يمد يديه إلى السماء «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائبتين» (^٢).
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.
ومع ذلك كله قال -ﷺ-: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٣)، وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (^٤).
الاستعجال وترك الدعاء؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (^٥)، وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٢٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: شرح الأربعين النووية، ابن عثيمين (ص: ١٤٣، وما بعدها).
(٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٥).
(٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٥).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
التفريط في الواجبات والوقوع في المحرمات؛ فعن حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^١)، وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالمعاصي.
وقال ابن القيم -﵀-: «وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره … وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها» (^٢).
الدعاء بإثم أو قطيعة رحم؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، …» (^٣)، وذلك كأن يدعو بأن يمكنه الله من معصية ما، أو يدعو على أقرابه وأرحامه ظلمًا وعدوًا.
الاعتداء في الدعاء؛ قال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
قال ابن القيم -﵀-: «فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن
_________________
(١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٢٣٧٧٥)، والترمذي رقم الحديث: (٢١٦٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٦٩).
(٢) الداء والدواء (ص ٩).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٠١ ]
يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة، ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء؛ فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء، لا يحبه الله، ولا يحب سائله» (^١).
حكمة الله -﷿-، ويعطى الداعي أفضل مما سأل؛ فعن أبي سعيد -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخرة، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قالوا: إذًا نكثر، قال: اللهُ أَكْثَرُ» (^٢).
ج- آداب الدعاء:
الاستجابة لله -﷿- والمسارعة في الخيرات، قال تَعَالَى بعد ذكر إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد
_________________
(١) بدائع الفوائد (٣/ ١٣).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي: الاستجابة لله تَعَالَى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة» (^١).
تحري أوقات وأماكن وأحوال إجابة الدعاء، كالدعاء بين الأذان والإقامة، وفي ساعة الجمعة، وحال السجود، والسفر، وفي عرفة، وداخل الحجر، ونحو ذلك مما يطول ذكره.
الوضوء قبل الدعاء؛ فإنه -ﷺ- لما جاءه خبر موت أبي عامر دعا بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدِ أَبِي عَامِرٍ …» (^٢).
مد اليدين بالدعاء واستقبال القبلة؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَد فِي الأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ …» (^٣).
وعن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٤).
خفض الصوت ما بين المخافتة والجهر حال الدعاء؛ قال تَعَالَى:
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٤٩٨).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٦٣).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وجاء في الحديث عن أبي موسى -﵁- قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي -ﷺ-: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» (^١).
الدعاء في الرخاء والشدة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (^٢)، وقال الله في يونس -﵇- حينما دعاه فأنجاه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
الثناء على الله في الدعاء والصلاة على رسول الله -ﷺ-؛ فعن عن فضالة بن عبيد -﵁- قال: «سَمِعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: عَجِلَ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إذا صَلَّى أحَدُكُم فليَبْدأ بتَمْجيدِ رَبَّه والثَّناءِ عليه، ثم يُصَلَّي على النبيِّ -ﷺ-، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٢)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٦٣٩٦)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٤٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٢).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٦٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٧)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٤٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨١).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ورأى رسول الله -ﷺ- رجلًا آخر يصلي فمجد الله، وحمده، وصلى على النبي -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» (^١).
التوسل لله -﷿- بأسمائه وصفاته؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الاعتراف بالذنب والنعمة حال الدعاء؛ كما في دعاء يونس -﵇-: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، قال -ﷺ-: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَهُ» (^٢).
وفي سيد الاستغفار: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٢٨٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٢٨٤).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الدعاء بالجوامع وأدعية الأنبياء -﵈-؛ فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ» (^١).
وعَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا، وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَسَلَاسِلِهَا، وَأَغْلَالِهَا، وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ. فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ» (^٢).
التضرع والافتقار لله -﷿- في الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تَعَالَى بعد إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فيدعو مستشعرًا بأنه في أمسِّ الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله، وأنه سُبْحَانَهُ وحده هو الذي بيده إجابة دعائه وتفريج كربته ورفع بلائه، وأنه إن لم يأذن بذلك فلا فرج ولا رفع للبلاء (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٢)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٠٧٠)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٤٨٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٤)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود (١٤٨٠).
(٣) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١/ ٩٣).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الإلحاح في الدعاء؛ فعن أنس -﵁- قال -ﷺ-: «أَلِظُّوا
بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَام» (^١)، وقال -ﷺ-: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (^٢).
تكرار الدعاء ثلاثًا؛ فإن ذلك من هدي رسول الله -ﷺ-؛ فعن ابن مسعود -﵁- في قصة وضع سلا الجزور على ظهر رسول الله -ﷺ- أنه دعا عليهم: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» (^٣) ثلاث مرات.
عدم تكلف السجع في الدعاء؛ فعن ابن عباس -﵄- قال: «فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، يَعْنِي: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ» (^٤).
عدم الدعاء على الأهل والولد والمال ونحو ذلك؛ فعن جابر -﵁- أن رجلًا لعن بعيره، فقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ الله سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤) و(٣٥٢٥)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٩٣) و(٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٤).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٣٧).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ثم إذا عُلم هذا فليعلم أن خير ما يدعى به القريب المجيب ما جاء في القرآن من الدعوات، وما أُثر عن رسول الله -ﷺ- من الدعاء؛ فإنه أعلم الخلق بالله، وأنصحهم، وأتقاهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
الأثر السادس: الاستجابة والتقرب لله القريب المجيب:
إذا عرف العبد اسم ربه القريب المجيب وما فيهما من القرب الخاص والإجابة الخاصة، تطلع إلى تحصيل هذا الفضل العظيم ورجى أن يكون من أهله، وإنما ذلك يكون بالتقرب لله -﷿- بفعل الطاعات واجتناب المنهيات؛ فإن الله -﷿- قريب ممن أطاعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وجاء في الحديث القدسي: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا …» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كملها قرب العبد إليه؛ لأنه سُبْحَانَهُ بر جواد محسن، يعطي العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى؛ وكلما عظم ذله له كان أعز» (^٢).
وهذا التقرب لله -﷿- هو حقيقة الاستجابة، فإنها: الانقياد للأوامر بالفعل، وللنواهي بالترك، وقد دعانا الله -﷿- إليها بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٨٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٣٨).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله -﵎-: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].
وضرب الصحابة -﵃- أروع الأمثلة في الاستجابة لله -﷿-؛ فعن أنس -﵁- قال: «كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا» (^١).
وعن عائشة -﵂-، قالت: «يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (^٢).
وللاستجابة ثمرات عدة في الدنيا والآخرة، ومنها:
الحياة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فلهم ﴿الْحُسْنَى﴾ أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن. فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٤)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٨٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٥٨).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٤١٦).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قال ابن القيم -﵀-: «فتضمنت هذه الآية أمورًا، أحدها: أن الحياة النافعة انما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كان ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول» (^١).
إجابة الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ [البقرة: ١٨٦].
حصول الرشد والهدى، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة». (^٢)
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٩٠).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٨٧).
[ ٢ / ٢١٠ ]
حصول الكفاية وإصلاح الشأن؛ قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤].
مغفرة الذنوب والنجاة من العذاب، قال تَعَالَى على لسان منذر الجن: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].
الفوز بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، قال الطبري -﵀-: «فإن لهم الحسنى، وهي الجنة» (^١).
وكل هذه الثمار وغيرها تدعو العبد إلى مجاهدة نفسه وحملها على الاستجابة لله -﷿-.
فاللهم يا قريب يا مجيب، اجعلنا ممن استجاب وأناب، ففاز برضاك.
_________________
(١) تفسير الطبري (١٦/ ٤١٦).
[ ٢ / ٢١١ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «قهره قهرًا: غلبه …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «القاف والهاء والراء كلمة صحيحة تدل على غلبة وعلو، يقال: قهره يقهره قهرًا، والقاهر: الغالب …» (^٢).
ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله القاهر في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (القاهر) في القرآن مرتين، هما:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٨٠١).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٥).
[ ٢ / ٢١٢ ]
ثانيًا: ورود اسم الله القهار في القرآن الكريم:
ورد اسم الله القهار في القرآن ست مرات، ومن وروده ما يلي:
١ - قول الله -﷿-: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]
٢ - قول الله -﷿-: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]
٣ - قول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في السنة النبوية:
ورد اسم الله القهار في السنة، ومن وروده ما يلي:
ما جاء عن عائشة -﵂-، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^١).
ما جاء عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَيَسْمَعُهُ الأَحْيَاءُ والأَمْوَاتُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، حكم الألباني، صحيح، صحيح الجامع وزيادته، رقم الحديث: (٤٦٩٣).
(٢) قال ابن القيم -﵀-: «وسليم هذا صدوق، خرج له مسلم»، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٥٥).
[ ٢ / ٢١٣ ]
معنى اسم الله (القاهر - الْقَهَّار):
القهار صيغة مبالغة من القاهر، تدل على كثرة القهر، ومن أقوال العلماء في ذلك:
قال الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم، وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ لأنه وصف نفسه تَعَالَى ذكره بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه، فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده، المذللهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه» (^١)، وقال في موضع آخر: «القاهر: المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم» (^٢).
قال الزجاج -﵀-: «القهار … والله تَعَالَى قهر المعاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته، وقهر جبابرة خلقه بعز سلطانه، وقهر الخلق كلهم بالموت» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «القهار: هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت» (^٤).
قال القرطبي -﵀-: «القهار: الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد» (^٥)، وقال: «والقاهر: الغالب، وأقهر الرجل إذا صير بحال
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).
(٢) تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٨).
(٤) شأن الدعاء (١/ ٥٣).
(٥) تفسير القرطبي (٩/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٢١٤ ]
المقهور الذليل» (^١).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له لوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت حكمه وقهره» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «القهار لكل شيء، الذي خضعت له المخلوقات، وذلت لعزته وقوته وكمال اقتداره» (^٣)، وقال أيضًا: «القهار وهو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات ودانت لقدرته، ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلى، فلا يحدث حادث، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون لا يملكون لأنفسهم نفعًا، ولا ضرًّا، ولا خيرًا، ولا شرًّا» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في النونية:
وَكَذَلِكَ القَهَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ … فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بِالسُّلْطَانِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا … مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ سُلْطَانِ (^٥)
_________________
(١) تفسير القرطبي (٦/ ٣٩٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢١٩).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
(٤) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٦).
(٥) النونية، لابن القيم (ص: ٢٠٩).
[ ٢ / ٢١٥ ]
اقتران اسم الله (القاهر - القهار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (القاهر) بأسمائه الاخرى:
- اقتران اسم الله القاهر باسمه الحكيم:
تقدم بيانه في اسم الله الحكيم.
- اقتران اسم الله القاهر باسمه الخبير:
تقدم بيانه في اسم الله الخبير
ثانيًا: اقتران اسم الله (القهار) بأسمائه الأخرى:
لم يقترن اسم الله (القهار) إلا باسم الله (الواحد) وذلك في ستة مواضع، منها: قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤].
وجه الاقتران:
بيان كماله جل في علاه ونفي ما قد يتوهم من الحاجة؛ إذ: «الغلبة والإذلال من ملوك الدنيا، إنما يكون بأعوانهم وجندهم وعددهم وعددهم، والله تَعَالَى يقهر كل الخلق، وهو واحد أحد فرد صمد، مستغن عن ظهير سُبْحَانَهُ» (^١).
_________________
(١) ينظر: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للحلبي (٣/ ٣٤٤)، ومطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص: ٢٩٢).
[ ٢ / ٢١٦ ]
بيان استحقاقه وحده للتوحيد، قال ابن القيم -﵀-: «… لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القاهر - القهار):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القاهر، القهار) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ القاهر القهار، الذي عم قهره العالم العلوي والسفلي حتى أعتى الخلق منهم، وأشدهم جبروتًا وسطوة يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فالكل تحت قهره مغلوبًا ذليلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] (^٢).
ومن مظاهر هذا الاسم:
أنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بسلطانه وملكه، فلا يستطيع أحد منهم الخروج عنه طرفة عين، ولا التصرف فيه إلا وفق ما رسم له، فالليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل من غير اختلاف أو امتناع، والشمس والقمر والنجوم الكل يجري ويتردد على الدوام على وفق ما قدر الله له (^٣)، والأعضاء التي خلقها الله في جسم الإنسان وغيره من الكائنات تعمل على وفق ما أراد الله
_________________
(١) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٣/ ١٠٣٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٣).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٩٦).
[ ٢ / ٢١٧ ]
من غير امتناع أو توقف إلا أن يشاء الله، فالكل مدبر تحت قهر القهار وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
أنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بمشيئته وإرادته النافذة، فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بمشيئته وأذنه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^١)، ولو دبر صاحبه كل تدبير وكاد ما شاء، فهؤلاء أهل الشرك والأوثان قوم إبراهيم -﵇- تنادوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا، ثم أضرموا النيران فيه، وألقوا إبراهيم -﵇-، فقهرهم القهار بقوله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. (^٢)
وهؤلاء إخوة يوسف -﵈- دبروا وخططوا لإقصاء يوسف وإبعاده؛ حتى لا يتمكن أبوه من رؤيته، فيتفرغ لهم، ويقبل عليهم بالشفقة والمحبة، قال تَعَالَى عن قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٩ - ١٠]، لكن كان قهر الله وتدبيره بخلاف ما أرادوا، فأبقى ذكر أبيه له حتى مع غياب شخصه ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].
قال ابن كثير -﵀-: «أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين» (^٣)، فقالوا
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٢، ٢٥٩).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٤٠٥).
[ ٢ / ٢١٨ ]
متعجبين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] (^١).
وهذا فرعون بلغه أن هلاك ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، فقهره القهار بأن أبقى موسى -﵇- حيًّا، بل وجعل منشأه ومرباه على فراشه، وفي داره، وغذاءه من طعامه، وتحت تربيته ودلاله، ثم جعل هلاكه وهلاك جنده على يديه؛ ليُعلم العالمين أن رب السموات العلا هو القاهر القهار القادر الغالب، العزيز القوي شديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^٢).
وهؤلاء اليهود- عليهم لعنة الله- أرادوا قتل عيسى -﵇- وصلبه، فقهرهم القهار بأن رفع عيسى إليه، وألقى شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] (^٣).
وهذه قريش عام الهجرة همت بقتل رسول الله -ﷺ- بعد القبض عليه وعلى صاحبه، فأعلنت عن مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة، بدل كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، فجد الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن قهرهم القهار فعاد الكل بغير جدوى ومن دون عائد، على الرغم من وصولهم إلى باب الغار، قال أبو بكر -﵁-: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٤، ٤٠٤).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٣٢).
[ ٢ / ٢١٩ ]
لأبصرنا، ولكن الله غالب على أمره (^١).
إنه القاهر القهار الذي قهر العالين بقضائه النافذ، وقدره الواقع، يحكم بما شاء ويقضي بما أراد، لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له، يقضي بما أراد سُبْحَانَهُ من الفقر والمرض والعسر والهم والغم، ولا يملك أحد رده ولا كشفه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، ويقضي بالخير من الغنى والصحة والفرح والسرور واليسر، ولا يملك أحد منعه ولا حجبه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال رسول الله -ﷺ- في حديث ابن عباس -﵄-: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ» (^٢).
إنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بما قضاء عليهم من الموت والفناء، وإن طال بهم المدى وعمروا سنين عددًا، واتخذوا من الأسباب ما اتخذوا، فإذا نزل بهم ما استطاع أحد من الخلق رده أو دفعه عن نفسه ولو أتي من القوة والجبروت ما أوتي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٥)، والرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١٥٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٢).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٣)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٣).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أنه القاهر القهار الذي قهر الجبابرة وقرى الطغيان بما أنزل عليهم من العذاب الأليم، فما استطاعوا فرارًا ولا امتناعًا ولا انتصارًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
قهر عاد التي بلغت من القوة كل مبلغ، حتى أنه لم يخلق في البلاد مثلها قوة وشدة،، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] فلما عتت عن أمر ربها وكذبت رسله، وقالت: من أشد منا قوة؟! قهرهم القهار ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] (^١).
وقهر ثمود التي من قوتها نحتت الصخور واتخذتها مساكن، فلما كان منها ما كان قهرها القهار بالصيحة العظيمة التي انصدعت منها القلوب وزهقت لها الأرواح، فأصبحت موتى لا يرى إلا مساكنها وجثثها (^٢).
وقهر فرعون ذو الملك والجند والعدد والعتاد فلما استكبر، وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]، قهره القهار بالغرق فأغرق وجنده جميعًا في صبيحة واحدة، وألقي ببدنه على الأرض ليكون عبرة وآية لكل جبار متكبر (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٣).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٨٢).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٧٢، ٧٣٩).
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقهر قارون الذي كان له من الكنوز العجب، حتى أن مفاتح خزائنها لتثقل جماعة الرجال الأقوياء عن حملها، فهذه المفاتيح، فما الظن بالخزائن؟! فلما كفر نعمت الله عليه وطغى وبغى قهره القهار فخسف به وبداره الأرض جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه (^١).
وقهر أصحاب الفيل الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا خرابه، فتجهزوا بجمع لا قبل للعرب به، واستصحبوا معهم الفيل لهدم البيت، فقهرهم القهار بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول (^٢).
وقهر قريشًا وعلى رأسها أبو جهل فرعون هذه الأمة بما أنزل بهم يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم الفتح حتى انتهت قريش ودخلت جموعها في دين الله أفواجًا.
إنه القاهر القهار الذي يقهر العالمين يوم القيامة بالذل والخضوع، فلا تكلم نفسه إلا بإذنه، ويقهرهم بتلاشي أملاكهم قليلها وكثيرها، فلا ملك إلا ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).
إنه القاهر القهار، الذي قهر العالمين بنفوذ حكمه الجزائي فيهم، فلا يمتنع مجرم أُمر به إلى النار من أن يدخلها، ولا ناصر له ومدافع ولو كثر
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٢٣ - ٦٢٤).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٩٣٤).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٣٥).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
جنده، وعظم سلطانه، وعرض جاهه، ثم إذا دخلوها فلا يملكون الخروج منها، ولا تخفيف عذابها ولا إيقافه برهة إلا أن يشاء الله، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٩] (^١).
وهو سُبْحَانَهُ مع هذا القهر الواسع العظيم إلا أنه في غاية الكمال والجمال؛ إذ قهره سُبْحَانَهُ عن علم وخبرة بمصالح الأشياء ومضارها، ومن يستحق القهر ومن لا يستحقه، وعن حكمة بالغة يضع معها قهره في الموضع المناسب له، وعن عدل تام لا ظلم معه ولا جور، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] (^٢).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القهار) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في الكون من حوله وجد أن كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره أو له مخلوق يضاده؛ فخلق الله الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر ثورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨، ٨٨٤).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلًّا منهما على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار، وقهر كلًّا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، ثم إن هذا القهر كله لا بد أن ينتهي لقاهر واحد حي، قيوم، عليٍّ، مالك، قادر، قوي، عزيز، عليم، حكيم، لا والد له ولا ولد، ولا أحد كذلك إلا الله الواحد القهار، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. (^١)
قال الشيخ السعدي -﵀- في التعليق على الآية السابقة: «القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورًا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه» (^٢).
وبهذا يكون اسم الله القاهر القهار دالًّا على توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
ثم إن من له القهر بكماله وتمامه، لا قاهر له ولا مغالب، هو المستحق أن يعبد وحده دون ما سواه؛ إذ إن ما سواه مقهور مربوب مملوك للواحد القهار، فكيف يساوى بالواحد القهار في العبودية؟!! قال تَعَالَى:
_________________
(١) ينظر: طريق الهجرتين (١/ ٢٣٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤١٥، ٧١٦).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧١٩).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تَعَالَى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهَّاران متساويَيْن في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده» (^١).
الأثر الثالث: طمأنينة القلب وسكينته بالله القاهر القهار:
اسم الله القاهر القهار يدعو النفوس للاطمئنان والسكينة، لا سيما المظلومة منها؛ ليقينها بقهر الله للظلمة وقدرته عليهم، مع اطلاعه على ظلمهم وعدم غياب ذلك عنه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ويقينه أن حقه محفوظ عنده، وسيأخذه له من ظالمه ولو بعد حين، كما جاء في الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ، حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا الله دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧١٦).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٥٢٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم الحديث: (١٣٥٨).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ومن ذلك: نفوس المؤمنين الذين تكالبت عليهم الأعداء، وتحزبت عليهم الأحزاب، وخذلهم القريب والبعيد، فإنهم إذا نظروا إلى ضعفهم وقلة حيلتهم وما أصابهم من جراح وقتل ومآسٍ، وبالمقابل قوة عدوهم وبطشه وغناه، ثم تذكروا أن ربهم قاهر قهار، لا يخرج ظالم مهما قوي عن قهره؛ عاد ذلك على نفوسهم بالاطمئنان والسكينة والأمل بنصر الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
الأثر الرابع: محبة الله القاهر، القهار:
متى عرف العبد أن معبوده -﵎- قاهر قهار، لا يُغلب ولا يقوم أمام قهره شيء، وأنه بعبادته له يأوي إلى ركن شديد، يدفع عنه ما يمكن أن يتسلط عليه؛ أثمر ذلك في قلبه محبةً وتعلقًا به جل في علاه.
الأثر الخامس: التواضع والخضوع للقاهر القهار:
إذا تأمل العبد في اسم القاهر القهار، ثم نظر في نفسه وكيف أنه تحت قهره لا يد له في الخلق، ولا التدبير، ولا الرزق، يتمنى أن يولد له فلا يولد، وألا يمرض فيمرض، وأن يستغني فيفتقر، وأن يحيى أبدًا فيموت، كل ذلك بغلبة من الله وقهره؛ أورثه ذلك ذلًّا وخضوعًا للقهار، وتواضعًا لخلقه، فلا يغره ملكه وقوته ولا جاهه ونسبه، ولا يقدم على قهر مخلوق، لا سيما الضعيف منهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، قال القرطبي -﵀-: «خص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تَعَالَى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه» (^١).
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢٠/ ١٠٠).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الأثر السادس: الحذر من اتصاف المخلوق بالقهر:
إذا تأمل العبد في اقتران اسم الله (القاهر) باسمه الحكيم الخبير؛ علم أن قهره -﵎- صفة كمال في حقه بخلاف المخلوق؛ إذ قهره عن جهل وسفه وظلم وعدوان، إضافة إلى كونه مربوبًا مقهورًا عاجزًا، تؤذيه البعوضة، وتشوشه الذبابة، ويأسره الجوع، ويصرعه الشبع، فمن كان كذلك كيف يليق به القهر والكبر والتجبر؟! (^١).
بل إن اتصافه بذلك وتسميه بما يدل عليه محل نقص وصفة ذم نهى الله عنها، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]؛ وذلك لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء، كما قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] (^٢).
وقد تتابعت النصوص في النهي عن الظلم والتحذير منه والتشنيع على صاحبه، ومن ذلك:
أن الله حرمه على نفسه وعلى عباده؛ فعن عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- فيما يروي عن الله -﵎-: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٣).
أن رسول الله -ﷺ- استعاذ من أن يظلم أو يظلم وأمر بذلك؛ فعن أم سلمة، قالت: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ
_________________
(١) شرح الأسماء، للرازي (ص: ١٩٩).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللهمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» (^١)، وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ (^٢). قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» (^٣).
أن صاحبه منهي عن مجالسته ومصاحبته، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
أن صاحبه معرض لدعوة المظلوم التي لا ترد؛ فعن عقبة بن عامر الجهني -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ثَلَاثَةٌ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُمْ:
_________________
(١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٥٠٩٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٢٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٤).
(٢) قهر الرجال، أي: غلبتهم، وهي شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلًا. ينظر: مشكاة المصابيح مع شرحه مرقاة المفاتيح (٨/ ٤٣٥).
(٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥٥٥)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٣٠٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود. رقم الحديث: (١٥٥٥).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الوَالِدُ، والمُسَافِرُ، والمَظْلُومُ» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» (^٢)، وفي رواية: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٣).
وروى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: «شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ -﵁-، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا … إلى أن قال: فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا، إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ» (^٤).
وروى مسلم- أيضًا- قصة أروى بنت أوس، وقد ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها … فقال سعيد: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٣٧)، وابن خزيمة واللفظ له، رقم الحديث: (٢٤٧٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٩٣٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٣٠٤٩).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩١٧)، والطيالسي، رقم الحديث: (٢٤٥٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٣١٨)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٧٦٧).
(٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٧٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١١٩).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٥).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ» (^١).
أن صاحبه لا يوفق للحق والهدى، بل إلى الضلال والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
أن صاحبه محروم من محبة الله، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].
أن صاحبه لا يفلح، فلا يفوز بمطلوبه ولا ينجو من مكروه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].
أن صاحبه هالك، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣].
أن صاحبه ملعون من الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
أن صاحبه معرض لغضب الله -﷿-؛ فعن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- بمعناه، قال: «وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ منَ اللهِ -﷿-» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦١٠).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٣٥٩٨).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أن صاحبه متوعد بيوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
قال السعدي -﵀-: «هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ حيث أمهلهم وأدر عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم، فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثمًا، حتى إذا أخذه لم يفلته، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).
اللهم يا قاهر يا قهار، نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٢٧).
[ ٢ / ٢٣١ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «كبر: الكبر في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبرًا، أي: أسن …، وكبر بالضم يكبر: أي: عظم، فهو كبير وكبار، فإذا أفرط قيل: كبار بالتشديد، والكبر بالكسر: العظمة، وكذلك الكبرياء» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(كبر) الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر، يقال: هو كبير، وكبار، وكبار، قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح ٢٢]، والكبر: معظم الأمر، قوله عز وعلا: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: معظم أمره» (^٢).
ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في القرآن الكريم:
أولًا: وود اسم الله (الكبير) في ستة مواضع من كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٣٦٥).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قوله تَعَالَى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
ثانيًا: ورود اسم الله (المتكبر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المتكبر) في آية واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في السنة النبوية:
أولًا: ورد اسم الله (الكبير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا قَضَى الله الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ؛ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانَ- قال علي: وقال غيره: صفوان ينفذُهُمْ ذَلِكَ- فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيْرُ …» (^١).
ثانيًا: وورد اسم الله (المتكبر) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن ابن عمر -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ورسول الله -ﷺ- يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر، يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيْزُ، أَنَا الْكَرِيْمُ، فرجف برسول الله -ﷺ- المنبر، حتى قلنا: ليخرن به» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٠١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٥١٥)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٧٣٢٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٦).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
معنى اسم الله (الكبير- المتكبر) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: الكبير:
قال الطبري -﵀-: «هو العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه» (^١).
قال الزجاجي -﵀-: «هو العظيم الجليل …، وكبرياء الله: عظمته وجلاله» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير، ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن، وقيل: الكبير ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، أي: له الوجود المطلق أبدًا وأزلًا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «الكبير في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه، أن كرسيه وسع السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧٦).
(٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٥٥).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٦٦).
(٤) تفسير القرطبي (١٢/ ٩١).
(٥) تفسير السعدي (ص: ٥٤٣)
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ثانيًا: المتكبر:
قال الخطابي -﵀-: «(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «المتكبر: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد …، وقيل: المتكبر معناه: العالي، وقيل: معناه الكبير؛ لأنه أجل من أن يتكلف كبرًا» (^٢).
قال ابن الأثير -﵀-: «العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه، والكبرياء: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تَعَالَى» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور» (^٤).
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ٤٨).
(٢) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٧).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٤٠).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
اقتران اسم الله (الكبير- المتكبر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله الكبيرِ باسم الله العلي:
تقدم بيانه في اسم الله (العلي).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المُتَكَبِّر) باسم الله (العزيز الجبَّار) (^١):
ورد في آية واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم -﵀- في مناسبة هذا الاقتران-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز؛ كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك؛ ولهذا كان من أسمائه الحسنى» (^٢).
يقول الطاهر ابن عاشور -﵀-: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد
_________________
(١) تم إيراد الاقتران هنا على خلاف المنهج في إيراد الاقتران بحسب الترتيب الأبجدي للاسم؛ لأنه في آية سورة الحشر اقترن اسم الله المتكبر باسمين هما (العزيز) و(الجبار) سُبْحَانَهُ، فناسب إيراده في هذا الموضع.
(٢) شفاء العليل (ص: ١٢١).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك، فعقبت بصفة العزيز؛ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء، واتبعت بصفة الجبار الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته، ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء، يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (^١).
الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكبير المتكبر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الكبير المتكبر من صفات الله تعالى:
فالله سُبْحَانَهُ هو الكبير المتكبر وحده لا شريك له، له الكبرياء والعظمة، وسائر صفات الجلال والجمال، فهو الكبير في ملكه، والكبير في رحمته، والكبير في قدرته، والكبير في غناه، والكبير في بسطه وقبضه، والكبير في عزه وعفوه سُبْحَانَهُ.
ومن مظاهر هذين الاسمين ما يلي:
أنه الكبير المتكبر في ذاته سُبْحَانَهُ عن كل سوء وشر، فهو الكبير عن ظلم العباد، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٢)، ولايرضى الظلم منهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٢).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]
أنه الكبير المتكبر العظيم سُبْحَانَهُ، وكل ما دونه حقير صغير، فلا إله بحق غيره، ولا شبيه له ولا نظير، ولا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا شريك، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]
أنه الكبير المتكبر في سعة علمه وكماله سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
أنه الكبير المتكبر في قلوب أهل السماء والأرض سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧]
أنه الكبير المتكبر في الآخرة سُبْحَانَهُ، فالأرض قبضته والسماوات مطويات بيمينه، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وفي الأثر عن ابن عباس -﵄-، قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (^١)، وكرسيه سُبْحَانَهُ يسع السماوات والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أنه الكبير المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم، فإن نازعوه العظمة قصمهم، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» (^١)، وفي رواية: «قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^٢)، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
أنه الكبير المتكبر عن مشابهة صفات خلقه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يقول ابن عباس -﵄-: «السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم» (^٣).
فالله سُبْحَانَهُ كبير متكبر متعال، له العلو المطلق والكبرياء الكامل سُبْحَانَهُ وتقدس.
الأثر الثاني: توحيد الله باسميه الكبير المتكبر:
- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الألوهية والربوبية:
يقول ابن تيمية -﵀-: «فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار» (^٤).
ومن الآيات التي تقطع أصول الشرك وفروعه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٧٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٦٧٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٤١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (٢٣٧).
(٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٩٦).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
يقول السعدي -﵀-: «قل يا أيها الرسول، للمشركين بالله غيره من المخلوقات، التي لا تنفع ولا تضر، ملزمًا لهم بعجزها، ومبينًا لهم بطلان عبادتها: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: زعمتموهم شركاء لله، إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز، وعدم إجابة الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك فـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك …، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فهذه أنواع التعلقات، التي يتعلق بها المشركون بأندادهم، وأوثانهم، من البشر، والشجر، وغيرهم، قطعها الله وبين بطلانها، تبيينًا حاسمًا لمواد الشرك، قاطعًا لأصوله؛ لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله،؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة، ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (^١).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ولذا فكل مستكبر عن عباده الله فهو مشرك، وفرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله كان مشركًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]- إلى قوله: - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الأسماء والصفات:
كما أن اسمي الله الكبير المتكبر يدلان على توحيد الربوبية والألوهية، فهما يدلان أيضًا على توحيد الأسماء والصفات، ويدلان على عدد كبير منها؛ كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.
الأثر الرابع: مواضع قول: «الله أكبر»، وفضلها:
من مظاهر عظمة هذين الاسمين، أنهما يدوران على ذكر عظيم وهو (الله أكبر)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن معنى (الله أكبر): «وفي قول (الله أكبر) إثبات عظمته؛ فإن الكبرياء يتضمن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل؛ ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: (الله أكبر) فإن ذلك أكمل من قول: (الله أعظم)» (^١).
ومن تأمل في المواضع المخصوصة التي أمرنا بالتكبير فيها، وجد أنه كما قال ابن تيمية -﵀-: «مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٢٤١ ]
لعظمة الفعل، أو لقوة الحال، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة؛ ليبين أن الله أكبر، ويستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار؛ فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد الطالب لكبريائه» (^١)، ومن هذه المواضع:
شرع التكبير لصحة الدخول في الصلاة، يقول ابن القيم -﵀- في سر ذلك: «لما كان المصلي قد تخلى عن الشواغل وقطع جميع العلائق، وتطهر وأخذ زينته، وتهيأ للدخول على الله تَعَالَى ومناجاته؛ شُرع له أن يدخل دخول العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال، فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى وهو قول: (الله أكبر) فإن في اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق- في جانب المحذوف المجرور بمن- ما لا يوجد في غيره» (^٢).
شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر؛ وفي سر ذلك يقول ابن تيمية -﵀-: «لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد، وهي جماع مصالحه، والهدي أعظم من الرزق والنصر؛ لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا، وأما الهدي فمنفعته في الآخرة قطعًا، وهو المقصود بالرزق والنصر؛ فخص بصريح التكبير» (^٣)، ومما ورد في ذلك: حديث أنس بن مالك -﵁-، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا
_________________
(١) المرجع السابق (٤/ ٢٢٩).
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ١٩٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: اللهُ أَكْبَرُ، خَربَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ» (^١).
شرع التكبير في بدء العبادات أو تمامها، ومن ذلك: جاء التكبير مكررًا في الأذان في أوله وفي آخره، وفي أثناء الصلاة وهو حال الرفع والخفض والقيام إليها، وذكره الله بعد آيات الصيام، قال تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ وعند ذبح الأنساك في الحج، قالتَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].
شرع التكبير عند كل علو وارتفاع، كعلو نشز من الأرض عامة، أو صعود على الصفا والمروة خاصة، وفي حديث جابر: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (^٢).
ومواطن التكبير في الشريعة الإسلامية كثيرة جدًّا، ولعل جماعها: أن التكبير شرع عند كل أمر كبير، سواء كان مكانًا، أو زمانًا، أوحالًا.
أما فضائل قول: «الله أكبر»، فهي كثيرة، ومنها:
(الله أكبر) تكتب عشرين حسنة وتحط عشرين سيئة، يقول النبي -ﷺ- «إِنَّ الله اصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ أَرْبَعًا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، فَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، كَتَبَ الله لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ عِشْرِينَ سَيِّئَةً، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله،
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٩٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٦٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٩٣).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً، أَوْ حُطَّ عَنْهُ ثَلَاثُونَ سَيِّئَةً» (^١).
(الله أكبر) كلمة تنفض الخطايا، عن أنس -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- أخذ غصنا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله -ﷺ-: إِنَّ سُبحانَ الله، والحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله يَنفُضنَ الخَطايا كَما تَنفُضُ الشَّجرةُ ورَقَها» (^٢).
(الله أكبر) تغرس شجرة في الجنة، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ غَرَسَ الله تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَجَرَةً فِي الْجَنَّةِ» (^٣).
(الله أكبر) من أحب الكلام إلى الله، عن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤).
(الله أكبر) تثقل الميزان، عن أبي سلمى -﵁- راعي رسول الله -ﷺ- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٢٧)، والبزار، رقم الحديث: (٣٠٧٤ - كشف الأستار)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٨٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧١٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٧٢٩)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٦٧٦)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٨٤٧٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨٨٠).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَالله أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ» (^١).
(الله أكبر) من الباقيات الصالحات، عن الحارث مولى عثمان -﵁- قال: «جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ أَظُنُّهُ سَيَكُونُ فِيهِ مُدٌّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ، غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يَبِيتَ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات»، قَالُوا: هَذِهِ الْحَسَنَاتُ، فَمَا الْبَاقِيَاتُ يَا عُثْمَانُ؟ قَالَ: هُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).
قول: (الله أكبر) مائة مرة فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة، عن أم هانئ -﵂- قالت: «مَرَّ بِي ذَاتَ يَوْمٍ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ - أَوْ كَمَا قَالَتْ -، فَمُرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ وَأَنَا جَالِسَةٌ. قَالَ: سَبِّحِي الله مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ رَقَبَةٍ تُعْتِقِينَهَا مِنْ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٩٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٩٢٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٢٠٤).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٢٠)، والضياء في الأحاديث المختاره، رقم الحديث: (٣٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٥٦٠)، قال أحمد شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح، رقم الحديث: (٥١٣).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاحْمَدِي الله مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ، فإنها تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ فَرَسٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ، تَحْمِلِينَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ الله، وَكَبِّرِي الله مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَهَلِّلِي الله مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ، قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: أَحْسِبُهُ قَالَ، تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يُرْفَعُ يَوْمَئِذٍ لِأَحَدٍ مِثْلُ عَمَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتِ بِهِ» (^١).
قول: (الله أكبر) مائة مرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أفضل من عتق مائة رقبة، قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، لَمْ يَجِئْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدٌ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ قَوْلَهُ أَوْ زَادَ» (^٢).
(الله أكبر) صدقة، عن أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٥٥٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦١٣)، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣١٦).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٥٨٨)، والطبراني في الشاميين، رقم الحديث: (٥١٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢٠).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
هذه بعض فضائل هذا الذكر العظيم، وإلا ففضله كبير، والنصوص الواردة فيه كثيرة.
الأثر الخامس: محبة الكبير المتكبر:
من آمن أن الله تَعَالَى أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء، وأعلى من كل شيء، وكل شيء أمامه سُبْحَانَهُ حقير ضئيل ضعيف، فله الكمال والعظمة التامة المطلقة سُبْحَانَهُ؛ أورث ذلك كله في قلب العبد محبة لربه وثقة وإجلالًا.
الأثر السادس: الحذر من الكبر:
يقول ابن عثيمين -﵀- عن الكبر: «فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر، مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق، ثم إذا طهر دخل الجنة» (^١).
وفي الملحق الآتي ما يعين -بإذن الله- على الحذر من هذه الصفة.
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
«إياك والكِبْر»
في موضوع الكبر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:
أولًا: معنى الكبر:
قال السعدي -﵀-: «التكبر هو: رد الحق، واحتقار الخلق، وضد ذلك التواضع» (^١)
قال ابن عثيمين -﵀-: «الكبر فسره النبي -ﷺ- بقوله: (بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (^٢) فمعنى بطر الحق: يعني رده» (^٣).
ثانيًا: أنواع الكبر:
ذكر ابن عثيمين -﵀- نوعين للكبر، وهما:
الأول: الكبر ببطر الحق، يعني: رده، أن يرد الإنسان الحق، مثل أن يقول قولًا، ثم يقال له: إن النبي -ﷺ- قال كذا وكذا، أعني: خلاف قول هذا الرجل، ولكنه يرد ما قاله الرسول ويبقى على قوله، وهذا كبر، وهذا من أعظم أنواع الكبر؛ لأنه رد لقول الرسول -ﷺ-، وكذلك لو قيل له: قال الله كذا وكذا، خلاف ما يقول هو، وأصر على قوله؛ فهذا كبر، وهو أعظم أنواع
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).
(٣) فتاوى نور على الدرب (٦/ ٢).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الكبر؛ لأنه رد لقول الله -﵎-، هذا قسم من أقسام الكبر رد الحق، وكذلك لو كان الإنسان مجتهدًا في حكم من الأحكام، فنوقش فيه، وتبين أن الحق في خلاف قوله وإن لم يكن نصًّا في المخالفة، ولكنه أصر على ما يقول، فهذا أيضًا من الكبر.
الثاني: غمط الناس، يعني: احتقارهم وازدراءهم، بحيث لا يرى الناس شيئًا، ويرى أنه فوق الناس، فإن هذا من الكبر، وعلامته: أن يصعِّر خده للناس، وأن يمشي في الأرض مرحًا، وأن يتخيل أنه فوق رؤوس الجبال، وأن الناس في قعر الآبار، هذا من الكبر، ولما قال الصحابة لرسول الله -ﷺ-: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال النبي -ﷺ- (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (^١).
وعلى هذا فتجمل الإنسان في ثيابه التي على الجسد أو التي يركبها وهي النعال، ليس من الكبر في شيء، «إلا أن يصحبه ما أشار إليه النبي -ﷺ- بكونه يغمط الناس أو يحتقرهم، فيحتقر من لم يلبس مثل لباسه، ويحتقر الفقراء، وما أشبه ذلك فهذا كبر» (^٢).
ثالثًا: عاقبة المتكبرين:
أعد الله تَعَالَى للمتكبرين عقوبات كثيرة، منها:
الكبر من أقوى عوامل الصرف عن الحق:
قال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) فتاوى نور على الدرب (٢٤/ ٢).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
المتكبرون لا تُفَتَّح لهم أبواب السماء:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]
المتكبرون لا يدخلون الجنة:
قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: إِنَّ الله جَمِيْلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١).
يحشرون كأمثال الذر:
قال رسول الله -ﷺ-: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (^٢).
رابعًا: طرق الوقاية من الكبر:
ما من مرض بدني أو نفسي أو قلبي إلا وله علاج يستأصله من جذوره، أو على الأقل يخففه تدريجيًّا إلى أن يشفى منه الإنسان نهائيًّا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
والكبر- لا شك- مرض كغيره من الأمراض القلبية التي تصيب الإنسان، ولابد أن له علاجًا بإذن الله، فعلى من ابتلي بشيء منه أن لا يهمله ويركن إليه ويستمر عليه، بل لا بد له أن يسعى جهده لعلاجه والتخلص منه قبل أن يفتك به ويهلكه.
وقد ذكر العلماء للكبر علاجًا ناجحًا بإذن الله، يتمثل في عدة أمور منها:
أولًا: أن يعرف الإنسان ربه، ويعرف نفسه، ويعرف أصله وفقره وحاجته، ويعرف نعم الله عليه، ويتذكر مقامه بين يديه وعاقبة الكبر يوم القيامة، فإنه إذا عرف كل ذلك حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة له، والتواضع ولين الجانب لخلقه، قال تَعَالَى-: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
ثانيًا: التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين المتبعين لسنة سيد المرسلين، وأن يدرك المتكبر أن الذي يتكبر عليه أو يسخر منه قد يكون خيرًا منه عند الله، ولينظر كل ما يقتضيه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقًا، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل.
- فإن كان التكبر بسبب القوة، فالعلاج: أن يعلم أن القوة لله جميعًا، ويعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو تألم له أصبع أو عرق من عروق بدنه لتألم، وصار أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل، ثم إن من البهائم ما هو أقوى منه بكثير، فمن كانت هذه حاله فما يليق به الكبر.
- وإن كان التكبر بسبب المال، فالعلاج: أن يعلم أن المال عرَض زائل، وأن المال من الله أعطاه إياه واستخلفه عليه فقط، والمتكبر بماله أو عقاره لو
[ ٢ / ٢٥١ ]
ذهب عنه ذلك لعاد في لحظة ذليلًا حقيرًا من أذل وأحقر الناس، وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته من أجهل الخلق.
- وإن كان التكبر بالعلم وهو أعظم الآفات، فعلاجه: أن يعلم العالم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، وأن من عصى الله على علم ومعرفة أعظم جناية ممن عصى الله على جهل، وإذا تفكر فيما أمامه من الخطر العظيم وعلم ما كان عليه السلف الصالح من التواضع والخوف من الله امتنع بإذن الله من الكبر.
- وإن كان التكبر بسبب المنصب، فليعلم: أن المنصب عرض زائل، فكما ذهب عن غيره سيذهب عنه ويصبح بلا منصب، وليس له أي قيمة، وسيتفرق عنه أهل التزلف المحيطون به فيصبح وحيدًا أعزل لا صديق ولا رفيق.
- وإن كان التكبر بسبب أصله ونسبه، فأصله في الحقيقة: طين وماء ثم نطفة ثم مضغة ثم علقة … إلخ. أما آباؤه وأجداده فما شرفوا إلا بصفاتهم وأخلاقهم وحسن أعمالهم، فإن فعل مثلهم فقد شرف بعمله لا بهم، وإن انحط في صفاته وأخلاقه فما ينفعه كرم آبائه وشرف أجداده، بل يصدق فيه قول الشاعر:
لَئِنْ فَخرتُ بآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ … لَقَدْ صَدَقْتُ وَلَكِنْ بِئْسَمَا وَلَدُوا
اللهم طهِّر قلوبنا من الكِبر والعجب، وارزقنا اللهم التواضع ولين الجانب، والتخلُّق بأحسن المحامد.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الكريمُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «الكرم: ضد اللؤم والكريم: الصفوح، وكرم السحاب، إذا جاء بالغيث » (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(كرم) الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان: أحدهما: شرف في الشيء في نفسه أو شرف في خلق من الأخلاق … والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الكريم: الصفوح، والله تَعَالَى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين …» (^٢).
ورود اسم الله (الكريم والأكرم) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الكريم) ثلاث مراتٍ في كتاب الله، وهي:
قول الله -﷿-: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
_________________
(١) الصحاح (٥/ ٢٠١٩ - ٢٠٢١).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦].
قوله -﷿-: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ برفع «كريم» على أنه صفة للرب (^١).
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الأكرم) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:
في قوله -﷿-: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣].
ورود اسم الله (الكريم) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الكريم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢).
وعن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَظِيْمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْمِ» (^٣).
معنى اسم الله (الكريم) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله (الكريم) في حق الله تَعَالَى حولَ عدة معانٍ، منها:
الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل.
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (١٢/ ١٥٧)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (٢١٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الجود والإحسان.
العفو الذي يصفح.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال ابن الأثير -﵀- في قوله: «(الكريم: الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل» (^١).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀-: «كريم، ومن كرمه: إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «إنه الذي يبدأ النعمة قبل الاستحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير استثابة» (^٣).
قال ابن الأثير -﵀-: «(الكريم) هو: الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه» (^٤).
قال ابن القيم -﵀-: «إن (الكريم) هو البهي، الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سُبْحَانَهُ وصف نفسه بالكرم، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره» (^٥).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٧).
(٢) تفسير الطبري (١٩/ ٤٦٩).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٧١).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٧).
(٥) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٨٦).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قال السعدي -﵀-: «كثير الخير يعم به الشاكر، والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها» (^١)، وقال-أيضًا-: «(الرحمن الرحيم، والبر الكريم، الجواد، الرؤوف، الوهاب)؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل» (^٢).
من الأقوال في المعنى الثالث:
قال الخطابي -﵀- مفسرًا اسم الله الكريم: «يغفر الذنب، ويعفو عن المسيء، ويقول الداعي في دعائه: يا كريم العفو، فقيل: إن من كرم عفوه: أن العبد إذا تاب عن السيئة محاها عنه، وكتب له مكانها حسنة» (^٣).
من الأقوال التي تجمع بين المعاني الثلاثة:
قال الزجاجي -﵀-: «(الكريم): الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصفوح. هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب، كلها جائز وصف الله -﷿- بها، فإذا أريد بالكريم الجواد، أو الصفوح تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بد من متكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز كان غير مقتض مفعولًا» (^٤).
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٧٠).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٧١).
(٤) اشتقاق الأسماء (ص: ١٧٦).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قال القرطبي -﵀- بعد أن ذكر أن الكريم له ثلاثة أوجه هي: الجواد والصفوح والعزيز: «وهذه الأوجه الثلاثة يجوز وصف الله -﷿- بها، فعلى أنه جواد كثير الخير، صفوح لا بد من متعلق يصفح عنه وينعم عليه، وإذا كان بمعنى العزيز كان غير مقتض مفعولًا في أحد وجوهه، فهذا الاسم متردد بين أن يكون من أسماء الذات، وبين أن يكون من أسماء الأفعال، والله -﷿- لم يزل كريمًا ولا يزال، ووصفه بأنه كريم هو بمعنى نفي النقائص عنه، ووصفه بجميع المحامد، وعلى هذا الوصف يكون من أسماء الذات؛ إذ ذلك راجع إلى شرفه في ذاته وجلالة صفاته، وإذا كان فعليًّا كان معنى كرمه ما يصدر عنه من الإفضال والإنعام على خلقه» (^١).
معنى اسم الله (الأكرم) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي -﵀-: «هو أكرم الأكرمين، لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير، وقد يكون (الأكرم) بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول بمعنى: العزيز والطويل» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «أي: الكريم» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: «أعاد الأمر بالقراءة مخبرًا عن نفسه بأنه الأكرم، وهو الأفعل من الكرم، وهو كثرة الخير ولا أحد أولى بذلك منه سُبْحَانَهُ، فإن الخير كله بيده والخير كله منه والنعم كلها هو موليها، والكمال كله والمجد
_________________
(١) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (١/ ١١٢).
(٢) شأن الدعاء (ص: ١٠٣).
(٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ١١٩).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
كله له فهو الأكرم حقًّا» (^١)، وقال أيضًا: «ذكر من صفاته ها هنا اسم (الأكرم) الذي فيه كل خير وكل كمال، فله كل كمال وصفًا، ومن كل خير فعلًا، فهو (الأكرم) في ذاته وأوصافه وأفعاله» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود» (^٣).
اقتران اسم الله (الكريم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الكريم) إلا باسم الله (الغني):
تقدم بيانه في اسم الله (الغني).
اقتران اسم الله (الأكرم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الأكرم) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.
الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكريم والأكرم):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الكريم والأكرم) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- الكريم الذي له شرف الذات وكمال الصفات، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، فهو الرحمن الرحيم، الغفور، الودود، الخالق، البارئ،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٤٢).
(٢) المرجع السابق (١/ ٢٤١).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٣٠)
[ ٢ / ٢٥٨ ]
المصور، العزيز، الحكيم إلى آخر صفات كماله كل ذلك؛ لأنه الكريم -ﷻ-، فكلمة (الكريم) شاملة واسعة لكل صفة محمودة.
وهو الكريم الذي تنزه عن النقائص والآفات على الإطلاق والتمام والكمال من كل وجه، وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
قال السعدي -﵀-: «﴿الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد؛ لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله» (^١).
وهو الكريم الذي له القدر العظيم والشأن الكبير الجليل، فلا يقدر قدره، ولا يدرك العباد كنهه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وهو الكريم المنعم المتفضل، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وخزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] الخير كله بيديه، كما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا … لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^٢) لا ينقطع خيره
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ولا ينفد، بل خيره متصل في الدنيا والآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَدُ الله مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وقال: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).
فهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي كثر خيره وعظم عطاؤه، إذا أعطى أجزلَ، وزاد على منتهى الرجا، فأعطى أهل الجنة مُناهم، وزادهم على ما يعلمون، كما جاء في الحديث القدسي أنه -﵎- قال: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» (^٢).
يعطي لا لعوض، فهو الغني الكريم، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾
[النمل: ٤٠]، ويعطي لا للسبب، ويحسن من غير طلب ولا سؤال أو منة؛ فهو المتفضل بالنوال من غير سؤال، بدأ الخلق بالنعم، وأوسع عليهم فيها حتى عجزوا عن إحصائها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
وهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي عم عطائه خلقه فشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، بل ربما خص الكافر في الدنيا بمزيد عطاء ولكن الآخرة للمتقين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٧٤١١)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٢٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٢٤).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
أعطى إبليس الحياة الطويلة، وأعطاه القدرة على الوسواس، وأعطى الكفار القدرة المادية والخضرة والطبيعة والجمال وكثرة الأموال، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] يعطي من يستحق ومن لا يستحق، يعطي من احتاج ومن لم يحتج حتى يصب عليه الدنيا صبًّا، فلا يبالي من أعطى، وكم أعطى؟!!
وهو الكريم الذي لا يخص بكبير من الحوائج دون صغيرها، بل يرفع إليه الكل، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، سهل خيره وقرب تناوله؛ فإنه ليس بينه وبين العبد حجاب، وهو قريب لمن استجاب، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] لا يضيع من التجأ إليه ولاذ به ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] بل من كرمه جل في علاه إذا رفع العبد يديه يدعوه ويسأله يستحي أن لا يجيبه، وأن يرده خائبًا، كما جاء في الحديث عن سلمان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِه إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^١).
وهو (الكريم) الذي إذا وعد وفى، فإن كل من يعد يمكن أن يفي، ويمكن أن يقطعه عذر، ويحول بينه وبين الوفاء أمر، والباري صادق الوعد، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]؛ وذلك لعموم قدرته وعظيم ملكه، لا مانع لما أعطى ولا معطي لا منع.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وهو الكريم الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات، لا يتعظمه ذنب أن يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] يجود بالتوبة على التائبين، ويتفضل بقبولها منهم، بل أعظم من ذلك أنه يبدل سيئاتهم حسنات، قال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (^١).
وهو الكريم الذي كرم كل كريم من كرمه، فمن أكرمه الله أكرم ومن أهانه أهين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
[الحج: ١٨] (^٢).
وصف كلامه بالكريم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد ويستنبط منه، كما أنه كريم، بمعنى: عظيم معظم في كتاب محفوظ موقر (^٣).
ووصف عرشه بذلك أيضًا، فقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ بالكسر على أنه صفة للعرش، والمعنى: «حسن المنظر بهي الشكل» (^٤).
ووصف ثوابه العظيم ونعيمه المقيم الذي أعده لعبادة المتقين بالكرم، فقال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] والرزق الكريم، كما قال ابن كثير -﵀-: «الحسن
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٨٧).
(٢) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ١١٦ - ١١٧)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢١٥ - ٢١٧).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٥٤٤)، تفسير السعدي (ص: ٨٣٦).
(٤) تفسير ابن كثير (٥/ ٥٠٠).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه» (^١)، ووعدهم بالمدخل الكريم، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] سالمًا من الآفات والعاهات، ومن الهموم والأحزان، ومن المنغضات والمكدرات (^٢).
ووصف بذلك رسله من الملائكة والبشر، فقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] «أي: ملك شريف حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل -﵊-» (^٣)، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] «فيه الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره» (^٤).
ووصف بذلك ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره، فقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] (^٥) (^٦).
_________________
(١) المرجع السابق (٤/ ٩٩).
(٢) تفسير الطبري (٨/ ٢٥٩).
(٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٣٨).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٧٧٣).
(٥) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٣٥) و(٢٢/ ٣٢)، تفسير ابن كثير (٧/ ٢٥٢)، تفسير السعدي (ص: ٥٨٩).
(٦) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (٢١٤ - ٢١٥).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الكريم والأكرم) على التوحيد:
إذا تأمل العبد اسمي الله الكريم والأكرم وما تضمناه من عظيم الجود والعطاء، وعلم أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها منه خلقًا وتسخيرًا، وأنه لا أحد من الخلق يملك ذلك؛ تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه (^١).
وقد نبه الله -﷿- عباده على هذا المعنى، فبعد ما ذكر في سورة النحل «ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، أفمن يخلق جميع المخلوقات وهو الفعال لما يريد ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته» (^٢).
الأثر الثالث: تأملات في كرم الكريم سُبْحَانَهُ:
عبادة التأمل والتفكر هي عبادة أولي الألباب الذين أثنى الله عليهم ومدحهم بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢].
وإذا آمن العبد باسم الله الكريم وتأمل فيه؛ ظهر له كرمه في أمور كثيرة،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٤٣٨).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ومن أقربها كرمه سُبْحَانَهُ على الإنسان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، ومن ذلك:
خلقه وإيجاده على أحسن صورة من غير سؤال ولا طلب، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] «تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا» (^١).
رعايته وهو جنين، وطفل رضيع لا يملك حول ولا قوة.
قال ابن القيم -﵀-: «تدبر وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع، وأبعدها من حيلة التكسب والطلب.
حتى إذا كمل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما ازعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضةً من مكانك كأنه لم يضمك قط ولم يشتمل عليك فيما بعد، ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة، وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، وكان مبتهجًا بحملك، فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ثقلك.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٩٢٩).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت؟! ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه.
فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب، وخروجك منه، لذهب بك العجب كل مذهب! فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفة حتى لا تفسد هناك؟! وأوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال! أحوج خلق الله، وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، تحمل غذاءك على صدرها، كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تينك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة، فيجري وينساق إليك؛ فهو بئر لا تنقطع مادتها، ولا تنسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطواف، ولا يسلكها الرجال.
فمن رققه لك وصفَّاه، وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه أعدل إحكام، لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الردي، ولا المر ولا المالح، ولا الكريه الرائحة، بل قلبه إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة، خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشد أوقات الحاجة اليه على حين ظمأ شديد، وجوع مفرط، جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالإداوة قد تدلى إليك، وأقبل بدره عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة، التي هي بمقدار صغر فمك، فلا يضيق عنها، ولا تتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسها نقبًا لطيفًا بحسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق
[ ٢ / ٢٦٦ ]
باللبن، ولم يضيقه فتمصه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك.
فمن عطف عليك قلب الأم، ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك، وآثرتك على نفسها، على عدد الأنفس منقادةً إليك بغير قائد ولا سائق، إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيء، وأن حياتها تزاد في حياتك.
فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟! حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك، واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك، ويقوى عليه لحمك، وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام، وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمةً بك، وإحسانًا إليك، ولطفًا بك.
فلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك، ولو أنك منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة، التي لا تسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها، وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات حتى تنتهي إلى النواجذ، فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب، ثم إذا ازددت قوةً زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس، فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء» (^١).
تميزه بالعقل، وتعليمه للعلم بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فرزقه السمع الذي به يدرك الأصوات، والأبصار التي بها يحس المرئيات، والأفئدة التي يعقل به الأمور.
علمه البيان كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أي: التبيين عما في ضميره، سواء بالنطق بتيسيره وتسهيل مخرج حروفه ومواضعها من الحلق واللسان والشفتين، أو بالخط الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلًا للناس تنوب مناب خطابهم، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] (^١).
هدايته للإسلام والإيمان، وإنزال القرآن وتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها» (^٢)، وقال تَعَالَى ممتنًّا على عباده بتعليمهم القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] علمهم لفظه ومعانيه، ويسره عليهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
٥ - توفيقه لطاعته وفتح أبواب الخير له، فتوفيقه للصلاة كرم، وتوفيقه لصيام كرم، وتوفيقه للذكر كرم، ومن حُرم الطاعة فقدم حُرم الخير كله.
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٠)، تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٣٦٧).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
تسخير الكون له بما فيه من خيرات ونعم لا تعد ولا تحصى لخدمته وراحته، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠] فحملهم في البر على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب المختلفة، وفي البحر على السفن، ورزقهم من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فما من طيب تتعلق به حاجتهم إلا وأكرمهم الكريم به وسخره لهم غاية التسخير (^١).
مضاعفته سُبْحَانَهُ جزاء الأعمال الصالحة دون السيئة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (^٢) (^٣)، وجاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- فيما يروي عن ربه -﷿- أنه قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٦٣).
(٢) مخطومة، أي: فيها خطام وهو قريب من الزمام. شرح النووي على مسلم، رقم الحديث: (١٣/ ٣٨).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٩٢).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^١) (^٢).
ويدل الحديث- أيضًا- على مظهر أخر من مظاهر كرم الله وجوده -﵎-؛ وذلك بمكافأة من نوى عمل الطاعة ولو لم يعمله، كما يكافئسُبْحَانَهُ من تمنى العمل الذي لا يستطيع بلوغه فيعطيه أجر العامل لنيته الحسنة؛ فعن أبي كبشة الأنماري -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قال: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، قال: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ» (^٣).
إكرامه لعبده المؤمن عند موته وانتقاله لمنازل الآخرة، فيثبته عند النزع وعند السؤال في القبر، كما قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي، (١/ ٣٨٨).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويمثَّل عمله الصالح له بصورة رجل طيب الرائحة حسن الوجه حسن الثياب، ويقول: أنا عملك الصالح؛ ليؤنس وحشته، ويقلب الحفرة الضيقة إلى روضة خضراء من رياض الجنة، وينزل عليه الملائكة عند الحشر لتقول له: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، ويدله على طريق جنته ومنازله فيها، قالتَعَالَى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، ثم يحفه ويحوطه بكرمه وعظيم عطاءه ومنته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ويظهر كرمه جليًّا سُبْحَانَهُ في آخر رجل يدخل الجنة، قال -ﷺ-: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا! فَيَقُولُ اللهُ -﷿-: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي
[ ٢ / ٢٧١ ]
أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (^١).
وعن أبي ذر -﵁- قال: قال -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (^٢)، فأي كرم أعظم من هذا الكرم والجود؟!
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٠).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الكريمِ والأكرم:
حين يتأمل العبد في اسمي الله (الكريم والأكرم) وكيف أنه يعطي بلا مقابل، وينعم ولا ينتظر جزاء، ويكرم ولا ينتظر شكرًا، بل يسيء العبد ويزل فيتكرم عليه بالعفو والمغفرة، حين يتأمل هذه المعاني الإيمانية، ويتذوق هذا الكرم الرباني فإن القلب يذوب حبًّا لربه الكريم.
الأثر الخامس: شكر الكريم على كرمه:
إذا نظر الإنسان في نفسه وما يحيطه من كرم الله عليه وجوده وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة، من جميع أصناف النعم مما يعرف ومما لا يعرف، وما دفع عنه من ألوان النقم والبلايا التي يعجز عن عدها فضلًا عن شكرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] علم أن حق هذه النعم أن يشكر واهبها ولا يكفر، فيعترف القلب ويقر بنعم الله، ويثني عليه بها بلسانه، ويصرفها في مرضاته وطاعته، ويصونها عن صرفها في معصيته (^١).
وقد نبه الله عباده على شكره بعد ما ذكر جملة من نعمه في مواضع عدة من كتابه، منها:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
- ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٢٢، و٤٣٧ - ٤٣٨).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
- ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢].
فدلت هذه الآيات على أن النعم تقابل بالشكر، فإذا ما قابلها العبد به جزاه الله بالزيادة منها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
الأثر السادس: إكرام من شهد الله بتكريمه:
المكرَم من أكرمه الله تَعَالَى بالإيمان والهدى، والمهان من أهانه الله تَعَالَى بالكفر والفسوق والعصيان ولو وجيهًا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]
فقد جعل الله ميزان الكرامة عنده تقواه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] فهذا هو ميزان الإكرام الحقيقي، وليس الميزان ميزان المال والبنين والجاه والسلطان، التي يوزن الناس بها اليوم، قال الله -﷿-: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ الآية [الفجر: ١٥ - ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
فمن هداه لله لدينه، وأنعم عليه بطاعته وتقواه فهو الكريم، وحقه أن يكرم كما أكرمه الله -جل وعلا-، فيكرم الرسل وأتباعهم من العلماء والصالحين، ويكرم ذا الشيبة المسلم، وحامل القرآن، والسلطان المقسط، كما جاء في الحديث عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ
[ ٢ / ٢٧٤ ]
إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المقسط» (^١).
الأثر السابع: الاتصاف بالكرم:
الله -﷿- كريم يحب أن يتصف عباده بالكرم والسخاء دون إسراف وتبذير، ويبغض منهم البخل والشح، قال ابن القيم -﵀-: «وقد مدح تَعَالَى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه، فقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم انحراف في جانب الإمساك، والتبذير انحراف في جانب البذل، ورضا الله فيما بينهما» (^٢).
والكرم من أهم مكارم الأخلاق وأجلِّها، فعلى المسلم أن يتخلق بهذا الخلق الكريم، ويسعى لتحقيقه، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣).
(٢) الصلاة وحكم تاركها، لابن القيم (ص: ٢٢٦).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الأثر الثامن: دعاء الكريم الأكرم:
الله تَعَالَى هو الكريم الذي فتح لنا باب الدعاء والرجاء، ورغبنا في الضَّرَاعَةِ إليه في جميع الأحوال والأوقات، ووعدنا بالإجابة كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^١).
كل هذا يدعو العبد إلى كثرة دعائه لربه ورفع حاجته إليه ولو صغرت، فقد كان السلف يسألونه في شرك نعلهم إذا انقطع، وكانوا يسألونه الملح في طعامهم.
ويدعوه- أيضًا إلى إحسان الظن بربه ولو تأخرت الإجابة أو منعت؛ لعلمه أن منعها كرم منه سُبْحَانَهُ ورحمة لا قدح في كرمه وجوده؛ إذ قد يكون في قضاء حاجته هلاكه في دينه أو دنياه، والكريم بمنه وكرمه ورحمته لا يستجيبها لما فيها من الشر والضرر العائد عليه.
ويحسن بالعبد أن يدعو ربه باسمه الكريم -﵎-، ممتثلًا قوله -ﷻ-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقد وردت أحاديث كثيرة ترغب في الدعاء باسم الله (الكريم)، ومنها:
- عن علي -﵁- أنه قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ الله لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ؟ قَالَ: قُلْ: لَا
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله، سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^١).
-عن عمرو بن العاص -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ!» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٢٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٨٣٦١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٢١).
(٢) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٤٦٦)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٤٦٦).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
«كريم يحب الكرماء»
سنتطرق في موضوع الكرم لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف الكرم:
قال ابن مسكويه -﵀-: «الكرم إنفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر، الكثيرة النفع» (^١).
وقيل: الكرم هو: الإعطاء بالسهولة.
وقيل: الكرم إيصال النفع بلا عوض (^٢).
ثانيًا: مظاهر الكرم:
للكرم مظاهر كثيرة، تتجلي في أكثر من صورة يتحلى بها المسلم وهو يسير في ضياء من القرآن والسنة، ومن هذه المظاهر:
إكرام الضيف، فقد جعله الله تَعَالَى دليلًا على كمال إيمان العبد وتقواه، فعن أبى هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ
_________________
(١) تهذيب الأخلاق (ص: ٣٠).
(٢) ينظر: التعريفات، للجرجاني (ص: ١٨٤)، والتوقيف على مهمات التعاريف، لابن المناوي (ص: ٢٨١).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (^١)، ومدح إبراهيم -﵇- به، فقال تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
ومظاهر كرمه -﵇- متعددة، منها:
أنه أول من ضيف الضيفان.
أن بيته كان مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب، في الابتداء بالسلام.
جمع لأضيافه بين الإكرام بالقول والفعل:
فإكرامه لأضيافه بالقول يتمثل في:
- رده السلام عليهم بصيغة أكمل وأتم من سلامهم؛ لأنه أتى به بجملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار.
- ملاطفته لهم بالكلام اللين، حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ولم يقل: «أنكرتكم» (وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى)، وعند تقديم الطعام عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
أما إكرامه لأضيافه بالفعل فيتثمل في:
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
- مبادرته إلى الضيافة والإسراع فيها، ولم يمتن عليهم أولًا بقوله: «نأتيكم بطعام؟» بل جاء به بسرعة.
- ذهابه إلى أهله بخفاء، بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي منه.
- خدم أضيافه بنفسه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيَّف الضيفان.
- قرب الطعام إلى أضيافه في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: تفضلوا، أو ائتوا إليه؛ لأن هذا أيسر عليهم وأحسن.
- أتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل مشوي فتي سمين لا هزيل، ومثل هذا العجل يتخذ للاقتناء والتربية عادة، إلا أنه آثر به ضيفانه.
- أتى بعجل كامل ولم يأت ببعض منه، وهذا من تمام كرمه -﵊- (^١).
إكرام اليتيم بكفالته والإحسان إليه، وقد رتب الكريم على هذا الفعل الأجر العظيم؛ فعن سهل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (^٢).
إكرام الشيخ الكبير بتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه، وإجلاله من إجلال الله كما قال -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ الله: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢١)، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، (٢/ ١٤٨ - ١٥٠)، وتفسير السعدي، (ص: ٨١٠).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٠٤).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
السُّلْطَانِ المقسط» (^١).
إكرام حافظ القرآن وقارئه ومفسره، وهذا- أيضًا- من إجلال الله -﷿- كما يتضح من الحديث السابق.
إكرام السلطان العادل، سواء أكان حاكمًا أو دون ذلك من أصحاب السلطات، فما دام عادلًا مقسطًا فإن إكرامه من إجلال الله سُبْحَانَهُ كما تقدم في الحديث سابقًا.
إكرام الزوجة، وقد حث رسول الله -ﷺ- على ذلك ورغب فيه، وجعله دليلًا على كمال الإيمان، فعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا، أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفَهُمْ بِأَهْلِهِ» (^٢)، وقال -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً (^٣) إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (^٤).
والكرم ليس قاصرًا على هذه الصور، بل يشمل كل شيء، من إكرام: القريب، والصديق، والجار، والصغير، والفقير، بل وحتى الحيوانات.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٨٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٢)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٢).
(٣) لا يفرك، أي: لا يبغض. ينظر: شرح النووي على مسلم، (١٠/ ٥٨).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٤٦٩).
[ ٢ / ٢٨١ ]
ثالثًا: فضل الكرم:
الكرم من الصفات المحمودة التي حض عليها الإسلام، وتخلق بها الرسول العدنان -ﷺ-، وهذا الخلق الكريم له في الإسلام فضائل عدة منها، أنه:
يحصل به تكميل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).
٢ - يحصل به التأسي برسول الله -ﷺ-؛ فقد كان -ﷺ- سخيًّا كريمًا لا يُسئل شيئا إلا أعطاه؛ فعن جابر -﵁- قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا» (^٢)، وعن أنس -﵁- قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». وفي رواية: «لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (^٣)، وقال -ﷺ-: «مَا يُسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١١).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣١٢).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ» (^١).
٣ - إصابة دعوة الملِك بالخلف؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (^٢).
٤ - سبب في زيادة المال ونمائه؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٣)، ويدل عليه- أيضًا- حديث أبي هريرة السابق في دعاء الملكين له بالخلف.
٥ - سبب في ثناء الناس على صاحبه؛ قال ابن عباس -﵄-: «سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء» (^٤)، لا سيما وأنه سبب في ستر عيوبه عن الناس، قال الشافعي -﵀-:
وَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي البَرَايَا … وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ
تَسَتَّرْ بالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ … يُغَطِّيهِ كَمَا قِيلَ السَّخَاءُ (^٥)
٦ - سبب في محبة الله؛ فعن سهل بن سعد -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٨٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠١٠).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٥٢)، مسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).
(٤) ينظر: نضرة النعيم، لابن حميد (٦/ ٢٢٥٥).
(٥) الأسباب المفيدة في اكتساب الأخلاق الحميدة، للحمد (ص: ٢٧).
(٦) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٩٢٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٧٦٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٩٠).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
٧ - موعود صاحبه بالمنازل والغرف في الجنة؛ فإن النبي -ﷺ-، قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (^١)، وإطعام الطعام صورة من صور الكرم والجود.
٨ - سبب للنجاة من الخسارة؛ فعن أبي ذر -﵁-، قال: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قال: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (^٢).
فاللهم أكرمنا بكرمك، وأنعم علينا من فضلك.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٥٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٤).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٣٨)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٩٩٠).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
اللطيفُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «لَطُف الشيء بالضم، يلطف لطافة، أي: صَغُر، فهو لطيف.
واللطف في العمل: الرفق فيه، واللطف من الله تَعَالَى: التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا، أي: بره به» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(لطف) اللام والطاء والفاء أصل يدل على رفق ويدل على صغر في الشيء، فاللطف: الرفق في العمل؛ يقال: هو لطيف بعباده، أي رءوف رفيق» (^٢).
ورود اسم الله (اللَّطِيف) في القرآن:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (اللَّطِيف) سبع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
قوله -﷿-: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٤٢٦).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
قوله -﷿-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
ورود اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن عائشة -﵂- قالت: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ! حَشْيَا رَابِيَةً! قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخبِرِينِي أو لَيُخبِرَنِّي (اللَّطِيفُ) الخبيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ …» (^١).
معنى اسم (اللَّطِيف) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور معنى اسم الله (اللطيف) في حق الله تَعَالَى حول معنيين:
- المعنى الأول: أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٧٤).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
- المعنى الثاني: الذي يلطف بعبده ويلطف له، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب (^١).
ومن أقوال العلماء في ذلك:
من أقوال العلماء في المعنى الأول والثاني:
قال ابن الأثير -﵀-: «هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس، واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية» (^٣).
قال الكفوي -﵀-: «و(اللطيف): من الأسماء الحسنى معناه: البر بعباده، المحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفق، ولطف، العالم بخفايا الأمور ودقائقها» (^٤).
قال السعدي -﵀-: «(اللطيف): الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور، ولطف بأوليائه، وأصفيائه، فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته، وحفظهم من كل سبب ووسيلة
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧٦)، والمواهب الربانية، للسعدي (ص: ١٢٠).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥١).
(٣) شفاء العليل (ص: ٣٤).
(٤) الكليات (ص: ٧٩٧).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها، وقدر عليهم أمورًا يكرهونها؛ لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة، وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح» (^١).
من أقوال العلماء في المعنى الثاني:
قال الزجاج -﵀-: «المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «اللطيف: هو البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون» (^٣).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته (^٤):
وَهوُ (اللَّطِيفُ) بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ … واللُّطْفِ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ
إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الأُمُورِ بِخِبْرَةٍ … واللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ
فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ … والعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِ
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧١).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٤٤).
(٣) شأن الدعاء (١/ ٦٢).
(٤) النونية (ص: ٢٠٧).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
اقتران اسم الله (اللَّطِيف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقتران اسم الله (اللَّطِيف) باسم الله (الخَبِيْر):
تقدم بيانه في اسم الله (الخبير).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (اللَّطِيف):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (اللطيف) من الصفات، ودلالته على التوحيد:
الله سُبْحَانَهُ هو اللطيف الذي دق علمه فأدرك الخفايا، وأحاط بكل شيء فلا يفوت علمه شيء من الخبايا؛ يقول تَعَالَى- على لسان لقمان-: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، قال ابن كثير -﵀-: «ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم» (^١).
وهو اللطيف الذي أوصل بره وإحسانه لعباده بطرق خفية لم يحتسبوها.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٣٨).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ومن مظاهر لطفه سُبْحَانَهُ:
خلق الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة، إلى أن ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، من غير تعليم ولا مشاهدة (^١).
ومن لطفه أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت منه أنواع النبات؛ لذا قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣].
ومن لطف الله بعباده: أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح، فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفًا بهم وبرًّا وإحسانًا، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
ومن لطفه بعباده المؤمنين: أنه يتولاهم بلطفه، فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل، والكفر، والبدع، والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.
ومن لطفه بعباده: أن يقدر لهم أن يتربوا في ولاية أهل الصلاح، والعلم، والإيمان، وبين أهل الخير ليكتسبوا من أدبهم، وتأديبهم وصلاحهم
_________________
(١) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠١).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وإصلاحهم، كما امتن الله على مريم في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] إلى آخر قصتها، ومن ذلك إذا نشأ بين أبوين صالحين وأقارب أتقياء، أو في بلد صلاح، أو وفقه الله لمقارنة أهل الخير وصحبتهم، أو لتربية العلماء الربانيين، فإن هذا من أعظم لطفه بعبده، فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة منها، بل من أكثرها وأعظمها نفعًا هذه الحالة.
ومن لطف الله بعباده: أن يجعل رزقهم حلالًا في راحة وقناعة يحصل به المقصود، ولا يشغلهم عما خُلقوا له من العبادة والعلم والعمل، بل يعينهم على ذلك، ويفرغهم ويريح خاطرهم وأعضاءهم، ولهذا من لطف الله تَعَالَى لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن فيها إدراك بغيته، فيعلم الله تَعَالَى أنها تضره وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل.
ومن لطف الله بعباده: أنه إذا قدر لهم طاعة جليلة لا تنال إلا بأعوان، أن يقدر لهم أعوانًا عليها ومساعدين على حملها؛ قال موسى -﵇-: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٩ - ٣٤]، فامتن الله عليه بإجابته لسؤاله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٦ - ٣٧]، وكذلك امتن على عيسى -﵇- بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وامتن على سيد الخلق في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
ومن لطف الله بعباده: أن يعطي عباده من الأولاد، والأموال، والأزواج ما به تقر أعينهم في الدنيا، ويحصل لهم السرور، ثم يبتليهم ببعض ذلك ويأخذه، ويعوضهم عليه الأجر العظيم إذا صبر واحتسب، فنعمة الله عليه بأخذه على هذا الوجه أعظم من نعمته عليه في وجوده وقضاء مجرد وطره الدنيوي منه، وهذا- أيضًا- خير وأجر خارج عن أحوال العبد بنفسه، بل هو لطف من الله له أن قيض له أسبابًا أعاضه عليها الثواب الجزيل، والأجر الجميل.
ومن لطف الله بعبده: قدر الواردات الكثيرة، والأشغال المتنوعة، والتدبيرات، والمتعلقات الداخلة والخارجة التي لو قُسمت على أمة من الناس لعجزت قواهم عنها أن يمنَّ عليه بخلق واسع، وصدر متسع، وقلب منشرح؛ بحيث يعطي كل فرد من أفرادها نظرًا ثاقبًا وتدبيرًا تامًّا وهو غير مكترث ولا منزعج لكثرتها وتفاوتها، بل قد أعانه الله تَعَالَى عليها ولطف به فيها، ولطف له في تسهيل أسبابها وطرقها.
وإذا أردت أن تعرف هذا الأمر، فانظر إلى حالة المصطفى -ﷺ- الذي بعثه الله بصلاح الدارين وحصول السعادتين، وبعثه مكملًا لنفسه ومكملًا لأمة عظيمة هي خير الأمم، ومع هذا مكنه الله ببعض عمره الشريف في نحو ثلث عمره أن يقوم بأمر الله كله على كثرته وتنوعه، وأن يقيم لأمته جميع دينهم، ويعلمهم جميع أصوله وفروعه، ويخرج الله به أمة كبيرة من الظلمات إلى النور، ويحصل به من المصالح والمنافع والخير والسعادة للخاص والعام ما لا تقوم به أمة من الخلق.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ومن لطفه بعبده الحبيب عنده: إذا مالت نفسه مع شهوات النفس الضارة، واسترسلت في ذلك أن ينغصها عليه ويكدرها، فلا يكاد يتناول منها شيئًا إلا مقرونًا بالمكدرات، محشوًّا بالغصص؛ لئلا يميل معها كل الميل، كما أن من لطفه به أن يلذذ له القربات، ويحلي له الطاعات ليميل إليها كل الميل.
ومن لطيف لطف الله بعبده: أن يأجره على أعمال لم يعملها، بل عزم عليها فيعزم على قربة من القرب، ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب، فلا يفعلها، فيحصل له أجرها، فانظر كيف لطف الله به فأوقعها في قلبه وأدارها في ضميره، وقد علم تَعَالَى أنه لا يفعلها؛ سوقًا لبره لعبده وإحسانه بكل طريق.
وألطف من هذا: أن يقدر تَعَالَى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية ويوفر له دواعيها، وهو تَعَالَى علم أنه لا يفعلها؛ ليكون تركه لتلك المعصية التي توفرت أسباب فعلها من أكبر الطاعات، كما لطف بيوسف -﵇- في مراودة المرأة، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين.
ومن لطف الله بعباده: أن يقدر خيرًا وإحسانًا من عبده، ويجزيه على يد عبده الآخر، ويجعله طريقًا إلى وصوله إلى المستحق، فيثيب اللهُ الأولَ والآخرَ.
ومن لطف الله بعباده: أن يجري بشيء من مالهم شيئًا من النفع وخيرًا لغيرهم، فيثيبهم من حيث لا يحتسبوا، فمن غرس غرسًا أو زرع زرعًا فأصابت منه روح من الأرواح المحترمة شيئًا آجر الله صاحبه، وكذلك لو كان له بهائم انتفع بدرِّها، وركوبها، والحمل عليها، أو مساكن انتفع بسكناها ولو شيئًا
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قليلًا، أو ماعون ونحوه انتفع به، أو عين شرب منها، وغير ذلك ككتاب انتفع به في تعلم شيء منه، أو مصحف قرأ فيه، والله ذو الفضل العظيم.
ومن لطف الله بعباده: أن يفتح لهم بابًا من أبواب الخير لم يكن لهم على بال، وليس ذلك لقلة رغبتهم فيه، وإنما هو غفلة منهم وذهول عن ذلك الطريق، فلم يشعروا إلا وقد وجد في قلوبهم الداعي إليه والملفت إليه، فيفرحوا بذلك (^١).
وما مضى شيئ يسير من ألطافه سُبْحَانَهُ الخفية، أما ألطافه الظاهرة فهي في كل نعمة من نعمه سُبْحَانَهُ التي لا تعد ولا تحصى مما يشاهد في الآفاق، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولو استعرض لطفه سُبْحَانَهُ في نعمه الظاهرة لفنيت الأعمار ولم ندرك لها عدًّا.
ويكفي ذكر لطفه سُبْحَانَهُ في تيسير لقمة واحدة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على إصلاحها خلق كثير من مصلح الأرض، وزارعها، وساقيها، وحاصدها، ومنقيها، وطاحنها، وعاجنها، وخابزها، وتيسير مضغها مما وضع الله في الفم من أسنان طاحنة وقاطعة، ولسان يدير اللقمة ويسهلها للبلع، ولعاب يسهل مرورها في المريء، إلى آخر هذه الألطاف الربانية (^٢).
وفي ألطافه سُبْحَانَهُ دليل على توحيده، وأنه المألوه وحده دون ما سواه، وذلك أن «من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وأن أحدًا من
_________________
(١) ينظر: المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ٧١ - ٧٦).
(٢) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠٢).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار» (^١).
وكما أن اسم الله (اللطيف) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الرؤوف، والرحمن، والرحيم، والطيب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: مراقبة اللطيف سُبْحَانَهُ:
إذا علم العبد أن ربه لطيف دق علمه، محيط بكل صغير وكبير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أورثه ذلك مراقبته -﷿-.
يقول السعدي -﵀-: «والمقصود من هذا: الحث على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قل أو كثر» (^٢).
وأورثه- أيضًا- محاسبة نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الحسن -﵀- في ذلك-: «إن المؤمن- والله- لا تراه إلا قائمًا على نفسه: ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة كذا؟ ما أردت بمدخل كذا، ومخرج كذا؟ ما أردت بهذا؟ ما لي ولهذا؟
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ١٢٥).
(٢) المرجع السابق (ص: ٦ وما بعدها).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
والله لا أعود إلى هذا! فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيسعي في إصلاحها» (^١).
وأورثه كذلك الحرص على إصلاح باطنه والعناية به؛ فإن الناس وإن لم يروا إلا الظاهر، إلا أن (اللطيف) يرى باطنه، فلا يليق بالمؤمن أن يهمله.
الأثر الثالث: لطف الله بعباده في المصائب والابتلاءات:
إن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة، فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، وعليه فمن لطف الله بعباده أن جعل المصائب بأنواعها، والمحن بأصنافها، والابتلاءات كلها، في حقيقتها رحمة من اللطيف ولطفًا، وسوقًا إلى مراتب النقاء والكمال، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يوفق عبده في البلايا والمصائب بالقيام بوظيفة الصبر فيها، فيناله درجات عالية لا يدركها بعمله، وقد يشدد عليه الابتلاء بذلك كما فعل بأيوب -﵇-، ويوجِد في قلبه حلاوة روح الرجاء وتأميل الرحمة، وكشف الضر، فيخف ألمه وتنشط نفسه، ولهذا من لطف الله بالمؤمنين أن جعل في قلوبهم احتساب الأجر فخفت مصائبهم، وهان ما يلقون من المشاق في حصول مرضاته.
ومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يرزق أولياءه وقت المصيبة العظيمة السكينة والتثبيت، يقول ابن القيم -﵀-: «وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٥١٠ - ٥١١).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
والسكون، الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر -﵁- عن حملها- وهو عمر- حتى ثبته الله بالصِّدِّيق -﵁-» (^١).
ومن لطف سُبْحَانَهُ بعبده الضعيف: أن يعافيه من أسباب الابتلاء التي تضعف إيمانه وتنقص يقينه، كما لطف بالمؤمن القوي، فهيأ له أسباب الابتلاء والامتحان، وأعانه عليها، فزاد بذلك إيمانه وعظم أجره، فسبحان اللطيف في ابتلائه، وعافيته، وعطائه، ومنعه (^٢).
ومن تأمل في قصص أنبياء الله، رأى في ظاهرها محنًا وابتلاءات، ولكنها في الباطن طرق خفية أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم، ومن شواهد ذلك:
أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، كم فيه من حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها!
- في قصة موسى، وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٥٠٣).
(٢) ينظر: المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (٧١ - ٧٦).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
للأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على يديه، ثم قدر له سببًا أخرجه من مصر وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه، ثم قدر له سببًا أوصله به إلى النكاح والغنى، ثم ساقه إلى بلد عدوه، فأقام عليه به حجته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.
في قصة يوسف حين قص على يعقوب رؤياه؛ فعلم أن أخوته سيكيدون له، ثم تآمر إخوة يوسف أن يقتلوه، فلطف به وأشار لهم أخوهم بعدم قتله وإلقائه في الجب، ثم ما آلمه في الجب من خوف وظلمة، وبعد ذلك شراء عزيز مصر له، ومراودة امرأة العزيز والنسوة له، ومكثه في السجن سنين، فلطف به (اللطيف) وأوَّل رؤيا الفتيين، ثم الملك، وسبحان من لطف به بهذه الرؤيا حتى يمكَّن في مصر، فيقدر الله الجدب للبلاد حتى يلتقي بإخوته، حتى جاء بأبيه وإخوته لأرض مصر، وما زال في كل ذلك صابرًا محسنًا، ليقول- بعد كل هذه البلايا والمحن-: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وهذا كله مما يبين أنه سُبْحَانَهُ يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة، والحكم العظيمة، التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة، والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته، وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب، فتبارك اللطيف الرحيم الحكيم سُبْحَانَهُ (^١).
_________________
(١) بنظر: شفاء العليل، لابن القيم (١٢/ ١٤).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الأثر الثالث: محبة الله اللطيف:
فاللطيف يلطف بعباده المؤمنين، ويحسن إليهم، ويرفق بهم، فلا يعجل عليهم العقوبة، ويسوق لهم الخير من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون، بل يسوق لهم الخير من حيث يكرهون، كل هذا وغيره من ألطاف الله يدعو القلوب لمحبته والتعلق به سُبْحَانَهُ، وهذه المحبة تثمر التقرب إليه سُبْحَانَهُ بأنواع العبوديات، كما تثمر الحياء والإجلال له سُبْحَانَهُ، الذي يدفع العبد إلى تعظيم حرماته فلا يغشاها، وحدوده فلا يقربها، كما تثمر هذه المحبة الدعوة إليه سُبْحَانَهُ والجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال في سبيل مرضاته -﷿-.
الأثر الرابع: اللطف بعباد الله تعالى:
«لما كان من معاني (اللطيف) البر والرفق والإحسان، فإن مما يثمره في قلب المؤمن وأخلاقه أن يكون رفيقًا بعباد الله -﷿- محسنًا إليهم، بارًّا بهم، يحب الخير لهم ويفعله لهم، ويكره الشر لهم» (^١).
وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة، تدعو إلى الرفق وترغب فيه:
عن المقدام بن شريح -﵀-، قال: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (^٢).
_________________
(١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (٢٧٨).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٤).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قال النبي -ﷺ-: «اللهمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» (^١).
قال النبي -ﷺ-: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (^٢).
قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَرَادَ الله -﷿- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» (^٣).
قال رسول الله -ﷺ-: «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ» (^٤).
بل دلت الأحاديث على اللطف حتى مع الصغير، وللحسن بن علي -﵁- قصة في ركوبه على ظهره -ﷺ- وهو ساجد وإطالته السجودَ من أجله، وقوله -ﷺ- لما سئل عن ذلك-: «إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (^٥)، بل إن اللطف يتعدى ذلك إلى
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٨٩٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٠٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).
(٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٧٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (٩٣٤)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (٣٤٧٦)، والنسائي، رقم الحديث: (١١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف النسائي، رقم الحديث: (١١٤١).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
اللطف بالحيوان والرفق به، ولذلك شواهد عديدة، منها: قوله -ﷺ-: «عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلتْ فِيْهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^١).
عن ابن مسعود -﵁- قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ- فقال: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»» (^٢).
الأثر الخامس: الدعاء باسم الله اللطيف -ﷻ-:
اعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، فإذا قال العبد: يالطيف الطف بي أو لي، وأسألك لطفك، فمعناه: تولني ولاية خاصة، بها تصلح أحوالي الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطف بالعبد، والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسر الله عبده وسهل طريق الخير وأعانه عليه فقد لطف به، وإذا قيض الله له أسبابًا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد فيها صلاحه فقد لطف له (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٨٢).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى، السعدي، رقم الحديث: (ص: ٢٢٦)
[ ٢ / ٣٠١ ]
يقول السعدي -﵀-: في الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» (^١) اللهم الطف بنا في قضائك وبارك لنا في قدرتك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت (^٢).
وقد اشتهر بين كثير من الناس الدعاء التالي: «اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه»، وللعلامة ابن عثيمين -﵀- توضيح للحكم الشرعي في هذا الدعاء، فقد قال: «وفي هذا المقام ينكر على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بِدْعِي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) معناه: أنه مستغن، أي: افعل ما شئت، ولكن خفف وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله -﷿- رفع البلاء نهائيًّا، فيقول- مثلًا-: اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك.
وإذا كان النبي -ﷺ- قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» (^٣)
فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) أشد، واعلم أن الدعاء قد يردُّ القضاء، كما جاء في الحديث: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» (^٤) (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٩١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث (٣٤٩١).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٢٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٧٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٩).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٩٠).
(٥) شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٦٦).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وقال ابن عباس -﵄-: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما شاء من القدر» (^١)، وقال أيضًا: «الدعاء يدفع القدر» (^٢)، وكان عمر -﵁- يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب» (^٣).
اللهم إنا نسألك لطفك يا لطيفًا بالعباد.
_________________
(١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٣٣٥٣)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٥٤).
(٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٥٣).
(٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (١٥٦٥).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الله -ﷻ-
المعنى اللغوي للاسم الأعظم (الله):
اختلف العلماء هل اسم (الله) مشتق، أم هو اسم جامد؟
على قولين؛ أصحهما: أنه مشتق، وأصل اشتقاقه من (إله) (^١).
قال الجوهري -﵀-: «أله بالفتح إلاهةً، أي: عبد عبادةً، ومنه قرأ ابن عباس -﵄-: (ويذرك وإلاهتك) بكسر الهمزة، قال: وعبادتك … ومنه قولنا: (الله)، وأصله: إلاه، على فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه، أي: معبود، كقولنا: إمام فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام، حذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرته في الكلام … والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد» (^٢).
قال ابن فارس -﵀-: «الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله: الله تَعَالَى، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد» (^٣).
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٢٦).
(٢) الصحاح (٦/ ٢٢٢٣).
(٣) مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ورود اسم (الله) في القرآن الكريم:
ورد لفظ الجلالة (الله) -جل وعلا-، في القرآن الكريم (٢٧٢٤) مرةً:
ومن وروده في القرآن ما يلي:
١ - قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
٢ - قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
٣ - قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
ورود اسم (الله) في السنة النبوية:
ورد اسم (الله) في السنة النبوية مرات كثيرة، ومن وروده ما يلي:
١ - عن عائشة -﵂-، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا» (^١).
٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠).
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٠٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٣).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
٣ - قال عبد الله بن مسعود -﵁-: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).
معنى اسم (الله) -ﷻ-:
يدور اسم (الله) على معنيين عظيمين متلازمين:
المعنى الأول: هو الإله الجامع لجميع صفات الألوهية.
المعنى الثاني: هو المألوه، أي: المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه.
ومن أقوال العلماء في ذلك:
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال ابن عباس -﵄-: «(الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «فـ (الله) اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سُبْحَانَهُ، وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).
(٢) تفسير الطبري (١/ ١٢٣).
(٣) تفسير القرطبي (١/ ١٠٢).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قال ابن القيم -﵀-: «الإله هو المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء» (^١).
قال السعدي -﵀-: «الله: هو المألوه المعبود، ذو الألوهية، والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال» (^٢).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀-: «وأما تأويل قول الله تَعَالَى ذكره (الله)، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس -﵄-: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق» (^٣).
قال الزجاج -﵀- في معنى اسم (الله): «ومعنى قولنا: إلاه، إنما هو الذي يستحق العبادة، وهو تَعَالَى المستحق لها دون من سواه» (^٤).
قال الزجاجي -﵀-: «معنى الإله في الحقيقة: هو ذو الألوهية أي: المستحق للألوهية والعبادة، والمعبود إنما هو اسم المفعول من عبد فهو معبود، وإنما قيل: تألهنا أي: تعبدنا …» (^٥).
_________________
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ١٣٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).
(٣) تفسير الطبري (١/ ١٢٢).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٦).
(٥) اشتقاق أسماء الله (ص: ٣٠).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قال الحليمي -﵀-: «الله، ومعناه: إله، وهذا أكثر الأسماء وأجمعها للمعاني» (^١).
قال ابن تيمية -﵀-: «الإله هو المألوه، أي: المستحق لأن يؤله، أي: يُعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-: «واسم (الله) دال على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب» (^٣)، وقال: «فإن الإله هو الذي يألهه العبادُ ذلًّا، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وطاعةً له، بمعنى: مألوه، وهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتذل له» (^٤).
لفظ الجلالة (الله) والاسم الأعظم:
ثبت عن رسول الله -ﷺ- في جملة من الأحاديث أن لله -﷿- اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
وقال الشيخ السعدي -﵀-: «بعض الناس يظن أن الاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى، لا يعرفه إلا من خصه الله بكرامة خارقة للعادة، وهذا ظن خطأ؛ فإن الله -﵎- حثنا على معرفة أسمائه وصفاته، وأثنى على من عرفها، وتفقه فيها، ودعا الله بها دعاء عبادة وتعبد، ودعاء مسألة، ولا ريب أن الاسم الأعظم منها أولاها بهذا الأمر» (^٥).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٢).
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٥٦).
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٢٧).
(٥) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد (ص: ٢٥٠).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وقد اختلف العلماء -﵏- في تعيينه على نحو من عشرين قولًا (^١)، أشهرها وأقواها ثلاثة:
الأول: أن الاسم الأعظم (الله) -ﷻ-.
الثاني: أن الاسم الأعظم (الحي القيوم) -ﷻ-.
الثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله -﷿- الذاتية والفعلية.
قال بالأول: أكثر أهل العلم -﵏-، منهم: أبو حنيفة، والطحاوي (^٢)، وابن منده (^٣)، والرازي (^٤).
واستدلوا: بما خص الله به هذا الاسم من خصائص وميزات، منها (^٥):
١ - أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، فسائر الأسماء تضاف إليه وتجري معه مجرى الصفات مع الأسماء، فيقال: الرحمن الرحيم، الخالق الرازق، الحي القيوم، العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
_________________
(١) تراجع في: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٢٢٤).
(٢) ينظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦١).
(٣) ينظر: التوحيد (٢/ ٢١).
(٤) ينظر: تفسير الرازي (١/ ١١١).
(٥) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٢ - ٣٣)، والنهج الأسمى، للنجدي (ص: ٦٥) وما بعدها.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا شك أن الموصوف أشرف وأعظم من الصفة.
٢ - أنه مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفاته.
٣ - أنه اسم خاص بالله -﷿-، لم يتسم به أحد سواه، ولم يدع به شيء غيره؛ فقد قبض الله عنه الألسن، وكاد يتعاطاه المشركون اسمًا لبعض أصنامهم التي كانوا يعبدونها، فصرفهم الله إلى «اللات» صيانة لهذا الاسم، وذبًّا عنه، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي- على أحد أوجه التفسير-: هل تعلم أحدًا يسُمَّى الله غير الله، أو يقال له: الله إلا الله؟! (^١).
٤ - أنه لا يسقط عنه الألف واللام في حال النداء، فيقال: يا الله، فصار الألف واللام كالجزء الأساسي في الاسم، بخلاف سائر الأسماء؛ فإن النداء إذا دخل عليها أسقط عنها الألف واللام، فيقال: يا رحمن، يا عزيز، يا حليم، ولا يقال: يا الرحمن، يا العزيز، يا الحليم.
وفي هذا إشارة إلى أن هذا الاسم العظيم معرفة أبدًا، لا تزول ألبتة؛ وذلك أن الألف واللام للتعريف؛ فعدم سقوطهما دال على ذلك.
_________________
(١) ينظر: اشتقاق أسماء الله، للزجاجي (ص: ٣١)، وشأن الدعاء، للخطابي (١/ ٣٠)، والمنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ١٩٠)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٣٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
[ ٢ / ٣١٠ ]
٥ - أنه أكثر الأسماء ورودًا في القرآن، فقد ورد (٢٧٢٤) مرةً، وهذا ما لم يقع لغيره من الأسماء.
٦ - أنه مقترن بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا يصح إسلام الكافر إلا بها، ولو استبدلت بغيرها، فقيل: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، لم يصح في الدخول للإسلام، والخروج من الكفر.
٧ - أنه الاسم الذي تعرف الله به إلى عباده، كما في قوله تَعَالَى لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤]، وقال في مطلع آية الكرسي معرفًا بنفسه لعباده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
٨ - أنه أكثر الأسماء دعاء به، حيث يقال: (اللهم)، ومعناها: يا الله؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.
ومن دعاء الله بها قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكان رسول الله -ﷺ- يقول عند النوم: «اللهمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ؛ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، …» الدعاء (^١)، ويدعو في سجوده: «اللهمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٨٨).
[ ٢ / ٣١١ ]
وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^١).
إلى غير ذلك من الخصائص اللفظية لهذا الاسم الكريم، وأما الخصائص المعنوية له، فقد قال فيها ابن القيم -﵀-: «وأما خصائصه المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به -ﷺ-: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)، وكيف تحصى خصائص اسم مسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح، وكل حمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال، وكل إكرام، وكل عز، وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وبر وفضل فله ومنه؟!
فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيًّا، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات والدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات» (^٢).
لا سيما وقد ورد هذا الاسم الكريم في جميع الأحاديث التي فيها الإشارة إلى الاسم الأعظم، ومن ذلك:
حديث بريدة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٦).
(٢) نقله عنه: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان ابن عبد الوهاب (ص: ١٤).
[ ٢ / ٣١٢ ]
يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ الله بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١).
حديث أسماء بنت يزيد -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْن: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]». (^٢)
حديث أنس -﵁- قال: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النبي -ﷺ-: أَتَدْرُوْنَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٣).
وقال بالثاني: أن اسم الله الأعظم: (الحي القيوم): بعض أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥)، وابن عثيمين (^٦) -﵏-.
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٥٠٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٣). حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٦).
(٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٨٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٥).
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١١).
(٥) ينظر: زاد المعاد (٤/ ١٨٥).
(٦) ينظر: تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٣١٣ ]
واستدلوا: بما تضمنهما هذين الاسمين الجليلين من دلالة على سائر الأسماء، قال ابن القيم -﵀-: «صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم» (^١).
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في (الحي)؛ وصفة الإحسان، والسلطان في (القيوم)» (^٢).
وقال بالثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله -﷿- الذاتية والفعلية.
الشيخ السعدي -﵀-، حيث يقول: «فالصواب: أن الأسماء الحسنى كلها حسنى، وكل واحد منها عظيم، ولكن الاسم الأعظم منها كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفاته الذاتية والفعلية، أو دل على معاني جميع الصفات، مثل:
(الله) فإنه الاسم الجامع لمعاني الألوهية كلها، وهي جميع أوصاف الكمال، ومثل: (الحميد المجيد) فإن (الحميد) الاسم الذي دل على جميع المحامد والكمالات لله تَعَالَى، و(المجيد) الذي دل على أوصاف العظمة والجلال ويقرب من ذلك (الجليل الجميل الغني الكريم).
ومثل: (الحي القيوم)، فإن (الحي) من له الحياة الكاملة العظيمة الجامعة لجميع معاني الذات، و(القيوم) الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ١٨٥).
(٢) تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٣١٤ ]
خلقه، وقام بجميع الموجودات، فهو الاسم الذي تدخل فيه صفات الأفعال كلها.
ومثل: اسمه (العظيم الكبير) الذي له جميع معاني العظمة والكبرياء في ذاته وأسمائه وصفاته، وله جميع معاني التعظيم من خواص خلقه.
ومثل قولك: (يا ذا الجلال والإكرام) فإن الجلال صفات العظمة والكبرياء، والكمالات المتنوعة، والإكرام استحقاقه على عباده غاية الحب، وغاية الذل وما أشبه ذلك.
فعلم بذلك أن الاسم الأعظم اسم جنس، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والاشتقاق، كما في السنة أنه -ﷺ- سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١)» (^٢).
ومما سبق يظهر- والله أعلم- رجحان كون الاسم الأعظم هو اسم (الله) -ﷻ-؛ لقوة أدلته وظهورها.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد (ص: ٢٥٠ - ٢٥٢).
[ ٢ / ٣١٥ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم (الله):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (الله) من الصفات:
الله تَعَالَى هو ذو الألوهية التي بها استحق أن يكون المعبود المألوه الحق، بل استحق ألا يشاركه في هذا الوصف العظيم أحد سواه، كما قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
اتصف بصفات الألوهية التي تجمع صفات الكمال، وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والإحسان، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، فاستحق بهذه الصفات أن يُعبد ويُؤلَه.
فهو المألوه لانفراده بالحياة التامة والقيومية المطلقة، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وهو المألوه لانفراده بالربوبية خلقًا ورزقًا وملكًا وتدبيرًا وضرًّا ونفعًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ ٢ / ٣١٦ ]
فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال جل في علاه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ - ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وهو المألوه لانفراده بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
وهو المألوه لما له من إحاطة بكل شيء علمًا وحكمًا وحكمة وعزة وقهرًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].
وهو المألوه لانفراده بالغنى المطلق التام من كل وجه، كما أن كل من سواه مفتقر إليه على الدوام من كل وجه، مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، مفتقر إليه في حاجاته ومطالبه كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات وأشد الضرورات قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ:
[ ٢ / ٣١٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فتبارك الله الإله الحق (^١).
وهو الإله الذي يعبده ويتأله له من في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] فتألهه الخلائق أجمعون بالاستسلام والانقياد طوعًا أو كرهًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]
حتى سجد وخضع له ظلالهم بالغدو والآصال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، ولهج الناطق منهم وغير الناطق من الأشجار والنبات والجماد والأموات مسبحًا بحمده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وتوجه له بالتضرع والاستغاثة في النوائب والشدائد البر والفاجر، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (^٢)، وأبت القلوب والأرواح السكون إلا إليه، والاطمئنان إلا بذكره، والفرح إلا بمعرفته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]، فتبارك الله إله العالمين.
_________________
(١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٢٩ - ٣٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٢، ٤٥٩، ٤٦٢، ٧٧٠).
[ ٢ / ٣١٨ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم (الله) على التوحيد:
معرفة العبد لاسم الله -ﷻ- وما فيه من معانٍ، تقوده إلى توحيده بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
فأما توحيده بالربوبية:
فإذا عمل العبد بمقتضى اسم (الله) -ﷻ- من التعبد والتأله، تضمن عمله توحيد الربوبية، من جهة: أن من عبد الله ولم يشرك معه شيئًا، لا شك أنه يعتقد أنه ربه الخالق والمالك له الذي لا رب له غيره.
قال ابن تيمية -﵀-: «قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المؤمنون: ١١٦] فإنه يقتضي انفراده بالألوهية، وذلك يتضمن انفراده بالربوبية، وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه، وأنه خالق ما سواه ومعبوده» (^١).
وأما توحيده بالألوهية:
فإذا تدبر العبد اسم (الله) -ﷻ- وآمن بما فيه من معاني الألوهية في الصفات والأفعال التي لا مشارك له فيها؛ علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أن يعبد أحد سواه، وأن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل (^٢)، وهذه حقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا تتم إلا بركنيها:
نفي العبودية عن ما سوى الله -﷿-.
إثبات العبودية لله وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ
_________________
(١) الصفدية (٢/ ٦٤).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٣/ ٢٠٢، ٢٠٤)، المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ١٠٧).
[ ٢ / ٣١٩ ]
إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُم مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ -﷿-» (^١) (^٢).
وتحقيق هذا المعنى إنما خلق الله الإنس والجن لأجله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فأرسل فيهم الرسل وأنزل إليهم الكتب داعية إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
قال ابن القيم -﵀-: «فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو: إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له، مع كمال المحبة والإثابة، وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ومراده؛ فهذا أصل دعوة الرسل، وإليه دَعَوا الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣).
(٢) ينظر: ثلاثة الأصول (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: ١٩٠)، كتاب التوحيد، لمحمد بن عبد الوهاب (ص: ٣٦ - ٣٧)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٥٨).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله» (^١).
ونوَّع سُبْحَانَهُ الأدلة والبراهين على هذا الأصل العظيم، ونفى ضده تحقيقًا له، ومن ذلك (^٢):
١ - الاستدلال بالربوبية على الألوهية، فمن عرف أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور؛ أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] الآيات.
ومن عرف أنه المنفرد بجلب النعم ودفع النقم، فما من نعمة ظاهرة ولا باطنة قليلة أو كثيرة إلا منه سُبْحَانَهُ، وما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وإن أحدًا من الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص ١٣٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥، ٦٤٠)، القواعد الحسان لتفسير القرآن، للسعدي (ص: ١٨ - ١٩)، المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ١٠٧).
[ ٢ / ٣٢١ ]
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨] الآيات، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١].
٢ - الاستدلال بما له من صفات على الألوهية، فمن عرف صفات كماله وأنه لا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أي مخلوق كائنًا من كان أن يعبد معه، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،
وقال -﵎-: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣] الآيات.
قال ابن تيمية -﵀- مقررًا هذه المسألة: «والله سُبْحَانَهُ لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد (الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد: وهما إثبات صفات الكمال، ردًّا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًّا على المشركين» (^١).
٣ - الاستدلال بصفات الآلهة التي عبدت من دونه على بطلان عبادتها، فإن فيها من صفات العجز، والنقص، والفقر ما يمنع كونها إلهًا يعبد، قال تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٨٣).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧].
٤ - ضرب الأمثلة الدالة على بطلان الشرك وقبحه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
٥ - الاستدلال بإكرام أهل التوحيد، وإهانة وعقوبة أهل الشرك على أن التوحيد هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، كما في ذكر الله -﵎- لقصص الرسل مع أممهم، وما فيها من نزول العذاب على أهل الشرك والنجاة لأهل التوحيد، قال تَعَالَى عن نوح -﵇-: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]، وقال تَعَالَى عن هود -﵇-: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]، وقال تَعَالَى عن صالح -﵇-: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٦ - ٦٧] وهكذا في بقية الرسل -﵈-.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وأما توحيده بالأسماء والصفات:
فقد قال ابن القيم -﵀-: «اسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث؛ فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه.
وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تَعَالَى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] … فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله» (^١).
الأثر الثالث: الفرح والسرور بمعرفة الله -ﷻ-:
النفس أحوج ما تكون إلى معرفة خالقها ومعبودها الحق، ولا حاجة إليها فوق حاجتها إلى معرفته، فلا سعادة لها ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم ولا راحة لها إلا بمعرفة ربها ومعبودها وعبادته، فإذا عرفت معبودها الحق (الله) -ﷻ- سعدت وفرحت بذلك أشد الفرح، قال ابن القيم -﵀-: «ليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده» (^٢).
وقال: «فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ٥٥).
(٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لابن القيم (ص: ٩).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض مما في الدنيا، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضًا عن هذه الحياة، فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء ألبتة» (^١).
الأثر الرابع: الاعتزاز بالله -ﷻ- والتوكل عليه:
إذا تأمل العبد في اسم (الله) -ﷻ-، وما فيه من صفات الكمال؛ إذ هو خالق كل شيء ومالكه، ومدبر أمره، والخاضع له كل شيء الملك والمملوك، والعزيز والذليل، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير.
إذا تأمل هذا شعر بالعزة به سُبْحَانَهُ؛ فتعلق به وحده، وسقط من قلبه الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم، فلم يعتز ولم يحتم إلا به -﵎-، ولم يتوكل إلا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فكل من عداه مدبَّر، لا يملك حولًا ولا قوة، ومصيره الفناء؛ فكم من بشر اعتز بماله فما لبث أن ضاع ذلك المال فضاع، وكم من بشر اعتز بسلطانه فجاءت النهاية بزوال سلطانه، فما كان منه إلا أن قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩]. (^٢)
_________________
(١) ينظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص: ٨٤).
(٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٩ - ٩٠).
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الأثر الخامس: محبة الله جل في علاه:
فُطرت القلوب على محبة من له صفات الكمال والإحسان والتفضل على الغير، والله -ﷻ- لا أكمل ولا أعظم ولا أجل من صفات ألوهيته -﵎-، ولا أعظم نعمة وفضلًا على العباد منه، فمن كان هذا حاله فهو أحق من يحب، محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس، والأهل، والولد، والناس أجمعين، قال رسول الله -ﷺ- في هذه المحبة: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «إن (الإله) الحق هو الذي يُحَبُّ لذاته، ويُحْمَدُ لذاته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه، وإنعامه، وحلمه، وعفوه، وبره، ورحمته، فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله، فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو، فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعًا» (^٢).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه، ويبذلون له مقدورهم بالتأله القلبي، والروحي، والقولي والفعلي، بحسب مقاماتهم ومراتبهم، فيعرفون من نعوته وأوصافه ما تتسع قواهم لمعرفته، ويحبونه من كل قلوبهم محبةً تتضاءل جميع المحاب لها، فلا يعارض هذه المحبة في قلوبهم محبة الأولاد والوالدين وجميع محبوبات النفوس، بل خواصهم
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٣).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
جعلوا كل محبوبات النفوس الدينية والدنيوية تبعًا لهذه المحبة، فلما تمت محبة الله في قلوبهم أحبوا ما أحبه من أشخاص وأعمال، وأزمنة، وأمكنة، فصارت محبتهم وكراهتهم تبعًا لإلههم وسيدهم ومحبوبهم.
ولما تمت محبة الله في قلوبهم التي هي أصل التأله والتعبد أنابوا إليه فطلبوا قربه ورضوانه، وتوسلوا إلى ذلك وإلى ثوابه بالجد والاجتهاد في فعل ما أمر الله به ورسوله، وفي ترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله، وبهذا صاروا محبين محبوبين له، وبذلك تحققت عبوديتهم وألوهيتهم لربهم، وبذلك استحقوا أن يكونوا عباده حقًا، وأن يضيفهم إليه بوصف الرحمة حيث قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (^١).
الأثر السادس: دعاء الله تَعَالَى باسمه الأعظم:
إذا آمن العبد بأن اسم (الله) -ﷻ- هو الاسم الأعظم- كما سبق بيانه- الذي لا يخيب من دعا به ولا يرد، لهج بالدعاء به، ولا سيما بما ورد من الأدعية التي نص فيها رسول الله -ﷺ- على اشتمالها على الاسم الأعظم، كالدعاء بـ: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد» (^٢)، والدعاء بـ «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» (^٣).
_________________
(١) فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣١ - ٣٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ثم إذا صَاحَب الدعاءَ بالاسم الأعظم حضور قلب وانكسار وذلة لم تكد تُرَد الدعوة، فليحرص العبد على الإكثار من سؤال الله باسمه الأعظم موقنًا بالإجابة (^١).
الأثر السابع: الأذكار مقرونة باسم (الله) سُبْحَانَهُ:
خص الله -﷿- اسمه (الله) بأن جعله مقرونًا بعامة الأذكار المأثورة عن رسول الله -ﷺ-، فالتحميد والتسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة والاسترجاع والبسملة ونحوها مقرونة به غير منفكة عنه، فإذا كبر المسلم ذكره، وإذا حمد ذكره، وإذا سبح ذكره وهكذا في عامة الأذكار، كما في قوله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ- فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ- حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^٢)، وقوله -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (^٣)، وقوله: «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤).
ولم يشرع -﵎- ذكره بهذا الاسم مفردًا، كما يعتقد بعض الجهال من المسلمين، فيرددون لفظ الجلالة (الله) مرات عديدة، كألف أو ألفين أو أكثر، وأحيانًا يجتمعون على ذلك في حلقات وهم جالسون، أو وهم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون بين الحين والآخر، ويصاحب
_________________
(١) ينظر: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد، للسعدي (ص: ٢٣٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٨٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
ذلك دقات الطبول وأصوات المزامير! وتشتد الأصوات حتى لا تسمع إلا (هو هو هو) أو (آه آه آه) أو (حع حع حع)!!، ونحو ذلك مما لم ينزل الله به سلطانًا، ولم تأت به سنة، وقد قال -ﷺ-: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (^١) (^٢).
قال الإمام النووي -﵀-: «الرد هنا بمعنى: المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -ﷺ-؛ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات» (^٣).
الأثر الثامن: تسمي العبد بأحب الأسماء إلى الله تعالى:
إذا علم العبد المكانة العظيمة لهذ الاسم الكريم (الله) فليعلم أن أحب الأسماء إليه ما أضيف إلى هذا الاسم، أو أضيف لاسمه الرحمن، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى الله -﷿-: عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^٤).
وكشف الإمام ابن القيم -﵀- سر ذلك في كلامه حول الأسماء والكنى؛ فقال -﵀-: «ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله وعبد الرحمن، وكانت إضافة العبودية إلى اسم (الله) واسم الرحمن، أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما،
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧١٨).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٧٣ - ٧٤).
(٣) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٦).
(٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٣٣).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
كالقاهر والقادر، فعبدالرحمن أحب إليه من عبدالقادر، وعبدالله أحب إليه من عبدربه؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين ربه إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، والغاية التي أوجده لأجلها: أن يتأله له وحده محبةً وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، فيكون عبدًا لله، وقد عبده لما في اسم (الله) من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمتُه غضبَه، وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب؛ كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر» (^١).
الأثر التاسع: تحقيق العبودية التامَّة لله تعالى:
إذا علم العبد معنى اسم (الله) ومافيه من صفات الألوهية؛ خضع له سبحانه، إما بالعبودية العامة أو الخاصة.
العبودية العامة: عبودية الملك والقهر والخضوع للأمر الكوني القدري التي بها تعبد أهل السماوات والأرض كلهم؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
وهذه العبودية لا يصير بها العبد مؤمنًا؛ لأنه مجبور مقهور عليها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (٢/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
العبودية الخاصة: عبودية الطاعة، والمحبة، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي التي بها تعبَّد أهل الإيمان لربهم -﷿-، وتتفاوت مراتبهم ودرجاتهم بناء عليها، قال تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وهذه العبودية هي التي يصير بها العبد مؤمنًا، وينال بها رضاه.
فإذا علم العبد هذا، وعلم أن نجاته وفلاحه وسعادته إنما تكون بتحقيق العبودية الخاصة لله -﷿-، قاده ذلك لتحقيقها وتكميلها (^١).
وفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق العبودية لله -﷿-.
_________________
(١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٥٠ - ٥٤)، ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، وتفسير السعدي (ص: ٨١٣).
[ ٢ / ٣٣١ ]
«العبودية»
سنتطرق في موضوع العبودية لعدة مسائل، وهي:
أولًا: تعريف العبادة:
العبادة في اللغة:
قال الأزهري -﵀-: «العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وبعير معبد إذا كان مطليًّا بالقطران» (^١).
قال الجوهري -﵀-: «عبد، بين العبودة والعبودية، وأصل العبودية: الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل، يقال: طريق معبد … والعبادة: الطاعة، والتعبد: التنسك» (^٢). …
العبادة في الاصطلاح:
قال ابن جرير -﵀-: «معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة» (^٣).
وقال القاضي أبو يعلى -﵀-: «حقيقة العبادة: هي الأفعال الواقعة لله -﷿-، على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع» (^٤).
_________________
(١) تهذيب اللغة (٢/ ١٣٨).
(٢) الصحاح (٢/ ٥٠٣).
(٣) تفسير الطبري (١/ ٣٦٢).
(٤) المعتمد في أصول الدين، للقاضي أبي يعلى (١٠٣).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» (^١):
ومما سبق يتبين أن العبادة تقوم على أصلين عظيمين، هما:
١ - غاية الخضوع والذل والانقياد لله -﷿-؛ يقال: طريق معبد، أي: مذلل، فالعابد منقاد لمعبوده خاضع له.
٢ - غاية المحبة لله -﷿-؛ فإذا عظمت محبة الله في قلب العبد قادته إلى الاستقامة على طاعة الله -﷿-، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
قال ابن تيمية -﵀- مقررًا هذين الأصلين: «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تَعَالَى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (^٢).
وقال ابن القيم -﵀-: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع … فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًّا خاضعًا» (^٣) (^٤).
_________________
(١) العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٤).
(٢) العبودية (ص: ٤٨ - ٤٩).
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٩٥ - ٩٦).
(٤) ينظر: العبودية مسائل وقواعد ومباحث، لآل عبد اللطيف (ص: ٣٣).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ثانيًا: أهمية العبودية وفضلها:
دعا الله -﷿- عباده إلى عبوديته، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، ورغبهم فيها ببيان أهميتها وما لأهلها من فضل في الدنيا والآخرة، ومن ذلك:
١ - بيانه -﵎- أن العبودية هي الغاية من خلق الخلق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
٢ - بيانه -﵎- أنه إنما أنزل الكتب، وأرسل الرسل للدعوة إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وحكى عن جملة من رسله قولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] (^١).
٣ - بيانه -﵎- أن عبوديته حاجة فطرية فطرت قلوب الخلق للميل إليها، قال تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقال -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (^٢) (^٣).
قال ابن القيم -﵀- مقررًا تلك الحاجة-: «اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا
_________________
(١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٤ - ٤٥).
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٣٥٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٨).
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤١).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب- أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره … ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها» (^١).
وكل من استكبر عن عبادة الله التي دعته فطرته إليها عبد غيره ولا شك؛ إذ النفوس جبلت على أن تقصد شيئًا وتريده، وتستعين به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وتطمئن وتركن إليه، وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها سواء كان ذلك الله أو غيره.
قال ابن تيمية -﵀-: «الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجة إلى المراد المحبوب … فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب، إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان …» (^٢) (^٣).
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص: ٥٧).
(٢) العبودية، لابن تيمية (ص: ١٠٠ - ١٠١) بتصرف وتقديم.
(٣) ينظر: جامع الرسائل، لابن تيمية (٢/ ٢٣١)، وتفسير السعدي (ص: ٦٠ - ٦١)، والعبودية مسائل وقواعد ومباحث، لعبد العزيز آل عبد اللطيف (ص: ٣٧ - ٣٩، ٤٤ - ٤٥).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
٤ - بيانه -﵎- أن شرف المخلوق وكماله إنما يكون بتحقيقها، فشرف الملائكة بها ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وشرف الأنبياء بها، فقال سُبْحَانَهُ عن أيوب وسليمان -﵉-: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، وشرف رسوله -ﷺ- بوصفه بها في أعلى مقامات التكريم، فوصفه بها في مقام إنزال القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تَعَالَى، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» (^٢).
٥ - بيانه -﵎- أن العبودية لازمة للعبد في أحواله كلها، فتلزمه في حياته إلى مماته كما قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، أي: الموت، وتلزمه بعد الحياة في البرزخ حينما يسأله الملكان، وتلزمه في القيامة حينما يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكافرون والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا وصلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف بالعبادة، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا (^٣).
_________________
(١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٦ - ٤٧).
(٢) العبودية، لابن تيمية (ص: ٨٠).
(٣) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٢٤).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
٦ - بيانه -﵎- أن العبادة دأب ملائكته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥ - ٢٠٦]، وفي هذا دعوة للاقتداء بهم.
٧ - بيانه -﵎- أن إحسان العبودية وتكميلها أعلى مراتب الدين؛ قال -ﷺ- عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١) (^٢).
٨ - بيانه -﵎- ثواب أهلها في الدارين، ومن ذلك:
أ- عدم تسلط الشيطان عليهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
ب- حفظهم من المعاصي والمنكرات، قال تَعَالَى عن نبيه يوسف -﵇-: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٨).
(٢) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٤).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ج- اصطفاؤهم لفهم القرآن والعمل به، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
د- التمكين لهم في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
ر- استثناؤهم من الهلاك الذي يعم قومهم، قال تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٣ - ٧٤].
ع- البشارة لهم في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والبشارة لهم في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه وحلول أمانه في الجنة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] (^١).
و- نفي الخوف والحزن عنهم يوم القيامة؛ قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨].
ي- وعدهم بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢١).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٠ - ٤٣].
ثالثًا: وسائل تحقيق العبودية:
تحقيق العبودية إنما يكون بالقيام بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.
فقول القلب: هو الاعتقاد الصحيح بما أخبر به سُبْحَانَهُ عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، ولقائه على لسان رسله.
وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين الباطل وإزهاقه، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.
وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرْضها أفرضُ من أعمال الجوارح، ومستحبُّها أحبُّ إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك (^١).
على أن تكون هذه العبادة كلها قائمة على شرطي القبول:
١ - الإخلاص، الذي به يتحقق معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٠).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
٢ - المتابعة، التي بها يتحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.
وبهذا يتبين أن العبادة على الحقيقة والتحقيق هي الدين كله؛ فلما سأل جبريل -﵇- رسول الله -ﷺ- عن الإسلام المشتمل على عبادة الظاهر، والإيمان المشتمل على عبادة الباطن، والإحسان المشتمل على إحسان العبادة وتكميلها، قال -ﷺ- لأصحابه: «فإنَّه جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (^١) (^٢).
ووصف الله تَعَالَى أهل عبوديته في كتابه بما يشمل الدين كله من الاعتقادات، والعبادات الظاهرة والباطنة، وآداب السلوك والأخلاق، ومن ذلك:
١ - قوله تَعَالَى في وصف العبودية الشاملة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
٢ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الاعتقاد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال السعدي -﵀-: «أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا، لم يشاهدوه ولم يروه، فآمنوا بها، وصدقوا غيبها،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٨).
(٢) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٧ - ٤٨)، ومدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٢٤).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، … ويكون في هذا مدح له بإيمانهم بالغيب» (^١).
٣ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الباطن: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠]، قال السعدي -﵀-: «أخلصوا لله الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه» (^٢)، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ١٠].
٤ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الظاهر: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤ - ٦٧]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ٨].
٥ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية السلوك والأخلاق: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
فاللهمَّ اجعلنا من عبادك الصالحين، مع الذينَ أنعمتَ عليهِم مِنَ النبيينَ والصِّدِّيقينَ والشهداءِ وحَسُنَ أولئِكَ رَفِيقًا
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٩٧).
(٢) المرجع السابق (ص: ٧٠٣).
[ ٢ / ٣٤١ ]
المجيدُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «المجد: الكرم، والمجيد: الكريم، وقد مَجُد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، وتماجد القوم فيما بينهم، وماجدته فمجدته أمجده، أي: غلبته بالمجد … والتمجيد: أن ينسب الرجل إلى المجد …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(مجد) الميم والجيم والدال أصل صحيح، يدل على بلوغ النهاية، ولا يكون إلا في محمود، منه المجد: بلوغ النهاية في الكرم، والله الماجد والمجيد، لا كرم فوق كرمه …» (^٢).
ورود اسم الله المجيد في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المجيد) في القرآن مرتين، وذلك في قوله تعالى:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٥٣٦).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
ورود اسم الله المجيد في السنة النبوية:
ورد اسم الله المجيد في السنة النبوية، ومن وروده:
حديث كعب بن عجرة -﵁-، قال: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمِ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^١).
معنى اسم الله المجيد في حقه تعالى:
يدور معنى اسم الله المجيد في حق الله على ثلاثة معان، وهي:
١ - كمال الذات والصفات مع سعتها وكثرتها.
٢ - كثرة الإحسان للخلق.
٣ - المنيع الذي لا يرام.
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٣٧٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٦).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء:
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري -﵀-: «(مجيد): ذو مجد ومدح وثناء كريم» (^١).
قال الزجاج -﵀-: «فالماجد في اللغة: الكثير الشرف، والله تَعَالَى ذكره أمجد الأمجدين وأكرم الأكرمين» (^٢).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]: «الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «… المجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها» (^٤)، وقال أيضًا: «والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته» (^٥).
قال ابن القيم -﵀- في النونية:
وَهوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْظِ … يمٍ فَشَانُ الوَصْفِ أَعْظَمُ شَانِ (^٦)
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٤٧).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٥٢).
(٤) تفسير السعدي (ص: ٣٨٦).
(٥) الحق الواضح المبين (ص: ٣٣).
(٦) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٣).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الشوكاني -﵀- في قوله: «(مجيد) كثير الإحسان إلى عباده، بما يفيضه عليهم من الخيرات» (^١).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال الزجاجي -﵀-: «… فكأن المجيد المبالغ في الكرم، المتناهي فيه» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «(المجيد) هو الواسع الكرم …» (^٣).
قال الغزالي -﵀-: «هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونوله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجدًا، وهو الماجد- أيضًا- ولكن أحدهما أدل على المبالغة، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم» (^٤).
قال ابن القيم -﵀-: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها، وعدم إحصاء الخلق لها، وسعة أفعاله، وكثرة خيره ودوامه» (^٥).
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الثاني والثالث:
قال الحليمي -﵀-: «ومنها المجيد: ومعناه المنيع المحمود؛ لأن
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٥١١).
(٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٥٢).
(٣) شأن الدعاء (٧٤).
(٤) المقصد الأسنى (ص: ١٢٣).
(٥) التبيان في أقسام القرآن (٢/ ٩٥).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
العرب لا تقول لكل محمود: مجيدًا، ولا لكل منيع: مجيدًا، أو قد يكون الواحد منيعًا غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع، وقد يكون محمودًا غير منيع، كأمير السوقة والصابرين من أهل القبلة، فلما لم يقل لكل واحد منهما: مجيد؛ علمنا أن المجيد من جمع بينهما، فكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري جل ثناؤه يجل عن أن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه» (^١).
اقتران اسم الله المجيد بأسماء الله تَعَالَى الأخرى في القرآن الكريم:
اقتران اسم الله المجيد باسمه الحميد:
تقدم بيانه في اسم الله (الحميد).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله المجيد:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المجيد) من الصفات:
الله تَعَالَى المجيد، الذي له مجد الذات بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وفعاله المحمودة، وأقواله الكريمة، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦].
فأما أسماؤه فكلها مجد، كيف لا وقد بلغت من الحسن منتهاه، ومن الكمال أقصاه، ومن الدلالة على الصفات أعلاها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا نقص فيها بوجه من الوجوه، بل لا أحسن منها ولا
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
أكمل، فهي أحسن الأسماء، لا يسد غيرها مسدها، ولا يقوم مقامها، ولا يؤدي معناها» (^١).
وأما صفاته فصفات مجد، فـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] له من هذه الصفات وغيرها من بقية صفاته التي بلغت من الكثرة ما لا يحصيه إلا الله، له منها أكملها وأتمها وأعمها، فلا عيب ولا نقص ولا قصور في شيء منها، ولا مماثلة لصفات المخاليق، بل هي على وجه يليق بجلال الله ومجده (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: له كل صفة كمال، حتى قال أهل العلم -﵏-: «كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى» (^٣).
فحياته حياة كمال لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء ولا زوال، ولا يعتريها نقص ولا ضعف، ولا يتخللها سنة ولا نوم، وعلمه كمال لم يسبقه جهل، ولا يطرأ عليه، بل لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ولو دق وصغر، وبصره كمال يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٢).
(٢) ينظر: التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص ٩٤)، تفسير السعدي (ص: ٣٨٦).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٦٤٠).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
الليلة الظلماء، وسمعه كمال يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ورحمته كمال فلا ضعف معها ولا حد، وسعت كل شيء، وحكمته كمال عمت كل مخلوق فلا عبث ولا لهو، وقدرته كمال في كل حال وآن لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وقوته كمال لا ضعف معها ولا وهن، وعزته كمال لا غالب لها ولا ممانع، جل عن أن يرام أو أن يوصل إليه، وجماله لا حد ولا منتهى له، لو كشف حجابه لأحرقت سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهكذا في بقية صفاته أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى (^١).
وأما أفعاله فأفعال مجد وحمد، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] دائرة بين الفضل والرحمة والعدل والحكمة، فما من نعمة عطاء ودفع ظاهرة ولا باطنة، صغيرة ولا كبيرة مما يعرف العباد ومما لا يعرفون إلا بفعله وإحسانه وبره، فالإحسان له ومنه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^٢)، وما من نقمة وبلية تنزل بالعبد إلا بفعله العدل الحكيم، فليس في أفعاله سُبْحَانَهُ ظلم ولا جور ولا شر ولا سفه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، أي: «على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها» (^٣).
وأما أقواله فأقوال مجد وشرف، وصدق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٦)، والحق الواضح المبين (ص: ٣٣).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٧).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
تكلم بالقرآن المجيد، قال تَعَالَى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] حوى من الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، ومن العلوم علم الأولين والآخرين، كثير الوجوه، كثير البركات، جزيل المبرات (^١).
وقال ابن القيم -﵀- مقررًا ما سبق: «تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد … أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل» (^٢).
وبعد هذا علم أنه لا مجد إلا مجده ولا عظمة إلا عظمته، ولا جلال ولا جمال ولا كبرياء إلا جلاله وجماله وكبرياؤه، كل مجد لغيره فهو منه عطاء وفضل، تفرد بالكمال المطلق الذي لا يمكن للعباد أن يحيطوا بشيء منه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال -ﷺ-: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠٣).
(٢) مدارج السالكين (١/ ١٤٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المجيد) على التوحيد:
في اسم الله (المجيد) دلالة على اتصاف الله -﷿- بصفات الكمال؛ «فإن من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء، والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرب -﵎- مجيدًا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال، تَعَالَى الله عما يقول المعطلون علوًّا كبيرًا» (^١).
بل فيه دلالة على كثرة هذه الصفات وعظمتها، قال ابن القيم -﵀-: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها» (^٢)، فليست صفاته محصورة بصفة أو صفتين ولا سبع ولا ثمان، بل لا تدخل تحت الحصر، ولا تحد بعدد معين كما قال -ﷺ- في الدعاء: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» (^٣)، وإذا عرف العبد هذا واعتقده؛ حقق شيئًا من توحيد الأسماء والصفات.
ثم إذا تأمل في هذا الاسم وما فيه من الكمال، لا سيما في الصفات والأفعال، علم أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فمن له العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة هو الجدير بالعبادة والذل والخضوع،
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن (٢/ ٩٥).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٩٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٤٤٠٤)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث (١٢٤).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الآيات [الحشر: ٢٢]. (^١)
قال الشيخ السعدي -﵀-: «… فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا» (^٢).
ومن بيده العطاء ومنه النعماء والبر والإحسان هو المستحق أن يُعبد ويُحَب، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وكل مَن دونه ناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال ولا شيء من الإنعام، فكيف يُتعلق به ويسوّى بينه وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها؟! (^٣).
الأثر الثالث: محبة الله المجيد:
إذا نظر العبد في اسم الله (المجيد) نظر المتأمل المتفكر امتلأ قلبه حبًّا لله المجيد؛ إذ النفوس فطرت على حب من تكاملت صفاته، وتكامل عطاؤه
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٨).
(٢) المرجع السابق (ص: ٨٥٤).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٣٨).
[ ٢ / ٣٥١ ]
وإحسانه، والله المجيد كمل في صفاته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وكمل في عطائه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وكمل في كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، بل له من ذلك الكمال أكمله وأبلغه وأوسعه، فمن كان كذلك كيف لا تحبه القلوب، وتهيم بذكره النفوس؟
قال ابن القيم -﵀-: «الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم.
والله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يُحَب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ» (^١).
الأثر الرابع: تمجيد ما مجده الله -﷿-:
الإيمان باسم الله (المجيد) يدعو العبد إلى تمجيد ما مجده ربه -﷿-؛ فقد مجد سُبْحَانَهُ نفسه العلية، ومجد كتابه، ومجد عرشه.
فأما تمجيده لنفسه:
فمجَّد -﵎- نفسه في كتابه العزيز بما ذكر من أسمائه وصفاته وأفعاله، ومن أعظم آيات القرآن التي حوت ذلك آية الكرسي وسورة الإخلاص والفاتحة.
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص: ١٨٦ - ١٨٧).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ففي آية الكرسي- التي هي أعظم آية في القرآن- خمسة من أسماء الله -﷿-، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة.
وسورة الإخلاص- التي تعدل ثلث القرآن- جاءت كلها معرفة بالله؛ إذ قالت قريش للنبي -ﷺ-: انسب لنا ربك؟ فأنزلها الله وبين فيها صفاته.
وقال الصحابي صاحب السرية عنها: «لأنها صفة الرحمن»، عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بِـ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النبي -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (^١)، وفي رواية: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٢).
وفي النصف الأول من سورة الفاتحة- التي هي أعظم سورة في القرآن- الثناء على الله وتمجيده؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ … - وفي رواية: فَنِصْفُهَا ليِ وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي- فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فإذا قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٣).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٤)، ووصله الترمذي، رقم الحديث (٢٩٠١)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قال: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).
وفي تمجيد الله لنفسه وثنائه عليها دعوة للعباد على أن يمجِّدوا ربهم، وتمجيده -﵎- يكون بأمور، منها:
تلاوة القرآن المجيد وتدبره؛ فإن القرآن مليء بتمجيد الله وإجلاله، ولا أحد يحصي الثناء على الله وتمجيده كما أثنى هو على نفسه، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصَفْيَنِ …» أن العبد إذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله -﷿-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي (^٢)، فدل على أن تلاوة القرآن تمجيد لله -﷿- وثناء عليه.
الثناء على الله بأسمائه وسؤاله بها؛ لأن كل أسماء الله وصفاته تمجيد له -﵎-، فقولنا: هو الله الواحد الأحد، الصمد، العزيز، الوهاب، الملك الأول، الآخر، الظاهر والباطن، الحميد، السميع، البصير؛ كل هذا من باب التمجيد لله -﷿-، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ …» جعل الله -﷿- قول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] تمجيدًا له -﵎- من العبد؛ فدل على أن من تمجيده وصفه والاعتراف له بالملك والقهر، والحكم يوم الدين والحساب، وهكذا في سائر أسمائه وصفاته.
الصلاة؛ فالصلاة كلها قائمة على الثناء والتعظيم والتمجيد لله -﷿-، ففي قول: (الله أكبر) تمجيد، وفي الفاتحة تمجيد- كما سبق-، وفي الركوع
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٥).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٥).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
تمجيد، وفي قول العبد بعد الرفع من الركوع: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تمجيد بليغ، وفي السجود تمجيد، وفي التشهد ثناء ومجد، ويختم بقول: «إنك حميد مجيد».
وفي ختام التشهد باسم الله المجيد معنى لطيف، نبه عليه ابن القيم -﵀-، فقال: «لما طلب للرسول حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه؛ ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول -ﷺ-، والإخبار عن ثبوته للرب -﵎-» (^١).
٤ - دوام ذكر الله، والثناء عليه بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير؛ فإن ذلك كله من التمجيد له -﵎-، وجاء في حديث النعمان بن بشير -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ التَّسْبِيحَ، والتَّهْلِيلَ، والتَّحْمِيدَ، يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَه- أو- لَا يَزَالُ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (^٢)، وعن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قال: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ،
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص: ٣٢٠).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦٥٣)، وأخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٩).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قال: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قال: فَيَقُولُونَ: لَا وَالله مَا رَأَوْكَ؟ قال: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قال: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟، قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قال: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (^١)، فإذا كان جليسهم لا يشقى، فكيف الشأن بهم؟! (^٢).
وأما تمجيده للقرآن:
فقد قال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، قال قتادة-: «أي: قرآن كريم» فالقرآن شريف كريم عظيم، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠٨).
(٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ومجده راجع إلى عدة أمور، منها:
فصاحته وبلاغته، وحسن تراكيبه ونظمه، فألفاظه بلغت المنتهى في الفصاحة، ونظمه في غاية الإحكام، حتى إن العرب على ما هم عليه من الفصاحة وشدة العداوة للدين ما استطاع أحد منهم أن يعيب القرآن في لفظ من ألفاظه بل قال قائلهم لهم بعد سماعه للقرآن: «فو الله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» (^١).
معانيه الواسعة، وعلومه الغزيرة الشاملة لكل شيء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، قال ابن كثير -﵀-: «اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم» (^٢).
عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، بل ولا سورة من مثله ولو اجتمعوا وتآزروا، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأنى لمخلوق ناقص من جميع الوجوه، ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض
_________________
(١) ينظر: شرح الطحاوية، لصالح آل الشيخ (ص: ١٢٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٤).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله (^١).
حفظه وصيانته من الشياطين وكيد الكفار والمنافقين والحاقدين من أن يغيروا ألفاظه أو يزيدوا فيها أو ينقصوا، أو أن يبدلوا معانيه ويحرفوها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. (^٢)
قال يحيى بن أكثم -﵀-: «كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في مجلسه رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام، قال: فلما أن تقوض المجلس، دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟: قال نعم! قال له: أسلِم حتى أفعل بك، وأصنع، ووعده، فقال: ديني، ودين آبائي، فانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام.
فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنا مع ما تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها، ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٦٦).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٢٩).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين، فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة، والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.
قال يحيى بن أكثم: فحججت في تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الحديث، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله -﷿-، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله -﷿- في التوراة، والإنجيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعل حفظه إليهم، فضاع، وقال -﷿- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فحفظه الله -﷿- علينا فلم يضع» (^١).
حصر الخيرية فيمن تعلمه وعلمه؛ فعن عثمان بن عفان -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَمَّهُ» (^٢).
رفعة الله لمن عمل به، واتخذه دينًا ومنهجًا، وخفضه وذله لمن تركه وراء ظهره، ورأى أن العمل به رجعية وتخلف وجمود؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ -﷿- وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^٣).
_________________
(١) ينظر: دلائل النبوة، للبيهقي (٧/ ١٥٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠٢٧).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وكذا في الآخرة يرفع صاحبه درجات في الجنة، فعن عائشة -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ، فيقولُ: يا ربُّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاجَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ ارْضَ عنه فيرضَى عنه، فيقالُ له: اقرأْ وارقَ وتُزَادُ بكلِّ آيةٍ حسنةً» (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ، ورتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزِلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «جاء في الأثر: أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، فيقال للقارئ: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة» (^٤).
إكرام الله لصاحبه؛ فقد جعله من أهله وخاصته، كما جاء عن أنس
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٩٨).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٩١٥)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٣٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩١٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٩١٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٦٤)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (١٤٦٤).
(٤) معالم السنن، للخطابي (١/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (^١)، قال المناوي -﵀-: «(هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) أي: المختصون به، بمعنى: أنه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله» (^٢).
وأما تمجيده للعرش:
فالله المجيد، لا يختار لنفسه إلا الأفضل والأكمل والأتم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] بقراءة الجر، أي: العظيم العالي على جميع الخلائق، والذي من عظمته أنه وسع السماوات والأرض، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة بالنسبة لسائر الأرض (^٣).
الأثر الخامس: ثواب من مجد الله:
لما دعا الله (المجيد) عباده لتمجيده رغبهم في ذلك بما أعد لهم من الثواب والجزاء، فجعل لمن مجده الرفعة والذكر الحسن جزاء له من جنس عمله، ويتضح هذا جليًّا في خليل الله إبراهيم -﵇- الذي مجد ربه، وأجلَّه بالتوحيد والبراءة من الشرك ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]، فأعلى الله ذكره وجعل له لسان صدق في العالمين،
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٤٣٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٦٥).
(٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٦٨١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٢)، تفسير السعدي (ص: ٩١٩).
[ ٢ / ٣٦١ ]
قال تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «وهذا- أيضًا- من الرحمة التي وهبها لهم؛ لأن الله وعد كل محسن، أن ينشر له ثناء صادقًا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين، والثناء عليهم ومحبتهم، امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوة للمقتدين، وأئمة للمهتدين، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور، متجددة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^١).
فكان -﵇- مقبولًا معظَّمًا مثنًى عليه، في كل الأوقات، وفي جميع الملل، حتى أن اليهود الذين من عادتهم قتل الأنبياء والكفر بهم أحبوه وادعوا أنه منهم، وكذا النصارى، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وكان من أفضل المرسلين، ومن أولي العزم من الرسل، واتخذه الله خليلًا، حتى صار يدعى بذلك، فيقال: خليل الرحمن، وجعل ذكره ركنًا من أركان الصلاة، لا تصح بدونه (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٩٥).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٩٣).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وليس هذا خاصًّا بنبي الله إبراهيم -﵇-، بل معه محمد بن عبد الله -ﷺ- خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، الذي مجد ربه بالتوحيد ونصرة الدين وإعلاء كلمته، فجزاه الله من جنس عمله فرفع ذكره في العالمين، قال تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فجعل ذكر رسوله -ﷺ- مقرونًا بذكره في الشهادة، قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (^١).
وقال قتادة -﵀-: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (^٢).
ورفع ذكره في الصلاة بالدعاء له بالثناء والبركة؛ فعن كعب بن عجرة -﵁-، قال: «سألنا رسول الله -ﷺ- فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^٣).
ورفع ذكره في كل عبادة؛ إذ كل عبادة لا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة للرسول -ﷺ-، ومن المعلوم أن فاعل العبادة يستحضر أنه متبع فيها
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩٤).
(٢) المرجع السابق.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
لرسول الله -ﷺ-، وهذا من رفع ذكره -ﷺ- (^١).
ورفع ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حينما أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. (^٢)
وكل هذا يدعو العبد ويحثه على تمجيد ربه وتعظيمه، جعلنا الله ممن يمجده ويعظمه حق تعظيمه.
فاللهم يا مجيد مُنَّ علينا بالتقوى، وألهمنا تسبيحك وتمجيدك!
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن عثيمين لجزء عم (ص: ٢٤٨).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
المُستعانُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «العون: الظهير على الأمر، والجمع: الأعوان» (^١).
قال الأزهري -﵀-: «قال الليث: كل شيء أعانك فهو عون لك؛ كالصوم عون على العبادة والجمع: الأعوان، قال: وتقول: أعنته إعانة، واستعنته، واستعنت به، وعاونته، وقد تعاونَّا، أي: أعان بعضنا بعضًا» (^٢).
ورود اسم الله (المستعان) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (المستعان) مرتين في كتاب الله، ووروده على ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قوله -﷿-: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
_________________
(١) الصحاح (٧/ ١٩).
(٢) تهذيب اللغة (٣/ ١٢٨).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ورود اسم الله (المستعانِ) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المستعان) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى -﵁-: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ أَوْ تَكُونُ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا عُثْمَانُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ، قَالَ: اللهُ الْمُسْتَعَانُ» (^١).
معنى اسم الله (المستعان):
قال الطبري: «وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] يقول: والله أستعين على كفايتي شر ما تصفون من الكذب» (^٢).
قال القرطبي: «فالمستعان معناه: الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه، وهو مستفعل من العون، وهو وصف ذاتي لله تَعَالَى راجع إلى صفة القوة، وفيه معنى الإضافة الخاصة لمن استعانه من عباده على طاعته» (^٣).
فالمستعان هو المعتمد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦١٦).
(٢) تفسير الطبري (١٣/ ٤٠).
(٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
اقتران اسمِ الله (المستعانِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يأت اسم الله (المستعان) مقترنًا بغيره من أسماء الله -﷿-.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المستعانِ):
الأثرالأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المستعان) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو المعين لعباده، فلا يُطلب العون ولا القوة المطلقتان إلا منه سُبْحَانَهُ؛ لكمال وعظمة أسمائه وصفاته، فكل من في الأرض والسماء دونه عاجز، يقول تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، يقول ابن كثير -﵀- في ذلك: «وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه» (^١).
وقال سُبْحَانَهُ فيما يستدل به على انفراده واستحقاقه للاستعانه وحده: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
فحمد الله نفسه المقدسة، بأنه الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لاشريك له في الملك، ولا في الخلق، ولا في الأمر، فهو العزيز الذي لايحتاج إلى ولي، أو وزير، بل هو الله الواحد القهار، وكل
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٦).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
خلقه بحاجة إلى الاستعانة به، فلا قيام ولا حياة ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته لا شريك له.
وعليه فمن استعان بالخلق وأعرض عن الخالق، فهو المغبون الهالك، فلا هو حفظ كرامته، ولا حصل غايته (^١).
وهذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فما يمس العباد من فقر ومرض ونحوه لا يرفعه إلا الله؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدًا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
الأثر الثاني: محبة الله المستعان:
الله تَعَالَى هو المستعان، الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه العون، ويستعين به الخلق كلهم، فلا حول ولا قوة لأحد في السماوات ولا في الأرض إلا بإعانته سُبْحَانَهُ، فهو المتفضل على العباد بالإعانة والإمداد، كما تفضل عليهم بالخلق والإيجاد، لا يذل من أكثر طلبه، بل يعزه ويعظم قدره، يقول شيخ الإسلام -﵀-: «والعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقارًا إليه، وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبوديةً لله،
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٣٣).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:
بَيْنَ التَّذَلُّلِ والتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ … فِي رَفْعِهَا تَتَحَيَّرُ الأُفْهَامُ» (^١)
فكيف لمن عرف هذا عن ربه، ألا يحبه، ويستغني به عن عموم خلقه!
الأثر الثالث: إعانة الناس وقضاء حوائجهم:
فكما تكون لعباد الله يكون الله لك، وكما تحب أن يعاملك الله سُبْحَانَهُ فعامل الناس، فارحم الناس ليرحمك الله، واستر الناس ليسترك الله، وأعن الناس على حوائجهم يعنك الله، وفرج كرب إخوانك المسلمين يفرج الله عنك، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (^٢)، وقال -ﷺ-: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٣٩).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٠).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الأثر الرابع: دعاء الله المستعانِ:
فإن من هدي رسولنا وقدوتنا -ﷺ- كثرة الدعاء وصدق الطلب، فعن أبي أمامة -﵁-، قال: «دَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعَوْتَ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ البَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله» (^١)، وعن ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو: رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^٢).
وفي دعاء الاستخارة منهج دوام الاستعانة بالله، فعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢١)، وقال: هذا حديث حسن غريب، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٧٩)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٧٩).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٢٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٠).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، …» (^١).
اللهم ارزقنا صدق الاستعانة بك، فلا حول ولا قوة لنا إلا بك.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٠).
[ ٢ / ٣٧١ ]
«الاستعانة بالله»
في موضوع الاستعانة سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الاستعانة:
يقول شيخ الإسلام -﵀-: «الاستعانة: طلب العون من الله، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: «والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه؛ فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به؛ لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (^٢).
ثانيًا: منزلة الاستعانة:
الاستعانة بالله -﷿- هي رفيقة المسافر إلى ربه، فبها يهدى السبيل، وبها يبدأ المسير، وبها يكون الثبات، وبها يبلغ الغايات، فهي ضرورة؛ لينال العبد السعادة والغنى عن كل ما سوى الله، ولينال راحة القلب، واطمئنان النفس، فإذا فقدها فقد سعادته، وكان فقره بين عينيه، وذله للخلق مستوليًا عليه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ١٠٣).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٩٦).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
قال شيخ الإسلام -﵀-: «إن العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده»، … إلى أن قال: «والناظر في أحوال الخلق يجد أن النفس لا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وهو مستعانها، سواء أكان ذلك هو الله أم غيره، وإذا كان المستعان غير الله فقد يكون عامًّا، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقًا أو سأل غير الله مطلقًا، وقد يكون خاصًّا في المسلمين ممن غلب عليهم حب المال أو حب شخص أو حب الرياسة أو غير ذلك، بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة! وصلاح العبد في عبادة الله واستعانته به، ومضرته وهلاكه وفساده في عبادة غير الله والاستعانة بما سواه، وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العام الذي بعث به جميع الرسل، فلا يصرف لغير الله شيء من أنواع العبادة والاستعانة؛ إذ إن أنواع العبادة متعلقة كلها بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره» (^١).
ولو تأمل العبد حاجته إليها لعرف أنها ليست فقط في دنياه، بل حتى عند الموت، وبعده من أهوال البرزخ، ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -﷿-، ولذا فالمؤمن لايقدم خطوة في طريق العبودية إلا إن سبقها بخطوة في طريق الاستعانة بالله.
يقول ابن القيم -﵀-: «والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٤).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا، حتى يقضي العبد نحبه» (^١).
وهذا يقود للمسألة التالية، وهي: لم قدمت العبادة على الاستعانة في الفاتحة؟
ثالثًا: لم قدمت العبادة على الاستعانة:
أشار الإمام ابن القيم -﵀- إلى أسباب عدة في تقديم العبادة على الاستعانة، في آية الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وهي كالتالي:
العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها؛ ومن ثم يكون ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلق بألوهيته سُبْحَانَهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته.
تقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم «الله» على لفظ «الرب» المذكورين في أول السورة؛ حيث إن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تَعَالَى؛ لكونه أولى به، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له، وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة.
العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٩٨).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
عبودية تامة: مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كانت قسم المولى -﷿-.
الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس، فقدم الكل على الجزء.
الاستعانة طلب منه سُبْحَانَهُ، والعبادة طلب له، فقدم ما هو له على ما هو منه.
العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص؛ ومن ثم قدم ما هو محض الإخلاص.
العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد، والاستعانة طلب العون على العبادة؛ وذلك بيان لصدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، فكان ذلك من باب تقديم الأهم على المهم.
العبادة شكر لنعمة الله على العبد، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعل الله لعبده وتوفيقه له، فمن التزم عبوديته، ودخل تحت رقها أعانه الله عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم؛ ومن ثم فإن في تقديم العبادة تقديمًا للسبب على المسبب.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له: متعلق بمحبته ورضاه، والذي يكون به: متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته؛ إذ الكون كله متعلق بمشيئته كذلك، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته،
[ ٢ / ٣٧٥ ]
والمؤمنون أهل محبته؛ ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تَعَالَى وبمشيئته (^١).
رابعًا: أقسام الاستعانة:
الاستعانة طلب العون وهي أنواع:
الأول: الاستعانة بالله: وهي الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته، وهذه لا تكون إلا لله تَعَالَى، ودليلها قوله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ووجه الاختصاص: أن الله تَعَالَى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾، وقاعدة اللغة التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تَعَالَى شركًا مخرجًا عن الملة.
الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه: فهذه على حسب المستعان عليه كالتالي:
إن كانت على بر: فهي جائزة للمستعين، مشروعة للمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
إن كانت على إثم: فهي حرام على المستعين، والمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
إن كانت على مباح: فهي جائزة للمستعين، والمعين، لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير؛ ومن ثم تكون في حقه مشروعة؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٧٥ - ٧٧).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر: فهذه لغو لا طائل تحتها، مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.
الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقًا، أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته: فهذا شرك؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون.
خامسًا: تقسيم الناس بحسب الاستعانة:
التعبد باسم الله (المستعان) يوجب على العبد أن يستعين به في كل أحواله، ولكن الناس في الاستعانة بالله تَعَالَى على أقسام.
ذكر الإمامان ابن تيمية، وابن القيم -رحمهما الله- طرفًا من هذه الأقسام، فتحدث كل منهما عن جهة للتقسيم، ومن الأولى بنا أن نذكر كلام الإمامين؛ لتتكامل لدينا الصورة، وتتضح معالمها.
وقد تكلم الإمام ابن القيم عن أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به، وقسمهم إلى أربعة أقسام، وهي:
أجلُّها وأفضلُها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها؛ ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب -﷿- الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي -ﷺ- لحِبه معاذ بن جبل -﵁-، فعن معاذ -﵁-، قال: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ. قَالَ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي
[ ٢ / ٣٧٧ ]
عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^١)؛ فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
ومقابل هؤلاء: القسم الثاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه؛ فإنه سُبْحَانَهُ يسأله من في السماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، بل كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه ولا بد.
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤه له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا، لا بخلًا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن- بجهله- أن الله لا يحبه ولا
_________________
(١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٢٢٥٥٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥٢٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٢٢).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا حمله على الأقدار، وعتابه الباطن لها، كما قيل:
وَعَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ … حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ القَدَرَا
القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل؛ فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سُبْحَانَهُ وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد، قال ابن عباس -﵁-: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبُه توحيدَه.
النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف.
فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله.
القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به، فقضيت له، وأسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق، أو أحوالًا من كشف وتأثير وقوة وتمكين، ولكن لا عاقبة له، فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم الإسلام، فضلًا عن الولاية والقرب من الله، فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين، فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم عن معرفة الله ومعرفة دينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه، ويكرهه ويسخطه، فالحال من الدنيا كالمُلك والمال إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته، وتنفيذ أوامره ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على صاحبه، ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة (^١).
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٩٩ - ١٠٤).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
سادسًا: كيف تحقق الاستعانة:
من معينات ووسائل تحقيق صدق الاستعانة بالله تَعَالَى ما يلي:
١ - صدق العبودية:
فكلما تعلقت القلوب بالله، وعلمت بأنه وحده المستعان، وانقطعت عن الخلق وما في أيديهم؛ كان ذلك دليلًا على صدق الاستعانة بالله.
يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فإذا التزمت عبوديته أعانك عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله أعظم» (^١)، وهذا هو تحقيق معنى قول العبد: (لا حول ولا قوة إلا بالله) والمعنى: أن العبد لا يتحول حاله من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله -﷿-» (^٢)، وفي أحوال الأنبياء خير شواهد على ذلك، ومنها:
انقطاع قلب يعقوب -﵇- عن الخلق وتعلقه بالمستعان سُبْحَانَهُ، فرغم المصيبة الكبرى التي يخبره أولاده بها يردد: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨]، فكانت إعانةُ الله له إخراجًا من البدو، ودخولًا على الابن، وقد اعتلى خزائن مصر في صورة تسر الأب المكلوم، يقول تَعَالَى في وصف ذلك: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠٠].
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٧٦).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (ص: ١٩٢).
[ ٢ / ٣٨١ ]
انفلاق البحر لموسى -﵇- وإطباقه على عدو الله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون، فكانت النتيجة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
حال محمد -ﷺ- وقد خرج طريدًا ومعه صاحبه، لكن ثقته بربه واستعانته به جعلت السكينة تتنزل عليه، وجند الله تحميه، تأمل: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، فالقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق -﵁- يجزع- لا على نفسه ولكن على صاحبه- أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، والرسول -ﷺ- وقد أنزل الله سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟» (^١)، فكان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس، وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار، قال: تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة: ٤٠]، وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥٣) ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٨١).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
إن بين موسى ومحمد -ﷺ- قرونًا طويلة، لكن الكلمة تتكرر (معي ربي).
٢ - التزام الأعمال الصالحة:
لا سيما الصلاة والصبر، فقد أمر الله بالاستعانة بهما في أكثر من موضع، يقول تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
٣ - الاستعانة بأوقات النشاط واستثمارها في الطاعة:
فالعبادة للمؤمن كالوقود الذي يحركه للإنتاج والعطاء والبذل، وأفضل أوقاتها أول الصباح وآخر الليل؛ بداية اليوم ونهايته، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^١)، فالمقصود بالغداة: ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أول النهار، والدلجة: هي آخر الليل، فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافرة، فكأنه -ﷺ- خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة: أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).
(٢) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٩٥).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
٤ - الدعاء وصدق الطلب:
فسؤال الله الإعانة لا يقتصر على أمر العبادة فحسب، وإنما يشمل الإعانة على قضاء جميع الحوائج، وقد كان هذا هدي رسولنا -ﷺ-؛ إذ جمع -ﷺ- الدعاء للصحابة وقرنه بهذا الاسم، ففي الحديث عن أبي أمامة -﵁-، قال: «دعا رسول الله -ﷺ- بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، قلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (^١).
وقد كانت هي وصيته لمعاذ -﵁- بعد أن أعلن له -ﷺ- محبته له، فاختصر له وصية المحب في بضع كلمات، فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: «أخذ بيدي النبي -ﷺ-، فقال: يَا مُعَاذُ! قلت: لبيك، قال: إِنِّي أُحِبُّكَ، قلت: وأنا والله أحبك، قال: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِك؟ قلت: نعم، قال: قُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٢).
كذلك الشأن في الاستخارة، وهي طلب خير الأمرين من الله المستعان، ومما ورد في ذلك عن جابر -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» (^١).
وما كان النبي -ﷺ- شديد الحرص على تعليمهم إياها كما يعلمهم القرآن إلا لعظيم الحاجة إليها، يقول ابن بطال -﵀- في شرح الحديث: «ولذلك كان النبي -ﷺ- يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحالات كلها، كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات» (^٢).
٥ - مساعدة الناس ومعاونتهم:
فإعانة الناس سبب في إعانة الله، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) شرح صحيح البخارى، لابن بطال (١٠/ ١٢٣).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الملِك والمالِك والملِيْك -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «ملكت الشيء أملكه ملكًا … وملكت الشيء تمليكًا، أي: جعله ملكًا له، يقال: مَلّكه المال والمُلك، فهو مُملَّك … والملكوت من الملك، كالرهبوت من الرهبة، يقال: له ملكوت العراق وملكوة العراق أيضًا، مثال الترقوة: وهو الملك والعز، فهو مليك، وملك وملك، مثل فخذ وفخذ، كأن الملك مخفف من ملك، والملك مقصور من مالك أو مليك، والجمع: الملوك والأملاك، والاسم: الملك، والموضع مملكة، وتملكه، أي: ملكه قهرًا» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملك عجينه، قوى عجنه وشده، وملكت الشيء: قويته … ثم قيل: ملك الإنسان الشيء يملكه ملكًا، والاسم الملك؛ لأن يده فيه قوية صحيحة، فالملك: ما ملك من مال» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٦٠٩).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٥١).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في القرآن الكريم:
- ورود اسم الملك في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الملك) خمسَ مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
قوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾
[الحشر: ٢٣].
قوله -﷿-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٢].
- ورود اسم (المالك) في القرآن الكريم:
ورد اسم المالك مرة واحدة بالإضافة إلى الملك، في قول الله -﷿-: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ومرة بالإضافة إلى الدين في قوله تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
- ورود اسم (المليك) في القرآن الكريم:
وورد اسم (المليك) مرة واحدة في كتاب الله، في قوله تَعَالَى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الملك) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ،
[ ٢ / ٣٨٧ ]
حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ …» (^١).
عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يَقْبِضُ الله الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (^٢).
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٧).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١١)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٦).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
معنى اسم الله (الملك - المالك -المليك) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري -﵀-: «الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه» (^١).
قال الزجاج -﵀-: «مالك الملك الله تَعَالَى، يملك الملك، يعطيه من يشاء، وهو مالك الملوك، والملاك يصرفهم تحت أمره ونهيه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع» (^٢).
قال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- مالك الأشياء كلها، ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء» (^٣).
قال الخطابي -﵀-: «وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تَعَالَى مالك المالكين كلهم، وإنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تَعَالَى» (^٤).
قال الحليمي -﵀-: «الملك … وذلك مما يقتضيه الإبداع هو المخترع للشيء من العدم إلى الوجود، فلا يتوهم أن يكون أحد أحق بما أبدع منه، ولا أولى بالتصرف فيه منه» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦٢).
(٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٤٣).
(٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٠).
(٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
قال ابن القيم -﵀-: «(الملك) فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض الرافع، المعز المذل، العظيم، الجليل، الكبير، الحسيب، المجيد، الولي، المتعالي، مالك الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك» (^١).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة، ولا مدافعة» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «الملك المالك: الذي له الملك فهو الموصوف بصفة الملك، وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر، والتدبير، الذي له التصرف المطلق في الخلق والأمر والجزاء، وله جميع العالم العلوي والسفلي، كلهم عبيد، ومماليك، ومضطرون إليه، فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر …» (^٣).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٤٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٣).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٧٩ - ٨٠).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الفرق بين الملك، والمالك:
اختلفت أقوال العلماء في الفرق بينهما: فقيل: (ملك): أعم وأبلغ من (مالك)؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك.
وقيل: بل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك.
وقيل: المالك أبلغ مدحًا في حق الخالق، والملك أبلغ مدحًا في حق المخلوقين؛ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تَعَالَى مالكًا كان ملكًا (^١).
قال الشوكاني -﵀-: «والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سُبْحَانَهُ أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ١٤٠)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٢٦).
(٢) فتح القدير، للشوكاني (١/ ٢٦).
[ ٢ / ٣٩١ ]
اقتران اسم الله (الملك- المالك- المليك) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الملك) بأسمائه الأخرى:
- اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (الحق):
تقدم بيانه في اسم الله (الحق).
- اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (القدوس):
تقدم بيانه في اسم الله (القدوس).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المالك) بأسمائه الأخرى:
لم يقترن اسم الله (المالك) بأي اسم من الأسماء الحسنى.
ثالثًا: اقتران اسم الله (المليك) بأسمائه الأخرى:
تقدم بيانه في أسماء الله (القدير)، و(القادر)، و(المقتدر).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الملك- المالك- المليك):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الملك، والمالك، والمليك) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
الله الملك، والمالك والمليك على الحقيقة، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وذلك أن ملكه راجع إلى ثلاثة أمور:
[ ٢ / ٣٩٢ ]
١ - ثبوت صفات الملك له:
الملك يستلزم عدة صفات، منها: الحياة، والقوة، والقدرة، والغنى، والعزة، والحكم النافذ، والتصرف التام، والقيام بشؤون المملكة وحفظها.
ولله -ﷻ- من هذه الصفات أتمها وأكملها، فحياته حياة لا عدم معها، وقوته وقدرته لا ضعف ولا عجز معها، قال تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وقال: سُبْحَانَهُ ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وغناه لا فقر ولا حاجة معه، وعزته لا غالب لها، وحكمه عام نافذ في الدنيا والآخرة، تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقيامه وحفظه لا غفلة معه ولا نسيان، قال تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ومع هذا كله سلم وتقدس من آفات الملوك وملكهم، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
فملكه عام للخلائق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف: ٨٥]، وعام للدنيا والآخرة، بل هو في الآخرة أظهر منه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وذلك لأن في الدنيا هناك من يدعي الملك بخلاف الآخرة، فلا يدعيه أحد؛ إذ الكل حشر حافيًا عاريًا غُرلًا بُهْمًا، لا يملك شيئًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فلا يرى مَلِكًا ولا مالكًا ولا حاكمًا سواه -﵎-، حتى أنه
[ ٢ / ٣٩٣ ]
-ﷻ- يقبض الأرض والسموات بيمينه، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ (^١). أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ (^٢)، وينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).
وملكه -﵎- دائم لا يزال ولا يزول، ولا ينقص ولا ينفذ بكثرة العطاء والجود، كما جاء في الحديث القدسي: «… يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ …» الحديث (^٤).
وملكه قائم على علم محيط بالدقيق والجليل، وحكمة بالغة، ورحمة تامة، وأمان من الظلم والجور والغدر والكيد، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. (^٥)
٢ - جميع الخلق مماليك له:
العالم العلوي والسفلي وما فيهما من ملوك وملاك، ورؤساء ومرؤسين، وجبارون ومتكبرون الكل ملك وعبيد لمالك الملك -﵎-، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ:
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤١٢)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٧).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤)، وتفسير السعدي (ص: ٣٩).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
(٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٤)، والتحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢].
فالجميع مفتقر إليه مضطر إلى ملكه قيامًا وتدبيرًا وحكمًا، وليس لأحد منهم الخروج عن ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ولا الاستغناء عنه طرفة عين.
٣ - تصرفه الحق في ملكه:
فلله الملك -ﷻ- تدبير شؤون مملكته علويها وسفليها، وتصريف أمورها بما يريد، لا يخرج شيء عن تصريفه وتدبيره، ولا يملك أحد منعه أو رده أو تعقبه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
ومن تصرفاته في مملكته ما حكم به من أحكام: قدرية، وشرعية، وجزائية؛ فإن الملك يقتضي عدم ترك ملكه سدى وهملًا، لا قضاء، ولا أمرًا ولا نهيًا، ولا ثوابًا ولا عقابًا.
فأحكامه القدرية التي جرت أمور مملكته إيجادًا وإعدادًا، وإحياء وإماتة وغير ذلك على مقتضى ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦].
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قال ابن القيم -﵀-: «حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام، والإهانة والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويكشف غمًّا، وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا، ويغنى فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفى مريضًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطى سائلًا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين.
يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف مَلِك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرُّفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك» (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ١٢٣).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وأحكامه الشرعية التي بها أنزل الكتب، وأرسل الرسل، هادية ومرشدة لما فيه صلاح المملكة وقوامها؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأحكامه الجزائية التي يحكم بها على مماليكه وعبيده بالثواب والعقاب بحسب ما شهد عليهم من عمل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
فلله الحمد في ملكه وخلقه وحكمه وفي أفعاله وصفاته كلها «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الملك) على التوحيد:
إذا تعرف العبد على اسم الله (الملك) وتيقنه؛ قاده ذلك لتوحيد الملك -ﷻ- في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
فأما ربوبيته: فيتيقن أن الله الملك وحده مالك الكون ومن فيه بلا مشارك ولا معين ولا وزير ولا مشير، بل هو تَعَالَى مالك الأشياء وحده، خالقها ومقدرها ومدبرها، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ:
[ ٢ / ٣٩٧ ]
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. (^١)
وأما ألوهيته: فالله الملِك، وما سواه مملوك لا يملك شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى ولا القطمير، ولا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] لا على وجه الاستقلال يملكونها، ولا على وجه الشركة للملك، بل ولا حتى المعونة والمؤازرة له فيها.
كما أنهم لا يملكون الشفاعة، قال تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، فمن كان هذا حاله لا يستحق أن يُصرف له شيء من العبادة (^٢)، قال الشيخ السعدي -﵀-: «المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ١٣٠).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (^١).
وأما أسماؤه وصفاته: فاسم الله الملك -ﷻ- متضمن لجملة من أسمائه وصفاته، فمن أثبت هذا الاسم الكريم لزمه أن يثبت ما يتضمنه من عزة وجبروت وكبرياء وحكم وخفض ورفع، وإعزاز وإذلال، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات العائدة إلى الملك.
قال ابن القيم -﵀-: «إن من أسمائه: (الملِك)، ومعناه: الملْك الحقيقي ثابت لهسُبْحَانَهُ بكل وجه، وهذه الصفات تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهي؛ ولا يثيب ولا يعاقب؛ ولا يعطي ولا يمنع؛ ولا يعز ولا يذل؛ ولا يهين ولا يكرم؛ ولا ينعم ولا ينتقم؛ ولا يخفض ولا يرفع، ولا يرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ولا يتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك؟» (^٢).
الأثر الثالث: تعلق القلب بالملك المالك المليك:
إذا تأمل العبد في اسم الله (الملك، المالك، المليك) -ﷻ- وما فيه من سعة، وعظمة، وكمال، ثم تأمل ونظر في نفسه وما فيه من فقر وحاجة وضعف وعجز؛ تعلق قلبه بالملك: خوفًا، ورجاء، وتوكلًا.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٢٢٠).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فاليقين بأن الله الملك نواصي العالمين بيده يتصرف فيهم كيف شاء، ليس لأحد منهم الخروج عن ملكه وسلطانه يبعث في النفوس الشعور بالخوف والمهابة للملك وحده -﵎-؛ فإن كل من دونه مملوك مذلل لا يملك شيئًا من الضر، فالخوف منه وهم باطل؛ لذا لما هدد قوم عاد نبيهم هودًا -﵇-، قال متحديًا لهم، ذاكرًا صفة الملك والقهر لله تَعَالَى، معرِّضًا بأنهم لا يملكون شيئًا من الضر إلا بإذنه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
واليقين بأن الله الملك الذي بيده خزائن السموات والأرض لا تنفذ ولا تنقص، ولا يعجزه ولا يمنعه شيء عن إيصالها لمملوكيه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] يبعث في النفوس الشعور بالرجاء والطمع فيما عند الملك وحده دون ما سواه؛ فإن من دونه لا يملك شيئًا، فرجاؤه باطل، قال -ﷺ- لابن عباس -﵄-، مقررًا هذا المعنى وما قبله: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (^١).
ثم إن اليقين بقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] مع فقر العبد
_________________
(١) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٥١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وحاجته للملك في وجوده، وحركاته، وسكناته؛ يبعث في النفوس الاعتماد والتوكل على الملك -ﷻ- في جلب المنافع ودفع المضار.
ثم إذا حصل هذا اليقين فليعلم العبد أن الملك -ﷻ- يحب أن يلوذ به مملوكه ويفزع إليه يستعيذ ويستغيث به في الشدائد والنوائب، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤].
قال ابن القيم -﵀-: «فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم، فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره، فليس لهم مَلِك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم» (^١).
وقال في موضع آخر: «كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها: أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون، يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم … والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه؛ وأن يعوذوا به، كما أمر رسوله -ﷺ- «أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه …» (^٢).
الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الملك المالك المليك:
إذا علم العبد أن الله الملك لجميع الأشياء، المتصرف في ملكه بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن نقائص الملوك وآفات الملك، اقترن ملكه
_________________
(١) التفسير القيم (ص: ٦٦٠).
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٢٤٠).
[ ٢ / ٤٠١ ]
بعلمه، وحكمته، ورحمته، وبره، وإحسانه، وعدله؛ امتلأت القلوب بحبه ووده، خاصة أن النفوس تميل إلى حب صاحب الملك والملكوت والغنى.
الأثر الخامس: التذلل والخضوع لله الملك المالك المليك:
التفكر في اسم الله (الملك- مالك الملك) وما فيه من عزة وجبروت وكبرياء، قال تَعَالَى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] يجعل كل من ملك شيئًا في الدنيا صغر أو كبر يذل ويخر صاغرًا لجلال الملك -﵎-، فماذا عسى أن يملك من كان أمره وناصيته ونفسه بيد سيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته، وسعادته وشقاؤه، وحركاته وسكناته بإذنه ومشيئته، إن وكله إلى نفسه، وكله إلى عجز وضعف وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيرًا له، فلا غنى له عنه طرفة عين (^١).
ثم هذا الذل والصغار واستشعاره يثمر التواضع والخضوع بين يدي الله الملك -﵎-، كما هو الحال في هدي رسول الله -ﷺ-؛ فقد دخل مكة -ﷺ- فاتحًا منتصرًا، ومع ذلك لم يصبه الكبر والغرور، وإنما طأطأ رأسه -ﷺ- حتى كاد شعر لحيته أن يمس وسط الرحل تواضعًا للملك -ﷻ- (^٢)، وخُيِّر -ﷺ- بين أن يكون نبيًّا ملِكًا أو أن يكون عبدًا نبيًّا،
_________________
(١) ينظر: الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٦).
(٢) ينظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٠٥).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا؛ من شدة تواضعه -ﷺ-، وقال -ﷺ-: «وَإِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^١).
وجاء تواضعه -ﷺ- وخضوعه لربه متمثلًا في دعائه؛ فجاء عن عائشة -﵂- في وصف استسقائه -ﷺ-، أنه قال: «الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهمَّ أَنْتَ الله، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ» (^٢).
وكان من دعائه -ﷺ- في الاستفتاح: «اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (^٣).
ومن دعائه -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١١٧٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٢١٧٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١١٧٣).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١).
الأثر السادس: عدم الاغترار بملك الخلق:
إذا تعرف العبد على اسم الله الملك وما فيه من كمال؛ لم يغتر بملْك ملوك الدنيا مهما ملكوا؛ فإن ملكهم ناقص، من عدة جهات (^٢)، منها:
أن ملكهم بتمليك الله لهم؛ فهو عارية بيدهم سرعان ما ترد لمعيرها، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
أن ملكهم لا عن كمال صفاتهم وذاتهم، بل فيهم من النقائص والمعايب ما فيهم.
أن ملكهم غير مستكمل لحقيقة الملكية؛ فإنهم ملوك من جهة مملوكين من جهات أخرى.
أن ملكهم فيه شركة لغيرهم، وإن لم يكن شركة فمعاونة ومؤازرة ومشورة وحراسة.
أن ملكهم محدود ببعض الأشياء لا كلها، فلو ملكوا الأرض بأسرها ومن فيها ما ملكوا السماء ومن فيها.
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٤)، والتحرير والتنوير (١٨/ ١٣٥).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
أن ملكهم محدود ببعض الأوقات، فتجد أحدهم ملِكًا في وقت مملوكًا في أوقات أخرى.
أن مُلكهم مهما عظم وجل مصيره إلى الزوال والنفاد، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
ومن تأمل تاريخ ملوك الدنيا وجد هذا ظاهرًا جليًّا، فمهما بلغ ملكهم، وعلا مجدهم فقد ذهب كل ذلك عنهم وعادوا للمَلِك تَعَالَى، تاركين خلف ظهورهم ملكهم وأملاكهم.
فهذا النمرود الذي ملك الأرض كلها، كيف كانت نهايته؟
قال ابن كثير -﵀-: «استمر- النمرود- في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وبغى وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية …
قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه، ثم الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة عذبه الله تَعَالَى بها، فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله -﷿- بها» (^١).
_________________
(١) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وهذا فرعون الذي طغى وتجبر وتَعَالَى في قومه قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، كيف كانت نهايته؟
قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
قال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً، وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانها» (^١).
وبهذا يتبين أن الملك الحق هو الله -ﷻ-، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال» (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥١٤).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
الأثر السابع: النهي عن التسمي بملك الملوك ونحوه:
إذا علم العبد أن الله الملك الحق تبارك تَعَالَى، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وكل من دونه ملكه ملك مستعار لا حقيقة له؛ علم أنه لا يستحق أحد أن يُسَمَّى ملك الأملاك، سواه -﵎-؛ لذا جاء التحذير الشديد من التسمي بهذا الاسم، فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَخْنَعَ (^١) اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ»، زاد ابن أبِي شيبة في روايته: «لَا مَالِكَ إِلَّا الله -﷿-» (^٢)، وفي رواية: «أَخْنَى (^٣) الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤)، وفي رواية أخرى: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ» (^٥)، وفي رواية أيضًا: «وَاشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا الله -﷿-» (^٦).
قال سفيان -﵀-: مثل شاهان شاه، أي: ملك الملوك باللغة الفارسية.
فنبه سفيان -﵀- على أن الذم لا ينحصر في اسم ملك الأملاك، بل وكل
ما أدى معناه بأي لسان كان (^٧)؟
_________________
(١) أخنع، أي: أوضع وأذل. قال ابن بطال ﵀: «وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلًّا». فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٨٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٠٦)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢١٤٣).
(٣) الخنى: الفحش في القول. النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨٦).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٠٥).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٤٣).
(٦) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٥٢٨)، وإسحاق بن راهويه في مسنده، رقم الحديث: (٥٠١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٩٨٨).
(٧) ينظر: فتح الباري (١٠/ ٥٩٠).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قال ابن حجر -﵀-: «واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم؛ لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه، مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء» (^١).
وعلة النهي كما قال ابن عثيمين -﵀-: «أن من تسمى بهذا الاسم؛ فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الأملاك، إلا الله -﵎-؛ فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله» (^٢).
اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربنا ونحن عبيدك، ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا جميعًا؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
الغالب الناصر النصير -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (الغالب):
قال الجوهري -﵀-: «غلبه غلبة وغَلْبًا، وغَلَبًا أيضًا، قال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، … وتغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(غلب) الغين واللام والباء أصل صحيح يدل على قوة وقهر وشدة …» (^٢).
ثانيًا: (الناصر، والنصير):
قال الجوهري -﵀-: «نصر: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر، والجمع الأنصار، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه …» (^٣).
قال ابن فارس -﵀-: «النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونَصَرَ اللهُ المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم
_________________
(١) الصحاح (١/ ٢١٥).
(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٨).
(٣) الصحاح (٣/ ٣٩٣).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
نصرًا، وانتصر: انتقم» (^١).
ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغالب) في كتاب الله مرة واحدة، هي:
قول الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
ثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الناصر) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك بصيغة التفضيل، وهي:
في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].
ثالثًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (النصير) أربع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله -﷿-: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠].
قوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].
قوله -﷿-: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٤١٠ ]
ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله (الغالب) في السنة النبوية:
لم يرد اسم الله (الغالب) في السنة النبوية.
ثانيا: ورود اسم الله (الناصر- النصير) في السنة النبوية:
من ورودهما ما يلي:
جاء في حديث طويل قوله -ﷺ-: «إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» (^١).
عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا غَزَا قَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^٢).
معنى أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير):
أولًا: معنى اسم الله الغالب:
- قال الطبري -﵀- عن سعيد بن جبير -﵀-: «﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، قال: فعال» (^٣).
- قال الحليمي -﵀-: «وهو البالغ مراده من خلقه، أحبوا أو كرهوا، وهذا- أيضًا- إشارة إلى كمال القدرة والحكمة، وأنه لا يُقهر ولا يُخدع» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٣١).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٣٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٤)، وقال الترمذي: حسن غريب، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي اود، رقم الحديث: (٢٦٣٢).
(٣) تفسير الطبري (١٥/ ٢١).
(٤) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ١١١).
[ ٢ / ٤١١ ]
- قال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]-: «أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه» (^١).
- قال السعدي -﵀-: «أي: أمره تَعَالَى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب» (^٢).
ثانيًا: معنى اسم الله الناصر النصير:
قال الطبري -﵀- في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائه الذين كفروا، وقال في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العوج» (^٣).
قال القرطبي -﵀-: «وله معان، منها: العون، يقال: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، فهو ناصر ونصير للمبالغة، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر» (^٤).
قال الحليمي -﵀-: «الناصر هو الميسر للغلبة، والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولايخذله» (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧٨).
(٢) تفسير السعدي (ص ٣٩٥).
(٣) تفسير الطبري (٥/ ٧٥).
(٤) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٣٨).
(٥) المنهاج (١/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٤١٢ ]
قال ابن كثير -﵀-: «﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء» (^١).
قال السعدي -﵀-: «﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: لمن استنصره فدفع عنه المكروه» (^٢).
ووجه الربط بين أسماء الله (الغالب والناصر والنصير): أنه إذا وثق العبد أن الله تَعَالَى هو الغالب الفعال لما يشاء، الذي لا يستطيع أحد أن يرد قضاءه وقدره، كان العبد على يقين أنه سينصره على عدوه.
اقتران اسم الله (الغالب، الناصر، النصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله الحسنى:
لم يقترن اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله.
ثانيًا: اقتران اسم الله (الناصر، النصير) بغيره من أسماء الله الحسنى:
لم يقترن اسم الله (الناصر) بغيره من أسماء الله.
وورد اقتران (النصير) باسمه (الهادي)، وذلك في آية واحدة في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٧).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٥٤٦).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وجه الاقتران:
هذان الاسمان الكريمان يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله سُبْحَانَهُ أن من سنته أن يقيض لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءه بهدايتهم إلى الحق، ونصرتهم على أهل الباطل من المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءه وأولياءه بالهداية- بكل معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة، بل إن كل من هداه الله نصره، وصاحب الهداية يتولاه الله، فيكون ناصرًا له.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغالب، الناصر، النصير):
الأثرالأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
فالله سُبْحَانَهُ هو الغالب الناصر على الإطلاق، فكل نصر مطلق هو من عند الله تَعَالَى؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]،
يقول السعدي -﵀- في تفسيرها: «إن يمددكم الله بنصره ومعونته ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العَدد والعُدد؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، وفي ضمن ذلك: الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا
[ ٢ / ٤١٤ ]
على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار، وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله» (^١).
وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة، منها، قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
ومن الخطأ: قصر مفهوم النصر على الحرب، فهو نصر ومعونة إلهية عامة مطلقة، فما من عبد استنصر بالله، وتولاه، وتوكل عليه، إلا تولاه سُبْحَانَهُ وحفظه وحرسه وصانه، وما من عبد خافه واتقاه، إلا أمنه مما يخاف ويحذر، ويسر له من كل خير وسعة.
ويقول ابن القيم -﵀- في معنى قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]-: «أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعدواتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد إليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله» (^٢).
وهذا هو الإيمان الذي استقر في قلوب أنبيائه سُبْحَانَهُ، ومن شواهد ذلك:
قول نوح -﵇- حين عابوا عليه اتباع الفقراء والضعفاء لدعوته،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ١٥٤).
(٢) مدارج السالكين (١/ ١٨٠).
[ ٢ / ٤١٥ ]
وأمروه بطردهم: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠].
قول صالح -﵇-: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣].
قول مؤمن آل فرعون: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩].
قول النبي -ﷺ- ودعاؤه: «اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^١).
فعلى المؤمن الثقة بنصر الله لعباده المؤمنين، وفتحه ورحمته وقوته وعزته سُبْحَانَهُ، وعدم الرهبة من الكافرين إذا أخذ بالأسباب، وتوكل على الله وحده؛ وتوحيده، فالمنصور من نصره الله تَعَالَى، والمخذول من خذله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
الأثر الثاني: تحقق نصر الله لعباده المؤمنين:
نصر الله لعباده المؤمنين وعد ثابت محقق منه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وهذا النصر متعدد الصور والطرق، ومن أبرز صور النصر ما يلي:
١ - التمكين:
فالله تَعَالَى ينصر أولياءه بصورة التمكين، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤١٦ ]
عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، فعبر عن التمكين بالنصر.
وهذا ما حصل لنبي الله يوسف -﵇- كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]، قال القرطبي -﵀-: «أي: وكما أنقذناه من إخوته، ومن الجب، فكذلك مكنا له، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه» (^١).
كذلك تمكين الله له على خزائن مصر، في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٦].
٢ - التأييد:
من نصر الله: تأييده لعباده، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم ونصرناهم عليهم، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ عليهم وقاهرين
_________________
(١) تفسير القرطبي (٩/ ١٦٠).
[ ٢ / ٤١٧ ]
(لهم)، فأنتم يا أمة محمد، كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم» (^١).
٣ - الدفاع:
مِن نَصْر الله: دفاعُه عن عباده بحسب قوة إيمانهم، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، بل من عجيب هذا النصر: أن يكون الدفاع حتى من شر النفس! وهذا ماذكره السعدي -﵀- عند تفسير هذه الآية، فقال: «هذا إخبار ووعد وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدافع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم كل شر- بسبب إيمانهم- من شر الكفار، وشر وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف، كل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقل ومستكثر» (^٢).
٤ - الكيد والمكر بالأعداء:
من صور نصره سُبْحَانَهُ: أن يكيد بمن كاد لأوليائه ويعاديهم، كما في الحديث: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٨٦١).
(٢) تفسير السعدي (١/ ٥٣٩).
[ ٢ / ٤١٨ ]
لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
ومن تأمل في سيرة نبي الله يوسف -﵇-، والمكائد التي تعرض لها، سواء من إخوته حين حاولوا التفريق بينه وبين أبيه، يقول تَعَالَى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، أو من امرأة العزيز حين راودته وأودعته السجن، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، وكذا كيد النسوة له، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤].
٥ - إجابة الدعاء:
من صور نصر الله: إجابة الدعاء، بل إن المتأمل يعلم أن غاية الداعي تحقيق نصره بإجابة الله لدعوته وتحقيق مطلوبه، يقول -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا الله فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).
وفي حديث عائشة -﵂-، قالت: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٥٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، لكن صح الشطر الأول بلفظ: «المُسَافِر» مكان «الإِمَام العَادِل»، وفي رواية: «الوَالِد». صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨).
[ ٢ / ٤١٩ ]
أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي» (^١).
الأثر الثالث: كيف يكون نصر الله تَعَالَى لأنبيائه ورسله وأوليائه؟
اقتضت حكمة الله تَعَالَى أن ينصر رسله وأولياءه في الدنيا ويوم القيامة، يقول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وهذا النصر بحسب الإيمان، كما أشار إلى ذلك ابن القيم -﵀-، عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، قال: «فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل، بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أُحُدٍ بمعصية الرسول ومخالفته، والله سُبْحَانَهُ لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا حتى جعل له العبد سبيلًا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
عليه تسلطًا وقهرًا، فمن وجد خيرًا فليحمد الله تَعَالَى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^١).
وقد علق الطبري -﵀- على قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] باستفهام مجاب عليه، فقال: «يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من همَّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيًا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقًا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟
قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وجهين، كلاهما صحيح معناه، أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائنا لهم على من كذبهم وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد -ﷺ- بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم، كالذي فعل تَعَالَى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه؛ إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٠١).
[ ٢ / ٤٢١ ]
وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له، وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه، وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه» (^١).
وينقل ابن كثير -﵀- كلامًا لابن السدي -﵀-، يعضد به ما ذهب إليه ابن جرير -﵀-، فيقول: «قال السدي: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا -ﷺ- وأصحابه على من خالفه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٠٠ - ٤٠١).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
ثم قبضه الله تَعَالَى إليه؛ لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل» (^١).
ومن تأمل في تطبيقات هذا النصر الإلهي ونماذجه مع الأنبياء؛ تجلي له معنى نصر الله تَعَالَى وتحقيق وعده، ومن هذه النماذج ما يلي:
نصر الله تَعَالَى لنوح -﵇-، فلما صنع السفينة في أرض صحراء قفر لا ساحل فيها، سخر منه قومه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، ولما أوحي إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] دعا ربه بثلاث كلمات فقط، واستنصر الغالب الناصر سُبْحَانَهُ، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، فنصره نصرًا من السماء والأرض، بل كانت العلامة على بدء هذا النصر مخالفة لما عليه العادة، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، قال السعدي -﵀-: «حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلًا عن كونه منبعًا للماء؛ لأنه موضع النار، يقول تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ١٥٠).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] وقال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦]» (^١).
نصر الله ليوسف -﵇- بأمور عدة، منها:
أنه لقنه الحجة في الحين، يقول تَعَالَى: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].
اعتراف امرأة العزيز، يقول تَعَالَى: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١].
اعتراف زوج المرأة، يقول تَعَالَى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩].
اعتراف الشهود، يقول تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].
إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته؛ ذلك أن الله تَعَالَى قال عن يوسف -﵇-: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال الله تَعَالَى على لسان إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وأعظمها: شهادة الله تَعَالَى له، يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فأتى بلام التأكيد ﴿لِنَصْرِفَ﴾ ولم يصرف السوء والفحشاء عنه، بل صرفه عن السوء والفحشاء، فأبعده الله عن مواطن السوء ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
نصر الله لمحمد -ﷺ-، ومن شواهد ذلك:
لما كان -ﷺ- وصاحبه أبو بكر في غار حراء في تلك الحالة
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٨٢٥).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال، بداية بمعية الله معهما، فألهمه الثبات والسكينة والطمأنينة، والتأييد والحراسة من الملائكة، وعلو كلمة المؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
حين طُرد من مكة، فدخلها بعد عشر سنوات فاتحًا، يقول ابن القيم -﵀- في وصف ذلك: «فصل: لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر: فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف، فطار ذكره في الآفاق، فصار الخلق معه ثلاثة أقسام: مؤمن به، ومسالم له، وخائف منه، ألقى بذر الصبر في مزرعة ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فدخل مكة دخولًا ما دخله أحد قبله ولا بعده، حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق، والصحابة على مراتبهم، والملائكة فوق رؤوسهم، وجبريل يتردد بينه وبين ربه، وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه.
فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فأخرجوه ثاني اثنين، دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعًا وذلًّا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رؤوسها، ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكًا مؤيَّدًا
[ ٢ / ٤٢٥ ]
منصورًا، وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يُجَرُّ في الرمضاء على جمر الفتنة، فنشر بذي طوى عن القوم من يوم قوله: أحد أحد، ورفع صوته بالأذان، فأجابته القبائل من كل ناحية، فأقبلوا يؤمون الصوت، فدخلوا في دين الله أفواجًا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادًا.
فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط؛ مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه، فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد، ومنهم من سأله الموادعة والصلح، ومنهم من أقر بالجزية والصغار، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه، فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣] وبعده توقيع ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء ربه شوقًا إليه، فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة» (^١).
وما سبق بعض من النماذج، وإلا فالسِّيَر غزيرة عظيمة بمظاهر نصر الله تَعَالَى.
الأثر الرابع: تحقيق أسباب النصر:
نصرة العبد لربه في عبادته والقيام بحقوقه، ورعاية عهوده، واجتناب نهيه، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، يقول القرطبي
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٦٢).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
-﵀-: «فإن قيل: كيف قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، والنصر هو العون، والله سُبْحَانَهُ لايجوز عونه قولًا ولا يتصور فعلًا؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: إن تنصروا دين الله بالجهاد عنه ينصركم.
الثاني: إن تنصروا أولياء الله بالدعاء.
الثالث: إن تنصروا نبي الله، وأضاف النصر إلى الله تشريفًا للنبي -ﷺ-، وأوليائه وللدين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١]، فأضاف القرض إليه تسلية للفقير» (^١).
قال السعدي -﵀-: «هذا أمر منه تَعَالَى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره» (^٢).
والله تَعَالَى قادر كمال القدرة على نصر دينه، فإنه نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فهو القوي القادر على كل شيء، ولكنه ابتلى عباده بذلك ليظهر من ينصر دينه وشرعه ممن يتولى عن نصرته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠].
_________________
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٣٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٨٥).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وأوجب العزيز الحكيم على نفسه نصرة المؤمنين تكرمًا منه وتفضلًا، فقال جل ذكره: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، «أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به، فلا بد من وقوعه، فأنتم أيها المكذبون لمحمد -ﷺ- إن بقيتم على تكذيبكم حلت بكم العقوبة ونصرناه عليكم» (^١).
وللنصر تكاليفه وأعباؤه، حين يتأذن الله به، بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه، ومن أهم هذه التكاليف التي يستجلب بها نصر الله ويستدام:
١ - المداومة على الطاعات خاصة الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يقول تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
يقول الشنقيطي -﵀-: «وهذا دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؛ فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٦٤٤).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له» (^١).
٢ - الصبر:
فكلما كان العبد صابرًا كان النصر منه قريبًا، فقد جاء في حديث ابن عباس -﵄-: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» (^٢)، وهذا موافق لقول الله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وأعظم النصر هو أن ينتصر العبد على هواه، ويرد نفسه عن السوء، ويصبر عن معصية الله، ويصبر على طاعة الله، حينها يشعر العبد بحلاوة النصر الحقيقي.
٣ - العدل:
فالله سُبْحَانَهُ حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، فقد جاء في الحديث: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٣)، وفي الحديث الآخر: «مَنْ أَصَابَ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ، فَالله أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ، فَالله أَكْرَمُ مِنْ
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٦٦).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٨٤٩)، والدعاء للطبراني، رقم الحديث: (٤١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٨٠٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ» (^١)، بل أمر الله بالعدل حتى مع الكافر، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
ومتى أقيم العدل حصل النصر، ولو كان الذي أقامه كافرًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة)» (^٢)، فالنصر منوط بالعدل، والخذلان منوط بالظلم؛ ولذلك من أراد نصر الله ينبغي له أن يلزم العدل مع نفسه، ومع غيره.
٤ - الأخذ على يد الظالم والمفسد:
فمن حق المسلم أن يأخذ على يد من ظلمه، بل ويؤخذ على يده إن ظلم، وكل هذا من نصرته، ويدل على ذلك حديث: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجِزُهُ- أو تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^٣)، كذلك حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁-، قال: «كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، للهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ:
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٦٠٤)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٦٠٤).
(٢) الحسبة في الإسلام، ابن تيمية (ص: ٧).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٥٢).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أو لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١).
وعلى العبد المؤمن أن يستشعر أن أعظم النصر هو نصر يوم القيامة، يوم يجتمع الخصوم بين يديه، فيُقتص للمظلوم من الظالم، فيحذر ويبذل أسباب نصره في ذلك اليوم، يقول -ﷺ-: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^٢).
الأثر الخامس: اليقين بأن تأخر نصر الله تَعَالَى لا يعني: انعدامه:
نصر الله سنة ماضية، ووعد منجز، آت لا محالة، يقول تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، فالمؤمن الصادق لايقنط من نصر الله ولا ييأس، والله سُبْحَانَهُ يقول: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وعلى هذا المنهج ربى رسول الله -ﷺ- أصحابه، ففي حديث خباب بن الأرت -﵁-، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَالله لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٩).
[ ٢ / ٤٣١ ]
حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا الله، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (^١).
وتأخر النصر الموعود يعود لأحد سببين، وقد يجتمعان:
السبب الأول: وجود الحكم الربانية.
والسبب الثاني: حصول الموانع له.
وفيما يلي بيان ذلك:
من بحث في الحكم الربانية وجدها متعددة كثيرة، بعضها يفهمه العبد ولو بعد حين، والبعض الآخر استأثر الله بعلمه، ولعل من الحكم المعلومة للعبد ما يلي:
زيادة صلة العبد بربه، وهو يعاني ويتألم ويبذل، ولا يجد له سندًا إلا الله، ولا ملجأ إلا إليه، فإذا حصل النصر لا يطغى ولا ينحرف.
أن يجرب العبد كل القوى، فيدرك أن القوى وحدها بدون سند من الله لا تحقق النصر، إنما النصر من عند الله وحده.
الأخذ بأسباب نصر الله تَعَالَى في الدنيا والآخرة، وذلك بالخضوع لأمره وشريعته ونصرة دينه في نفسه ومع الناس، فالتفريط في الأسباب باب إلى الخذلان والمصائب وتأخر نصر الله تَعَالَى (^٢).
أن تكون النفوس غير متهيئة بعد لاستقبال الحق والخير، وتحتاج لمزيد من الوقت.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦١٢).
(٢) سيأتي ذكر أسباب الخذلان.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
أن يكون في الشر الذي يقاومه العبد بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منه؛ ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار!
أن يكون الباطل المقاوم والمحارب لم ينكشف زيفه أمام الناس، فلو حصل النصر في ذلك الوقت لم يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه الذين لم يقتنعوا بعد بفساده، وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يتأخر النصر والفرج؛ حتى ينكشف الباطل أمام الناس بوضوح.
لوجود مانع من الموانع- سيرد ذكرها لاحقًا-.
الأثر السادس: الحذر من أسباب الخذلان:
الله سُبْحَانَهُ هو الغالب القاهر دومًا، لا يملك أحد أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
قال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الغالب على الإطلاق، فمن تمسك به فهو الغالب، ولو أن جميع من في الأرض طالب، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، ومن أعرض عن اللهتَعَالَى وتمسك بغيره كان مغلوبًا، وفي حبائل الشيطان مقلوبًا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]» (^١).
_________________
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٠٤).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
«وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلى بينك وبين نفسك، فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه، ويغفل عنه بخذلانه له، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه، فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا، له أتم حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئًا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه» (^١).
ولذا فعلى العبد المؤمن أن يحذر أسباب الخذلان، والتي من أبرزها ما يلي:
الإعراض عن الله تعالى، وعن سنة رسول الله -ﷺ-، يقول ابن القيم -﵀-: «فأعظم الناس خذلانًا: من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، وهو أوهن البيوت، وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها: التعلق بغير الله، ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك» (^٢).
العُجْبُ: فالعجب طريق إلى خذلان المرء، بحيث يكل الله العبد إلى نفسه فلا ينصره، وقد قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤١٣).
(٢) المرجع السابق (١/ ٤٥٥).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]
خذلان الناس وقت حاجتهم، فمن خذل أخاه؛ خذله الله في موقف يحتاج إليه، وفي الحديث: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» (^١).
وفي الحديث الآخر، يقول -ﷺ-: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (^٢).
الظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، والظلم ثلاث أنواع، وهي:
ظلم بين العبد وبين ربه، بأن يساوي الله بغيره، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٦٣٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٨٤)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٨٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ظلم بين العبد والناس، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
ظلم بين العبد ونفسه، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤].
التنازع والاختلاف: قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]، فالاختلاف والتنازع مدعاة للفشل، وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر، ومن أكبر أسباب الضعف والجبن، ولذلك فسروا قوله تَعَالَى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم … ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تذهب قوتكم ودولتكم، فقد شبهت الدولة في نفاذ أمرها بالريح وهبوبها.
الغرور والرياء: والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء، والله تَعَالَى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه؛ ولهذا نهى الله تَعَالَى عن مثل هذا الخروج، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، ومعنى ﴿بَطَرًا﴾ أي: فخرًا وأشرًا، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: خرجوا ليثني عليهم الناس، أي: يمدحونهم بالشجاعة والسماحة، والمقصود: نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص.
الركون إلى الظالمين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الأثر السابع: محبة الغالب الناصر النصير:
إن النفس بطبيعتها تميل إلى حب من يعينها ويمدها بالقوة، تحب من ينصرها ويقهر عدوها، فإذا ماتيقن العبد بأن ربه الذي يأوي إليه غالب، لا يرده أحد عما أراد، ولا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد، وفوق ذلك هو ناصر لا يخذل من تولاه، ولا يحرم من استنصره، وحين يتيقن العبد بذلك؛ يحب ربه ويتعلق به.
الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الغالب، الناصر، النصير:
إن شعور العبد بحاجته لنصرة الله تَعَالَى في جميع أحواله وشؤونه، وأنه لا يستغني عن نصرة ربه له طرفة عين، فهو محتاج إلى نصرة الله له على هواه ونفسه أولًا، وعلى شيطانه من الإنس والجن، وعلى أعدائه الكافرين، فبالجملة هو محتاج إلى عون الله ونصرته على فتن الشبهات والشهوات وكيد الأعداء.
ولذا جاءت أدعية كثيرة ثابتة عن النبي -ﷺ- في طلب النصرة من الله تَعَالَى على الشر وأهله، ومن هذه الأدعية قوله -ﷺ-: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِيِ وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَىَ عَلَيَّ» … الحديث (^١).
وكذلك كان من هدي النبي -ﷺ- في غزواته: أن يدعو الله بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وفي حديث جابر -﵁- في وصفه حجة رسول الله -ﷺ-، قال: «فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» (^١).
وقد مدح الله -﷿- عباده وأولياءه المجاهدين بأنهم يتبرؤون من الحول والقوة، ويسألونه سُبْحَانَهُ النصر وتثبيت الأقدام، كما جاء ذلك في صفات الربيين، في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٧].
اللهم أعنا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢١٨).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «النور: الضياء، والجمع: أنوار» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «النون والواو والراء: أصل صحيح يدل على إضاءة، واضطراب، وقلة ثبات، منه: النور، والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» (^٢).
ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في السنة النبوية:
ورد وصف الله بالنور في السنة النبوية كثيرًا، ومن وروده: ما جاء في حديث ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يدعو في قيامه من الليل
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٤٠٢).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فيقول: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ …» (^١).
ثبوت اسم (النور) في حق الله تعالى:
اختلف العلماء في اثبات اسم الله (النور) في حق الله تَعَالَى، على قولين:
القول الأول: إن النور من أسماء الله تَعَالَى وصفاته، وإليه ذهب ابن تيمية وابن القيم والسعدي وغيرهم (^٢)، وعلى هذا فلا إشكال عندهم بالتسمي بعبد النور.
القول الثاني: إن النور ليس من أسماء الله تَعَالَى، واستدلوا بأنه لم يرد إلا مضافًا للسماوات والأرض، وإليه ذهب المشايخ: ابن باز -﵀-، وصالح الفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ، وعليه فلا يصح التسمي بعبد النور (^٣).
معنى اسم الله (نور السماوات والأرض):
قال الطبري -﵀- عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]: «أي: هادي من في السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون» (^٤)، ثم نقل أقوال المفسرين في الآية، فمنهم: من قال: إن معناها: «الله مدبر السموات والأرض» (^٥)،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: النونية، لابن القيم (ص: ٢١٢)، وتفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٨٥).
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الثانية، رقم الفتوى: (١٩٣٤٦).
(٤) تفسير الطبري (١٧/ ٢٩٥).
(٥) المصدر السابق (١٧/ ٢٩٦).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
ومنهم: من قال: «ضياء السموات والأرض» (^١).
قال الشيخ السعدي -﵀-: «هو الذي نوَّر قلوب العارفين بمعرفته والإيمان به، ونوَّر أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض بالأنوار التي وضعها، وحجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٢).
قال ابن القيم -﵀-:
وَالنُّورُ مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَمِنْ … أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَانِ
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَلَامًا قَدْ حَكَا … هُ الدَّارِمِيُّ عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ
مَا عِنْدَهُ لَيْلٌ يَكُونُ وَلَا نَهَا … رٌ قُلْتُ تَحْتَ الفَلْكِ يُوجِدُ ذَانِ
نُورُ السَّمَواتِ العُلَى مِنْ نُورِهِ … والأَرْضِ كَيْفَ النَّجْمُ والقَمَرَانِ!
مِنْ نُورِ وَجْهِ الرَّبِّ -ﷻ- … وَكَذَا حَكَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِي
فَبِهِ اسْتَنَارَ العَرْشُ والكُرْسِيُّ مَع … سَبْعِ الطِّبَاقِ وسَائِرِ الأَكْوَانِ
وَكِتَابُهُ نُورٌ كَذَلِكَ شَرْعُهُ … نُورٌ كَذَا المَبْعُوثُ بِالفُرْقَانِ
وَكَذَلِكَ الإِيَمانُ فِي قَلْبِ الفَتَى … نُورٌ عَلَى نُورٍ مَعَ القُرْآنِ
وَحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كَشَفَ الحِجَا … بَ لَأَحْرَقَ السُّبُحَاتُ لِلْأَكْوَانِ
وَإِذَا أَتَى لِلْفَصْلِ يُشْرُقُ نُورُهُ … فِي الأَرْضِ يَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَانِ
وَكَذَاكَ دَارُ الرَّبِّ جَنَّاتُ العُلَى … نُورٌ تَلَأْلَأَ لَيْسَ ذَا بُطْلَانِ (^٣)
_________________
(١) المصدر السابق (١٧/ ٢٩٦).
(٢) تفسير السعدي (٥/ ٣٠٣).
(٣) النونية، لابن القيم (٢/ ٢٣٧).
[ ٢ / ٤٤١ ]
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (نور السماوات والأرض) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (نور السماوات والأرض) بأي اسم آخر في كتاب الله.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (نور السماوات والأرض):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (نور السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
يقول الشيخ السعدي -﵀- (^١): «النور من أوصافه تَعَالَى، وهو على نوعين:
١ - نور حسي: وهو ما اتصف به سُبْحَانَهُ من النور العظيم، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُ وجهه، ونورُ جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض- وسعتها لا يعلمها إلا الله- من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلًا عن نور الشمس والقمر والكواكب.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٦٩).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
٢ - نور معنوي: وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته، من أنوار معرفته وأنوار محبته؛ فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله، فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم؛ فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
وقد كان من دعاء النبي -ﷺ- سؤال هذا النور، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» (^١).
فمن هذا الاسم تنطلق معاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد؛ لتملأ القلوب من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير، وتظهر معاني الجمال والبر والإكرام من أنوار المحبة والود والشوق، وتظهر معاني الرحمة والرأفة والجود واللطف من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء، وتبرز معاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها؛ «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٢)، فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وقد تحدث ابن القيم -﵀- عن نور الله المعنوي في قلب المؤمن، عند تفسيره لقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
فقال: «لهذا النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل:
فالفاعل: هو الله تَعَالَى مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.
وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:
أحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.
فتأمل صفة مشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدري في صفائها
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا من زيت شجرة في وسط القراح (^١)، لا شرقية، ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تَعَالَى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.
الطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن؛ فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم، ويحسن، ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تَعَالَى، ويتصلب في ذات الله تَعَالَى، ويغلظ على أعداء الله تَعَالَى، ويقوم بالحق لله تَعَالَى، وقد جعل الله تَعَالَى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها» (^٢).
_________________
(١) القراح من الأرض: «التي ليس بها شجر ولم يختلط بها شيء». تهذيب اللغة، للأزهري (٤/ ٢٨).
(٢) ينظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (٢/ ٥٠ - ٥٢).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده:
فكل الكتب المنزلة من عنده تَعَالَى- قبل تحريف أقوامها (^١) - هي نور يضيء الله به قلوب العباد، في كل زمان ومكان، ومن شواهد ذلك:
قوله تَعَالَى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
قوله تَعَالَى عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
قوله تَعَالَى عن القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وهو أعظم الأنوار المنزلة.
قوله تَعَالَى عن محمد -ﷺ-: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وفي موضع آخر قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة، ١٥]، وقد تنوعت أقوال
_________________
(١) فكل الكتب السماوية تعرضت للتحريف، عدا القرآن الكريم الذي تولى الله حفظه، يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المفسرين في المراد بالنور في هذه الآية على ثلاثة أقوال (^١)، وهي:
القرآن الكريم.
محمد -ﷺ-.
الإسلام.
ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورًا؛ لاشتراكهم في هداية الناس لنور الله، وإخراجهم من ظلمات الغي والضلالة لأنوار الحق والهداية، فلولا النورالحسي لما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة الحق من الباطل.
الأثر الثالث: محبة الله نور السموات والأرض:
حري بالمسلم أن يحب هذا الإله العظيم الكريم الذي ينير لعباده طريق دنياهم وآخرتهم، ويمن عليهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ويقول- جل في علاه-: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
ولو تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] لعرف أن طرق الباطل كثيرة، وهي ظلمات عديدة،
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ١٤٣)، وتفسير السعدي (ص: ٢٢٦).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وطريق الحق واحدة وهو نور واحد، والله الهادي إلى هذا النور بكرمه؛ فالحمد لله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن فيهن.
الأثر الرابع: نور الله (دينه) باقٍ بحفظ الله:
فمهما اجتهد الكفار والمنافقون في أي زمان ومكان، بأن يحرفوا هذا القرآن، ويطعنوا بلغته ودينه، فسيبقى إلى يوم الدين، وهذا من الإعجاز القرآني، فالله حافظ كتابه، وكتابه حافظ لهذه الأمة من الزوال، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وغاية ما يسعهم في محاولة الإطفاء: الكلمة؛ سواء ببث الأكاذيب والدسائس للتشكيك في دين الله، أو بالتحريض على أهل الإسلام والعلماء، ولذا تكرر ذكر «بأفواههم» في القرآن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] إشارة منه سُبْحَانَهُ إلى أن هذا سلاحهم الضعيف في المعركة محسومة النتائج.
ورد الله على محاولتهم الكلامية الطائشة التي لا يمكنها أن تقاوم نور الله، بأن الله متم نوره رغم كرههم، وأن دين الحق والنور سيبقى ظاهرًا على كل الأديان وفي كل الأزمان ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وهذا وعد تطمئن له قلوب المؤمنين، فيصبرون على الأذى والمشقة؛ لأن النتائج عظيمة لصالحهم، فدين الله سيعلو على سائر الأديان.
الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة:
فإن العبد أفقر ما يكون إلى أن يفتح الله له أبواب رحمته، فيشرح صدره للهدى وينور طريقه للصلاح، ويأخذ بيده إلى طريق فلاحه ونجاحه، ولا
[ ٢ / ٤٤٨ ]
يوفق العبد لذلك إلا بمعونة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
والمؤمن متى استسلم لأمر ربه، والتزم بفرائضه، وأدى أوامره، واجتنب نواهيه؛ فإنه بهذا العمل يتقرب إلى الله ويتحبب إليه، فيقذف الله في قلبه نورًا، حتى إذا ما امتلأ القلب بنور الله، استنار به الوجه في الدنيا والآخرة، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي -ﷺ-: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (^١)، فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (^٣).
وهذا أمر محسوس لمن كان له قلب؛ فإن ما في القلب من النور والظلمة، والخير والشر يسري كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطًا بالقلب؛ ولهذا يروى عن عثمان، أو غيره أنه قال: «ما أسرَّ أحد بسريرة، إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٧).
(٢) ينظر: فتح الرحيم العلام، للسعدي (ص ٦٢ - ٦٥).
(٣) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ١٣٥).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه» (^١).
ومن صور الأعمال الصالحة المخصوصة التي ورد فيها نصوص تدل على أنها تنور وجه العبد يوم القيامة، ما يلي:
الصلاة، وخاصة قيام الليل:
قال -ﷺ-: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ- أو تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، والصَّلَاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (^٢)، ويقول تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ويقول بعض السلف في ذلك: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (^٣).
قراءة القران:
فعن أبي ذر -﵁-، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ الله، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ …»، رواه ابن حبان في صحيحه، في حديث طويل (^٤).
_________________
(١) الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ١٣٦).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٣).
(٣) عزاه السيوطي لشريك، قاله عن ثابت بن موسى الزاهد. ينظر: تدريب الراوي (١/ ٢٨٧).
(٤) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٣٦٢).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
تعليم حديث النبي -ﷺ-:
فمن بلَّغ الأحاديث رُزق النضارة، يقول -ﷺ-: «نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ» (^١).
ويقول سفيان بن عيينة -﵀-: «ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي -ﷺ-: (نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ) (^٢)» (^٣).
المشي إلى المساجد في الظلمات، خاصة صلاة الفجر وصلاة العشاء:
يقول -ﷺ-: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤).
إتمام غسل الأعضاء كاملة عند الوضوء:
يقول -ﷺ-: «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٥).
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة:
يقول -ﷺ-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَمَا أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لَهُ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٢٤٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٦٦٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٦٦٠).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرف أصحاب الحديث، للخطيب (ص: ١٩).
(٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٦١).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٦).
[ ٢ / ٤٥١ ]
نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^١).
الشيب في الإسلام:
يقول -ﷺ-: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).
وفي الحديث الآخر: «الشَّيْبُ نُورٌ فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ يَنْتِفُونَ قَال: فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْتِفْ نُورَهُ» (^٣).
رمي الجمار:
يقول -ﷺ-: «إذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، كَانَ لَكَ نُورًا يَومَ الْقِيَامَةِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٧٢٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٨٠)، الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٤٥٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦٥١).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (١٦٣٤)، والنسائي، رقم الحديث: (٣١٤٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٦٣٤).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٨٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٥٩٧١)، وابن عدي في الكامل واللفظ له، رقم الحديث: (٥/ ٢٥٠)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٢٤٤).
(٤) أخرجه البزار، رقم الحديث: (١١٤٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٥٢٦).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
رمي سهم في سبيل الله:
يقول -ﷺ-: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).
المحبة في الله ولله:
يقول -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، قِيلَ: مَنْ هُمْ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ الله مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلَا انْتِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]» (^٢).
المقسطون في ولاياتهم:
يقول -ﷺ-: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -﷿-، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (^٣).
وبالجملة: فالحسنة والطاعة هي التي تنير الوجه، وتضيء القلب، وتشرح الصدر، وليست آية معينة، ولا سورة مخصوصة، بل القرآن الكريم،
_________________
(١) أخرجه البزار، رقم الحديث: (٩٣١٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٥٥٥).
(٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٤)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٧٢).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٧).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والعمل الصالح بعمومه، ولا يجوز تخصيص شيء من الدين بفضل خاص، إلا بدليل، وإلا أصاب العبدُ نصيبًا من الابتداع المذموم.
الأثر السادس: دعاء الله باسمه نور السموات والأرض:
فمن دعاء النبي -ﷺ- أن يرزقه الله النور في كل حاسة، وفي كل اتجاه، أخرج البخاري (^١) من حديث ابن عباس -﵄-، قال في قيام رسول الله -ﷺ- الليل: «وكان يقول في دعائه: اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ. فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ: عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي» (^٢).
وثبت أنه -ﷺ- يقول هذا الدعاء- أيضًا- في قيام الليل قبل صلاة الفجر؛ لأن الليل مظلم، والعبد في الظلمة يحتاج إلى نور، فناسب ذكر هذا الدعاء، كما ثبت أنه قاله في سجوده (^٣)، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه، وحري بمن سأل الله في السجود أمرًا أن يستجاب له.
ومن دعائه -ﷺ- أيضًا في قيام الليل: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ذكر الروايات في موطن هذا الدعاء ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٧٨).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقد ثبت من دعائه -ﷺ- في أذكار الصباح والمساء قوله: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (^١)، كأنها إشارة إلى أن الكون لايكون مضيئًا دون أن ينال من نور الله المعنوي نصيب.
اللهم إنا نسألك أن تجعل في قلوبنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا، وفي سمعنا نورًا، وعن يميننا نورًا، وعن يسارنا نورًا، وفوقنا نورًا، وتحتنا نورًا، وأمامنا نورًا، وخلفنا نورًا، واجعل لنا نورًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤)، والطبراني في الكبير (٣٤٥٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «أحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد … واستأحد الرجل: انفرد» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(وحد) الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله» (^٢).
ورود اسم الله (الواحد - الأحد) في القرآن الكريم:
أولًا: ورد اسم الله (الواحد):
ورد اسم الله الواحد ثنتين وعشرين مرةً في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قول الله -﷿-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
قوله -﷿-: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
٣ - قوله -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٤٤٠).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ٩٠).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
ثانيًا: ورد اسم الله (الأحد):
ورد اسم الله (الأحد) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
ورود اسم الله (الواحد، الأحد) في السنة النبوية:
أولًا: ورد اسم الله (الواحد الأحد) في السنة النبوية مقترنًا، ومن وروده ما يلي:
حديث محجن بن الأدرع -﵁-، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (^١).
ثانيًا: ورد اسم الله (الواحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ- لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ، ثُلُثُ القُرْآنِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٢٧٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٩٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٥).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
ثالثًا: ورد اسم الله (الأحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
حديث أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «قال الله: كَذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولم يَكُنْ له ذلك، وشَتَمَنِي ولم يَكُنْ له ذلك، فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فقولُهُ: لن يُعِيدَني كما بَدَأني، وليسَ أول الخلقِ بأهونَ عليَّ مِن إعادَتِهِ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فقولُهُ: اتَّخَذَ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ، ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ» (^١).
حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: «أن النبي -ﷺ- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله -ﷺ-: لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).
معنى اسم الله (الواحد، الأحد) في حقه- سُبْحَانَهُ:
- قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]-: «… معبود واحد ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خلق من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثل له ولا نظير».
واختلف في معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره-:
فقال بعضهم: معنى وحدانية الله معنى نفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال: فلان واحد الناس، وهو واحد قومه، يعني بذلك: أنه ليس له في الناس
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٧٤).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
مثل، ولا له في قومه شبيه، ولا نظير؛ فكذلك معنى قول الله ﴿وَاحِدٌ﴾ يعني به الله: لا مثل له، ولا نظير …
وقال آخرون: معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره- معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه، قالوا: وإنما كان منفردًا وحده؛ لأنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء …» (^١).
قال الزجاج -﵀-: «تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها أحد، واللهتَعَالَى هو الواحد في الحقيقة، ومن سواه من الخلق آحاد تركبت» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده؛ ولم يكن معه آخر، وقيل: هو المنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ إذ كل شيء سواه يدعى واحدًا، فهو واحد من جهة، غير واحد من جهات، واللهسُبْحَانَهُ الواحد الذي ليس كمثله شيء» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: «في (الأحد) نفي لكل شريك لذي الجلال» (^٤).
قال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: «يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا ندّ ولا شبيه ولا عديل» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٧٤٥).
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٦).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٨١).
(٤) زاد المعاد (٤/ ١٨١).
(٥) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٧).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
قال السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفؤ له، ولا مثيل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤلَه ويُعبَد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه» (^١).
وقال أيضًا: «الواحد، الأحد: وهو الذي توحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده، عقلًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة» (^٢).
الفرق بين الواحد والأحد:
الفرق بينهما راجع إلى كون «الواحد»: المتفرد بذاته فلا يضاهيه أحد، و«الأحد»: المنفرد بصفاته ونعوته فلا يشاركه فيها أحد (^٣)، وقيل: بل هو أعم يشمل تفرد الذات والصفات (^٤) (^٥).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٧).
(٢) المرجع السابق (ص: ٩٤٥).
(٣) ينظر: شأن الدعاء، للخطابي (ص: ٨٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ١٥٩)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٦٥).
(٤) ينظر: تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج (ص: ٥٨).
(٥) ذكر ابن رجب فروقًا أخرى، تراجع في المجموع من تفسيره (٢/ ٦٦٥).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
اقتران اسم الله (الواحد - الأحد) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الواحد) بأسمائه الأخرى:
- اقتران اسم الله (الواحد) باسم الله (القهار):
تقدم بيانه في اسم الله (القهار).
ثانيًا: اقتران اسم الله (الأحد) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الأحد) بأي من أسماء الله تَعَالَى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواحد، الأحد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواحد، الأحد) من الصفات:
الله -﷿- الواحد الأحد الذي توحد بجميع الكمالات، وتفرد بكل كمال، وباين بأحديته جميع الموجودات، فلا يشاركه مشارك لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل واحد أحد فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (^١)، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
١ - وحدانية الله -﷿- في ذاته:
الله -﷿- واحد أحد في ذاته المقدسة، بائن من خلقه، مستو على عرشه، لم يكن له صاحبة، ولم يتخذ ولدًا، ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل،
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٧ - ٧٨).
[ ٢ / ٤٦١ ]
يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
٢ - وحدانية الله -﷿- في أسمائه:
الله -﷿- واحد أحد في أسمائه الحسنى التي تليق بجلاله وعظمته وكماله، تفرد بحسنها فلا أحسن منها، وتفرد بعددها فلا يشاركه أحد في كثرتها ولا في العلم بجميعها، وتفرد بأسماء منها اختص بها فلا يتسمى بها غيره، كاسمه: الله، والأحد، والصمد، والرحمن، والخالق، والرازق (^١).
وواحد أحد في كمالها، فبعض أسمائه وإن تسمى بها غيره إلا أنه واحد أحد في كمالها؛ فهي دالة على صفات كمال ونعوت جلال، لا أعلام محضة، بخلاف تسمي البشر بها، فربما تسمى الواحد منهم بعزيز، وكريم، وعليم وليس هو كذلك، وربما كان كذلك إلا أن اتصافه بما يدل عليه الاسم ناقص يليق بحاله وعجزه وضعفه؛ ولذا قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
٣ - وحدانية الله -﷿- في صفاته:
الله -﷿- واحد أحد في صفاته العلية، متفرد بأوليته في الوجود بلا ابتداء كما جاء في الحديث: «كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ» (^٢)، ومتفرد بآخريته بالديمومة والبقاء بلا انتهاء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. (^٣)
وواحد أحد في كمال صفاته وجلالها؛ فهو الأحد في قهره وغلبته لكل
_________________
(١) ينظر: تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم (ص: ١٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩١).
(٣) ينظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وهو الأحد في صمديته وكماله من كل وجه، وقصد سائر العباد له في جميع الحوائج والنوائب والمدلهمات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].
وهو الأحد كذلك في حياته، وقيوميته، وعلمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، وجماله، وحمده، وحكمته، ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف فيها بغاية الكمال ونهايته، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
ولما كان كذلك تعذر على جميع الخلق الإحاطة بشيء منها، أو إدراك شيء من نعوتها، فضلًا عن مماثلة شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مكافئ بوجه من الوجوه (^١).
٤ - وحدانية الله -﷿- في أفعاله:
الله -﷿- واحد أحد في أفعاله وربوبيته لا شريك له ولا ظهير ولا معين، ولا منازع ولا مغالب (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
_________________
(١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٦٠ - ٦١).
(٢) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٦٠).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
واحد «متفرد في ملكوته- في الدنيا- بأنواع التصرفات من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والخلق والرزق، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال، والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والوصل والقطع، والضر والنفع، فلو اجتمع أهل السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما على إماتة من هو محييه، أو إعزاز من هو مُذِلُّه، أو هداية من هو مُضِلُّه، أو إسعاد من هو مُشقيه، أو خفض من هو رافعه، أو وصل من هو قاطعه، أو إعطاء من هو مانعه، أو ضر من هو نافعه، أو عكس ذلك؛ لم يكن ذلك بممكن في استطاعتهم، وأنى لهم ذلك والكل خلقه وملكه وعبيده وفي قبضته وتحت تصرفه وقهره، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، نافذة فيهم مشيئته، لا امتناع لهم عما قضاه، ولا خروج لهم من قبضته، ولا تتحرك ذرة في السماوات والأرض ولا تسكن إلا بإذنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (^١).
وواحد متفرد في ملكوته تشريعًا وحكمًا دينيًّا ودنيويًّا، قال تَعَالَى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال -ﷺ-: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (^٢).
_________________
(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، للحكمي (١/ ١٣٦).
(٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٠٩٥)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (٢٠٤٠٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٩٥).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وواحد متفرد في ملكوته في الآخرة- كما تفرد في ملكوته في الدنيا- بأنواع التصرفات من إفناء الأحياء، وقبض الأرض وطي السماء، والإذن بالنفخ في الصور، وبعث الموتى ونشرهم، وكسوة من شاء من الخلق، وظل من شاء تحت ظل عرشه، والشفاعة والإذن فيها لمن شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، والعرض والحساب، ونصب الصراط وتثبيت الأقدام، والجزاء بالجنة أو النار، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وواحد أحد في كمال الأفعال؛ فكلها حكمة، وعدل، ورحمة، وإحسان ليس فيها فعل بلا مصلحة، ولا فعل عشواء وعبث، كما جاء في الحديث: «والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^١).
ثم إنه سُبْحَانَهُ في جميع ما سبق من الذات والأسماء والصفات والأفعال واحد أحد متفرد عن كل نقص، وعيب، وسوء؛ لكماله من كل وجه وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الأثر الثاني: توحيد الله الواحد الأحد، ودلالة الاسمين الكريمين عليه (^١).
إن أعظم أثر وموجب لهذين الاسمين الجليلين الكريمين: توحيد الله -﷿-، وإفراده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ إذ معناهما- كما سبق- دال على تفرده بالأفعال مما يوجب على العبد أن يوحد ربه بالربوبية، فيعتقد أنه وحده الرازق ولا رازق غيره، ووحده الضار النافع، ولا ضار ولا نافع غيره، ووحده الشافي ولا شافي غيره، ووحده منزل المطر ومجري السحاب وليس ذلك لأحد سواه، ووحده الذي بيده الشفاعة وليست لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي تقي، بل لله يأذن بها لمن يشاء ويرضى، ونحو ذلك مما يتعلق بأفعال الله -﷿-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
ثم إذا اعتقد العبد هذا لزمه أن يعتقد وحدانية الله في الألوهية؛ فإن المتفرد بالربوبية هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له كما قرر الله -﷿- ذلك في جملة من الآيات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٥ - ٦٦]،
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٩٠ - ٩٢).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وقال تَعَالَى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
قال الشيخ السعدي -﵀-: «فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون اثنان قهاران متساويين في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده كما كان قاهرًا وحده» (^١).
ومعنى توحيد الألوهية: إفراد الله -﷿- بجميع أنواع العبادات، سواء أكانت قلبية كالمحبة والخوف والخشية والرجاء والاستعانة والتوكل، أو قولية كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والنذر، أو فعلية كالصلاة والطواف والحج والذبح، فلا يصرف منها شيء لغير الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] (^٢).
كما يفرده بالطاعة والتحكيم والتشريع، سواء فيما يتعلق بأمر الدنيا أو الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠].
وإن تحقيق هذا التوحيد يعود على العباد بثمار طيبة في الدنيا والآخرة، ومنها (^٣):
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧١٦).
(٢) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، للحكمي (٢/ ٣٩٣).
(٣) نصينا على ثمار التوحيد- بخلاف العادة -؛ لأن أعظم أثر لاسم الله الواحد الأحد: التوحيد.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
الهداية والتوفيق إلى الصراط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ» شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).
الأمن التام في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] بخلاف المشرك فإنه «يخاف المخلوقين ويرجوهم، فيحصل له رعب، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]» (^٢).
تفريج الكربات، كما في قصة يونس -﵇- وندائه بالتوحيد: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فأتاه الفرج: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
حتى إن المشركين ليعلمون أن في التوحيد تفريجًا للكرب، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٩٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢٤).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٢٥٧).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
قال ابن القيم -﵀-: «فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد» (^١).
السعادة بشفاعة رسول الله -ﷺ-؛ فعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (^٢).
منع الخلود في النار؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (^٣)، وفي حديث الشفاعة الطويل: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^٤).
دخول الجنة؛ فعن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ لَقِيَ الله لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (^٥).
وهذه الثمار تدعو العبد إلى تعلم التوحيد وتحقيقه وتكميله، وتعلم
_________________
(١) الفوائد (ص: ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٩).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٤٢٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٣٩).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠).
(٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ضده- أيضًا- وتوقيه والحذر منه والخوف، كما تدعوه إلى سؤال ربه دومًا أن يرزقه التوحيد، ويثبته عليه إلى الممات، ويقيه من ضده، كما قال خليل الرحمن إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].
وعلَّمنا -ﷺ- الاستعاذة من الشرك، لا سيما الخفي، فقال لأبي بكر -﵁-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^١).
وكان -ﷺ- يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ والكُفْرِ، والفُسُوقِ، والشِّقَاقِ، والنِّفَاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّيَاءِ» (^٢).
واسم الله الواحد الأحد دال أيضًا- كما سبق- على تفرد الله -﷿- بالأسماء والصفات، وهذا يوجب للعبد أمرين:
الأول منهما: إثباتها من غير تعطيل ولا تحريف.
والثاني: نفي المشابه والمماثل له فيها.
وهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٥٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦).
(٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث (١٠٢٣)، والحاكم، رقم الحديث (١٩٥٠)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث (٣٤٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٨٥).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الأثر الثالث: محبة الله الواحد الأحد:
إن معرفة اسم الواحد الأحد وما فيه من تفرد بالكمال والجمال في الذات والأسماء والصفات والأفعال، يدعو العبد إلى محبة الله -﷿- وإفراده بذلك، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوترَ» (^١)، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال، فكيف بمن بلغ المنتهى في الكمال وتفرد به، فلم يشركه فيه أحد؟!
الأثر الرابع: التعلق بالله الواحد الأحد في المطالب، والاطمئنان إليه:
إن يقين العبد باسم الله الواحد الأحد الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء، والمتفرد بالنفع والضر؛ يثمر في قلب العبد تعلقًا بالواحد الأحد وتوجهًا إليه وحده لا شريك له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].
وبالمقابل يثمر قطع التعلق بمن لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون على شيء إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم.
وهذا يريح القلب من الشتات والإضطراب، ويجعله يسكن إلى واحد في وجهته، وطلبه، وقصده، فيستريح ويطمئن؛ لأنه أسلم وجهه وقلبه لله وحده،
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).
[ ٢ / ٤٧١ ]
ولم يتوجه لوجهات متعددة وشركاء متشاكسين يعيش بينهم في حيرة وقلق وصراع مرير، وقد ضرب الله تَعَالَى مثلًا للموحد الذي يعبد إلهًا واحدًا هو الله -﷿-، وللمشرك الذي تنازعه آلهة شتى يستعبدونه ويمزقونه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]؛ فالمشرك عبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، فيعيش معذبًا قلقًا، لا يستقر على حال، ولا يرضي واحدًا منهم، فضلًا عن أن يرضي الجميع!
والموحد عبد يملكه سيد واحد، يعلم ما يطلبه منه، وما يكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح، لا يعرف إلا مصدرًا واحدًا للحياة، والقوة، والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضر، ومصدرًا واحدا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته، ويتجه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه، ويخدم سيدًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه؛ وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الأثر الخامس: ذكر الله الواحد الأحد بالتوحيد:
إن اسم الله الواحد الأحد وما فيه من الدلالة على التوحيد، يدعو العبد إلى تجديد توحيده والإكثار من ذكره واللهج به، لا سيما وقد جاء في كثير من أذكار اليوم والليلة والمناسبات الشرعية الحث على الأذكار التي فيها توحيد الله -﷿-، ومنها:
كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»؛ فعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^١)، وقال: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قال: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^٢).
- وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٣).
دعاء يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»؛ فعن أُبَي -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ،
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣)، والنسائي في الكبري، رقم الحديث: (١٠٥٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨٣١)، والبزار، رقم الحديث: (٦٦٤ - كشف الأستار)، حكم الأ لباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٢٦).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٥).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^١).
وقال -ﷺ-: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٢).
الذكر في الصباح والمساء، كما جاء عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: «كان نبي الله -ﷺ- إذا أمسى قال: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» (^٣).
- وبما جاء عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أَقُولَ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ وَإِذَا أَخَذْتُ مَضْجَعِي مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٠٨٠)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٥).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٣).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَرَسُولُكَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ» (^١).
الذكر بعد الوضوء؛ فعن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ-، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٢).
الذكر في دعاء الاستفتاح؛ فعن علي -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ … وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ …» إلخ (^٣).
الذكر بعد الصلاة؛ فعن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٨٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٢)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث (٢٢).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٩٣).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
- وعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ سَبَّحَ الله فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).
الذكر عند الانتباه من النوم؛ فعن عبادة بن الصامت -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^٢).
فحري بالعبد أن يحرص على مثل هذه الأذكار، التي فيها توحيد الواحد الأحد.
الأثر السادس: قراءة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وتدبرها:
ورد اسم الله (الأحد) في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» (^١).
وإنما عدلت ثلث القرآن- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ناقلًا عن أبي العباس بن سريج -﵀- ومستحسنًا-؛ لأن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه أحكام، وثلث منه وعد ووعيد، وثلث منه أسماء وصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات (^٢).
ولهذه السورة فضائل أخرى، منها (^٣).
١ - أنها صفة الرحمن؛ فعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -ﷺ-، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (^٤).
٢ - أن حبها يوجب محبة الله؛ كما جاء في حديث عائشة آنف الذكر، وفيه: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٣).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٣).
(٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٥٤، وما بعدها).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
٣ - أنها تمنع صاحبها من الشر وتكفيه؛ فعن عبدالله بن خبيب -﵁-، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، قَالَ: قُلْ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (^١).
وعن عائشة -﵂-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، وَ«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، وَ«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ» (^٢).
٤ - أن حبها يوجب دخول الجنة؛ فعن أنس -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٣).
وفي رواية: قال أنس -﵁-: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِهَا، افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٢)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٧).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٥٥) معلقًا. وابن حبان رقم الحديث: (٧٩٢)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٧٨٩).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (^١).
وفي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: «أقبلت مع النبي -ﷺ-، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقال رسول الله -ﷺ-: وَجَبَتْ، قلت: وما وجبت؟ قال: الْجَنَّةُ» (^٢).
وهذه الفضائل وغيرها تدعو العبد إلى قراءتها، وتردادها، وتدبر معانيها، ومحبتها.
الأثر السابع: دعاء الله باسمه الواحد الأحد:
إن معرفة العبد لاسم الله الواحد الأحد يدعوه إلى دعاء الله وسؤاله بهما؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] لا سيما وقد جاء ما يدل على أن اسم الله الأحد هو الاسم الأعظم؛ فقد سمع النبي -ﷺ- رجلًا يقول في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٣٣٣٥)، وابن خزيمة، رقم الحديث: (٥٣٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٢٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨٩٧)، والنسائي، رقم الحديث: (٩٩٣). حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٩٧).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
-ﷺ-: «لَقَدْ سَأَلَ الله بِاسْمِهِ الأعظمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وإذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١)، وجاء في فضل الدعاء بهما حديث محجن بن الأدرع -﵁-، «أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- دخلَ المسجدَ، إذا رجلٌ قد قَضى صلاتَهُ وَهوَ يتشَهَّدُ، فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قال: فقال نبي الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (^٢).
كما يدعوه إلى سؤال الله بما تضمنه اسمه الواحد الأحد من التوحيد؛ فإن التوحيد لما عظم مقامه عند الله كان التوسل به مظنة للإجابة، وقد جاء في نصوص الوحيين التوسل لله به، ومن ذلك:
١ - دعاء ذي النون، قال تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَه» (^٣).
٢ - دعاء يوم عرفة؛ فعن عبدالله بن عمرو -﵄- أن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٤١٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
قال: «خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).
٣ - دعاء سيد الاستغفار؛ فعن شداد بن أوس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٢).
٤ - دعاء الكرب والهم؛ فعن ابن عباس -﵄- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (^٣).
وعن أبي بكرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٣٥٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث (٣٥٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).
(٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٤١٢)، حكم الألباني، حسن، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠).
[ ٢ / ٤٨١ ]
٥ - دعاء كفارة المجلس؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (^١).
دعاء ما بعد التشهد الأخير؛ فعن علي بن أبي طالب -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- كان مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).
فعلى العبد أن يدعو الله بهذه الدعوات وبغيرها، متوسلًا بالتوحيد، متيقنًا معناه؛ فإنه أعظم ما يتقرب لله به.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٥٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الوَدودُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «وددت الرجل أوده ودًّا، إذا أحببته، والوُد والوَد والوِد: المودة …» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الواو والدال: كلمة تدل على محبة، وددته: أحببته، ووددت أن ذاك كان: إذا تمنيته …» (^٢).
ورود اسم الله (الودود) في القرآن الكريم:
ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في القرآن مرتين، هما:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٤].
ورود اسم الله (الودود) في السنة النبوية:
لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء عند الترمذي.
_________________
(١) تاج اللغة (٢/ ٥٤٩).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ٧٥).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
معنى اسم الله (الودود):
يدور اسم (الودود) في حقه تَعَالَى حول معنيين:
ودود بمعنى فاعل، أي: واد، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين.
ودود بمعنى مفعول، أي: مودود، وهو المحبوب سُبْحَانَهُ، ولا يستحق المحبة الكاملة إلا هو سُبْحَانَهُ.
وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري -﵀-: «ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يوده ويحبه» (^١).
قال القرطبي -﵀-: «المحب لخلقه، والمثني عليهم والمحسن إليهم» (^٢).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال ابن عباس -﵄-: «والودود: الحبيب» (^٣).
قال الحليمي -﵀-: «الودود بكثرة إحسانه، أي: المستحق لأن يُوَد فيُعبَد ويُحمَد» (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٥/ ٤٥٦).
(٢) الأسنى (ص: ٣٨٤).
(٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٣٣).
(٤) المنهاج (١/ ٢٠٦).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:
قال الخطابي -﵀-: «اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون فعولًا في محل مفعول، … أي: أنه سُبْحَانَهُ مودود في قلوب أوليائه؛ لما يتعرفونه من إحسانه إليهم وكثرة عوائده عندهم، والوجه الآخر: أن يكون الودود بمعنى: الواد، أي: أنه يود عباده الصالحين، بمعنى: أن يرضى عنهم ويتقبل أعمالهم، وقد يكون معناه أن يوددهم إلى خلقه» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «وأما الودود ففيه قولان؛ أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين، والثاني: أنه بمعنى: مودود، وهو المحبوب الذي يستحق أن يُحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «الودود هو المحب المحبوب، بمعنى: واد ومودود، فهو الذي يحب أنبياءه، ورسله، وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلئت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه ودًّا وإخلاصًا وإنابة من جميع الوجوه» (^٣).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وهوَ الوَدُودُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّهُ … أَحْبَابُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ
وَهوَ الَّذِي جَعَلَ المَحَبَّةَ فِي قُلُو … بِهْم وَجَازَاهُمْ بِحُبٍّ ثَانِ
_________________
(١) شأن الدعاء (١/ ٧٤).
(٢) جلاء الأفهام (ص: ٣١٥).
(٣) الحق الواضح المبين (ص: ٦٩ - ٧٠).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ حَقًّا لَا مُعَا … وَضَةً وَلَا لِتَوَقُّعِ الشُّكْرَانِ (^١).
اقتران اسم الله (الودود) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الرحيم):
تقدم بيانه في اسم الله (الرحيم).
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):
تقدم بيانه في اسم الله (الغفور).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الودود):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الودود) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الودود سُبْحَانَهُ هو المتحبب إلى عباده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن لامست القلوب رأت ربًّا رحيمًا عظيمًا كريمًا قويًّا قادرًا، له الجلال والكمال والعزة والسلطان، فعند ذلك تفيئ إليه وحده، وتقبل عليه دون سواه، وتتخذه إلهًا معبودًا، وبذلك تخلص لربها، وتوحده وتتخلص من العبودية لغيره؛ فتنال سعادة الدنيا والآخرة.
ومن أبرز مظاهر تودد الله لعباده ما يلي:
تعريف عباده بذاته سُبْحَانَهُ: فهو سُبْحَانَهُ المتودد إلى خلقه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن عرفها العباد وآمنوا بها تعلقت قلوبهم بربهم،
_________________
(١) النونية (ص: ٢٠٨).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وصارت محبتهم له هي المحرك لعزائمهم إذا فتروا، والمثير لهممهم إذا قصروا؛ وذلك لأن القلوب والأرواح الصحيحة مجبولة على محبة الكمال، والله تَعَالَى له الكمال التام المطلق، فكل وصف من صفاته له خاصية في العبودية، وسبب لانجذاب القلوب إليه وحده سُبْحَانَهُ (^١).
يقول ابن القيم -﵀- في وصف محبة الله تَعَالَى: «وكما أنه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته محبة» (^٢).
تعدد أنعامه وأفضاله سُبْحَانَهُ على عباده في شؤون دينهم ودنياهم: فبنعمه أوجدهم، وأبقاهم وأحياهم، وأصلحهم، وأتم لهم الأمور، وكمل لهم الضروريات والحاجيات والكماليات، وهداهم للإيمان والإسلام، وهداهم لحقائق الإحسان، ويسر لهم الأمور، وفرج عنهم الكربات، وأزال المشقات، وشرع لهم الشرائع، ويسرها ونفى عنهم الحرج، وبين لهم الصراط المستقيم وأعماله وأقواله، ويسر لهم سلوكه وأعانهم على ذلك شرعًا وقدرًا، ودفع عنهم المكاره والمضار كما جلب لهم المنافع والمسار، ولطف بهم ألطافًا شاهدوا بعضها وما خفي عليهم منها أعظم.
فجميع ما في الخليقة من محبوبات القلوب والأرواح والأبدان، الداخلية والخارجية، الظاهرة والباطنة، فإنها من كرمه وجوده، يتودد بها إليهم، فالقلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، وأي إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه، فضلًا عن أنواعه، فضلًا عن
_________________
(١) وهذا يتجلى في معاني أسماء الله الحسنى كلها.
(٢) الفوائد (ص: ١٨٣).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
أفراده، وكل نعمه منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه.
قربه من أوليائه، وتسديده لهم: فمن كان الله وليه حفظه في حركاته وسكناته، وجعله مجابًا للدعوة وجيهًا عنده، كما في الحديث القدسي: «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي المُؤْمِن، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
حلمه على العصاة وقربه من التائبين من عباده، فعرفهم بسعة رحمته، وعظيم مغفرته، ودعاهم إلى الفيئة والرجوع إليه، ووعدهم على ذلك أن يقبل توبتهم، ويبدل سيئاتهم حسنات، قال سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (^٢)، فهو الذي يفرح بتوبة عباده مع غناه عنهم وعن عبادتهم، وإن أصر العبد على العصيان، وتجرأ على المحرمات، وقصر في الواجبات ستره الودود، وحلم عليه، وأمده بالنعم، ولم يقطع عنه منها شيئًا، ثم يقيض له من الأسباب والتذكيرات والمواعظ والإرشادات ما يجلبه إليه، فيتوب إليه وينيب، فيغفر له تلك الجرائم، ويمحو عنه ما أسلفه من الذنوب العظائم، ويعيد عليه وده وحبه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
(٢) أسماء الله الحسنى (ص: ١٨٧).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وعليه فحري بمن عرف اسم الله الودود وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وده ورحمته وفضله وهبته.
الأثر الثاني: محبة الودود سُبْحَانَهُ:
إن محبة الله سُبْحَانَهُ من الفطرة التي فُطرت القلوب عليها، يقول ابن تيمية -﵀-: «والقلب إنما خُلق لأجل حب الله تَعَالَى، وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده، كما قال النبي -ﷺ-: «ما مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (^١)، فالله سُبْحَانَهُ فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفًا بالله، محبًّا له، عابدًا له وحده» (^٢).
ويقول ابن القيم -﵀-: «فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل» (^٣).
فأصحاب الفطر السوية، والقلوب النقية، والتأملات في ملكوت الله العلية، أعظم شيء لديهم هو محبة الله، ولذا سعى إليها السائرون، وشمر لها
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٥٨). ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٥٨).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٣) طريق الهجرتين (ص: ٢٥٠).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
العابدون، فعرفوا ربهم، والتفت إليه قلوبهم، وتخلت عن كل ما عداه.
يقول ابن تيمية -﵀- في ذلك: «وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله» (^١).
ولمحبة الله الصادقة أربعة شروط، ذكرها ابن القيم -﵀-، وهي:
الأول: أن يحب الله -﷿- حبًّا من جنس حب العبادة المقرون بالذلة والخضوع والإفتقار والطاعة المطلقة، حبًّا لا يشابه أي حب آخر، حبًّا لا يشابه حب الشهوة للنساء، ولا حب البر للآباء، ولا حب الشفقة بالأبناء، ولا حب الندية للأصدقاء بل يحبه حب العابد لربه، والمخلوق لخالقه، والمملوك لمالكه، والمرزوق لرازقه، حبًّا مقرونًا بالخشية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثاني: ألا يحب شيئًا مثله معه، بل ولا تبقى مثقال ذرة من هذا الحب- أي حب العبادة- إلا صرفها لله وحده، فلا يحب أحدًا غير الله -﷿- مثله في النوع، وكذلك في الكمية، فلا يحب أحدًا أكثر من الله، بل لا يحب أحدًا مثل الله أصلًا، حتى وإن كان حبه لهذه الأشياء ليس حب العبادة، فمن فعل ذلك عرض نفسه لعقوبة الله -﷿-، فقد قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٢).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الثالث: ألا يحب شيئًا غير الله إلا من أجله، وهو الحب في الله.
الرابع: أن يبغض ما يباعده عن الله أشد من بغضه لأبغض الأشياء إليه، وهي النار» وقد جمع ثلاثةً منها حديثُ النبي -ﷺ- الذي قال فيه: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ- بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).
الأثر الثالث: نيل ثمرات محبة الله للعبد:
لا شك أن أعظم رتبة يبلغها المؤمن أن يكون من الذين يحبهم الله -﷿-، فهي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفانى فيها المحبون، هي قوت القلوب، وقرة العيون، والمحبة التي توصل المؤمن إلى مراتب الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن أبرز ثمرات محبة الله لعبده ما يلي:
١ - الحصول على الإيمان:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «إِنَّ اللهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ» (^٢).
والله يعطي المال للبر والفاجر، والتقي والغني، فيسوق له الدنيا، ولكن لا يعطي الإيمان إلا لمن يحب، فهي الطريق المستقيم ومفتاح الجنة.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٩٩٠)، قال الهيثمي: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ٩٠).
[ ٢ / ٤٩١ ]
٢ - تحقيق الأمن التام، وقلب المخاوف أمنًا:
فمن تأمل قصة موسى -﵇- في سورة طه، وقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩] رآها حركات كلها عنف، وخشونة، قُذف في التابوت بالطفل، وقذف في اليم بالتابوت، وإلقاء للتابوت على الساحل، ثم ماذا؟ يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل، فيستلمه ﴿عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩].
وفي زحمة هذه المخاوف كلها، وبعد تلك الصدمات كلها، ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] جرى أمر الله أن يتربى موسى في بيت فرعون ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
٣ - الحفظ والحماية من الدنيا:
يقول رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الماءَ» (^١).
٤ - المعية الإلهية:
يقول -ﷺ-: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٤٢٩٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢٨٢).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
قال الحارث المحاسبي -﵀-: «إن علامة محبة الله للعبد أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها» (^٢).
٥ - مغفرة الذنوب، والعتق من النار والعذاب:
يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك رَدَّ الله تَعَالَى على اليهود والنصارى ادعاءهم أنهم أحبابه فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي السنة ما رواه أنس -﵁-، قال: «كَانَ صَبِيٌّ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَمَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْقَوْمَ خَشِيَتْ أَنْ يُوطَأَ ابْنُهَا، فَسَعَتْ وَحَمَلَتْهُ، وَقَالَتِ: ابْنِي ابْنِي، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَهَا فِي النَّارِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا، ولَا يُلْقِي اللهُ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
(٢) حلية الأولياء، للأصفهاني (١٠/ ٩٩).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٦٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٠٩٥).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
٦ - التوفيق للعمل الصالح والتوبة بعد الذنوب:
قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا عَسَلَهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيرَانُهُ «أَوْ قَالَ: مَنْ حَوْلَهُ» (^١)، قال الفضيل -﵀-: «وإذا أحب الله عبدًا وفقه لعمل صالح، فتقربوا إلى الله بحب المساكين» (^٢)، وفي الحديث الآخر يقول -ﷺ-: «وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الرِّفْقَ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ الرِّفْقَ إِلَّا حُرِمُوا» (^٣).
٧ - إلقاء محبة عبده في قلوب الخلق:
كما قال الله تَعَالَى عن موسى -﵇-: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أي: محبة في قلوب العباد، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عبَدًْا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قال: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قال: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ» (^٤)، قال
_________________
(١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٢٦٢). حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٣٥٧).
(٢) اعتقاد أهل السنة، للالكائي (١/ ١٤١).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٢٧٤)، قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وله في الصحيح: «مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحْرَم الخَيْرَ». فقط، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ١٨).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٠٩)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٣٧).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الفضيل -﵀-: «عاملوا الله -﷿- بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبدًا أسكن محبته في قلوب العباد» (^١).
الأثر الرابع: السعي لتحصيل الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد:
إن محبة الله تَعَالَى هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام (^٢).
والمؤمنون في درجة محبتهم لربهم متفاوتون، وفي قربهم من الله متفاضلون، وإن كانوا جميعًا يطمحون لزيادة محبتهم لربهم، محبة تحببهم في طاعته سُبْحَانَهُ، والبعد عن معصيته.
ومن الأعمال التي تزيد محبة الله تَعَالَى في قلوب عبيده، وبها يحب الله عباده، ما يلي:
أولًا: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وتفطن مراد الله منه:
ولا عجب أن يكون القُرْب من كتاب الله من أعظم القُرَب الموجبة لمحبة الله، فإذا كان الله تَعَالَى قد شاء بحكمته أن يكون الإيمان به من الإيمان بالغيب؛ فإنه قد شاء- أيضًا- أن يكون خطابه لعباده وحديثه إليهم من أمر الشهادة، فجعل كلامه مسطورًا، يُسمع ويُقرأ، ويتكرر وقعه بلفظه ومعناه على القلوب والأفئدة.
_________________
(١) الحلية (٨/ ٨٨).
(٢) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٨).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
ولا شك أن من أكبر الدلائل على محبة القرآن: السعي إلى تفهمه وتدبره والتفكر في معانيه، كما أن من دلائل خفة تلك المحبة أو عدمها: الإعراض عن تدبره وتأمل معانيه، قال تَعَالَى ذامًّا المنافقين على عدم تدبر القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
ولذا كان السلف يستشعرون هذا المعنى وهم يقرءون القرآن، حتى إنهم كانوا يتلقونه تلقي الغائب الغريب لرسالة جاءت على شوق من الحبيب، قال الحسن بن علي -﵁-: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» (^١).
فقراءة القرآن وتدبره تشريف للبشر وكرامة، يقول ابن الصلاح -﵀-: «قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنها حريصة على استماعه من الإنس» (^٢)، ولأن القرآن هو الدال على الله وعلى محاب الله، فلا جرم أن كانت محبته هي طريق القلب والعقل لمعرفة الله وما يحبه، ومما يدل على ذلك: أن رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ-، استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها، وهي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن سُبْحَانَهُ فظل يرددها في صلاته، فلما سئل عن ذلك قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (^٣)، وفي الحديث الآخر، قال ابن مسعود -﵁-:
_________________
(١) التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي (ص: ٢٨).
(٢) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٢٩١).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
«من أحب القرآن، فهو يُحِب اللهَ ورسولَه» (^١)، وأهل القرآن هم خاصة الله تَعَالَى، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ للهِ -﷿- أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (^٢).
ثانيًا: التقرب إلى الله تَعَالَى بالنوافل بعد الفرائض:
فمؤدي الفرائض كاملة محب لله، ومؤديها وبعدها النوافل محبوب من الله، ويدل على ذلك الحديث القدسي، وفيه: «… وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^٣)، فالمحبون هم المتقربون بالفرائض، والمحبوبون هم المتقربون بالنوافل بعد الفرائض، وهم أولياء الله وأصفياؤه، وخيرته من الخلق.
يقول ابن رجب الحنبلي -﵀-: «أولياء الله المقربون قسمان:
أحدهما: من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، … وأهل هذا القسم هم المقتصدون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهم أصحاب اليمين الذين قال فيهم: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، فأداء الفرائض أفضل الأعمال؛ كما قال عمر بن الخطاب -﵁-: (أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله -﷿-.
_________________
(١) تفسير ابن رجب (٢/ ٢١٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الثاني: من تقرب إلى الله تَعَالَى بعد أداء الفرائض بالنوافل، وهم أهل درجة السابقين المقربين .. لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع» (^١).
ثالثًا: دوام ذكره سُبْحَانَهُ على كل حال:
فذكر الله تَعَالَى هو شعار المحبين له، المحبوبين منه تَعَالَى، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» (^٢).
فصاحب الذكر مذكور عند الله بالثناء والمحمدة والمحبة، وموعود بالمغفرة والأجور العظيمة، يقول تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ولهذا كان الذكر روح الأعمال، ويظهر ذلك من اقتران أكبر الأعمال الصالحة به في القرآن.
الشهادة، ف، (لا إله إلا الله) أفضل ما يذكر به الذاكرون.
الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
الحج، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي (٢/ ٣٣٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٢).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الجهاد، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
يقول ابن القيم -﵀- في شأن الذكر: «وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء» (^١).
رابعًا: إيثار محاب الله على كل محاب النفس والهوى:
والقرآن والسنة مملؤان بذكر ما يحبه الله سُبْحَانَهُ من أفعال عباده المؤمنين، وأقوالهم وأخلاقهم، فمن محابه سُبْحَانَهُ التي وردت في كتابه وسنة نبيه:
التقوى، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]
الإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
التوبة والطهارة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٩٦).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الصلاة على وقتها، سئل -ﷺ-: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (^١).
الصبر، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
التوكل عليه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
الجهاد، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
الذكر، يقول -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (^٢).
الحلم والأناة، عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال- لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخْصَلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللهَ: الِحلِمْ وَالأَنَاةُ» (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه، والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملًا صالحًا» (^٤).
يقول ابن القيم -﵀-: «إيثار رضى الله -﷿- على غيره، وهو يريد أن يفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، هي درجة الإيثار وأعلاها للرسل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٧).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨).
(٤) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، لمحمد عويضة (٥/ ١٧٨).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا محمد -ﷺ-» (^١).
خامسًا: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته ومشاهدتها:
فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، وقد بوب البخاري -﵀- على قول النبي -ﷺ-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ»، باب: «المعرفة فعل القلب» (^٢)، لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، يقول ابن حجر -﵀-: «قوله -ﷺ-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ» ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي -ﷺ- منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه، وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقًّا» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-: «فإن أوصاف المدعو إليه، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته، وطلب الوصول إليه؛ لأن القلوب إنما تحب من تعرفه، وتخافه، وترجوه، وتشتاق إليه، وتلتذ بقربه، وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته» (^٤)، وفي ذات المعنى يقول الحسن البصري -﵀-: «من عرف ربه أحبه» (^٥).
_________________
(١) المرجع السابق، نفس الصفحة.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الإيمان، (١٣).
(٣) فتح الباري (١/ ٨٩).
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٣٥١).
(٥) مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص: ٣٣٢).
[ ٢ / ٥٠١ ]
سادسًا: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة:
فالإنعام والبر واللطف معان تسترق مشاعره، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه إلى محبة من يسدي إليه النعمة، ويهدي إليه المعروف، والناس مجبولون على محبة من يحسن إليهم، ولا منعم على الحقيقة، ولا محسن إلا الله، فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تَعَالَى، ولا مستحق للمحبة كلها سواه، وإنما يُحَب غيره تبعًا لمحبته سُبْحَانَهُ، وصورُ إحسانه ومظاهرها أجلُّ من أن يحيط بها العبد.
يقول ابن القيم -﵀-: «لا أحد أعظم إحسانًا من الله سُبْحَانَهُ؛ فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلًا عن أنواعه، أو عن أفراده، ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرين ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفَس، وكل نفَس نعمة منه سُبْحَانَهُ، فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات، وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلًا، والله سُبْحَانَهُ يكلؤه منها بالليل والنهار، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]» (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص: ٣١٥).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
سابعًا: انكسار القلب بكُلِّيَّته بين يدي الله:
والانكسار بمعنى الخشوع، وهو الذل والسكون، يقول تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، والخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار (^١).
وعليه فإن الخشوع معنى أعم من أن ينحصر في الصلاة؛ لأن التعظيم والمحبة والانكسار لله، مطلوب من المؤمن في كل حال، وإن كانت الصلاة موضعًا لظهور أثر الخشوع؛ لأنها أقرب ما يكون العبد إلى ربه.
وقد كان السلف يحذرون من التكلف أو التصنع في الخشوع، ومن شواهد ذلك:
قال حذيفة -﵁-: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (^٢).
رأى عمر بن الخطاب -﵁- رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إن الخشوع في القلوب» (^٣).
ثامنًا: الخلوة به تَعَالَى وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه:
فأصحاب الليل هم- بلا شك- من أهل المحبة، بل هم من أشرف أهل المحبة؛ لأن قيامهم في الليل بين يدي الله تَعَالَى يجمع لهم جل أسباب المحبة
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥١٨).
(٢) المصدر السابق (١/ ٥١٧).
(٣) المصدر السابق (١/ ٥١٧).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
التي سبق ذكرها، وفي الحديث يقول -ﷺ-: «واعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (^١)، ويقول الحسن البصري -﵀-: «لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (^٢).
ولمنزلة أهل القيام عند ربهم قال الله تَعَالَى عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]،
وتلا رسول الله -ﷺ- هاتين الآيتين لمعاذ -﵁- في معرض جوابه عن سؤاله: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار»، وقد جاء في هذا الحديث قوله -ﷺ-: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: «يَعْمَلُونَ»» (^٣).
ولفظ الآية عام في كل عبادة ودعاء في الليل، ولكن النبي -ﷺ- خص قيام الرجل في جوف الليل؛ لأن صلاة الليل هي أفضل نوافل الصلاة، كما في قوله -ﷺ-: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٠٥٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣).
(٢) مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص: ٦٧).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٢٢٠١٦)، والترمذي، رقم الحديث (٢٦١٦) والنسائي في الكبرى، رقم الحديث (١١٣٣٠)، ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣).
(٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٣).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
تاسعًا: مجالسة المحبين والصادقين:
إن محبة المسلم لأخيه المسلم في الله، ثمرة لصدق الإيمان وحسن الخلق، وهي سياج واق يحفظ الله بها قلب العبد، ويشد فيها الإيمان حتى لا يتفلت أو يضعف، وورد في ذلك شواهد كثيرة، منها:
قال رسول الله -ﷺ-: «قَالَ اللهُ -﷿-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، واِلْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، واِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» (^١).
روى أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ؟ قالَ: لَا؛ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ في اللهِ تَعَالَى، قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إَلَيْكَ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» (^٢).
قال -ﷺ-: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» (^٣).
_________________
(١) اخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٥)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٧٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٧) (المدرجة) بفتح الميم والراء: هي الطريق، وقوله: (تَرُبُّهَا): أي: تقوم بها وتسعى في صلاحها.
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢١).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
عاشرًا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -﷿-:
فالقلب إذا فسد لن يجد المرء فائدة فيما يصلحه من شئون دنياه، ولن يجد نفعًا أو كسبًا في أخراه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ومن دعائه -ﷺ-: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا» (^١).
والقلب السليم هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، وجماع سلامة القلب بالتزام الطاعات واجتناب النواهي، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
يقول الحسن البصري -﵀-: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم- أي: امتحنهم- بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
[آل عمران: ٣١]» (^٢).
الأثر الخامس: الحذر مما لا يحب الله تعالى:
على العبد أن يحذر ويجتنب كل مايبغضه ربه ويكرهه؛ فإن الله إذا أبغض عبدًا أبغضه الكون كله طوعًا لله تَعَالَى، يقول -ﷺ-: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قال: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ
_________________
(١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
يُنَادِي- فِي أَهْلِ السَّمَاءِ- إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قال: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» (^١).
وجماع مايبغضه الله تَعَالَى: هو ماتعوذ منه رسوله -ﷺ-، في قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، والأَعْمَالِ، والأَهْوَاءِ» (^٢).
والأمور المبغضة عند الله تَعَالَى كثيرة، وردت في القرآن والسنة، ومنها ما يلي:
الكفر، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
الظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وأكبره: الشرك، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
الاعتداء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
الإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].
الخيانة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]
الخيلاء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
الاستكبار، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣].
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٣٧).
(٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٩١)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩١).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
الإسراف، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
الإسبال، يقول -ﷺ-: «يَا سُفْيَانُ بْن سَهْلٍ؛ لَا تُسْبِلْ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» (^١).
وفي كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- العديد من الأعمال والأقوال التي يبغضها الله سُبْحَانَهُ، فعلى العبد المؤمن أن يبغضها ويجتنبها.
الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (الودود):
محبة الله هي روح الأعمال، وأصل العبودية الظاهرة، والباطنة، فمحبة العبد لربه ليست بحول من العبد ولا قوة، وإنما هي فضل من الله وإحسان، فهو تَعَالَى الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة؛ إذ منه السبب، ومنه المسبب؛ ولأن محبة الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيها الله لعبده، كان رسول الله -ﷺ- كثير السؤال لها، ففي الحديث عن ثوبان -﵁- قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: «إِنَّ رَبِّي أَتَانِي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ … ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: قُلْتُ: فَعَلِّمْنِي، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٤٧٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٧٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٧٤).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِنْ أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ وَأَنَا غَيْرُ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبًّا يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ» (^١).
وعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ» (^٢).
فاللهم يا ودود، ارزقنا حبك، وحب من يحبك،
وحب عمل يقربنا إلى حبك.
_________________
(١) أخرجه البزار في البحر الزخار، رقم الحديث: (٤١٧٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار من طريق أبي يحيى، عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، رقم الحديث: (١١٧٤٢).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٢٣٥)، وقال: حسن صحيح، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٢٣٥).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
الوكيل والكفيل والكافي -ﷻ-
المعنى اللغوي:
أولًا: (الوكيل):
قال الجوهري -﵀-: «وَكَل بالتحريك، وَوُكَلَة أيضًا مثل هُمَزَة، وتُكَلَة، يقال: فلان وكلَة تُكلَة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، ويتكل عليه … والوكيل معروف، يقال: وكلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوِكالة والوَكالة. والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم: التكلان، واتكلت على فلان في أمري، إذا اعتمدته … ووكله إلى نفسه وكلًا كولًا، وهذا الأمر موكول إلى رأيك … وواكلت فلانًا مواكلة، إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(وكل) الواو والكاف واللام: أصل صحيح يدل على اعتماد غيرك في أمرك، من ذلك الوُكَلَة، والوَكَل: الرجل الضعيف، يقولون: وُكَلَة تُكَلَة، والتوكل منه، وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، وواكل فلان، إذا ضيع أمره متكلًا على غيره، وسمي الوكيل لأنه يوكل إليه الأمر …» (^٢).
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٨٤٤).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٣٦).
[ ٢ / ٥١٠ ]
ثانيًا: (الكفيل):
قال الجوهري -﵀-: «الكِفْل: الضعف، قال تَعَالَى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، ويقال: إنه النصيب، وذو الكفل: اسم نبى من الانبياء -﵈-، وهو من الكفالة … والكفيل: الضامن، يقال: كفلت به كفالة، وكفلت عنه بالمال لغريمه … وكفلته إياه فكفل هو به كفلًا وكفولًا، والتكفيل مثله، وتكفل بدينه تكفلًا، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وذكر الأخفش أنه قرئ أيضًا: (وكفلها) بكسر الفاء» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «(كفل) الكاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على تضمن الشيء للشيء … ومن الباب- وهو يصحح القياس الذي ذكرناه- الكفيل، وهو الضامن، تقول: كفل به يكفل كفالة، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، قال الله -ﷻ-: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وأكفلته المال: ضمنته إياه …» (^٢).
ثالثًا: (الكافي):
قال الجوهري -﵀-: «(كفى) كفاه مؤنته كفاية … وكفاك الشيء يكفيك، واكتفيت به.
واستكفيته الشيء فكفانيه، وكافيته من المكافأة، ورجوت مكافأتك، أي: كفايتك … وكفيك بتسكين الفاء، أي: حسبك» (^٣).
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٨١٠).
(٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٨٧).
(٣) الصحاح (٦/ ٢٤٧٥).
[ ٢ / ٥١١ ]
قال ابن فارس -﵀-: «الكاف والفاء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على الحسب الذي لا مستزاد فيه، يقال: كفاك الشيء يكفيك، وقد كفى كفاية، إذا قام بالأمر، والكفية: القوت الكافي، والجمع: كفى، ويقال: حسبك زيد من رجل، وكافيك» (^١).
ورود أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله الوكيل:
ورد اسم الله الوكيل معرفًا بالألف واللام مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وورد بغير الألف واللام في ثلاثة عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي:
١ - قول الله -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].
٢ - قوله -﷿-: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
٣ - قوله -﷿-: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل:
ورد اسم الله (الكفيل) في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ١٨٨).
[ ٢ / ٥١٢ ]
ثالثًا: ورود اسم الله الكافي:
ورد اسم الله (الكافي) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله -﵎-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦].
ورود اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في السنة النبوية:
أولًا: ورود اسم الله الوكيل:
ورد اسم الله (الوكيل) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي سعيد -﵁-، قال رسول الله -ﷺ-: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ، مَتَى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا» (^١).
عن ابن عباس -﵄-، قال: «أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالُوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قَالَ: هَاتُوا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ؟ قَالَ: تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤْنِثُ الْمَرْأَةُ، وَكَيْفَ تُذْكِرُ؟ قَالَ: يَلْتَقِي المَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجِلِ مَاءَ المَرْأَةِ أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَتْ،
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٣٠٦٦)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث (٢٤٣١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٣١).
[ ٢ / ٥١٣ ]
قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا- قَالَ أَبِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: الْإِبِلَ- فَحَرَّم لُحُومَهَا، قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟ قَالَ: مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ -﷿- مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ- أو فِي يَدِهِ- مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ، يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ، قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: صَوْتُهُ، قَالُوا: صَدَقْتَ، إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الَّتِي نُبَايِعُكَ إِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ -﵇-، قَالُوا: جِبْرِيلُ ذَاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا، لَوْ قُلْتَ: مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [البقرة: ٩٧]» (^١).
ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل:
ورد اسم الله (الكفيل) في السنة النبوية، ومن وروده
ما جاء في حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ …» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث (٢٥٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١١٧)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث (٩٠٢٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات، (٨/ ٢٤٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩٠).
[ ٢ / ٥١٤ ]
ثالثًا: ورود اسم الله الكافي:
لم يرد اسم الله (الكافي) في السنة النبوية.
معنى أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: (الوكيل):
يدور معنى «الوكيل» في حق الله تَعَالَى على معنيين:
١ - الكفيل الذي تكفل بالأرزاق، وتدبير الشؤون، وحفظ الخلائق.
٢ - الكافي خلقه ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، فيتوكلون عليه ويفوضون حاجتهم إليه.
- وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال الطبري -﵀-: «﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه وأقواتهم وسياستهم وتدبيرهم» (^١)، وقال في تفسير قول الله تَعَالَى: «﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره» (^٢).
قال الزجاجي -﵀-: «والوكيل: الكفيل أيضًا، كذلك قالوا في قوله -﷿- في سورة يوسف: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أي:
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ١٣).
(٢) المرجع السابق (٩/ ٤٢٤).
[ ٢ / ٥١٥ ]
كفيل، ويقال: رجل وكلة تكلة، إذا كان يكل أمره إلى غيره» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «يقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه، ومن هذا قول المسلمين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «المستقل بجميع ما يحتاج إليه جميع الخلق من الكفاية والوقاية، والغياث والنصرة، والرزق والإقامة، والحفظ والرعاية، إلى ذلك من معاني التدبير» (^٣).
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
[آل عمران: ١٧٣]-: «يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله، ونعم الوكيل يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تَعَالَى نفسه بذلك؛ لأن (الوكيل) في كلام العرب هو: المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تَعَالَى لهم» (^٤).
_________________
(١) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٣٦).
(٢) شأن الدعاء (١/ ٧٧).
(٣) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٥٠٥).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٢٤٥).
[ ٢ / ٥١٦ ]
قال الزجاج -﵀-: «الوكيل فعيل بمعنى مفعول، من قولك: وكلت أمري إلى فلان إذا سلمته إليه، والله تَعَالَى موكول إلى تطوله الأمور، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «الوكيل: وهو الموكل والمفوض إليه، علمًا بأن الخلق والأمر، لا يملك أحد من دونه شيئًا» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «الوكيل: المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، والذي تولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلًا كفاه، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]» (^٣).
ثانيًا: (الكفيل):
يدور اسم الله الكفيل على معنيين:
١ - الوكيل الذي ضمن للخلق رزقهم، وكفايتهم. ٢ - الشهيد.
وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.
من الأقوال في المعنى الأول:
قال مجاهد -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وكيلًا» (^٤).
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٤).
(٢) المنهاج (١/ ٢٠٨).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).
(٤) تفسير الطبري (١٧/ ٢٨٣).
[ ٢ / ٥١٧ ]
قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم، بعهد الله، الذي عاهد على الوفاء به والناقض» (^١).
قال الحليمي -﵀-: «المتقبل للكفايات، وليس ذلك بعقد وكفالة ككفالة الواحد من الناس، وإنما هو على معنى أنه لما خلق المحتاج وألزمه الحاجة، وقدر له البقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلة، وإقامة الكفاية، لم يخله من إيصال ما علق بقاؤه به إليه، وإدراره في الأوقات والأحوال عليه، وقد فعل ذلك ربنا- جل ثناؤه-؛ إذ ليس في وسع مرتزق أن يرزق نفسه، وإنما الله- جل ثناؤه- يرزق الجماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات» (^٢).
قال القرطبي -﵀-: «يقال منه: كفل يكفل وتكفل يتكفل: إذا ضمن والتزم» (^٣).
قال ابن القيم -﵀-:
وَهوَ الكَفِيلُ بِكُلِّ مَا يَدْعُونَهُ … لَا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِنْ نُقْصَانِ (^٤)
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٢٨١).
(٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).
(٣) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٥٠٩).
(٤) النونية (ص: ٣٠١).
[ ٢ / ٥١٨ ]
من الأقوال في المعنى الثاني:
قال الشعبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «شهيدًا بالوفاء» (^١).
قال القرطبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «يعني: شهيدًا» (^٢).
ثالثًا: (الكافي):
قال الطبري -﵀-: «اختلف القراء في قراءة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: (بكاف عبده) على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا» (^٣).
قال الزجاجي -﵀-: «الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله -﷿- كافي عباده؛ لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم، فقد كفاهم كما قال الله -﷿-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]» (^٤).
_________________
(١) تفسير البغوي (٣/ ٩٣).
(٢) تفسير القرطبي (١٠/ ١٧٠).
(٣) تفسير الطبري (٢١/ ٢٩٣).
(٤) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٨٢).
[ ٢ / ٥١٩ ]
قال الخطابي -﵀-: «الذي يكفي عباده المهم، ويدفع عنهم الملم؛ وهو الذي يكتفي بمعونته عن غيره، ويستغنى به عمن سواه» (^١).
قال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]: «يعني أنهتَعَالَى يكفي مَن عَبَدَهُ وتوكَّل عليه» (^٢).
قال السعدي -﵀-: «الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه» (^٣)، وقال -﵀-: «الكافي عباده كلما إليه يحتاجون، الدافع عنهم كلما يكرهون» (^٤).
اقتران اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.
_________________
(١) شأن الدعاء (ص: ١٠١).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ١٠٠).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).
(٤) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤٦).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله -﷿- الوكيل الكفيل الكافي الذي تولى أمر خلقه بالكفالة والكفاية، فجاءت وكالته وكفالته وكفايته على نوعين:
١ - الوكالة والكفالة والكفاية العامة.
٢ - الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة.
أولًا: الوكالة والكفالة والكفاية العامة:
فوكالته وكفالته وكفايته -﵎- عامة شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، إنسهم وجنهم وبهائمهم بل حتى جامدهم، الصغير منهم والكبير، والحقير والجليل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال -﵎-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، فالوكيل تَعَالَى خلق الخلائق ولم يتركهم هملًا، بل تكفل بأمرهم، وكفاهم إياه من جميع الوجوه خلقًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، وقوتًا ووقاية، وتعليمًا، وهداية، إلى غير ذلك من ألطافه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] (^١)، يقول الطبري
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٦٣).
[ ٢ / ٥٢١ ]
-﵀- في ذلك: «والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته» (^١).
ومن صور الوكالة والكفالة والكفاية العامة:
- الرزق: فتكفل الوكيل الكفيل برزق الخلائق، وكفاهم الكافي مؤونته؛ فهيء لهم من جميع الأسباب ما يغنيهم، ويقنيهم، ويطعمهم، ويسقيهم حتى أنه يسوق الرزق لضعيفهم الذي لا يقوى على جمعه وتحصيله، وييسر عليه تحصيله، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء، والأجنة في بطون الأمهات (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وكان -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِي» (^٣).
- الحفظ: فتكفل الوكيل الكفيل بحفظ الخلائق عما يضرهم، وحفظ عليهم أقوالهم وأفعالهم ومعاملتهم فيما بينهم، وكفاهم الكافي بشهادته عليهم، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ١٣).
(٢) ينظر: المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٠).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ …» (^١).
وأما الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة:
فوكالته وكفالته وكفايته -﵎- لعباده المتقين المتوكلين عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، فتولى الوكيل أمرهم وكفاهم كفاية لا تقييد ولا تخصيص معها، بل تعم أمر دينهم، ودنياهم، وأخراهم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
ومن صور الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة:
رد السوء والأذى عنهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا:
فتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه من كل من أرادهم بسوء وأذى، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقرأ حمزة والكسائي «عباده» أي: يكفي من عبده وتو كل عليه من الأنبياء والمؤمنين (^٢)، ومن شواهد ذلك:
كفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نوحًا -﵇- مما توعده قومه من الرجم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١٢١].
وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ إبراهيم الخليل شر النار مع عظمها،
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩٠).
(٢) ينظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٥٧)، وتفسير ابن كثير (٧/ ١٠٠).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
فأتت كفايته -﵎- بما يخالف السنن الكونية لتتعطل النار عن الإحراق، قال تَعَالَى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت عليه بردًا وسلامًا، لم ينله فيها أذى، ولا أحس بمكروه ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] (^١).
وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ يوسف -﵇- كيد النسوة، فصرف عنه كيدهن، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٢ - ٣٤].
وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ موسى -﵇- بطش فرعون وجنده، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٦ - ٢٨]، «فمنعه الله تَعَالَى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه» (^٢).
وكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ الرجل المؤمن الناصح عقوبات ما مكر فرعون وآله من إرادة إهلاكه وإتلافه، بل قلب كيدهم ومكرهم على أنفسهم، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، فأغرقهم الله تَعَالَى في صبيحة واحدة عن آخرهم (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١)، وتفسير السعدي (١/ ٥٢٦).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٣٦).
(٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٣٩).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ عيسى -﵇- مكر الكفار من إرادة قتله وإطفاء نوره، بل جازاهم على مكرهم مكرًا خيرًا منه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩] (^١).
وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ أصحاب الكهف فتنة قومهم لهم عن دينهم، كما كفاهم قتلهم، قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]، فكفاهم ذلك كله، وجعلهم آية وعبرة لقومهم ومن جاء بعدهم، فأظهر أمرهم، ورفع قدرهم (^٢).
وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا -ﷺ- وأصحابه شر الكفار والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٣٢).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٤٧٣).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
- فكفاهم شر قريش في بدر مع كثرة محاربيهم، وما معهم من العدة الكاملة، والسلاح العام، والخيل الكثيرة، فكفاهم بما أمدهم به من الملائكة، فانقلبوا منتصرين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥]، وقال رسول الله -ﷺ-: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» (^١) (^٢).
- وكفاهم شر أبي سفيان ومن معه من المشركين في أحد، إذ هموا بالرجوع إلى المدينة، واستئصال من بقي من المسلمين، فألقى الكافي سُبْحَانَهُ في قلوبهم الرعب، فاستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] (^٣).
- وكفاهم شر الأحزاب وعددهم وعدّتهم، فلم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل كفاهم بما أرسل على عدوهم من ريح الصبا التي زعزعت مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وبما قذف في
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ١٩٦)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٨١)، حكم الألباني: حسن، فقه السيرة للغزالي: (ص ٢٣٤).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٧/ ١٧٣)، تفسير السعدي (ص: ١٤٦).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٩)، تفسير السعدي (ص: ١٥٧).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
قلوبهم من الرعب، فانصرفوا خائبين، لم يصيبوا خيرًا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة رسول الله -ﷺ- ومعادة دينه، فكفى الله وحده المؤمنين، ونصرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال رسول الله -ﷺ-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ» (^١)، (^٢).
- وكفاهم بعد الأحزاب قتال قريش وغزوهم، فوُضعت الحرب بينهم وبين قريش، فلم تغز قريش بعد ذلك، بل كان المسلمون هم من يغزونهم حتى فتحوا مكة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، وقال رسول الله -ﷺ- بعد الأحزاب: «لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ» (^٣)، وقال أيضًا: «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُوننَا» (^٤) (^٥).
- وكفاه شر اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، فقتل منهم بني قريظة وسبى ذراريهم وقسم أموالهم، وأجلى منهم بني قينقاع، وبني النضير وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا- بنو النضير- أنها مانعتهم من بأس الله، فلم تغن عنهم من الله شيئًا (^٦)، وأذل بعضهم وأخزاهم بالجزية والصغار، فتبارك
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٤١١٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٤).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٤٢)، تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٦)، تفسير السعدي (ص: ٦٦٢).
(٣) السيرة النبوية، لابن كثير (٣/ ٢٢١).
(٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١١٠).
(٥) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٦).
(٦) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٥٧).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
القائل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (^١).
- وكفاه شر المستهزئين به والساخرين في قديم الزمان وحديثه؛ «فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله -ﷺ- وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قِتْلَة» (^٢)، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (^٣).
- وكفاه من دبر وبيت معصيته، ومن أراد خداعه والمكر به، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] (^٤)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، قال ابن كثير -﵀-: «صَالِحْهُمْ وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده» (^٥)، (^٦).
- وكفاهم الشياطين وشرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وعن أنس -﵁-: أن النبي -ﷺ-، قال: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ،
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ١١٦)، وتفسير السعدي (ص: ٦٨).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٤٣٥).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٧/ ١٥٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤٣٥).
(٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٨٩).
(٥) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٤).
(٦) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٤٤)، تفسير السعدي (ص: ٣٢٥).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، قال: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» (^١).
- وأما في الآخرة:
فتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه في الآخرة من كل ما يؤذيهم، ومن ذلك:
كفايته لهم إذا حضرهم الموت الحزن على ما مضى، والخوف على ما يستقبلهم بما ينزل عليهم من الملائكة المبشرين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] (^٢).
كفايته لهم شر فتنة القبر بالتثبيت عند السؤال، والتوفيق لحسن الجواب، قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال رسول الله -ﷺ- في حديث البراء بن عازب -﵁-: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِه، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٥٠٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٢٦)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٨٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٥).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٨).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
رَسُولُ الله -ﷺ-، فَيَقُولانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» (^١).
كفايته لهم ضيق القبر بما يوسع لهم فيه، وظلمته بما يجعل لهم من النور، وعذابه بما يفتح لهم من أبواب الجنة، ووحشته بما يجعل لهم من الأنيس، قال -ﷺ- في حديث البراء: «فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي؛ فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ»، قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قال: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ! فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ؛ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي» (^٢).
كفايته لهم شدة القيامة وهوله بورود الحوض، وبما يمن على من شاء منهم بالظل، وبالنور على الصراط، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، قال ابن مسعود -﵁-: «على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل،
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٧٥٣)، والحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (١٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٥٣).
(٢) تقدم قبله.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا: مَن نوره في إبهامه، يتقد مرة ويطفأ مرة» (^١).
كفايته لهم عذاب النار «فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبًا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]» (^٢).
- ثم إن هذه الوكالة والكفالة والكفاية العامة والخاصة في منتهى الكمال والتمام ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وكيف لا تكون كذلك، وهو الوكيل الحي الذي لا يموت، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وهو الوكيل الملك الذي ملك المشرق والمغرب وما بينهما، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦].
وهو الوكيل الغني، الذي مهما كفل وأعطى خلقه ما سألوه واحتاجوه لم ينقص ما عنده، بل يمينه سُبْحَانَهُ ملأى لا تغيضها نفقة، ولو أن عباده كلهم قاموا في صعيد واحد، فسألوه فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مِن ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِلَ البحر.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ١٧٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٥٣١).
[ ٢ / ٥٣١ ]
وهو الوكيل العليم الذي أحاط علمه بما وكل إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].
وهو الوكيل العزيز الرحيم، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] «بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك» (^١).
وهو الوكيل الحكيم الذي يحكم بحكمه، ولا يضيع من وثق بحسن تدبيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٤٩].
وهو الوكيل الهادي الذي يهدي العبد إلى سواء السبيل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
وهو الوكيل الحسيب الكافي الذي يكفي عبده كل ما أهمه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
وهو الوكيل الذي يرجع الأمر كله إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، فَسُبْحَانَهُ ما أعظمه وأجله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٩).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي) على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسم الله -ﷻ- (الوكيل، والكفيل، والكافي) قاده ذلك لتوحيد ربه -﷿- في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
فأما الربوبية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من قيام بشؤون الخلق كلهم على وجه التفرد تدبيرًا، وتصريفًا، ورزقًا، وهداية، وحفظًا، ونفعًا وضرًّا إلى غير ذلك من أفراد الربوبية، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢] فـ «لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، وهو القيم بجميعه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره» (^١)، وبهذا علم أنه الرب الحق -﵎-.
وأما الألوهية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من استحقاق الله للعبودية وحده لا شريك له؛ فإن الوكيل الذي تولى أمر العباد فتكفل بما يحتاجون إليه من الرزق، والتدبير، والرعاية، والحفظ، والوكيل الذي كفاهم همهم وغمهم وكل ما يضرهم هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١].
واستحقاقه على وجه الخصوص الإفراد بالتوكل وتفويض الأمور إليه، قال تَعَالَى آمرًا عباده بذلك: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]،
_________________
(١) تفسير الطبري (٩/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ ناهيًا عباده عن اتخاذ وكيل غيره:
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].
ويعلم من هذا أن صرف التوكل لغير الله شرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وما رجا أحد مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]» (^١).
«لكن التوكل على غير الله قسمان:
أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله -﵎-.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكل على أمير أو سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا نوع شرك خفي.
والوكالة الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٧).
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: ٤٢٨ - ٤٢٩).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وأما في الأسماء والصفات: فلما تدل عليه هذه الأسماء من أسماء أخرى له -﵎- كالحي، والقيوم، والعليم، والحكيم، والقدير، والقوي، ونحو ذلك؛ وذلك لأنه -﵎- له من الصفات أكملها وأرفعها، فلما كان وكيلًا، كفيلًا، كافيًا فإن تمام ذلك كله وكماله إنما يكون بعلم تام بما تولاه، وقوة وقدرة على التنفيذ، وحكمة في التدبير والتصريف، ولا يكون ذلك إلا من الحي القيوم» (^١).
الأثر الثالث: الثقة في الوكيل الكفيل الكافي:
إذا تأمل العبد اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي)، واستشعر ما فيه من عموم الوكالة التي وسعت جميع الخلائق مع اختلافهم وتعدد حاجتهم، فلم تضق عن أحد منهم دون أحد، ولا عن حاجة دون حاجة بل شملت الجميع؛ أورثه ذلك اليقين بأن وكالته -﵎- لا تضيق عن حاجته التي أهمته، ولا عن حزنه الذي أحاط به، ولا عن مصابه الذي ألم به ولا عن رزقه الذي أشغله، ولا عن عدوه الذي نزل به ولو كان في غاية القوة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
ثم إذا تيقن العبد هذا أورثه ذلك الثقة بالله -﷿- والتعلق به وإنزال حاجته وفاقته به وعدم استكثارها، قال رسول الله -ﷺ- في حديث ابن مسعود -﵁-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (^٢).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٠٨).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٤٦)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٦٤٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ثم هذا يعود على قلبه بالطمأنينة والسكون أمام ما يوجهه من المصائب والأهوال، ويعود عليه بالرجاء بنصر الله على أعدائه، وحسن الظن بكفايته لهم ويذهب عنه اليأس والخوف من المخلوق والإحباط والتشاؤم، ويعود عليه- أيضًا- بعدم الشعور بالقلق والهلع على الرزق والمطالب، بل يتوكل على الوكيل الكفيل الكافي فيها، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ثم يرضى بما قسم له منها، ويعلم أن ما فاته ليس له نصيب فيه، ولو أن له مثقال ذرة فيه لما فات الكفيل إيصاله إليه، فلا تذهب نفسه عليه حسرات.
الأثر الرابع: محبة الله (الوكيل، الكفيل، والكافي) وشكره:
إن العبد حين يعرف ربه بأسمائه (الوكيل، الكفيل، والكافي) ويوقن أنه -﵎- تولاه بالكفالة إيجادًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، فحصل بها وجوده ودوامه وكماله، وتولاه بكفايته عما يحتاجه ويضره في أمر دينه ودنياه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، حتمًا سيثمر ذلك في قلبه محبة وتعلقًا، وإقبالًا، وودًّا للوكيل جل في علاه.
الأثر الخامس: الدعاء باسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي):
فالعبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، فيحتاج إلى كفالة وكفاية وركن يأوي إليه، ويفوض أمره إليه، ويطلب منه عونه، ويعلق عليه رجاءه محسنًا ظنه به، ولذا فإن من أثر يقين القلب باسم الله الوكيل الكفيل الكافي دعاؤه سُبْحَانَهُ بها وما فيها من صفات، والتوسل إليه بالتعبد بها.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ومما جاء عن رسول الله -ﷺ- في ذلك، ما يلي:
١ - دعاء الخروج من المنزل، كما في حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ-: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ … قال: فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» (^١).
٢ - دعاء الاستفتاح، كما جاء عن ابن عباس -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).
٣ - دعاء قضاء الدين في حديث علي -﵁- وتقدم قريبًا-، وفيه قول رسول الله -ﷺ-: «قُل: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ» (^٣).
٤ - دعاء الاستخارة؛ فعن عن جابر بن عبدالله -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٣٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٦٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٦٣).
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضى به ربًّا، الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك، وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة السعادة» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٤٠٦).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
الوكيل الكفيل الكافي يحب المتوكلين
أولًا: تعريف التوكل:
- المقصود بالتوكل:
قال الجرجاني -﵀-: «التوكل هو الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس» (^١).
قال ابن عثيمين -﵀-: «صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تَعَالَى أسبابًا» (^٢).
فتبين مما سبق أن التوكل يقوم على أمرين:
١ - علم القلب وعمله:
قال ابن القيم -﵀-: «التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه» (^٣).
_________________
(١) التعريفات، الجرجاني (ص: ٧٤).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٥٧٥).
(٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢٥٧).
[ ٢ / ٥٣٩ ]
٢ - عمل الجوارح، بالأخذ بالأسباب المشروعة:
فمن كان أكثرُ اعتماده على الأسباب؛ نقص توكله على الله، وقدح في كفايته، وكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.
وبالمقابل: من جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب، لم يحقق التوكل بل وطعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببًا، وربط الأسباب بمسبباتها (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «وسر التوكل وحقيقته: هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله، مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به» (^٢).
ومما يدل على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، ما يلي:
١ - أن الله -﷿- أمر بالأخذ بالأسباب كما أمر بالتوكل، فقال سُبْحَانَهُ لأيوب -﵇-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] مع أن ضرب الرجل في الأرض لا ينبع ماء، ولكن لنعلم أنه لا بد من اتخاذ الأسباب ولو كانت ضعيفة، فالأمر أمره والكون كونه، وقال لمريم مع ضعفها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ومع قدرته -﵎- على أن ينزل لها الرطب جنيًّا، بل مائدة عليها أشهى
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٨٨).
(٢) الفوائد (ص: ٨٧).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
المأكولات من غير هز ولا غيره، إلا أنه سُبْحَانَهُ علمنا بهذا أن نأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة به.
٢ - أن رسول الله -ﷺ- وصحابته من أكمل الناس توكلًا، ومع ذلك أخذوا بالأسباب، فأخذوا الزاد في الأسفار، وتاجروا في الأسواق، واتقو البرد والحر، ولبسوا الدروع والمغافر في الحروب، وأخذ رسول الله -ﷺ- وصاحبه أبو بكر في طريق الهجرة دليلًا يدلهم على الطريق، وخرجا في وقت يغفل الناس فيه، ومن طريق غير متوقع، كل هذا أخذًا بالأسباب، مع أن الله تَعَالَى قال لنبيه -ﷺ-: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
٣ - أن رسول الله -ﷺ- حكى لنا كمال توكل الطيور مع أخذها بالأسباب، قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (^١)» (^٢)، قال المناوي -﵀-: «أشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل، بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب؛ لأن الطير ترزق بالسعي والطلب، ولهذا قال أحمد: ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير
_________________
(١) (تغدو) أي: تذهب أول النهار (خماصًا) بكسر الخاء جمع خميص، أي: جياعًا (وتروح) أي: ترجع آخر النهار (بطانًا) بكسر الباء جمع بطين، وهو: عظيم البطن، والمراد: شباعًا. ينظر: تحفة الأحوذي (٧/ ٧).
(٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث (٢٣٤٤).
[ ٢ / ٥٤١ ]
بيده، لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم، وذلك ينافي التوكل» (^١).
ومن هنا يعلم الفرق بين التوكل والتواكل، فالتوكل فيه أخذ للأسباب المشروعة، أما التواكل فهو ترك الأسباب، وقد قال عمر بن الخطاب -﵁-: «يرفع أحدكم يديه إلى السماء يقول: يارب … يارب … وهو يعلم أن السماء لاتمطر ذهبًا ولا فضة» (^٢).
ثانيًا: منزلة التوكل وفضله:
التوكل على الله -﷿- مقام جليل عظيم، بل ومن أعظم مقامات الدين، وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الله -﷿-، ومما يدل على عظيم منزلته في الدين: أمور عدة، منها:
١ - أن التوكل نصف الدين؛ فالدين توكل وعبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والتوكل شامل للاستعانة؛ إذ الاستعانة تكون على الأعمال خاصة، والتوكل أعم من ذلك، فيكون التوكل لذلك ولجلب منفعة، ودفع مضرة (^٣).
٢ - أن التوكل مطلوب في كل أحوال العبد، سواء كانت دينية أو دنيوية مباحة، ويدل على ذلك: عموم الأدلة الآمرة بالتوكل، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣].
_________________
(١) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (٢/ ٣٠٦).
(٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٢).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٧).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
٣ - أن التوكل من لوازم الإيمان ومقتضياته، بل جعله الله -﷿- شرطًا في الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
٤ - أن الله -﷿- أمر بالتوكل في مواضع عديدة من كتابه، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد أمر الله بالتوكل في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة» (^١)، فأمر الله بالتوكل جاء مطلقًا عامًّا في جميع شؤون الحياة، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وجاء مقرونًا بمقامات معينة، تحتاج إلى مزيد توكل، منها:
أ- مقام العبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣].
ب- مقام الدعوة، قال تَعَالَى عن نبيه نوح الذي مكث في الدعوة والإنذار زمنًا طويلًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١]، وقال سُبْحَانَهُ لنبيه محمد -ﷺ- والأمة من بعده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٦).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
ج- مقام الحكم والقضاء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠].
د- مقام الجهاد والقتال وطلب النصر، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقال تَعَالَى في مقام السلم وانتهاء الحرب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] دال على بقاء التوكل والارتباط حتى بعد المعركة.
ر- مقام الشورى، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ش- مقام طلب الرزق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]،
ص- مقام العهود والمواثيق وإبرام العقود، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨].
ن- مقام الهجرة في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
[ ٢ / ٥٤٤ ]
مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢].
و- مقام المصائب والابتلاء، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
ي- الاستعاذة من الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].
ثالثًا: ثمرات التوكل:
ثمرات التوكل ونتائجه على أهله كثيرة، ومنها:
تحقيق الإيمان؛ فإن الله -﷿- جعل التوكل من شرط الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وجعله من صفات المؤمنين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩].
تحصيل محبة الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا.
التوفيق والهداية والوقاية من كل شر، قال رسول -ﷺ-:
[ ٢ / ٥٤٥ ]
«مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَوُقِيتَ وَكُفِيتَ» (^١).
ومن ذلك: الوقاية من تسلط الشياطين وشرهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
جلب الرزق من حيث لا يحتسب المرء؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (^٢).
حصول النصر والتمكين، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[آل عمران: ١٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
[آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
الشعور براحة القلب وطمأنينته؛ لثقته بالله وحسن ظنه به، كما يؤدي للثبات أمام الشدائد وزوال الخوف من الخلق، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي وعدهم الله به، قال تَعَالَى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] (^١).
دخول الجنة بغير حساب ولا عقاب؛ فعن ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فقال: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^٢).
قال ابن قاسم -﵀-: «فتركوا الشرك رأسًا، ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك: قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به -﵎-، والاعتماد بالقلب
_________________
(١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٢).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٨).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال» (^١).
تحصيل كفايته للأمر الذي توكل فيه العبد عليه؛ فإن العبد إذا توكل على ربه حق التوكل، بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتمادًا قويًّا كاملًا في تحصيل مصالحه ودفع مضاره، وقويت ثقته وحسن ظنه بربه حصلت له الكفاية التامة، وأتم الله له أحواله وسدده في أقواله وأفعاله، وكفاه همه، وجلا عنه غمه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه كل أموره الدنيوية والدينية.
قال ابن القيم -﵀- في توضيح العلاقة بين التوكل والكفاية: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه: أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه؛ كالحر والبرد، والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له- وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه- وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد (ص: ٤٦).
[ ٢ / ٥٤٨ ]
توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك، وكفاه ونصره» (^١).
وقال أيضًا: «ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه- وكان مأمورًا بإزالته- لأزاله» (^٢).
رابعًا: الأسباب المعينة على تحقيق عبادة التوكل:
من رحمة الله بعباده وحكمته أن جعل لكل عمل من أعمال القلوب والجوارح بواعث تدفع النفوس إليه، وتحض عليه، ومما يبعث النفوس على التوكل ويعين عليه جملة من الأمور، منها:
معرفة الله بأسمائه الحسنى؛ فمن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك الحي، القيوم، العليم، الحكيم، الرحيم، اللطيف، العزيز، القادر القدير، الفعال لما يريد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وجد نفسه مدفوعًا إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه.
ومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الكفيل الرزاق ذو القوة المتين، الذي تكفل بالأرزاق لخلقه وضمن لهم وصولها إليهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] فلا يفوت أحد رزقه، ولا يستطيع أحد أن يأخذه دونه- مُلئ قلبه بالتوكل عليه، ومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الناصر القهار الذي ينصر
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٧٦٦).
(٢) مدارج السالكين (١/ ١٠٣).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
أوليائه الذين آمنوا على عدوهم، ويؤيدهم بمعونته، ويملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويمهل، ولا يهمل- توكل عليه وأحسن الظن به.
ومن هنا نجد أن الله -﷿- في عدد من الآيات يربط بين التوكل وبين أسمائه الحسنى، ومن ذلك:
- قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].
- وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].
- وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].
تأمُّل الإنسان في ضعفه؛ فإن العبد إذا تأمل في نفسه وكيف أنه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خُلِقَ من ماء مهين، ثم خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه الله بما أعطاه من أدوات السمع والبصر والفؤاد؛ ليتعلم ما لم يكن يعلم، ومنحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض، إلا أن ذلك كله محدود بما يناسب ضعف البشر وعجزهم، ثم بعدُ يموت ويفنى.
ثم إذا تأمل أن وجوده، وحياته، وبقاءه، وعلمه، وإرادته، كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بالله -﷿-؛ علم حقَّ العلم وتيقَّن أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فقاده ذلك العلم واليقين إلى التوكل عليه والتعلق به تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدَث بالأول، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
تحقيق التوحيد؛ فإن العبد إذا حقق التوحيد كان نصيبه من التوكل أعظم، قال تَعَالَى: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩].
الاشتغال بالآخرة ورضا الله -﷿-؛ فعن عبد الله -﵁-، قال: سمعت نبيكم -ﷺ- يقول: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا- هَمَّ المَعَادِ- كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (^١)، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).
وقال عون بن عبد الله بن عتبة -﵀-: «كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضًا بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح فيما بينه وبين الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (^٣).
الصلاة على النبي -ﷺ-؛ فعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٦)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٧٤٤)، والبزار، رقم الحديث: (١٦٣٨ - البحر الزخار)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث): ٤١٠٦).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٩٨٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث): ٢٤٦٥).
(٣) الزهد، لهناد بن السري (١/ ٣٠٠).
[ ٢ / ٥٥١ ]
النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه. قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي (^١)؟ فقال: مَا شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قال: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (^٢).
قال المباركفوري -﵀-: «وفي هاتين الخصلتين- أي: كفاية الهم، ومغفرة الذنب- جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه» (^٣).
متابعة رسول الله -ﷺ- واقتفاء أثره، قال ابن القيم -﵀-، عند قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]: «والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^٤).
_________________
(١) أي: كم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟ ينظر: تحفة الأحوذي (٧/ ١٢٩).
(٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٧)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٥٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٧).
(٣) مشكاة المصابيح، مع شرحه مرعاة المفاتيح (٣/ ٥٤٦).
(٤) ينظر: زاد المعاد (١/ ٣٦).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
صلاة الضحى؛ فعن عقبة بن عامر -﵁-، أن رسول الله قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، اكْفِنِي أَوَّلَ النَّهَارِ بِأَرْبَعِ رَكعَاتٍ أَكْفِكَ مِنْ آخِرِ يَوْمِكَ» (^١)، قال العيني -﵀-: «أكفك آخر النهار من كل شيء، من الهموم والبلايا ونحوهما» (^٢).
الدعاء وسؤال الله الكفاية كما هو هدي رسول الله -ﷺ-؛ فقد دعا رسول الله -ﷺ- على عامر، فقال: «اللَّهُمَّ اكفْنِي عَامِرًا»، فَكَفَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِفِنَائِهِ، فَرَمَاهُ اللهُ بَالذَّبْحَةِ فِي حَلْقِهِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولٍ (^٣).
وعلَّم أصحابه والأمة من بعدهم سؤال الكفاية؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْه الشَّيْطَانُ» (^٤).
فاللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا الله.
_________________
(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١١/ ١٩٥).
(٢) المرجع السابق.
(٣) المعجم الكبير، للطبراني، رقم الحديث (٥٧٢٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، وفيه عبد المهيمن بن عباس وهو ضعيف، رقم الحديث: (١٠١٢٦).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
المعنى اللغوي:
- قال الجوهري -﵀-: «الولي: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولى، و(كُلْ مِمَّا يَلِيكَ) (^١)، أي: مما يقاربك … والوَلِى: ضد العدو، يقال منه: تولاه …» (^٢).
- قال ابن فارس -﵀-: «الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، من ذلك الوَلْي: القرب، يقال: تباعد بعد ولي، أي: قرب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني …» (^٣).
ورود اسم الله (الولي، المولى) في القرآن الكريم:
أولًا: ورود اسم الله الولي في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الولي) في كتاب الله في مواضع كثيرة، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٧٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٠٢٢).
(٢) الصحاح (٦/ ٢٥٢٨).
(٣) مقاييس اللغة (٦/ ١٤١).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قوله تَعَالَى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
ثانيًا: ورود اسم الله المولى في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (المولى) في كتاب الله في اثني عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].
قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
ورود اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن البراء بن عازب -﵄- قال: «جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذا، حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَومَ وأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، فَهَزَمُوهُمْ، … ثُمَّ أَخَذَ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجيبوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٣٩).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
عن زيد بن الأرقم -﵁-، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله -ﷺ- يقول: كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (^١).
معنى اسم الله (الولي، المولى) في حقه سُبْحَانَهُ:
يرجع معنى اسم الله (الولي، والمولى) إلى معنى الولاية العامة، والولاية الخاصة.
فالولاية العامة: تولي الله الخلق بالملك، والتدبير، والتقدير.
والولاية الخاصة: تولي الله المؤمنين بالمحبة، والتوفيق، والنصر، والتأييد، ونحو ذلك.
وعلى هذا تدور أقوال أهل العلم:
قال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: «نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه» (^٢).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٢).
(٢) تفسير الطبري (٥/ ٤٢٤).
(٣) المرجع السابق (٧/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قال الزجاج -﵀-: «الولي: الناصر، وقال الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو تَعَالَى وليهم بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم» (^١).
قال الزجاجي -﵀- في اسم الله الولي: «فالله -﷿- ولي المؤمنين، أي: ناصرهم ومصلح شؤونهم والمثنى عليهم … ويقال: «فلان ولي فلان» أي: ولي نعمته، أي: قد أولاه نعمته وأنعم عليه، وأسداها إليه، فلم يحل بينه وبينها، فالله -﷿- ولي المؤمنين بإنعامه عليهم وإحسانه إليهم» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: «الولي: المتولي للأمر والقائم به، كـ (ولي اليتيم)، و(ولي المرأة في عقد النكاح)، وأصله من (الوَلْي) وهو القرب، فتكون ولاية خاصة» (^٣)، وقال: «المولى: الناصر والمعين» (^٤).
قال ابن الأثير -﵀-: «الولي: الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق، وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع فيه ذلك لم يطلق عليه الولي فتكون ولايةً عامةً» (^٥).
قال ابن القيم -﵀-: «والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم» (^٦).
_________________
(١) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٥٥).
(٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١١٣).
(٣) شأن الدعاء (ص: ٧٨).
(٤) المرجع السابق (ص: ١٠١).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٢٧).
(٦) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: ٢٢٩).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قال السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]: «الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم» (^١).
وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]: «والله تَعَالَى وليهم وناصرهم ومؤيدهم» (^٢).
اقتران اسم الله (الولي، المولى) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الولي) بالأسماء الأخرى:
أولًا: اقترن اسم الله تَعَالَى (الولي) باسمه تَعَالَى (الحميد).
تقدم بيانه في اسم الله (الحميد).
ثانيًا: اقتران اسم الله (المولى) بالأسماء الأخرى:
اقترن اسمه تَعَالَى (المولى) باسمه تَعَالَى (الحق):
تقدم بيانه في اسم الله (الحق).
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٧٥٩).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٣٤).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الولي، المولى):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الولي- المولى) من الصفات:
الله -﷿- الولي المولى الذي خلق الخلق، فلم يتركهم هملًا، بل تولاهم، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
وولايته -ﷻ- لخلقه على نوعين:
١ - ولاية عامة.
٢ - ولاية خاصة.
فالنوع الأول: الولاية العامة:
الله -ﷻ- الولي المولى، الذي عمت ولايته جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، العاقل منهم وغير العاقل، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فتولى السماوات السبع وما فيهن من الملائكة والأجرام شمسًا، وقمرًا، ونجمًا، وما يتبعها من الليل والنهار، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
وتولى الأراضين السبع ومن فيهن، من الجن والإنس، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦].
وتولى الأنبياء الذي هم أتقى الخلق، كما تولى الطغاة الكفرة الذين هم أفجر الخلق، وتولى الشاب القوي القادر كما تولى الرضيع العاجز الذي لا
[ ٢ / ٥٥٩ ]
يملك حولًا ولا قوة، وتولى الصحيح المعافى كما تولى المريض الطريح، وتولى الغني الفرح كما تولى الفقير الكسير، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
وتولى - أيضًا- البهائم العجماء، فتولى الأسد على عظم قوته وقدرته على فريسته، كما تولى النمل، والعنكبوت، والبعوض، وسائر الحشر على ضعفها وحقارتها، وتولى الصقر القوي كما تولى العصفور الصغير الذي يخرج خماصًا فيعود بطانًا، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وتولى السفن في البحر، كما تولى الطائرات في السماء، والمراكب في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].
وتولى الريح وتصريفها، كما تولى المطر وقطره، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥].
وهذا التولي يقتضي توليه لهم بحكمه القدري، والشرعي، والجزائي:
فالكل تولاه الولي المولى بحكمه القدري، فنفذ فيه ما شاء من أنواع التدبير، وما قضى من التصريف، وما أراد من التقدير خيرًا وشرًّا، ونفعًا وضرًّا، وحياة وموتًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وتولاهم بما قدر لهم من نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأقام لهم مصالحهم وحاجاتهم؛ ابتدأ بالخلق، ثم الرزق، والتعليم، والحفظ، والشفاء، وكشف الضر، وإجابة الدعاء، وإنزال المطر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] (^١).
فالكل تحت ولايته ورعايته، وطوع تقديره وحكمه، لا خروج لأحد عنه طرفة عين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
والكل من الثقلين تولاه الولي المولى بحكمه الشرعي، فأنزل الشرائع التي فيها تحقيق مصالحهم وطيب حياتهم في الدنيا والآخرة، فما من أمة إلا وبعث فيها رسولًا مؤيَّدًا بالبراهين والحجج، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] حتى ختمهم بمحمد -ﷺ- الذي أرسله هدى ونورًا للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
وجمع له الجن مستمعين، فانطلقوا إلى قومهم منذرين، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٩)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤٨).
[ ٢ / ٥٦١ ]
بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].
كل ذلك توليًا من الله لخلقه، ورحمة منه بهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢].
وبعد هذا يُرد الكل لله الولي المولى، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] فيتولاهم بحكمه الجزائي، فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على ما عملوا من الشرور والسيئات، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] (^١).
النوع الثاني: الولاية الخاصة:
فالله -ﷻ- الولي المولى الذي اختص عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين بمزيد من الولاية والرعاية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩].
فتولاهم الولي المولى بالهداية للحق، وإخراجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (^٢).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٩).
(٢) تفسير السعدي (ص: ١١١).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
تولى محمدًا -ﷺ- وصحبه، فأخرجهم من الجاهلية إلى النور، ومن التفرق إلى الاجتماع، ومن الذل إلى العز، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ولا يزال -ﷻ- يتولى من شاء من خلقه، فيخرجهم من الكفر إلى الإسلام، ويخرج من شاء من العصيان والتقصير والتفريط إلى الطاعة والاستقامة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وتولاهم الولي المولى بالتوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والآثام، كما جاء في حديث الولي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^١).
تولى يوسف، فحفظه من الوقوع في الفعل القبيح، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]
وتولى بني سليم وبني حارثة، فحفظهم من الفشل والفرار عن رسول الله -ﷺ-، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق (ص: ١١١).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وتولاهم الولي المولى بالرعاية والحفظ وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
تولى يوسف -﵇- طفلًا ضعيفًا، فصرف إخوته عما هموا به من القتل، وتولاه في البئر وحيدًا، فحفظه من مخاطره ومخاوفه، بل وبشره بيوم يجتمع فيه بأهله وإخوته وينبئهم بفعلهم (^١)، وتولاه غلامًا مبيعًا، فاشتراه عزيز مصر وأكرمه، وتولاه شابًّا فآتاه الحكمة والعلم، وصرف عنه كيد النسوة، وتولاه سجينًا فأخرجه منه عزيزًا ممكنًا له في الأرض، وتولى كيده لأخذ أخاه فأخذه، وتولى أهله فأتى بهم إليه من البدو، ويتولاه في الآخرة كما تولاه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وتولى موسى -﵇- طفلًا رضيعًا، فحفظه في اليم، وحفظه من قتل فرعون وقومه، ثم أعاده لأمه وأهله، وتولاه شابًّا فحفظه من تآمر القوم على قتله، وتولاه في مدين فرزقه عملًا، ومالًا، وزوجًا، ثم تولاه بأعظم صور الولاية، فرزقه النبوة والرسالة، وتولاه بالنصر على فرعون وجنده.
وكذا تولى بني إسرائيل، فأنجاهم من آل فرعون وتعذيبهم، وأغرق فرعون وجنده بمرأى منهم ومسمع، وأورثهم أرض مصر ومكنهم فيها، وأنزل عليهم التوراة هدى ونورًا، وعفا عنهم عبادتهم العجل، وطلبهم النظر إليه، فبعثهم بعد صعقهم، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه، وفجر لهم
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٥).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
الحجر بالماء، وظللهم بالغمام، قال تَعَالَى على لسان موسى -﵇-: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وتولى خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا -ﷺ-، فتولاه طفلًا رضيعًا، فسخر حليمة السعدية لأخذه ورضاعه، وتولاه يتيمًا، فرعاه جده وعمه، وأكرماه أيما إكرام، وتولاه شابًّا، فحفظه من سفه الشباب وسوء فعالهم، فعُرف بحسن السيرة ومكارم الأخلاق، وتولاه بالزواج من خديجة خير النساء، وتولاه في الأربعين، فأكرمه بالوحي والرسالة وأيده بالقرآن العظيم، وتولاه فحفظه من كيد قومه وإرادتهم قتله، وتولاه بالهجرة إلى المدينة ومناصرة الأنصار، وتولاه بالنصر في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين، وتبوك وغيرها، وتولاه فجمع له المال بعد الفقر والفاقة، وتولاه ففتح له مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتولاه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويكرمه في الآخرة بالوسيلة والمقام المحمود، قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ١ - ٩].
وتولاهم الولي المولى بالتأييد والنصر على الأعداء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٠٤٣).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
تولى أنبياءه ورسله، فنصرهم على أقوامهم، على الرغم من قلة الرجال، وضعف العدة والعتاد، وكثرة العدو وقوتهم وشدة بطشهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وتولى أتباعهم، فنصر صحابة رسول الله -ﷺ-، وقبلهم نصر طالوت، وداود، ومؤمن آل فرعون، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥].
وهذه الولاية الخاصة هي الولاية التي نفاها الله عن الكافرين دون الولاية العامة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]؛ فالولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، أما الكفار فوليهم الشيطان، ومولاهم النار، قال تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله الولي المولى على التوحيد:
إذا تأمل العبد في اسم الله الولي المولى؛ قاده ذلك إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وبيان ذلك على النحو الآتي:
دلالة اسم الله الولي المولى على توحيد الربوبية: اسم الله (الولي، المولى) يتضمن الولاية لجميع الخلق بأفراد الربوبية خلقًا، ورزقًا، وتدبيرًا، وحفظًا، وإجابةً للدعاء، ونفعًا، وضرًّا، وإحياءً وإماتة ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وهذا دال على فقر المخلوقات عن جلب هذه الأفراد لنفسها أو غيرها، وبالتالي وحدانية الله -ﷻ- وتفرده بالربوبية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الألوهية: اسم الله الولي المولى يدل على أن العالم العلوي والسفلي ومن فيه من المخلوقات، كله تحت ولايته وتصريفه وتدبيره، وبالتالي جميع هذه المخلوقات فقيرة ضعيفة عاجزة، فلا خلق بيدها ولا نفع ولا ضر ولا رزق، بل ولا حتى الشفاعة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، ومن كان كذلك فهل يصح في عقل أو نقل أن يُتخذ وليًّا من دون الله يعبد؟! أو يتخذ شريكًا وندًّا للولي المولى؟! قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تَعَالَى مبينًا أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] (^١).
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٩٣)، وتفسير السعدي (ص: ٢٥١) و(ص: ٧٥٣).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الأسماء الصفات:
اسم الله -﷿- (الولي، المولى) يقتضي أن يكون سُبْحَانَهُ حيًّا، مالكًا، قادرًا، قويًّا، عليمًا، سميعًا، بصيرًا، خالقًا، رازقًا، حفيظًا، قيومًا، نصيرًا ونحو ذلك؛ إذ لا يتصور في المخلوقات- فضلًا عن الخالق- ولي ميت، عاجز، أعمى، أصم، أبكم، جاهل، لا يملك حولًا ولا قوة.
ويدل على هذا: ما جاء من آيات اقترن فيها هذا الاسم الكريم بأسمائه الأخرى أو صفاته، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله سُبْحَانَهُ:
﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فإذا علم العبد هذا أقر بهذه الأسماء الكريمة والصفات العلية التي يقتضيها اسم الله الولي المولى، على وجه لا تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل معه؛ امتثالًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الأثر الثالث: الثقة بنصر الله (الولي، المولى) لأوليائه، والتوكل عليه، وحسن الظن به:
إن اسم الله الولي المولى، وما فيه من ولاية الله لأهل الإيمان بالنصر والتمكين والغلبة على الأعداء؛ يثمر في قلب المؤمن الثقة بنصره والاطمئنان لوعده، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾
[آل عمران: ١٥٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ويثمر هذا- أيضًا- اليقين بذهاب أعداء الله وإن ظهروا في وقت ما لحكمة، فنهايتهم إلى ذهاب؛ لأنهم مقطوعو الصلة بالله الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، قال النبي -ﷺ- للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).
الأثر الرابع: محبة الله الولي المولى سُبْحَانَهُ:
إن اسم الولي المولى يدفع العبد المستشعر لمعناه إلى محبة الله جل في علاه؛ وبيان ذلك: أن الإنسان إذا تولاه أحد من البشر فكفاه حاجته، وأحسن إليه بالطعام والسقاء والإواء، وحماه من أعدائه؛ أحبه وشعر بفضله عليه، مع أن هذا البشر إنما تولاه لحاجة ومطلب في نفسه دنيوي أو خروي، وولايته لا تنفك عن النقص والخلل.
فإذا كان هذا هو الحال، فكيف لا يحب من هو ولي أمورنا كلها المتكفل بها جميعها، وكيف لا يُحَبُّ من هو ولي النعم كلها، وولي إحسان الخلق كافة، فما أحسن مخلوق لمخلوق ولا تولى مخلوق مخلوق إلا بتولي الله وتسخيره له؟!
وكل ذلك مع تمام غناه عنا، فلا هو محتاج إلينا فيتولى، ولا مفتقر إلينا فينعم، وإنما هو محض فضل منه سُبْحَانَهُ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ثم إذا تأمل العبد في ولايته -ﷻ-؛ وجدها في غاية الكمال والجمال، مبنية على علم تام، وحكمة بالغة، ورحمة واسعة، وعدل لا ظلم معه، أفلا يكون -ﷻ- أحق بالمحبة وأولى؟!
الأثر الخامس: نيل ولاية الله الولي المولى:
لا شك أن معرفة اسم الولي المولى، وما فيه من الولاية الخاصة؛ تثمر لأهلها ثمارًا طيبة في الدنيا والآخرة، منها:
نيل محبة الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وجاء في حديث الولي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ …» (^١).
تولي الولي المولى لشؤونهم الدينية والدنيوية بالإصلاح وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
هداية الولي المولى لهم وتوفيقهم للخيرات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجاء في حديث الولي: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١) (^٢).
قال الخطابي -﵀- في معنى الحديث: «والمعنى: توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها؛ بأن يحفظ عليه جوارحه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش في ما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله» (^٣).
نصر الولي المولى لهم على أعدائهم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، قال النبي -ﷺ- للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^٤).
مغفرة الولي المولى لذنوبهم ورحمته بهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
إجابة الولي المولى لدعائهم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١١١).
(٣) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٤٤).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٧١ ]
قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (^١)، وجاء في حديث الولي: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^٢).
تثبيت الولي المولى لهم عند المصائب والمخاوف، لا سيما عند الموت، قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (^٣).
إكرام الولي المولى لهم بدخول الجنة والنجاة من النار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
كلها تدفع العبد إلى السعي في تحصيلها، والدخول في جملة أهلها وحزبها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
وقد جعل الله لنيلها أسبابًا، ولأهلها أوصافًا، والتي منها:
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٨).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
الإيمان به -ﷻ-، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (^١).
التقوى التي تصدِّق الإيمان، وذلك: بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فكل من كان مؤمنًا تقيًّا؛ كان لله وليًّا» (^٢).
وقال: «وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تَعَالَى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى، كان أكمل ولايةً لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله -﷿- بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله، بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال تَعَالَى في المنافقين-:
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٣٦٨).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فبين -﵎- أن الشخص الواحد، قد يكون فيه قسط من ولاية الله، بحسب إيمانه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله، بحسب كفره ونفاقه» (^١).
محبة الله -﷿- ورسوله -ﷺ-، ومحبة ما يحب الله ورسوله -ﷺ-، وبغض ما يبغض الله ورسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
قال ابن القيم -﵀-: «فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له.
ولهذا أنكر سُبْحَانَهُ على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته» (^٢).
«اتباع رسوله -ﷺ- في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن» (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
_________________
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية (ص: ٢٨).
(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: ٢٢٩).
(٣) تفسير السعدي (ص: ١٢٨).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قال ابن كثير -﵀-: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله … ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول … وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية» (^٢).
وبحسب المتابعة لرسول الله -ﷺ- تكون الولاية؛ قال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح، والعزة والكفاية والنصرة والولاية، والتأييد وطيب العيش، في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^٣).
الصلاح، والقيام بالأعمال الصالحة من الفرائض، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، قال السعدي -﵀-: «الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم» (^٤).
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وجاء في حديث الولي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢).
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٧).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٣١٢).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (^٢)، وجاء- أيضًا- في الحديث عن رسول -ﷺ- أنه قال في حجة الوداع: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ المُصَلُّونَ، مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَيُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ يَحْتَسِبُهَا، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا» (^٣).
القيام بالأعمال الصالحة من النوافل، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وجاء في حديث الولي: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» (^٤).
التقرب بعبادات السر؛ فقد جاء: أن عمر -﵁- خرج إلى المسجد يومًا، فوجد معاذ بن جبل -﵁- عند قبر رسول الله -ﷺ- يبكي، فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله -ﷺ-، يقول: «إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بِالمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» (^٥).
تعلم العلم الشرعي وتعليمه؛ فعن الحسن البصري -﵀- أنه تلا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه الطحاوي في المشكل، رقم الحديث: (٨٩٨)، والطبراني في الكبير رقم الحديث: (١٠١)، والحاكم رقم الحديث: (١٩٧)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (٦٩٠).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه ابن ماجه رقم الحديث: (٣٩٨٩)، والطحاوي في المشكل رقم الحديث: (١٧٩٨)، والطبراني في الكبير رقم الحديث: (٣٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٨٩).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: ٣٣]، فقال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله» (^٢).
ويروى عن الخليل بن أحمد أنه قال: «إن لم تكن هذه الطائفة- يعني: أهل العلم- أولياء الله، فليس لله ولي» (^٣).
فبهذا تنال ولاية الله، لا بمجرد الدعاوى والأماني؛ فهؤلاء اليهود والنصارى ادعوا أنهم أولياء الله وأحباؤه، فرد الله عليهم بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، وادعاها مشركو العرب؛ لسكنهم مكة، فقال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
فليس كل من ادعى الولاية وتظاهر بها يعد وليًّا لله، بل قد يعد وليًّا للشيطان كما هو الحال في أهل الزيغ والضلال الذين تركوا الفرائض، وقارفوا المحرمات، وزعموا أن التكاليف سقطت عنهم؛ لولايتهم، فهؤلاء في الحقيقة أولياء للشيطان، وليسوا من أهل ولاية الله في شيء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. (^٤)
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٠).
(٢) تهذيب الكمال، للمزي (٨/ ٣٣١).
(٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٥٢ - ٥٤).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الأثر السادس: موالاة أولياء الله والحذر من معادتهم:
إذا علم العبد اسم الله الولي المولى وما يقتضيه من اتخاذ الله -ﷻ- أولياء، يحبهم وينصرهم، ويعادي من عادهم، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لي وليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بالحَرْبِ» (^١).
قاده ذلك إلى مولاة من وال الله ومحبتهم ونصرتهم، والتبرؤ من أعداء الله وبغضهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تَعَالَى في الموقف من أعدائه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال السعدي -﵀-: «فأداة الحصر في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم» (^٢)، وهذا من مقتضيات عقيدة التوحيد، القائمة على الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير السعدي (ص: ٢٣٦).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
قال ابن رجب -﵀-: «وأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، قال تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]» (^١).
كما يقوده إلى الحذر الشديد من معادة أولياء الله، لا سيما وأن الله -ﷻ- قال في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بِالحَرْبِ» (^٢)، ومعناه: أعلمته أني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي؛ ولهذا جاء في حديث عائشة: «فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي» (^٣)، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل، سمع النبي -ﷺ- يقول: «وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بالمُحَارَبَةِ» (^٤)، وغاية هذه المحاربة: الهلاك (^٥).
قال الشوكاني -﵀-: «قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث: تقديم الإعذار على الإنذار، قلت: ووجهه: أنه لما قدم معاداة من هو بهذه الصفة من
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٣٣٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٦٨٣٤)، والبزار، رقم الحديث: (٩٩ - البحر الزخار)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه عبد الواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الروايتين وضعفه وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه ابن ماجه واللفظ له، رقم الحديث: (٣٩٨٩)، والطحاوي في المشكل، رقم الحديث: (١٧٩٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٨٩).
(٥) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٣٣٤).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الولاية لله، فكأنه أعذر إلى كل سامع أن من هذا شأنه لا ينبغي أن يعادى، بل على كل من عرف أن هذه صفته، أن يواليه ويحبه، فإذا لم يفعل فقد أعذر الله إليه، ونبهه على أن من عادى يستحق العقوبة البالغة على عداوته، فقال- منذرًا له-: فقد آذنته بالحرب على ما صنع مع ولي» (^١).
الأثر السابع: دعاء الله باسمه (الولي، المولى):
إن اسم الولي المولى يدعو العبد إلى دعاء ربه والتوسل إليه بهذا الاسم الكريم، لا سيما وأن الأنبياء الذين هم قدوة الخلق ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] دعوا ربهم به؛ فهذا يوسف -﵇- يدعو ربه قائلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وهذا موسى -﵇- وصالحو قومه يدعون: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وهذا رسول الله -ﷺ- يدعو قائلًا: «يا وَليَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ» (^٢).
وهذا دعاء المؤمنين الذي أخبر الله عنه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
_________________
(١) ولاية الله والطريق إليها، للشوكاني (ص: ٣٤٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٦٦١)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٢٥٤)، حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٧٦).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
كما يدعو العبد- أيضًا- إلى سؤال الله ولايته ومقتضياتها من الهداية والثبات، والنصر والرحمة والمغفرة، وإصلاح الأمر الديني والدنيوي كله، من غير أن يكل العبد إلى نفسه طرفة عين.
فاللهمَّ يا ولي الإسلام وأهله، مسِّكنا به حتى نلقاك، وأصلح لنا شأننا
كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
[ ٢ / ٥٨١ ]
الوهَّابُ -ﷻ-
المعنى اللغوي:
قال الجوهري -﵀-: «وهب، وهبت له شيئًا وهبًا، ووهَبًا بالتحريك، وهِبَة، والاسم: الموهب والموهبة، بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة» (^١).
قال ابن فارس -﵀-: «الواو والهاء والباء: كلمات لا ينقاس بعضها على بعض، تقول: وهبت الشيء أهبه هبة وموهبًا، واتهبت الهبة: قبلتها …» (^٢).
ورود اسم الله (الوهاب) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الوهاب) في ثلاثة مواضع من كتاب الله، وهي:
قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.
قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
_________________
(١) الصحاح (١/ ٢٥٧).
(٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٤٧).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ورود اسم الله (الوهاب) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الوهاب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كَانَ دُعَاءُ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْعِيدَيْنِ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِيشَةً تَقِيَّةً، وَمِيتَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ وَلَا فَاضِحٍ، اللَّهُمَّ لَا تُهْلِكْنَا فَجْأَةً، وَلَا تَأْخُذْنَا بَغْتَةً، وَلَا تُعْجِلْنَا عَنْ حَقٍّ وَلَا وَصِيَّةٍ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَالتُّقَى، وَالْهُدَى، وَحُسْنَ عَاقِبَةِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ وَالشِّقَاقِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِي دِينِكَ، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^١).
«كان -ﷺ- إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، اللهمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^٢).
عن سلمة بن الأكوع قال: «مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَسْتَفْتِحُ دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بـ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٧٥٧٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه نهشل بن سعيد وهو متروك، رقم الحديث: (٣٢٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦١)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦١).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٨١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف، رقم الحديث: (٢٩٩٦١)، قال الهيثمي: فيه عمر بن راشد اليمامي، وثقه غير واحد، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ١٥٦).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
معنى اسم (الوهاب):
قال الطبري -﵀-: «هو الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء، من ملك وسلطان ونبوة» (^١).
قال الخطابي -﵀-: «الوهاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد، من غير استثابة» (^٢).
قال الحليمي -﵀-: «الوهاب هو المتفضل بالعطايا، المنعم بها، لا عن استحقاق عليه» (^٣).
قال السعدي -﵀-: «الوهاب: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان، الذي عم جودك جميع البريات» (^٤).
قال ابن القيم -﵀- في نونيته:
وَكَذَلِكَ الوَهَّابُ مِنْ أَسْمَائِهِ … فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الأَزْمَانِ
أَهْلُ السَّمَواتِ العُلَى والأَرْضِ عَنْ … تِلْكَ المَوَاهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّانِ (^٥)
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ١٥٦).
(٢) شأن الدعاء (ص: ٥٣).
(٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).
(٤) تفسير السعدي (ص: ١٢٣).
(٥) النونية (ص: ٢١٠).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:
اقتران اسمه (الوهاب) باسمه (العزيز) سُبْحَانَهُ:
- تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوهاب):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوهاب) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الوهاب سُبْحَانَهُ تتابعت نعمه، وفاض كرمه، وزاد بره، وكثر خيره.
«يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويشفي سقيمًا ويخصب عقيمًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًّا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويكسو عاريًا، ويسلي صابرًا، ويزيد شاكرًا، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، ويعطي محرومًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا» (^١).
وكل إحسان للعباد ينطلق من أسمائه تَعَالَى وصفاته إنما هو من هبات الوهاب سُبْحَانَهُ، يعطيها عباده من غير عوض، ولا ثواب، فحري بمن هذه هباته أن يبذل له الحب كله، وأن يعبد وحده لا شريك له؛ إذ لا يستطيع المخلوق، بل الخلائق جميعها، أن تهب شيئًا من الهبات استقلالًا، كما في قوله -﷿-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٣/ ٣٢٥).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[يونس: ٣١]، وكل ذلك في غير استحقاق من عباده ولا حق لهم عليه.
وعليه فحري بمن عرف اسم الله الوهاب وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله هبته وفضله وإحسانه.
الأثر الثاني: استشعار عظم هبات الله تَعَالَى وشموليتها.
الوهاب هو كثير الهبات، ومتنوعها، فهي تشمل الدين، والدنيا، ويمكن تقسيمها كما يلي:
* أولًا: هبات دينية:
ومن أبرزها والتي ورد فيها نص، ما يلي:
هبة النبوة:
وهي من الهبات التي اختصها الله بمن شاء من عباده، وختمها بمحمد -ﷺ-، يقول الله عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقد أنكر كفار قريش نبوة محمد -ﷺ- حسدًا، فرد الله عليهم بأنها هبة من خزائن رحمته، يقول في كتابه: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨ - ٩]، يقول الطبري -﵀- في تفسير ذلك: «أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى: مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما منَّ الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة» (^١).
هبة الهداية:
وهي نوعان:
هداية الدلالة والإرشاد:
وهي من أعظم هبات الوهاب، فهي مصدر التكليف ومناطه، وبها تقوم حجة الله على عباده؛ فإن الله تَعَالَى لا يُدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسل الذين يبينون للناس طريق الرشاد من الغي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
هداية التوفيق:
وهي الهداية الخاصة للأولياء، يقول تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن رزقه الله الهداية رُزِق سعادة الدنيا والآخرة، وإذا دخلت الهدايةُ قلبًا وجد السعادة التي طالما بحث عنها، وفي الدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ» (^٢)، أي: مع من هديت، والمراد بهم: الأنبياء والصالحون، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تستفتح ركعة، بل لا تصح
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ١٥٦).
(٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٧٢٢)، حكم الألباني: صحيح، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، رقم الحديث: (٤٢٩).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
أي صلاة حتى تطلب الهداية، وهي هداية الثبات على الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
ولعظم هذه الهداية كان الدعاء باستدامة هذا الثبات ورسوخه من منهج الأنبياء والراسخين في العلم، فعن أنس -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ -﷿- يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (^١)، ويقول الله تَعَالَى على لسان الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (^٢).
هبة الأخ الصالح والصديق الناصح:
وهم الذين يعينون العبد على الخير، وفي الحديث عن النبي -ﷺ-، قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى» (^٣)، «والبطانة بالكسر: الصاحب الوليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شُبِّه ببطانة الثوب» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٢٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠).
(٢) للاستزادة من مطالعة الهداية الخاصة والعامة يرجع لاسم الله (الهادي).
(٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧١٩٨).
(٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٧/ ٣٢)
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ولذا طلب نبي الله موسى -﵇- من ربه- عندما أرسله- أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله دعاءه، وامتن عليه بذلك، فقال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، ووهب له أخًا صالحًا يعينه، وكانت أعظم شفاعة في التاريخ شفاعة موسى لأخيه، أن سأل له النبوة.
* ثانيًا: هبات دنيوية:
الهبات الدنيوية متتالية متداخلة تشمل الخلائق كلها، ولا تنفك عنهم في أي طَرفة ولحظة، ومنها:
هبة الحياة:
فالله -﷿- هو واهب الحياة من غير طلب، يقول تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
هبة العافية:
تنوعت هبات الوهاب للعبد في بدنه، لحفظ عافيته، ففي جسد الإنسان عدد كبير من الخلايا، وليس معنى ذلك: أنه يملك من النعم في جسده بعدد هذه الخلايا! بل داخل كل خلية العديد من النعم، وكل خلية عرضة لما لا يمكن إحصاؤه من الآفات، والعلل التي من المحتمل أن تصيبها، والله- بقدرته ورحمته- يحفظها في جسد الإنسان من هذه العوارض، ولذا فكثير من دعاء النبي -ﷺ- هو في سؤال العفو العافية، فعن أبي بكر الصديق أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَامَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: اسْأَلُوا اللهَ
[ ٢ / ٥٨٩ ]
العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (^١)، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: تَسْأَلُ رَبَّكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا، والآخِرَةِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (^٢).
وهكذا الإنسان لو ذهب يعدد نعم الله تَعَالَى المثبتة عليه في بدنه، لوجد أنه غير قادر على عدها، ولو استطاع ذلك فكيف له أن يعد نعم الله التي هي عبارة عن نقم دفعها الله عنه، أو ابتلاه بها ثم رفعها عنه! فكشف البلاء هبة من الوهاب.
هبة الأزواج والذرية:
وهم الذين تقرُّ بهم الأعين في الدنيا والآخرة، ومن تتبع لفظ (وهبنا) في القرآن وجد قبلها دعوةً أُجيبَتْ، ومن ذلك: ما جاء في ذكر دعاء عباد الرحمن في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ويقول أيضًا: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، يقول السعدي -﵀- عن هذه الآية: «فيها الإخبار عن سعة ملكه تَعَالَى، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٨)، وقال: حسن غريب، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٨).
(٢) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٤٨٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٢)، وقال: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٢).
(٣) تفسير السعدي (ص: ٧٦٢).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وقد امتن الله على رسله وأنبيائه بما وهبهم إياه من الذرية الصالحة؛ فمنهم:
إبراهيم -﵇-: وهب له بعد كبر السن ووهن العظم إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وجعل في ذريته الكتاب والنبوة، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
داود -﵇-: وهب له سليمان -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].
زكريا -﵇-: وهب له يحيى بعد أن طعن في العمر، وشاخ، وكانت امرأته عاقرًا أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
هبة كشف البلاء:
فكشف البلاء ورفعه عن العباد هبة عظيمة من الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك: قصة أيوب -﵇- حين ابتلاه الله في جسده، فذهب ماله، وفقد ولده، ثم رفع عنه البلاء، ووهبه مثلي ما أخذ منه من الأهل والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].
هبة الملك والسلطان لمن يشاء الله من عباده:
يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقد سأل سليمان -﵇- الوهاب سُبْحَانَهُ الملك، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]،
[ ٢ / ٥٩١ ]
فاستجاب الوهاب له: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩].
ومن تأمل فيما تقدم، كان عليه شكر الوهاب على كثير هباته، وحمده سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
ويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا» (^١).
الأثر الثالث: محبة الوهاب -جل وعلا-:
يورث اسم الله (الوهاب) في نفس المؤمن محبة عظيمة لله سُبْحَانَهُ فهو الذي تتجدد هباته في أمور خلقه كلها بالليل والنهار، بل ومع كل نفس من أنفاسهم، فبيده خزائن كل شيء، وملك كل شيء.
ولا شك أن المسلم إذا تدبر في ذلك وتفكر فيه؛ فسيزداد تعلقًا بالله ورحمته، وكرمه وجوده.
الأثر الرابع: شكر الوهاب على هباته:
تحفظ مواهب الوهاب سُبْحَانَهُ وتزيد بالشكر، الذي هو: «هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٢٩٦).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
جوارحه انقيادًا وطاعة، والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس: هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة» (^١).
وقد أمر الله تَعَالَى عباده الذاكرين أن يكثروا من ذكره، ويداوموا على شكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
يقول السعدي -﵀- في هذه الآية: «﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾، أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]» (^٢).
الأثر الخامس: المحافظة على هبات الوهاب من الفقد:
إن السلب بعد العطاء، والنقصان بعد الزيادة شيء ثقيل على النفس، وهو الحور الذي استعاذ منه النبي -ﷺ-، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ -﵁- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» (^٣)، والحور هو: النقصان، والكور هو: الزيادة، وكان من هديه -ﷺ- في الدعاء أن يقول- أيضًا-: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ
_________________
(١) مفهوم الشكر عند ابن تيمية (١/ ٢٥).
(٢) تفسير السعدي (ص: ٧٤).
(٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٤٣).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^١)، أي: يا الله ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تحصى، ولا تعد، ثم يستعيذ من تحول العافية وتبدلها.
ومن أعظم أسباب زوال الهبات والنعم ما يلي:
- الذنوب والمعاصي:
وقد حذر الله عباده من الذنوب والمعاصي، وبين أنها سبب الهلاك والعقاب، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠].
يقول ابن القيم -﵀- (^٢): «ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب -﵁-: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فأخبر الله تَعَالَى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غير عليه، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.
_________________
(١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٩).
(٢) الجواب الكافي (ص ٧٤).
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فإن بدل العبد المعصية بالطاعة، بدل الله له العقوبة بالعافية، والذل بالعز، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
- كفر النعم، وعدم شكرها:
وقد مضت سنة الله في خلقه أن من كفر نعمة الله، ولم يشكر الله عليها يسلبها منه، ويذيقه ضدها، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].
ومن شواهد ذلك القرآنية: قصة سبأ، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٦].
ويقول سُبْحَانَهُ في موضع آخر: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
الأثر السادس: الصبر عند سلب النعم ورفع الهبات:
فقد يكون المنع هو عين العطاء، والوهاب ما حرم عبده إلا ليعطيه، وما منعه إلا ليقربه، فلكل فعل من أفعاله تَعَالَى حكمة وهدف، ومن سنة النبي -ﷺ- أنه يحمد الله على كل حال، فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الصَّالِحَاُت، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (^١).
ويقول -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).
ومن أعظم الأمور التي تُسلي العبد المؤمن، وتصبره على المصائب ما يلي:
استشعار محبة الله للصابرين، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وقرب الله أجمل من كل قريب، وحب الله أحلى من حب كل حبيب.
ولله در القائل:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتُه عِوَضٌ … وَلَيْسَ للهِ إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ
إرجاع الأمر لصاحبه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وتسليمه الملك لمالكه، وعلمه ألا حق له في النعم، ولله أن يعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأمره كله خير؛ لا يسأل عما يفعل سُبْحَانَهُ، وعن أسامة بن زيد -﵁-، قال: «أرسلت ابنة النبي -ﷺ- إليه أن ابنًا لي قُبض، فَأْتِنَا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» (^١).
الثقة بأن الله يجزي الصابر على مصيبته والمحتسب، بخير مما فقد منه في الدنيا والآخرة، كما قال تَعَالَى في الحديث القدسي: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ»، يريد: عينيه (^٢).
أن الله وإن ابتلى عبدًا بمصيبة فإنما يبتليه بشيء من المصائب، ولكنه يعافيه في كثير من النعم، وينزل عليه- أيضًا- كثيرًا من الرزق، فإذا تذكر العبد ما أنعم الله به عليه هان عليه ما أصابه من البلاء، وأعانه ذلك على الصبر، والرضا بما قدره له الله.
وتأمل في تعليل الخضر لموسى -﵇-، حين قتل الغلام في سورة الكهف ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
فكان ظاهر المصيبة فقد الولد، وباطنها الحفاظ على دين الوالدين، وهو أجلُّ النعم وأعظمها، مع إبدالهما خيرًا من الولد الذي قتل، فهو منعٌ حقيقته عظيم العطاء.
الأثر السابع: السعي للبذل والهبة لمن يستحق ذلك:
التعبد باسم الله (الوهاب) يستلزم أن يكون للعبد حظ من هذا الاسم المقدس، والوهاب من العباد هو الذي يعطي خلق الله ما يحتاجون إليه؛ طمعًا في ثواب الله، وخوفًا من عقابه، ورغبة في الجزاء المقيم في جنة رب العالمين،
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٢٣).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٣).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
يقول تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩].
بل إن من أسباب دوام الهبات والنعم: بذل حقها وزكاتها، بنفع الآخرين، فمن كان ذو موهبة من علم أو صنعة أو مال، عليه ألا يبخل ببذله لمن احتاجه، وإلا نُزعت هذه النعمة، يقول -ﷺ-: «إِنَّ للهِ عِبَادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لمنَافِعِ العِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^١).
ويقول تَعَالَى في النهي عن البخل لمن كان ذا صنعة، في آية الدَّيْن: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي إنفاق المال يقول تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» (^٢).
وقد كان الصحابة -﵃- يتنافسون في البذل والصدقة والهبة لمن يحتاج، فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: مَا أَبْقَيْتَ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٥١٦٢) حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢١٦٤).
(٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٢٨).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُلَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» (^١).
وهذا مصداق لقول النبي -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءِ النَّهَارِ» (^٢).
وفي حديث جامع عظيم عن رسول الله -ﷺ-، يرشد لبذل الخير وإن دق، عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر: « وَتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ والعَظْمَ والحَجَرَ، وتَهْدِي الأَعْمَى، وتُسْمِعُ الأَصَمَّ والأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتَدُلُّ المُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ المُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٣).
الأثر الثامن: دعاء الله تَعَالَى باسمه (الوهاب):
الدعاء نعمة كبرى، ومنحة عظمى، جاد بها المولى الوهاب، وامتن بها على عباده، حيث أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة والإثابة، فما استُجلبت النعم بمثله، ولا استدُفعت النقم بمثله؛ وقد دعا سليمان -﵇- ربه الوهاب بدعوة أجيبت له، وخص بها: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، يقول ابن عاشور -﵀-: «ودلت صيغة
_________________
(١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٧٨)، والترمذي رقم الحديث: (٣٦٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٧٨).
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٥).
(٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٨٨٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٧٥).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
المبالغة في (الوهاب) على أنه تَعَالَى يهب الكثير والعظيم؛ لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة؛ لما يرتب عليه من درجات الآخرة» (^١).
كما كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» فلما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ» (^٢)، وكان -ﷺ- إذا استيقظ من الليل قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، اللهمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^٣).
فكان دعاء المغفرة وسؤال الثبات من رسول الله -ﷺ- لربه باسمه الوهاب، وكذلك سأل الراسخون في العلم ربهم الوهاب أن يثبتهم على الهداية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
فمهما كانت أمانيك ومطالبك في الدنيا والآخرة، سلها كثيرَ العطايا والهبات، وثق بأن الوهاب كريم لا يعجزه شيء سُبْحَانَهُ.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢٣/ ٢٦٣).
(٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث (١٨٥٥)، وقال: إسناد صحيح إن كان أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود سمع من أبيه، ولم يخرجاه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٦٠٠ ]